أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 27 مايو 2026

رسالة في الشاي والقهوة والدخان جمال الدين القاسمي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رسالة في الشاي والقهوة والدخان

جمال الدين القاسمي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: الشاي بالعربية أو التاي بالصينية والجاي بالفارسية، المشروب الأكثر انتشاراً في العالم، والذي أول من تكلم فيه الفليسوف والطبيب اليوناني بطليموس، وانتشر بهولندا وانكلترا ثم شمال فرنسا، ثم باقي العالم، أما القهوة؛ فهي سيدة المجالس وسلطانة الموائد، والتي نبتت في أراضي اليمن والحبشة، واحتضنتها الصوفية أولاً لتُعينهم على السهر والعبادة، قبل أن تتحول إلى رفيقة الأدباء، ومحركة الثورات الفكرية في مقاهي القاهرة، وإسطنبول، وباريس.

وفي مقابل الشاي والقهوة، ظهر الدخان (التبغ)؛ ذلك الوافد المثِير للجدل الذي اكتُشف في العالم الجديد (أمريكا) وانتقل إلى العالم الإسلامي في أواخر القرن العاشر الهجري، فأحدث هزة اجتماعية وفقهية، وانقسم الناس حوله بين مائلٍ إليه ومحذرٍ منه.

وفي خضم هذا التمازج الثقافي والاجتماعي، وقف علامة الشام الفذ، الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، يرقب عادات مجتمعه بنظرة المصلح الخبير والأديب الأريب. فلم يكن الشيخ مجرد ناقل للأحكام الفقهية، بل كان مؤرخاً لطبائع البشر، وعالماً يسير بعلمه وفقهه بين الأنام.

لقد نظر الشيخ القاسمي إلى هذه "المكيفات الثلاثة" نظرة الفقيه الأديب، وصنف فيها رسالته اللطيفة المحبرة بمداد الإنصاف (رسالة في الشاي والقهوة والدخان)، مبيناً باعتدالِ العالِم وذوقِ الأديب دوافعَ تصنيفه. يقول الشيخ القاسمي رحمه الله: 

(أما بعد فهذه رسالة في الشاي والقهوة والدخان. جمعت مما قيل في شأنها ما وصلت إليه يد الامكان.  ولم يكن الباعث على جمعها الولوع بها. فإن شرب الدخان أكرهه في كل آن. ولم اتناوله بحمد المولى المنان. والشاي والقهوه. ليس لي فيهما صبوه. ولكن وجدت عندي في ذلك منثور أوراق. فأحببتُ أن انظمها منتخبًا منها مارق أو راق. اذ لا تخلو من فوائد يعترَف بفضلها. ويغترف من عذب منهلها. ثم رتبتها علي ثلاثة أبواب مستعيناً بتوفيق الكريم الوهاب).

وفي ختامتها، قال المؤلف:

(هذا آخر الرسالة، وقد أعدت النظر على مسودتها ونقحتها في مجالس من ثلاثة أيام، آخرها مساء الجمعة في ٧ صفر الخير، سنة ١٣٢٢ هـ في منزلنا بدمشق الشام).

_________________________________________________

أبواب الكتاب

الباب الأول: في الشاي وفيه عشرة فصول:

الفصل الأول: في اسمه ومادته.

الفصل الثاني: في ذكر انتشاره بين الناس ومبدئه.

الثالث: في صفته النباتية.

الرابع: في اجتناه.

الخامس: في تهيئته للاستعمال والتجارة.

السادس: في صفة الجيد منه.

السابع: في أصنافه.

الثامن: في كيفية طبخه.

التاسع: في خواصه.

العاشر: فيما نظم في مدحه.

الباب الثاني في القهوة، وفيه ستة فصول:

معنى القهوة لغةً، وأبيات العلمي فى التحذير من دخول القهوات.

الفصل الأول: في مادتها الذي هو البن ومنشئه.

الثانى: في صفتها النباتية

الثالث: في صفاتها الطبيعة.

الرابع: فى خواصها.

الخامس: في القطع بحل شربها.

فتوى ابن خجر والخليلى فى حلها نثرًا.

فتوى النجم الغزى نظماً.

فتوى ابن عراق نظماً.

أبي الفتح المالكي نظماً، والرد على من يحرمها لمجرد إدارتها.

الفصل السادس في قصائد الفضلاء ومقاطيع الأدباء في مدحها.

الباب الثالث في الدخان، وفيه سبعة فصول:

الفصل الأول: في اسمه واشتهاره ومنشئه.

الثاني: في تاريخ ظهوره.

الثالث: في أدوات استعماله.

الرابع: في مضرات التدخين.

بيان تأثيراته: -تاثيره على الجسم-تاثيره علي الفم والمعدة - تاثيره على الدم - تاثيره على الإفرازات -تاثيره على المجموع العصبي والعضلي - نصيحة للفتيات!

نصائح الأطباء الغربيين للمدخنين.

مقالة في تاثيرات النارجيلة

لطيفة تتضمن: جوابين عن سؤالين - فكاهة

الفصل الخامس: في خطر تسعطه ومضغه.

السادس: في لطائف ما نظم فيه.

السابع: فى حكم التدخين.

______________________________________________

فصلٌ في خواص الشّاي وفوائده

قال في العمدة: اعتبروه مهضماً للغاية مقويًا للمعدة، منبهاً يسبب ثورانًا خفيفا في التصورات بتأثيره على المخ، ويزيد في القوة الجنونية زيادة وقتية، ويسبب راحة وطمأنينة، ولكن بدرجة أقل وضوحاً مما يحدث من القهوة، وأما بالنظر للاستعمال الطبي؛ فلا يعطى منقوع الشاي إلا لتسهيل الهضم، ويعطى كالدواء المعرق، وتلك خاصية فيه وإن كانت ضعيفة، ولوجود خاصية القبض في الشاي اعتبره كثير من المؤلفين

دواء قابضاً؛ فأمروا به في الفياضانات الريحية ونحوها، ومن المؤكد يقيناً أن له تاثيراً واضحاً على الأعصاب لأنه يينهها حتى يسبب اضطرابًا وسهرًا ونحو ذلك، وشُوهد شفاء وجع القلب به، واعتبروه مانعاً لتكوّن الحصاة، ومذيباً لها إذا كانت متكونةً، ولذا ذكر بعض الأطباء أنه لم يشاهد أصلاً حصاة مثانية في اليابان؛ لكثره استعمال أهلها له حتى أنهم يستعملون مسحوقه، ويزدردونه بالماء الحار وهو من الأعاجيب، وذكر بعضهم أنه لم يشاهد حصاة ولا نقرسًا في المكثرين من شرب الشاي ولكن يشاهد عكس ذلك في أوربا -أي: أن المصابين بذلك هنالك كثيرون، فهذا رأى غير مختار، واعتبروه ايضًا دواء جيدًا لضعف البصر والوجع العصبي في العين، ثم إن الصينيين يعتبرون له خواص أخر؛ فيرون أنه دواء عام قلبي للغاية مقوٍّ للمعدة والقلب، مثير للحرارة، مزيل لأوجاع الرأس، مبرىء للاستسقاء والاستهواء والنزلة، وأمراض الكبد والطحال والقولونج، ولكن الوثوق بهذا قليل، ثم مع المبالغة في منافعه ذكروا له أخطار واضحة؛ فإذا استعمل بمقدار كبير، فإنه يؤثر على الأعصاب، ويثير الدورة ويزيد في حرارة الجسم، ويسبب سهرًا وحركات تشنجية في الأطراف؛ فهو مُنبّه لا ينبغي الإفراط فيه؛ فيكون مناسباً للسمان والكسالى الثقيلة أبدانهم، والمقلين من استعمال الرياضة، مع الإكثار من استعمال المآكل الدسمة والدهنية واللزجة، ويكون مؤذياً للموصوفين بعكس ذلك، وبالأمزجة المخالفة لذلك، سيما إذا أكثروا من استعماله. 

ومن المشاهد في الصين أن المكثرين من الشاي يكونون نحفاء ضعفاء وألوانهم رصاصية، وأسنانهم مسودة وزعم بعضهم أن الإفراط من الشاي ينتهي حاله بإتلاف حساسية الأعصاب، ونسب بعضهم أخطاره لحرارة مائه؛ لأنها تتعب المعدة وغير ذلك، وناقض هذا غيره ورأى نسبة ذلك للورق نفسه، ونسبوا ايضاً لإفراط استعماله رخاوة الصينيين وقلة تشجعهم، وانتقاع ألوانهم، وترهل لحومهم اهـ ملخصاً.

وفي (التذكرة الطبية) أن الشاي بمجرد شربه يُنبّه المعدة والأمعاء؛ فتزداد الشهية وتنتظم الحركة الديدانية، ولذا يسعمل في عسر الهضم، ومتى امتُصَّ أثّر على المُخ؛ فيوقظه، ولذا يستعمل ضد التسمم بالأفيون، وهو لا يناسب المستعدين للدرن الرئوي والعصبيين؛ إذ يحصل لهم خفقان من استعماله انتهي.

وقرأتُ في بعض المجلات العصرية: أن الشاي يطهر الدم من مواد مضرة، ويعين على الهضم ويساعد على نقطيع البلغم في السعال.

وفي رسالة (شراب الشاي) أن من منافعه كونه مزيلاً لعفونة الفم؛ فيطيب النكهة ويُذهب السعال ويقوي الباه، ويدر البول، ويفتح سدد المثانة، ويشد العصب، ويحلل الأورام، وينفع للخفقان القلبي، ويخرج الرباح التي تتكون بالأحشاء، وتمغص فيتاألم لها البدن مع ما فيه من المادة المغذية للدم المساعدة لتصفيته، ثم ذكر أن الشاي الأخضر أسمى درجة في المنفعة وأجود تناولاً من الأسود. انتهى.

ومع ذلك فهو يولد الباسور كالقهوة، وقد حذر الأطباء منهما للمصاب به. نعم؛ قال بعض الحذاق منهم: لا بأس بشرب الخفيف من الشاي الأحمر، وقدر بعضهم الكأس الواحد من الشاي الأخضر بأربع من الشاي الأحمر.

_________________________________________________

فيما نظم في مدح الشّاي

من ذلك قول بهجة الأدباء الشيخ محمد المبارك الجزائري ثم الدمشقي:

قهوة الشاي وهي الطف قهوه …. لم تدع لي في قهوة البن شهوه

أبسوداء يعدل الشاي وهو الـ .. شاء كلا لتلك أعظم هفوه

لو درى الناس ما له من مزايا … ما خطوا نحوها لعمرك خطوه

ما ابنة البن في الحقيقة إلا … من جواريه صادفت حسن حظوه 

لكن الشاي بغية القوم أما … عقدوا في مرابع البسط حبوة

وحوت دولة لدى كل حبر … ماجد كان في المكارم قدوه

أو دعاهم داعي الهناء الى مو … رد صفو فى روضة فوق ربوه

فهو أبهى لونا وأشهى مذاقاً … هو أذكى نشرًا واعظم نشوه

طاب بالسكر اللذيذ شرابًا … فاديرت اقداحه وهي حلوه

ونما فضله بحسن قبول … في قلوب لها مع الله خلوه

راحه ينعش النفوس ارتياحا … فلها هزة إليه وصبوه

يشرح الصدر بهجة وسرورًا … لذة السكر لا تعادل صحوه

كم اراق الصهباء من كان يهوى … شربها عند ما احتسى منه حسوه

فادر صاح منه كاساً دهاقاً … ليس لي عنه يا ابن ودي سلوه

وار تشفه على بساط نشاط … منشداً من اشعار قيس وعروه

وانتهز فرصة من الدهر واصحب … صفوة قد جلت من العيش صفوه

راقها الشاي حيث راق صفاءً … وهزار الأفراح ردَّدَ شدوه

فاجتلته على رخيم المثاني … في رياض أبدى بها الزهر زهوه

منه نوع زبرجدي إذا ما … لاح في الكاس شمت ماء وجذوه

ثمّ عن عنبر به وعبير … بشذاه دعا الوري خير دعوه

وحبا الصب واردات التهاني … من حبلب رثى له بعد جفوه

ذاك أعلى أنواعه عند قوم … ما ثَنَتْهم عن خلوة الود جلوه

ذاك أسنى الأسباب في جمع شمل … الأنس يا ذا الوفا وأوثق عروه

ذاك عين الاكسير معني يعيداً … قبض بسطا والذل عزا وسطوه

درهم منه رد قنطار هَمٍّ … فرحاً قد جلا عن القلب شجوه

فتعاطاه كل حر رقيق … كان للناس فيه أحسن أسوه

يخلي في الكؤوس شبه نضار … في لجين يولى الفتى أي ثروه

أو كشمس قد اشرقت في بدور … مذ تجلت جلت دجى كل غفوه

يا له من زمرد عاد تبراً … فاكتسى الكاس منه أحسن كسوه

كللته فرائد من جمان … ربما خالها أخو الجهل رغوه

كم له في الورى منافع لكن … لم يشنها إثم مشوب بقسوه

يبهج النفس ينتج الأنس حالاً … يورث الهضم يطرد الهمَّ عُنوه

ولذا قيل منية النفس فيه … ينبغي شربه مساء وغدوه

وقال زيد لطفه مضمناً:

يا حسن شاي لاح في بلورة … يزهو كستبر في لجين رائق 

أداره الساقي على الندمان في … (زينة معشوق ولون عاشق)

وقال الأديب السيد عمر الإنسي البيروتي:

أدم شرب الأتاي فإن فيها … منافع ليس توجد في سواها

مآثر تمنح السفهاء حلماً … وأرباب الحلوم علاً وجاها

إذا جليت مشاربها تجلت … على جلساء حضرتها سناها

فلا لغو ولا تاثيم فيها … ولا ما يسلب العقلا نهاها

ولا ما يلحق الانسان جهلاً … براتعة البهائم في فلاها

ينال بها السليم نشاط جسمٍ … كما نالت بها المرَضى شفاها

ويعبق طيبها فينم مسكاً … فينعش روح شاربها شذاها

سفي صوب الغمام بها ريوعاً … تحيات الحيا حيت رباها

يمر بها الصبا المعتل يروى … لنا خبرا ضحيحاً عن ثناها

نبات فاخر يا فخر أرضٍ … نمته عليه تحسدها سماها

إذا لم يوجد الإبريز فيها … فإن نباتها احلا حلاها

وقال أوحد العلماء الشيخ عبد الجليل براده المدني:

أرى كما تحوي مجالس أنسنا … جنوداً لدفع الهمّ سلطانها الشاهي

فلا عجب إن لم تتم بدونه … فما تم أمرٌ للجنود بلا شاهي

وقال:

إذا مجلس للأنس تمّ نظامه … وما دار فيه كاس شاي معتبر

لعمري وإن حاز المسرات ناقصٌ … وما هو في عد المجالس يذكر

وقال ايضاً: 

إذا زار من تهواه يوماً محبة … وبادرت بالشاهي يطول جلوسه

وان تسقه الشربات يا صاح أنه … يقوم اذا دارت عليه كؤُوسه

وللأديب محمد أفندي جاد الله قصيدة فريدة من غررها قوله:

أينكر إكسير ودُودِى به النكر … وفي الشاي آياتٌ يحار بها الفكر

تأمل تجد ما قيل فيه بعينه … بها بينا كالشمس يظهرها الظهر

على أنها امتازت باشياء جمّة … فحق لها دوما عليه بها الفخر

تفيدك أيام الشتاء حرارة … وفي الصيف ترطيباً اذا مسك الحر

بها تكتسى الكاسات أبهج حلة … علاها حباب دونه الأنجم الزهر

كذائبِ ياقوت بدرٍ مرصع … وما ذائبا من قبلها رصع الدر

تروح أرواحًا روائح نشرها … فكم من همومٍ قد طوى ذلك النشر

إذا دارت الكاسات في مجلس ترى … كان نفوس الناس من شوقها طير

بمنظرها الزاهي تقِرُّ نواظرٌ … ومن نورها الوضاح ينشرح الصدر

حقائقه جلت عن الوصف عادةً … تفرد في إدراك آلائها السر

فأكرم بها حازت محاسن بعضها … يضيق لدى إيضاحه النظم والنثر

ولا تله عنها بكرة وعشية … فمن نفعها ما لا يحيط به الحصر

وفي رسالة (سماع الناي على شرب الشاي):

مجالس الانس مهما كان مبلغها … من السرور فلن تغنى عن الناي

كذاك كل فتي تعنيه صحته … فانه في احتياجات إلى الشاي

_________________________________________________

في معنى القهوة في اللغة والاصطلاح

أما القهوة؛ فهي في أصل اللغة من أسماء الخمر، يقال: سميت بذلك لأنها تُقهي شاربها عن الطعام أي تذهب بشهوته كما في "الصحاح"، وفي "التهذيب": أي تشبعه، ثم أطلقت على ما يشرب الآن من البُن، يقلى على النار، ثم يدق ويغلى بالماء، وتطلق الآن ايضًا على المحال المعدة لشربها من باب تسمية المحل باسم الحال.

يقول الشيخ محمد العلمي -رحمه الله -في منظومته في النصائح:

واحذر دخولك للقهوات إنّ بها … حِلُّ الفواحش مع كذب وغيبات

كم قهوة أصبحت للهو جامعةً …  وكم بلايا بها لأهل الديانات

كمحنة شغلتهم عن بيوتهم … وعن صلاة واوراد وطاعات

_________________________________________________

في خواص القهوة

قال في العمده منقوع القهوة إذا صنع جيداً، وحُلّي بالمناسب كان مشروباً مقبولا جدًّا، لذيذ الطعم، ومتى دخل في المعدة سبب فيها حرارة لطيفة، توصل الجسم لذة ورائحة، وهو مهضّم للغاية مقوٍّ للمعدة مثير للدورة، مُظهِرٌ للقوى العقلية، مساعدٌ علي التنفس الجلدي والإفراز، سارٌ مفرّحٌ للنفس، منعشٌ مهيجٌ لقوى الجسم، وهو مشروب الكتاب والمدرسين والمطالعين للكتب والمعلمين للعلوم الادبية والصناعية والشعراء وأهل الأدب.

وإذا استُعمل بعد الأطعمة الثقيلة؛ فإنه يقوي الهضم، ويناسب بالأكثر سكان البلاد الرطبة والمغيمة والمعتدلة وغير ذلك، ومنقوع البُن يشاهد أنه قد يضر بعض الناس، وقد يرغب فيه آخرون لكونه يمنع عنهم النوم بعد الأطعمةالخفيفة في غير المعتادين عليه، هو دواءٌ ثمين في هذه الحالة؛ لأنه ينال منه انكشاف للتصورات، ونورانية للتعقلات، وراحة تعين على سهولة الاشتغال.

وشوهد من العلماء وأهل الادب من يستعمل هذا المشروب مرات في اليوم، وقصدهم بذلك دوام قوة حافظتهم، ومع ذلك لم يحصل لهم شي من العوارض التي زعمها بعض الناس، مثل قولهم: سم بطيء! سم بطىء. وهذه القهوة تناسب بالأكثر أصحاب الأمزجة الباردة، والأشخاص البطيئة حركاتهم والسمان الثقال الأذهان الكسالى، والذين هضمهم عسر شاق، وتكون أكثر تناسبًا للشيوخ منها للشباب، وللرجال منها للنساء.

وقد اعتاد معظم الناس بأوربا ذكوراً وإناثا على التغذي في الصباح بالقهوة المزوجة باللبن، ويفضلون هذا الغذاء على غيره ويستعملونه مع لقيمات من الخبز؛ فيكون ذلك مقبول الطعم والرائحة، يسهل الاستمراء والانحدار، وقد ينتج ذلك تلبيناً لطيفًا، ولا التفات إلى ما ذكره الشيخ داود الانطاكي في تذكرته مما يخالف ذلك حيث قال: وقوم يشربونه- أي: البن باللبن- وهو خطأ يخشى منه البرص اهـ.

مع أن الاوربيين المستعملين لذلك لا تجد فيهم أحداً مريضا بالبرص، وهناك أمرٌ يفعله الأوربيون من اللازم تركه لكونه خطراً، وهو أن يلقي في القهوة عند الغلي قطعة من النحاس لأجل صفائها اهـ. كلام العمدة.

وفي المجلة الصحية: أن من فوائد القهوة أنها تنبه عمل الدماغ، وتساعد على السهر الطويل، ولذلك ترى أن اكثر المشتغلين بالأعمال العقلية يشربون القهوة؛ لأن الأرق الناشئ عن شربها لا يعقبه انزعاج ولا تعب ويلبث معه الفكر جلياً هادئًا، وإذا أفرط المرء في شرب القهوة؛ فقد يشعر بتعب وقلق على فم المعدة، والاستمرار فى الإفراط ربما يورث ضعفًا في أعضاء التناسل غير أن هذه الأعراض تزول بالامتناع عن شربها.

_________________________________________________

في القطع بحل شُرب القهوة

قال الشهاب ابن حجر في (الإيعاب): حدث قبيل هذا القرن العاشر شراب يُتخذ من قشر البُن يسمى ذلك "القهوة"، وطال الاختلاف فيه، والحق أن ذاتها مباحة ما لم يقترن بها عارض يقتضي التحريم، وأطال في ذلك وأطاب -رحمه الله -.

وقال العلامة الخليلى في (فتاويه): وأما القهوة، فخلاصة القول فيها: أنها من الجائز تناوله المباح شربه كسائر المباحات مثل اللبن والعسل ونحوهما؛ لدخولها في قوله تعالى: (قُل لا أجد فيما أوحي إليَّ مُحّرمًا على طاعمٍ يَطْعَمُهُ) الآية. ولا التفات إلى من ادّعى تحريمها؛ فدعواه في ذلك أوهن من بيت العنكبوت. 

وللشيخ فخر الدين أبي بكر بن شرف الدين إسماعيل بن أبي يزيد المكي الشافعي رسالة سماها: (إثارة النخوه بحكم القهوه) عارض بها من ألّف في حرمتها، وله ايضاً رسالة اكبر منها سماها: (اجابة الدعوه بنصرة القهوه) رد فيها على الحكيم الكازروني، وخطيب المدينة شمس الدين القطان، وكلاهما له تأليف في حرمتها. 

وقال النجم الغزى في (الكواكب السائرة) في ترجمة المولى أبي السعود (رحمه الله) ما نصه: والكلام في القهوة الآن قد انتهى الاتفاق على حلها في نفسها، وأما اجتماع الفسقة على إدارتها على الملاهي والملاعب وعلى الغيبة والنميمة؛ فإنه حرام بلا شك.

قال النجم: وقد أجبتُ عن سؤال:

أيها الفاضل الذي جمع الـ … علم وحاز التقى فاصبح قدوه

أفتنا أنت هل تقولُ: حلالٌ … أم حرام على الورى شرب قهوه

فقلتُ:

أيها السائل الذي جاء يرجو … عندنا أن نبيحه شرب قهوه

قهوة البن لا تكون حراماً … إنها لا تفيد بالنفس نشوه

غير أن الذي يجيُ بيوتاً … هي فيها تدار عادم نخوه

إن رأى المرد والمعازف والنر … د وكل يلهو ويتبع لهوه

ثم لم يقوَ أن بغير نكراً … خشية أن يعد ذلك هفوه

أو يجيبوه بالاهانة والسو … ء ويحفونه باعظم جفوه

أو يخلى شيطانه لهواه … لهوه في تلك البيوت ولغوه

معرضاً عن رشاده وتُقاه … سالياً عن صلاته أيّ سلوه

كل هذا مخالف لطريقٍ … خطه المصطفى وعرج نحوه

فاجتنبه ودع طوائف يدعو … ن إليه ولو بآكد دعوه

لا تطعهم ولو رضوا منك خطوه … فتطيع الرجيم في كل خطوه

واذا شئت شرب قهوة بنٍ … حسوة قد أردتَ او ألف حسوه

فليكن ذاك وسط بيتك مهما … لم تشب صفوها بموجب صبوه

واذكر الله أولاً واخيرًا … وتوثق منه بأوثق عروه

قاله ابن الغزى نجم بن بدر … يرتجي من رب البرية عفوه

وفي (الكواكب السائرة) أيضاً في ترجمة الشيخ علي الشامي ثم الحجازي نقلاً عن ابن طولون أنه لما قدم الشيخ على المذكور سنة ٩٤٧ هـ مع ركب الحج شهر شرب القهوه بدمشق، فاقتدى به الناس، وكثرت من يومئذ حوانيتها، قال: ومن العجب أن والده كان ينكرها وخرب بيتها بمكة اهـ.

وذكر ابن الحنبلي أنه كتب إلى الشيخ علي بن عراق وهو بحلب يستفتيه في القهوه هذه الأبيات:

أيها الساعي بكلتا الذروتين … بجوار المصطفى والمروتين

والعليّ القدر علماً وكذا … عملاً فوق علوّ النيرين

من له في الزهد باع ويدٌ … فلذا نرمقه صفر اليدين

أفتنا في قهوة قد ظُلمت… حينما شيب تعاطيها بشين

مِنْ تَلَهِ هالنا مسمعه … واقتراف لأًقاويل ومين

ومراعاة أمور شاهدت … فعلها في الحان كلتا المقلتين

وحكى شرابها أهل الطلا …فالتداني بين تين الفرقتين

اودِعوا ذا الطرس ما يرجو الفتى … أوْ دَعوا فاليأس إحدي الراحتين

فأجاب رحمه الله تعالى، بقوله:

أيها السامي سموّ الفرقدين … وإمام العلم مُفتي الفرقتين

يا رضيَّ الدين يابحر الندي … من رجاء راح مملوء اليدين

جاءني منك نظام قد حكى … فى نصوع اللفظ مسبوك اللجين

قلت فيه: إن في القهوة قد … خلطوها بِتَلَهٍّ ويمين

وبمعطوم حرام وغنا … وبرقص وبصفق الراحتين

فطلبت الحكم فيه بعد ما … قد رأيتم ما ذكرتم رأي عين

وعلى ذا الزي إذا كان الذي … شأنها حتى تصفى دون رين

والتداني من حماها وهي في … وصفها المذكور شين أي شين

والصفا في شربها مع فئة … اخلصوا التقوي وشدُّوا المازرين

ثم ناجوا ربهم جنح الدجي … بخشوع ودموع المقلتين

فابتداء الامر فيها هكذا … وحكوه عن وليّ (١) دون مين

ذا جوابي واعتقادى إنه … في اعتدال كاعتدال الكفتين

(١) هو أبو بكر بن عبد الله الشاذلي المعروف بالعيدروس حكى النجم الغزي في تاريخه في ترجمته أنه أول من اتخذها حيث وجد فيها اجتلابا للسهر وتنشيطاً للعبادة اهـ.

وقال العلامة أبو الفتح المالكي في خلال فتواه المطولة في حلها - جوابًا عن  شبهة إدارتها:

يا سائلى عن قهوة البن التي … كم فتَى عن هواها ما فَتِي

فاعلم على طريقة الإجمال …  بأنها من جملة الحلال

إلى أن قال:

فمن يقول أنها تُدار … كما يدار الخمر والعقار

فقل أخي لقد حكمت بالهوى … وإنما لكل عبد ما نوى

وهيئة المجاس لا تعتبر … إذ لم يزل فيها يدار الشكر

وغيره من لبن ومن عسل … بين ذويه عللاً بعد نهل

لا سيما والمصطفى بادي السنا … ما بين صحبه أدار اللبنا

فكان ذاك سنة وإنما …  يمنع ما نص عليه العلما

من هيئة تنشأ في التشبيه … بشارب الخمور عن تمويه

كواضع في الكاس ماء صرفا … محركاً راسًاً له وكفا

يوهم أن ما حوى في الراح … وهو في البيان صرف الراح

سيّما اذا لجّجَ باللسان … الفاظه لجلجة السكران

فذا هديت الهيئة المحرمه … والفعلة القبيحة المذممه

فاعلها الخبيثُ عنها يزجر … والماء لا يحرم فيما ذكروا

وما نفاه الحسُّ والوجدان … فالخوض في إتيانه بهتان

وقال الإمام عبد الواحد بن عاشر الفاسي المالكي:

يقولــــــــــــون لي قهـــــــــــــوة البن … هل تحل وتؤمن آفــــــــــــــــاتها

فقلت: نعم. هي مأمونةٌ … وما الصّعب إلا مضافاتها

وسئل عن مضافاتها؟ فقال: هي ما يستعمل معها من المكيفات. ولعل هذا كان في عهده أو في بلده.

ومن اللطائف قول بعضهم:

هذي القهوة هذي … ليست المنهيّ عنها

كيف تدعى بحرام … وأنا اشرب منها

ولما وقف على هذين البيتين أبو الفتح المالكي قال:

أقول لقومٍ قهوة البن حرموا …  مقالة معلوم المقام فقيه

فلو وصفت شرعاً بأدنى كراهة … لما شربت في مجلس وانا فيه

ولبعضهم :

إن اقــــــــواما تعـــــــــــدّوا * والبلا منهم تأتّى

حرموا القهوة عمداً * وحووا ذلاً ومقتا

إن سالت النص قالوا * ابن عبد الحق (١) أفتى

يا أولي الفضل اشربوها * وارفضوا من قال بُهتا

واتركوهم في هوامٍ * يشربون الماء حتى

(١) هو أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطي، وفي هذا البيت تلميح إلى خطر التهجم على القول بالتحريم بدون نص قاطع، وإلى أن الرجال تعرف بالحق لا العكس- كما قاله عليّ كرم الله وجهه. روى الشيخ الاكبر -قُدّس سره -في فتوحاته عن ابي حنيفة رضي الله عنه، قال: إياكم والقول في دين الله بالرأي، نقله الشعراني في الميزان.

 _________________________________________________

بعض قصائد الفضلاء ومقاطيع الأدباء في مدحها

قال العارف الشهير الشيخ عبد الغني النابلسي -قدس سره -كما فى كتابه (خمرة بابل وغناء البلابل):

زوّج القهوة للتنباك … تنجلي بين يد النساك

وادر فنجانها لابسة … حلة سوداء كالأحلاك

بين ندمان علوم وهدى … قدرهم فوق ذرا الافلاك

وتنصت لغلا إبريقها … فوق جمر النار في الشباك

واطرد الهمَّ بأيدي فرح … مضحكات لك سن الباكي

وتباعد عن حشيشٍ بل وعن … كل ما عقلك منه شاكى

والمباحات إذا صرت بها … في انبساط أنت شهم ذاكي

وهي تعطيك سروراً منقذا … لك بالحل من الإهلاك

أوَلم تعلم كمال الشرع في … حكم كالدرّ في الاسلاك

كل شيء حرم الله فمن … جنسه شيءٌ حلالٌ زاكي

وقال قدس سرّه:

رب سوداء في الكوُوس تبدَّت … تهب الروح نفحة في الحياة

فاذا ذقتها تحققت منها … أن ماء الحياة في الظلمات

وقال الإمام أبو الفتح بن عبد السلام مفتي المالكية بالشام مردوفا بديعاً:

قهوة القدر قدرها ارتفعا مذ في  … الدجى بدر كاسها طلعا يجلا

يا حسنها مثل ذائب السبج

سمراء تسبي البدور بالدعج

كالمسك في منظر وفي ارج

لها مذاب العبير قد خضعا … ومذل السحر درها ارتضعا طفلا

أحبب بكاس لم يعلها حبب

جوهريا قوتها له لهب

ابنة بُنٍّ لها الشهاب أب

كم بارق من حولها لمعا فكيف … مع حسنها الذي سطعا ثقلا

لا غروَ أن سمأَت بذي سلم

لمياء في شفها شفا ألمي

منشؤها الحل وهي في الحرم

ما طاف بالبيت طيفها وسعى … إلا وقال الامام حين دعا اهلا

من خدرها العيدروس أبرزها

وللندامى الكرام جهزها

وبالمعاني الحسان طرزها

وهيم القوم عندما وضعا لها … اسم راح ونعم ما وضعا فعلا

قد ظهرت في الورى منافعها

والغمر من جهله يدافعها

يخفضها والإله يرفعها

يا عاذلي زدتني بها ولعا أحب … شيء للمرء ما منعا وصلا

كم طاب فى طيبة بها السهر

وزال عند الصفا بها الكدر

وضاع بالشام نشرها العطر

ورب شاد والفدم قد هجعا … بها مع الأوليا قد جمعا شملا

يا صاح شرد بشربها وسني

من كف ظبي ذي منظر حسن

وقل لاهل الحجاز واليمن

من لام في شربها دعاه دعا … فإنه بالكمال ما اجتمعا أصلا

وللمحدث الفقيه الأديب غرس الدين الخليلى ثم المدني الانصاري:

دع الصهباء واشرب صفو … قشر مشعشعة تدور بكف بدر

وإن شئت الصفا بادر سريعاً  … إلى حان لها قد حان بدري

فما الياقوت في لون نضير … وما لون النضار ولون تبر

دع الفاروق (١) إن رمت التداوي … وخذها فهي للاسقام تبري

كان حبابها المنظوم عقد … من اليافوت يجلى فوق نحرِ

ساسعى نحو مروتها اُلبي … ليصفو بالصفا صدري ونحري

ندمت ندامة الكسعي عليها … لما قد فات من أيام عمري

سأُدمن شربها ما دمت حيّاً … ولا اصغى إلى زيد وعمرو

وأجلو عين أغياري وهمي … بصافيها سحيرا قبل فجرِ

فرأيي الآن يا من رام نصحي … إذا شاهدتها في ألحان فاجر

ولم لا وفي مشروب العوالي … من السادات في برّ وبحر

في الراح المريح لكل روح … ولم تمزج ولم توجد بعصر

وكل مخالف فيها فإني … أُسفّه قوله من اهل عصري

فقل إن قال ساقيها المفدّى … جبا (٢) يا مرحبا واسكر بسكري

وخذها من يديه في حضور … مع الساقي المليح بغير سكر

فلا غول ولا تاثيم فيها … وليست مرة بل طعم تمر

وان غالى المحب وقال شهدي … أجيب: نعم إذا ماكنت تمري

ولولا مدحتي للبن قبلا … لعدت له بهجو ثم حجر

لبئس طباعه وسواد قلب … له فهو الحري بكل حجر

(١) الفاروق: أحسن ترياق يفرق بين الصحة والمرض وهو دواء السموم (قاموس).

(٢) جبا: كمة ثقال في الهبة من غير عوض، وهى عامية (تاج العروس)

وللأستاذ العارف بالله تعالى زين العابدين بن محمد البكري الصديقي القاهري:

إن تشرب القهوة في حانها … فاللطف قد حف بندمانها

حان حكى الجنة في بسطها … برقة العيش واخوانها

بمائها نغسل أكدارنا … وتحرق الهم بنيرانها

لا همَّ يبقى لا ولا غمَّ إذ … قابلك الساقي بفنجاتها

يقول من أبصر كانونها … شراب أهل الله فيها الشفا

أف على الخمر وأدنانها … جواب من يسئل عن شانها

وله ايضاً:

يا قهوة تذهب همَّ الفتى … أنت لقاري العلم نعم المراد

شراب أهل الله فيها الشفا … لطالب الحكمة بين العباد

نطبخها قشرا فتأتي لنا … في نكهة المسك ولون المداد

ما عرف المعني سوى عاقل … يشرب في وسط الزبادي زباد

حرمها الله على جاهل … يقول في حرمتها بالعناد

فيها لنا برءٌ وفي حانها … صحبة أبناء الكرام الجياد

كاللبن الخالص في حله … ما خرجت عنه بغير السواد

وله ايضا:

اسقنا قهوة غدافية (١) اللو … ن حلالاً تفرج الهمّ عنا

وادرها من خالص البن صرفاً … لا تشب حسنها بغير فتنا

واتبع قول أشرف الرسل حقاً … قال قولا (من غشنا ليس منا)

وقوله (فتنّا) لعله اصله فتنأى مبني للمجهول - بمعني تبعد- فسهل الهمز، ونقل حركته للنون فشددها، وبقى صورة الهمزة المسهلة.

وللعلامة محمد بن عبد القادر اليمني:

يا شاعراً فاق في أقواله الشعرا … أبدى لنا من قوافي نظمه دررا

أطريتنى إذ وصفت القاف أتبعه … هاء وواوا وهاء بعده زبرا

حققت في وصفها وصفي كفى ورقا … بل قد شفا وجلا عن قلبي الكدرا

فإنها قوة مهما حذفت لها … هاء تبين ذا من في الأنام قرا

لذاك ناسبها في ذكرك اسم قوي … موافقا عدها فاعدده واعتبرا (٢)

بقافها قويت أعضاء كلّ فتى … وهاؤُها لهدى والواو منه جرى

بين الأنام الوفا والهاء آخرُها … منه الهباث وهذا السرقد ظهرا

فاشرب هنيئاً فما في ذاك منقصة … كلا ولا حرمة تخشى بها شررا

(١) نسبة إلى غداف كغراب: كل أسود حالك (تاج العروس).

(٢) هذا مشرب لبعض الصوفية، وهو أن يحسب بعض المفردات النباتية بحساب الجمّل، ثم ينظر ما يوافق عدته من الأسماء الحسنى ثم يستعمله.

وللأستاذ أبي المواهب البكري:

يا يوم بولاق وأُنسي به … حكاك من شوال يوم الهلال

وأقبل النيل جنوباً وما … من عارض الا نسيم الشمال

يا عارضا أوجب للنيل ما … سلسله وهو طليق المجال

وقهوة تنضج مسكاً ولا … بدع ففي الفنجان شكل الغزال

حبابها من فوقها مانع … تفاره فهو شباك اللآل

تديرها هيفاء ممشوقة … خود تثنث في برود الدلال

كاد حجى من أقبلت نحوه … يذهب من ربات تلك الحجال

بغرة أو طرة وزعت … أفكارنا بين الهدي والضلال

ثقول للشمس وقد أقبلت … تلثمي ما أنتِ الا خيال

قال الشهاب الخفاجي و(بيت الغزال من السحر الحلال) وهو بيت القصيد- قال: وقد قلت في معناه:

 أقول وقد دارت بنادي قهوة … وقد سرني منها الغداة صبوح

أصورة غزلان بفنجان قهوة … إذا زفها ساقٍ إلي صَبيح

أم الظبى حقاً قد تردى به فمن … دم طفح المسك الذكيّ يفوح

ولبعضهم:

ما يهضم الزاد سوى قهوة … ولا تخافوا الإثم في شربها

فقربوها نحونا واقربوا .. فالله قد قال: (كلوا واشربوا)

وللهمام العناياتي:

قهوة لاصداع فيها نعم … فيها مزيل من الصداع مريح

صين في الصين مسكها فحكاها … لعس في بياض ثغر يلوح

ليل وصل في صبجح لقيا حبيب… طاب منها غبوقها والصبوح

وللفاضل مصطفى بن الضمدي اليمني ملغزًا فيها أرسله للسيد صلاح بن أحمد الشرفي- وهو:

وجارية سوداء أن هي أسفرت … يقبلها اهل المروءة والنهي

إذا ما اشتهى ظلم (١) الحييبة عاشق … فمجموعها ظلم لعمري مشتهى

إذا بردت احشائها طال مكثها … وإن اصبحت محمومة طاب صبها

وإن ذكر الاحباب طيب اصولهم … ليفتخروا فالرشق بالقلب أصلها

وإن سقيت من خالص المحض شربة … تسارع فيها الشيب وابيضَّ جسمها

فأجابه السيد صلاح المذكور:

إذا شئت حل اللغز منه فإنها … لأول ما يقرى الضيوف أولو النهى

إذا حذفوا من ابنها الفاء واجتزوا … فذلك شيء طيب الطعم مشتهى

وللأديب عبد الباقي المعروف بابن السمان مطلع قصيدة:

بفضّ بكر وبشرب العجوز … يدفع بعض الناس برد العجوز

ونحن قوم مالنا ثروة … ولا نرى في الشرع ما لا يجوز

قهوتنا قهوة بنّ زكت …تعيد أيام الصبا للعجوز

وعندنا كانون جمر لقد … أعاد في كانون قيظًا تموز

ولأبي الفتح المالكي مضمناً:

قالت لنا قهوة العنقود حين رأت … لقهوة البن قدرًا في الأنام علي

لا بدع أن حطني دهري لرفعتها … (لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل)

وللأديب أبي بكر العصفوري في قهوة جامها أصفر:

سوداء مثل المسك لا كالنِقْس (١) … وجامها الأصفر مثل الورس

جالبة للأنس بعد الأنس … حلت حلول زحل في الشمس

(١) النقس: الحبر.

وللبديعي مضمناً:

جمعنا: قهوتَي بُنّ وكرم … متى شئتم فبي نسي العقار

فقالت قهوة البن اشربوني …. (كلام الليل يمحوه النهار)

فانشد ضاحكا كاس الحميا … لتعلم من له ثبت الفخار

 _________________________________________________

التبغ والتنباك اسمه ومنشؤه ومادته

قال فى "العمدة": التبغ اشتهر فى بلادنا بالدخان والتتن، ومن أنواعه (التنباك) وهو نبات أصله من أميركا، ثم استنبت بآسيا، ومعظم أوربا، وأعظم أنواعه الآن ما يكون بالشام، واستنبت فى مصر كثيرًا إلا أنه أدنى رتبةً من التبغ الشامي، ولما دخل الأندلسيون إلى أميركا أول مرة، وجدوا التبغ حول المدينة المسماة "تباجو" بالجيم كما هو فى كتب الجغرافيين لا بالكاف، وفي إحدى جزائر "انتيله"؛ فسموه باسم تلك المدينة، ومنه أخذ الافرنج اسم "تباك"، وقبائلنا يسمونه التبغ، واسمه فى بلاد السودان كذلك واسمه عند أهل مدينة بيتون بفتح الباء الموحدة اهـ.

 _________________________________________________

فى تاريخ ظهوره

قال الإمام البكري -رحمه الله- مؤرخاً حدوثه: 

قال خلي عن الدخان أجبنى … هل له في كتابنا إيمءُ

قلتُ: ما فرط الكتاب بشيء…  ثم أرّخت (يوم تاتي السماءُ)(١)

سنة ١٠٠٠

وهو من نوع الاكتفاء -أي بدخان- قال فى "العمدة": ولم يكن فى الابتداء معتبراً إلا نباتاً ذا خواص دوائية، وأما استعمال مسحوقه نشوقاً -أي: ادخاله في الخياشيم- فلم ينتشر إلا بعد حمله لأوربا بمدة، وكانوا يعتبرون ذلك الاستعمال بدعة خطرة، وكان رؤساوُهم منتصبين لمضادة من يتعاطى التبغ بأي كيفية كانت، ومشى على هذا المنع معظم ملوك أوربا والفرس والترك، وكانوا يبالغون في الزجر حتى هددوا بقطع أنف من يتعاطاه، بل ويقتله.

ومع هذا كله لم تنفر التجار من إدخاله في المتجر، ولم يمتنع عنه مستعملوه، وأوّل من لاحظ المنافع التي تحصل منه للمملكة حاكم فرنسا، فسامح بإدخاله بلاده، ولكن وضع عليه جمركاً عظيماً، بحيث صار فرعًا لمدخول كبير، وحينئذٍ انتشر استعماله سريعاً، ورأى باقي ملوك أوربا النفع الذي يمكن تحصيله منه؛ فسامحوا ايضاً في ادخاله عندهم، فمكث زمانًا طويلاً معدودًا من الفروع المعمة في المتجر بين أميركا الجنوبية وأوربا، واجتهد الأوربيون حالاً فى استنباته بالأماكن التي تناسبه؛ فانتشر استنباته فى جميع الاقاليم، وصار موجودًا ايضاً فى غير أوربا.

قال في "العمدة": أخطار هذا النبات ثابتة بمشاهدات كثيرة من أشخاص أفرطوا في استعماله، فحصلت لهم سكنات وأنزفة باسورية وتشنجات (١) بل حصل ذلك من النوم في مجل فُرم فيه مقدار كبير منه.

قال: والمفرطون في استعمال التبغ الحار القوي الشديد- كتبغ أسبانيا - يكونون دائماً في حالة عَدَهٍ (٢) مستدام- كنصف سكتة، وبعضهم يهزل وينقجل بسبب كثرة البُّصاق -وهذا هو الذي يمتنع استعماله طباً وشرعاً، ولا يتعاطاه إلا قليل التمدن؛ كالبجريين والعساكر وهو يخدّر، الغير المعتادين عليه وسيما العصبيون والنساء والاطفال، ويعرضهم لنحول الشبيه بالسُّل. 

وقال بعضهم: أنهم قد وجدوا بالامتحان أن في دخان التبغ مقدارًا من الحامض الكربونيك، والحامض الكربونيك سُم؛ لأنه مادة فحميّة سُميّة، يخنق من تنفسه، وقال بعضهم: ثبت بالمشاهدة أن المشتغلين بالتبغ يكونون عرضة لتمدد الحدقة ولأمراض عصبية في القلب، تبلغ بالفعل المنعكس إلى الأوعية والأوتار، فينتج عن ذلك ضيق النفس وأمراض الصدر وسعال ودوارٌ وألم عصيءٌ معديّ واعتقال في الأطراف، والتسمم البطيء بالتبغ يحصل بعد مضي عشر سنوات عادة، ويشاهد ذلك في الذين يفرطون في تدخينه، وأعراضه في ازدياد في ضربات القلب يزول بانقطاع تدخينه، ثم تعود الضربات عند العود إلى التدخين، وهذه الحالة لِغطّات القلب تقرب من الغطات التي تسمع في التهاب التامور (غلاف داخل الصدر) اهـ. 

وقد شوهد أيضاً الاستحالة الشحمية للقلب، وفقدان الشهية للطعام، وحدوث ألم عصبي وأرق وفقد القوة الحافظة، وضعف في البصر؛ فيننج مما ذكر أن مضار التبغ عديدة، وخطره شديد وهو سمٌُّ بطيء، وأصله الفعّال أقوى السموم النباتية وأشدها؛ لأن نقطتين منه تقتلان كلبًا متوسط القامة في بضع دقائق، وأن المفرطين في تدخين التبغ، يكونون عرضة لأمراض العين والمعدة والصدر والقلب، ففضلاً عن تأثير المجموع العصبي فيهم، وحدوث بعض دوار وأرق وارتعاش المخ وهو مع ذلك عديم المنفعة بالكلية، ولذلك لا يتمالك الإنسان عن الأسف من كثرة المدخنين من نساء ورجال وأطفال. 

وقال بعضهم: أن استعمال التبغ في بعض الظروف نافع؛ لأنه يخمد الانفعالات النفسانية، ويريح الإنسان من الأتعاب العقلية والجسدية

قال: إن الصانع الذي أنهكت قواه الجسدية بالأتعاب الشاقة مدة نهاره، يجد مساءً في غليونه نوعاً من الراحة، وتعويضاً عما فقد من قواه الطبيعية، ومثله العالم الذي يكون نهاره في التبحر في المسائل الدقيقة واحدودب ظهره وتعقر صدره من الانصباب على التأليف والتسطير، يصادف راحة في ظل سحابة غليونه الزرقاء والمسافر الذي يخوض البحار ويطوي القفار، يصادف في دخان غليونه ما يدفع عنه أذى الأهوية المفسدة والاأخرة السامة والمياه المختلفة. كذا في رسالة (كشف النقاب)

وقد ذكره صاحب (الدرر البهية في التذكرة الطبية) في بحث المخدرات؛ فقال: شاربوا الدخان يحصل لهم سيلان لعابي ودوخان، وأحياناً قيء وإسهالٌ خفيف فى الابتداء، ثم يعتادون عليه، وتصير أسنانهم قذرة، ويُفقد شهيتهم ويُعسّر هضمهم. ثم قال: وبالاختصار فاستعمال التبغ مضرّ بالصحة. انتهي

وفي كتاب (مرآة البراهين في مضار النشوق والتدخين): إن من أكبر مضار التبغ أنه يضعف قوة الحس، ويقلل شهوة الأكل، وحرارته تثير دم الشفتين؛ فتجعل لونهما أحمر، فيظهر عليهما الجفاف المصحوب بالورم والانتفاخ، ومن مضاره زوال رونق الأسنان حيث يصير لونها أصفر مسودًا أو مخضرًا، ثم فسادها والاحتياج لقلعها؛ فيزول التلذذ بالأطعمة، ومنها أن يصاب المدخن بمرض التهاب الغلصمة فلا يستطيع ابتلاع الطعام، والتهاب اللوزتين المؤَدي الى نفس هذا الضرر.

ومن أكبر المضار الاصابة بالسرطان، والسرطان ورم يحل بظاهر البدن أو بباطنه، ويفضى إلى قروح من عادتها الانتكاس ولو بعد الشفاء منها بزمن طويل .. ومن مضار التبغ: ضيق الصدر، وسد مجارى الدم فيجد المصاب بهما قلقاً عظيماً، وتحدثه نفسه بقرب وفاته فجأة، ويدوم هذا القلق عادةً نحو نصف ساعة، ثم ينقطع ثم يعود، وما أرقّ ما قاله الأديب الفاضل السيد عمر الأنسي البيروتى رحمه الله:

تباً لشيشة تنباك ولعت بها … من عهد طهماز كانت للأذى شركا

تهيج البلغم المكنون قحتها … وتجعل  الصاغ من صدر الفتى شركا

ومن مضاره: ضعف البصر، وتكدير صفاء العين بسبب هيجان الأعصاب، وأكّد بعض الاطباء أن التدخين يجر لصاحبه قصر النظر، ومنها الإصابة بالموروز وهو فقدان حاسية الإبصار مع بقاء شكل العين على ما كان عليه. وقد تأكد أن وضع ورق الدخان على الجسد مدة من الزمن يكفي لإحداث أضرار مهمة.. فقد حكى أن رجلاً أراد سرقة كمية من التبغ، فاخفاها بين ثيابه وبدنه، فبعد أن تمت مكيدته؛ احس بآلام دلت على وجود التسمم.

 وقال بعض الاطباء: لينظر الناس الى هذا الوباء وانتشاره في العالم، وأيُّ وباءٍ أكثر انتشاراً منه؟ وأيُّ ماده تحرق الدراهم وتجعلها دخانًا حقيقةً؟ وأيُّ ماده تحتوي على سم أقتل من سمه. قدروا محصولات الدخان فى العالم أربعمائة مليون كيلو جرام، والذين يدخنون ثمانمائة مليون فيكون لكل شخص يومياً ٢ ميلى جرام من النيكوتين. يحتوي الدخان على جوهر قلوى -هو اصله الفعال يسمى نيكوتين وهو من أقوى السموم، ويختلف مقدار هذا السم فيه بحسب نوع الدخان وطريقة عمله، وأقواه الدخان الفرنسى؛ لأنه يحتوي على ٨ الى ٩ في المائة من هذا السم، والدون منه أقوى من الجيد؛ لأن طريقة عمله تكون غير جيدة. 

أما الدخان الشرقي؛ فإنه يحتوي على ٢ إلى ٣ في المائة؛ فيكون أقل ضرراً من الفرنسى، والسم المذكور يحدث أضراراً جسيمة في الجسم. 

وفي التقويمات الصحية تحت عنوان (العادات) ما نصه: العادة هي احتياج تولَّدَ بالإرادة أولاً، وتمكن أخيراً من الشخص حتى لا يمكن تركه، ومنشؤها وجدان فكري باستحسان شيء وانجذاب نفساني إليه لغرض ما من الأغراض؛ فيفعله المرة مرة ويعادوه أخرى حتى يألفه ويصير عادة له، ثم ينتقل لمجرد التقليد واتباع آثار السابقين من غير شعور ولا استحضار لكون الشىء حسناً او قبيحاً في ذاته، وذلك مصداق قوله تعالى: (إنّا وجدنا آباءنا على أُمّة وإنّا على آثارهم مقتدون) وهي إما نافعة كانتظام الأكل وانشرب في ساعة مخصوصة والفسحة والراحة بعد الأكل والحمام البارد صباحاً. أو ضارة جدًّا تحدث مرضًاً بذاتها أو تكون سببًا له، فمن ذلك التدخين بالتبغ لأنه ضار جدًا بالجسم..

 ففى كتاب الصحة فى المدارس: جاء في بعض المجلات العلمية سؤالان في هذا الموضوع مجابًا عنهما الأول: أن اكثر شاربي الدخان مصابون بالسُّعال، ويشتد على بعضهم ذلك صباحاً ويتبع السعال بصاق مصحوب بالبلغم؛ فهل هذا البلغم مسبب عن شرب الدخان أو هو شيء موجود والتدخين يفيد الانسان بإخراجه منه؟

فكان الجواب: من المعلوم أن التدخين يسبب نزلة صدرية احياناً، والتهابًا في غشاء الحلق المخاطي، وذلك بدعو إلى إفراز البلغم، وإفرازه فعلٌ حيوي لدفع أذى جسم غريب عن الجسم؛ فإنه إذا وقع على الغشاء المخاطي جسم صغير غريب يهيجه إفراز المخاط؛ لكي يغلفه به، ويمنع ضرره، فإفراز المخاط فعل قسريّ لدفع الأذى عن الجسم.

السؤال الثاني: عقب السيكارة حينما يرمى ويبقى مشتعلاً يصعد من دخانه رائحة كريهة، حتى أن المدخنين أنفسهم لا يحتملونها مع أنها وفي في يدهم قبل القائها لا يكون لها هذه الرائحة؛ فما سبب ذلك؟

فكان الجواب: أن جانبًا كبيرًا من النيوكتين ونحوه من المواد التي تخرج منها وهي مشتملة يجتمع في عقبها حتى اذا وصلت النار إليه ولم يعد له مجتمع آخر يصعد في الهواء، أما اشتداد الرائحة إذا رمي العقب على الأرض؛ فإن صح فسببه أن الاشتعال البطيء يزيد تولد بعض الغازات والاشتعال السريع يحرقها فلا تظهر لها رائحة.

وفي كتاب آداب الفتى ما نصه: كل المدخنين يشكون منه ومن سوء تأثيره على صحتهم، ومن كثرة مصاريفه، ويودون من صميم أفئدتهم تركه، ويتعجبون من أن الاطباء الذين عرفوا لكل داء دواء وأتوا بالمدهش الغريب؛ لم يقفوا على دواء يمنع هذا السم الزعاف، إلا ان العجب من هؤلاء أنفسهم؛ فإنهم يعرفون ضرر الدخان ويشترونه، أيضاً -وخير وسيلة لترك الدخان والخلاص من ضرره صدق العزم على تركه وعدم شرائه مرة واحده والله الموفق، انتهى.

ومن الفكاهات التي روتها الصحف الأسبوعية: أن بعض الأوربيين حلّوا جزيرة من جزر أكلة لحوم البشر؛ فقام عليهم سكان الجزيرة وكبّلوهم بالأغلال ليولموا عليهم، ولما بدؤا بأكل الأول منهم- وذاقوا لحمه، وجدوه مرًّا كريها؛ لأنه كان يدخن التبغ، ولذلك أطلقوا سراح رفاقه لعدم رجاء الانتفاع بلحومهم. ولعل فيما نقلناه مقنعاً وكفاية للمدخنين على نبذ عادة التدخين.

 _________________________________________________

في لطائف ما نُظم فيه

من ذلك قول صلاح الدين الكوراني:

لعمرك لم أشرب دخاناً لأجل أن … تسرّ به نفس تَدانَى خروجها

ولكن زنابير الهموم لسعنني … فدخنت حتي يستبين عروجها

وللشهاب الخفاجي في معناه:

لقد عنّفونا بالدخان وشربه … فقلتُ: دعوا التعنيف فالأمر أحوجا

ألا إن صلِ الغم في غار صدرنا … عصانا فدخنّا عليه ليخرجا

والصل: بالكسر حية إذا دخن على ثقبها خرجت منه، فأضاف صل للغم كلجين الماء.

وأخذه بعضهم فقال:

شربت دخان التبغ لا عن مودةٍ … لها بل هو المقوت عند أولي الحجا

ولكن عفربت الهموم بصدرنا … عصانا فدخنا عليه ليخرجا

ولابن النحاس الحلبي:

وأرى التولُّع بالدخان وشربه … عوناً لكامن لوعة الأحشاء

فأديم ذلك خوف إظهار الجوى … وأُشيبه بتنفس الصعداء

ولبعضهم:

لما تبدّى دخان التبغ ينفح من … ثغر الحبيب به أهل الهوى ولعوا

قالوا: سحاب علا شمساً فقلت لهم … ما ذاك الا عبوق الورد يرتفعُ

والشيخ محمد بن علي الحرموشي العاملي:

يقولون في الغليون أفرطت رغبةً …  وليس بشيء تقتنيه وتختارُ

فقلت لهم ما ذاك إلا لأنه … مضاهيّ لا ينفك في قلبه النار

ومن اللطائف:

أن بعض الاعيان المولعين بالتنباك لما عزم على الحج أُشير عليه بتركه؛ فقال: إذا أحرمتُ تركته يشير إلى أنه طيب عنده؛ فنظم ذلك بعضهم بقوله:

اشرب من التنباك واقصد به … توديعه يا من غدا يحرم

فهو لأهل الذوق طيب ومن … احرم فالطيب له يحرم

ولبعضهم مضمناً:

رشفتُ دخان التّبغ لا عن سفاهة … ولا عبثٌ يُزري بقدري ولا يزري

ولكن داوي نار فلي بمثلها … (كما يتداوى شارب الخمر بالخمر)

ولسيدي الإمام الوالد عليه رضوان المولي الماجد:

إن شرب التتن في هذا الزمان … رفضه فرض علينا حيث كان

سعره قد زاد أضعافاً على … سعره الأول من شؤم الضمان

وذكر الشهاب الخفاجي في (ريحانته) في ترجمة السيد محمد برهان الحميدي -وهو آخر من ترجمه ما نصه: وكان يوماً بمنزل مع الإخوان؛ فأرادوا الجري على العادة في الدخان، فأبى ذلك لأنه يراه من منكرات الزمان؛ فقلتُ له بديهاً:

فديتك جُد بإذنٍ للندامى … ليأتوا بالدخان بلا تواني

تريد مذهبا لاعيب فيه … وهل عود يفوح بلا دخان

فقال بديهاً - وأجاد:

اذا شرب الدخان فلا تلمني … على لومي لأبناء الزمان

من الإخوان أهوى طيب خلق … كمثل المسك فاح بلا دخان

وقال الأديب الفاضل السيد عمر الأنسي البيروتى:

ولقد كلفت بشيشة ما نالها … كسرى ولا ماء السماء لها حوى

اعددتها لي شادياً يشدو على … نغم الحجاز إذا اضرَّ بي النوي

ومن الصبابة أعربت نغماتها … ما أضمرته بقلبها أيدي الجوى

حتى إذا سامرتها وترنمت … كترنم الحادي بمنعرج اللوى

غنت فاطربت الجليس بصوتها … وكذاك من بفؤَّاده لهب الهوى

وقال بعضهم:

ظهرت محاسنها على يافوخها … فتكللت بالدر والمرجان

لعب الهوى بفوّادها فتضرمت … احشاؤُها فتنفست بدخان

ومما قيل في النشوق:

ما اتخذت النشوق إلا لأني … فُقت في الحب كل صبِّ مشوق

فابتلاني الهوى بفيض دموعي … فتسترت باتخاذ النشوق

ويرحم الله القائل:

إن النشوق وإن جلت منافعه … بكفيك منه تعافيش المناخير

_________________________________________________

في حكم التدخين

كان لأول ظهوره أثر اختلاف عظيم بين الفقهاء في حكمه؛ فمنهم من زعم أنه من المخدرات، وأنه محقق الضرر، وأن صرف المال فيه من الإسراف البحت؛ فأفتى بحرمته. ومنهم من أنكر التخدير فيه، وتأوّل عدم السرف فيه، فأباحه. ومنهم من توقف في شأنه. 

قال الإمام الكتاني رحمه الله: رأيتُ فيه نحوًا من ثلاثين تأليفاً ما بين محل ومحرم. قال: ولا أرتضى شيئًا منها، وكان مذهبه التوقف، وقد أنشد من كان يرى تحريمه قوله مجيبًاً:

سألت عن الدخان بحسن نظم … بديع في اللطافة كاللآل

تعين ليس فيه غير ضر … وما فيه سوى إتلاف مال

وما فى ضمنه هلاك مرءٍ … وبال في وبال في وبال

وهذا النفع في ورق رقيق … قريب النفع من ورق الخبال

حرام شربه لا شك فيه … محال ذكره بين الحلال

وقال آخر مضمنًاً:

اتبع طريق الهدي وامشي علي السنن … وخالف النفس وازجرها عن المحن

إياك من بدع تأتيك في عطبِ … لا سيما ما فشا في الناس من تتنِ

مخدر الجسم لا نفع به أبدًا … بل يورث الضر والأسقام في البدن

أفتى بحرمته جمع بلا شطط … فاجنح لقولهم إن كنت ذا فطن

ولا يغرنك من في الناس يشربه … فالناس في غفلة عن أوضح السنن

(يقضى على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن)

وأنشد من كان يرى إباحته -ردًا على من تقدم قوله:

ومن حرّم الدخان جهلاً فقل له … بأي دليل أو بأي شريعة

وليس بها سكر ولا الله ذمها … فقولك بالتحريم من أي وجهة

ولا الأنبيا عنها نهوا قط أمةً … ولا العلما كلا ولا أهل قبلة

وما هي إلا من مباحات ربنا … وكل مباح جائز في الشريعة

وقال بعضهم:

قالوا تعاطى الدخان قُبحٌ … فقلت لا ما به قباحه

بصير المرء في نشاط … وفيه عون على الفصاحه

ولم يرد في الحرام نص … والأصل في شأنه الإباحه

وقال الأستاذ الشهير الشيخ عبد الغني النابلسي:

يا من يظن بذي علمٍ وذي عمل … من أمة المصطفى تحريم تنباك

أخطات فيما ظننت الآن فاصغ إلى … قولي فما هو مني قول آفاك

ما حرَّمته ذوو على كذاك ولا … ذوو صلاح بتجريب وادراك

وإنما ذكر الجهال عندها … أوصافه وحكى تقبيحه الحاكي

وقيل عنه فتور في الجسوم به … وفي العقول بإضرارٍ وإهلاك

فافتيا حسب ذاك الوصف واشتهرت … فتواهما بين فساقَ ونساك

وفي الحقيقة هم قد أثبتوا صفةً … وحرموه بها تدليس علاك

والتبغ باق على أوصاف خلقته … شمس الإباحة منه فوق أفلاك

ويؤخذ من كلام العمدة أنه نوعان: 

- نوع مخدر: لمن لم يعتده، وقد مثله صاحب العمدة بتبغ أسبانيا كما أسلفنا بيانه في الفصل الرابع من الباب الثالث؛ فهذا النوع يحرم استعماله بلا ريب. لما روي الإمام أحمد أبو داود عن أم سلمة، قالت: (نهى النبي صلي الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتّر). وروى أبو نعيم عن أنس مرفوعًا: (ألا ان كل مسكر حرام، وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره حرم قليله، وما خامر العقل فهو حرام)، والمفتّر: هو المخذر الذي يورث خدرًا وضعفا في الأعضاء. 

قال القرافي -رحمه الله -في (فروقه) في الفرق الأربعين بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات والمفسدات: أن المتناول من هذه إما أن تغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس فلا يخلو إما ان يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند غالب المناولة أو لا؛ فإن حدث ذلك فهو المسكر والا فهو المفسد.

فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور -كالخمر. والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور في الغالب- كالبنج والسيكران والحشيش. ثم قال رحمه الله: تنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام: الحدّ، والتنجيس، وتحريم اليسير. وأما المرقدات والمفسدات، فلا حدًّ فيها، ولا نجاسة، ويجوز تناول اليسير منها إذا لم يؤثر في العقل والحواس؛ فتأمل ذلك واضبطه. انتهى ملخصًا.

والنوع الثاني: من الدخان غير مخدّر، وهذا لا يحرم استعماله إلا إذا تحقق حصول الضرر منه لتنعاطيه لائفاق العلماء على تحريم ما يضر بالجسم والعقل. ولذا قال القناوي الشافعي: من ضرّه الدخان بإخبار عارفٍ يُوثَقُ به أو تجربة في نفسه حرم عليه. وقال العلامة النحريري الحنفي: لا يحرم الدخان إلا علي من يغيب عقله أو يضرُّه ومن لا فلا، والله أعلم.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق