تيارات الفكر الإسلامي المعاصر
د. محمد عمارة
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: بعد انقضاء زمن النبوة والخلافة الراشدة، وتوالي الفتوحات شرقاً وغرباً، ونشاط حركة الترجمة في زمن العباسيين؛ أصبح العالم الإسلامي مستنقعاً لكل أنواع الجراثيم الفكرية؛ فلم يعد المسلم كما كان على الفطرة الصافية، بل أصبح قلبه مفتوحاً لكل تيار وحزب وفكرة، وعقله فريسةً لكل أنواع المقالات والفتن والمسائل، وكان ظهور الفرق الإسلامية في مرحلة مبكرة من التاريخ له أثره في إحداث تغيرات كبيرة على المستوى الاجتماعي والسياسي والديني، لأن الاختلاف في بعض الحالات كان جوهرياً ومؤثراً، ويحمل في جوهره صبغتي الولاء والبراء -للأفكار والأشخاص والجماعات-، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى التناحر والتضارب وربما القتل وسفك الدماء، وكان الالتقاء الفكري بعيدٌ كل البعد أن يتحقق في ظل الأجواء المشحونة بالمناظرات والردود والانتصار للذات.
وإذا كانت الفتنة الأولى بين علي ومعاوية هي المستنقع الذي وجدت فيه جرثومة الإرجاء والخوارج، فإن الأحداث التالية قد ولّدت جراثيم أخرى أكثر صعوبةً وامتناعاً، فقد ظهر الخوارج في أولها ووسطها وآخرها، وما يزال خروجهم في المستقبل وارداً بل واقعاً مشاهداً.
واستمر ظهور تلك الفرق، وتطورها، وانقسامها؛ حتى بلغت أعداداً مهولة -كل فرقة تمثل ثكنةً في موضعها-، وفي خضم ذلك؛ لا بُدَّ للمسلم أن يعرف طريقه في هذه الفتن المدلهمة، ليسير على بصيرة في عملية إنقاذ هذه الأمة، بمعرفة تاريخ هذه الفرق، وأبرز مقالاتها، وأوجه التشابه والاختلاف فيما بينها، والرد على كل فرقةٍ بما يناسبها.
والأمة اليوم موزّعة على ثلاث فرق رئيسية: سنة وشيعة وخوارج، وهذا لا يعني تكافؤ هذه المناهج والفرق، سواء من جهة الكم أو الكيف.
إن إعادة قراءة تاريخ الفرق الإسلامية وتفكيك مقالاتها ليس ترفاً فكرياً أو استغراقاً في خلافات الماضي، بل هو ضرورة حتمية لفهم خريطة التيارات الإسلامية المعاصرة. فالناظر في الواقع اليوم يجد أن التيارات المعاصرة -بمختلف أطيافها العقلانية، والسلفية، والسياسية، والجهادية- لا تنطق من فراغ، بل تستدعي ذات "المقالات" القديمة وتعيد إنتاجها بلغة العصر.
فالنزعات الإقصائية وتيارات "التكفير والجاهلية" المعاصرة هي امتداد بنيوي لمقالات الخوارج الأوائل في الحكم على المجتمعات والأفراد بالخروج من الملة بمجرد الذنب أو مخالفة الجماعة. وفي المقابل، نجد أن بعض المدارس العقلانية الحديثة تحاول استئناف مشروع المعتزلة في تقديم البرهان العقلي، بينما تستمر المدارس النصية في تبني مواقف أصحاب الحديث في التعامل مع النقل وظواهر النصوص.
إن الخروج من "مستنقع الفتن" القديم المتجدد يتطلب من مفكري الأمة المعاصرين وعياً تاريخياً ومنهجياً؛ للتمييز بين الثوابت المتجاوزة للزمان والمكان، وبين المواقف التاريخية التي ولدت في سياق الصراع على السلطة. وبدون هذا التمييز، سيبقى العقل المسلم المعاصر أسيراً لمعارك تاريخية لم يعد أصحابها موجودين، بينما تفرض تحديات العصر والشهود الحضاري معارك أخرى تستوجب وحدة الكلمة والبناء على المشترك الإنساني والإسلامي.
- ١ -
تعداد الفرق الإسلامية
لم يختلف المسلمون فى الدين، على عصر صدر الإسلام، وإنما كان خلافهم فى السياسة، وبالذات حول الإمارة والخلافة والإمامة، وبصدد الصراع على السلطة العليا فى المجتمع .. ولقد نشأت أولى الفرق الإسلامية - وهى [المحكّمة] (الخوارج) - على عهد على بن أبى طالب [ ٢٣ ق.هـ - ٤٠ هـ ٦٠٠ - ٦٦١ م] بسبب الخلاف حول الإمارة والصراع الدائر عليها، ولقد ظلت تلك القضية، طوال تاريخ المسلمين الفكرى والعملي، هى المنبع الذي تصدر منه الفرق والأحزاب .. أى أن قضية الخلافة والإمارة والإمامة، وقضايا الصراع على السلطة العليا فى الدولة، كانت دائما مصدر تكوين الفرق ونشأة المذاهب وظهور الأحزاب.
والتأريخ للفرق الإسلامية، من حيث النشأة والتعداد وتمييز (مقالاتها) ومواقفها، من الفنون التى ألفت فيها الكتب والرسائل، من علماء ومفكرين ينتمون إلى مختلف الفرق والتيارات .. ومن بين القضايا التى عرض لها مؤرخوا الفرق والمذاهب قضية (عدد) الفرق التى توزعت ملة الإسلام، والفترة الزمنية التى بدأ فيها تكون الفرق وظهورها .. فبينما يرى مؤرخوا الفرق من الشيعة أن نشأة الفرق قد ارتبط بالخلاف على الإمامة يوم (السقيفة)، إذ تكونت (الشيعة) مع علي، وفرقة (الإمرة والسلطان) مع سعد بن عبادة [١٤ هـ ٦٣٥ م]، من الأنصار، وفرقة مالت لأبى بكر [٥١ ق.ه -١٣ هـ ٥٧٣ - ٦٣٤ م]، نجد مؤرخى الفرق وكتاب مقالاتها من (المعتزلة) و(الأشعرية) و(الظاهرية) و(أصحاب الحديث،) و(الخوارج) - أى كل من عدا الشيعة - يؤرخون بظهور فرقة الخوارج، على عهد علىّ لنشأة الفرق فى الإسلام .. وهو الرأى الصواب .. ذلك أن (الفرقة)، وهى اجتماع أناس مفرقين .حول موقف وهبدا وفلسفة ونمط متحد أو متقارب من أنماط التفكير ، هى أمر يختلف عن (الموقف) الذى يتخذه فرد أو أفراد من قضية معينة، ثم يتغير هذا (الموقف) وتتبدل إزاءه مواقع الأفراد ..
وهذا هو ماحدث للذين طلبوا الإمارة لعلى بدلا من أبى بكر، وهو نفس ما حدث للذين طلبوا الإمارة لسعد بن عبادة، وإن كان بعض الأنصار قد ظل على اعتقاده بآن حاهم وحال المسلمین کان سیصبح أفضل لو ولیها سعد بن عبادة، ومع ذلك فإن اُحداً لاي ستطيع ولا يحق له أن يسمى هذا البعض (فرقة) و(مذهباً)، فإن بقاء البعض على اعتقاده أن علياً هو الأولى بالإمارة، وأن صلاح المسلمين فى تأميره، لايكفي كي نقول إن هذا البعض قد كونوا أو يكونون (فرقة) بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح ..
أما نشأة الخوارج فلقد آرتبطت، بل نبعت من قضية مثارة، وهم قد جمعتهم فلسفة واحدة، ومجموعة من (المقالات) والمواقف، وأنماط متحدة أو متقاربة فى السلوك، ثم كان لهم استمرار فى عصور الصراع الإسلامى حول هذه القضية التى سببت نشأتهم الأولى .. وكذلك كان الحال مع الفرق الرئيسية التى تلت الخوارج فى الظهور على مسرح السياسة العربى الإسلامى ..
تلك إذن قضية خلافية بين مؤرخى (المقالات)، الشيعة وغيرهم من المؤرخين ..
***
أما القضية التى اتفق فيها جمهور مؤرخى (المقالات)، رغم غرابتها وافتقارها إلى القواعد الثابتة، فهى عدد هذه الفرق .. فلقد أتفق هؤلاء المؤرخون على أن عدد فرق المسلمين ثلاثة وسبعين فرقة، وأن هذا الرقم هو نهاية ماوصلت إليه الأمة فى التفرق وتعدد الأتجاهات .. ولقد استندوا جميعا فى ذلك إلى حديث قالوا إنه قد روى عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول فيه: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين - [ أو اثنتين وسبعين] - فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين - [أو اثنتين وسبعين] - فرقة. وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة ... ).
ونحن لا نميل إلى التصديق بأن هذا الحديث هو من الأحاديث المعتمدة الموثقة التى لا يرقَ إليها الشك .. وذلك لعدة أسباب :
أولها: أنه- ككثير من الأحاديث المشابهة، (حديث آحاد)، وليس (بالمتواتر)، وأحاديث الآحاد، وإن جاز أن نأخذ بها فى الأمور (العملية)، فإنها غير ملزمة فى (الاعتقادات) والقضايا النظرية ..
وثانيها: أن الحديث يثير قضية خطيرة وخلافية وشائكة، وهى: هل كان الرسول، عليه الصلاة والسلام، يعلم الغيب؟ وهل كان التنبؤ بالغيب من بين معجزاته ؟؟ .. ونحن مع الذين يرون أن القرآن الكريم هو معجزة الرسول التى لم يتحد قومه بمعجزة سواها، وأنه فى حياته وسلوكه كان بعيداً عن ادعاء علم الغيب، بل إن آيات القرآن تنفى أن يعلم الرسول الغيب إلا إذا كان وحياً أوحاه الله إليه، والوحى الذى لاخلاف عليه هو المودع فى القرآن ..
فبئآيات القرآن یخاطب الرسول قومه؛ فیقول: [قل لا أقول لكم عندی خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك، إن أتبع إلا مايوحی إليّ ... ] .. ويقول لهم كذلك: [قل لا أملك لنفسى نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون].. ويقول أيضا: [ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك]..
وأكثر من عدد هذه الآيات، التى ينفى فيها الرسول - بنص القرآن - علمه للغيب، عدد الآيات التى تقطع بأختصاص الله -سبحانه وتعالى، يعلم الغيب .. يقول سبحانه: [وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ] .. ويقول: [ويقولون: لولا أنزل عليه آية من ربه، فقل: إنما الغيب لله .. ] .. وبقول: [ولله غيب السموات والأرض، وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب، إن الله على كل شئء قدير] .. ويقول: [قل: لايعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون] .. إلى غير ذلك من الآيات الكثية التى تحصر علم الغيب ومعرفته فى الله، سبحانه وتعالى، وحده ..
أما الآية التى يقول الله فيها: [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من أرتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا]؛ فإن نطاق الاستثناء فيها يجب أن تحكمه الآيات التى تنفى علم الرسول للغيب، وتلك التى تقطع بأستثشار الله به، وفى كل الأحوال فإن الاستثناء لا يعنى إلا جواز أن يوحى الله للرسول بنباً من أنباء الغيب، وفى هذه الحالة يكون موضعه هو موضع النبأ المقطوع بأنه وحى، وهو القرآن الكريم .. وليس فى القرآن شئء يتعلق بافتراق المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة ؟! ..
ثالثاً: إن الحديث يحدد عدد الفرق اليهودية والفرق النصرانية بواحد وسبعين - أو اثنتين وسبعين - فرقة، وليس بين مؤرخى الفرق المسلمين - وهم قد اهتموا بالملل والنحل جميعها - ولا بين مؤرخي الفرق من غير المسلمين من حد هذه الفرق فى الديانتين بهذا العدد! ..
رابعاً: إن واقع الفرق الإسلامية الذى كتب عنه وأرخ له هؤلاء الذين رووا هذا الحديث، وأعتمدوا عليه، هذا الواقع يتناقض مع انقسام المسلمين إلى هذا العدد بالذات .. وإذا كان المسلمون، فى تاريخ ظهور الفرق والأحزاب لديهم، قد جاء عليهم يوم وصلت فيه فرقهم إلى العدد الثالث والسبعين، وهذا طبيعى، فإن هذه الفرق قد زادت، ثم نقصت .. ولايزال المسلمون، فى حياتهم الفكرية، قادرين وصالحين لأن تنشأ لديهم فرق جديدة، أو تزول من حياتهم فرق قديمة .. المهم أن فرق الإسلام، التى استخدم هؤلاء المؤرخون مصطلح (فرقة) فى وصفها، قد زادت عن الثلاث والسبعين فرقة .... وهذه نماذج لذلك التناقض الذى وقع فيه هؤلاء المؤرخون بين الحديث الذى صدروا به دراستهم للفرق وبين الواقع الذى جسدوه لنا عن تعداد هذه الفرق وحياتها:
١ - عندما نبحث عن عدد الفرق الإسلامية، كما أرخ لها الأشعرى، نجد هذا العدد يتعدى المائة .. ففرق الشيعة، عنده، وحدها تبلغ خمساً وأربعين فرقة [ الغالية : ١٥ - والإمامية: ٢٤ - والزيدية: ٦] .. وعدد فرق الخوارج ستا وثلاثين فرقة .. والمرجنة فرقها اثننى عشرة فرقة .. وذلك غير: المعتزلة، والجهمية، والضرارية، والحسينية، والبكرية ، والعامة، وأصحاب الحديث، والكُلابية .. على حين يذكر الأشعرى، نفسه، وفى ذات الكتاب - [مقالات الإسلاميين] - أنها أحد عشر فرقة، تتفرع إلى ثلاث وسبعين .. ولكنها فى الدراسة، دراسته هو تتعدى المائة كما رأينا؟ !..
٢ - وعند الشهرستانى، يبلغ تعداد الفرق ستاً وسبعين فرقة [المعتزلة - وهم الذين عدهم الأشعرى فرقة واحدة - عدهم الشهر ستالى ثلاث عشرة فرقة، وعدهم البغدادي عشرین فرقة؟!] .. والخوارج سبع عشرة فرقة .. والشيعة اثنتين وثلاثين فرقة .. والمرجئة خمس فرق .. ثم: الجبرية، والجهمية، والنجارية، والضرارية، والصفاتية، والكرامية، والأشعرية، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأى ...
٣ - أما ابن حزم فإنه يعدها خمس فرق: أ - أهل السنة ، ب - والشيعة ، جـ - والمعتزلة، د - والمرجئة، هـ - والخوارج.
٤ - والملطي، وهو من أقدم مؤرخى الفرق، يعدها أربعة فقط: أ - القدرية، ب - والمرجئة، ج - والشيعة، د - والخوارج.
٥ - أما القاضى عبد الجبار، فإنه يعدها خمس فرق: أ - المعتزلة، ب - واخوراج، جـ - والمرجئة، د - والشيعة، هـ - والنوابت [ويقصدبهم أهل الحديث]، ولكن فرقة الشيعة التى يذكرها هنا واحدة، يصل عدد فرقها - نعم (فرقها) - عنده فى كتاب آخر إلى إحدى وستين فرقة، وخلافاتها ليست فى الفروع، حتى نقول إنها فروع لفرقة، وليست فرقا تستحق هذا الاسم، بل إن خلافاتها فى الإمامة، وبالذات شخص الإمام، والإمامة عند الشيعة كالنبوة، بل أكثر أهمية عند بعضهم! ومن لم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية؟!.. ففرق الإمامية تبلغ عند القاضى تسعة وأربعين، وفرق الزيدية اثنتى عشرة فرقة؟!
٦ - والمقريزي، الذى يروى حديث انقسام الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة، وجمع طرق رواياته، فإنه يقول عن إحدى هذه الفرق، وهى (الرافضة)، إنهم،أختلفوا فى الإمامة اختلافاً كثيراً، حتى بلغت فرقتهم ثلاثمائة فرقة، والمشهور منها عشرون فرقة، ويقول عن إحدى الفرق التى انقسمت من الرافضة، وهى (الخطابية): ... أتباع أبى الخطاب محمد ابن أبى ثور .. وأتباعه خمسون فرقة؟ !.. ويقول عن المعتزلة: (وهم عشرون فرقة ... ) … ولا يذكر فيهم :القدرية، إذ يذكرها كفرقة مستقلة عن المعتزلة؟!
٧ - أما الخوارزمي، فإنه يعدد الفرق الرئيسية فتبلغ عنده سبعة، هى: أ - المعتزلة [وهى عنده تنقسم إلى ست فرقا، ب - والخوارج [وتنقسم عنده إلى أربع عشرة فرقة]، جـ - وأصحاب الحديث [وتنقسم عنده إلى أربع فرق]، د - والخجبرة [وهى عنده خمس فرق]، هـ - والمشبهة [وهى عنده ثلاث عشرة فرقة]، و - والمرجنة [وهى عنده ست فرق]، ز - والشيعة [ وهى عنده خمس فرق، تتفرع إلى أصناف .. فالزيدية خمسة، والكيسانية أربعة، والعباسية اثنتين، والغالية تسعة، والإمامية أربعة].
فإذا عددنا (الأصناف) (فرقاً) بلغ مجموعها جميعا عند احوارزمى اثنان وسبعون فرقة، وإذا لم ندخل (الأصناف) فى عداد (الفرق)؛ وقفت عند ثلاثة وخمسون فرقة فقط .. وفى كلا الحالين فهى ليست ثلاثا وسبعين، كما يقول الحديث !..
وهذا الاضطراب الذى يتجلى، لدى مؤرخى الفرق، فى تعدادها ، ينبع من الافتقار إلى (منهج) يحدد المعيار الذى على أساسه يتم الحكم بأن هذه الجماعة بأنها (فرقة)، أو أن الذى بينهم وبين أصولهم هو مجرد اختلاف فى (فروع، الأصول العامة التى اتفقت عليها الفرقة الأم .. فالمعتزلة ، مثلاً، الذين يصل أغلب مؤرخى. الفرق والمقالات بعدد فرقهم إلى العشرين، هم فرقة واحدة ، تجمعها أصول خمسة، لا يعد من أهلها إلا من أعتقد بهذه الأصول الخمسة، وفى إطار هذه الفرقة اختلافات واجتهادات حول عديد من القضايا الفرعية، مثل: (الطبع) .. و(التولد) ... و(الطفرة) ... و(الجزء الذى لا يتجزأ) ... والموقف من: أيهما أفضل، على؟ أم أبو بكر؟؟ .. أما: (العدل) و(التوحيد)، و(الوعد والوعيد)، و(المنزلة بين المنزلتين)، و(والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) .. فإنها الأصول الخمسة التى لا يصبح معتزلياً إلا من اعتقد بها ..
وهذا المثال يزيد من وضوح الاضطراب الذى وقع فيه مؤرخوا المقالات عندما شرعوا فى تعدادها، ولقد ساعد على هذا الاضطراب - إلى جانب غياب (المنهج) المحدد للمعیار الدقیق فى التقسيم - الالتزام: بالحديث - الذى يجعل هذه الفرق ثلاثة وسبعين فرقة ... فبدأوا حديثهم بهذا العدد، فلما استقصوا الواقع وقفوا دونه، أو تجاوزوه؟ !..
ونحن لانستبعد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تنبأ بافتراق الأمة واختلافها، إذ أن أتحاد أمة من الأمم وأهل دين من الأديان كفرقة واحدة هو أمر مستحيل، بحكم التجربة الأنسانية السابقة، وما تطرحه الحياة المتجددة من قضايا ومعضلات، وما فيها من مصالح تستلزم بالقطع الاجتهاد، والاختلاف والاتفاق ... فهو نوع من النبوءة الفكرية والسياسية، تخرج عن (الغيب) وأنبائه، بل وتخرج عن أن تكون خاصية من خواص الرسل والأنبياء .. أما أن يكون الرسول، عليه الصلاة والسلام ، قد حدد الفرق بثلاث وسبعين فهو ما لا نميل إلى اليقين به، لما قدمنا من أسباب ..!!
ولقد أدرك الشهرستانى ذلك الاضطراب الذی وقع فيه مؤرخوا الفرق، وافتقار البحث إلى (قانون) يميز الفرق، ويجعل تعدادها أمرا دقيقا - وعبر عن هذا الإدراك فى عبارات واضحة نوردها كاملة ، لأهميتها .. قال: [إعلم أن لأصحاب المقالات طرقاً فى تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى نص، ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود، فما وجدت مصنفين متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق. ومن المعلوم الذى لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره (بمقالة) ما، في (مسألة) ما، عد صاحب (مقالة)، وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد، ويكون من انفرد (بمسألة) فى أحكام الجواهر، مثلا، معدودا فى عداد أصحاب (المقالات) !.].
[فلا بد، إذن، من ضابط فى مسائل هى (أصول وقواعد) يكون الأختلاف فيها اختلافا يعتبر (مقالة)، ويعد صاحبة (صاحب مقالة) .. وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا فى إيراد مذاهب الأمة، كيف اتفق، وعلى الوجه الذى وجد، لا على قانون مستقر وأصل مستمر، فاجتهدت على ماتيسر من التقدير، وتقدر من التيسير، حتى حصرتها فى أربع قواعد ، هى الأصول الكبار:
[القاعدة الأولى]: الصفات والتوحيد فيها .. وهى تشتمل على مسائل الصفات الأزلية، إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وبيان صفات الذات وصفات الفعل، وما يجب لله تعالى وما يجوز عليه ومايستحيل. وفيها الخلاف بين: الأشعرية، والكرامية، والمجسمة، والمعنزلة.
[القاعدة الثانية]: القدر والعدل .. وهى تشتمل على مسائل: القضاء، والقدر، والجير، والكسب فى إرادة الخير والشر، والمقدور والمعلوم، إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة ، وفيها الخلاف بين: القدرية، والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية.
[القاعدة الثالثة]: الوعد والوعيد، والاسماء والأحكام .. وهى تشتمل على مسائل: الايمان، والتوبة، والوعيد، والإرجاء، والتكفير، والتضليل، وإثباتا، على وجه، عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وفيها الخلاف بين المرجئة، والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية والكرامية.
[القاعدة الرابعة]: السمع والعقل ، والرسالة والإمامة .. وهى تشتمل على مسائل: التحسين والتقبيح، والصلاح والأصلح، والنطف، والعصمة فى التبوة، وشرائط الإمامة، نصاً عند جماعة، وإجماعاً عند جماعة، وكيفية آنتقالها علی مذهب من قال بالنص، وکیفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع. والخلاف فيها بين الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والكرامية والأشعرية.
فإذا وجدنا انفراد واحد من أثمة الأمة (بمقالة) من هذه (القواعد) عددنا مقالته (مذهبا) وجماعته (فرقة)، وإن وجدنا واحدا انفرد (بمسألة) فلا نجعل مقالته (مذهبا) وجماعته (فرقة)، بل نجعله مندرجا تحت واحد ممن وافق سواها مقالته، ورددنا باقى مقالته إلى الفروع التى لاتعد مذهبا مفرداً، فلا تذهب المقالات إلى غير نهاية ..
وإذا تعينت المسائل، التى هى قواعد الخلاف، تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها فى أربع، بعد أن تداخل بعضها فى بعض .. كبار الفرق الإسلامية أربع: القدرية، والصفاتية، والخوارج، والشيعة ..، هذه عبارات الشهرستانى، ونحن نتفق تماما مع المنهج الذى وضعه لتحديد الفرق بين (المقالة)، التى يؤدى الانفراد بها إلى قيام (الفرقة) والمذهب، وبين (المسألة) التي تندرج فى فرقة أعم وأحمل منها .. فقط لنا على نتائجه ملاحظتان: الأولى: أنه انتهى إلى أن كبار الفرق الإسلامية هى: القدرية - [المعتزلة] -.. والصفائية - [أى أصحاب الحديث، أو (النواب) كما يسميهم القاضى عبد الجبار] -.. والخوارج .. والشيعة .. وهو بذلك يغفل المرجئة .. إذ المعلوم أن اندراج المرجئة تحت أهل الحديث، وهو ما يبدو أن الشهرستانى قد عناه وقصد اليه، هو أمر غير دقيق، ذلك أن الإرجاء قد بدأ كموقف سياسى من الصراع الذى دار حول السلطة على عهد الأمويين، وتكونت لذلك فرقة بل لقد ظهر فى الإرجاء أكثر من مذهب وأكثر من تيار.
وإذا كانت الفرق الإسلامية قد ظهرت لأسباب سياسية، وليس لجدل دینی معزول عن قضایا المجتمع، فإن إغفال (المرجنة)، ونحن بصدد تعداد الفرق الكبرى لايجوز .. ومن هنا فنحن نرى أن تعداد القاضى عبد البيار لهذه الفرق الكبار عندما قال: ( .. ومعلوم أن فرقِ الأمة، فى الجملة: المعتزلة، والخوارج، والمرجنة، والشيعة، والنوابت .. )- هو الأدق، وهو مبني على ذات المنهج الذى حدده الشهرستانى فى عمق وابتكار ..
والثانية: أن الشهرستانى، بعد أن حدد هذا المنهج وطبقه على واقع الفرق الإسلامية، عاد ليخضع (المنهج) و(الواقع) لذلك الحديث الذى رووه عن أن عدد الفرق الإسلامية ثلاثاً وسبعين فرقة؛ فقال: إن هذه الفرق الكبار (يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة .. )!.. وهو موقف يعكس التناقض بين (الدراية) وبين (الرواية)، ومحاولات التوفيق بين (الواقع) وبين (النص)، حتى لو أبى الواقع ذلك التوفيق، وحتى لو كان هذا النص حديثا من أحاديث الآحاد !..
ولقد نشأ عن موقف مؤرخي الفرق والمقالات هذا أن أصبح القارئ والباحث فى تراثنا العربى الإسلامى يطالع العديد من أسماء (الفرق) والتيارات المذهبية والمدارس الفكرية، وفى كثير من الأحيان لا تسعفه المصادر بما يربط هذه (الفرق) الفرعية بأصولها، أو بما يميزها فكرياً، عن غيرها .. الأمر الذى استوجب أن نورد هنا ثبتا يكاد أن يحصر أسماء (الفرق)، وما تفرع عنها، وفق ما اصطلحت عليه و تداولته مصادر الفكر الإسلامي .. وأن نرتب أسماءها هذه ترتيباً أبجديا، لتزيد الفائدة، وتسهل الاستفادة على الباحثين والقراء.
والمتأمل في هذا الاضطراب المنهجي لدى مؤرخي المقالات، يدرك أن الأزمة الحقيقية التي عانت منها الأمة لم تكن في مجرد "الاجتهاد" أو "التعددية الفكرية"، بل في "أزمة تحويل الفروع السياسية والفقهية إلى أصول عقائدية". لقد بدأت الخلافات الأولى حول قضايا إجرائية وتنظيمية، كآلية اختيار الحاكم وإدارة الدولة (الإمامة)، وهي من فروع الشريعة السياسية، لكن الأجواء المشحونة بالصراع رفعت هذه "المسائل" الفرعية إلى مرتبة "القواعد" الكلية. ونتيجة لغياب المعيار الدقيق، صار المخالف في الموقف السياسي يُصنَّف مخالِفاً في أصل الدين، وبذلك تحول التنوع الفكري الذي هو مظنة ثراء وتوسعة، إلى "خروج عن الملة" ومبررٍ للشقاق وتفتيت وحدة الأمة الفكرية والاجتماعية
فهرست أبجدى بالفرق الإسلامية
هذه هى فرق الإسلام .. الأصول منها والفروع، الكبريات والصغرى .. ما تبلور منها لأسباب سياسية واجتماعية، ومانشأ فى الجدل الذى احتدم حول الإلهيات… جمعناها .. وصنفتاها أبجديا ... لتكون دليلا للقارىء والباحث فى تراث حضارة العرب والمسلمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق