أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 24 أغسطس 2026

هل الإسلام هو الحل لماذا؟ وكيف؟ د. محمد عمارة بقلم: أ.محمد ناهض عبد السلام حنونة

هل الإسلام هو الحل لماذا؟ وكيف؟

د. محمد عمارة

بقلم: أ.محمد ناهض عبد السلام حنونة


 تمهيد: بالطبع؛ فإنَّ الإسلام هو الحل، ولكنّه ليس الإسلام الذي تُسيء بعض الجماعات تمثيله وفهمه؛ فتقوم باختزاله في شعارات الصراع، ومنابر التحريض، أو تجعل منه غطاءً لأهواء أفرادها أو نزوات قادتها، وليس الإسلام الذي تُغلّب فيه لغةُ الحقد والكراهية والعدوان على لغة المحبة والتسامح والرحمة، وليس الذي تستبدل فيه خطابات الأخوة والتعاون والتسامح بمنطق الإقصاء والخصومة والاستعلاء، وليس هو أيضاً الإسلام الذي يُقدَّم فيه الولاء للجماعة والحزب والقادة على حساب التجرد للحق والعدل والدين

ونحن نعلم أن ما يُقدمه البعض على أنه الإسلام؛ لا يمتُّ إلى حقيقة الإسلام بصلة، لأن الفهم المشوَّه للدين والتدين والالتزام أصبح حجابًا يحول دون رؤية الإسلام في سماحته وعدله ورحمته؛ ولذلك حمَّل هؤلاء الدين أوزارَ نفوسهم التي لم تتحرر من تلك الممارسات الأنانية والفانتازية.

لقد مثّل الإسلام الحقيقي الرؤية الشاملةً للإنسان والكون والحياة، وقدم منهاجًا كريماً لإقامة العدل وصيانة الكرامة وبناء الإنسان والأخلاق والحياة. فالإسلام الذي يحمل في طياته النهوض والحضارة والقيم الجمالية هو إسلام القرآن وهو الذي يُعبّر عن مقاصده الكبرى، إنه إسلام العلم والعمل والرحمة والحرية والشورى والمسؤولية، إسلامٌ يربط صلاح الفرد بصلاح المجتمع، وقوة الأمة بوعيها بتماسكها ووحدتها، ويجعل الدين مصدرًا لتحرير الإنسان من الظلم والاستبداد والجهل، وطاقةً لبناء الحضارة وإصلاح الواقع وتجديد الحياة.

لقد ضاقت أخلاق البعض في إيجاد مساحة للاجتهاد حتى صار الاختلاف في الرأي خصومةً في الدين (تستمر لسنوات وسنوات وسنوات)، وتحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحيانًا من مسؤوليةٍ دينية وواجباً يفرضه الضمير إلى أداةٍ للتشهير والتخوين والتهجم. لكن الإسلام أوسع من تجارب كل تلك الجماعات، وأرحب من جميع اجتهادات الأحزاب، وأعمق من كل تلك الشعارات السياسية؛ ولذلك فإن معيار الحكم على أي تجربة إسلامية هو مقدار اقترابها من مقاصد الإسلام في العدل والرحمة والحرية والشورى وحفظ الكرامة وإتقان العمل وصيانة حقوق الإنسان. 

فالجماعة مهما كانت آراؤها تظل في دائرة الاجتهاد البشري، والحزب مهما كان برنامجه يظل خاضعاً للتجارب السياسية، والحركات مهما كانت وظيفتها؛ فإنها لا تعدو كونها وسيلة من الوسائل، وكل ذلك يخضع للنقد والمراجعة والتقويم (السليم والمتحرر). ولذلك نرفض وبشكل قاطع تحويل أي من تلك التجارب والحركات والتنظيمات (التي هي في الحقيقة أدوات) إلى (مناهج فريدة) مرادفة للدين، أو منح أي جماعة إسلامية صفة القداسة والتعالي على النقد، لأننا ببساطة لا يمكن ولا يجوز أن نجعل أخطاء البشر محسوبةً على الإسلام (كدين ومنهج ووحي إلهي).

إن فهمنا للإسلام يبدأ ببناء الإنسان الذي يجمع بين الإيمان والعقل، وبين العمل والعبادة، وبين القوة والأخلاق، وبين الحرية والمسؤولية؛ ثم ننتقل بعد ذلك إلى الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة، لنُقيم عمرانًا يقوم على العلم والعدل والشورى والتكافل وسيادة القانون وكرامة الإنسان. وحين يصبح الإسلام موجوداً في حياة الناس بهذه الطريقة، يصبح فعلًا قوةً حضاريةً قادرةً على تجديد الأمة واستعادة فاعليتها؛ فالإسلام هو الحل حين يتحول من شعارٍ تتنازعه الجماعات إلى منهجٍ تحكمه المقاصد، وتجسده الأخلاق، وتؤكده الحياة.

_____________________________________________

تمهيد .. في المشكلة .. والحلول

عندما يكثر الحديث في مجتمع من المجتمعات، أو أمة من الأمم، أو حضارة من الحضارات عن ضرورة «الحل»... فمعنى ذلك أن هناك «مشكلة» قد دفعت هذا المجتمع أو الأمة أو الحضارة إلى مأزق... الأمر الذي استنفر العقول المفكرة إلى البحث عن «حل» لهذه المشكلة، وذلك حتى يخرج هذا الاجتماع البشري من «المأزق» الذي تردى فيه.

.. وتلك هي حال الأمة الإسلامية في العصر الذي نعيش فيه.. بل ومنذ عدة قرون! إن أمتنا، بمجتمعاتها الكثيرة، تعيش «مشكلة»، لا تتمثل في فقر الإمكانات المادية والروحية، وإنما في «الافتقار إلى النظام» الأقدر على توظيف وإعمال واستثمار ما لديها من إمكانات.

فهذه الأمة تمتلك:

١- الوحي الصحيح الوحيد بين الكتب السماوية، فلقد تعهد الله، سبحانه وتعالى، بحفظه: [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون]. ولقد غدا هذا الحفظ معجزة من المعجزات......

٢- والعقيدة الواحدة التي وحدت الأمة، على امتداد قرون تاريخها، واختلاف أوطان شعوبها، وتعدد لغات قومياتها، وتنوع أجناس الذين دخلوا في هذا الدين...

٣- والشريعة الإلهية الواحدة، التي وضعها الله معالم للمنهاج الإسلامي، تحفظ للمسلم استقامة الصراط حتى يبلغ مقاصد وغايات التدين الصحيح.. وفيها حدود الله، والفلسفة المميزة للتشريع والقانون الذي يقرن المصالح جميعها بالقيم والأخلاقيات، مع تراث في الفقه، الذي..

استجاب ويستجيب لكل المستجدات، عبر الزمان والمكان، ودونها خروج عن حدود الله والفلسفة الشرعية المتميزة في التقنين...

٤- والحضارة الإسلامية الواحدة، التي اصطبغت بصبغة الإسلام، فتميزت عن غيرها من الحضارات بالمنهاج الوسطى المتوازن، وبالثوابت التي حفظت عليها التواصل والروح الحضارية الواحدة، عبر الزمان والمكان، مع التطور والنمو والتنوع الذي يواكب كل جديد في الفروع والجزئيات والتفاصيل..

٥- وعقيدة في الجهاد، تجعل عزة المسلم من عزة الله، سبحانه وتعالى، وعزة رسوله: [ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون]... وهذه وتدفعه هذه العقيدة الجهادية إلى إمامة الدنيا وقيادة العالمين.

العقيدة لم تقف عند حدود «التصورات الفكرية»، وإنما سبق لها أن تجسدت في فتوحات وبطولات وفروسية زانتها شمائل الإسلام، فجعلت المسلمين يفتحون بالحق وللتحرير والإحياء في ثمانين عاما أكثر وأوسع مما فتح الرومان بالباطل وللاستعباد - في ثمانية قرون...

٦- وتراثا غنيا، تعلمت منه حضارات الدنيا.. وتاريخا قام شاهدا على أن هذه الأمة قد مثلت: «العالم الأول» على ظهر هذه الأرض لأكثر من عشرة قرون!...

٧- ووطنا واسع الأرجاء، موصول الأقاليم والأقطار، تبلغ مساحته ... ر.. ٣٥٠ ك م، يمتد من (غانة) - غربا - إلى «فرغانة» - شرقا - ومن حوض نهر الفولجا - شمالا - إلى جنوب خط الاستواء.. وفيه كل مناخات الفصول.. وهو الحاكم في مواقع الدنيا وطرق اتصالها برا وبحرا وجوا...

وفي أرض وطن هذه الأمة أوفر وأثمن ثروات الدنيا، فهو - بالمقارنة مع بقية العالم - الأول في البترول وفي المنجنيز وفي الكروم وفي القصدير.. وفي البوكسيت وفي الغاز الطبيعي.. والثاني في النحاس.. وفي الفوسفات.. والثالث في الحديد والخامس في..........

٨- وفيه كذلك أطول أنهار الدنيا، وأول فلاح علم الإنسانية فن الزراعة.. ومئات الملايين من أفدنة الأرض الصالحة للزراعة، شواطئ البحار والمحيطات والأنهار، ما يجعله مالكا لكنوز من ثروات.. ومن البحار، السمكية والمعدنية.. تمثل كنوزا من الغنى والرخاء...

٩- وعلى أرض هذا الوطن تعيش أمة، وحدتها العقيدة والشريعة والحضارة والقيم والأخلاقيات، مع تنوعها في الشعوب والقبائل والألسن والقوميات والأقاليم.. وهي تزيد عن المليار وربع المليار - ٢٣٪ من سكان الدنيا - ويتوقعون لتعدادها أن يبلغ بعد سنوات قليلة ٢٧% من سكان العالم - فهي ربع البشرية، ونصف المتدينين بالديانات السماوية والمالكة وحدها للوحي الإلهي الصحيح......

١٠- ومن أبناء هذه الأمة الأغنياء الذين يملكون أكبر الفوائض النقدية... القادرة على تحرير شعوبها من رق الديون.. والكفيلة بجعل بلادها ميدانا حافلا بالتنمية والاستثمار والرخاء.


.. لكن الأمة، مع وفرة وغنى هذه الإمكانات، تعيش «المشكلة والمأزق»، الذي يتطلب: الحل - النظام الذي يعمل ويستثمر هذه الإمكانات، فيحول الأمة من موقع «التخلف» إلى عالم «النهوض».

فالأمة الإسلامية مالكة هذه الإمكانات - تعيش «مشكلة» الاستضعاف، حيث تشل طاقاتها فيها عوامل التخلف الموروث وتحديات الهيمنة الغربية المفروضة عليها، الأمر الذي زرع «الوهن» - بدلا من «العزة» - في القلوب، فغدت الكثرة غثاء كغثاء السيل، وأصبحت الطاقة الروحية إمكانات محجوبة عن الفعل، تشهد علينا بدلا من أن تحقق لنا الحضور والشهود على العالمين.. وتحولت الثروات المادية إلى نزيف يجفف منابعنا ويصب في خزائن الآخرين...

فنحن نتسول غذاءنا.. وينزع سلاحنا إذا أردناه مصدر قوة للدفاع عن حوزتنا، على حين يباع لنا إذا استخدمناه في المنازعات الداخلية التي تجعل بأسنا بيننا شديدا.. وترهن أموالنا وفوائضنا النقدية لتوظف في تقوية أعدائنا.. وتنهب موادنا الخام بأبخس الأثمان، إذا هي قورنت بأثمان السلع المصنعة التي نستوردها.. ونقلد ونحاكي في ثقافتنا وآدابنا وفنوننا وأنماط عيشنا.. وتعزل لغتنا - لغة القرآن ولسان الإسلام - عن أن تكون لغة العلوم - وهي التي حفظت العلم العالمي وطورته لأكثر من عشرة قرون - بينما أحيا اليهود لهجة ميتة وجعلوا منها لغة لكل العلوم؟!...

تلك هي المفارقة الشاذة بين إمكانات الأمة الإسلامية وبين واقع الحال الذي هي فيه... أي «المشكلة» التي تتطلب «حلا» يجعل هذه الإمكانات نهضة للأمة، بدلا من أن تظل عبئا عليها، وثغرات تغري أعداءها بالتكالب على حوزتها وحماها وإمكاناتها.


وإذا كانت هذه «المشكلة» تستدعي إلى الذاكرة نبوءة رسول الله، التي جاءت في الحديث الشريف - عن مولاه «ثوبان»:

يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها.

قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟

قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم تكونون غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن.

فقال قائل: وما الوهن؟

قال: حب الدنيا وكراهية الموت.

.. فإن هذه النبوءة تعلمنا أن المشكلة ليست في انعدام الإمكانات، وإنما في الموات الذي يشل فعل هذه الإمكانات.. فالمطلوب هو «الحل - النظام»، الذي يغير الواقع ويحيي الموات، ويوظف إمكانات الأمة في النهوض.

وهنا يأتي التساؤل عن نوعية وماهية «الحل» المناسب لهذه المشكلة؟

الحل «المعقول» و«المقبول» من الأمة؟.. والأفعل في تحويل «موات» واقعها الراهن إلى «نهوض حي» يبوئها مكانتها الطبيعية بين الأمم والحضارات؟؟...


وإذا كان المسار التاريخي للحضارة الإسلامية قد سبق أن اعترته مشكلات التخلف واعترضته عوامل «التراجع الحضاري»، ككل مسارات الحضارات، الخاضعة لسنن الله وآياته في التقدم والتراجع، والتي أشار إليها - في الخصوصية الإسلامية - حديث رسول الله ﷺ الذي يقول:

لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره. ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره.

فلقد كان المسلمون، على مر تاريخهم القديم، يواجهون «مشكلات التراجع والموات الحضاري» بـ «حلول الإحياء والنهوض الإسلامي».. فكان «التجديد» دائما وأبدا «إسلاميا»، وكانت «الحلول» دائما وأبدا إسلامية المرجعية والمنابع والأصول.. ومن هنا فلم تكن توصف اجتهادات وتجديدات الأعلام والمذاهب والدعوات بـ «الإسلامية»، لأنه لم يكن هناك «البديل المغاير» - غير الإسلامي - الذي يزاحم «الحل الإسلامي» في ساحات التجديد والنهوض والتغيير.

كان التجديد والتغيير والحل دائما إسلاميا - فهو عودة إلى الأصول والمبادئ والقواعد والحدود، التي اكتملت في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ليكشف المجددون عنها، ويزيلوا ما علق بها وران عليها من بدع غطت جوهرها النقي وحجبت فعالياتها عن التأثير، وذلك لإعادة التوفيق بين هذه المنابع وبين مستجدات الواقع الجديد لدعوات التغيير والتجديد.

لقد غدت «إسلامية الحلول والتجديد» سنة من سنن الله في مسيرتنا الحضارية وفي معالجة مشكلات التراجع الحضاري عبر هذه المسيرة، عبرت عنها كلمات الحديث النبوي الشريف:

«يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها».

ولم تكن «إسلامية الحلول» للمشكلات في مسيرتنا الحضارية، مجرد «خيار» من أعلام ودعوات التجديد، وإنما كانت هذه «الإسلامية» قياما بفرائض إسلامية وتكاليف إلهية وواجبات شرعية...

فإسلامية حلول مشكلاتنا الدنيوية شرط من شروط اكتمال الإيمان الديني للمسلم بالله واليوم الآخر:

[يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا. ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا]...

فإسلامية مرجعية حلول المنازعات الدنيوية شرط للإيمان الديني...

والتخلي عنها يجعل هذا الإيمان «زعما»، وتحاكما إلى الطاغوت وإضلالا شيطانيا بعيدا...

وفي الكثير من آيات القرآن الكريم يتكرر الحديث عن هذه الفريضة الإلهية - إسلامية الحلول لمشكلات التدبير الإنساني لشئون الاجتماع البشري - فلا:

[فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما]..
[وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب]..
[ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون]..
[إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما]...

وفي أول دستور لأول دولة إسلامية، وضع رسول الله النص على إسلامية مرجعية حلول المنازعات في صلب مواد هذا الدستور... فجاء في الصحيفة - الكتاب:

«وإنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله».

.. وإذا كان جوهر العقيدة الإسلامية هو توحيد الذات الإلهية، فإن إشراك المرجعيات غير الإلهية مع المرجعية الإلهية في حلول مشكلات العمران الإنساني والاجتماع البشري فيه تشويه لنقاء عقيدة التوحيد الإسلامية، يجعلها أقرب إلى عقائد شرك الوثنية الجاهلية منها إلى عقيدة التوحيد الإسلامية..

فالوثنيون الجاهليون لم يكونوا ينكرون الله خالقا للعالم، لكنهم كانوا يشركون معه طواغيتهم مرجعيات في تدبير شئون الدنيا:

[ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله، قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل من كاشفات ضره؟ أو أرادني برحمة هل من ممسكات رحمته؟ قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون].

على حين أفردت عقيدة التوحيد الإسلامية الذات الإلهية بالوحدانية في الذات والصفات والخلق والأفعال والتدبير:

[ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين]..
[قال فمن ربكما يا موسى. قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى]..

فكمال التوحيد الإسلامي يقتضي إسلامية وإلهية المرجعية في حلول شئون الدنيا، كما في أحكام شعائر الدين.. وما التدبير الإنساني لشئون العمران البشري إلا القيام بمهام الاستخلاف، المضبوطة بأحكام الله في شئون هذا العمران...

لهذا كانت إسلامية التجديد والتغيير والحلول للمشكلات، في المسيرة الحضارية الإسلامية، أكثر وأكبر من خيار الأعلام التجديد ودعواته.. كانت قياما بفريضة إلهية، وتكليفا شرعيا، بدونه لا يكتمل الإيمان الديني بالله واليوم الآخر، ولا تسلم عقيدة التوحيد من غبش الشرك ووثنية الجاهلية الأولى!...


لكن هذا الحال قد تغير منذ الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لقلب عالم الإسلام، تلك التي بدأت بحملة بونابرت على مصر.

فأمام صدمة هذه الحملة، التي كشفت حقيقة تخلفنا وتراجعنا الحضاري، عندما قورن بالتقدم الأوربي، تصاعدت الدعوات الإسلامية إلى التغيير والتجديد الذي يقدم الحلول لمشكلات الواقع والفكر الإسلامي، وكانت كلمات الشيخ حسن العطار التي قال فيها:

«إن بلادنا لابد أن تتغير، ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها»

علامة على منعطف جديد على طريق التجديد الإسلامي الحديث...

لكن هذه الغزوة الاستعمارية الحديثة لبلادنا، قد ألقت في واقعنا الفكري - لأول مرة في تاريخ المواجهة بين الغرب والإسلام - فكرية المرجعية الغربية، ذات الطابع الوضعي والعلماني والمادي، وبالنموذج الغربي في النهوض والتغيير، وبالحلول الغربية التي قدمتها المسيرة الحضارية الغربية لما واجهته دولها وشعوبها من مشكلات.

فالغزوة التي جاءتنا بالفكر والصحيفة والبعثة العلمية - مع المدفع والبارود والجيش والنهب الاقتصادي - قد أقامت، ببلادنا، ازدواجية في الحلول للمشكلات، وثنائية في مرجعيات مشاريع التجديد والتحديث والنهوض والتغيير..

فلم تعد الحلول الإسلامية وحدها هي النموذج والمرجع كما كان الحال في تاريخنا الطويل، وإنما أصبحت الحلول الغربية، والمرجعية الوضعية، والنموذج العلماني، والنظريات المادية تزاحم النموذج الإسلامي في تقديم الحلول لمشكلات عالم الإسلام..

وتخلقت، منذ ذلك التاريخ، في واقعنا الفكري تيارات ثلاثة:

١- تيار التقليد: الذي كان له شرف المحافظة على تراث الأمة والرفض المطلق لكل وافد غربي...... لكنه عجز - بسبب الجمود والتقليد - عن تقديم البديل الجديد القادر على منافسة النموذج الغربي في التغيير والتحديث.. فترك فراغا كبيرا - في الفكر والواقع - لهذا النموذج الغربي يسرح ويمرح فيه...

٢- وتيار التغريب: والمحاكاة والتقليد للمرجعية الغربية والنموذج الغربي في التحديث، ولقد تميزت في داخل هذا التيار فصائل عدة، تبعا لتمايز تيارات وفصائل المرجعية الغربية.. فعرفت بلادنا: «الليبراليين - الفرديين - الرأسماليين»، و**«الماركسيين - الماديين - الشموليين»، و«القوميين - على النمط القومي الغربي»**، الذين أقاموا القومية على عصبية العرق، وقطعوا روابط العروبة بالإسلام، بسبب علمانيتهم، التي تفصل الدين عن العمران، نظرا وتطبيقا، أو بسبب اليأس من «الجامعة الإسلامية» التي كانت تعوقها عن الحركة يومئذ الأمراض والقيود التي أثقلت وأعجزت الدولة العثمانية...

ولقد جمعت بين فصائل هذا التيار: الفكرية الوضعية والمادية والعلمانية الغربية ومناهجها في النظر، ونماذجها في الحلول التي تقدمها للمشكلات...

٣- وتيار الإحياء والتجديد: وهو الذي احتضن موروث الأمة ومرجعيتها الإسلامية في التجديد والتغيير، لكنه دعا إلى التمييز بين المنابع والأصول المقدسة والملزمة - في الكتاب والسنة - وبين الفكر والمذاهب الإسلامية، التي اصطبغت بصبغة متغيرات عصورها وتجارب أجيالها، فهي مما يستأنس بها، دون إلزام...

كما ميز هذا التيار، في الوافد الغربي، بين حقائق وقوانين العلوم الطبيعية والتجريبية المحايدة - التي هي مشترك إنساني عام، لا يتغاير بتغاير العقائد والحضارات - وبين نظريات العلوم الإنسانية والاجتماعية والعقائد والفلسفات والثقافات والقيم والآداب، التي تتمايز فيها العقائد والحضارات...

.. ولقد رفض هذا التيار التجديدي كلا من «التقليد والجمود الإسلامي» و**«التحديث على النمط الغربي»**، ودعا إلى إسلامية الحلول لمشكلات الواقع الإسلامي.. أي أنه سعى إلى التغيير، لكن بحلول إسلامية، من داخل النسق الفكري الإسلامي.


 

وبسبب انقسام أهل الأصالة الإسلامية إلى مقلدين ومجددين..

وبسبب من انقسام أهل الأصالة الإسلامية - إلى مقلدين ومجددين - والصراع الذي قام بينهما، والذي أضعفهما معًا.. وبسبب من جاذبية النموذج الحضاري الغربي - الذي لم تكن قد ظهرت عيوبه وثغراته في القرن التاسع عشر - وبسبب هيمنة الغرب على دول وأقطار العالم الإسلامي... تخلقت للنموذج الغربي، في واقعنا، دعوات وتيارات وأحزاب، وتبنى حلوله وأنماطه في التحديث أعلام ومنابر ومؤسسات، وكانت القوى الاستعمارية هي البادئة بإقامة ركائز هذا البديل الغربي للمرجعية الإسلامية في التحديث والتغيير. ومنذ اللحظات الأولى للغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لعالم الإسلام...

لقد ألقى بونابرت - إبان الحملة الفرنسية على مصر - خيوط التبعية الفكرية لنفر من أراذل النصارى في مصر - من الأقباط والطوائف الأخرى الذين شذوا عن الموقف العام للكنيسة القبطية وأغلبية أبنائها - فكونوا «فيلقًا قبطيًا» حارب الشعب المصري مع قوات الاحتلال، وقاد هذا الفيلق «المعلم» يعقوب حنا - الذي سماه الجبرتي «يعقوب اللعين» - وفيلقًا من النصارى الأروام، قاده «برطلمين بن الرومي» - الذي اشتهر لدى العامة بـ«فرط الرمان»!

وكما يقول الجبرتي - مؤرخ العصر - فإن فيلق المعلم يعقوب قد ضم من شباب القبط بالصعيد نحو الألفين، وشارك هذا الفيلق مع الجيش الفرنسي الذي قاده «ديزيه» - في فتح صعيد مصر! وتدرج المعلم يعقوب في مراتب الجيش الفرنسي، فمنحه «كليبر» رتبة «كولونيل»، وأنعم عليه «منو» برتبة «جنرال» في مارس سنة ١٨٠١م.

وعندما فكر بونابرت في تكوين «ديوان للمشورة»، جعل لهذه الأقليات - التي اجتذبها إلى دائرة «التبعية الفكرية والعمالة الحضارية» - نصف عضوية الديوان الدائم والخاص؟! فضم هذا الديوان: خمسة من علماء الأزهر، وسبعة من الأقليات النصرانية، واثنين من التجار المسلمين.. ومع الأربعة عشر عضوًا عدد من الفرنسيين.

أما الجهاز المالي والإداري لسلطة الاحتلال - أي الحكومة الحقيقية - فلقد اختص الفرنسيون بها هذه الشريحة التابعة من أبناء الأقليات، فكانوا جهاز القهر وأدوات القمع للجمهور الشعب. وكما يقول الجبرتي: فإن الجنرال «كليبر» قد عهد إلى المعلم يعقوب «بأن يفعل في المسلمين ما يشاء»! حتى تطاول النصارى، من القبط والنصارى الشوام على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم، وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكانًا؟! وصرحوا بانقضاء «ملة المسلمين وأيام الموحدين»؟!

نعم... لقد بدأ الفرنسيون انقلابًا على «ملة المسلمين وأيام الموحدين»، استخدموا فيه شريحة من الأقليات النصرانية لإخضاع مصر لحضارتهم الأوربية، وتغيير هوية بلادنا من الأساس...

وعلى يد هذه الشريحة التي التحقت بالعدو الغازي، بدأ أول حديث في الشرق الإسلامي عن الالتحاق بالغرب حضاريًا، وعن «استقلال» مصر عن هويتها ومرجعيتها الإسلامية، واستقلالها عن تاريخها وتراثها الإسلامي، و«استقلالها» عن المحيطين العربي والإسلامي.. وبتعبير معاصر، بدأ الحديث عن «الحداثة الغربية» كحلول بديلة للحلول الإسلامية في التجديد والتغيير. وهي «حداثة» تقيم «قطيعة معرفية» مع الماضي والمحيط الإسلاميين، مع الخضوع للنفوذ الغربي، والإلحاق بالنموذج الغربي، والتبني للحلول الغربية في التقدم والتحديث...

ولقد تجسد هذا التوجه في «وصية» المعلم يعقوب - التي أملاها وهو على ظهر السفينة - التي أقلته مع الجيش الفرنسي المطرود من مصر - والتي توجه بها إلى إنجلترا - بعد فشل الغزوة الفرنسية - فدعا إنجلترا إلى العمل على «استقلال» مصر عن محيطها الإسلامي - العثماني يومئذ - وإخضاعها للنفوذ الإنجليزي...

وتلك كانت بواكير الدعوة إلى «استقلال» مصر عن هويتها ومرجعيتها الإسلامية، وعن محيطها الإسلامي، والالتحاق - بدلًا من ذلك - بأوربا!

أما رفقاء المعلم يعقوب - الذين نزلوا إلى ميناء مرسيليا - بعد موته على ظهر السفينة في عرض البحر - فلقد كتبوا إلى «بونابرت» باسم «الوفد المصري» - ووكيله «نمر أفندي» - يعرضون خدماتهم، ومنها «الولاء لبونابرت» و«التشريع لمصر التشريعات والنظم التي ترضى عنها فرنسا»...

معلنين بذلك ولادة التوجه الفكري الداعي إلى إلحاق مصر بأوربا في النظم والتشريعات، أي استبدال الحل الغربي بالحل الإسلامي...

بل إن هدف الإلحاق الحضاري لم يقف عند مصر... فلقد تحدث «رواد» هذا الاتجاه عن أن في هذا الإلحاق مدًا لنفوذ فرنسا إلى أفريقيا، وتحقيقًا لمخطط وحلم لويس الرابع عشر بضم الكنيسة الأثيوبية إلى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. فبإلحاق مصر بفرنسا يضمنون الاستعانة بنفوذ كنيستها القبطية على الكنيسة الأثيوبية...

فالمقاصد والغايات هي: استقلال مصر عن هويتها الإسلامية، وتاريخها الإسلامي، ومحيطها العربي الإسلامي، وإحلال النظم والتشريعات الأوربية فيها بدلًا من النظم والتشريعات الإسلامية، وجعلها بوابة التبعية الفكرية التي تربط أفريقيا بالغرب، تحقيقًا للحلم الفرنسي القديم...

هكذا بدأت بواكير «الحل اللاإسلامي»، وطلائع الحلول الغربية التي أخذت، منذ ذلك التاريخ، في مزاحمة الحلول الإسلامية لمشكلات الأمة في التقدم والتجديد والتغيير والتحديث...

وإذا كانت هذه البواكير للتبعية الفكرية واستعارة الحلول الغربية قد قبرت مع أصحابها - الذين ماتوا في فرنسا... فلقد أتاحت تجارب التحديث وبناء الدولة العصرية التي شهدتها الدولة العثمانية، وتونس، على عهد الباي أحمد باشا، وأيضًا - وبوجه خاص - تجربة مصر الحديثة في عهد محمد علي باشا الكبير، أتاحت هذه التجارب وفود الخبراء الغربيين إلى بلادنا، بما يحملون من رؤى وفلسفات، قدموا وفقًا لها الآراء والمشورات.

فالسان سيمونيون - أتباع الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي «سان سيمون» - قد جاءوا إلى مصر، إبان حكم محمد علي باشا - ووفق مخطط مدروس - وقادوا العديد من إنجازات «التحديث على النمط الأوربي»، وبه غرسوا بذورًا لفلسفتهم الوضعية، المعادية للمرجعية الدينية... وهي بذور أخذت تنمو، كما وكيفًا، مع تزايد عدد الجاليات الأجنبية وتأثير النفوذ الأجنبي، وخاصة بعد نجاح السان سيمونيين في الحصول على امتياز شق قناة السويس - وهو من مشاريع «عالميتهم وأميتهم الغربية» - الذي استهدفوا من ورائه - على الجبهة الفكرية - إقامة «ممر عالمي» يمتلكه الغرب، ويتخذه طريقًا لتسويد فلسفته في العالم...

وإذا كانت استعارة تجربة محمد علي باشا من أوربا، قد وقفت في الأساس عند علوم التمدن المدني، وخبرات التقنية، دون العقائد والفلسفات والآداب والإنسانيات والشرائع، فإن الأمر لم يقف عند هذه الحدود في ظل الهيمنة الاستعمارية التي حققها الغرب على أغلب بلاد الإسلام، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين. ففي ظل هذه الحقبة أصبحت «دولنا في قبضة الأجنبي»... وبواسطتها أقام لفكره المنابر والمؤسسات والصحف والمجلات، فبدأت المرحلة التي تخلقت فيها للحلول الغربية في واقعنا الفكري مدارس وتيارات...

ومرة أخرى، بدأ الغرب بنفر من أبناء الأقلية المارونية، الذين تربوا في مدارس التبشير النصرانية، والذين هاجروا إلى مصر، ونهضوا بدور «الجناح الفكري» لسلطة الاحتلال الإنجليزي، فكان التبشير العلني، في واقعنا الفكري، وللمرة الأولى، صريحًا وجريئًا بالحلول العلمانية والوضعية والمادية الغربية، والدعوة إلى إحلالها محل الحلول الإسلامية في التجديد والتحديث...

ومن خلال مؤسسات ومجلات وصحف مثل «الأهرام» و«المقتطف» و«المقطم» و«الهلال» و«الجامعة»، وبواسطة أعلام ومفكرين من مثل سليم تقلا، وبشارة تقلا، ويعقوب صروف، وفارس نمر، وشاهين مكاريوس، وجرجي زيدان، وفرح أنطوان، وشبلي شميل، ونقولا حداد.. إلخ...

وفي موازاة مع هذه الطلائع «الوطنية» المتغربة، والمؤسسات الفكرية والثقافية والإعلامية التي أقامتها أو أطلت على العقل العربي من خلالها، كانت هناك إرساليات التنصير، ومدارسها وجامعاتها، التي زحفت على الشرق - وبخاصة لبنان ومصر، في القرن التاسع عشر - والتي توسلت بالتغريب والعلمنة - بل وبالمادية.. وأحيانًا بالإلحاد؟! - لزحزحة الشرق عن المرجعية الإسلامية والحلول الإسلامية، وقسره - بواسطة صياغة عقول «النخبة» - على تبني الحلول الغربية لمشكلاته، بدلًا من حلول الإسلام...

لقد كانت مدارس إرساليات التنصير تصوغ «العمالة الحضارية والسياسية الصريحة»، ليخرج منها الخريجون فيمارسون هذه «العمالة» في ثياب مموهة، تحمل عناوين «العلمانية» و«التقدم والتحديث على النمط الغربي»، الذي كان مزدهرًا في ذلك التاريخ!

وإذا شئنا نماذج على هذا الدور الذي احترفت القيام به هذه المؤسسات والمدارس، فإن في مراسلات قناصل فرنسا في بيروت إلى حكومتهم البراهين على احتراف هذه المؤسسات صناعة «العمالة والعملاء» الذين احترفوا تقديم الحلول الغربية بديلًا عن الحلول الإسلامية للأمة المتطلعة إلى النهوض والتغيير...

ففي مراسلات عن المدرسة التي أقاموها في قرية «عينطورة» اللبنانية، يتحدثون عما يحققه توسع هذه المدرسة لنفوذهم. وإذا كان بالإمكان توفير قسم من المنح لبعض أطفال الأسر المارونية، فإن حكومة الملك - ملك فرنسا - ستخلق بين هذه العائلات، من خلال نشر اللغة والثقافة الفرنسيتين، نقاط اتصال جديدة معها ومع البلد، ورموزًا جديدة وثمينة للاعتراف بفضلها. إن حكومة الملك... تدرك تمامًا أن خدمتها للمصالح الدينية، يعني خدمة الحضارة، التي هي في الوقت نفسه مصالح السياسة الفرنسية؟!

وتتدرج المراسلات فيزداد إفصاحها عن المقاصد الحقيقية من مدارس إرساليات التنصير، فهي: «جعل سوريا حليفًا أكثر أهمية من مستعمرة!» و«تأمين هيمنة بلدنا على منطقة خصبة ومنتجة!» و«تكوين جيش متفانٍ لفرنسا في كل وقت»... بل لقد كتب القنصل الفرنسي السفير بلاده يقول - في ديسمبر سنة ١٨٤٧م - إن الهدف هو «أن تنحني البربرية العربية لا إراديًا أمام الحضارة المسيحية لأوربا»؟!

لقد كان الهدف طي صفحة المرجعية الإسلامية، وإحلال المرجعية الغربية محلها؛ وهو ما عبر عنه الكاردينال الفرنسي «لا فيجري» - بالنسبة للجزائر - عندما أعلن في الاحتفال بمرور قرن على إلحاقها بفرنسا: «لقد ولى عهد الهلال، وأقبل عهد الصليب»، وإنه سيستمر إلى الأبد. وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدًا لدولة مسيحية مضاءة أرجاؤها بمدنية وحيها الإنجيل!

أما خريجو هذه المدارس، الذين لم يكن باستطاعتهم - ولا من حسن السياسة بالنسبة لهم - تقديم أفكارهم على هذا النحو العاري والصارخ، فإنهم قد احترفوا التبشير بمذاهب الغرب وحلوله العلمانية والوضعية والمادية في التقدم والتحديث، بدلًا من مذاهب الإسلام وحلوله في التجديد والتغيير...

والدعوة إلى التبعية الفكرية للغرب في النظم والتشريع، التي بدأت على استحياء لدى المعلم يعقوب حنا ونمر أفندي، في مطلع القرن التاسع عشر، نجدها تتقدم «عارية وصارخة» لدى سلامة موسى، الذي دعا إلى الانسلاخ عن الشرق والإسلام، واستبدال التفرنج والحلول الإفرنجية بالحلول الشرقية والإسلامية...

وعند الدكتور طه حسين تغلف هذه الدعوى بدعاوى نظرية تزعم أن عقلنا الشرقي كان ولا يزال يوناني الطابع والمكونات، وأن الإسلام والقرآن لم يغيرا من يونانية عقلنا الشرقي، كما لم تغير المسيحية والإنجيل من يونانية العقل الأوربي، لأن الإسلام والقرآن - بزعمه - ليس فيهما أكثر مما في المسيحية والإنجيل...

وبناء على هذا الحكم، الذي تجاهل تميز الإسلام بشريعة لم تعرفها المسيحية، وتجاهل وسطية الإسلام الجامعة بين المادة والروح، والتي امتازت بذلك وتميزت عن اليهودية والمسيحية كليهما، كما تجاهل زيف دعوى يونانية العقل الشرقي القديم، يخلص الدكتور طه حسين إلى المقصد الأعظم من هذه الدعوى: استبدال النموذج الغربي والحل الأوربي بالنموذج الإسلامي وحلوله المتميزة في التجديد والتغيير...

بل ويكشف الرجل عن أن السير سيرة الأوربيين، والأخذ بالحلول التي أخذوا بها، يتعدى حدود «اختيارنا»، فهو «إلزام» أوربي لنا، و«التزام» منا أمام أوربا بمقتضى المعاهدات؟! يكشف عن تحول «التبعية الفكرية والحضارية» إلى «إلزام والتزام»...

لقد كتب طه حسين هذا سنة ١٩٣٨م.. فذكرنا ببداية الخيوط التي نسج منها فكر التبعية للغرب، وبأول الخطوات على طريق التبني للحلول الغربية، بدلًا من الحلول الإسلامية - عند مواجهة قضايانا في التقدم والتحديث... لقد ذكرنا بزمرة المعلم يعقوب حنا الذين أعلنوا - سنة ١٨٠١م - ولاءهم لبونابرت، متعهدين بأن يشرعوا لمصر النظم التي يرضاها؟!

وعبر هذه السنوات، تبلور في واقعنا الفكري تيار التبعية الفكرية - بمدارسه المتعددة ومستوياته المختلفة - ذلك الذي دعا إلى استلهام النموذج الغربي، بدلًا من النموذج الإسلامي، وتبني الحلول الوضعية والعلمانية الغربية، بدلًا من الحلول الإسلامية، في معالجة مشكلات التقدم والنهضة والتحديث.

فكان هذا التيار هو الترجمة الموضوعية لدعوة المعلم يعقوب إلى استقلال مصر عن ماضيها وهويتها وخصوصيتها الإسلامية، وإلحاقها بحضارة الغرب: «خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يجب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب»...

وإذا كانت قد اجتمعت لتيار التبعية الفكرية والخيار الغربي إمكانات هيمنة الحضارة الغربية - في حقبة تألقها وازدهارها - وسلطات الدعم الاستعماري للمؤسسات والتيارات التي دعت إليه، فإن أصالة الهوية الإسلامية للأمة قد أفرزت - في مواجهة هذا التيار - تيار الإحياء والتجديد، الذي دعا إلى تجديد دنيا المسلمين بتجديد فكرهم الديني، وإلى اختيار الإسلام سبيلًا للإصلاح الإسلامي في مختلف الميادين، وإلى استلهام الحلول الإسلامية علاجًا لمختلف المشكلات التي يعاني منها المسلمون...

لا لمجرد التعصب للإسلام والاستمساك بحلوله المتميزة، وإنما - أيضًا - لأن الخيار الإسلامي الحضاري، والسبيل الإسلامي في حل مشكلات التقدم والتجديد، هما الأصلح والأنفع والمعقول والمقبول على امتداد ديار الإسلام. فهما البذرة الوحيدة التي يمكن أن تنبت في أرض الحياة الإسلامية، وذلك فضلًا عن أنهما الطريق الذي أمر الله المسلمين بالتزام السير فيه!

فرفاعة رافع الطهطاوي - ابن الأزهر الشريف - الذي كان أول عين للشرق على الغرب، لم يكتف فقط برفض الفلسفة الوضعية اللادينية الغربية، والدفاع عن الخيار الإسلامي والشريعة الإسلامية، وإنما نفذت بصيرته - رغم تألق النموذج الغربي - إلى نظرات نقدية للطابع المادي واللاديني والتوجه الوضعي لذلك النموذج، فأسس انحيازه للحل الإسلامي على موازنة موضوعية رجحت فيها لديه كفة الخيار الحضاري الإسلامي، سبيلًا للنهضة والتجديد...

لقد انتقد الطهطاوي «الوضعية الغربية» التي استغنت «بالعقل» و«التجريب» عن «الدين والشرع»، والتي عزلت علمانيتها الدين عن الدولة والمجتمع وسائر شئون العمران، فتحدث عن أن أكثر تلك البلاد - وإن برعوا في علوم التمدن المدني التي يجب أن نتتلمذ عليهم فيها - إلا أنهم ليس لهم من دين النصرانية إلا الاسم فقط...

وبعد نقده لهذه الفلسفة الوضعية، التي لا تعتد في العلم والمعرفة بغير «العقل المجرد» و«التجربة الحسية» في المادة والأمور الطبيعية، يبرز انحيازه إلى النموذج والخيار الإسلامي في المعرفة، ذلك الذي يجمع ما بين «الوحي» ومعارفه وبين «الطبيعة» وعلومها...

من هنا - وعند الطهطاوي - يبدأ التأسيس لتيار التجديد والإحياء الإسلامي، الناقد للنموذج الحضاري الغربي - لعلمانيته ووضعيته وماديته - والداعي إلى إحياء واختيار النموذج الإسلامي، الجامع ما بين العقل والنقل والتجربة، والمؤسس سياساته على العلوم والمعارف الشرعية، والجامع ما بين علوم الحكمة المعقولة لنا والأحكام التعبدية التي لا يعلم حكمتها إلا الله...

وهو خيار حضاري قد تبلور - عند الطهطاوي - من خلال الدراسة المقارنة في النموذج الغربي، وليس فقط بالميراث والتقليد.

وعندما يلمح الطهطاوي بواكير تسلل «القوانين الوضعية الأوربية» إلى المجالس التجارية المختلطة، في بعض المدن الإسلامية - بعد زيادة المخالطات والمعاملات التجارية مع أوربا - يدعو إلى تحكيم الشريعة الإسلامية والاحتكام إليها، ويطلب تقنين فقه معاملاتها ليفي بجميع احتياجات الحياة المعاصرة...

وعندما نقارن موقف الطهطاوي هذا، الرافض للقانون الوضعي الأوربي والداعي إلى البديل والحل الإسلامي - الشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها - عندما نقارنه بسعي رفقاء المعلم يعقوب حنا - سنة ١٨٠١م - عام ولادة الطهطاوي - إلى إحلال النظم والشرائع الفرنسية في مصر، ندرك أننا أمام نمطين من المرجعيات والحلول: النمط الغربي، ذي المرجعية الغربية، وحلوله الوضعية والعلمانية، الهادفة إلى عزل بلادنا عن هويتها الإسلامية وعن محيطها الإسلامي؛ والنمط الإسلامي، ذي المرجعية الشرعية، وحلوله النابعة من هويتنا الإسلامية والاجتهاد الإسلامي الذي يمتد بفقه المعاملات إلى حيث تستجيب أحكامه للمستجدات...

لقد مثل الطهطاوي - على درب مواجهة العقل المسلم مشكلات التقدم والتغيير - لحظة النقد الواعي للحل الغربي، وبداية الاختيار الواعي للحل الإسلامي، الجامع - في مرجعيته - بين «الوحي» و«العقل»، بين «الشرع» و«النواميس الطبيعية»، والمتميز، لذلك، عن الحلول الغربية العلمانية، ذات المرجعية الوضعية والمادية...

وعلى يد جمال الدين الأفغاني وحركة «الجامعة الإسلامية» التي قادها، تعمق فكر تيار الإحياء والتجديد والخيار الإسلامي للنهضة، وامتد إلى أنحاء كثيرة من عالم الإسلام. فانتقد الأفغاني دعاة «التحديث على النمط الغربي»، وقال: «إنه لا ملجئ للشرقي في بدايته أن يقف موقف الغربي في نهايته»...

ورأى في استعارة الدولة العثمانية ومصر الحلول ونماذج التمدن الغربي في التحديث «تحديثًا شكليًا» و«تقليدًا» لنموذج إن مثل تمدنًا طبيعيًا في أوربا فإنه مقحم وغير طبيعي في عالم الإسلام...

ثم يقطع الأفغاني بأن هذا التحديث على النمط الغربي هو اختراق أجنبي للكيان الحضاري الإسلامي المتميز، يقوم فيه المقلدون بدور الطابور الخامس...

ذلك أن للإسلام بديلًا متميزًا عن النموذج الغربي في التغيير والتجديد، مرجعيته - كما يقول الأفغاني - «الدين»، الذي هو السبب المفرد لسعادة الإنسان...

أما الذين يستبدلون المرجعية الغربية والتمدن الأوربي بالنموذج الإسلامي والمرجعية الإسلامية للتغيير والتجديد، فعنهم وعن تحديثهم الغربي يقول الأفغاني: «وأما من طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططًا، وجعل النهاية بداية»...

وعلى هذا الدرب - درب الإحياء والتجديد لدنيا المسلمين بإسلامية مشروع النهضة والتغيير - سار الإمام محمد عبده ومدرسة «المنار» التي رعاها الشيخ محمد رشيد رضا، فانتقد الشيخ محمد عبده النزعة المادية للنموذج الحضاري الغربي، عندما تحدث عن مدنيتها فقال: «إنها مدنية الملك والسلطان، مدنية الذهب والفضة، مدنية الفخفخة والبهرج»...

على حين تميز الإسلام، ومن ثم نموذجه الحضاري، بالوسطية الجامعة بين الدين والدولة، والروح والمادة، والدنيا والآخرة.

فلقد «ظهر الإسلام، لا روحانيًا مجردًا، ولا جسدانيًا جامدًا، بل إنسانيًا وسطًا بين ذلك، آخذًا من كل القبيلين بنصيب، فتوفر له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يتوفر لغيره، ولذلك سمى نفسه: دين الفطرة»...

وبعد هذا الحديث عن تميز الإسلام، ومن ثم نموذجه الحضاري، عن النموذج الغربي في المرجعية والتحديث، يدعو الشيخ محمد عبده تيار التقليد للغرب إلى الإقلاع عن محاولاتهم، فـالبذرة الغربية غير صالحة للإنبات في التربة الإسلامية، والإسلام هو السبيل الوحيد للإصلاح في أمة الإسلام وواقع المسلمين...

هكذا أجمعت مدرسة الإحياء والتجديد على نقد النموذج الغربي في التحديث، وعلى رفضه كطريق للنهضة الإسلامية، واختارت الإسلام طريقًا للإصلاح، والمرجعية الإسلامية منطلقًا لمشروع النهضة والتجديد في واقع أمة الإسلام.


ولقد وجد هذا الخيار الإسلامي في الإصلاح والتجديد مكانه في فكر أول حزب وطني تبلور في مصر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فتزاملت في فكر الزعيم الوطني مصطفى كامل الوطنية والإسلامية، وكتب يقول: إن الدين والوطنية توأمان متلازمان، وإن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبًّا صادقًا، ويفديه بروحه وما تملك يداه. وإن في الإسلام كافة المواد الحيوية لأرقى مدنية يشتهيها بنو الإنسان، فهو الدين الذي يؤهل أهله وذويه إلى أسعد حالات الحياة وأتم نعيمها.

بل ويقطع مصطفى كامل بأن من المستحيل إحياء الأمة وإنهاضها بغير الحقيقة الدينية، ويسأل الذين ينكرون ذلك: لماذا يكون الإنجليزي وطنيًّا وبروتستانتيًّا في آن واحد، ولا يكون المصري المسلم وطنيًّا ومسلمًا؟

هكذا تبلورت، في الواقع الإسلامي، إزاء تعدد المرجعيات في مشاريع النهضة والتجديد والتحديث، تيارات وخيارات ثلاثة:

تيار التقليد، الذي حافظ على التراث، لكن التقليد قد أعجزه عن إبداع البديل الحضاري القادر على منافسة النموذج الغربي، الذي كان في قمة ازدهاره وعنفوانه.

وتيار التغريب، الذي رأى، وفق عبارة الدكتور طه حسين، أن السبيل إلى النهضة واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي: أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يجب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب، فنذهب مذهبهم في الحكم، ونسير سيرتهم في الإدارة، ونسلك طريقهم في التشريع.

أما التيار الثالث، فهو تيار الإحياء والتجديد الإسلامي، الذي أراد تجديد دنيا المسلمين بتجديد فكر الدين الإسلامي، ودعا إلى إسلامية مشروع الإصلاح، والحلول الإسلامية لمشكلات الواقع الإسلامي.

وعلى حين وضع الاستعمار كل إمكانات السلطة السياسية وأغلب طاقات المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في خدمة فكر التغريب وتياره، فلقد اتبع سياسة الوقيعة بين تياري التقليد والتجديد، وذلك حتى يستنزف طاقات علمائهما وأعلامهما في صراعات داخلية، فيظل الفراغ الفكري قائمًا يعمل على ملئه تيار التغريب.

فلما كانت الحرب الاستعمارية العالمية الأولى والسنوات التي أعقبتها، توالت الأحداث والتطورات التي عمت، فوفق بها بلوى الاحتلال والاحتواء الاستعماري لأغلب ديار الإسلام. ومعاهدة سيكس بيكو، ووعد بلفور، وزعت بقايا تركة الدولة العثمانية على القوى الاستعمارية الغربية. وفي السنوات التي أعقبت الثورة البلشفية في روسيا، ورث البلاشفة الروس الهيمنة على البلاد الإسلامية في آسيا الوسطى وما وراء النهر، وصعدوا محنتها التي بدأها القياصرة الروس.

وقنن النظام الغربي، الذي مثلته عصبة الأمم، هذا الاحتواء والاحتلال. فلما جاء عام 1924م نجح الغرب الاستعماري في أن يفرض على الكماليين في تركيا إلغاء الخلافة الإسلامية، فطويت صفحة رمز الوحدة الإسلامية لأول مرة في تاريخ الإسلام.

وصاحب ذلك، على الجبهة الفكرية، صدور العديد من الكتب التي تشرع لإلغاء الخلافة، وتحاول علمنة الإسلام، بل وتشكك في عقائد الدين والقرآن الكريم.

وبعد أن كان التغريب فكر نخبة، أغلبها من أبناء الأقليات التي تربت في مدارس التنصير، قامت في الواقع الإسلامي تيارات وأحزاب وطنية وقومية توهمت أن تقليد الغرب هو السبيل إلى التحرر من احتلاله.

ومع القانون الوضعي الأجنبي الذي عمم في أغلب دوائر القضاء، قامت الجامعات الحديثة، ومؤسسات الفكر والثقافة والإعلام الجديدة، التي تبنت مناهج الغرب ونظرياته في العلوم الإنسانية والفلسفات والفنون والآداب.

لقد اقتحم التغريب عقل الأمة، ولم يعد فكر نخبة لا يتعدى دوائر المثقفين المتغربين.

وأمام تصاعد مخاطر هذه التحديات، التي نقلت المعركة إلى ميدان الهوية الإسلامية للأمة، كانت الاستجابة الإسلامية من تيار الإحياء والتجديد استجابة إيجابية.

فبعد فشل الجهود التي بذلت لإحياء الخلافة الإسلامية، تداعت صفوة علماء الإسلام ومفكريه في عام 1927م إلى المؤتمر الذي عقد في القاهرة وأثمر قيام جمعية الشبان المسلمين.

وفي العام التالي، 1928م، أسس الإمام الشهيد حسن البنا، وهو الذي شارك في المؤتمر التأسيسي للشبان المسلمين، جماعة الإخوان المسلمين، كأول تنظيم جماهيري لتيار الإحياء والتجديد الإسلامي في العصر الحديث.

فأمام تعاظم التحديات، واقتحام التغريب عقل الأمة، وتأسيس أحزاب وطنية وقومية تتبنى، بدرجات متفاوتة، المرجعية الغربية ونموذجها في التحديث، الأمر الذي نقل المخاطر إلى الهوية الإسلامية للجماهير، كان لابد من نقل حركة اليقظة الإسلامية وتيار الإحياء والتجديد من إطار الصفوة والنخبة والعلماء والمفكرين إلى إطار الأمة والجماهير.

فأمام عموم البلوى، كان لابد من استدعاء الأمة إلى ميدان الدفاع عن الإسلام والمرجعية الإسلامية لمشروع النهضة والتغيير.

إن مدرسة مجلة المنار قد حملت إلى العالم الإسلامي، على امتداد نحو أربعين عامًا، معالم المشروع الإسلامي للإحياء والتجديد. وإذا كان الشيخ محمد رشيد رضا، عندما أراد تفسير القرآن الكريم، قد بدأ من حيث انتهى الإمام محمد عبده في هذا التفسير، فإن الإمام الشهيد حسن البنا قد صنع ذات الشيء، فبدأ تفسيره للقرآن من حيث انتهى الشيخ رشيد رضا، بل وواصل إصدار مجلة المنار، تأكيدًا على استمرارية حلقات مدرسة وتيار الإحياء والتجديد.

لكن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كان بمثابة المنعطف الجديد في هذه المسيرة. فأمام تصاعد التحديات وعموم البلوى، جاءت اللحظة التاريخية التي استدعت إشراك الأمة، وليس فقط الصفوة، في هذا الصراع الحضاري، الذي أخذ يهدد هوية الأمة بالمسخ والنسخ والتشويه.

وعند هذه اللحظة التاريخية، التي أثمرت هذا الطور الجديد في مسيرة القوى الداعية إلى حل مشكلات النهضة بالإسلام، تجاوزت الدعوة إطار الصفوة والنخبة والعلماء والقادة إلى حيث استدعت الصفوة الأمة، من خلال التنظيمات الإسلامية الجماهيرية، لتبني الدعوة إلى الإسلام منهاجًا شاملًا لكل ميادين النهضة والتقدم والتجديد والتغيير؛ إن في نظام الحكم، أو في سبل التقدم، أو في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، أو في تحرير المرأة، أو في بناء الانتماء الإسلامي الجامع لمختلف درجات ودوائر الانتماء، أو في العلاقات الدولية، أو في علاج مشكلات وثغرات الأقليات الدينية والقومية، وغير ذلك.

وأيضًا، في سبيل الجهاد الإسلامي، لوضع هذه الحلول الإسلامية في الممارسة والتطبيق.


هكذا رأينا كيف أقامت الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لعالم الإسلام، في قلب هذا العالم وفكر نخبة من أبنائه، خيارًا للنهضة ومرجعية للتقدم وحلولًا للمشكلات، لا تنطلق من المنطلقات الإسلامية، وإنما تتبنى الوضعية والمادية والعلمانية الغربية، التي عزلت الدين عن أن يضبط حركة العمران البشري، وحررت الدنيا من حاكمية الدين في الدولة والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وأحيانًا في القيم والمثل والأخلاقيات.

فدعت هذه النخبة إلى أن نستبدل النموذج الغربي في الإدارة والحكم والتشريع بالنموذج الإسلامي في هذه الميادين.

ورأينا كيف نهض تيار الإحياء والتجديد الإسلامي، مدافعًا عن المرجعية الإسلامية لمشروع النهضة، والحلول الإسلامية لمشكلات التقدم والتطور والتجديد.

فقال أعلامه:

بلسان رفاعة رافع الطهطاوي: إن بحر الشريعة الغراء لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها، ولم تخرج أحكام السياسة عن المذاهب الشرعية، فينبغي تعليم النفوس السياسة بطرق الشرع، لا بطرق العقول المجردة.

وبلسان الأفغاني: إن العلاج الناجع لانحطاط الأمة الإسلامية إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها، ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة أخرى فقد ركب بها شططًا، فينعكس عليه القصد، ولا يزيد الأمة إلا نحسًا، ولا يكسبها إلا تعسًا.

وبلسان محمد عبده: إن سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها، وإذا كان الدين كافلًا بتهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره، وهو حاضر لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلم العدول عنه إلى غيره؟

وبلسان مصطفى كامل: إن في الإسلام كافة المواد الحيوية لأرقى مدنية يشتهيها بنو الإنسان، فهو الدين الذي يؤهل أهله وذويه إلى أسعد حالات الحياة وأتم نعيمها، الحقيقة الدينية. ومن المستحيل إحياء الأمة وإنهاضها بغير الحقيقة الدينية.

لكن، من الحق، بل ومن الواجب، أن تقدم أبرز معالم هذا الخيار الإسلامي في النهضة. فما الذي يعنيه هذا البديل الإسلامي، المنطلق من المرجعية الإسلامية، من حلول تكون أبرز المعالم والسمات والقسمات للنظام الإسلامي الذي ندعو إليه، بديلًا عن النظام الغربي الذي يبشر به ويدعو إليه المتغربون العلمانيون؟

لتبيان ذلك تأتي صفحات هذه الدراسة، بعد هذا التمهيد الذي بلور مشكلات النهضة، والتيارات التي اختلفت حول هوية ومرجعية الحلول المرشحة لحل هذه المشكلات.

المعارضة السياسية المنظمة

إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف يقتضي أن يحب القائم بها المعروف، ويؤيد أهله، كما أن القيام بفريضة النهي عن المنكر يقتضي أن يكره القائم بها المنكر، ويعارض أهله. ولذلك فإن القائمين بفريضة المشاركة في الشؤون العامة للمجتمع، والاهتمام بأمور الأمة، لابد وأن تتراوح مواقفهم بين التأييد للمعروف وأهله والمعارضة للمنكر ومقترفيه.

وكما يحدث التأييد وتتم المعارضة من خلال المواقف الفردية، فإنهما يتمان جماعيًّا ومنظمًا عندما يختار أهلهما تنظيم تأييدهم أو معارضتهم بواسطة المؤسسات والجمعيات والأحزاب والروابط، لتكون أفعل، وليكونوا، بواسطة الاجتماع والتنظيم، أقدر على تبين المعروف واختيار السبل الأنسب لتأييده، وتبين المنكر واختيار الطرق الأنجع والأنجح في النهي عنه واقتلاعه وتطهير المجتمع من آثاره.

تلك حقيقة من حقائق المنطق لا يختلف عليها العقلاء، وهي تستدعيها وتؤكد عليها مستجدات الواقع المعاصر، الذي تعقدت فيه الأمور، وتركبت فيه القضايا، وتشعبت فيه العلوم إلى الحد الذي غدت فيه المؤسسات والجماعات والتنظيمات هي السبل الأفعل في دراسة المشكلات، وفي تبين وجه المعروف فيها وحقيقة المنكر منها، واتخاذ المواقف القادرة على تزكية المعروف والأمر به، واستنكار المنكر والنهي عن اقترافه والاقتراب منه.

فبغير التنظيمات والمنظمات والجمعيات والجماعات، إن في البحث والدرس، أو في الدعوة والفكر، أو في السياسة والتنفيذ، لن تكون هناك فعالية حقيقية في القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا مشاركة مؤثرة من الإنسان في تقويم سير الاجتماع في المحيط الذي يعيش فيه.

ولما كان الإسلام دين الجماعة، الذي افترض على الناس، إلى جانب فروض العين الفردية، فروض الكفاية الاجتماعية، التي يتوجه التكليف فيها إلى الجماعة والأمة، ولا تنهض بها إلا جماعة، وإذا تخلف الوفاء بها وحدث التقصير في الإقامة لها، وقع الإثم على الأمة جمعاء، فإن هذا الإسلام قد أناط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجماعة، والجماعة المنظمة، التي تجتمع فيها الخصائص والشروط التي تجعل أداءها لهذه الفريضة أفعل وأكمل في بلوغ المقاصد والغايات.

إن إقامة الحق، والصبر على تبعات طريقه، لا يتأتيان إلا بالتواصي على ذلك، أي بالعمل الجماعي المنظم، تأييدًا كان هذا العمل للحق وأهله أو معارضة للباطل ومقترفيه: والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

ولهذه الحكمة جاء حديث القرآن عن الأمة، الجماعة المنظمة، المالكة لمؤهلات تعينها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون.

وفي هذا المعنى، معنى اقتضاء الآية وجود التنظيمات القائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراقبة والمحاسبة والتقويم والمعارضة لولاة الأمر والقائمين بالأعمال العامة، في هذا المعنى الذي جاءت به هذه الآية يقول الإمام محمد عبده: وتقدير الكلام: ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهما فريضتان، إحداهما على جميع المسلمين، والثانية على الأمة التي يختارونها للدعوة. فالأمة أخص من الجماعة، فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص.

فقيام تنظيمات المراقبة والمحاسبة والمعارضة المنظمة فريضة من فرائض الإسلام.

وإذا كان من حق الحاكمين أن يؤيدهم المحكومون إذا هم أحسنوا، فإن من حق المحكومين أن يعارضوا الحاكمين إن هم أساءوا. يتأسس هذا الحق، الذي هو في الإسلام ضرورة وفريضة، على الحرية، وهي فطرة وضرورة وفريضة، كما يتأسس على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بل إن هذه المعارضة، عند الإساءة، تتجاوز مرتبة حق المحكومين على الحاكمين، إلى حيث تصبح من حقوق الحاكمين على المحكومين أيضًا. وهذا هو المنهاج الراشد للخلافة الإسلامية.

إن ولاة الأمور وحكام المسلمين هم نواب عن الأمة، فالسلطة الحقيقية الأصيلة هي للأمة، والحاكمون وولاة الأمر ليسوا بمعصومين، وكل بني آدم خطاء، والخطأ في الولايات أكثر وقوعًا من الخطأ في الشأن الخاص، وآثاره الضارة أكبر وأعم، ومن ثم فالوزر عليه أشد وأثقل.

ولصاحب الحق الأصيل سلطان لا ينازع في مراقبة وكيله ونائبه وخليفته في أداء ما فوض إليه من مهام، كي تنجز هذه المهام على النحو الذي أراده صاحب الحق عندما عقد لنائبه عقد الوكالة والإنابة والتفويض.

وفي التجربة السياسية الإسلامية الأولى، كانت الشورى، وهي استخراج الرأي من المشيرين استخراجًا، تعني تشجيع المحكومين على المشاركة بالرأي، مؤيدًا كان هذا الرأي لولاة الأمور أو معارضًا.

بل إن ولاة أمور المسلمين، في المنهاج الراشد للخلافة الإسلامية، كانوا ينبهون الرعية على ضرورة المراقبة والمحاسبة والمعارضة تنبيهًا، وهو منهاج سار فيه الراشدون على سنة المعصوم.

فأبو بكر رضي الله عنه كان يلح على الرعية في مراقبة الحاكم ومحاسبته ومعارضته، وهو القائل في أول خطبة له بعد بيعته بالخلافة: إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.

وإذا كان المقابل للطاعة والتأييد هو الرفض والمعارضة، فإن هذا المنهاج الراشد للخلافة الإسلامية يحرض الرعية على المعارضة، عند مقتضياتها، تحريضًا.

وكما يقول الإمام محمد عبده: فلقد كان المسلمون في الصدر الأول، لاسيما زمن أبي بكر وعمر، على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة، حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب، وهو أمير المؤمنين، وينهاه فيما يرى أنه صواب. ولا بدع، فالخلفاء، على نزاهتهم وفضلهم، ليسوا بمعصومين. وقد صرح عمر بخطئه، ورجع عن رأيه غير مرة.

وإذا كان المعصوم قد دعا الناس وحثهم على محاسبته في اجتهاداته كحاكم، وذلك عندما أمر مناديًا فنادى في المدينة، وهو في مرضه الأخير: أن اجتمعوا لوصية النبي، فاجتمع كل من في المدينة، من ذكر وأنثى، وكبير وصغير، وتركوا أبوابهم ودكاكينهم مفتحة، وخرج وهو متوعك، بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حتى جلس على المنبر، فحمد الله ثم قال: يا أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد مني، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد مني، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني. ثم نزل وصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد إلى مقالته.

فهي، إذن، سنة النبي ﷺ ووصيته، التي تأسس عليها منهاج الخلافة الراشدة، في حث الناس على المراقبة والمحاسبة والمعارضة لولاة الأمور. دعا النبي إليها كل الأمة، رجالًا ونساء، كبارًا وصغارًا.

بل إن السنة النبوية تعلمنا أن التفريط في إقامة هذه الفريضة الاجتماعية لا يفسد دنيانا فقط، وإنما هو محبط لأعمالنا، يحول بينها وبين أن تفتح أبواب السماء لها ولدعائنا.

فالله سبحانه وتعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، لكنه لا يسمع للذين لا يعارضون المنكر في اجتماعهم البشري وعمرانهم الإنساني: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

وإذا رأيتم الظالم فلم تأخذوا على يديه، يوشك الله أن يعمكم بعذاب من عنده.

بل إن التفريط في هذه الفريضة جالب للعنة: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون.


ورغم هذا الموقف الإسلامي الواضح والحاسم، في مشروعية، بل وجوب، المعارضة عندما توجد دواعيها، وهي دائمًا موجودة للقيام بفريضة المراقبة والمحاسبة لولاة الأمور، أي أن المعارضة وظيفة سياسية عامة دائمة في المجتمع، للرقابة والمحاسبة دائمًا، أما رفع الصوت بالمعارضة فهو رهن بوجود المنكر الذي يستوجب المعارضة، وهي وظيفة لا تكفي فيها التكاليف الفردية، لتعقد الحياة السياسية والاجتماعية على النحو الذي تحتاج المعارضة والمراقبة والمحاسبة فيه إلى مؤسسات وتنظيمات، وخاصة في تقديم البدائل للتغيير، ما لابد له من التغيير.

رغم هذا المنهاج الإسلامي الواضح والحاسم، فإن شبهات قد ثارت حول مشروعية المعارضة في النظام الإسلامي، وهي قد استندت وتستند إلى آراء وتأويلات لقلة من فقهاء عهود الاستبداد والتراجع الحضاري، أو لنصوص أسيء تفسيرها عندما عزلت عن ملابساتها ووقائع ورودها، الأمر الذي يستدعي مناقشة هذه الشبهات.

لقد استندوا إلى حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني.

ونسوا الحديث الآخر، بل الرواية الأخرى لذات الحديث، والتي وردت في ذات الصحيح، ونصها: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني.

فالحديث هو عن أمير من الأمراء الذين اختارهم رسول الله ﷺ، وليس عن كل الأمراء، على امتداد حياة الإسلام والمسلمين.

بل ونسوا ما هو أكثر من ذلك، وهو أن الأمير، في مصطلح عصر النبوة، هو أمير الجيش وقائد القتال، وليس الوالي والعامل ورئيس الدولة. ولطاعة أمراء الحرب في القتال مقتضيات ومقاصد وآليات مختلفة تمامًا عن شورى ومراقبة ومحاسبة الحكام في شؤون السلم والعمران.

كما استندوا إلى الحديث النبوي القائل: من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا، فمات، فميتته جاهلية.

ووظفوا هذا الحديث في الدعوة إلى الطاعة التامة لكل الأمراء، حتى فيما كرهت الرعية من سياساتهم.

ولقد نسي أصحاب هذا التفسير أن هذا الحديث، أيضًا، هو عن أمير الحرب والقتال، وليس عن والي السلم والسياسة والعمران، وأن المطلوب هو عدم مفارقة صفوف الجماعة المقاتلة، حتى ولو رأى المقاتل من قائده أمرًا يكرهه.

وفارق بين ما نكره فيدعو الحديث إلى الصبر على المكاره، وبين ما يغضب الله ويخالف شريعته. وفيه ورد: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا طاعة في معصية الله، ولا طاعة لمن عصى الله، ولا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف، وليس في المنكر.

كما نسوا أن المعارضة للحاكم لا تعني الخروج على الجماعة، لأنها، إذا كانت مضبوطة بمقاصد الشرع والمصالح الشرعية المعتبرة، تكون في سبيل الجماعة، وانحيازًا إليها، وليس خروجًا عليها.

كما استندت هذه القلة من الفقهاء إلى حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: من مات على غير طاعة الله مات ولا حجة له، ومن مات وقد نزع يده من بيعة كانت ميتته ميتة ضلالة.

ولقد نسوا أن البيعة التي يتحدث عنها الرسول ﷺ هنا هي البيعة التي بايعه المؤمنون بها، أي البيعة على الإسلام والإيمان، وبها ينتقل المبايع من الجاهلية إلى الإسلام ومن الضلالة إلى الهدى، فهي ليست البيعة السياسية لحاكم من الحكام.

وعن هذه البيعة الخاصة، التي يؤدي الخروج منها إلى الكفر والضلالة، جاء في القرآن الكريم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.

فهي بيعة خاصة على الإيمان والإسلام، ومقامها خاص برسول الله ﷺ كمبلغ عن الله، فبيعته بيعة الله، وطاعته طاعة الله، ومقتضاها إسلام الوجه لله، بلا اجتهاد ولا رأي ولا مشورة، إلى غير ذلك من أمور السياسة والدولة والمعارضة والتأييد للحكام.

كما نسي هؤلاء الفقهاء أيضًا أن الحكام المتغلبين أو الظلمة قد تولوا السلطة بلا بيعة شرعية حرة معتبرة، وأن ظلم الحاكم وجوره وفسقه وضعفه هي أسباب مسقطة لطاعته، تحمل الأمة من بيعتها له، حتى ولو كانت له في عنقها بيعة حرة شرعية صحيحة؛ لأن في الجور والفسق والضعف نقضًا لشروط التعاقد، وتخلفًا بصفات وشروط ولاة الأمر وفق شريعة الإسلام، التي صاغ أبو بكر مبدأها في عبارته الشهيرة: فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.

وإذا كان التأييد والمعارضة إنما يردان في الشؤون التي هي موضوعات للاجتهاد، أي فيما لم يعلم من الدين بالضرورة، ولم تحسمه النصوص القطعية الدلالة والثبوت، فإنهما مما تختلف في أمرهما الآراء، ويتعذر أو يقل في موضوعاتهما الإجماع.

ولذلك كانت الكثرة والقلة، والأغلبية والأقلية، والجمهور والبعض، هي معايير الترجيح بين المختلف من الآراء في هذه الموضوعات.

لقد اعتمد الإسلام سبيل الاقتراع والتحكيم في المشكلات، وهذا منهاج يعتمد رأي الكثرة من أصحاب الرأي. وفي الفقه الإسلامي، سواء منه السياسي، في بيعة الأئمة والخلفاء، أو في مطلق الاجتهاد الفقهي، نجد الترجيح لرأي الجمهور، أي الأغلبية.

ويجب أن نتنبه إلى الأمر الذي يخلط فيه البعض، عندما يستدلون بآيات من القرآن الكريم على أن أكثر الناس لا يعلمون، وأكثر الناس لا يشكرون، وأكثر الناس لا يؤمنون.

فهذه الكثرة التي تحدثت عنها هذه الآيات هي كثرة جاحدة للوحي الإلهي. وأمام الوحي وأصول الإيمان وما علم من الدين بالضرورة، لا مجال للاقتراع وأخذ الآراء ولا للكثرة العددية.

أما في ميادين الحكمة والرأي والاجتهاد الإنساني، فإن رأي الكثرة يرجح رأي القلة، ورأي الجمهور مقدم على رأي البعض في الشورى.

ولهذا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما.

وكان النزول على رأي الأغلبية في الشورى حول موطن اللقاء في يوم أحد، وفي غيره من مواطن الشورى والاجتهاد.

هكذا يبلغ الإسلام بالمراقبة والمحاسبة والمعارضة مرتبة الفريضة، تأسيسًا على الحرية التي فطر الله الناس عليها، وتفريعًا على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي جماع فرائض المشاركة الإسلامية في كل شأن عام.


المسجد الأقصى... والقدس الشريف وفلسطين

رغم كثرة مشكلات الأمة الإسلامية وتعدد مآسيها في مرحلة الاستضعاف التي تعيشها الآن، إلا أن مأساة فلسطين لها خطر خاص ومكان متميز.

فالرباط بين المسجد الأقصى والبقعة التي بارك الله حولها، وبين الحرم الشريف والقبلة التي تجمع الأمة وتهفو إليها قلوب المؤمنين، ليس مجرد رباط جغرافي أو تاريخي أو حضاري أو قومي، وإنما هو دين نتعبد الله به؛ ثم هو، أيضًا، دنيا ومصالح إسلامية معتبرة، تجسدت في التاريخ والجغرافيا والحضارة على مر تاريخ الإسلام.

ففي القلب من فلسطين تقوم أولى القبلتين، وثالث الحرمين الذي لا تُشد الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ. والقرآن الكريم شاهد على أن الرباط بين هذه البقعة من أرض الإسلام وبين قبلة المسلمين هو آية من آيات الله سبحانه وتعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].

وفي تاريخ الفتح والتحرير الإسلامي، كانت كل المدن والبلاد المفتوحة يتسلمها القادة الفاتحون، الذين يعقدون معاهدات الفتح والصلح والأمان مع أهل تلك المدن والبلاد، إلا القدس؛ فلقد طلب أهلها، عند فتحها سنة ١٥هـ/٦٣٦م، أن يعقد معاهدة صلحها ويتسلم أمانتها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رغم أن قائد فتحها كان أمين الأمة أبا عبيدة بن الجراح. فهي أمانة الفاروق لدى الأمة الإسلامية.

وعلى مر تاريخ الإسلام، كانت القدس وفلسطين محكّ الصراعات والتحديات التي غطت قرونًا عدة من هذا التاريخ. وعلى أرضها كان المد والجزر بين الإسلام وأعدائه: من هرقل والبيزنطيين، إلى الصليبيين وأمراء الإقطاع الأوروبيين، إلى هولاكو والتتر، وحتى الحلف الصليبي الصهيوني في العصر الحديث.

والصراع المعاصر والحالي بين أمتنا وبين الكيان الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين ليس خاصًا بأهل فلسطين؛ فهذا الكيان إنما يمثل قاعدة للمشروع الاستعماري الغربي، نشأ بروتستانتيًا غربيًا، مستندًا إلى أسطورة بروتستانتية تزعم أن عودة السيد المسيح عليه السلام، ليحكم الأرض ألف عام، قد اقترب أوانها، ولا بد لحدوثها من جمع اليهود في فلسطين وإقامة دولتهم وشن حرب إبادة ضد العرب والمسلمين.

ولقد صادف تبلور هذه الأسطورة البروتستانتية قيام الغرب بغزوته الاستعمارية الحديثة على ديار الإسلام، وبحثه عن أقلية دينية تمثل بالنسبة له موطئ القدم والشريك الأصغر في المشروع الاستعماري. فروّجت الأسطورة في الأوساط الصهيونية الغربية الباحثة عن وطن يحميها من الاضطهاد الغربي، فقام هذا الحلف الصليبي-الصهيوني ضد العرب والمسلمين على أرض فلسطين؛ ليمثل الطور المعاصر لذلك الصراع التاريخي الذي دار بين الإسلام وبين أعدائه على هذه الأرض التي بارك الله فيها.

فالموقف الإسلامي من الدولة اليهودية ليس موقفًا من اليهودية الدين؛ فاليهودية دين من الديانات التي جاء الإسلام مصدقًا لها، ومصححًا لما حُرّف من عقائدها، ومهيمنًا عليها هيمنة الرسالة الخاتمة، ومتعايشًا مع المتدينين بها. وإنما موقف الإسلام من هذه الدولة هو موقفه من العنصرية اليهودية التي تحالفت مع الغرب الاستعماري ضد نهضة الإسلام ويقظة أمته، وأقامت في أرضه المقدسة قاعدة استعمارية استيطانية تقتلع المسلمين من ديارهم، وتحترف العدوان المنظم لإجهاض النهضة والتقدم في وطن العروبة وعالم الإسلام، مستغلين في ذلك أساطير توراتية حول وعد إلهي لبني إسرائيل بأرض ما بين النيل والفرات.

وللإسلام من هذه القضية، قضية اغتصاب الأرض والإخراج من الديار، موقف حسمه القرآن الكريم عندما قال:

﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩].

فلا موالاة ولا سلم بين المسلمين وبين من يخرجونهم من ديارهم ويظاهرون على إخراجهم من الديار، وخاصة إذا كانت هذه الديار أمانة الفاروق عمر بن الخطاب التي أودعها لدى الأمة التي جعل الله سنام دينها الجهاد، وكانت الأقصى وما بارك الله حوله في القدس وفلسطين.

وهذا الموقف الإسلامي من هذه القضية يتأكد ويزداد وضوحًا وحسمًا عندما نعلم أن المسلمين الأوائل، بقيادة رسول الله ﷺ، لم يحاربوا مشركي قريش لمجرد شركهم ورفضهم التدين بالإسلام؛ فالحرب للإكراه على الدين مرفوضة إسلاميًا، وهي لا تثمر إيمانًا وتصديقًا قلبيًا يقينيًا، وإنما تثمر نفاقًا يدينه الإسلام. وإنما حارب المسلمون المشركين لأنهم اعتدوا على المؤمنين، وفتنوهم عن دينهم، ولأنهم أخرجوهم من ديارهم.

والذين يتأملون آيات القرآن التي جاء فيها الإذن بالقتال بعد الهجرة، والتحريض على هذا القتال، يرون كيف كان الإخراج من الديار في مقدمة أسباب الإذن بالقتال والتحريض عليه:

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩-٤٠].

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۝ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩١].

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠].

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦].

﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣-١٤].

فمشروعية الجهاد ووجوب القتال ليسا لمجرد المغايرة في الاعتقاد، شركًا أو يهودية، وإنما للإخراج من الديار والاعتداء والفتنة في الدين.


الجهاد

الجهاد هو سياج حماية الدعوة الإسلامية، وصيانة حريتها وحرية أهلها، والسبيل إلى الحفاظ على حرية وعزة أمة الإسلام واستقلال ديار الإسلام، وأداة ردع قوى العدوان التي تهدد حرية الدعوة والأمة والديار.

والجهاد الإسلامي فريضة كفائية في كل الحالات والأوقات وفي جميع الميادين، ويصبح فرض عين على كل مسلم ومسلمة إذا دنس الأعداء ولو موطئ قدم من أرض الإسلام، ويبدأ تعيّنه بمن هم في مواطن العدوان ثم الذين يلونهم.

والجهاد يعني: بذل ما في الوسع والجهد؛ فهو مستوى من البذل والعطاء أعلى مما يطاق عادة بالنسبة للكافة من الناس، ولذلك توجه التكليف بفريضته إلى الأمة، وليس إلى كل فرد على وجه التعيين.

والجهاد القتالي ميدان من ميادين الجهاد، وليس هو ميدانه الوحيد، لكنه أعلى مراتب الجهاد. وإذا كانت المستويات العادية من العلم والعمل في كل ميادين الحياة هي فرائض عينية، فإن بذل الوسع واستفراغ الجهد في هذه الميادين هما الجهاد، الفريضة الكفائية الاجتماعية، التي إذا قام بها القادرون عليها والمتخصصون في ميادينها كفوا الأمة ونابوا عنها في أدائها.

فالعلم الضروري فريضة على كل مسلم ومسلمة، أما التخصص والبراعة والتبحر في كل ميادين التخصصات العلمية التي تحتاجها نهضة الأمة ويقتضيها تقدمها، فجهاد في ميادين هذه العلوم:

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].

والإنفاق المعتاد من المال والعمل في سبيل الدعوة والوطن تكليف للكافة، أما بذل المال والنفس فداءً للدعوة والأمة والوطن فهو الجهاد:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١].

﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥].

ففرض العين هو بذل من الجهد والوسع، والجهاد، فرض الكفاية، هو بذل ما في الوسع والجهد. والجهاد القتالي يتعين، فيصبح فرض عين، إذا وطئت قدم العدو أرض الإسلام بالاحتلال والاستيطان، أو بالهيمنة التي تنتزع مقدرات الأمة وثرواتها وأمنها وحرية إرادتها وصنع قراراتها؛ لأن في ذلك إخراجًا للأمة من ديارها، وحرمانًا لها من الاستقلال، حتى ولو كانت تعيش في بلادها بأجسادها.

وتعيّن الجهاد في هذه الحالات يكون على أهل البقاع والأقاليم التي أصابها الغزو، بينما يظل فريضة كفائية على سائر سكان ديار الإسلام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].

ولقد حدد القرآن الكريم المعايير التي تميز بين من نقاتل ومن نسالم.

فالجهاد القتالي لا يجب إلا ضد الذين يقاتلوننا في الدين، كالذين يفتنون المسلمين عن دينهم، بالإكراه على الارتداد عن الإسلام، وبصنع الأزمات والمحن التي تدفع الناس إلى التنصير، وبفرض فلسفات الإلحاد في مناهج الثقافة والإعلام والتعليم؛ فهذه جبهات للقتال في الدين والفتنة في الإيمان، توجب الجهاد دفاعًا عن الدين.

وكذلك يجب الجهاد القتالي ضد الذين يعتدون على حرية واستقلال ديار الإسلام، أو يظاهرون ويعاونون المعتدين على استقلال ديارنا:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ۝ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨-٩].

فالجهاد الإسلامي قد شُرع لحماية حرية الاعتقاد الديني وحرية الدعوة إلى الدين، وحماية الوطن الإسلامي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق