غزة عبر التاريخ
الجزء الأول (من أقدم العصور حتى الفتح الإسلامي)
إبراهيم خليل سكيك
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يتناول هذا الجزء من الكتاب: تاريخ قطاع غزة منذ أقدم العصور وصولًا إلى الفتح الإسلامي، في محاولة لرسم صورة متكاملة لهذه البقعة التي لم تكن في يوم من الأيام مدينةً هامشيةً في تاريخ المنطقة، بل كانت عقدةً جغرافيةً وحضاريةً تلتقي عندها طرق المشرق العربي بمصر وبلاد الشام، وتتقاطع في رحابها المصالح التجارية والعسكرية والسياسية. وقد اكتسبت غزة أهميتها الاستراتيجية، من موقعها المميز على الساحل الفلسطيني، وقربها من مصر، واتصالها بطرق القوافل القديمة، ولذلك كانت موضع تنافس بين القوى والإمبراطوريات المتعاقبة، وأن تشهد على أرضها فصولًا متتابعة من الصراع والتبادل الحضاري.
ويبدأ المؤلف بالحديث عن مدينة غزة في أصولها الأولى، متتبعًا نشأتها وتطورها العمراني والاقتصادي والاجتماعي والحربي عبر العصور، فلا يكتفي بذكر اسم المدينة، وإنما يحاول أن يستجلي ملامح الحياة فيها: كيف نشأت، وما الموارد التي قامت عليها، وكيف تطورت مكانتها التجارية، وما الذي جعلها قادرة على الصمود أمام تقلبات السياسة والحرب.
ثم ينتقل إلى الحديث عن سكان غزة الأوائل، وما عرفته المنطقة من جماعات بشرية قديمة، قبل أن تتوالى عليها الموجات السامية، وفي مقدمتها الكنعانيون، الذين تركوا أثرًا عميقًا في تاريخ فلسطين ومدنها وسكانها. ويعرض شيئًا من مظاهر حياتهم اليومية، من أنماط الملبس وأدوات الزراعة والصناعة، إلى تربية المواشي ومصادر العيش، حتى تبدو غزة في هذه المرحلة مجتمعًا حيًّا له عاداته ومهنه ووسائل إنتاجه وعلاقاته بمحيطه.
ثم يفرد المؤلف مساحة للحديث عن العلاقات المصرية القديمة بغزة، ولا سيما الحملات الفرعونية التي جعلت من المدينة بوابةً متقدمةً في الطريق بين مصر وبلاد الشام. فيستعرض أشهر الحملات التي ارتبطت بملوك مصر، من سيتي الأول وتحتمس الثالث إلى رمسيس الثاني ومرنبتاح، موضحًا أن غزة لم تكن مجرد محطة عسكرية عابرة، بل كانت موضعًا ذا قيمة استراتيجية في الصراع المصري على النفوذ في بلاد الشام. كما يتتبع أثر الحضارة المصرية في المنطقة، وما تركته مصر القديمة من تأثيرات سياسية واقتصادية وثقافية وحضارية، بحكم طول الاتصال بين الطرفين وتكرار الحملات والوجود المصري في فلسطين.
ثم ينتقل الكاتب للحديث عن علاقة غزة بالحضارات الأخرى ودورهم في تشكيلها الثقافي والحضاري، فيتناول الهكسوس وصلتهم بمصر وبلاد الشام، كما يتطرق إلى أشدود وما كان لها من حضور في تاريخ الساحل الفلسطيني، ثم ينتقل إلى شخصية شمشون الجبار وما ارتبط بها من روايات وأحداث في البيئة الفلسطينية القديمة.
ثم يُدلف سريعاً إلى العلاقات بين غزة وبلاد الرافدين، وبخاصة العراق القديم، موضحًا طبيعة هذه الصلات وما اتصل بها من أبعاد سياسية وتجارية وحربية؛ إذ لم تكن غزة معزولة عن المراكز الكبرى في المشرق، بل كانت جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات التي ربطت فلسطين بمناطق العراق والشام ومصر.
ثم يدخل المؤلف في مرحلة جديدة من تاريخ المدينة، هي عهد الحكم الفارسي، وما ترتب عليه من تحولات في وضع غزة السياسي والاقتصادي وموقعها ضمن منظومة الإمبراطورية الفارسية.
وبعد ذلك يتتبع تاريخها في العصر اليوناني، ولا سيما منذ 332 ق.م.، حين دخلت المنطقة في مرحلة جديدة مع توسع الإسكندر الأكبر، وما أعقب ذلك من تغيرات سياسية وحضارية عميقة. ويتوقف عند غزة والإسكندر الأكبر، ثم يتابع أحوال المدينة في ظل البطالسة والسلوقيين، وما نشأ عن التنافس بين هاتين القوتين من صراعات انعكست على فلسطين ومدنها. كما يعرض ملامح الحياة في غزة خلال العصر الهيليني، وما شهدته المدينة من امتزاج بين الموروث المحلي والمؤثرات اليونانية، وما ترتب على ذلك من تحولات في الثقافة والعمران والحياة العامة.
ويولي المؤلف عناية خاصة لما يحيط بغزة من قرى وضواحٍ ومواقع أثرية، إذ إن تاريخ المدينة لا يمكن فهمه منفصلًا عن محيطها الجغرافي والبشري. فهذه القرى والضواحي كانت امتدادًا لعمران غزة ومجالها الاقتصادي والاجتماعي، كما احتفظت مواقعها الأثرية بشواهد على تعاقب الحضارات وتنوعها.
ومن خلال هذه الآثار يمكن قراءة جانب من التاريخ الثقافي للمنطقة، واستجلاء ما بقي من مظاهر العمران والعبادة والحياة اليومية التي تركتها الشعوب المتعاقبة.
ثم يصل السرد إلى العهد الروماني، حيث تتسع دائرة البحث لتشمل علاقة غزة بالقوى الرومانية وشخصيات سياسية بارزة مثل هيرودوس ويوليوس قيصر، وما شهدته المنطقة في ظل النفوذ الروماني من إعادة تنظيم سياسي وإداري واقتصادي. ويتوقف المؤلف عند الآثار الرومانية التي بقيت شاهدة على تلك المرحلة، كما يتناول مظاهر الوثنية التي كانت حاضرة في الحياة الدينية للمدينة، والمعابد والمعتقدات التي ارتبطت بها.
ثم يرصد التحول الديني الكبير الذي شهدته غزة مع انتشار النصرانية، وما ترتب عليه من تغير في ملامح الحياة الدينية والعمرانية، مستعرضًا أبرز الكنائس التي عُرفت في المدينة، وما تكشف عنه آثارها من رسوخ المسيحية وانتقال غزة من مرحلة دينية إلى أخرى.
ثم يلتفت كذلك إلى علاقات غزة بالدول والممالك العربية القديمة، بما يبرز موقعها في المجال العربي الأوسع. فيتناول صلاتها بالأنباط، وبـمملكة تدمر، وبالغساسنة، وهي علاقات تتداخل فيها التجارة والسياسة والحرب والمصالح الإقليمية. وقد كان اتصال غزة بهذه القوى العربية طبيعيًا بحكم موقعها الذي جعلها معبرًا بين جزيرة العرب وبلاد الشام ومصر، ومركزًا مهمًا في طرق القوافل والتجارة، الأمر الذي أكسبها حضورًا يتجاوز حدودها المحلية إلى المجال الإقليمي الأوسع.
وهكذا يرسم هذا الجزء من الكتاب مسيرة غزة الطويلة قبل الإسلام، لا باعتبارها مجرد تعاقب لأسماء ملوك وإمبراطوريات، وإنما باعتبارها تاريخ مدينةٍ صنعت جغرافيتها جزءًا كبيرًا من قدرها التاريخي. فقد عاشت غزة بين التجارة والحرب، وبين التأثير المصري والآسيوي واليوناني والروماني والعربي، وشهدت انتقالات كبرى في العمران والاقتصاد والمجتمع والدين والثقافة.
وكل حضارة مرت بها تركت في أرضها شيئًا من أثرها، وكل قوة حاولت السيطرة عليها أدركت أن من يملك غزة يقترب من التحكم في أحد أهم المعابر بين مصر وبلاد الشام. ومن ثم فإن دراسة تاريخها القديم ليست دراسة لتاريخ مدينة منفردة فحسب، بل هي نافذة واسعة على تاريخ فلسطين والمنطقة كلها، وعلى حركة الشعوب والإمبراطوريات والأفكار والتجارة التي تعاقبت على هذه الأرض عبر قرون طويلة.
ومما ميز هذا الكتاب أن مؤلفه غزي ينتمي إلى حقل التعليم؛ حيث عمل معلماً وناظراً ومفتشاً ومستشاراً، وفي حقل الإعلام صحفياً وكاتباً اجتماعياً ومحللاً سياسياً، وفي ميدان التأليف واضعاً لعدد من الكتب المدرسية والاجتماعية، منها: دراسة المجتمع الفلسطيني، ومختصر تاريخ فلسطين الحديث، وجغرافية فلسطين، وشريط الذكريات عن غزة.
وهذا الكتاب هو أحد أجزاء ثلاثة وعد بها المؤلف. ومن جميل الصُّدف أن المؤلف وضع سبعة عشر جزءاً في تاريخ غزة وحدها، نُشرت عناوينها في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، كما يلي:
الجزء :١ من أقدم العصور حتى الفتح الاسلامى. المقدمة ١٩٨٠.
الجزء :٢ غزة عبر التاريخ الإسلامي، من الفتح الإسلامي حتى الفتح العثمانى. [١٩٨٠].
الجزء :٣ غزة عبر التاريخ العثمانى. المقدمة ١٩٨٠.
الجزء :٤ تحت الانتداب البريطانى. المقدمة ١٩٨١.
الجزء :٥العمليات الحربية فى الديار الغزية، ١٩٤٨. المقدمة ١٩٨١.
الجزء :٦ القرى العربية في الديار الغزية. المقدمة ١٩٨٣.
الجزء :٧ قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، ١٩٤٨-١٩٥٧. المقدمة ١٩٨٢.
الجزء :٨ قطاع غزة تحت الادارة المصرية، ١٩٥٧-١٩٦٧. المقدمة ١٩٨٣.
الجزء :٩ آثار وامجاد. المقدمة ١٩٨٣.
الجزء :١٠ ذكريات وانطباعات عن غزة قبل نصف قرن. بدون تاريخ. يعتبر هذا الجزء اعادة منقحة ومجددة لكتاب شريط الذكريات عن غزة قبل نصف قرن، لابراهيم خليل سكيك.
الجزء :١١ ذكريات وتأملات عن المجتمع الغزى. بدون تاريخ.
الجزء :١٢ ذكريات ماضية - ١٩٥٦، وأحوال حاضرة. المقدمة ١٩٨٤.
الجزء ١٣، [القسم ١]: حكايات وأمثال شعبية. المقدمة ١٩٨٤. [وعلى الغلاف: الجزء ١٢!]
الجزء ١٣[القسم ٢]: غزة في الوقت الحاضر. بدون تاريخ.[وفي صفحة العنوان وعلى الغلاف: الجزء ١٣!].
الجزء ١٤: صور من الماضى والحاضر. المقدمة ١٩٨٨
الجزء :١٥ موضوعات وذكريات تاريخية واجتماعية. [غزة، مكتبة ومطبعة منصور]، المقدمة ١٩٩٤.
الجزء :١٦ الانتفاضة - والكفاح الفلسطيني. بدون تاريخ.
الجزء :١٧ شخصيات عرفتها ومواقف شهدتها. غزة، دار المقداد للطباعة، ٢٠٠١.
_________________________________________
مقدمة المؤلف
إبراهيم خليل سكيك
طالما شعرت بحاجة القراء والباحثين إلى كتاب لمدينة غزة يبرز مجدها التليد وتاريخها الطويل والأحداث التي مرت بها في عمرها المديد الذي يُقدر بعشرات القرون. كنت أشعر بحاجة المكتبة العربية إلى سِفر كهذا، لكنني أشعر في قرارة نفسي بأن موضوعاً ضخماً كتاريخ غزة يحتاج إلى جهابذة يتفرغون له طويلاً حتى يتسنى لهم إنجازه.
وقد سبق أن قمت بوضع شذرات من هذا التاريخ في ثنايا مؤلفات مدرسية قديمة، ولما أخرجت كتابي "شريط الذكريات عن غزة" قبل نصف قرن، رحب به الكثيرون، ولامني آخرون كانوا يأملون مني جهداً أكبر في إخراج كتاب تاريخي علمي لهذه المدينة، وبعثت رغبة المواطنين في نفسي ثقة جديدة، فشمرت عن ساعد الجد، وواصلت العمل مستعيناً بدراساتي ومطالعاتي التاريخية السابقة، وما استطعت الحصول عليه من مصادر حتى أتممت تاريخ غزة حتى الفتح الإسلامي، فرأيت أن أخرجه للقراء كجزء أول ريثما أنجز جزءاً ثانياً عن تاريخها حتى 1948، ثم جزءاً ثالثاً عن تاريخ قطاع غزة منذ 1948، وأسأل الله أن يديم علي نعمة الصحة والقدرة حتى أتم هذه المنجزات.
ولم أوجه همتي لأجعل كتابي هذا سرد حياة لأشخاص عظماء، أو وصف معارك، أو تاريخ آثار وأقوال، وإنما كان اهتمامي الأكبر تسجيل حياة سكان عاشوا في هذه المدينة على مختلف عصورها، فلا بد أن نشاهدهم يعيشون حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية والحربية، ونشهد ما شهدوه من تقلبات الدهر وأحداث الزمن، راجياً أن أكون قد وفقت لما هدفت، وأن يلقى كتابي هذا من التشجيع ما يدفعني للاستمرار في هذه المسيرة، وأن أحظى بتعليقات القراء وتوجيهاتهم وانتقاداتهم البناءة، فالكمال لله والعصمة للأنبياء.
ولا بد أن أذكر هنا ما يلقاه الكاتب عادة من صعوبة في فصل موضوع البحث عن مواضيع أخرى مرتبطة به؛ لهذا وجدت صعوبة في فصل تاريخ غزة عن سواها من المنطقة أو المناطق المجاورة، كما وجدت صعوبة في سرد تاريخ هذه المدينة بمعزل عن الحركات التاريخية الكبرى، لهذا كان لا بد لي من التعرج أحياناً إلى مواضيع جانبية والاستطراد أحياناً لشرح حركات هامة ذات صلة بموضوع الكتاب حتى يكون البحث وافياً.
وقد بسطت أسلوب الكتاب ليكون شيقاً ممتعاً للقارئ العادي الذي يخرج منه بفكرة واضحة عن أحوال الأجداد من سكان هذه المدينة، وأملي أن أكون قد أديت حق مدينتي التي أحببت وأمتعت مواطنيَّ الذين أعززت، وأضفت شيئاً إلى الخدمات والجهود التي سبق أن بذلت، وملأت فراغاً طالما به شعرت، فمعذرة للقارئ إن أطلت، وشكراً لجميع من به اهتديت.
غزة في يناير 1980، إبراهيم خليل سكيك.
_________________________________________
نبذة عن المؤلف إبراهيم خليل سكيك
للكاتب والمربي الغزي إبراهيم خليل سكيك، المولود في غزة عام 1920؛ حيث تلقى تعليمه الأولي بالكتاتيب على يد الشيخ حسن أبو شهلا في حارة الدرج إبان فترة الانتداب، ليتابع دراسته الابتدائية في المدرسة الأميرية (الراشدية) وثانوية المدينة، قبل أن يلتحق بالكلية العربية في القدس ويتخرج منها عام 1938.
بدأ مسيرته التدريسية معلماً في مدرسة المجدل عسقلان قبيل أحداث النكبة في الأربعينيات، ثم واصل رسالته التعليمية في مدارس غزة بعد عام 1948، فتولى التدريس في مدرسة الإمام الشافعي الثانوية، ومدرسة فلسطين مطلع الخمسينيات، ومدرسة الزهراء بين عامي 1954 و1959.
وعلى الرغم من أن إبراهيم سكيك لم يترك خلفه سوى مؤلفات معدودة بعيداً عن مشاركاته في وضع المناهج المدرسية بالقطاع، إلا أن مسيرته التأليفية امتدت عبر عقود طويلة؛ بدأت بكتابه الأول "شريط الذكريات" وصولاً إلى موسوعته البارزة "غزة عبر التاريخ".
وقد عاصرت مؤلفاته وسيرة حياته تحولات جذرية كبرى شهدتها المدينة، تحولت فيها غزة من واحة هادئة تحيط بها المساحات الريفية قبيل النكبة، إلى قطاع ضيق تحاصره مخيمات اللجوء التي غدت تحيط بقلب المدينة التاريخي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق