أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

أحلامي لا تعرف حدوداً -أرنستوتشي جيفارا A.H.Rose- K.V.Volv بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أحلامي لا تعرف حدوداً -أرنستوتشي جيفارا

A.H.Rose- K.V.Volv

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: ثمة لحظات نجد فيها ضرورة لنتعمَّق أبعد من المرئي والبديهي. فإذا كنت تريد معرفة نفسك، عليك أن تدرك العلاقة الخفية بين الأشياء، وأن تبحث عن القوى التي تقف وراء هذا العالم وتحركه، حتى لا تترك لها مجالاً للسكينة. وأول خطوة تخطوها في هذا المجال هي الاستعداد لفهم الآخرين ومعرفتهم، وعدم الاستسلام لما يبدو وكأنه قدر عليك إلى الأبد. عندها فقط، يمكنك أن تترك أثراً على هذه الأرض.

والحديث عن ثورة الشيوعيين في (كوبا) لا يعني بالمطلق الإعجاب بالفكر الماركسي اللينيني، فمن السذاجة الفكرية الربط بين المقاومة كعمل وبين التمذهب بمذاهب المقاومين. جيفارا الذي انطلق صوته الثائر من قلب (كوبا)، ليصدع في غابات (بوليفيا)، مُعلناً أن الثورة لا تُحدّ بحدود، وأن الرصاصة التي تُطلق ضد الظلم في أي مكان من العالم هي رصاصته. 

لم يكن جيفارا يقاتل من أجل أيديولوجيا جامدة أو نظريات ميتة في الكتب، بل كان يكتب بالدم والبارود بيان الحرية الأممية. لقد تحول بجسده النحيل وصوته الهادر إلى إعصار يضرب عروش الإمبريالية، مُثبتاً أن المقاومة هي العقيدة الأسمى للأحرار، وأن الهوية الحقيقية للإنسان تُصاغ في خنادق المواجهة لا في صالونات السياسة. إن انحيازه للمسحوقين لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان إيماناً حارقاً بأن العبيد لا يملكون ما يخسرونه سوى أغلالهم، وأن شمس الحرية لا تشرق إلا من فوهات البنادق الثائرة. 

وهذا الكتاب هو عبارة عن مذكرات ورسائل ويوميات عن جيفارا، طُبعت في بعض دور النشر العربية. استعرض المؤلفان فيها الأفكار الثورية لجيفارا، ورسائله المؤثرة إلى زوجته وأولاده وإلى فيدل كاسترو (رسالة الوداع الشهيرة)، ويشرح فيها رؤيته للإنسان الجديد الذي يجب أن يتخلص من الأنانية الرأسمالية، ويعيش من أجل المجموع. إنها تلخيص لشغفه الذي لم تحده حدود جغرافية؛ حيث كان يرى العالم كله جبهة واحدة ضد الظلم.

وتتجلى رؤية جيفارا لـ "الإنسان الجديد" في كونه كائناً لا تحركه الحوافز المادية، بل الأخلاقية والواجب الاجتماعي. كان يؤمن بأن الثورة الحقيقية ليست مجرد تغيير في النظام السياسي أو الهيكل الاقتصادي، بل هي إعادة صياغة جذرية للنفس البشرية، تتسامى فيها مصلحة المجموع فوق الأنانية الفردية، وهو ما جعل أطروحاته تتجاوز القوالب الجامدة للماركسية التقليدية إلى أبعاد فلسفية واجتماعية أكثر عمقاً ورومانسية.

ويحكي هذا الكتاب الحواري سيرة البطل الشعبي أرنستوتشي جيفارا، من طفولته مروراً بشبابه، ومشاركته ضد رئيس الأرجنتين- الذي كان ينفذ سياسات الولايات المتحدة الاستبدادية،  بالإضافة إلى العلاقة الحميمة التي توطدت بسرعة بين راؤول كاسترو وإرنستو. فكلاهما كان في المكسيك بعيداً عن وطنه، وكلاهما كان يعيش مرارة الهزيمة. والاثنان كانا ينضحان حقداً على طغاة أميركا اللاتينية. وكلاهما كان طموحاً لتنظيف القارة من استغلال الاحتكارات الأميركية الوحشي. كانا يلتقيان مرّة في الأسبوع، وبشكل منظّم.

الأمر الذي يؤكد أن الثورات الكبرى تحتاج إلى "تلاقٍ روحي وفكري" بين قادتها. راؤول كاسترو (الذي كان راديكالياً وشيوعياً صريحاً قبل أخيه فيدل) وجد في جيفارا الرفيق المثالي. "مرارة الهزيمة" المشتركة والنقمة على التبعية لأمريكا شكلتا الرابط الصلب الذي صهر القادة في بوتقة واحدة، وتحول "الحقد المشترك على الطغيان" إلى طاقة حركية منظمة تلتقي أسبوعياً للتخطيط.

وقد ألهمت الثورة الكوبية حركات التحرر العربية (مثل الثورة الجزائرية، المقاومة الفلسطينية، والحركات اليسارية في مصر واليمن وظفار). ومن لطيف ما يُذكر أن القائد (جيفارا) زار قطاع غزة عام 1959 لدعم القضية الفلسطينية، وزار مصر والتقى بجمال عبد الناصر.

وقد حظيت الثورة الكوبية باهتمام هائل، ومن أبرز ما كُتب أو تُرجم فيها: جيفارا: مذكرات حرب العصابات (مترجم للعربية في دور نشر متعددة)، وتشي جيفارا: الإنسان والثورة - لـ مصطفى الحسيني. بالإضافة إلى كتابات أحمد بهاء الدين ومحمد عودة التي أرّخت للثورة الكوبية واللقاءات العربية مع جيفارا وكاسترو.

ومن هنا، تبرز المفارقة الجوهرية بين النموذج الجيفاري والنموذج الثوري العربي؛ فبينما استند جيفارا إلى فلسفة مادية أرضية ترى الصراع من منظور طبقي بحت، نجد أن الوجدان العربي والإسلامي أنتج حركات تحررية قادها ثوار انطلقوا من أبعاد عقدية وقيمية متجذرة في الهوية والشريعة، مما جعل ثوراتهم ترتكز على التوازن بين التحرير المادي والسمو الروحي. 

والحديث عن الثورة الكوبية ورجالاتها لا يعني أن الأمة العربية لا يوجد بها هذا النوع من الثوار الذين تفانوا في الدفاع عن أوطانهم، وحملوا شعار الحرية، وقاوموا الاحتلال والاستعمار، بل في تاريخنا المجيد شخصيات هي أعزُّ علينا من جيفارا، مثل:

الأمير عبد القادر الجزائري: والذي قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي لـ 15 عاماً. وقد تفوق على جيفارا في تأسيسه لـ "قوانين إنسانية للحرب" ومعاملة الأسرى، وحمايته للمسيحيين في الشام لاحقاً، فجمع بين عبقرية العسكري وزهد العارف وبصيرة السياسي الإسلامي.

الشيخ عمر المختار (أسد الصحراء): قاد الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي في ليبيا لعشرين عاماً وهو في سن متقدمة. تميز بنقاء منطلقاته النابعة من القرآن الكريم، ورفضه القاطع لقتل الأسرى أو التمثيل بهم، قائلاً جملته الشهيرة: "نحن لا نقتل الأسرى.. هم ليسوا معلمينا، معلمنا هو الإسلام".

الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي: قائد ثورة الريف في المغرب ضد الاحتلالين الإسباني والفرنسي. والذي ابتكر تكتيكات "حرب العصابات الحديثة" التي اعترف "هو تشي مينه" وماو تسي تونغ (وقيل جيفارا نفسه) بأنهم تعلموا منها. تفوق بنجاحه في تأسيس كيان منظم (جمهورية الريف) جمع القبائل المتناحرة تحت راية الشريعة والعدل.

كذلك عز الدين القسام: السوري الذي قاد بواكر الثورة المسلحة المنظمة ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية في فلسطين. كان يربط العمل العسكري بالوعي التربوي والديني، ونال الشهادة مقبلاً غير مدبر.

إرنستو تشي جيفارا

إرنستو جيفارا (Ernesto Guevara)، المعروف بـ "تشي جيفارا"، الثوري الكوبي، والطبيب والكاتب، والزعيم السياسي، والقائد العسكري، وزعيم حرب العصابات، وأحد رموز النضال الشعبي في العالم، ولد في الأرجنتين عام 1928 لعائلة برجوازية (متوسطة ميسورة الحال) ذات ميول يسارية. درس الطب وتخرج طبيباً، لكنه اختار ألا يمارس المهنة بشكل تقليدي، بل كرّس حياته للثورة المسلحة ضد ما كان يراه "إمبريالية واستغلالاً للشعوب"

رحلة الدراجة النارية

 لقد دراجته النارية نقطة التحول الكبرى في حياته، فكانت رحلته الشهيرة عبر أمريكا اللاتينية على دراجة نارية برفقة صديقه (ألبيرتو غرانادو). خلال هذه الرحلة، شاهد جيفارا بعينيه الفقر المدقع، والظلم الواقع على عمال المناجم والفلاحين، وهوان المرضى (خاصة بمرض الجُذام).

فاستنتج جيفارا أن العلاج الطبي لا ينفع مع مجتمعات مريضة بالظلم السياسي. فسافر إلى غواتيمالا وشهد الإطاحة بحكومة "جاكوبو أربينز" اليسارية المنتخبة ديمقراطياً عبر انقلاب عسكري دعمته المخابرات الأمريكية (CIA) لصالح شركات الفواكه الأمريكية. وكانت هذه الحادثة أقنعته نهائياً بـ "عدم جدوى التغيير السلمي الديمقراطي" وضرورة الكفاح المسلح.

ثم تعمق جيفارا في قراءة أدبيات (كارل ماركس) و (فلاديمير لينين)، وتحول من مجرد متمرد غاضب إلى أيديولوجي ماركسي ملتزم. التقى بـ "راؤول كاسترو" في المكسيك، والذي عرّفه بدوره على شقيقه "فيدل كاسترو"، لينضم جيفارا رسمياً إلى "حركة 26 يوليو" الكوبية كطبيب أولاً، ثم كقائد عسكري ثانياً.

تميزت شخصية (جيفارا) بالنزاهة الشديدة؛ حيث رفض المناصب والامتيازات المادية بعد نجاح الثورة وعاش حياة قاسية. كذلك الصبر والقدرة على التحمُّل، حيث: واجه مرض الربو المزمن الحاد طوال حياته ولم يمنعه ذلك من القتال في الجبال مع الثوار. بالإضافة إلى كونه عسكرياً بارعاً ومنظراً ممتازاً لـ "حرب العصابات".

لكنه انتهج نهجاً في غاية القسوة والدموية؛ فقد كان يؤمن بالعنف الثوري الصارم، وأشرف بنفسه على محاكمات وإعدامات لمعارضي الثورة في سجن "لا كابانا"، بالإضافة إلى الراديكالية الحادة في السياسية وإصراره على تصدير الثورة حتى في بيئات غير مهيأة (مثل بوليفيا) مما أدى لفشله ومقتله. وأخيراً يؤخذ عليه إهماله الأبعاد الإنسانية أحياناً؛ حيث يُقدّم الأيديولوجيا الجافة على الحسابات الواقعية وحياة الأفراد.

الثورة الكوبية 

انطلقت الثورة فعلياً في العام (1956) عندما أبحرت سفينة "غرانما" من المكسيك إلى كوبا، وعلى متنها 82 ثائراً (منهم كاسترو وجيفارا) للإطاحة بنظام الديكتاتور "فولغينسيو باتيستا" المدعوم من أمريكا. فتعرضت المجموعة لكمين فور وصولها، ولم ينجُ منهم سوى نحو 12 إلى 20 شخصاً فروا إلى جبال "سييرا مايسترا".

وفي الفترة ما بين عامي  (1957-1958) بدأ الثوار حرب عصابات من الجبال، واكتسبوا حاضنة شعبية هائلة من الفلاحين بسبب عدالة مطالبهم وتوزيعهم للأراضي.

وقاد جيفارا معركة "سانتا كلارا" الحاسمة، حيث استولى على قطار عسكري محمل بالذخيرة، مما أدى لانهيار معنويات جيش النظام، وفرار الديكتاتور باتيستا ودخول الثوار العاصمة هافانا ظافرين، وذلك في حدود (يناير 1959).

ولم تكن معركة "سانتا كلارا" مجرد انتصار عسكري عابر، بل كانت تجسيداً عبقرياً لتكتيكات حرب العصابات التي صاغها جيفارا؛ حيث نجح ببضع عشرات من المقاتلين في محاصرة مدينة استراتيجية وقطع شريان الإمداد الرئيسي لجيش الديكتاتور باتيستا. هذا الحسم العسكري لم يسقط هافانا فحسب، بل رسّخ اسم "تشي" كواحد من أبرز المنظرين العسكريين في القرن العشرين .

وكان الرفاق الأساسيون (لتشي جيفارا)، هما: (فيدل كاسترو) القائد العام، و(راؤول كاسترو)، و(كاميلو سيينفيغوس) (أحد أشهر قادة الثورة الكوبية).وكانت الثورة والتخطيط متداخلاً بين عدة بلدان بين المكسيك (مكان التجهيز والالتقاء) وكوبا (أرض الثورة). لاحقاً حاول جيفارا تطبيق النموذج في الكونغو (أفريقيا) وفي بوليفيا (أمريكا الجنوبية).

وكانت نتيجة هذه الثورة: تأسيس أول دولة اشتراكية في نصف الكرة الغربي، وطرد النفوذ الأمريكي من كوبا، وفي المقابل تم فرض حصار أمريكي خانق على كوبا استمر لعقود، وتحول كوبا إلى منارة لحركات التحرر في العالم الثالث. 

نهاية جيفارا

بعد خلافات غير معلنة حول إدارة الدولة وميل كاسترو نحو السوفييت، غادر جيفارا كوبا سراً متنازلاً عن جنسيتها ومناصبه. ذهب للقتال في الكونغو وفشل، ثم توجه إلى بوليفيا لإشعال ثورة في أمريكا الجنوبية. هناك، عانى من ملاحقة الجيش البوليفي المدعوم بوحدات خاصة من الاستخبارات الأمريكية (CIA). 

ونظراً لعدم تعاون الفلاحين المحليين معه بسبب الخوف والدعاية المضادة، تم حصاره وإصابته واعتقاله في قرية "لا هيغويرا". وفي 9 أكتوبر 1967، ثم صدرت الأوامر بإعدامه ميدانياً دون محاكمة، وتم قطع يديه لإثبات هويته ودفنه في مكان سري (إلى أن أُعيد جثمانه إلى كوبا عام 1997). 

_________________________________________________

ومضات من الكتاب

تحدث الكتاب عن "المرحلة الرومانسية الاستكشافية" في حياة جيفارا. المسدس المخبوء في الحذاء والخيمة يعكسان روح المغامرة والاعتماد على الذات في بيئة قاسية. هذه الرحلة البدائية جردته من رفاهية الطبقة البرجوازية التي ولد فيها، وجعلته يلتصق بالأرض والطبيعة، وهي الخلفية النفسية التي أهّلته لاحقاً لتحمل حياة الأدغال وجبال "سييرا مايسترا" الوعرة طوال سنوات الثورة.

إن هذه "المرحلة الرومانسية" لم تكن مجرد نزهة لشباب برجوازي يبحث عن الإثارة، بل كانت عملية "تعرية اختيارية" من امتيازات الطبقة. فالألم الذي عاينه جيفارا في أجساد مرضى الجُذام وعيون الفلاحين المنسيين، شكّل لديه صدمة وجودية حوّلت مبضع الطبيب في يده إلى بندقية ثائر، بعدما أدرك أن أوبئة المجتمع السياسية لا تُعالج في غرف العمليات المعقمة.

(بدأت رحلة إرنستو جيفارا حينما انطلق هو وصديقه ألبرتو للترحال في دول أميركا اللاتينية، وخبأ كل منهما مسدساً في حذائه للدفاع عن نفسه من خطر الحيوانات المفترسة. انطلقا على دراجة نارية، حاملين معهما خيمة يأويان إليها في حال عدم عثورهما على مكان للنوم).

(وفي أثناء الرحلة برزت لدي (جيفارا) عدّة أسئلة يحيطها الغموض. حينما رأى بعينيه ذلك الفقر المدقع، وتلك المظاهر للظلم الفاحش. تنظر أحياناً، فترى الثروات الضخمة، والأموال الكثيرة. لكن، ما هو نصيب العامل أو الفلاح من ذلك؟ وكأنه حُكم على سكان تلك القرى بالنسيان الدائم. ترى الأمية، والظلم، والحرمان من أية مساعدات طبية، فهذه أمور لا أنساها ببساطة).

وهنا نرى لحظة "اليقظة الفكرية والضميرية". والصدمة الناتجة عن المفارقة الصارخة (ثروات هائلة مقابل فقر مدقع وأمية ونسيان) هي التي حوّلت جيفارا من "سائح مستكشف" إلى "ثائر أيديولوجي". إنها تؤكد المعنى الإنساني المشترك: أن رؤية الظلم الصراح تولد حتماً رغبة عارمة في التغيير، وتثبت أن جيفارا انطلق من معايشة حقيقية لمعاناة المقهورين ولم يكن مجرد مُنظّر يقرأ الكتب في الغرف المغلقة 

يُجيب جيفارا عن هذا التساؤل -بقوله: (عندما يتعرف الفقير على معاملة الأغنياء والجشعين له، تولد في داخله عدوانية يصعب إخفاؤها، عدوانية تجاه أولئك الذين لا يردعون أنفسهم عن نهش الآخرين. عندها، لا يعرف أباً أو أمّاً، أخاً، أو أختاً ... ففي الصراع من أجل الوجود لا يوجد إلاّ عامل واحد فقط هو العامل السلبي. أو بكلمات أخرى، هناك موضوع عدواني نقيض لمجتمع الأصحاء. هناك مرض فيه شيء مهين للأصحاء؛ لأن على أصحاب تلك الأمراض أن يطعموا سیدهم).

ويمثل هذا النص التطبيق العملي للفلسفة الماركسية حول "الصراع الطبقي"، لكن بصياغة نفسية. جيفارا يحلل "العنف الثوري" هنا ليس كخطيئة، بل كـ "رد فعل حتمي" ومرض اجتماعي أنتجه جشع الأغنياء 

وتضعنا هذه الرؤية أمام الجانب الأكثر جدلية في شخصية جيفارا؛ وهي شرعنة العنف الصارم كأداة وحيدة للتغيير. ففي حين يرى المدافعون عنه أن هذا العنف كان جراحة ضرورية لاستئصال ورم الظلم، يرى نقاده أن هذه الراديكالية الحادة والاندفاع الأيديولوجي الأعمى قاداه إلى إهمال قيم التسامح وحقوق الأفراد، مما حوّل الثورة في بعض محطاتها إلى آلة إقصائية دموية. 

وفي موطن آخر يُعبّر جيفارا عن أمله في تحقيق الحرية، وإلا فسوف يبقى البشر معذبون، يقول: (أريد أن أمارس مهنة الطب أيضاً. لكنني أرى ضرورة للتغيير. التغيير الحقيقي الذي يكفل القضاء على مآسي البشر، وعلى أسباب المرض، وهذا لا يستطيع تحقيقه العلاج الطبي… أعتقد أن ثروات هذه البلاد من المعادن، ومن الأراضي الخصبة، يجب أن تخدم جميع الناس، لا أن تخدم بعض العائلات الغنية فقط، أو الشركات الأميركية. فهؤلاء يشكِّلون ورماً سرطانياً، لا يمكن القضاء عليه إلاّ باستتصاله النهائي).



كان إرنستو يشعر بانتعاش في كل مرّة كان يتحدث بها راؤول عن السمة الأممية للثورة: (تحرير أميركا اللاتينية بكاملها … تقديم مثال ... عدم تكرار الأخطاء التي وقعوا بها في غواتيمالا وبوليڤيا والمكسيك ... على الثورة أن تحمي نفسها ... ).

يقول الشيوعي خوسيه مارتي ما معناه: (إن جوهر المسألة لا يكمن في: كم من السلاح تملك في يدك، وإنما كم نجمة في السماء تريد أن تصطاد! وهكذا أرى المسألة. أما النقاشات البيزنطية، والمهازل، فقد ولّى زمانها، وحان وقت العمل.. نحن لا نناضل بدلاً عن الشعب، إنما مع الشعب. وفي ذلك بالضبط تمكن قوتنا. لقد شكلنا (حركة 26 تموز) قبل مغادرتي كوبا، وهي لن تكون مجرد تغيير في الاسم لذلك الإطار الذي يضمني مع أصدقائي الذين اقتحموا الثكنة... بلغنا عدة آلاف حتى ذلك الوقت، ومنذ ذلك الحين أخذ عددنا يتزايد، وانضمت إلينا عدة منظمات. ومع انضمام: أرماندو خارتا، وفرانكا بايسي، وخاوستينو بیريس، ومناصريهم، حققنا انضمام ثوريين حقيقيين. وهكذا جمعنا قوانا ودخلنا في حزب الشعب الكوبي).

ويقول جيفارا: (نحن لن نبخل بدمائنا، لا أنا ولا أي رفيق من رفاقي، من أجل قضية سامية. ونحن لا نبحث عن سيجار من أجل المشاجرة. وأنا أحقد على العنف، لكن، بما أن القوة والعنف الدموي استخدما لفترة طويلة ضد شـعبنا الكوبي، فأنا أختار هذا النضال).

يقول كاسترو: (نحن سننتصر، وستكون أولى مهماتنا: إجراء الاصلاح الزراعي. وسنعطي الأرض لمن يزرعها، وستعود حقوق العمال إلى حيويتها وقانونيتها. بالإضافة إلى وضع قانون يحمي العاملين من وحش البطالة. وسنخفض أجور السكن، هذه المشكلة المرعبة يضطر العامل فيها إلى دفع 20 - 30% من أجره إلى الرأسمالي بمئابة أجرة سكن. كما أننا سنعمل على تأمين الطاقة الكهربائية، وكل مصادر الطاقة الأخرى. بالإضافة إلى تأميم شركات الاتصال والبرق. عندها نشرع في تصنيع البلد، والدستور يستعيد مضمونه الصحيح وفاعليته. من أجل ذلك سيكون إلى جانبنا كل الشعب الكوبي. وإذا استشهدنا، سيرفع الآخرون سلاحنا، ويستمرون في الطريق، مثلما نسير نحن على درب النضال التحرري الذي سار عليه خوسيه مارتي ورفاقه. لقد صاغ خوسي مارتي المبادىء النظرية الأساسية، وقام بتعميق فكر سيمون بوليڤار حول أميركا اللاتينية، من أنها جوهرياً أمة واحدة. وأشار أيضاً إلى أن النضال في كوبا متمم لنضالات شعوب أميركا اللاتينية الأخرى. كما حذّر من خطورة التبعية للولايات المتحدة، لأنها تهدد حرية كل بلدان أميركا اللاتينية. وتبعاً لروح هذه المبادىء نكمل المسيرة).

ويرفع جيفارا شعاره (إما الوطن وإما الموت)؛ فيقول: (أنا على استعداد للقتال ضد الطغاة في أي بلد كان. ولمَ لا يكون هذا البلد كوبا؟).

إن هذا الاستعداد المطلق للتضحية عابر للحدود يختزل الشغف الأممي الذي ميز جيفارا وكاسترو، واللذين لم يريا في كوبا نهاية المطاف، بل مجرد شرارة انطلاق لتطهير القارة بأكملها من هيمنة الاحتكارات الأجنبية. إنها صياغة عملية لفكرة "الجسد الواحد" في مواجهة الطغيان، حيث تصبح جبهات القتال مترابطة، وتغدو نصرة المظلوم واجباً أخلاقياً لا يعترف بحدود الجغرافيا أو الهويات الضيقة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق