أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 30 أغسطس 2026

رقائق القرآن إبراهيم السكران بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رقائق القرآن

إبراهيم السكران

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: كلما استطاع المسلم التخلص من الضباب الكثيف الذي يصنعه الانهماك في الدنيا، والاشتغال بها، ومنح نفسه ساعة تأمل لآيات ربه في لحظة صفاء، وتذكر قرب لقاء الله، فإنه سيتفاجأ بحيوية جديدة تدب في نفسه، سيشعر كأنما قام قلبه باستحمام إيماني يزيل عنه العوالق والأوضار، ستتغير نظرته لكثير من الأمور.

تارةً نشعر بدفء الإيمان في قلوبنا يتصاعد، فيرقُّ القلب ويلين ويخف ويرفرف، فتنيب النفوس وتذعن، حتى نجد في نفوسنا اندفاعًا لافتًا للعمل الصالح، ونفورًا من المعصية. وتاراتٍ أخرى نشعر بالإيمان في نفوسنا يتبلد ويفتر، حتى نجد من استثقال الطاعات والتكاسل عنها ما يشعرك أنك مكبل، كأنك تمشي في قيود، وتستوعر الخطى.

هذه أحاسيس لا يكاد يخلو أحدنا منها، لكن إلى أي مدى، يا ترى، يقسو القلب ويتجمد الإيمان فيه؟ وما هي أدنى مراحل يبوسة القلب؟

ويمثل هذا الكتاب (رقائق القرآن) جزءًا من هدايات القرآن وأسراره في تليين القلوب، وتزكية النفوس، وبناء الجانب الجمالي والأخلاقي والتعبدي فيها، وترسيخ معاني الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، بالإضافة إلى أنماط المعايشة التي خاضها تحت سراج القرآن، كما يقول الكتاب. وخلاصة ما فيه: الكشف عن المعنى الحقيقي للحياة والخلود والنعيم، ذلك المعنى الأسمى من هذا الحطام الصغير المؤقت.

يقول االشيخ إبراهيم السكران: هل تعلم، يا أخي الكريم، أن أحد الموظفين قال لي مرة: إنه منذ عشر سنوات تقريبًا لم يصلِّ الفجر إلا مع وقت الدوام، يقولها بكل استرخاء، مطبقًا على إخراج صلاة الفجر عن وقتها منذ عشر سنوات..!

يبدأ الكتاب بنسج حديث حواري، يتضمن قصة قريبه الذي جاء لزيارته وطلب منه كتبًا عن صلاة المسافر، ثم توفي بحادث طرق. ويستغل هذه الحادثة ليبين أن نهاية الإنسان قريبة. ويصور في ذلك (الفرار النفسي) من الموت، وكيف أن القرآن صوّر هذا الفرار تصويرًا تبكيتيًا حين قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقول: وهَبْ أنك فررت، وافترض أن خطرًا من الأخطار سلمت منه؛ فحتى ما ستعيشه بعد ذلك سيظل فترة زمنية محدودة، يقول تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

الموت قدرٌ محتوم … وليس شيئًا محايدًا

فحتى لو سلمت من خطر معين، فسيظل المتاع قليلًا، وسيأتي خطر لن تفر منه.. وصوّر القرآن معنى آخر قريبًا من الفرار، وهو (التحايُد).. ذلك أن ((الفرار)) ابتعاد عن موضع الخطر، وأما ((التحايُد)) فهو أشبه بمحاولة التحاشي عن سهام الموت، يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.. فلن ينفع الفرار، ولن ينفع التحايُد، وستأتي قريبًا ساعة الانتقال للدار الأبدية.

نسير إلى آجالنا المكتوبة

بل تأمل ما هو أعجب من ذلك، وهو أن الإنسان يسير بقدميه إلى الموضع الذي كتب الله وفاته فيه، وهو لا يعلم القدر المخبوء، حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.

لن تغني عنك القصور المشيدة ولا الحصون العالية… لأنه الموت

ومن جملة التعلق بالأسباب المادية أن كثيرًا من الساسة والأثرياء يتوهمون أنهم في قصورهم المشيدة أبعد ما يكونون عن مخاطر الموت من سكان الشقق والصفيح والأحياء العشوائية، والقرآن يكشف هذا الشعور المزيف، حيث يقول تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.

السلامة من الموت هل هي نعمة أم قدر؟

بل إن بعض الجهلة إذا ذُكر له أن رجلًا من الناس مات في سبيل الله، يقع في قلبه أن سلامته هو من هذا الموت نعمة من الله! وهذا نظير تفكير عبد الله بن أُبيّ حين حكى الله تصرفه ومقالته: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.

سينتهي هذا الاحتفال يومًا… حفلة التكاثر

والناس اليوم كأفراس رهان على المناصب، والمساكن، والسيارات، والملابس، لا يكاد أحدنا يلتقط أنفاسه من هذه المنافسات الاجتماعية على حطام الدنيا.. وقد نبّه القرآن على هذا المعنى الواسع بأوجز عبارة وأبلغ صياغة، بالله عليك تأمل قول ربنا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾.

أرأيت أين تنتهي حفلة التكاثر هذه؟ تنتهي عند أول ليلة في القبر، وحينها يكتشف أحدنا أنه ضيّع حياته المستقبلية الحقيقية، ولكن بعد ماذا؟ بعد فوات الزمن المحدد من الله جل وعلا.

حتى أقرب الناس إليك… يتخلون عنك

ثم انظر إلى (آية) من كتاب الله كادت تذهب بلبّي وأنا أقرؤها، فكل ما أعرف من رحمة الأبوة والأمومة بأطفالهم فإنه سيذهب بها هول لحظة مشاهدة النار يوم القيامة، فيتمنى الأب العطوف والأم الحنون أن يتخلصا من هذه النار حتى لو أرسلا فلذات أكبادهما إليها، يقول الحق تبارك وتعالى في مشهد مرعب: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾.

لحظة الصدمة … حين يلقى المرء ربَّه

لحظة الصدمة تقع دومًا حين يتذكر المؤمن لحظة لقاء الله، وقرب هذه اللحظة. وقد أشار القرآن إلى مفارقة مؤلمة، وهي شدة قرب لقاء الله، مع كون الإنسان يغفل كثيرًا عن هذه الحقيقة، لقاء الله قريب ولا زلنا غافلين، كما قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.

الساعة تأتي بغتة .. فهل أنت مستعد؟!

في ستة مواضع من كتاب الله وصف الله تعالى ذلك اليوم بأنه يأتي ((بغتة))، أي مفاجئ، كما قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾، ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾، ونحوها.. فيا ليت شعري، على أي حال سيباغتنا ذلك اليوم؟!

أيهما أقسى: قلبك أم الحجر؟!

وتأمل هذا التصوير القرآني لبعض قلوب بني آدم؛ حيث يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.

يقول إمام التفسير في زمانه قتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٨هـ)، وقد لاحظ هذه المقارنة القرآنية بين الصخور وبعض قلوب بني آدم، فعلّق تعليقًا بديعًا قال فيه: ((عَذَرَ اللهُ الحجارةَ، ولم يعذر شقيَّ بني آدم))!

قسوة القلب تدخل على القلب الزيغ والتحريف

المرء إذا قسا قلبه؛ فإنه يتجلجل في الخصومة، وإذا ناء به الخلاف، واشتطت به نفسه؛ بحث عن القول الذي يوافق تقصيره، ويحني رماح النصوص كي لا تصيبه، أو يلوي أعناقها لتعزز مساره، كما قال الله تعالى في وصف تأثير قسوة القلب على تحريف النصوص: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.

العلاقة بين الغفلة عن الذكر وقسوة القلب

في قول الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. والمعنى، كما رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري - رحمه الله -، أن قلوبهم قست ببُعدهم عن ذكر الله، كما يقول ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره: فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت))، تفسير الطبري: ١٩٠/٢٠.

ألا تُصلُّون؟!!!

روى البخاري عن علي بن أبي طالب: ((أن رسول الله طرقه وفاطمة بنت رسول الله ليلة، فقال لهما: ((ألا تصلون)). وقد علّق الطبري على هذه الواقعة تعليقًا بديعًا قال فيه: (لولا ما علم النبي من عظم فضل الصلاة في الليل؛ ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكنًا؛ لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾.

هلُمَّ إلى السهر الإيماني

في سورة الزمر، لما ذكر الله عددًا من الآيات الكونية، عرض هذا السهر الإيماني بصيغة أخرى، لكن فيها من التشريف ما تتضعضع له النفوس، لقد جعل الله هذا السهر الإيماني أحد معايير (العلم)!

نعم، قيام الليل أحد معايير العلم بنص القرآن، وهذا أمر لا تستطيع بتاتًا أن تستوعبه العقول المادية والمستغربة؛ لأنها لم تتزكَّ بعد بشكل تام، ولم تتخلص من رواسب الجاهلية الغربية.

لاحظ كيف دلت خاتمة الآية على التشريف العلمي لهذا السهر الإيماني، إذ يقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

وقد يقول قائل: لكن كثيرًا ممن لا يقنت آناء الليل نرى بالمقاييس المادية المباشرة أن لديه علمًا؟

فالجواب: أن القرآن اعتبر العلم بثمرته لا بآلته فقط، وثمرة العلم العبودية لله، فمن ضيّع الثمرة لم تنفعه الآلة. ثم لاحظ كيف وصفت الآيات تنوع العبادة: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾.

المؤشرات الظاهرة على الإيمان الباطني

وفي أواسط سورة السجدة ذكر الله المؤشرات الظاهرة التي تدل على إيمان الباطن، حيث استفتحها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ الآية، وفي ثنايا تلك المؤشرات صوّرت الآيات مشهد ذلك المؤمن الصادق، وهو في فراشه، تهاجمه ذكرى الآخرة، فلا يستطيع جنبه أن يسترخي للنوم، تأمل قول الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.

بعض التفسيرات تأتي على جهة التمثيل لا التحديد

وقد نبّه على هذه القاعدة الإمام ابن عطية (ت ٥٤٢هـ) بعبارة من عيون علوم القرآن، كما قال -رحمه الله-: ((وإنما عبّر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات، فجعلها المتأخرون أقوالًا)).

ومن تعامل مع كتب المتأخرين في التفسير، كـ«زاد المسير» مثلًا؛ أدرك عبقرية عبارة ابن عطية هذه، وقد تأثر بها ابن تيمية، واستثمرها، وأقام عليها قاعدة كاملة من قواعد التفسير، شرحها في مواضع متعددة، كقول ابن تيمية عن تفسير السلف: ((أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه)).

ومن أمثلة ذلك، أنك تجد بعض السلف يُسأل مثلًا عن قول الله (والباقيات الصالحات) فبعضهم يقول: لا إله إلا الله، وبعضهم يقول: سبحان الله والحمد لله، وبعضهم يقول: الصلوات الخمس، ونحو هذه التفاسير، فيأتي بعض المتأخرين فيظنها أقوالًا في تفسير الآية، وإنما أراد بها الإمام من أئمة السلف التمثيل للباقيات الصالحات، لا التفسير الحاصر لمعنى الباقيات الصالحات!

فمن أدرك هذه القاعدة واستوعبها جيدًا، أعني قاعدة ((تفسير التمثيل))؛ ضاق أمامه الخلاف في التفسير جدًا، وميّز بين اختلاف الأقوال، واختلاف الأمثلة.

التسبيح والرضا النفسي

وبكل صراحة، فإن هاتين الظاهرتين (التسبيح) و(الرضا النفسي) لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرّت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سر هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح سائر اليوم سببًا من أسباب الرضا النفسي، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.

وقد كنت تحدثت مرةً مع أحد أقراني بهذا المعنى في هذه الآية، أعني العلاقة بين التسبيح والرضا النفسي، فذكر لي أنه مرّت به آيةٌ أخرى تشير أيضًا إلى هذه الرابطة، وهي قول الله في خاتمة سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.

حتى الجمادات تُسبَّح

أشار الإمام ابن تيمية إلى هذه الحالة الخاصة الاستثنائية في فهم لغة المخلوقات، فقال رحمه الله: (بل هو سبحانه يُنطق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين، كما قال عن داود -عليه السلام-:
﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، والحصى قد سبّح في كف نبينا، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وكان أبو الدرداء وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القدر، وقال النبي: ((إني لأعلم حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن))، وهذا باب واسع. انظر: بيان تلبيس الجهمية: ٤٥٩/٨، طبعة مجمع الملك فهد، ت: راشد الطيار.

خاتمة

ما سبق كان نظرات وخطرات في بعض معاني الإيمان والتدين التي استعرضها القرآن، وهي تدور حول استحضار الآخرة ولقاء الله، والأحداث التفصيلية التي قصها القرآن عما سيحدث في هذا اليوم القريب القادم، وما وصفه القرآن من قسوة بعض القلوب حتى تتفوق على الصخور، وتعظيم كثير منا لدنياه أكثر من تعظيمه لصلاة الفجر، بل تقديم بعضنا لحظات الترفيه على الصلاة، وبهاء صورة المتهجدين بالليل حين رسمها القرآن، وخطورة استبعاد وقوع النفاق وأنه يقع بأمور نتهاون فيها، وتفخيم القرآن لشأن التسبيح حتى جعل الله العالم من حولنا يعج به، وغفلة كثير منا عن القوة الساحقة التي يثمرها التوكل، وأثر الحسم والجزم والثقة واليقين بخبر الله ورسوله في صعود المؤمن إلى أعلى مراتب الدين، وأخيرًا، العجب من سيئات قد تُحسب على المرء وهو لم يفعلها.

وهذه المعاني الإيمانية ليست إلا نماذج يسيرة جدًا مما احتواه القرآن بأمثلته وقصصه وبراهينه وتنبيهاته، وفي مطاوي آيات القرآن بحر لا تُعرف شواطئه من حقائق التدين وأسرار العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، ودقائق التعامل مع الخالق جل وعلا.

والقارئ الكريم، ليس بعاجز، بإذن الله، أن يتدبر القرآن وينفع أهله وأصدقاءه بمعاني الإيمان، وحقائق التدين والتنسك، والدروب التي توصل إلى الله سبحانه.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق