الفلسطينيون من الاقتلاع إلى المقاومة
كتاب العربي -عدة مؤلفين
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: منذ أربعين عاماً تحول الشعب الفلسطيني من المواطنة والاستقرار إلى اللجوء والشتات، وقد انقطعت به الآمال في الاستقلال والمستقبل الحر، لتطغى عليه حياة المنافي والهجرة والبحث عن الوطن السليب. وفي أوائل إبريل من العام ١٩٤٨، وقبل أربعين يوماً من إعلان قيام دولة (إسرائيل) ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين، شنّت القوات الصهيونية هجوماً على الساحل الفلسطيني ومناطق غربي القدس، فيما عُرف بخطة (داليت)
وخلال إبريل ارتُكبت مذبحة (دير ياسين)، وهُزمت المجموعات الفدائية الفلسطينية قليلة العدد، الضعيفة التدريب، بعد استشهاد قائدها (عبد القادر الحسيني)، وسقطت مدن (يافا، وحيفا، وطبريا، وعكا) أمام الإجرام الممهج، وتم اقتلاع ما يُقارب من (٣٠٠ ألف) فلسطيني من أرضه تحت تهديد السلاح، وهم بحالة فزع وهلع شديدين، وذلك بعد سقوط دولة العثمانيين، وتخلي الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين عن فلسطين، حيث رأى الناس قمع البريطانيين مدة (٢٦) عاماً.
ولم يكن للفلسطينيين أي قوةٍ تُذكر أمام (٦٢ ألف) جندي إسرائيلي، تدربوا على السلاح، إبان الحرب العالمية الثانية، وتخرجوا من مدرستها القتالية. وفي (١ مايو ١٩٤٨) قرر الفلسطينيون طرد شبح (دير ياسين) من مخيلتهم، حُبّاً في الأرض، وشوقاً إلى استرداد البيت، ففرحوا بدخول الجيوش العربية التي بلغ قوامها (١٧,٥ ألف) جندي ومتطوع، في مقابل (٦٢ ألف) جندي إسرائيلي مدرب.
ولأجل إخراج سكان مدينتي (اللد، والرملة) والبالغ عددهم (٨٠ ألف) نسمة، شنّت القوات الإسرائيلية هجوماً بالمدفعية والطيران، واستمرذلك مدة يومين، وفي اليوم الثالث للهجوم انسحبت أغلبية القوات المرابطة في المدينتين، والبالغ عددها (١٥٠) مقاتلاً في الفترة ما بين ٩ و ١٣ يوليو من العام ١٩٤٨م.
كما نجحت القوات الإسرائيلية في اعتقال بعضه وجهاء الرملة خارج المدينة، وأجبرتهم على توقيع وثيقة استسلام مقابل عدم مساس السكان بأذى. وبالفعل قامت القوات الإسرائيلية باقتحام مدينة (اللد) التي استمر عدد من أفراد الجيوش العربية وسكان البلدة للمقاومة فيها، فثبتوا حتى قتلوا عن آخرهم.
وبعد دخول قوات الاحتلال لمدينتي (اللد والرملة) ادَّعت أنها تعرّضت لرمايات قنص؛ فارتكبت بإثر ذلك مجزرة كبيرة، أدت لمقتل (٢٥٠) طفلاً وامرأة ورجلاً وشيخاً. لتكتمل مشاهد الإجرام، ويرتاع المُهجّرين من بشاعة المنظر والفعل.
وعلى الرغم من حجم المجزرة، إلا أن سكان هذه البلاد رفضوا مغادرة مدينتهم، ومن ثمَّ أصدر (بن غوريون) أوامره للجيش وقيادته (إسحاق رابين)، و(إيغال ألون) بضرورة طرد السكان بالقوة، من خلال تجهيز شاحنات (إسرائيلية) تُقل السكان إلى خارج البلدتين، وقامت باعتقال وقتل الكثير من الشباب خلال مجموعة من الإعدامات الميدانية.
في الوقت ذاته أجبرت القوات الإسرائيلية من تبقى من السكان بالخروج سيراً على الأقدام تحت صليات الرصاص، وأثناء ذلك قاموا باضطهاد السائرين، وسرقة ممتلكاتهم الشخصية، ونهب نقودهم، ونزعت الحلي من أيدي وأعناق النساء، واغتصبوا العديد من الفتيات، ومات الكثير من الأطفال عطشاً خلال رحلة السير على الأقدام.
ومثلما حدث في هاتين المدينتين؛ حدث ذلك في أجزاء من الناصرة، والقدس، وعكا، وصفد، وغيرها من البلدان الفلسطينية، وتم تهديد بقية سكان المدن والقرى بمصير مشابه إن لم يغادروا بلداتهم ومدنهم وقراهم طوعاً. وبلغ عدد المجازو المرتكبة بحق المدنيين خلال حرب العام ١٩٤٨ (النكبة) ما يزيد عن (٣٠) مجزرة، من بينها: (مجزرة الدوايمة)، التي أودت بما يقرب من (٢٥٠) مواطن مدني فلسطيني، رُمي الكثيرون منهم في آبار البلدة، أو دُفنوا في مغاراتها.
ومع حلول أكتوبر عام ١٩٤٨ تحول (٩٠٠ ألف) فلسطيني من أصل (مليون وأربعمائة ألف) إلى لاجئين، وكان الفلسطينيون قبل النكبة يمثلون حوالي (ثلثي) سكان فلسطين، على الرغم من كل أشكال الهجرة اليهودية العلنية والسرية، والتي سهلتها بريطانيا بسياساتها المنحازة والقمعية. وكان الفلسطينيون يمتلكون (٩٢%) من جملة الأراضي الفلسطينية، و (٩٠%) من الأراضي المزروعة، أي: أن الملكية اليهودية لم تتجاوز الـ (٧%) من الأراضي الفلسطينية.
ومع نهاية الحرب، وتوقيع اتفاقية (رودس)، احتلت إسرائيل (٧٧.٤ %) من أراضي ومياه فلسطين، أي حوالي (٨٥٠, ٢٠) كيلو متر مربع، وخضعت بقية أرض فلسطين (٦, ٢٣ %) أي: الضفة الغربية والقدس إلى حكم الأردن، بينما خضعت غزة للإدارة المصرية. وقد ترك الفلسطينيون أرضهم ومزارعهم ومساكنهم وقراهم ومدنهم، ودُمرت محلاتهم وتجاراتهم وبنوكهم ومستشفياتهم ومدارسهم ونواديهم ومجتمعاتهم، أي أنهم فقدوا جزءاً كبيراً من حياتهم وقضيتهم في هذه النكبة العارمة.
أما دولة (إسرائيل) فقد أقرّت فور إعلان قيامها حق كل يهودي بالهجرة إلى أرض فلسطين، بينما منعت الفلسطينيين من حقهم في العودة إلى أرضهم وديارهم. وبالفعل فقد حدثت هجرة جماعية لليهود من جميع أنحاء العالم؛ ليحلوا في الوطن الجديد (فلسطين)، وليملأوا المدن والقرى والأحياء الفلسطينية الخاوية، وليستخدموا أراضي الفلسطينيين، ويتملكوها.
واستمرت إسرائل بسياساتها العنصرية في سحق كل ما هو فلسطيني، فدمرت (٤٠٠) قرية فلسطينية في الأراضي التي احتلتها عام ١٩٤٨م؛ لتقيم على أنقاضها الكُنُس والمتنزهات والمستعمرات والمصالح التجارية والزراعية.
وصدرت قوانين إسرائيلية تُصدّق على مصادرة كل أملاك اللاجئين الفلسطينيين، كما سنَّت قوانين تُصادر من خلالها أراضي الأقليات الفلسطينية التي استطاعت أن تحافظ على أرضها بالبقاء فيها عام ١٩٤٨. وهكذا تحولت (إسرائيل) منذ إنشائها إلى اداة مهمتها تهويد الأرض، وإلغاء الوجود الفلسطيني، والتشكيك بشرعيته، وتحقيق حُلم الدولة اليهودية: القوية والممتدة، والمسيطرة على العرب، والفاصلة بين مشرقهم ومغربهم.
مخيمات اللجوء وآثار النكبة
كان من أهم نتائج حرب عام ١٩٤٨ أنه لم يعد للفلسطينيين كيانٌ سياسي قانوني مستقل، حيث أصبح الفلسطينيون يتواجدون في مجتمعات متباعدة؛ فقد اعتُبر من تبقّى منهم داخل إسرائيل "عرباً إسرائليين"، أي: مواطنين في الدولة اليهودية الجديدة، وأما من بقوا واستقروا في الضفة الغربية؛ فأصبحوا يحملون الجنسية الأردنية، بينما خضع سكان قطاع غزة للإدارة المصرية، وذلك بعد توقيع "اتفاق الهدنة" بين مصر وإسرائيل، وذلك في فبراير العام ١٩٤٩م في "رودس".
وفي ديسمبر من العام ١٩٤٩ قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرار يُفضي بإنشاء "وكالة الأمم المتحة لإغاثة وتشغيل الفلسطينيين" (الأونروا)، والتي بدأت عملها فعلياً في مايو ١٩٥٠م، في مناطق (غزة، وسوريا، ولبنان، والأردن)، ومن قبل هذه الوكالة كنات هيئة مسيحية تُدعى "الكوكيز" سبقت الأونروا بتقديم المساعدات للاجئين الفلسطنيين في القطاع.
في الأيام والشهور الأولى من لجوء الفلسطينين عام ١٩٤٨: انزوى اللاجئون الفلسطينيونن يلعقون جراحهم وسط برد الشتاء، في خيامٍ أصبحت علامةً على مأساتهم. وحينها استطاع الفلسطينيون المضطهدون أن يُعيدوا تشكيل مجتمعهم الخاص بهم في أماكن اللجوء والمخيمات، وأن يقاوموا كل تحديات الذوبان والاضمحلال والنسيان.
وقد استطاعت إسرائيل بحدها وحديدها أن تُحيل وطناً كاملاً إلى حطام، دمّرت مؤسساته واقتصاده وبُنيّاته، وسعت إلى تخريبه وإفساده، إلا أنها لم تملك أن تسقط روابط الدم، أو تُلغي أواصر القرابة، أو تمسح النظام العشائري والقبلي من فكر الفلسطيني وثقافته، الأمر الذي ساعد الفلسطيني على تحويل مخيمات اللجوء الجديدة إلى محاضن اجتماعية كبيرة، تحتوي المعاناة، وتُضمّد الجراح، وتكون نقطة الانطلاق، ومكان التجهيز والإعداد للحرية المنشودة.
وقد تحول اللاجئون مع مرور الزمن إلى حالة البحث عن الاستقرار والعمل من أجل العيش والبقاء، وكان هذا الدور منوطاً بالشباب، الضي تحرك من نطاق المخيمات والخيام، نحو المدن والقرى والبلدان، للعمل من أجل إعالة الأسر الممتدة، وإتمام تعليم الإخوة والأخوات الصغار والكبار. بينما ظل جيل الآباء من اللاجئين يُعاني من حسرة الغربة، وتبعة فقدان الأرض، وميراث الأجداد.
اللاجئون في قطاع غزة ومشاريع التوطين
وقد بلغ عدد سكان قطاع غزة قبل حرب عام ١٩٤٨م (٩٠) تسعين ألف نسمة، وتضاعف بعد الحرب إلى أكثر من (٢٠٠) ألف، من بينهم (١١٠) ألف لاجئ جاءوا إلى القطاع. وكانت الجهود تنصب في محاولة إيجاد حلول دائمة للاجئين من خلال طرح مشاريع قرار تُفضي "بتوطين اللاجئين" في مناطق اللجوء، وذلك في فترة الخمسينيات، في محاولة لتصفية قضيتهم وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وساد الاعتقاد بأن الخطوة الرئيسية لحل مشكلة اللاجئين هو محاولة دعمهم اقتصادياً ليبدأوا حياتهم من جديد.
وشهدت الفترة ما بين ١٩٥٢ و ١٩٥٥ مشاريع مختلفة للتوطين، سعت لتحقيق هذا الغرض، وكان من أهم هذه المشاريع (مشروع شمال غرب سيناء) لتوطين اللاجئين من قطاع غزة، وقعت عليه الحكومة المصرية، ووكالة الغوث (الأونروا) في ينويه ١٩٥٣، وكان يستهدف توطين ٦٠ ألف لاجئ فلسطيني، على مساحة قدرها ٥٠ ألف فدان، من أراضي شمال غرب سيناء، وذلك بعد استصلاحها، ومدها بالمياه والكهرباء.
قوة الارتباط بالأرض
وبينما الأرض سليبة، أصبحت قوة العاطفة والذاكرة، تبعث في نفوس الآباء وأبناء الطبقة الأولى من أبنائهم قوة عاطفية رهيبة، تمثلت بالحنين إلى العودة، والتشوف إلى استرداد الأرض المسلوبة، وشكّل ذلك محور الحوارات الاجتماعية، واللقاءات الأسرية، وأحاديث النوادي والسّمر بين مختلف أوساط المجتمع، الذي أوضعت فيه النكبة يدها.
محاولات العودة
وفي الأيام الأولى للجوء، حاول الكثيرون من الفلسطينيين العودة إلى قراهم وأرضهم وديارهم، ولكن إسرائيل المدججة بالسلاح تصدّت لكل محاولاتهم، فألقت القبض على الكثيرين ممن حاول العودة، فقتلت البعض، وسجنت آخرين، للحد من ظاهرة التسلل عبر الحدود. وبالتالي كان هذا بداية تجذُّر مفهوم العودة، وضرورة وجود السلاح لدى الفلسطيني من أجل العودة واستعادة الأرض والدير، حينما تقوم إسرائيل باعتراضهم وقتلهم بدم بارد.
وقد نقل النفلسطينيون حُبهم للأرض وارتباطهم بها إلى أطفالهم المولودين في الشتات، فنشروا بين الأجيال الصاعدة قصص الحصاد والنبع، وقصص التين والزيتون، وعلموهم أخبار القرية الأسيرة، والبيت المهدوم، والأرض المسروقة، لتبقى محفورةً في الذاكرة الفلسطينية، وليبعثها حيّةً بأفراحها وأحزانها.
الكفاح المسلح
وبعد الهزيمة النكراء التي مُنيت بها الجيوش العربية في العام ١٩٤٨، وانسحابها من فلسطين، على إثر ذلك (بالإضافة إلى فشل كل الثورات العربية في إحداث تغيير جذري في القضية، وفقدان الأمل في نصرة عربية حقيقية) كان لا بد من ظهور أبعاد كفاحية سياسية تُسهم في مرحلة العودة لفلسطين، وإن كانت شرارة هذا الكفاح يعود إلى العام ١٩٦٥، وزاد الأمر تأزُّماً بعد حرب العام ١٩٦٧، بعد سقوط بقية فلسطين (غزة، والضفة الغربيةن والقدس) في قبضة (إسرائيل)، ما ترك أكبر الأثر في إشعال فتيل الثورة الفلسطينية المعاصرة.
وابتدأت الثورة تظهر بدءاً بمعركة الكرامة عام ، مروراً بمعارك جنوب لبنان عام ، واستطاعت منظمة التحرير الفلسطينية من تحويل قضية اللاجئين من قضية فلسطينية عربية إلى قضية أممية عالمية، وتجدّ في إقرار قوانين تعترف بحقهم في العودة وتقرير مصيرهم.
وكانت المحطة الأولى قبل إطلاق الثورة المسلحة يدها لتعبر الحدود باتجاه فلسطين: تقضي بضرورة المحافظة على ما تبقى من الوجود والهوية الفلسطينية، وإقرار المجتمع الفلسطيني في أرضه، وذلك عن طريق بناء المؤسسات الوطنية، ومنظمات العمل، والاقتصاد، والجيش، ومراكز البحث، والتطوير والإدارة.
لأن أي مجتمع أو شعبٍ -مهما كان، فإنه لا يستطيع التعبير عن ديمومته بدون بناء المؤسسات والبُنى التي تُعينه على الوصول إلى دولة خاصةٍ به على أرضه، الأمر الذي وضع الحركة الوطنية أمام تحديات كبيرة، بلورت من خلالها أولويات الصراع، واختبرت مقدرتها عليه، من خلال التجارب الوطنية السابقة.
وهكذا دخلت حركة التحرر الفلسطينية المتبلورة في الشتات في صدام قاسي وعنيف مع الداخل المعارض لأية تسويات سياسية، وفي الخارج برز من يريد استئصالها لأنها تعني بداية الخلاص والاستقلال، وخاصت الحركة الوطنية ممثلة بمنظمة التحرير معارك جانبية دامية في لبنان والأردن وغيرها، استنزفت جزءاً هائلاً من قواها.
نضال الشعب الفلسطيني
استمرت نضالات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه ضد الاحتلال، وتضاعدت دعوات اليهود الرامية إلى تهويد الأرض ومصادرتها، وبلغ ذلك أوجَهُ عام ١٩٦٧، وانشئت إبان ذلك عشرات المستعمرات الجديدة، وتم وصلها بشبكات طرق ومياه، وربط حركة الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال، بالإضافة إلى قمع صوت الحركة الوطنية في الداخل.
وبالرغم من السنوات القاسية التي عاشها الفلسطينيون تحت الاحتلال وعبر الصمود في البيت والحق والمصنع والمزرعة، وتعلم الفلسطينيون كيف يعملون في مصنع العدو في الوقت الذي يواجهون فيه غطرسته، وكيف يزرعون أرضعه ويواجهون محاولات اقتحامها، وكيف يبنون مؤسسة ونادياً وجمعيّةً وجامعةً، تعمل جميعها تحت الإحتلال وتقاومه.
هذا النمو الصامت والفاعل كان يمتد ويتشكل في وعي الإنسان الفلسطيني وذاكرته، التي لم تنس البلاد المسروقة. ونظراً للتضييق الكبير على الفلسطيني، وانتهاك حرمة مقدساته والاستهانة الكبيرة بحياته وروحه. بدأت انتفاضة شعبية عارمة في ٩/ ديسمبر/ ١٩٨٧، وكانت الانتفاضة الأولى الكبرى ضد سياسات الاحتلال القمعية، وضد همجيته وعدوانه.
الانتفاضة نقطة التحوُّل
قطعت فلسطين أشواطاً مهمة من المسافة الواقعة بين الاستعباد والتحرر، وقد اكتشف الفلسطينيون لأنفسهم وجوداً جماعياً جديداً، وقوة كامنة مصدرها وعيهم لآفاق هذه القوة الجماعية، وإنكانياتها، ورأوا كيف يتقهقر الاحتلال لساعات أمام حجارتهم الملقاة.
لقد حطّموا بإمكاناتهم البسيطة أغلالاً كامنة من الخوف والرهبة، وكسروا حواجز صلدة أقامها العدو في قلوبنا، وبدأوا برسم ألوان حياة مستقبلية فلسطينية أكثر بهجةً وتفاؤلاً.
لقد أعاد الفلسطينيون عام ١٩٤٨، للتحرر الفلسطيني نبضه ونضاله، ذلك انهم أكثر الفئات تأثيراً، وأعظم الفلسطينيين وعياً بأشكال العمل النضالي الفعال، لقد تعلموا الكثير على مدى العشرين عاماً الماضية. إنهم الأكثر معرفة بالعدو، والعلم بنقاط ضعف منظمة التحرير، كما أنهم الأكثر تمسكاً وارتباطاً بشرعيتها، لأنهم يعلمون بأن جسر تقرير المصير والدولة الفلسطينية لا يمكن أن يمر إلا عبر تنميتهم ومساهمتهم بالكيان الفلسطيني المتكامل الأطراف، وإدارة وطنية للنضال، تترجم الثورات والعصيان والاشتباك إلى لغة تحررية عربية عالمية الأبعاد.
ويناقش هذا الكتاب جملة من الفصول الهامة حول القضية الفلسطينية
ففي الفصل الأول يناقش قضايا الاستيطان والهجرة، ثم قضية التوسع الصهيوني، حيث استولت سلطات الاحتلال الاسرائيلي على ما يقرب من ٤٣ % من إجمالي مساحة الضفة الغربية خلال الفترة ما بين ١٩٦٧ و ١٩٨٤م. وأنفقت الحكومة الصهيونية ما يقرب من ٦٠٠ مليون دولار على الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة، وأن الهدف من الاستيطان هو خلق حقائق جديدة على الأرض، فهي تدعي أن ذلك يعود إلى دوافع أمنية، بينما تعود وتطرح الرواية الدينية والتاريخية كأسلوب من أساليب سرقة الأرض والاستيلاء عليها. يلي ذلك الإخضاع الاقتصادي لمناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. مروراً بالتهوي والتهجير وضرورة المواجهة السريعة.
وفي الفصل الثاني: ينتقل الكتاب إلى موضوع المقاومة الشعبية الفلسطينية، ولقاء مع نساء فلسطينيات تحدين الظروف الصعبة وتضيق الاحتلال، ومسار القضية الفلسطينية في المجال الدولي، بالإضافة إلى قضايا اللجوء، والوضع الديموغرافي السكاني، وأبرز معالم المقاومة الفلسطينية منذ العام ١٩٤٨، والصراع من أجل البقاء.
أما الفصل الثالث: فقد تناول عدة موضوعات، أهمها: مناقشة خرافات اليهود حول أرض الميعاد، ودورهم في سرقة التراث الفلسطيني، ونظرة الفكر الصهيوني للإنسان العربي، والمعاناة الثقافية والتعليمية في ظل الاحتلال الصهيوني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق