أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

لأنك الله (رحلة إلى السماء السابعة) علي جابر الفيفي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

لأنك الله (رحلة إلى السماء السابعة)

علي جابر الفيفي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: لا شك أن صلاح القلب في أن يحصل له وبه المقصود الذي خلق له، من معرفة الله وحُبِّه وتعظيمه؛ وفساد القلب في ضد ذلك، قال ربُّنا: {فأعرض عمَّن تولى عن ذكرنا ولم يُرد إلا الحياة الدُّنيا ذلك مبلغهم من العلم}، ولذا قيل: من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.

ولأن القلب هو الوعاء الذي تجتمع فيه العواطف: الدافعة؛ كالحب. والرادعة: كالخوف والخشية والكراهية. والممجدة؛ كالإعجاب والتعظيم والإجلال. فإن العناية به وبالمعاني الواردة عليه: من أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى، سيما العقائد الإيمانية، والتعلقات الأسمائية والصفاتية، التي تزيد القلب طمانينةً وإيماناً وقُرباً من الله تعالى.

وهذا الكتاب هو كلمات نافعة عن أسماء الله تعالى، تذكرنا بقدرته وهو القوي، وبفضله وهو الرزّاق، وبقهره وهو الجبّار، وبعلمه وهو العليم، لكي يكون القلب مُتعلقاً بخالقه وربّه ومولاه، حُبّاً وخوفاً ورجاءً، ليطوي كل مراحل الأحزان والوساوس والكروب، أملاً في ربٍّ لا ينسى عباده، وفي حكيمٍ الذي لم يخلقهم عبثاً أو سُدىً، لينطق القلب قبل اللسان: آيبون تائبون عابدون، ولربنا حامدون.

سهرت أعين ونامت عيونُ ** في شؤون تكون أو لا تكونُ

إن ربّا كفاك ما كان بالأمس ** سيكفيك في غد ما يكونُ

فالله سبحانه تعرّف إلى عباده بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والتي انطوى كل واحدٍ منها على معنىً إلهيٍّ خاص، له هيبته وجلاله، كما أن له حضوره وجماله؛ ليكون الرفيق والأنيس والصاحب: وقت التيه، والضياع، والاختناق، والكآبة، كما أنه العون والمدد والثناء حال الرخاء والدعة والاطمئنان. ففي كل لحظات حياتك أنت بحاجة إليه، فإن لم ترجع إليه اختیارًا رجعت إليه اضطراراً.

ندعوه في البحر أن ينجيْ سفينتنا ** فإن وصلنا إلى الشاطي عصيناهُ

ونركب الجوّ في أمن وفي دعة ** فما سقطنا لأن الحافظ اللهُ

فالعلاقة بالله سبحانه وتعالى، هي علاقة إيمان، ويقين، وعبادة، وخضوع، ممزوجة بالأُنس في صحبته، والسعادة في عبادته، والتنعُّم بذكره، والهناء بفضله ورحمته، ومن رحمة الله بعباده، أنه يسوقهم بالحاجـات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية. ليسمع نداءهم وثناءهم ودعاءهم. فمن وجد الله وجد كل شيء، ومن فقده فقد كل شيء. فكلمة (الله) وحدها كفيلةً بإسكات أكبر الآمال الكاذبة في الحياة.

لأنّك الله .. لا خوفُ ولا قلقُ *** ولا غروب .. ولا ليل .. ولا شفقُ

لأنّك الله .. قلبي كلّـــــــه أملُ *** لأنّك الله .. روحي ملؤها الألقُ

جَاءَ شَيْخٌ أَعْرَابِيٌّ اسْمُهُ الحُصُينُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَسَأَلَهُ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كَمْ تَعْبُدُ يَا حُصَينُ؟ فَقَالَ: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ فِي الأَرْضِِ وَوَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ لِرَهْبِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ لِرَعْبِكَ؟ قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: فَاتْرُكْ الَّذِينَ فِي الأَرْضِ وَاعْبُدْ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَأَسْلَمَ الحُصَيْن.

وإذا العناية لاحظتك عيونها ** نم! فالمخاوف كلّهنّ أمانُ

فإذا كُنت تبحث عن الهداية، والحفظ، والإعانة، واللطف الإلهي، فافتح قلبك لهذا الكتاب، وكما يقول المؤلف: (إذا التجأت لفلان من الناس صباحًا قد يغلق بابه دونك في المساء.. إذا نصرك على زيد قد لا ينصرك على عمرو.. وإذا أعطاك اليوم فسوف يمنعك في الغد.. أما الله .. فلا! ﴿هُوَ اُلْحَىُّ لَاّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاَدْعُوهُ﴾).

وفي حديث ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللّهَ)؛ ما دام أن هناك حاجة تستحق السؤال؛ فليكن الله هو من تسأله! ونقل أبو حامد الغزالي- عن أحد العارفين ضمن حديثه عن اسم الله الأعظم، أنه قال: فرّغ قلبك من غيره ثم ادعه بأي اسمٍ يجبكَ. فحيث تنطلق الدعوات بـ (يا رب) يجيء الفرج، والحفظ، والعفو، واللطف، والمغفرة.

وقال بعض الصالحين: جميع أسماء الله للتخلُّق إلا اسمه (الله) فإنه للتعلُّق. فإذا أردتَ شيئاً فاستجمع قلبك، وتوجَّه إليه بكليّتك، واصمد إليه بقلبك وروحك وتفكيرك وجسدك وإرادتك، وأحلامك وأوهامك.. فلا عبور لأي رغبة إلا من طريق الله، ولا وجود لأي حاجة إلا في ساحة الله، بل لا إمكانيّة لحدوث شيء إلا بالله، فإنّه وحده الذي لا حول في الوجود ولا قوّة إلا به.

الله .. والتهب الفؤاد حرائقًا ** ارحم لهيب الحبّ في نبَضاتي

الله .. واندفعت حروفي لهفة ** ارحم شعور الحبّ في أبياتي

الله .. واضربت دموعي خشية ** ارحم أنين الحبّ في دمَعاتي

أما لو طلبت من غيره؛ فقد لا يجيبك، أو قد يجيبك ولكن يتأخر في تلبية طلبك، أو يلبيه ولكن ناقصا، أو يلبيه كاملا لكن مع ملعقة إهانة، وقد لا يهينك ولكنّ نفسك تنكسر له .. لكن الله تعالى يُجيبك ويُثيبك ويرفع من شأنك.

لغيرك ما مددت يدا ** وغيرك لا يفيض ندى

وليس يضيق بابك بي ** فكيف ترد من قصدا

وركنك لم يزل صمدا ** فكيف تذود من وردا

ولطفك يا خفي اللطف ** إن عادي (الشرور) عدا

وقال بعضهم في تفسير قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) الأسماء تبع المسمى. واسم الله الأعظم الذي له الرتبة العليا بين الأسماء والصفات هو (الله)؛ لأن استجماعه للأسماء استجماع الكل في الأجزاء. وقد سئل أبو جعفر: هل يقال عن الله شيء؟ قال: نعم، يخرج به عن الحدين، التعطيل والتشبيه.

وفي كل شيء له آية ** تدلّ على أنّه الواحد

وأضع هنا فائدة نفيسة، وهي ما قاله الحافظ ابن رجب: (فمن أطاع اللّه واتقاه وحفظ حُدُوده في حياته؛ تولّاه اللَّه عند وفاته وتوفَّاه على الإيمان وتَجْتَهُ بالقول الثابت في القبر عند سؤال الملكين، ودفع عنه عذاب القبر، وآنس وحشته في تلك الوحدة والظلمة .. وأما من لم يَتعَرّف إلى اللَّه في الرخاء، فليس له من يغرِفه في الشِّدّة لا في الدنيا ولا في الآخرة. وشواهد هذا مشاهدة حالهم في الدنيا ، وحالهم في الآخرة أشد، وما لهم من اللَه من ولي ولا نصیر) اهـ. (نور الاقتباس- ص، ٧٥ - ٧٧).

وكِم لله من لطفٍ خفيّ ** يدقّ خفاه عن فهم الذكيّ

وكم أمر تساء به صباحا ** فتأتيك المسرّة في العشيّ

إذا ضاقت بك الأحوال يومًا ** فثق بالواحد الفرد العليّ

أما عن اهمية هذا الكتاب؛ فيُحدثنا الفيفي عن ذلك؛ فيقول: (باب أسماء الله الحسنى باب إيمانيّ عظيم، يدلف العبد من خلاله إلى عالم قدسي خاص، يجعل النفس تسجد تعظيمًا، والروح تتبتّل خشوعًا وحبًّا ..).

أما غرضه من تأليفه: (وقد أردت من هذا الكتاب الدلالة على الله سبحانه، والإشارة إليهِ بالقليل مما لديهِ، وتذكير نفسي وإخواني بأنّه على كل شيء قدير، وأن فضله كبير، وأنّه سبحانه السميع البصير .. وأردت أن أربت بهذه الكلمات على أكتاف أتعبتها الأوجاع، وأمسح بها على رؤوس صدّعتها الآلام، أردت أن أواري بأحرفي الدموع، وأن أطفئ لهيب الضلوع).

_______________________________________________

مقتطفات من الكتاب

(الصمد)

إذا كان الضعف قد بنى حولك سجنًا ضيقًا لا تستطيع الخروج منه! 

إذا حاصرتك الحاجات، وداهمتك الخطوب، والتفّت من حولك الهموم، وأخذت روحك في الهرب إلى المجهول! فأنت ساعتها بحاجة إلى أن تصمد إليه ..

اسم الله (الصمد) سيمدّك بكل ما تحتاجه لتكون قويّا في هذه الحياة، وتجابه واقعك بشموخ، وتتجاوز عقدك بعزيمة! .. ابدأ مع الصمد عهدًا جديدًا، ثم ثق أنّ الغد سيكون أفضل من اليوم .. وبكثير !!

(اللهم اصمد قلوبنا إليك، واجعلنا لا نطلب غيرك ولا نسال سواك ولا نستغيث بأحد من خلقك يا الله)!

(الحفيظ)

إذا شعرت أن حياتك في خطر، أو أن المرض يهدد صحّتك، أو كان ابنك بعيدًا عنك وقد خشيت عليه من الضياع أو رفقاء السوء، أو أن مالك الذي جمعته قد بات قاب قوسين أو أدنى من التبدد والتلف … فاعلم أنّك بحاجة إلى أن تعلم أن من أسماء ربّك سبحانه (الحفيظ)، وأنّه ينبغي عليك أن تجدد إيمانك بهذا الاسم العظيم، وأنّه قد جاء الوقت المناسب لتتفكّر فيه وتتأمّل ..

فهو وحده من يحفظ حياتك، ويحفظ صحّتك، ويحفظ أبناءك، ويحفظ مالك، ويحفظ كل شيء في هذه الحياة!

(اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، واجعل من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا حفظًا منك تنجينا به مما نخشى ونحاذر ..)!

(اللطيف)

هل لديك أمانٍ بعيدة المنال، بينك وبينها أهوال؟ هل أخبرك الأطباء أن لا أمل في شفاء قريبك؟

هل تشعر باليأس لأن ما يمكنك أن تفعله لن يأتي إليك بما تتمنی حصوله؟

إذن تعال معي لنتعرّف إلى اسم الله (اللطيف) والذي ستكتشف إذا ما تأمّلته أن لا مستحيل في هذه الحياة، وأن الله قادر على كل شيء، وأن أحلامك المستحيلة ستغدو ممكنة التحقق إذا ما طرقت باب اللطيف!

(اللهم يا لطيف الطف بنا، والطف لنا، وقدّر لنا من ألطافك الرحيمة ما تقوّم به عوج نفوسنا، وتهدي به ضال قلوبنا، وتجمّل به شعث حیاتنا)

(العليّ) 

إذا شعرت يوماً بضآلة حجمك في هذا الكون الفسيح، أو داهمك شعور بالقهر من ذوي السلطة والنفوذ، أو تكالبت عليك الظروف لتشعرك بالدونية.. فاعلم أن لك رباً من أسمائه (العليّ). هو العلي فوق عرشه، العلي في قدره وقاهره، الذي بيده مقاليد كل شيء. عندما تستشعر علوّه سبحانه، تصغر في عينيك كبرياء الجبابرة، وتهون عندك عواصف الدنيا؛ لأنك تأوي إلى الركن الأعلى والأعظم. 

(اللهم يا عليّ يا عظيم، ارفع قدرنا، وأعلِ ذكرنا، واجعل تعلقنا بعلوّك سبباً في نيل رضاك وجنتك). 

(الشافي)

هل رضّتك الأوجاع؟ وأتعبتك الآلام؟ وأشعرك المرض أن الحياة رماديّة اللون؟ .. هل كرهت مراجعة الأطباء، وتعبت من السير في ممرات المستشفيات، واختلطت في عقلك أسماء العيادات، بتواريخ المراجعات، بأوجه المرضى؟.. إذن ما رأيك أن أطلعك على شيء يغسل روحك من عنائها وأتعابها؟ .. إنّه اسم الله (الشافي) ..

اسمح لنفسك المنهكة أن تلتقط أنفاسها قليلًا، لتقرأ عن الاسم الرحيم، هذا الاسم الذي ستعلم بعد أن تتفيّأ ظلاله .. فهو الذي یشفیك بسبب .. ويشفيك بأضعف سبب .. ویشفیك بأغرب سبب .. ویشفیك بما یُری أنّه ليس بسبب .. ویشفیك بلا سبب!

(اللهم یا شافي، اکتب شفاءك ورحمتك لکل روح ضعیفة، ولكل جسد منهك، ولكل قلب متعب إنّك سميع الدعاء).

(القدير) 

هل تظن أن أزمتك المستعصية ليس لها مخرج؟ هل أغلقت في وجهك الأسباب الأرضية وظننت أن الدائرة قد قُضيت عليك؟ تنحّ جانباً عن حسابات البشر القاصرة، وألقِ بقلبك في رحاب اسم الله (القدير). هو الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، يقلب المعادلات، ويغير الأقدار، ويصنع من الضعف قوة ومن العسر يسراً. مع القدير، تنتهي كلمة "مستحيل" من قاموس أمنياتك.

 (اللهم يا قدير، بقدرتك التي حفظت بها السموات والأرض، غيّر أحوالنا إلى أحسنها، واقضِ حاجاتنا التي تعجز عنها حيلتنا). 

(الوكيل)

هل تشعر بضعفك؟ وبأن الدنيا بتفاصيلها أكبر منك، وبأنّك ريشة في مهب ريح الحياة الصاخبة؟

هل تشعر أنّك طائر قُصّ جناحاه فهو خائر القوى، بحاجة إلى مساعدة؟

هل لديك أشياء تخشى عليها، وتريد أن تجعلها في عُهدة من لا تضيع لديه الأشياء؟ سواء كانت هذه الأشياء: أبناء أو مالًا أو صحّة أو حياة؟

إذن: فادلف إلى أنوار اسم الله (الوكيل) .. ابدأ بالتعرّف من جديد على هذا الاسم الجليل، غُصْ في أغوار معانيه، أرح نفسك من ضعفها، وقلقها، واستيحاشها بأن تجعلها تتفيّأ ظلال (الوكيل) ..

(اللهم اجعلنا متوكلين عليك، ملتجئين إليك، اغمرنا بالإيمان بك، واجعل هذا الإيمان يغسلنا من التعلّق بكل ما هو دونك يا رب ..)

(الشكور)

من المؤكّد أنه قد سبق وأسديت لأحدهم معروفًا ثم تنكّر لك؟ نسِيَك مباشرة! لم ينعكس ذلك المعروف على صفحات وجهه! بقي مقطّبًا كما كان!

تجربة مؤلمة ولا شك .. الحياة مليئة بهؤلاء الذين لا يعرفون كلمة: شكرًا .. ولا يتقنون النطق بعبارة: أحسن الله إليك، وتعتبر الابتسامة لديهم من علم الغيب!

دعهم، فعمرك أقصر من أن تضيّعه في لومهم، أو التفكّر في مملكة النُكران التي قرروا العيش فيها! وانصرف إلى (الشكور) سبحانه، لتحيي أزاهير قلبك التي حطّمها هؤلاء ..

(اللهم أوزعنا أن نشكر نعمك .. واجعلنا لك ذاكرين، ولنعمك شاكرين .. واهدنا لأعمال تجزل لنا عليها الشكر یا شکور یا حمید).

(الجبَّار)

هل هشّمتك الظروف؟ وتواطأت ضدّك الكروب؟ وتكالبت عليك الأزمات؟

هل غيّر الفقر ملامحك؟ وأجدبت الأمراض حقولك؟ وجعلك اليُتم تبدو ضئيلًا؟ وأحاطت بك النظرات المُهينة؟ .. روحك المنكسرة، قلبك المهشّم، أنفاسك الضعيفة تحتاج إلى من يجبر التهشّم والضعف والانكسار؟ لماذا لا تتعرّف على اسم (الجبّار) لتجبّر بمعانيه الرحيمة كسورك؟ وتضمّد بظلاله جروحك؟ وتهدّئ بنسائمه عواصف روحك الهوجاء؟

(اللهم اجبر كسر قلوبنا، وكسر أرواحنا، وكسر أجسادنا، إنّك على كل شيء قدیر).

(الهادي)

هل أكلتك الحيرة؟ هل تشعر أن عقلك أعجز من أن يحددلك الصواب من الخطأ، هل عُرضت عليك وظيفتان لا تدري أيّهما أنسب لك؟ هل تزاحمت في عقلك مميزات فتاتين لا تدري أيهما تتزوّج؟ بل هل تعبت من درب الضياع وتريد أن يمنّ الله عليك بأن يدلّك إلى طريق النور والهداية؟ 

أنت إذن مهيّأ لبداية عهد جديد مع اسم الله (الهادي) .. أنت تحتاج أن تتعرّف إلى هذا الاسم العظيم، أن تسترشد الهادي سبحانه ليوقف في نفسك جيوش الحيرة، ويهديك إلى الصراط المستقيم!

(اللهم ارزقنا هداية من عندك تنتشلنا من صحراء التيه، وتوصلنا إليك، وتدخلنا بها جنّة عرضها السماوات والأرض).

(الغفور)

إذا كنت قد تعبت من ذنوبك وخطاياك، وشعرت أن شؤمها قد نغّص عليك حياتك، وأن ظلامًا وقتامة قد أطفأت في عينيك بهجة أيامك ولياليك، وأنّك ما عدت تستلذ بصلاتك، ودعائك، وعبادتك؛ فاعلم أنّ الوقت قد حان لتدلف إلى عالم الأنس والمغفرة، متلمّسًا معاني الغفران والتجاوز في اسم الله (الغفور).. 

أنت الآن بحاجة إلى أن تفهم معنى المغفرة، وكيف أنّ ربّك غفور وغفّار، ومدى حاجتك لهذه المغفرة في جميع أدوار حياتك ..!

(اللهم اغفر ذنوبنا كلها، دقها وجلّها، أولها وآخرها، واجعلنا ممن يجدون في صحائفهم استغفاراً كثيراً).

(القريب)

أتشعر بالوحشة؟ هل خذلك صديقك الحميم؟ هل تحسّ أن بينك وبين أعز الناس حجابًا مستورًا، فلم يعد يفهمك كما كان من ذي قبل؟ هل روحك تأنّ شوقًا إلى حبيب تبثّ إليه لواعجها؟ ما رأيك أن تدع هذا الحبيب، وذلك الصديق، وتنصرف إلى الذي لا يجفو من أتاه مقتربًا؟

الله الذي هو أقرب إليك من حبل الورید، والذي ستغدو حياتك أنسًا وسعادة معه، له اسم عظيم، موغل في الجمال، مكلل بالبهاء، اسم (القريب) .. فلنتعرّف على معاني هذا الاسم لنستشعر قربه منا، ولنتذوّق طعم مناجاته في ليالي الوحشة ..

(اللهم يا قريبا ممن دعاك ورجاك، اكتب لنا قُربًا من رحمتك وهدايتك، قُربًا تؤنسنا به، وتذهب عن أرواحنا وعثاءها، وتدخلنا به الجنّة).

(الرحيم) 

عندما تضيق بك مساحات الخطأ، ويلاحقك شعور بالتقصير والوجل من الحساب، تذكر أنك تتعامل مع (الرحيم). رحمته وسعت كل شيء، يسوق إليك النعم دون أن تطلبها، ويجنبك النقم وأنت لا تشعر، يرحم أنينك في الظلمات، ويقبل أوبتك بعد الذنوب. إن عيشك في ظلال هذا الاسم يملأ روحك بالطمأنينة ويجعلك تقبل على الطاعة حباً وشوقاً لا خوفاً فحسب.

 (اللهم يا رحيم، ارحم ضعفنا، واغفر زللنا، وتولّنا برحمتك الواسعة في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين). 

_______________________________________________

بعض القصص أوردها المؤلف في كتابه

(عبد الله القصيمي)

عالم اسمه (عبد الله القصيمي)، يؤلّف كتابًا يدافع فيه عن دين الله اسمه (الصراع بين الإسلام والوثنيّة) قيل عنه -مبالغة- إنّه دفع به مهر الجنّة! وأُثني عليه من منبر الحرم، ثم بعد ذلك بسنوات تطرق أصابع الزيغ قلبه - والعياذ بالله- وتبدأ الشبهات تنسج حول أفكاره بيوت الشك! ثم تغدو المسلّمات ممكنات، والحقائق آراء، وتحت تلك الشبهات ومن بين أكوام الضلال يمسك قلمه ويؤلف كتابًا يهاجم فيه الإسلام اسمه: (هذي هي الأغلال)، يقول: إن دين الله آصار وأغلال وقيود! نعوذ بالله من الخذلان!

(قصة اغتيال الشيخ عائض القرني)

شاهدت وبذهول المقطع الذي تظهر فيه حادثة محاولة اغتيال الشيخ عائض القرني في الفلبين، وكيف أن المجرم وجّه إلى صدر الشيخ عائض ستّ رصاصات من مسافة متر تقريبًا، ولا حائل بين الطلقات والشيخ، والقاتل يبدو أنّه محترف، ولا توجد مقاومة من الشيخ أو من مرافقيه .. ثم يخرج الشيخ من تلك المحاولة الآثمة سليمًا معافئ !! وأتذكر كيف أن طلقة واحدة ومن مسافة بعيدة، أودت بحياة الرئيس الأمريكي جون كندي مع أن سيّارته كانت تتحرّك، وحوله الحرس والجنود!

ثم يعلن الشيخ أنّه كان قد ذكر الله، وحصّن نفسه بالأدعية! هذه الحادثة درس متكامل بل كتاب من عدّة أجزاء في معنى اسم (الحفيظ)!

(عبد الله السّميط)

ومن يقرأ قصّة الشيخ عبد الرحمن السميط كخلّفهُ في سفره إلى أفريقيا للدعوة ونشر الدين وكيف أنّه خاض المستنقعات والوديان الموحشة في مجاهل القارة السوداء، وجاع وعطش ومرض، ومع ذلك لم يمسسه سوء، بل ظل خمسًا وعشرين سنة في طريقه اللاحب الذي اختاره لنفسه، ثم مات في الكويت على السرير! من يقرأ قصّة السميط يعرف معنى الحفيظ ..!

(سعيد بن جُبير)

سعيد بن جبير أمسك به جنديان من جند الحجاج، وبينما هم في الطريق إذ نزلت الأمطار وألجأتهم إلى صومعة راهب، فرفض سعيد أن يدخلها رفضاً قاطعاً، تنزّها أن يلج مكانًا يعبد فيه الله على ضلالة، فتركاه في الأسفل وصعدا، فإذا بأسد يقترب من سعيد فيصرخون به من الأعلى أن اهرب، فلا يحرّك سعيد ساكنًا، بل يظلّ في عالم من الذكر دافئ، فيقترب الأسد أكثر، ثم يصل إلى سعید، وكأنّه يهمس له همسا ثم ينصرف، والجنديان ينظران بخوف والراهب ينظر بعين أخرى ويقول: هذا وليّ من أولياء الله!

(الطفل المُصاب بالسّل)

ومن أغرب ما قرأت أن طفلًا مصابًا بالسل وأمراض أخرى، زعم الأطباء أن موته قد شارف، وأذنوا لوالده أن ينقله معه إلى الريف ليستمتع في آخر أيّامه بهواء الريف العليل ومناظر الحقول الطبيعية، وبينما هو يمشي وبيده قطعة كعك باردة؛ إذ لقيه رجل طاعن ونظر إلى عينيه الذابلتين وسأله: هل تريد الحياة يا بُني؟ فهزّ رأسه أن نعم، فقال: كيف تحصل على الحياة وأنت تأكل طعامًا ميّتًا؟

عليك بالطعام الحيّ، اللحوم والخضروات وكل ما خلقه الله في الطبيعة وما زالت حرارة التراب فيه وأثر الحياة عليه! .. يقول الطفل فنزلت نصيحة ذلك الرجل من قلبي منزل التصديق والانصياع، فصرت لا آكل إلا الطعام الحي، الطعام الذي يحمل في داخله حيويّة الحياة النابضة، اللحوم بأنواعها، والخضروات بأشكالها، والخبز الحار قريب العهد من الحقل، والفاكهة الناضرة، يقول: فتحسّنت صحّتي وتورّد جسمي، مما حدا بأبي أن يذهب بي إلى المستشفى.

وبعد كشوفات وتحاليل فغرت أفواه الأطباء .. المرض لم يعد له وجود !! يحكي هذه القصة نفس الطفل بعد أن كبر وأصبح من أشهر المعالجين بالغذاء في العالم إنّه (جايلورد هاوزر) في كتابه (الغذاء يصنع المعجزات).






فلسطين التاريخ المصور د. طارق محمد السويدان بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

فلسطين التاريخ المصور 

د. طارق محمد السويدان

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: إن التاريخ نورٌ ينفذ من الماضي إلى المستقبل، وإذا كان الحديث عن تاريخ فلسطين؛ فهذا يعني الحديث عن تاريخ البشرية تقريبًا، لأنها (أعني فلسطين) قبلة العالم، ومبتدأ التاريخ ونهايته، وقد غدت فلسطين نموذجًا واقعيًّا للمبادئ الرصينة العادلة التي وضعها سيدنا عمر بن الخطاب في سبيل تعايش الناس جميعًا في أمان وطمأنينة، مهما اختلفت أجناس الناس وأديانهم.

ويشرح هذا الكتاب كيف حققت هذه المبادئ العالية: أركان الطمأنينة والسلام للناس جميعًا، حيث أرسى هذه المبادئ المعتمدة على أساس العدل والتسامح السلطان صلاح الدين الأيوبي، ثم جميع السلاطين العثمانيين حتى آخر عهدهم، فعاش أتباع المذاهب والأديان والطوائف جميعًا في أمن واستقرار داخل القدس، عندما كانت تحت حکم المسلمین.

وهذا الكتاب يتناول تاريخ فلسطين الزاهر، لا سيما مدينة القدس، ومحاولات اليهود للتوطن في القدس في العهد العثماني، وعرض الکتاب إجمالاً حیاة الأنبیاء الذین عاشوا في تلك البلدة بحلوها ومرها. وتميزت فلسطين عن غيرها من البلدان بأنها بوابة الأرض إلى السماء، فكثير من الأنبياء أُوجي إلیهم في هذا المکان المقدس، ومنهم: سیدنا إبراهیم وداود ویحیی وزکریا ویوسف وعیسی عليهم السلام، كما عُرج بخاتم الأنبياء والمرسلین سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى السموات العلى من المسجد الأقصى بالقدس، وبذلك تكون فلسطين، وبالتحديد (القدس) المكان المقدس عند المسلمين والمسيحين واليهود.

فالقدس عند المسلمين هي ثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة، كما ورد ذكرها في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وصفت بقعتها بأنها الأرض المباركة والمقدسة، أما عند المسيحيين؛ فهي موطن ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، حيث رُفع منه إلى السماء، وهناك دفنت السيدة مريم، وفيها كثير من المعابد المسيحية المهمة عندهم.

أما عند اليهود فهي كما ذُكر في التوراة هي: "أرض الميعاد"، ومركز الکون، وهبة الله تعالی لبني إسرائیل؛ ویوم جاء الیهود من مصر مع سیدنا موسى عليه السلام، بدؤوا بتأسيس دولتهم في فلسطين في زمن سيدنا يوشع بعد موسى علله السلام، ثم طُردوا منها أول مرّة على يد المملكتين الآشورية والبابلية، ثم الإمبراطورية الرومية، فعاشوا مشتتين في الجينوات "حارات اليهود المنعزلة" وفي البلدان التي هاجروا إليها.

وقد قام الیهود الذین يدعون أنهم "شعب الله المختار" بإحياء قوميتهم وهويتهم الدينية ومثلهم العليا في تعنت وتعصب، على اعتقاد أنهم سيجتمعون تحت "نجمة داود" ذات الست زوایا في أرض المیعاد، ومن أجل هذا الاعتقاد خاض الیهود کثیرًا من المعارك لاتخاذ القدس موطنا لهم، منذ قديم الزمان وفي عهد آل عثمان بل حتی الآن.

وقد رأينا كيف ضاعت فلسطين بالكسل والتخاذل وضياع القيم، وكيف باع الاتحاديون الأراضي التي رواها أجدادهم بدمائهم بثمن بخس، وارتشى العاملون في الدولة وساعدوهم على بيعها! وإلى الله وحده المشتكى في ضعف شوكة المسلمين، بعد أن صار أمرهم إلى سواهم، يتساوم الناس في مصيرهم، ويتقاسمون أحلامهم وأمنياتهم، فإليه وحده الشكوى، وهو المستعان في الحوادث والبلوى.

وقد تضمن هذا التاريخ المصور، قسمين إجمالاً:

أولاً: التاريخ القديم للقدس وفلسطين حتى العثمانيون:

ثانياً: التاريخ الحديث للقدس وفلسطين حتى الوقت الحاضر.

خلاصة ما في هذا الكتاب

1-الآثار تدل على أن أول من سكن فلسطين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد هم مجموعة قبائل تدعى بـ "النطوفيون"، ولهم آثار تدل عليهم، ولكن أحداً لا يعرف من هم؟ أو من أين جاؤوا؟ ولكن آثارهم هي أولى الآثار المشيرة إلى أول استيطان في أرض فلسطين.

2-أول ظهور حقيقي للسكان في فلسطين كان في القرن الثامن قبل الميلاد، وكانت أريحا هي أول المدن التي استوطنها البشر، وهي إحدى أقدم المدن في العالم.

3-وسجّل أول تاريخ مدوّن: أن ساكني فلسطين هم من العرب "الكنعانيين، و"الآموريين"، أما اليهود فلم يكن لهم ذكر في هذا التاريخ، بل ورد أول ذكر لهم بعد ذلك بقرون -على ما سيأتي من بيان تاريخي متسلسل. 

4-ومن بين القبائل العربية الأوائل التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ فلسطين؛ "الفينيقيون" الذين سكنوا السواحل وبرعوا في ركوب البحر والتجارة، و"اليبوسيون" وهم بطن من بطون الكنعانيين، وهم البناة الحقيقيون لمدينة القدس وأول من أرسى قواعدها وأطلق عليها اسم (يبوس)، مما يؤكد الهوية العربية للمدينة قبل ظهور اليهود بقرون طويلة. 

5- ويعود اسم "فلسطين" إلى شعوب أخرى جاءت من جزر البحر المتوسط، وخصوصاً من جزيرة "كريت" وهي جزيرة معروفة ومشهورة، ثم اختلطت هذه الشعوب بالكنعنانيين واليبوسيين، وقد أثبتت جميع الآثار والكتب التاريخية والمقدسة وكتب الغربيين على أن سكان فلسطين الأصليين هم "الكنعانيون" و"اليبيسيون"، وبينما سكن الكنعانيون واليبوسيين أواسط وشمال فلسطين، سكن البلستيون المناطق الجنوبية منها.

6-وأول من سكن فلسطين من بني إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وابنه يوسف، وكان قد هاجر إليها، ولم تكن مسقط رأسه، ثم خرج منها إلى مصر هو والأسباط الاثني عشر، وتوزعوا في أنحاء البلاد.

7-كانت الهجرة الأخرى لليهود إلى فلسطين هي هجرة موسى عليه السلام حين هاجر بقومه بني إسرائيل من مصر تخليصاً لهم من فرعون وجنوده، وهكذا نرى أن اليهود ما كانوا يدخلون فلسطين إلا مهاجرين، أما أهل البلاد الأصليون فهم "الكنعانيون"، لكنهم لم يدخلوها بسبب فجورهم ومعاصيهم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وقضى الله عليهم بالتيه في صحراء سيناء، حتى مات أكثرهم.

8-وفي هذا التاريخ ١١٨٦ قبل الميلاد- قادهم "يوشع بن نون" عليه السلام نحو الأرض المقدسة، فذهبوا إلى فلسطين ولم يذهبوا إلى بيت المقدس في أصح الروايات، وقد أخطا بعضهم إذ ظن أنهم فتحوا بيت المقدس، وإنما ذهبوا إلى "أريحا"، وهناك كانت المعركة بينهم وبين العمالقة الجبارين المذكورين في القرآن، وكانوا من "الكنعانيين"، ففتح بنو إسرائيل "أريحا" وسكنوها.

9-وبقوا كذلك حتى أتى زمان الملك الكنعاني  "جالوت" الذي حكم بيت المقدس، وكان بنو إسرائيل المنهزمون الممزقون والمشتتون بلا حاكم يجمعهم في اسوأ حال، فقالوا وقتذاك: أعد لنا عزَنا ومجدنا، وارفع عنا الذل الذي نعيش فيه، ابعث لنا ملكاً نسير وراءه ليحقق لنا النصر، فقال لهم نبيهم: إن الله اختار لكم طالوت ملكاً جديداً. لكنهم عصوه وعاندوه، ثم لما التقى الجمعان خرج "داود" وهو ابن ستة عشر سنة، وقتل "جالوت" عندما رماه بالمقلاع، وانهزم جيش العماليق.

10-بعد هذا النصر تزوج "داود" ابنة "طالوت"، وفي عام ١٠٠٤ قبل الميلاد توفي الملك"طالوت" فاختلف بنو إسرائيل وانقسموا على أنفسهم فتبع قسم منهم ابن "طالوت"، وتبع القسم الآخر "داود" عليه السلام تنفيذاً لوصية ملكهم السابق، وقد كان أحق بالملك منه. وكانت أول مملكة لبني إسرائيل تحت إمرة "داود" عليه السلام.

11-وفي العام ٩٦٣ قبل الميلاد توفي داود عليه السلام، وتولى من بعده حكم الدولة اليهودية ابنه "سليمان" عليه السلام، وهو النبي المشهورة قصصه في القرآن الكريم.

12- وفي العام ٥٦٢ قبل الميلاد، توفي "نبوخذ نصر"، الذي دمر المملكة اليهودية كما وساق منهم أربعين ألفاً إلى بابل، وفر الباقون إلى مصر، ولم يتبقى منهم إلا النزر البسير في فلسطين حسب اصح الروايات، وانتهى بذلك الوجود الحقيقي لليهود في فلسطين، وفي بابل عاش اليهود عبيداً وخدماً عقوداً من الزمن، فكانوا في ذل، ووضع لا يحسدون عليه، لذلك فإن اليهود يعتبرون"نبوخذ نصر" لعنة عليهم وعلى وجودهم في فلسطين.

13- وفي عام 740 قبل الميلاد، خضعت فلسطين للسيطرة الآشورية (الحكم العراقي الأول)، ثم تلاهم البابليون، ولم يدم الأمر طويلاً حتى سقطت المنطقة تحت الحكم الفارسي عام 539 ق.م بعد أن سمح كورش لليهود بالعودة بشرط الخضوع له، وظل التداول السياسي مستمراً حتى اقتحم القائد الروماني "بومبي" القدس عام 63 ق.م، لتدخل فلسطين في العهد الروماني، وهو العهد الذي شهد بعثة عيسى عليه السلام ومحاولات اليهود المعهودة في الدس والمؤامرات. 

14- ومع مطلع القرن السابع الميلادي، بزغ نور الإسلام في الجزيرة العربية، وشهد عهد النبي ﷺ محطة مفصلية بربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى في رحلة "الإسراء والمعراج"، وبدأت التوجيهات النبوية تتجه صوب الشام، فكانت غزوة تبوك وسرايا البعوث كجيش أسامة بن زيد، تمهيداً لفتح هذه الأرض المباركة وتطهيرها من حكم الروم البيزنطيين.

15-ثم دخلت الإسلام فلسطين بعد سلسلة الفتوحات التي طالت مصر وأطراف الشام والعراق، وذلك سنة 18 هـ، ودخل عمر بن الخطاب القدس، وأعطى الأمان للنصارى فيما عُرف بالعهدة العُمرية. ثم تولى إمارتها معاوية بن أبي سفيان بعد فتحها، وبقي عليها إلى أن تولى الخلافة، ومات وهو فيها.

16-وفي عهد الخلافة الأموية، قام عبد الملك بن مروان ببناء الأقصى، بينما بنى ابنه سليمان مدينة الرملة، وفي العهد العباسي ساد التسامح بين أبناء الديانات المختلفة في الأرض المقدسة، ثم بعد ذلك سيطر الطولونيون على فلسطين وبلاد الشام، ثم الفاطميون، فالإخشيديون، ثم سيطر الأتراك على فلسطين وبلاد الشام.

17- وبعد تراجع نفوذ العباسيين، وقعت فلسطين تحت حكم الطولونيين والإخشيديين، ثم دخلت في حوزة الفاطميين (العبيديين)، حتى جاء "السلاجقة الأتراك" واستعادوا السيطرة عليها ليعيدوها إلى الخط السني، وفي تلك الأوقات المضطربة سياسياً، نشطت "حركة الإصلاح الديني" بقيادة علماء الأمة ومفكريها لإعادة إحياء روح الجهاد في الأمة، والتي كانت الأساس المتين الذي بُنيت عليه حركات التحرير اللاحقة. 

18-وفي العام 1088 م أعلن البابا "أوربان الثاني" قيام الحرب الصيلبية على المشرق الإسلامي، لأجل استعادة القدس وكنيسة المهد، التي فيها ميلاد المسيح، وفيها قيامته يوم الخلاص، وتمالأ معهم الباطنية (الحشاشين) والفاطميين، وفي العام 1096 م قامت حملة الأمراء لغزو المشرق الإسلامي، وبلاد الشام، واحتل النصارى فلسطين والقدس عام 1099 م.

19-بدأت دعوات العلماء في العالم الإسلامي تنشط لأجل استرداد القدس، وتحرير فلسطين من أيدي المجرمين، سيما بعد المذابح والمجازر التي قاموا بها، وبرز آنذاك نجم عماد الدين زنكي، الذي أخذ يُفكر بجدية في طريقة يسترد فيها القدس وفلسطين، وبدأ زنكي سلسة من الإصلاحات، وخاض معارك انتصر فيها بدءاً، تمهيداً لدخول فلسطين، لكنه مُني بالهزيمة في معارك أخرى نظراً للخيانات التي قام بها بعض الولاة المتحالفين مع النصارى، وتوجه إلى مصر، وأقام فيها حكماً عادلاً، وتولى وزارته صلاح الدين الأيوبي.

20-وبعد وفاة نور الدين زنكي عام 569 م، دبت روح التنازع والاختلاف في عضد الدولة الزنكية، وهذا الانشقاق بالطبع أفرح النصارى كثيراً، فبدؤوا يهجمون ويستعيدون القلاع والحصون التي أخذها نور الدين منهم، واختلت دولة الإسلام من جديد، ولما شاهد صلاح الدين في مصر هذه الأوضاع، نفد منه الصبر فما كان منه إلا أن أعلن نفسه حاكماً على بلاد الشام، وجعل نفسه وريثها مع أنه ليس من اسرة آل زنكي، فهو من الأيوبيين، فرفض آل زنكي هذا في الشام.

21-فقام صلاح الدين بتولية أخيه "العادل" مقاليد الأمور في مصر، وتوجه بأفضل قواته وفرسانه إلى الشام، فكان معه سبعمائة فارس من أشجع القواد، قطع بهم فلسطين إلى الشام، وبدأ يهاجم هذه الدويلات التي تشأت بعد نور الدين، فقام بعضهم بفتح الأبواب له وقبول حكمه، ورفض الأكثرون ذلك. ودخل صلاح الدين في قتال ضد النصارى من جهة، وضد آل زنكي من جهة أخرى، واستمر هذا الحال ١٢ سنة استطاع بعدها صلاح الدين أن يوحد الشام.

22- وفي العام 1187 م (583 هـ)، قاد السلطان صلاح الدين الأيوبي جيوش المسلمين في معركة "حطين" العظيمة، حيث سحق قوات الصليبيين وأسر ملكهم، وفتح ذلك النصر الباب لتحرير بيت المقدس في نفس العام، فدخلها في ذكرى الإسراء والمعراج، مطهراً المسجد الأقصى من دنس الاحتلال، وضارباً أروع الأمثلة في العفو والتسامح مع النصارى المنهزمين، على عكس ما فعلوه هم بالمسلمين عند دخولها أول مرة.

23- ولم يستسلم النصارى لضياع القدس؛ فجاءت الحملة الصليبية الثالثة ودارت "معركة عكا الخطيرة" التي استبسل فيها المسلمون، ورغم سقوط المدينة، إلا أن صلاح الدين واصل الصمود والتصدي لهم حتى أجبر ملك إنجلترا "ريتشارد قلب الأسد" على توقيع صلح الرملة عام 1192 م، والذي احتفظ فيه المسلمون بالسيادة الكاملة على القدس، ليرحل بعدها البطل صلاح الدين مجاهداً زاهداً لم يترك في خزانته ديناراً ولا درهماً. 

24-ولم تدم الفرحة طويلاً؛ إذ تفرقت الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين ودبت الخلافات بين أبنائه وإخوانه، واستغل الصليبيون هذا التنازع ليتحالف معهم بعض الملوك الأيوبيين ضد إخوانهم، مما أدى إلى سقوط القدس الثاني ثم الثالث في أيدي الفرنجة عبر مقايضات سياسية مخزية، حتى قيض الله للمسلمين "دولة المماليك" الذين استعادوا زمام المبادرة وطردوا الصليبيين نهائياً، وصدوا خطر المغول عن فلسطين في معركة عين جالوت الخالدة.

25- وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي (1516 م)، دخلت فلسطين تحت حكم "الدولة العثمانية" بعد معركة مرج دابق، وعاش أهل فلسطين عقوداً من الاستقرار والأمان، رُممت فيها أسوار القدس في عهد السلطان سليمان القانوني، وظل الحال كذلك حتى واجهت المنطقة حملة نابليون بونابرت الفرنسية التي انكسرت على أسوار عكا، ثم خضعت فلسطين مؤقتاً لحكم الخديوي محمد علي باشا وضُمت لمصر، قبل أن تعود للسيادة العثمانية مجدداً.

26- ومع أواخر القرن التاسع عشر، برز عهد السلطان "عبد الحميد الثاني" الذي واجه بكل حزم وبسالة أطماع الحركة الصهيونية وزعيمها "ثيودور هرتزل"، ورفض السلطان رفضاً قاطعاً بيع شبر واحد من أرض فلسطين لليهود مقابل سداد ديون الدولة العثمانية، قائلاً كلمته الشهيرة: "إن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين تبتر من الدولة الإسلامية"، مما عجل بائتمار القوى الغربية والصهيونية عليه والإطاحة به بإنهاء عهده.

27- ودخلت المنطقة أتون الحرب العالمية الأولى، حيث انخدع العرب بوعود بريطانيا الكاذبة، وقاد الشريف حسين "الثورة العربية الكبرى" ضد العثمانيين، لتكشف بريطانيا عن وجهها الاستعماري الحقيقي عبر اتفاقية "سايكس بيكو" ووعد "بلفور" المشؤوم عام 1917 م، فاحتل الإنجليز فلسطين، وبدؤوا بتسهيل الهجرة اليهودية وتمليك الصهاينة الأراضي وتمكينهم بسلاح المحتل.

28- وأمام هذا الخطر الداهم، اشتعلت الثورات وحركات المقاومة في فلسطين، وبرز دور المفتي الحاج "أمين الحسيني" في توجيه النضال السياسي والديني، كما ظهرت حركة الجهاد المسلح بقيادة الشيخ "عز الدين القسام" الذي استشهد مقبلاً غير مدبر، فكانت شهادته وقوداً لـ "الثورة الفلسطينية الكبرى" عام 1936 م، والتي زلزلت أركان الاحتلال البريطاني لسنوات، حتى انتهت الحرب العالمية الثانية وبدأت المؤامرات الدولية تتسارع لتقسيم فلسطين.

29- وفي عام النكبة 1948 م، خاض الفلسطينيون معارك بطولية استشهد فيها القائد "عبد القادر الحسيني" في معركة القسطل الشهيرة، واقترفت العصابات الصهيونية مجازر وحشية كمذبحة "دير ياسين" لبث الرعب وتشريد الأهالي، وفي مايو من نفس العام أعلن الصهاينة قيام "دولة إسرائيل" فور انسحاب بريطانيا، ودخلت الجيوش العربية الحرب لإنقاذ فلسطين لكن القيادات أوقفت الحرب بضغط دولي، مما أدى لضياع أجزاء واسعة من فلسطين وتحرك الإسلاميين والتنظيمات الفلسطينية من جديد لمواجهة الواقع المرير.

30- وتوالت المصائب في عام 1967 م بـ "النكسة الكبرى" أو كارثة 67، حيث نجح الكيان الصهيوني في توسيع رقعة احتلاله فالتهم بقية فلسطين (القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة) إلى جانب سيناء والجولان، مما فجر العمل الفدائي والتنظيمات المسلحة، ثم خاض العرب حرب أكتوبر 1973 م (العاشر من رمضان) وحققوا انتصارات أولية، لكنها انتهت بالدخول في مسارات السلام والاستسلام، مما أضعف حركة فتح وحركة المقاومة، وفتح الباب للاجتياح الإسرائيلي للبنان وارتكاب مذبحة "صبرا وشاتيلا" المروعة ضد اللاجئين العزل.

31- ورغم هذا الانكسار، انتفض الشعب الفلسطيني من الداخل عام 1987 م في "الانتفاضة الأولى" (انتفاضة الحجارة) بأهداف واضحة لإنهاء الاحتلال، لتبدأ بعدها مناورات "عملية السلام" بعد حرب الخليج واحتلال الكويت، وعُقد مؤتمر مدريد ثم اتفاق "أوسلو" الذي أسس للسلطة الفلسطينية، ورغم محاولات العالم لمحاصرة المقاومة التي قادها كتائب القسام وحزب الله، إلا أن العمل المقاوم استمر بالتطور حتى اندلعت "الانتفاضة الثانية" (انتفاضة الأقصى) عام 2000 م إثر تدنيس شارون للمسجد الأقصى، لترسم دماء الشهداء رؤية استراتيجية واضحة تؤكد في التحليل التاريخي والمستقبلي أن وجود هذا الكيان باطل وإلى زوال، وأن القدس وفلسطين ستبقى عربية إسلامية مهما طال الصراع.

32- إن المال هو الإله عند اليهود، ولذا  فهم يحكمون قبضتهم على منابع الثروات وأماكن الغنى والترف في العالم، ويسيطرون بخفاء- على رؤوس الأموال الضخمة والتجارة المزدهرة في شتى أنحاء العالم، ولا يجد الباحث عسير بحث ليتوصل بنفسه إلى هذه الحقيقة التي تكاد لا تخفى على أحد، وهذا يفند مزاعمهم بحب أرض فلسطين، وكونها أرضاً مقدسة لهم، فهم يعبدون المال، ويبيعون كل شيء من أجله حتى لو كانت مقدساتهم، والعدد القليل فقط منهم من يؤمن بهذا الدين المحرف وينقاد لتعاليمه وشرعته.

الباب الأول: فلسطين قبل الإسلام.

الفصل الأول: تاريخ فلسطين القديم:

1- السكان الأوائل للقدس وفلسطين.

  • الطوفيون.

  • الفينيقيون.

  • الكنعانيون.

  • اليبوسيون.

2- أصل اسم فلسطين.

الفصل الثاني: اليهود في فلسطين، وفيه:

  •  هجرة اليهود إلى فلسطين.

  • موسى عليه السلام واليهود

  • اليهود بعد موسى عليه السلام.

  • عهد داود وسليمان عليهما السلام.

الفصل الثالث: العراقيون والفرس والروم في فلسطين.

  • الحكم العراقي (الأشوريين  عام 740 ق. م)

  • الحكم الفارسي (عام 539 ق. م)

  • الحكم الرماني (عام 63 ق. م)

  • ظهور الإسلام وعهد النبيّ صلى الله عليه وسلم.

الباب الثانى، فلسطين فى العهد الإسلامي

الفصل الأول: عهد الخلفاء الراشدين

  • الفتح الإسلامي للشام.

  • فتح القدس.

الفصل الثاني: العهد الأموي والعباسي:

  • العهد الأموي.

  • العهد العباسي.

  • الفاطميون (العبيديون).

  • السلاجقة الأتراك.

  • حركة الإصلاح الديني.

الفصل الثالث: الحروب الصليبية:

  • بوادر الحروب الصليبية.

  • الحروب الصليبية.

  • سقوط القدس.

الفصل الرابع: حركة التحرير الإسلامية:

  • المحاملات الأولى.

  • آل زنكي العظماء.

الفصل الخامس: صلاح الدين الأيوبي

  • حكم صلاح الدين.

  • معركة (حطين) العظيمة.

  • تحرير بيت المقدس.

  • معركة (عكا) الخطيرة.

  • نحو القدس من جديد.

  • وداعاً صلاح الدين

الفصل السادس: بعد صلاح الدين:

  • تفرق الدولة الأيوبية.

  • سقوط القدس الثاني.

  • السقوط الثالث للثدس.

  • دولة المماليك.

الباب الثالث: العهد العثماني وحكم الإنجليز:

الفصل الأول: فلسطين في العهد العثماني:

  • العهد العثماني الأول.

  • الثورة الفرنسية وعهد نابليون.

  • الخديوي محمد علي باشا.

الفصل الثاني: عهد السلطان عبد الحميد الثاني:

  • السلطان يواجه اليهود.

  • هرتزل والحركة الصهيونية.

  • نهاية عهد السلطان عبد الحميد.

الفصل الثالث: الحرب العالمية الأولى وحكم الإنجليز:

  • حركة الشريف حسين.

  • الثورة العربية الكبرى.

  • بريطانيا تخدع العرب.

الفصل الرابع: الثورات وحركات المقاومة:

  • بروز الحاج أمين الحسيني.

  • بروز الشيخ عز الدين القسام.

  • الثورة الفلسطينية الكبرى.

  • الحرب العالمية الثانية.

  • الندوات والمؤتمرات.

الفصل الخامس: عام النكبة ١٩٤٨:

  • عبد القادر الحسيني في معركة القسطل.

  • مذبحة دير ياسين.

  • مقدمات إعلان دولة إسرائيل.

الباب الرابع: فلسطين تحت الاحتلال اليهودي

الفصل الأول: ضياع فلسطين:

  • العرب يدخلون الحرب.

  • العرب يوقفون الحرب.

  • النتائج المباشرة لحرب عام 48.

  • الإسلاميون يتحركون من جديد.

  • جمال عبد الناصر.

  • التنظيمات الفلسطينية.

الفصل الثاني : كارثة ٦٧ وتوسع العمل الفدائي:

  • مقدمات حرب 67.

  • نتائج حرب 67.

  • الأحداث الخطيرة.

الفصل الثالث: حرب ٧٣ وعهد المصائب:

  • مقدمات الحرب.

  • حرب العاشر من رمضان.

  • السلام والاستسلام.

  • فتح تضعف!

  • الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

  • مذبحة صبرا وشاتيلا.

الباب الخامس: الانتفاضة والسلام

الفصل الأول: الانتفاضة الأولى:

  • أسباب الانتفاضة وأهدافها.

  • بداية الانتفاضة.

  • موقف المنظمة.

  • موقف إسرائيل والمنظمة.

الفصل الثاني: عملية السلام:

  • احتلال الكويت يمهد للسلام.

  • مؤتمر مدريد للسلام.

  • القسام وحزب الله.

  • اتفاق أوسلو

  • الانتفاضة الأولى.

الفصل الثالث: السلطة الفلسطينية:

  • السلام في فلسطين والأردن.

  • اغتيالات في كل الجهات.

  • العالم ضد المقاومة.

  • المقاومة تتطور.

الفصل الرابع: الانتفاضة الثانية:

  • شرارة تُشعل الانتفاضة.

  • إسرائيل تواجه الانتفاضة.

  • نتائج الانتفاضة الثانية.

الفصل الخامس: رؤية في مستقبل فلسطين

١- نظرة تحليلية

٢- خاتمة فى رؤية مستقبل اليهود

٣ - أقوال مشهورة في قضية القدس وفلسطين