جلاء العينين في محاكمة الأحمدين
أحمد بن عبد الحليم بن تيمية وأحمد بن حجر الهيتمي
تأليف الإمام أبو البركات خير الدين نعمان بن محمود بن عبد الله الآلوسي البغدادي
(١٢٥٢ -١٣١٧هـ)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: مضت سبعة قرون على وفاة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، وقد رأى -رحمه الله -بعينيه معارضيه، وسمع بأذنيه أقوالهم فيه، وقرأ بنفسه ما كتبوه عنه وعن آرائه… ولكن ذلك لم يثنيه عن تجنُّده لمهمة تحرير العقول من نير الخرافات والأوهام، وترك ما ابتدعوه من الخزعبلات والأباطيل، فلم يُداري أهل زمانه ولم يُماشيهم، فاستحكمت مريرته، وتعاظمت جرأته، فخاطر بنفسه لا يبالي بشيء، ولا يلوي على أحد، بل يستسهل الصَّعب، ويستخفُّ الأثقال، في سبيل نشر عقيدة السَّلف، ويركب في سبيلها كل صعبٍ وذلول، وجد في الأذهان استعداداً للتلقي أم لم يجد..
وكان معارضوه من مبرزي الأشاعرة في وقتهم الذين التزم الناس قولهم وفتواهم.. فجاء ابن تيمية -رحمه الله -ليُحرك العقلية الراكدة في مستنقع الجهل والخرافة، ويُجاهد فريق الجمود والخمول، حتَّى التفَّ حوله ألوف الناس، يستمعون مواعظه، ويستفتونه في أمور دينهم، فلهجت الألسنة بالثناء عليه وعلى علمه وكتبه وفتاويه، وظهر ظهور القمر، فغدت فتاويه تُتلى في كل مكان، وتُدرَّسُ في سائر البلدان، ورجع كثيرٌ من الأشاعرة عن مذهبهم إلى مذهب السَّلف الصالح…
الأمر الذي أصاب كبد نفرٍ من اعداء الشيخ بالحقد والنّكد، أن خطف الأضواء من حولهم، مع كونه الذي أقام عليهم قيامتهم، وأبرز جهلهم وضلالتهم، وقد نثر في أجواء الدُّنيا من لطيف التصانيف، فاجمع المنصوفونو من مؤيديه ومعارضيه على جلالته وفضل علمه على سائر علماء زمانه.. واتًَّبعه الناس على الحقِّ الذي أظهره في بعض فتاويه وأقواله؛ فلم يلبثوا إلا أن آزروه، وشدُّوا عضده، وأخذوا ينشرون مبادئه، فتمَّ له الأمر، وعاد بعد أن كابد المشاقَّ منصور اللواء مظفراً…
وكان بعض هؤلاء الأشاعرة ربَّما كفَّر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ورماه بألفاظ الفسوق والخروج من الملة، بسبب مخالفته له في بعض مسائل العقيدة، ومن وراء ذلك الاعتداد بالنفس -وربما أبغضه لمخالفته له في بعض الفروع الفقهية التي يسوغ فيها الخلاف.
ومن عجيب أمر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الزمان لم يطو ذكره وتأثيره على الناس فيما طوى من أثار وتأثير علماء كثيرين رحلوا ورحلت آثارهم، بل لم يخل قرن أو عصر من إثارة ذكره وذكر سيرته وآرائه وأقواله لا في المذهب الحنبلي فحسب بل في مختلف المذاهب الفقهية .
ففي القرن الثامن انشغل به تلاميذه ومحبوه وأنصاره يترجمون له، ويبرزون فضله ومكانته ويردون عنه انتقادات معارضيه.
وفي القرن التاسع حرَّرَ شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني صاحب "فتح الباري" -رحمة الله عليه- ترجمة واسعة لشيخ الإسلام مال فيها إلى نصرته.
وفي القرن العاشر نقل جلال الدين السيوطي -حمة الله وبركاته عليه- في "الأشباه والنظائر" النحوية مبحثاً لشيخ الإسلام في حرف (لو) بعد الثناء الجميل عليه.
وكان الشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي -رحمه الله- ذابَّاً عن ابن تيمية، منافحاً عنه، ذاهباً مذهبه في عقيدة السلف مناصراً لها متأثراً بالشيخ في كثير من القضايا.
وكذلك كان الشيخ ملا علي القاري الحنفي "شارح الشفا"، والشيخ أبو المعالي علي بن محمد سعيد السويدي الشافعي مؤلف كتاب "العقد الثمين في بيان مسائل الدين"، والشيخ أبو الثناء شهاب الدين الألوسي الشافعي الحنفي صاحب "روح المعاني في التفسير"، والد مؤلف كتابنا هذا جلاء العينين في محاكمة الأحمدين.
موضوع الكتاب
وهذا الكتاب النفيس وضعه أحد أعلام بغداد في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وهو الإمام أبو البركات خير الدين نعمان ابن المفسِّر العلم السيد محمود أفندي الألوسي -صاحب "روح المعاني" رحمه الله (ت ١٨٩٩ هـ) ليُحاكم فيه شخصيتين علميتين اختلفتا في بعض المسائل الفقهية والعقديَّة.
الشخصية الأولى: شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني.
والشخصية الثانية: الشيخ أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي المكي.
وأصل الكتاب: هو ردٌّ على إحدى فتاوى ابن حجر الهيثمي المضمَّة في فتاواه الحديثية، حيثُ سئل فيها عن شيخ الإسلام ابن تيمية؟ فأجاب فيها: بأنه مُبتدعٌ ضال! وجاهلٌ غال! ثم ذكر بعض المسائل التي انتقدها على شيخ الإسلام ابن تيمية سواء أكانت مسائل فقهية أو مسائل عقدية، وهذه المسائل منها ما يقول به شيخ الإسلام، ومنها ما هو مُفتر عليه فيها.
وقد شرع الآلوسي رحمه الله في تصنيف هذا الكتاب سنة (١٢٩٦ هـ)، وأتمَّه في شهر ربيع الآخر سنة (١٢٩٧ هـ)، وطبعه في تلك السنة.
وكان المؤلّفُ اطلع على كلام ابن حجر الهيتمي فيما أثاره حول شيخ الإسلام ابن تيمية من شكوك ورِيَب، واتهامات وافتراءات في مؤلفه "الفتاوي الحديثية"؛ فوجده ينسب لابن تيمية ما لم يقله، ويتعسف في تفسير بعض ما قاله، ويحيد عن منهج العلماء في النقد وتقليب الرأي، فوصف ابن تيمية بأنه: (عبدٌ خذله الله تعالى وأضله وأعماه وأصمه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذي بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته، وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم من الشافعية والمالكية، والحنفية)!.
(ولم يقتصر اعتراضه على متأخري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما يأتي).
(والحاصل: أنه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال، جاهل غال، عامله الله تعالى بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله).
وقد امتثل المؤلف -الألوسي فيما نحسب- قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة: ٨).
فهو ليس ضد رجل من الرجال، ولا علم من الأعلام، وإنما هو ضد قول من الأقوال، وليس ضد مذهب من المذاهب بل ضالته الحق أينما كان، ولذلك ساق خمسين ترجمةً في الكتاب لمن دارت معهم أو حولهم معارك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، سواء كانوا خصومه أو من أنصاره أو ممن انتقدهم ابن تيمية.
كذلك ترجم لابن تيمية ولمن نبغ من أسرته (بني تيمية).
وترجم لبعض النابهين من تلاميذ شيخ الإسلام الذين أخذوا عنه مباشرة.
وترجم للذين سلكوا مسلكه فيما بعد حتى مطلع القرن الرابع عشر.
ثم ترجم لمشاهير الصوفية والفلاسفة الذين حمل عليهم ابن تيمية، وكانوا من وراء كثيرٍ مما قيل عنه وأُشيع فيه، وممن وراء حملة ابن حجر عليه.
وفي أثناء ذلك يورد أقوال العلماء في التصوف والصوفية وفي الفلاسفة ويبين أن شيخ الإسلام لم يكن أول منتقد للحلاج، وابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، وغيرهم - ولا أوَّل من عاب ابن سينا، ولا أول من أخذ علي الغزالي في إحياء علوم الدين، ولا أول مشنع علي الرافضة والشيعة والمعتزلة والمتكلمين.
فإذا كان نقد هذه الاتجاهات ثابتٌ تاريخياً عند كل مطلع؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية إذن ليس بدعا من العلماء، فلم كل هذه الحملة عليه؟
ثم ينتقل المؤلف إلى عرضٍ وافٍ للمسائل التي خالف فيها ابن تيمية غيره، أو انفرد بها من مسائل الصفات، وأفعال العباد، وفي بعثة الرسل، وخلق الجنة والنار، وغير ذلك من أمور العقيدة.
ويستطرد الكاتب في مباحثه، فيتعرض لمسائل الفقه سواء كانت في العبادات كمسائل الوضوء، والتيمم، والطهارة، والحيض، أو كانت من مسائل الطلاق وأنواعه. أو من مباحث البيوع، وغير ذلك من المباحث الفقهية.
ورغم مرور سبعة قرون على وفاة شيخ الإسلام رحمه الله، ومرور قرن من الزمان على وفاة مؤلف جلاء العينين، إلا أنه لا زالت تلك القضايا محل نقاش كبير لم يحسم؛ لأن خصوم ابن تيمية رحمه الله لا يزال يغذوه أهل البدع من الأشاعرة والمتصوفة، وإن دلَّ هذا الأمر على شيء؛ فإنما يدلُّ على حيوية هذه الأمة، وأنها أمَّةٌ لا تموت عقيدتها، وأنها شاهد صدق على أثر الإسلام في نفسها ووجدانها، وإن كان البعض يراها غير ذلك.
وفي الجملة؛ فهذا كتاب يجعلك مشاركاً في تلك القضايا بل يدعوك إلى تأملها، وإلى أخذ موقف من كل قضية وردت فيه، بل هو كتاب يطوف بك على مختلف علوم السلف من فقه وحديث وتوحيد وأصول وفروع.
وأنت ترى أنه مليء بالمسائل المهمة والمتنوعة، منها: العقدية، والفقهية، والأصولية، وفيه مباحث لطيفة في مسألة التوسل، والاستغاثة، وشدِّ الرحال، والطلاق الثلاث.. وغيرها، وقد ضبط المحقق النص على الشيخ محمد حامد الفقي.
وتعتبر طريقة المؤلف فريدةٌ من نوعها في التأليف، حيث يورد ما قاله كلا الإمامين من الحجج والبراهين ويحكم بينها بعدلٍ وإنصاف، وحُجَّة وبيِّنة، ويناقش ادِّعاءات الهيتمي في ابن تيمية رحمه الله تعالى، ويُفندها، ويردُّ عليها بعد أن ينقل عبارة شيخ الإسلام رحمه الله من كتبه ومصنفاته.
والناظر في هذا الكتاب يجد محاكمة علمية رصينة هادئة منصفة، مع بيان القول الحق في المسألة المطروحة مؤيداً بأقوال العلماء السابقين والمعاصرين له، وهذا كله دون اللجوء إلى المهاترات، أو التعصُّب لطرفٍ دون آخر، بل كان يعتمد الاستقامة في الدليل، واستبانة الحجة، ووضوح البرهان.
ومن أجمل ما قيل في هذا المؤلَّف، ما قاله العلامة الشيخ محمود شكري الآلوسي (١٢٧٣ -١٣٤٢ هـ) في كتابه "غاية الأماني في الردِّ على النبهاني" (١/ ٥٦٠)، حيث قال: "ومصنف جلاء العينين لم يذكر فيه إلا أقوال الفريقين، وبسط فيه دلائل الطرفين، ودعا إلى الله وتوحيده، وبرهن على وجوب إفراده سبحانه بالعبادة، وذبَّ عن خُلَّصِ عباد الله، وحكى ما كان، وأظهر ما زوَّره الخصم من البُهتان، ومثل جلاء العينين ينبغي لكل مسلمٍ أن يُطالعه، ويستفيد منه حقيقة دينه، ثم يدعو لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان، وأن يجزيه عن خُلَّصِ عباده خير الجزاء".
تنبيه: قد أكثر المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب من النقل عن ابن عربي في "فتوحاته"، ولعله يُريد بذلك إلزام المخالفين بما يُنكرونه على الشيخ تقيِّ الدين بن تيمية، ويقول لهم: ما أنكرتموه على ابن تيمية هو عين ما يقول به إمامكم ابن عربي !.
___________________________
(١) تنبيه: أحمد بن حجر الهيثمي غير الحافظ نور الدين الهيثمي صاحب "مجمع الزوائد"، وغير الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، فتنبَّه.
(٢) وقد ذكرالشيخ محمود شكري الآلوسي كتاب (جلاء العينين) في أكثر من موضع، ونقل منه، منها على سبيل المثال (١/ ٥٦٠ -٥٦١)، و(٢/ ٥٤-وما بعدها، و٩٤، ١٠٨)، وغيرها. وقد طبع هذا الكتاب سنة (١٩٨١ م) في مطبعة المدني، وقدم له علي السيد صبح المدني
___________________________________________________
ترجمة المؤلف أبو البركات نعمان خير الدين أفندي
هو جوزيُّ زمانه، الباحث الواعظ الفقيه نعمان بن محمود الآلوسي المولود في "حديقة الورود" سنة (١٢٥٢ هـ - ١٨٣٦ م)، وقد أرَّخ ولادته الشاعر المجيد الأطرقجي السيد عبد الحميد؛ فقال:
بدا الكوكبُ الدُّريُّ والقمر الذي … محاسنه للشمس أضحت تسامتِ
فلا عجب إن فاح كالمسك عَرْفُه .... فها هو مــــــــــــــــن بيتِ النبوَّةِ ثابتُ
له ثبتَ الحقُّ الصريــــــــــــــحُ من العُلى .. وتــــــــــــــــــاريخُه حقٌّ لنُعمـــــــــــــــــانَ ثابتُ
وهو من أعلام الأسرة الآلوسية في العراق، ولد ونشأ ببغداد وولي القضاء في بلاد متعددة، منها (الحّلة)، وترك المناصب؛ وزار مصر في طريقه إلى الحج سنة ١٢٩٥هـ؛ لطبع كتاب أبيه "روح المعاني".
نشأته وطلبه العلم:
أخذ العلم عن والده، وعن جِلَّة تلامذته، وقد أجازه الأئمة الأعلام، والمشايخ العظام بجميع العلوم من منطوقٍ ومفهوم، وانتصب مدرساً في المدرسة المرجانية بمنصب (رئيس المدرسين) بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني.
صفاته الخلقية والخُلقية:
كان جواداً معطاءً، يجود بنفسه لسائله، وفيَّاً، زكيّاً، تقيّاً، نقيّاً، ورعاً، زاهداً، يأخذ ما صفا، ويدع ما كدر، مُنشطاً لأهل العلم، مستقيماً في العمل، حلو المفاكهة، لطيف المحاضرة، بشوش الوجه، طلق اللسان.
مؤلفاته:
وكان رحمه الله كثير التواليف، وأكثرها في الجدل، وترى فيها عالماً ضليعا، وأديباً جليلاً، نزيه القلم، أديب النفس، معتصماً يحبوه الجد، منزهاً عن العبث، منصفاً وعادلاً في الحكم، واسع الحلم، شديد التحرِّي للحق، من كتبه: "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" ابن تيمية وابن حجر، و "الجواب الفسيح لما لفَّقَهُ عبد المسيح الكندي" الذي زعم فيه أنه يردُّ على دين الإسلام، و "غالية المواعظ"، و "صادق الفجرين" في علىّ ومعاوية، و "شقائق النعمان في رد شقائق ابن سليمان" في الرد على بعض معاصريه.
يقول عنه الأثري: "كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إنشائه، وإنشاؤه أمتن من نظمه، وكان جواداً وفياً، زاهداً، حلو الفاكهة، سمح الخلق".
من الوقائع التي حصلت للشيخ:
قال الشيخ محمد بهجت الأثري في كتابه "أعلام العراق": "ومما وقع له في شهر رمضان سنة (١٣٠٥ هـ) أنه استطرد في مجالسه -والحديث ذو شجون -بحث سماع الموتى، فذكر ما قاله علماء الحنفية في كتبهم الفقهية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء، وأن من خلف لا يُكلم زيداً -وكان ميتاً -فإنه لا يحنث، وعليه فتوى العلماء، وهو المرجح لدى المحققين، فقام حشويَّةُ بغداد وقعدوا، وأنكروا عليه هذا العزو، وأثاروا أفراد جهلة العوام، والمرجفين في مدينة السلام، وكادت تقع فتنةً تسود وجه التاريخ، ولكنه بدهائه وحلمه سكَّن ثائرتهم، فجمع في اليوم الثاني كل ما لديه من كتب فقهاء المذاهب الأربعة، وارتقى كرسيَّ الوعظ -وقد احتشدت الجموع -فأعاد البحث، وصدع بالبيان، ثم أخذ يتناول كتاباً كتاباً؛ فيتلو نصوص العلماء، ثم يرمي بها إلى المستمعين وبصرخ: هؤلاء هم علماؤكم؛ فإن كنتم في ريبٍ منها فدونكم وناقشوهم الحساب! حتى إذا ما فرغ نهض واخترق الجموع الثائرة غير وجلٍ ولا هيّاب، فأقبلوا عليه يُقبلون يديه، ويعتذرون إليه من قيامهم بتحريك المرجفين من فريق المقلدين والجامدين، هكذا حدَّثنا من حضر الوقعة، ثم ألَّف رسالةً لطيفةً جمع فيها ما زبره الفقهاء في هذا الباب، وأسماها (الآيات البينات في عدم سماع الأموات).
وفاته:
وأمضى حياته صابراً محتسباً وأجره على الله، حتى أتاه اليقين صبيحة يوم الأربعاء السابع من المحرم سنة ١٣١٧ هـ، ودُفن بجوار مدرسته بجانب مرقد مرجان، تحت القبة مقابل الباب، وكان نبأ وفاته الوطأة على عارٍ في فضله ونُبله رحمه الله.
مصادر الترجمة:
١-من كتاب ابن أخيه محمود شكري الألوسي "المسك الأذفر" (ص ١١٠ - ١١٦).
٢-من كتاب "أعلام العراق" لمحمد بهجت الأثري.
____________________________________________
أهم الأفكار التي ناقشها الإمام الألوسي في كتابه
الجدل حول شخصية الإمام ابن تيمية، وآراؤه الفقهية والعقدية:
وقد بيّن الشيخ الألوسي أن الخلاف والجدل حول شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية وآرائه ظل مستمراً وممتداً عبر القرون المتطاولة، ولم ينقطع بوفاته.
خصوم ابن تيمية ومعارضيه: دوافعهم، وأهم مظاهر اضطهادهم له:
أ- أشار الشيخ نعمان الألوسي إلى أن خصوم ابن تيمية في عصره كانوا من كبار علماء المذاهب (الأشاعرة والماتريدية والصوفية)، وأن البيئة الفكرية السائدة المستقرة آنذاك جعلتهم يرون في طروحاته ثورة تقلب موازينهم المستقرة من حيث البناء المذهبي والفكري، والموروث العقدي والسلوكي.
ب- كما أشار إلى أن الأذى والاضطهاد والحبس الذي تعرض له ابن تيمية حتى وفاته في السجن، كان مدفوعاً بحسد معاصريه أو تخوف الأمراء من نفوذه، وهي محنة يشارك فيها كبار الأنبياء وأئمة المذاهب والأعلام عبر التاريخ.
فكر ابن تيمية عبر العصور:
أكّد الألوسي على أن فكر ابن تيمية -رحمه الله- لم يندثر بموته؛ بل انشغل به وبمناصرته والرد على منتقديه فحول العلماء في مختلف القرون والمذاهب الإسلامية وصولاً إلى العصر الحديث، وبناءً على ذلك لا حرج في التصدي لهذا النوع من الكتابات.
الدافع الأساس وراء تأليف كتاب "جلاء العينين":
قام الشيخ نعمان الآلوسي بتأليف كتابه رداً على الهجوم العنيف والاتهامات والافتراءات التي ساقها ابن حجر الهيتمي ضد ابن تيمية -رحمه الله-، لأن كثيراً من طلاب العلم تأثر بهذا النقد دون وعي أو تفهم.
طبيعة المحاكمة التي أقامها الإمام الألوسي وأبعادها الفكرية والسياسية:
١- بيّن المؤلف أن معارك ابن تيمية الفكرية والفقهية مع خصومه (هي معارك شمولية) شملت مسائل أصول الدين (العقيدة والصفات)، ومسائل الفروع (الفقه والعبادات والمعاملات)، والنقد الموجه للفلاسفة والمتصوفة.
٢- البعد السياسي والأمني في المحاكمة: حيث نبّه الألوسي على أن بعض أسباب التضييق والحبس للشيخ ابن تيمية- لم تكن دينية بحتة، بل كانت بدافع استغلال الخصوم لتخوفات الملوك والأمراء من تنامي نفوذه الاجتماعي والسياسي والشعبي.
٣- وأكّد على أن الكثير من الانتقادات والتشنيعات الموجهة لابن تيمية من معاصريه ناتجة عن "الـمُعاصرة" والمنافسة الفكرية، أو من لوازم كلامٍ لم يقصدها ولم يلتزم بها.
٤ - وقد دفع الألوسي شبهة نفي كرامات الأولياء عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأوضح أنه لم يكن ينكر كرامات الأولياء الصالحين (واستعراض أمثلة كثيرة من كرامات الصحابة والتابعين)، وإنما كان متشدداً في سد ذرائع البدع ومحاربة الأحوال الشيطانية ومخالفة الشريعة.
٥ -ونبّه الألوسي إلى موقف العلماء والإمام الغزالي من الفلاسفة؛ حيث صنف الغزالي الفلاسفة إلى ثلاث فرق (دهريون، طبيعيون، إلهيون)، وبيّن وجه كفرهم (خاصة الإلهيين كأرسطو ومتبعيه كابن سينا والفارابي) في مسائل التعطيل، وتفنيد مزاعمهم حول صدور العالم عن العقول العشرة.
٦- كما تطرّق للحديث عن الكشف الصوفي، التنجيم، وعلم الغيب، واستعرض في ذلك مقولات الصوفية (كابن عربي في الفتوحات) حول كيفية تلقي أهل الكشف للغيوب وتأثر العناصر بحركات الأفلاك، ومقارنة ذلك بالمنجمين والكهان. وفي المقابل، يورد النص رد "علماء الظاهر" وعلماء التفسير مستندين إلى النصوص القاطعة باختصاص الله بعلم الغيب، وإبطال الحكايات الخرافية (كبيع المطر).
٧- وناقش الألوسي لمقولة المنقولة عن الشعراني بشأن "أنبياء الأولياء"، والزعم بأن الولي قد يشهد مظهر النبي ﷺ ومظهر جبريل في اليقظة فيتلقى الأحكام ويعمل بالأحاديث دون التفات لتصحيح المحدثين أو تضعيفهم، مع بيان أن غالب علماء الشريعة لا يسلمون لهم بذلك.
٨- كما قدّم الألوسي ترجمة تاريخية للرئيس ابن سينا، وبيان تكفير الغزالي له وللفارابي في كتاب "المنقذ من الضلال" بناءً على ثلاث مسائل إلهية: (إنكار حشر الأجساد، القول بأن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، والقول بقدم العالم)، مع الإشارة إلى توبته قبل مماته.
٩- كما عرض سيرة حجة الإسلام الغزالي، وتحوله من التدريس والنظامية إلى حياة الزهد والانقطاع، واستعراض مصنفاته، مع ذكر الانتقادات التي وُجهت لكتابه "الإحياء" من قبل علماء المغرب (كالقاضي عياض) وابن الجوزي لجهته الإتيان بأحاديث لم تصح، والدفاع عنه في مسائل أخرى كعبارة "ليس في الإمكان أبدع مما كان".
١٠- كما تتبع الألوسي نشأة وتفرع الحركات الملحدة والباطنية؛ واستعراض الحركات الحديثة في عصره -أعني الألوسي- (كالشيخية، والكشفية، والبابية في إيران، والينجرية في الهند)، مع تفصيل جنايات القرامطة تاريخياً كالحرب في مكة وقلع الحجر الأسود.
١١- وقدّم تراجم وافية لأعيان السلوك والزهد كـ (الفضيل بن عياض والقشيري)، ذكر فيها قصة توبة الفضيل بن عياض المأثورة ومناقبه، والتعريف بالإمام القشيري صاحب "الرسالة القشيرية" ومكانته في الجمع بين الشريعة والحقيقة.
١٢- ووضع تأصيلاً تحدث فيه عن نشأة الاعتزال وعقيدة الجهمية وأصحاب التعطيل، ابتداءً بواقعة اعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد لمجلس الحسن البصري في مسألة الفاسق الملي (المنزلة بين المنزلتين)، وتتبع جذور التعطيل من الجهم بن صفوان وصولاً إلى الجعد بن درهم وتلقيها عن السحرة واليهود والصابئة.
١٣-واستعراض المعركة الشعرية والجدلية بين المعتزلة (كالزمخشري الذي نفى الرؤية وذم القائلين بها) وعلماء أهل السنة (كابن المنير وأبي حيان والسبكي) الذين ردوا بنصوص الكتاب وبإثبات الرؤية "بلا كيف".
١٤-قام الألوسي برصد الموقف النقدي الصارم الذي قاده حجة الإسلام الغزالي ضد الفلسفة المشائية اليونانية وممثليها في العالم الإسلامي (كابن سينا والفارابي)، وحصر موطن النزاع العقدي في مسائل ثلاث (القدم، والجهل بالجزئيات، ونفي المعاد الجسماني)، مع الالتفات لظاهرة "مراجعات الفلاسفة" في لحظاتهم الأخيرة.
١٥-كما تتبع الامتدادات السياسية والعسكرية للأفكار الباطنية، بدءاً من حركات القرامطة التاريخية واعتدائها الرمزي والمادي على المقدسات (كحادثة الحجر الأسود)، وصولاً إلى الحركات الدينية والفرعية الحديثة والمعاصرة في الشرق الإسلامي، وبيان كيف يتحول التأويل الباطني للنصوص إلى حركات تمرد وانفصال.
١٦- وعاد بظاهرة "التعطيل والاعتزال" إلى منبعها الأصلي، عبر تتبع أنساب الأفكار، من لحظة انشقاق واصل بن عطاء في حلقة الحسن البصري صياغةً لنظرية الفاسق الملي، إلى الجذور الفلسفية والصابئية التي غذت مقالات الجهم بن صفوان والجعد بن درهم في نفي الصفات الإلهية.
١٧- قام الألوسي بذكر ترجمة وجيزة للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي البغدادي الحنبلي، أبرز فيها مكانته الوعظية والحديثية وكثرة مصنفاته (كـ "زاد المسير" و"الموضوعات")، مع رصد الانتقادات التي وُجهت إليه من ابن الأثير وابن رجب والذهبي بسبب اضطرابه في باب الصفات وميله للتأويل تأثراً بشيخه ابن عقيل.
١٨- كما استعراض سيرة شيخ الحنابلة أبي الوفاء ابن عقيل، وتأثره في حداثته بالمعتزلة مما أدى لمطالبة الحنابلة بدمه، واختفائه سنين ثم توبته، والإشادة بكتابه الضخم "الفنون"، وسرد جملة من آرائه الفقهية المفردة (كتطهير الزروع المسقاة بماء نجس).
١٩- كما تصدى المصنف للرد على الهجوم العنيف الذي شنه ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الحديثية" ضد ابن تيمية، حيث سرد الهيتمي مسائل خرق فيها ابن تيمية الإجماع -حسب زعمه- (كفناء النار، والقول بالجسمية، ومنع شد الرحال للزيارة)، ليرد المصنف بأن هذا "بهتان عظيم" وأن مسائل الفروع له فيها سلف وأدلة، متسائلاً عن سبب توجيه السهام له دون غيره كابن عربي والحلاج.
٢٠-التأريخ لظاهرة "التحول المذهبي" عبر العصور؛ حيث رصد الألوسي سلسلة من كبار الأعلام والفقهاء الذين انتقلوا من مذهب إلى آخر دون نكير من علماء عصارهم؛ (كابن خزيمة، والطحاوي، والخطيب البغدادي، وابن فارس، والآمدي، وابن دقيق العيد، وأبي حيان النحوي، والواسطي)؛ كدليل واقعي على مرونة الممارسة الفقهية.
٢١-تقديم ترجمة وافية لحبر الأمة ورابع الأئمة أحمد بن حنبل، تطرق فيها إلى نشأته ورحلته في طلب الحديث وحفظه (ألف ألف حديث)، والثناء المطلق عليه من أقرانه ومشايخه (كالشافعي، والمديني، ووكيع)، واستعراض صوراً تدل على ورعه الشديد (كامتناعه عن الشرب من دجلة لاغتصاب بعض أراضيها، وإخراج زكاة أرض داره بناءً على حكم أرض السواد).
٢٢- كما استعرض النص الكامل لرسالة الإمام أحمد المعرفية إلى الإمام مُسدد بن مُسرهد في تبيان أصول السنة والجماعة، والتي فكك فيها مقالات الفرق (الجهمية بفرقها الثلاث، والمعتزلة وتكفيرهم بالذنب، والرافضة وموقفهم من الشيخين)، وتأصيله لمسائل الإيمان (قول وعمل يزيد وينقص)، والصفات، والرؤية، والشفاعة، ولزوم السمع والطاعة للأئمة الأبرار والفجار، وترك الخروج بالسيف والجدل.
٢٣- بالإضافة إلى القضية الشهيرة المعروفة بـ (محنة خلق القرآن)، والمواجهة التاريخية للمحنة منذ زمن الرشيد، وما تبعه من تخفي المريسي، مروراً بتبني المأمون لمقالة المعتزلة وسوق الإمام أحمد ومحمد بن نوح مقيدين، وصولاً إلى فصول المناظرة والتعذيب في عهد المعتصم، واستبسال الإمام في دفع الحجج العقلية للمعتزلة (كرد قياس "جعلناه" بـ "فجعلهم كعصف مأكول") وثباته أمام التهديد بالسيف والضرب.
٢٤- والعناية بالمساجلات النصية والعقلية في مجلس المعتصم؛ حيث رصد المؤلف استدلالات المعتزلة بالعمومات القرآنية كآية {خالق كل شئ}، ورد الإمام أحمد بآية التخصيص والهلاك النسبي {تدمر كل شئ بأمر ربها}. والرد على الاحتجاج بآية الذكر المحدث ببيان نكارة دلالتها اللغوية، فضلاً عن تصحيح الروايات الحديثية (كتصحيح لفظ "كتب الذكر" بدل "خلق الذكر").
٢٥- وبيّن الألوسي الموقف الصلب الذي اتخذه الإمام أحمد أمام القاضي ابن أبي داود أو تكليمه مبرراً ذلك بقوله: "لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه"، وإصراره الصارم على المطالبة بنص قطعي: "أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله".
٢٦- بالإضافة إلى الوقائع السردية لقصة الإمام أحمد في المحنة، ابتداءً باليوم الثالث من المحنة، واحتشاد دار الخلافة بالسيوف والسياط، وامتناع الإمام عن الإفطار، وتخلع يديه في العقابين، وجلده تسعة عشر سوطاً (أو ثمانين سوطاً في رواية أخرى) حتى غاب وعيه، وثباته أمام إغراءات المعتصم الشفيق وتهديدات قادة الجند (عجيف وأحمد بن سماعة).
مروراً بكرامة استجابة الدعاء وتحرك شفتي الإمام بالاستغاثة برب العرش عند انقطاع تكة سراويله، فصِين ستره من الانتهاك بحراسة علوية، واستبشاره بكلام اللص التائب (أبو الهيثم العيار) الذي ضرب ثمانية عشر ألف سوط في طاعة الشيطان، فصبر أحمد في طاعة الرحمن.
كما أنه رفض الرخصة بموافقة المعتصم وابن أبي دواد التي أباحها العلماء، بالإضافة إلى الأخذ بالرخصة والتقية، وردّه عليهم بحديث خباب في النشر بالمنشار. فرفض الإمام نصيحة تلميذه المروذي بالرفق بنفسه، نظراً لاحتشاد آلاف الطلاب بأقلامهم ومحابرهم يترقبون كلمته، فقال كلمته التاريخية: "أضل هؤلاء كلهم؟! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء كلهم".
إلى أن تمّ سياق المحنة بمجيء الفرج، وتراجع الواثق وتوبته، وذلك في سياق قصة المناظرة الفاصلة بين الشيخ الشامي المقيد وابن أبي داود في مجلس الواثق، والتي أحرج فيها ابن أبي داود وسقط من عين الخليفة، مما أدى لرجوع الواثق عن المحنة وتوبته قبل الموت.
وانتهاءً ببزوغ عهد المتوكل وانتصار السنة، حيث تولى المتوكل وإظهار السنة وكشف الغمة، وأمره للإمام أحمد بالجلوس للحديث والتصنيف في الرؤية والرد على الجهمية، واجتماع ثلاثين ألفاً في مجلس عثمان بن أبي شيبة بمسجد الرصافة، وإحلال الإمام أحمد لكل من حضر ضربه وعفا عنهم إلا رؤوس الفتنة.
٢٧ - ثم عني المؤلف بتوثيق طبقات مذهب الإمام أحمد، وذلك بحصر نقلة الفقه عن الإمام في طبقات متتابعة؛ بدأت بأبنائه (صالح وعبد الله) وتلامذته الأكابر (كالمروذي، والأثرم، وأبي داود السجستاني، وإبراهيم الحربي)، مروراً بالطبقات التالية (كالخلال صاحب الجامع، والخرقي صاحب المختصر، وابن بطة العبكري)، وصولاً إلى مجددي المذهب المتأخرين (كآل قدامة، وآل تيمية، وابن قيم الجوزية)، مع تبرير قلة أتباع المذهب تاريخياً بزهدهم وعزوفهم عن الولايات السلطانية مقارنة بالشافعية والحنفية.
٢٨- ثم ذكر المؤلف ترجمة الإمام أبي الحسن الأشعري، من حيث النسب والنشأة والتحول الصاعق عن الاعتزال: التعريف بنسبه الأشعري البصري، ونشأته في أحضان الاعتزال على يد زوج أمه أبي علي الجبائي لأربعين سنة، ثم تحوله العلني المشهود على منبر جامع البصرة تائباً ومبرئاً نفسه من مقالات خلق القرآن ونفي الرؤية.
٢٩- مناظرة الإخوة الثلاثة: إيراد المحاجة العقلية الفاصلة للأشعري مع شيخه الجبائي في مسألة "وجوب الأصلح على الله"، والتي أدت لإفحام الجبائي وانقطاعه وعجز المعتزلة عن الجواب.
٣٠- الرؤى المنامية النبوية: سرد الرؤى الثلاث للأشعري وتوجيه النبي ﷺ له بنصرة المذاهب المروية عنه، والمدد الإلهي الذي حظي به في صياغة الحجج.
٣١ -كما تطرق الألوسي إلى النفوذ السياسي الذي حظي به المذهب الأشعري، وكتب له الانتشار في الأمصار عبر سواعد السلطة (تبني صلاح الدين الأيوبي له في مصر والشام، وحمل محمد بن تومرت "المهدي" وقادة دولة الموحدين بالمغرب الناس عليه بالحديد والنار)، حتى كاد ينسى غيره من المذاهب سوى الحنابلة والماتريدية.
٣٢- وأشار إلى خطوب الخصام العنيف بين الحنابلة والأشاعرة في بغداد (كفتنة القشيري)، والكرامية والأشاعرة في خراسان (كفتنة الفخر الرازي في هراة)، وصولاً إلى نهوض الشيخ ابن تيمية بعد السبعمائة للانتصار لعقيدة السلف والرد على المتكلمين وانقسام الناس حوله.
٣٣- بالإضافة إلى تحرير جوهر عقيدة الأشاعرة ومصنفاتهم، حيث صنّف الأشاعرة إلى فرقتين في نصوص الصفات: (مؤولة)، و(أثرية واقِفة بلا تشبيه)، ونقل النص العقدي الحاسم من كتابيه "الإبانة" و"مقالات الإسلاميين" المؤكد على رجوعه الصريح لعقيدة السلف وأصحاب الحديث، والتزامه التام بمقالة الإمام أحمد بن حنبل في الإقرار بالعرش، والاستواء، واليدين، والعينين، والوجه بلا كيف، والقول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
٣٤- الحديث عن بعض المسائل العقيدة كإثبات الرؤية بالأبصار للمؤمنين يوم القيامة كالقمر ليلة البدر، وحجب الكافرين عنها. وإثبات المجيء الإلهي يوم القيامة والقرب من الخلق بلا تكييف ولا تعليل (ترك "كيف" و"لم" لأنها بدعة).
٣٥- بيان أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والامتناع عن تكفير أهل الكبائر أو الشهادة عليهم بالنار، وهجر أهل البدع والجدل والخصومات في الدين، والتسليم للروايات والآثار الصحيحة المنقولة عبر الثقات عدلاً عن عدل.
٣٦- نقل والد المصنف (الألوسي) أن مذهب الأشعري هو مذهب أحمد عند المحققين، وأن التضليل المتبادل حدث بين المتأخرين بسبب الخلاف في آيات وأحاديث الصفات (كالاستواء والنزول والوجه)، حيث تمسك الحنابلة بالظواهر، وأولها الأشاعرة بقصد التنزيه، والكل على هدى منزهون عن التعطيل والتحريف إلا شرذمة قليلة.
٣٧- ونقل ما أورده التاج السبكي من أن الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة يد واحدة في العقائد، ولم يخرج عنهم إلا رعاع الحنابلة إلى التجسيم، ورعاع الشافعية والحنفية إلى الاعتزال، بينما خلا المذهب المالكي من البدع فكلهم أشاعرة.
٣٨- ذكر ترجمة الإمام الحافظ البيهقي الشافعي، حيث قام بالتعريف بنسبه ونشأته في بيهق وخسروجرد، وكونه إمام زمانه الحافظ المشهور، صاحب المصنفات الحافلة (كالسنن الكبير، والأسماء والصفات، ودلائل النبوة)، وتوثيق مقولة إمام الحرمين الجويني الشهيرة: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة" لإحاطته بنصوص الشافعي ونصره لمذهبه، ووفاته بنيسابور سنة ٤٥٨هـ.
٣٩- نظم ابن القيم الفقهي والأصولي؛ وقد استدعى الإمام الألوسي أبياتاً وافرة من "الكافية الشافية" لابن القيم، لخص فيها المقالات؛ فنفى واسطة المخلوقية عن الكلام، ورد على من جعلوا القرآن "حكاية أو عبارة" (الأشاعرة والماتريدية)، مبيناً أن مدار الخلاف قائم على أصلين: (هل كلامه بمشيئة أم لا؟ وهل هو قائم في ذاته أم خارج عنها؟).
٤٠- كما انتقد مذهب "الاقترانية" الذين قالوا بالحروف القديمة المقترنة أزلاً بلا تعاقب (فالسين والباء في بسم الله وُجدا معاً أزلاً)، واصفاً إياه بالهذيان؛ لأن وُجود حرفين في آنٍ واحد من متكلم واحد محال في ميزان العقل والمشاهدة.
٤١- ثم تناول الألوسي طبيعة الوحي وأنواعه؛ فقسّم الوحي إلى مراتب؛ منها ما هو "سرٌّ غيبي" لا يُكتب، ومنها ما يقع إلقاءً في القلب والرُّوع في اليقظة والمنام، ومنها ما يكون بواسطة المَلك (جبريل عليه السلام) على صورتين: إما مشافهةً وتكليماً بأمر الله، وإما إلقاءً في الرُّوع (القلب). وذكر أشد أنواع الوحي وهو ما يأتيه كـ "صلصلة الجرس"، حيث يعي النبي ما قيل بعد انفصامه عنه.
٤٢- كما تطرق إلى إسماع الرب ملائكته وهيبة الوحي، فصوّر الهيبة العلوية عند تكلُّم الباري بالوحي؛ حيث تأخذ السماوات رجفةً ورعدةً شديدة خوفاً من الله، ويَصعق أهل السماوات ويخرّون سُجَّداً. ويكون جبريل أول من يرفع رأسه فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم تسأله الملائكة في كل سماء: {ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير}، وهنا يسترق الشياطين السمع لتصل الكلمة إلى الكاهن أو الساحر مخلطةً بمائة كذبة.
٤٣- وتحدث بإسهاب عن نفي "الحرف والصوت" عند البيهقي (في المذهب الأشعري المتأخر)، فقد تبنى الإمام البيهقي المقالة القائلة بأن "الكلام هو نطق نفس المتكلم"، مستدلاً بصنيع عمر بن الخطاب في السقيفة: (كنتُ زوّرتُ مقالةً في نفسي)، فسمّى ما في النفس كلاماً قبل النطق. كما قرر البيهقي أن الباري ليس بذي مخارج (أدوات نطق كاللسان والشفتين)، فكلامه ليس بحروف ولا أصوات، وإنما نتلوا نحن كلامه بحروفنا وأصواتنا المخلوقة. وضَعّف البيهقي الأحاديث المروية في إثبات "الصوت" كحديث عبد الله بن أنيس: «يناديهم بصوت يسمعه من بعد...»، وحديث النداء لآدم، مؤولاً "الصوت" إن ثبت بأنه صوت حركة السماوات (الصلصلة) أو خفقان أجنحة الملائكة، تنـزيهاً لله عن شبه المخلوقين.
٤٤- وذكر الألوسي تعقيب المحققين وردهم على الإمام البيهقي بأن الأحاديث في إثبات الصوت تزيد على أربعين حديثاً احتج بها الإمام أحمد والبخاري، وأن إثبات الصوت لله يكون على وجهٍ يليق بجلاله دون تكييف أو تشبيه بمخارج المخلوقين.
٤٥- كما ذكر إجماع السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فنقل دفقاً من شهادات الصحابة والتابعين والفقهاء؛ كابن عباس الذي أنكر قول (اللهم رب القرآن اغفر له) مبيناً أن القرآن صفة الله والصفة لا تُربب، بل "منه بدأ وإليه يعود". وساق كلمات مالك، وجعفر الصادق، ووكيع، وأبي يوسف، والشافعي، في تكفير من قال بخلق القرآن؛ لأن القول بخلقه يؤول إلى التعطيل، ونفي استواء الرحمن على العرش، ونفي تكليم موسى حقيقة. كما ذكر قصة مقتل الجعد بن درهم على يد خالد القسري تضحيةً به لإحداثه هذه المقالة الشنيعة.
٤٦- بالإضافة إلى التفريق الأصولي بين "التلاوة" و "المتلو"؛ فقد فصّل المؤلف (نقلاً عن البخاري وأصحاب الحديث) بأن القرآن المتلو المسطور في المصاحف المحفوظ في الصدور هو كلام الله غير مخلوق، أما أفعال العباد من قراءة، وأصوات، وكتابة بالمداد، وأكاسب، فهي مخلوقة محدثة. كما أورد تراجع الإمام أحمد بن حنبل عن إطلاق عبارة (لفظي بالقرآن مخلوق) أو (غير مخلوق)، سداً لذريعة اللبس، واختياره الحسم بجملة: "القرآن حيث تصرف غير مخلوق"، وزجر من قال لفظي بالقرآن مخلوق إذا كان يقصد به عين القرآن المتلو.
٤٧- ذكر الألوسي براءة ابن تيمية وابن عربي من القول "قدم العالم بالعين"، أما عن ابن عربي؛ فقد نفى الشيخ الشعراني عنه مقالة قدم العالم، وبيّن أن مراده هو "القدم في العلم الإلهي" (أي كونه معلوماً أزلياً في علم الله)، وأنه حادث في الظهور لعالم الشهادة. بينما ابن تيمية؛ فقد ردَّ اللوسي فرية الملا جلال الدواني وابن حجر اللذين نسبا لابن تيمية القول بقدم العالم أو حوادث لا أول لها تعاقباً في العرش. وأثبت الكوراني والسفاريني براءته؛ مستدلين بتكفير ابن تيمية لابن سينا والفارابي لقولهما بقدم العالم الفلكي، وبقصيدته النونية التي تنص على أن الله سابقٌ لكل شيء من العدم.
٤٨- محاكمة مقالات "التجسيم والجهة والانتقال"؛ حيث استعرض المؤلف مقالات المجسمة والمشبهة (كالكرامية ومقاتل بن سليمان) الذين أثبتوا لله الأعضاء، أو الحركة والنزول بذات تشبه الأجسام، ونبذ النص مجازفات بعض الحنابلة (كأبي يعلى الفراء في كتاب الصفات، وابن الزاغواني) حتى قيل في حق أبي يعلى: (لقد نجس الحنابلة بشيء لا يغسله الماء).
٤٩- كما قرر المؤلف أن مذهب السلف والأثريين (ابن تيمية، وابن القيم، ومالك بن أنس في مقولته المشهورة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»)، وهو إثبات الفوقية الحقيقية والاعتلاء على العرش بلا كيف، ونفي لوازم الأجسام من المماسة، والتحيز بالمسافة، أو الحلول؛ فالله بائن من خلقه، منـزه عن الكيف والتمثيل، خلاقاً للمؤولين (الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة).
٥٠- إثبات صفة الفوقية والعلو لله تعالى؛ فقد أكّد المؤلف أن مذهب السلف الصالح (كالإمام الطحاوي وأبي حنيفة وغيرهم) هو إثبات الفوقية والعلو لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تكييف، مستدلين على ذلك بأكثر من ألف دليل من الآيات، والأحاديث النبوية، وآثار الصحابة، وأشعار العرب (مثل أبيات عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت).
٥١ -وفي المقابل يُقرر المؤلف بطلان نفي الفوقية المطلقة؛ لأن ذلك يستلزم عقلاً وصف الله تعالى بضدها (وهو السفول)، وهو أمر مذموم على الإطلاق. كما أن نفي العلو يؤول إلى إنكار حقيقة الذات الإلهية القائمة بنفسها والمباينة للعالم في الوجود الخارجي. كما أن الفطرة والضرورة الإنسانية تتجه للعلو، وبيان ذلك: أن الطباع البشرية مفطورة بالضرورة على قصد جهة العلو عند التضرع والدعاء، وهو ما أثبته النقاش بين أبي جعفر الهمداني وإمام الحرمين الجويني الذي عجز عن دفع هذه الضرورة الفطرية وبكى.
٥٢- إبطال شبهة "السماء قبلة الدعاء"؛ فيرد المؤلف بقوة على من زعم أن التوجه إلى الأعلى هو لأن السماء قبلة الدعاء (كالطحاوية أو كالكعبة للصلاة)، موضحاً أن هذا بدعة لم يقل بها السلف، وأن القبلة ما يستقبله المرء بوجهه لا ما يحاذيه برأسه.
٥٣- بيان حقيقة العرش والكرسي والرد على الفلاسفة والمتكلمين؛ حيث أوضح المؤلف العرش حقيقة شرعية (سرير ذو قوائم تحمله الملائكة فوق السماوات كالقبة) وليس فلكاً مستديراً متحركاً (كالفلك التاسع أو الأطلس) كما يزعم الفلاسفة وأهل الكلام. ثم بين أن الكرسي غير العرش، وهو موضع القدمين كما أثر عن ابن عباس. كذلك أوضح بطلان تأويل العرش والاستواء بالملك والسلطان والاستيلاء؛ لأن "الاستيلاء" يقتضي مغالبة وعجزاً سابقاً، ولأن العرش خُصّ بالذكر من بين سائر المخلوقات.
٥٤- مسألة فناء النار ومواقف العلماء فيها؛ حيث استعرض الألوسي المسألة من خلال قولين منسوبين لأهل السنة: الأول يرى أن للنار أمداً تنتهي إليه وتفنى (وهو ما مال إليه ابن قيم الجوزية مستدلاً بـخمسة وعشرين دليلاً، ونُسب أيضاً لابن تيمية ولبعض الصحابة كعمر وأبي هريرة وابن مسعود). والثاني هو مذهب الجمهور القائل بأبدية النار وعدم فنائها للكفار. وينتهي المؤلف إلى ترجيح القول الثاني (أبدية الدارين) باعتباره القول الصحيح، مع الاعتذار لمن مال للقول الأول من الأئمة كابن تيمية بأنه اجتهاد سائغ له سلف فيه ولا يوجب التكفير.
٥٥- استعراض أدلة القائلين بفناء النار (الاستدلال بالحكمة والرحمة)، وبيّن المؤلف أن أدلتهم ترتكز على الاستثناء الوارد في آيتي هود والأنعام {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}، وعدم تعقيبها بما يفيد التأبيد كأهل الجنة {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، إضافة إلى سعة الرحمة الإلهية وسيرورتها كأصل مراد بالذات في حين أن الانتقام مراد بالعرض، فليس من مقتضى الحكمة المطلقة خلق خلقٍ للعذاب سرمد الأبد.
٥٦- استعراض أدلة القائلين بأبدية النار، والرد على التأويلات المخالفة؛ حيث استند القائلون أبدية النار إلى قواطع النصوص القرآنية الآمرة بالخلود والنفية للخروج والتخفيف {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}، كما أن الإجماع المنعقد على أبديّة الجنة والنار، وأن التأويلات الواردة على نصوص الخلود لا تقوى على معارضة صريح المحكم من الكتاب والسنة المأثورة عن الصحابة والتابعين . كما يضعف النص الآثار المروية في الفناء (كأقوال ابن الجوزية والألوسي الوالد)، ويؤوّل الاستثناء في الآيات بأنه خاص بـعصاة الموحدين لا الكفار.
٥٧- رد دعاوى الصوفية، وبيان الدسّ على ابن عربي؛ حيث ينفي المؤلف (عبر الشعراني) ما نُسب للشيخ محيي الدين بن عربي من القول بتبدل عذاب أهل النار عذوبة وتلذذاً، مؤكداً أن هذا مدسوس عليه بدليل حكايته للإجماع على تأبيد العذاب في "الفتوحات"، كما يُبطل النص بشدة قول الجيلي بتفضيل بعض أهل النار على أهل الجنة معتبراً إياه بهتاناً يخالف صريح القرآن.
٥٨- كما تحدث الألوسي عن عصمة الأنبياء وتحرير الخلاف فيها؛ وبيّن أن الأنبياء معصومون بالإجماع فيما يتعلق بتبليغ الرسالة (عمداً وسهواً عند الأكثر)، ومعصومون من الكفر والكبائر تعمداً بعد الوحي. أما الخلاف فيقع في الصغائر غير المزمنة أو وقوع الخطأ والسهو بشرط عدم الإقرار عليه، ويؤكد الألوسي الوالد أن الأسلم تأويل ما ظاهر عصيان (كقصة آدم) على أنه ترك للأولى أو كان قبل البعثة.
٥٩- كما ذهب الألوسي إلى مشروعية التوسل والاستغاثة واستعرض لذلك أدلة المجوزين، حيث استعرض في الفصل الأخير أدلة الجمهور والمجوزين للتوسل والاستغاثة والتشفع بجاه النبي ﷺ والأنبياء والصالحين في حياتهم وبعد مماتهم وفي العرصات (كحديث الأعمى، وحديث فاطمة بنت أسد، واستسقاء عمر بالعباس). وأوضح المؤلف مفهوم الاستغاثة عند المسلمين بأن المستغاث والموجد في الحقيقة هو الله، وأن النبي أو الولي هو واسطة وسبب بالتسبب والدعاء.
٦٠- تفكيك مفهوم التوسل والتمييز بين الإقسام والسببية، وقد أوضح المؤلف أن لفظ "التوسل" بالشخص أو "السؤال" به يحمل إجمالاً يغلط فيه الكثيرون. وهو ينقسم إلى معنيين: الأول مشروع: وهو التسبب بالشخص لكونه داعياً وشافعاً، أو لكون الداعي محباً له ومطيعاً لأمره، مثل حديث أصحاب الغار الذين توسلوا بصالح أعمالهم. والثاني ممنوع: وهو التوسل بالذات لمجرد الإقسام بها على الله تعالى من غير سبب من السائل أو المسؤول، وهذا ما نهى عنه الأئمة (كأبي حنيفة وأبي يوسف).
٦١- كما عني بتحرير المراتب في باب الاستغاثة والنداء وتحديد المحظور منه؛ فيقسم الشارح المراتب في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: الأولى (شرك أكبر): دعاء غير الله مطلقاً (حياً أو ميتاً) في قضاء الحوائج وكشف الكربات كقول: "يا سيدي فلان أغثني"، وهو كعبادة الأصنام. والثانية (بدعة منكرة): طلب الدعاء من الميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين؛ لأنه غير جائز ولم يفعله السلف، وإن كانت مخاطبتهم بالسلام جائزة شرعاً. والثالثة (مكروه تحريماً أو ممنوع): التوسل بالجاه والحرمة، وهو ممنوع عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ومكروه كراهة تحريم عند الحنابلة في أصح القولين، ولم يجوزه العز بن عبد السلام إلا في حق النبي ﷺ إن صح الحديث.
٦٢- كما استعرض الأدلة الفقهية والتاريخية على منع التوسل بالذات بعد الوفاة، من ذلك: صنيع الصحابة: عدم ورود أن أحداً من الصحابة جاء إلى القبر الشريف بعد وفاته ﷺ يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وكان ابن عمر وأنس يسلمون على القبر ثم يستقبلون القبلة إذا أرادوا الدعاء. كذلك توسل عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود: استسقاء عمر بالعباس ومعاوية بيزيد بن الأسود كان توسلاً بدعائهما وشبتهما في الإسلام لا بذاتهما، ولو كان التوسل بالذات الميتة جائزاً لما عدل عمر عن ذات النبي ﷺ وهي أفضل الذوات إلى ذات العباس. بالإضافة إلى قطع شجرة الرضوان وتعمية قبر دانيال: فعل عمر بن خطاب في قطع الشجرة وتعمية التابعين لقبر النبي دانيال بتوجيه من عمر؛ لقطع دابر التبرك الممنوع وسد ذرائع الشرك.
٦٣- إبطال الاحتجاج بالآثار الضعيفة والمنامات والحكايات في قضية التوسل؛ فيضعف الإمام الألوسي الأحاديث والآثار التي يستدل بها المجوزون، مثل حديث عثمان بن حنيف في زمن عثمان (في سنده مقال أو وضع)، وحديث آدم في التوسل بحق محمد (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف)، وحكاية الأعرابي (تفرد بها البيهقي وهي حكاية فردية لا تبنى عليها عقيدة)، مؤكداً أن المنامات لا يثبت بها حكم شرعي. وتبنى رأي ابن تيمية في أن قضاء حاجة بعض المستغيثين بالقبور قد يكون عقوبة، أو فتنة من الشياطين التي تتمثل لهم، أو يعفى عن الفاعل لجهله وتأويله فيثاب على أصل قصده لا على البدعة.
٦٤- كما تحدث عن حقيقة الحياة البرزخية للأنبياء، وأنها حق ثابت بالأحاديث الصحيحة (كحديث الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، وهي حياة أعلى من حياة الشهداء، لكنها ليست حياة دنيوية تترتب عليها لوازم التكليف والنطق والسؤال، بل حلول الموت بهم حقيقة بنص القرآن وصنيع الصديق أبي بكر، والصلاة المرئية لموسى إما لغوية (دعاء) أو شرعية من قبيل التشريف، ولأرواحهم اتصال بالبدن وتردد في الرفيق الأعلى.
٦٥- وانتهى إلى حرمة الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فيؤكد ابن تيمية أن إجازة الاستغاثة بالمخلوق (حياً أو ميتاً) في كل ما يستغاث فيه الله (كغفران الذنوب، وهداية القلوب، لإنزال المطر) هو كفر صريح بإجماع المسلمين، وأضل من كفر عباد الأصنام؛ لأن المشركين الأوائل كانوا يفردون الله بالدعاء في الشدائد البالغة كركوب البحر، بينما يجوز هؤلاء الغلاة طلب كل شيء من المخلوق.
التأصيل المنهجي والشرعي للمحاكمة:
١- بيان خلفية ابن تيمية العقدية والفقهية: حيث وضّح المؤلف أن مذهب ابن تيمية في العقيدة هو التمسك بظواهر النصوص ومعانيها المتبادرة مع المبالغة في التنزيه والنفير التام من التشبيه، متبعاً في ذلك جادة السلف الصالح.
٢- تحرير قاعدة "الجرح والتعديل" في حق الأكابر: من خلال التأصيل لفكرة أن الطعن في الإمام المشهود له بالعدالة والإمامة لا يلتفت إليه؛ لأن بواعثه تؤول في الغالب إلى التعصب المذهبي، أو غبار المعاصرة، أو الحسد، أو الجهل.
٣- تجلية سُنّة الابتلاء والمنافسة بين الأقران: حيث أكّد العلماء على أن التنافس والتغاير بين العلماء والأقران: داء قديم، سرى في كافة الأعصار، وأن كبار أئمة الإسلام عبر التاريخ (كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، والغزالي، والجويني) نالهم من التكفير والضرب والحبس وحرق المصنفات على أيدي أهل زمانهم ما نال ابن تيمية.
٤- منشأ الخصومة مع ابن تيمية: حصر الإمام الألوسي أسباب الهجوم على ابن تيمية في ثلاثة أبعاد رئيسية: داء المعاصرة، والمنافسة الشخصية، المخالفة المذهبية في مسائل الفروع والأصول، ونقده العلمي لكلمات الصوفية التي يخالف ظاهرها الشريعة.
٥ - قاعدة البحث في "القتال الصحابة": التأكيد على وجوب الإمساك عما وقع بينهم من خلاف، وإرجاع مرويات المساوئ إلى الكذب والتحريف، أو إلى دافع الاجتهاد السائغ الذي يدور بين أجرين للمصيب وأجر للمخطئ، مع استحضار الحسنات الماحية والمصائب المكفرة.
٦- تحرير القضايا الخلافية والبدع الإضافية: توضيح موقف ابن تيمية من خصوصيات المسائل الفقهية-العقدية، كمنع إفراد أحد من الصحابة بالصلاة عليه (كعلي رضي الله عنه) مضاهاةً للنبي وجعله شعاراً، وتصويبه لقول علي في رد تأويل معاوية لحديث قتل عمار بن ياسر.
٧- طريقة التعامل مع "شطحات الصوفية" وادّعاء الدس على أئمتهم: حيث ناقش الألوسي المعاذير الموجهة لإنقاذ تآليف الصوفية، سواء بحملها على سياق غيبة العقل (السكر الفكري)، أو بادعاء الدس والافتراء عليهم من قبل اليهود، وإبطال النص لهذه التبريرات وتأكيده على خطورة التكلم بما وراء طور العقل لما يورثه من تزندق وإسقاط للتكليف.
٨- المحاكمة الفقهية لمصطلحات الصوفية المشكلة: حيث بين المؤلف أن نقد ابن تيمية لأكابر الصوفية (كالشاذلي، وابن عربي، وابن الفارض) نابع من واجب النصيحة وحراسة الشريعة، بسبب تعبيراتهم التي يخالف ظاهرها القواعد الشرعية ومزلق القول بـ "وحدة الوجود"، الأمر الذي فتح باب إشكالات كبيرة، وسؤالات حول المصطلح وحقيقته التعبيرية.
٩-انقسام الموقف المعرفي من ابن عربي: رصد الألوسي ثلاثة مذاهب لعلماء الإسلام في التعامل مع ابن عربي: طائفة تكفره بناءً على ظاهر كلامه في "الفصوص" و"الفتوحات"، وطائفة تعظمه وترى بلوغه رتبة الاجتهاد وحمل كلامه على اصطلاح خاص، وطائفة وسطى تعتقد ولايته وتحرم مطالعة كتبه خوفاً من الضلال.
١٠- إدراك التحول السلوكي والمكاني في السيرة العرفانية: ذلك أن النشأة العلمية والروحية لأكابر الصوفية (كابن الفارض، وابن سبعين، والحلاج) تتبع الأطوار المعرفية والسلوكية التي حصّلوها، وكذلك تدرجهم في دراسة العلوم الشرعية والفقه والحديث إلى حب الخلاء والمسامرة الروحية، والسياحة في البوادي والأودية (كبوادي مكة وجبال القرافة)، وصيرورة أحوالهم مشهدًا تباينت فيه مواقف الأمة من "الكفر" إلى "القطبانية".
١١- المسؤولية الشرعية في تدوين العبارات الموهمة: ومن ذلك ضرورة طرح الإشكالية السلوكية في المعرفة الصوفية التي أثارها المجددون (كالشيخ محمد أمين الواعظ البغدادي) حول خطورة إشاعة وتدوين عبارات الشطح والاتحاد (مثل: تائية ابن الفارض الكبرى) في الأسفار؛ لما يترتب عليها من تذرع الإباحية الأشرار بها للمروق من الأحكام الشرعية، مع تأكيد مشروعية وعذرية من أنكرها حراسةً لجناب التكليف.
١٢-موقف السلف من علم الكلام؛ ولا بد من التمييز في علم الكلام بين نوعين؛ (المذموم) وهو المشحون بالفلسفة اليونانية وصرف النصوص عن ظواهرها، و(المحمود) وهو استخدام البراهين العقلية لدحض البدع والذود عن العقيدة كصنيع الإمام الأشعري اضطراراً.
١٣-جدلية النص والشهود الإشراقي، حيث أدى القول بالمكاشفة إلى توتر تاريخي ومذهبي بين الصوفية القائلين بالتلقي المباشر عبر "الكشف" و"أنبياء الأولياء"، وبين علماء الشريعة والمحدثين الذين جعلوا من الوحي المكتوب والسند الصحيح ميزاناً وحيداً للقبول والرد، مع تعرية دعاوى تجاوز التضعيف والتحسين الحديثي عبر الرؤى المنامية أو اليقظة الإشراقية.
١٤-الحديث عن المعارك التأويلية، والتي تمثلت ابتداءً حول الصراع حول "رؤية الله في الآخرة" كنموذج لذلك، والتي استخدمت فيها كل الأدوات المعرفية؛ من الاستنباط اللغوي، والجدل العقلي، وحتى السجال الشعري والمنظومات الإعجازية لتثبيت العقائد أو نفيها.
١٥- تأصيل رتب الاجتهاد ومسألة التجزؤ: حيث قام الألوسي بتعريف الاجتهاد أصولياً وشروطه (من معرفة لغة، وأصول، وبلاغة، ومواقع الإجماع)، وتقسيم المجتهدين إلى: (مطلق غير منتسب، ومطلق منتسب، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتيا)، والتأكيد على صحة "تجزؤ الاجتهاد" مستدلاً بتوقف الإمامين مالك وأبي حنيفة في بعض المسائل.
١٦- تحرير مسألة المصيب في الاجتهاد الفقهي: وقد ذكر المؤلف طبيعة الخلاف الأصولي بين (المخطئة) وهم الجمهور الذين يرون أن الحق عند الله واحد معين والمصيب واحد والمخطئ معذور مأجور، وبين (المصوبة) كالمعتزلة وبعض الأشاعرة الذين يرون أن كل مجتهد مصيب لأن حكم الله تابع لظن المجتهد، والحق بلا ريب مع الجمهور.
١٧ - مناقشة دعوى خلو الزمان من مجتهد (منعته الحنابلة وأجازه الجمهور)، ونقل حملة شديدة من الشيخ محيي الدين ابن عربي والشعراني وابن تيمية ضد فقهاء الأعصار المتأخرين الذين حجروا على الناس وضيقوا عليهم بإلزامهم بمذهب معين، ورفضهم العمل بالحديث الصحيح إذا خالف المذهب.
١٨- ثم بيّن حكام التقليد، والتلفيق بين المذاهب، وشرعية تقليد غير الأربعة؛ حيث قام بتعريف التقليد ومناقشة تقليد المفضول مع وجود الأفضل، وتقليد الميت، ونقل فتوى لابن تيمية تجيز تقليد الأئمة السالفين من غير الأربعة (كالثوري، والأوزاعي، وحماد، وداود الظاهري) باعتبارهم سادات أئمة الإسلام والالتفات إليهم واجب، وختم المسألة ببحث التلفيق وإبطاله عند المتأخرين.
١٩- تعليل منع تقليد الأئمة السالفين (الأوزاعي والثوري والليث)، فقد حرّر الألوسي القول في سبب امتناع المتأخرين عن تقليد سادات السلف؛ وحصر ذلك في علتين: إما اعتقاد اندراس مذاهبهم لعدم وجود ناقلين أحياء لها (مسألة تقليد الميت)، أو ادعاء انعقاد الإجماع المتأخر في العصر الثاني على خلاف أقوالهم، وبيان مذهب المحققين بأن "الخلاف القديم لا يموت بموت قائله" وأن قولهم معتضد ومعتبر في المقابلة والترجيح.
٢٠- كما قرر رحابة الخلاف الفرعي، ومشروعية الانتقال بين المذاهب؛ فقد نقل فتوى الجلال السيوطي في وجوب لزوم الأدب مع الأئمة وعدم المفاضلة المؤدية للنقص، وتأصيل أن "اختلاف الأمة رحمة وتوسعة"، وموقف الإمام مالك الحازم في رد طلب الخليفة هارون الرشيد إلزام الناس بـ "الموطأ". مع استعراض شروط الإمام الزناتي الثلاثة للانتقال بين المذاهب (عدم التلفيق بصورة باطلة مخرقة للإجماع، اعتقاد فضل المقلَّد، وعدم تتبع الرخص في عماية).
٢١- حكم التقليد في أصول الدين (علم الكلام)؛ فقام الألوسي بتحرير ثلاثة أقوال أصولية في عقائد التوحيد، وهي: (المنع) وهو قول الجمهور لذم التنزيل تقليد الآباء، و(الجواز) لحكاية إجماع السلف على قبول الشهادتين من العوام دون مطالبة بالدليل، و(الوجوب وتحريم النظر) خشية الشبهات (وهو ما يُوافق ظاهر كلام الشافعي في ذم الكلام).
٢٢- ثم بيان أثر الخلاف في حكم إيمان المقلد؛ فنقل إنكار القشيري والماتريِدي لنسبة تكفير العوام إلى الأشعري، وتأكيد أن الفطرة مجبولة على التوحيد؛ في حين أورد النص حُكم الإمام أبي حنيفة بوجوب اعتقاد الصواب إجمالاً عند إشكال الدقائق، وتكفير من توقف شاكّاً في أصول الصفات (كخلق القرآن)، وتأصيل قاعدة: "الخطأ في الأحكام مغفور ومأجور، والخطأ في علم الكلام بدعة وزور".
٢٣- أثر "رسم المصاحف والإعراب والنقط" في الذات والصفة؛ حيث قرر العلماء أن الصحابة كتبوا المصاحف أولاً بلا نقط ولا شكل (لأصالة سليقتهم العربية)، ثم لَمَّا حَدث اللحن نُقطت وشُكلت. كما أن أصل الحروف والنقط والشكل يحمل حكماً تبعياً؛ فالمداد الذي كُتبت به مخلوق، لكن الكلام العربي المفهوم المكتوب الدال على صفة الله ليس بمخلوق. واستدل بمأثور أبي بكر وعمر: "حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه".
٢٤- أصل الاضطراب الأصولي ومعركة الفلاسفة والمتكلمين تعود إلى مناظرات الجهمية والمعتزلة مع الفلاسفة حول "حدوث العالم"؛ حيث اعتقد المتكلمون أن إثبات قيام "الأمور الاختيارية والأفعال المتعاقبة" بذات الله (كالتكلم بمشيئته سبحانه وتعالى وقتما شاء) يستلزم حلول الحوادث، والقديم لا تحله الحوادث عندهم، فالتزموا القول بامتناع أن يكون الله قادراً في الأزل على الفعل والكلام، فراراً من التسلسل، فتعطل الرب عندهم أزلاً، وعبّر النص عن عجزهم بعبارة رشيقة: "فلا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا".
٢٥- أما مذهب الفلاسفة (ابن سينا وأرسطو)؛ فقد زعموا أن العالم أو الأفلاك قديمة أزلية مقارنة للباري مقارنة "المعلول لعلته الموجبة بذاتها" (كحركة الخاتم مع حركة اليد). وردَّ النص بأن هذا قياس فاسد؛ لأن الفاعل المختار بالإرادة يجب عقلاً أن يتقدم على فعله المعين، والقول بقدم العالم يقتضي أن يكون الله موجَباً بالذات لا فاعلاً مختاراً.
٢٦- تخريج المحققين المتأخرين لمسألة الكلام (ابن عربي، الكوراني، السفاريني)؛ حيث أورد الإمام الألوسي تحقيقات لطيفة لمتأخري المحققين؛ كالشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي في كتابه "إفاضة العلام"، والشيخ السفاريني، حيث حاكموا المسألة وثبتوا أن الأئمة الأربعة مؤتلفون في أصول التنـزيه. ونقلوا عن ابن عربي تكييفاً برزخياً صوفياً مفاده: أن لله تجلياً صُورياً مثالياً (في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة) ظهر فيه الكلام اللفظي المسموع بحروف وأصوات تليق بجلاله، كما جاء في حديث الرؤية والتجلي يوم القيامة، مما يرفع التعارض بين أدلة القِدم المعنوي والحدوث اللفظي التعاقبي.
٢٧-الموقف من "التأويل والتفويض"؛ فيوضح المؤلف أن الأسلم هو مذهب السلف في تفويض معاني المتشابهات مع التنزيه. ومع ذلك، لا يرى الألوسي بأساً بالتأويل القريب الشائع في كلام العرب إذا ورد عن السلف في بعض المواضع، لكنه يرفض التأويلات المتكلفة التي تنفر منها العقول.
٢٨- الاستدلال الأصولي بحديث استسقاء عمر بالعباس: حيث يُعدّ عدول الصحابة في عام الرمادة عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته إلى التوسل بعمه العباس رضي الله عنه دليلاً قاطعاً عند المانعين على عدم مشروعية التوسل بذات الميت؛ إذ لو كان التوسل بذاته ﷺ بعد انتقاله جائزاً لما عدلوا عنه وهم في وقت ضرورة ومخمصة، وحاشاهم أن يتركوا الفاضل (سيد الناس) إلى المفضول (عمه) لو كان ثمة مساغ شرعي.
٢٩- تحرير الإجمال والاشتراك في لفظ "التوسل"؛ حيث يُفصّل المؤلف (نقلاً عن تقي الدين ابن تيمية) في مفهوم التوسل مبيناً أنه لفظ مشترك يحمل معنيين: الأول: في عرف الصحابة: هو "الاستشفاع"، أي طلب الدعاء والشفاعة من الشخص الحي في حياته، ودعاء الله بأن يقبل شفاعته، وهو مشروع بدليل تأمين الصحابة على دعاء العباس. الثاني: في عرف المتأخرين: هو الإقسام على الله بذات الشخص أو جاهه (كقول: أسألك بجاه فلان)، وهو محل النزاع ولم يرد عن السلف، بل المشروع هو الإقسام بأسمائه تعالى وصفاته العُلا والأعمال الصالحة التي هي سبب شرعي للثواب.
٣٠- إبطال الأحاديث والمرويات الضعيفة والموضوعة في الباب؛ حيث يستعرض النص جملة من الآثار التي يحتج بها العوام والمجوزون ويبطلها تضعيفاً ونكارة، ومنها: حديث: "إذا كانت لكم إلى الله حاجة فاسألوا الله بجاهي..." (لا وجود له في كتب الحديث). وأثر معروف الكرخي: "إذا كانت لكم حاجة فأقسموا عليه بي..." (لا سند له يُعول عليه). وحديث أبي سعيد الخدري: "بحق السائلين عليك..." (في سنده العوفي وهو ضعيف)، وعلى فرض صحته فالحق هنا بمعنى الوعد الصادق فضلاً لا وجوباً، وهو توسل بصفة من صفات الله الفعلية (الإثابة والإجابة). وحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" (حديث مفترى ومكذوب بإجماع العارفين).
٣١- بيان موقف الآل والأعلام من الغلو في الصالحين والاستغاثة بهم؛ حيث يُنقل عن علي بن الحسين (زين العابدين والسجاد) قوله: "إن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله". ويُنقل عن أبي يزيد البسطامي: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون". ويؤكد الوالد (الآلوسي الكبير) في تفسيره ذم الغالين في الأولياء والنذور لهم، معتبراً أن دعواهم بأنهم وسائط تشبه تماماً دعوى عبدة الأصنام: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، واصفاً الاستغاثة بالمشايخ والموتى عند الخطوب الجسيمة بـ"أموج الض الضلالة وعصف ريح الجهالة".
٣٢- التوسط والتحقيق في مسألة التوسل بالجاه والحرمة، حيث يرى المصنف (الآلوسي) أنه لا بأس بالتوسل والإقسام بجاه النبي ﷺ حياً وميتاً، شريطة أن يُفسر الجاه بمعنى يرجع إلى صفات الله (كالمحبة التامة المستدعية لقبول الشفاعة)، فيكون التقدير: "اللهم اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي"، وهو فرار من تضليل الأمة وتخفيف للحرج، مع الإقرار بأن تركه أولى لعدم عهد الصحابة به خوفاً من قرب عهدهم بعبادة الأصنام، كما يمنع التوسل بجاه من لم يُقطع بصلاحه لما فيه من الجرأة على الله.
٣٣- تحرير النزاع في مسألة "شد الرحال" لزيارة القبر الشريف؛ فيُفرّق اللوسي (عبر النقل عن ابن عبد الهادي وابن تيمية) بين مسألتين خلط بينهما الخصوم: الأولى: أصل الزيارة: مستحبة ومسنونة ومحل اتفاق، وصنف فيها ابن تيمية كيفية السلام الشرعي بوقار ودون رفع صوت أو تمسح أو طواف. الثانية: شد الرحل وإعمال المطي للمجرد الزيارة: هي محل الخلاف؛ فابن تيمية ومالك وجماعة منعوا شد الرحل لغير المساجد الثلاثة مستدلين بحديث الصحيحين: "لا تشدوا الرحال..."، بينما جوزه المحققون كالنواوي والغزالي تأويلاً للنهي على نفي الفضيلة التامة أو نذر العبادة.
٣٤- التنديد بمسلك ابن جرجيس العاني (الاستسقاء بالبهائم والجمادات)؛ حيث يشن المصنف هجوماً عنيفاً على رسالة داود بن جرجيس العاني، واصفاً إياها بالهذيان والـ"قرمطة"، حيث جوز فيها التوسل بالحيوانات والجمادات مستدلاً بإخراج البهائم في الاستسقاء، ويوضح النص خطأ فهمه؛ فالبهائم تُخرج استدراراً لرحمة الله برحمته لضعاف خلقه لا لأن لها جاهاً أو دعوة.
٣٥- ثم انتقل المؤلف إلى التحقيق الأصولي في مقاصد العِدد وحِكمها، حيث يُبطِل دعوى من قال إن العِدد "تعبّد محض لا يُعقل معناه"، ويُثبت أن الشريعة مبنية على الحِكم والمصالح، حصرًا لأربعة حقوق في العِدة: (حق الله، حق الزوج المطلق في الرجعة، حق المرأة في النفقة والسكنى، وحق الولد في صيانة النسب). ويُبين أن براءة الرحم ليست المقصد الوحيد، بدليل وجوب عِدة الوفاة قبل الدخول، ووجوبها على الصغيرة والآيسة والمجنونة، تشريفاً لعقد النكاح وإظهاراً لفقده بترك التزين (الإحداد).
٣٦- استبراء المختلعة بحيضة واحدة (أثراً ونظراً)، فيُرجح المؤلف مذهب عثمان وابن عباس وأحمد في رواية، بأن المختلعة والمسفوخة نكاحها والزانية وموطوءة الشبهة تكفيهنَّ حيضة واحدة للاستبراء، مستدلاً بحديث الربيع بنت معوذ وأمر النبي ﷺ لامرأة ثابت بن قيس بأن تتربص بحيضة، ويرد على إعلال الحديث بالإرسال أو بالجهالة في لفظ "أُمِرَت". وأما من جهة النظر؛ فلأن الخلع بائن لا رجعة فيه للزوج، فانقطع حقه، فتمخضت العِدة لبراءة الرحم كالمسبية والمملوكة.
٣٧- حكمة اعتداد المطلقة ثلاثاً بثلاثة قروء، فيجيب اللوسي عن إشكال: لِمَ تعتد المطلقة ثلاثاً بثلاثة قروء مع انقطاع الرجعة كالمختلعة؟ بوجهين: الأول: إلحاقاً لها بجنس الطلاق ليكون الباب واحداً طرداً للقاعدة. الثاني (وهو الأقوى): عقوبةً للزوج وزجراً له لتجرئه على الطلاق المحرم (الثلاث بكلمة واحدة أو استنفاد الطلاقات)، فكلما طالت مدة انتظارها وعيل صبره، رُدِعَ عن الطلاق.
٣٨- منع بيع الأصل بالعصير وتوجيه مسائل الربا؛ فيورد اللوسي النقول عن النووي والشعراني في بيع المزابنة والمحاقلة، مبيناً اتفاق الأئمة على تحريم بيع الرطب بالتمر لعدم تحقق التماثل (إلا في العرايا لحاجة الفقراء دون خمسة أوسق)، وتخريج اختيار ابن تيمية في جواز بعض هذه البيوع بناءً على أنها مسائل اجتهادية تُراعى فيها المصلحة ودفع المشقة.
٣٩- ربا الفضل وسد الذرائع في بيع المصوغ متفاضلاً؛ فذكر الألوسي نقلاً عن ابن القيم تقسيمه الربا إلى: (جلي وهو ربا النسيئة) وحُرّم للمفسدة الذاتية، و(خفي وهو ربا الفضل) وحُرّم سداً لذريعة النسيئة. وبناءً على أن ما حُرّم سداً للذريعة يُباح للمصلحة الراجحة (كالعرايا)، يُقرر جواز بيع الفضة والذهب المصوغين (كالحلي والخواتم المباحة) بأكثر من وزنهما من النقد، وجعل الزائد في مقابلة "الصنعة وصياغة الآدمي"؛ لأن تكليف الناس ببيع الحلي بوزنه سفهٌ وإبطالٌ لأثر العمل المشروق، وتكليفهم ببيعه بغير جنسه فيه حرج وعسر تنفيه الشريعة.
٤٠- الفرق بين الصفة الخِلقية والصفة الصنعية؛ فيرد الألوسي على من قاس "الصنعة" على "الجودة الخِلقية" (كتمر جيب بتمر جمع)، بأن الجودة الخِلقية لا أثر للعبد فيها، فلو جاز التفاضل لأجلها لبطل تحريم ربا الفضل بالكلية، بخلاف "الصياغة وصنعة الآدمي" فهي عمل متقوّم يستحق الأجرة، فجازت المعاوضة عليه مضموماً إلى أصله كجواز المعاوضة عليه منفرداً.
٤١- تفنيد الحيل الربوية والتعجب من مسلك الفقهاء؛ حيث نقل تعجب ابن القيم من تشديد بعض الفقهاء في ربا الفضل (كمنع بيع رطل زيت برطل زيت، أو مد عجوة ودرهم)، في حين أنهم يفتحون لربا النسيئة (وهو الربا الجلي المهلك) كل أبواب الحيل كـ"العينة" و"المحلل" بـأوراق وخرق لا تساوي فلساً، واصفاً ذلك بنقض مقاصد الشريعة وتحكيم الصور الظاهرة مع فساد البواطن.
أهم القضايا التي أثارها ابن حجر الهيثمي في هجومه على ابن تيمية:
أ- بيّن المؤلف الألوسي قوة الحملة التي قادها ابن حجر الهيتمي في فتواه، والاتهامات التي ساقها ضد ابن تيمية بالابتداع، والغلو، والطعن في أكابر الصحابة والمتصوفة، ومطالبته بنبذ كلامه استناداً لعلماء عصره!.
ب- وقد فنّد ذلك الألوسي بنقله إجماع كبار مؤرخي الإسلام وحفاظه (كالذهبي، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي) على إمامة ابن تيمية، وبلوغه رتبة الاجتهاد، وتبحره في التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، ومجاهدته ضد التتار وإزالته لمظاهر الشرك.
ح- كما استعرض الألوسي شهادات العلماء والمحققين المعاصرين من مختلف المذاهب (كالكوراني، والسويدي، والآلوسي الأب) التي تبرئ ساحة ابن تيمية من دعاوى التجسيم والتشبيه، وتؤكد التزامه بمنهج السلف والتنزيه المطلق.
د-مسألة يمين الطلاق والحلف بالحرام؛ فقد نقل الألوسي نص فتوى ابن تيمية في الرد على دعوى انفراده؛ حيث يرى أن الحلف بالحرام أو الطلاق مع قصد اليمين (المنع والشد) لا يقع به طلاق بل تجزئ فيه كفارة يمين، مستدلاً بصنيع السلف في تحويل الظهار والإيلاء إلى أيمان تكفر، ومقارنة ذلك بالحلف بالعتق والنذر.
هـ- وذكر الألوسي الخلاف المذهبي الواسع (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد) في حكم لفظ "أنت علي حرام" لإثبات أن المسألة اجتهادية فرعية وليست بدعاً من القول انفرد به الشيخ.
و - مسألة طلاق الحائض وفي طهر جامع فيه (الطلاق البدعي)؛ حيث سرد الأحاديث الواردة في قصة طلاق ابن عمر لامرأته وتغيظ النبي ﷺ وأمره بالمراجعة. وأورد موقف الجمهور بوقوع الطلاق البدعي مع الإثم وتطويل العدة، وموقف الإمامية وابن المسيب وجماعة من التابعين والشوكاني بعدم الوقوع بناءً على حديث عائشة: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
ز- مسألة تارك الصلاة عمداً هل يقضى؟؛ فذكر تقسيم ابن تيمية للتارك بين (ناسي وجاهل وعامد): الناسي يقضي بالإجماع، والجاهل بوجوبها (كمسلم في دار الحرب أو البوادي النائية، أو المستحاضة الجاهلة) لا قضاء عليه في أصح الروايات لعذر الجهل. أما العامد المستيقظ: فنقل مذهب الأئمة الأربعة بوجوب القضاء، ومذهب ابن حزم وابن عربي وابن حبيب والشيخ ابن تيمية بعدم وجوب القضاء، لأن الصلاة عبادة مؤقتة خرج وقتها عمداً فلا تقبل بعده، وعليه الاستغفار والتوبة والتكثير من النوافل، وربط المسألة بأصل أصولي: (هل يجب القضاء بالأمر الأول أم بأمر جديد؟).
ح- مسألة طواف الحائض في الحج بلا كفارة؛ فعرض الروايات المذهبية؛ حيث يشترط الشافعي وأحمد الطهارة للطواف، بينما يرى أبو حنيفة أن الطهارة واجبة لا شرط (فإن طافت الحائض هجراً صح طوافها وعليها بدنة).
ط- وقام الألوسي تحرير فتوى ابن تيمية في الحائض التي فاجأها الحيض وعجزت عن التخلف عن رفقتها (القافلة)، فإنه يباح لها الطواف للضرورة ويجزئها، قياساً على صلاة المعذور ومسألة المستحاضة، والأحوط لها أن تغتسل وتتحفظ وتخرج دماً، ولا يتبين وجوب الكفارة عليها للعجز والاضطرار.
ي- مسألة رد الطلاق الثلاث بلفظ واحد إلى واحدة؛ وقد استعرض الأدلة والآثار: الاعتماد على حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، وحديث ركانة في طلاق المجلس الواحد.
ك - إيراد قياس ابن تيمية وابن القيم للطلاق على (ألفاظ اللعان، ورمي الجمرات، والحلف بالصلاة على النبي) حيث لا تتعدد الدفعات المتعددة بلفظ واحد بمرة واحدة. وعرض جواب الجمهور بأن إمضاء عمر للثلاث كان لسياسة شرعية أو لنسخ اطلعوا عليه، ونقل رؤية منامية طريفة للشيخ عبد الغني النابلسي تذكر تصويب القول بالوقوع ثلاثاً، وختم المبحث بترجيح الشوكاني والقنوجي لقول ابن تيمية بعدم الوقوع.
ل- حكم المكوس وهل تقوم مقام الزكاة؟؛ فقام الألوسي بالتحرير اللغوي للمكس (الظلم والنقص وما يؤخذ بغير حق)، وبدء مناقشة دعوى جوازه لمن أُقطعها، وإجزائه عن الزكاة إذا أخذها السلطان جباية وقسراً.
م- حكم الأموال المصادرة والجبايات وهل تجزئ عن الزكاة؛ فذكر الألوسي الخلاف في الإجزاء بين العلماء: فنقل في النص عن ابن عابدين والمبشور والفتح والزاهدي الخلاف فيمن أخذ الظالم ماله مصادرة أو جباية فنوى بها الزكاة؛ فقيل: يجوز ويفتى به لأن السلاطين الجورة صاروا فقراء بما عليهم من التبعات، والصحيح والأحوط عدم الجواز لأنه ليس للظالم ولاية أخذ الزكاة من الأموال الباطنة. أما المكاس (العشار اليوم) فلا تسقط الزكاة بأخذه قسراً لأنه يسلب أموال الناس ظلماً بدون حماية، بينما أخذ الإمام الشرعي للزكاة كرهاً يجزئ لقيام أخذه مقام دفع المالك.
ن- فقه المظالم المشتركة عند ابن تيمية: دفع النص دعوى انفراد الشيخ بجواز إقطاع المكوس، وأورد نص كلامه في "المظالم المشتركة" (كأخذ الولاة أموالاً عند قدوم السلطان أو على الجسور)، حيث أوجب ابن تيمية العدل والاشتراك بين الشركاء في دفع المظلمة، وحرّم الهروب من دفع القسط حتى لا يقع الثقل على الضعفاء، مبيناً أن من خلص مال غيره من عسكر ظالم أو قاطع طريق بما أداه عنه رجع عليه بالمال؛ تعاملاً بظاهر قوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.
س- حكم تنجس المائعات بموت الحيوان فيها؛ حيث استعرض الألوسي مذاهب الأئمة في المياه (الشافعي وأحمد: ينجس ما دون القلتين، أبو حنيفة: ينجس القليل إلا الغدير العظيم أو عشرة في عشرة، مالك: لا ينجس إلا بالتغير). وفي إزالة النجاسة بغير الماء جوزها أبو حنيفة بكل مائع مزيل كالخل دون الأدهان، ومنعها الأئمة الثلاثة.
ع- ثم ذكر اختيار ابن تيمية بأن المائعات كالزيت والدبس لا تنجس بموت الميتة فيها (كالفأرة) إلا بالتغير، وهو رواية عن أحمد وقاله طائفة من السلف كابن مسعود وابن عباس والزهري وأبو ثور وابن الماجشون من المالكية وأهل الظاهر.
ف- وناقش العلل الحديثية والأصولية للمسألة: ضعّف ابن تيمية زيادة حديث معمر عن الزهري: "وإن كان مائعاً فلا تقربوه" التي اعتمد عليها أحمد في المشهور، ورجّح رواية ابن عباس وميمونة الاقتصار على طرح ما حولها. وحجته الأصولية أن النجاسة إذا وقعت في المائع واستهلكت واستحالت فيه لم يبق لها أثر (كالخمر إذا استحالت خلاً)، فتطهر بالاستحالة والاستهلاك وهو مذهب الحنفية والظاهرية ورواية عن أحمد ومالك.
ص- ثم تناول الألوسي مسائل فقهية واختيارات تفرد بها ابن تيمية (نقلها ابن رجب)، ومنها: ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة (كماء الورد)، وجواز المسح على النعلين واللفائف ومطلق ما يشق نزعه، والتيمم لخشية فوات وقت الصلاة أو فوات الجمعة والعيدين للمعذور، وعدم وجود حد لأقل الحيض وأكثره بل المرجع للعادة، وجواز القصر في قصير السفر وطويله، واستبراء المختلعة بحيضة واحدة، وجواز طواف الحائض للضرورة بلا كفارة، وجواز بيع الأصل بالعصير متفاضلاً (كالزيتون بالزيت) بجعل الزائد مقابل الصنعة.
ق- رأي ابن تيمية ومذاهب العلماء في الحسن والقبح العقليين، حيث ذكر أن الاعتبارات في التحسين والتقبيح ثلاثة: (الملائمة والمنافرة للطبع، وصفة الكمال والنقص) وهذان عقليان اتفاقاً. أما الاعتبار الثالث (ترتب المدح والثواب والذم والعقاب) ففيه الخلاف: الأشاعرة يرونه شرعياً محضاً، والمعتزلة يرونه عقلياً محضاً ويوجبون على الله الصلاح والأصلح بالقياس على العباد. أما الحنفية (الماتريدية) وفضلاء الحنابلة كابن تيمية وابن القيم فيرون الحسن والقبح عقليين (يُدركان بالعقل) لكن الحاكم والموجب هو الله تعالى لا العقل، في الأفعال تشتمل على حكم ومصالح وعلل شرعها الله لأجلها (خلافاً للأشاعرة النافين للتعليل).
ر- مسألة أفعال العباد؛ حيث استعرض الألوسي المذاهب الثلاثة المشهورة في ذلك، وهي: المعتزلة (الإنسان خالق أفعاله استقلالاً)، الجبرية (لا فعل للعبد وهو كالجماد)، والسلف والأشاعرة والماتريدية (أفعال العباد مخلوقة لله تعالى كسباً للعبد)، وهو المذهب الوسط بين الجبر والتفويض. وقام الألوسي بتقرير أن الصحيح من أقوال العلماء: عدم تكفير مخالف الإجماع، ونقل تفصيل "حسام جلبي" بأن المسائل الإجماعية إن لم تكن متواترة قطعية الدلالة وخالية من الشبهة، أو كان الإجماع سكوتياً أو ليس إجماع كل الصحابة، فلا كفر بجاحده؛ وإنما يكفر جاهد الإجماع المتواتر لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع.
ش- نقد مقالة "الاتحاد المعنوي للكتب المنزلة" (المذهب الكلّابي)، حيث أبطلت النصوص المقالة المنسوبة لأبي محمد بن كُلّاب (والتي تبعته عليها الأشاعرة)، ومفادها أن كلام الله "معنى واحد قائم بالنفس لا يتعدد ولا يتبعض"، وأن التوراة والإنجيل والقرآن شيء واحد في الذات، وإنما الاختلاف في العبارات اللغوية (فإن عُبِّر عنه بالعربية كان قرآناً، وبالسريانية كان إنجيلاً). ووصف النص هذا القول بأنه "فاسد بالعقل والشرع"، لأنه يؤول إلى جعل آية الكرسي، وآية الدين، وسورة الإخلاص، بل وحتى سورة المسد {تبت يدا أبي لهب}، شيئاً واحداً في الحقيقة والمعنى، وهو عين المحال عقلاً.
ت- التمييز الحاسم بين "صوت الخالق" و"صوت المخلوق"، فذكر أن مذهب الغلاة (قدم الصوت الآدمي والمداد): أنكر النص على من زعم من جهلة أهل الحديث أن الأصوات المسموعة من القراء أو المداد والورق في المصاحف قديمة أزلية، وعدَّ ذلك بدعة وضلالاً يخالف العقل والشرع؛ مستدلاً بحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم»، فالتزيين فعل العبد وصوته، والمزيَّن (الكلام) هو كلام الله. كما أن مذهب أهل التعطيل: نقد النص الذين لم يميزوا بين الصوتين، فلجأوا إلى نفي الحرف والصوت مطلقاً عن الله، فوقعوا في نوع من الإلحاد والتعطيل بجعلهم الكلام صفة شبحية لا حقيقة لها. بينما فصل الخطاب عند السلف: أن القرآن كلام الله حقيقةً، حروفه ومعانيه، تكلم الله به بمشيئته وقدرته بصوت نفسه الذي لا يشبه أصوات المخلوقين {ليس كمثله شيء}، ونادى به موسى وأبوينا آدم وحواء في أوقات مخصوصة. أما أصوات العباد الحاملة له، والمداد المكتوب به في المصاحف، وأفعال العباد في التلاوة، فكلها مخلوقة محدثة.
الأمور التي ميّزت شخصيّة ابن تيمية -رحمه الله تعالى:
أ- الإنتاج المعرفي الغزير وتنوع التآليف: إبراز أن اتساع علم ابن تيمية لم يكن نظرياً مجرداً، بل تُرجم إلى مئات المصنفات والتآليف الضخمة في مختلف الفنون من تفسير، وعقيدة، وردود على الفلاسفة، وفقه، ومنطق؛ مما جعله مرجعية عصية على الإقصاء.
ب- الربط بين الإصلاح العلمي والعملي: الإشارة إلى أن مكانة ابن تيمية لم تُبنَ في غرف التدريس فحسب، بل ارتبطت بمواقف عملية شجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالة الشبهات والشركيات وتطهير المجتمع من آثارها.
ج- شهادة الخصوم الكبار بتميزه: بيان أن التفوق العلمي لابن تيمية انتزع الاعتراف حتى من أولئك الذين اختلفوا معه في قضايا الاعتقاد، حيث أقروا ببحره الزاخر، وزهادته، وورعه، وصدق نيته في نصرة الحق.
د- التواتر العلمي في تزكية ابن تيمية: وقد بيّن الألوسي استمرار سلسلة التزكيات لشيخ الإسلام عبر طبقات من كبار الأئمة والحفاظ والمجتهدين (بمن فيهم الشافعية والحنابلة والأحناف والمحدثين) من غير معاصريه، الذين امتدت طبقاتهم من القرن الثامن الهجري حتى العصر الحديث، مؤكدين ريادته واقتفاءه لمنهج السلف.
هــ- الامتداد المعرفي والمشرب الموحد لتلامذته: فأشار الألوسي إلى الأثر العلمي الكبير لابن تيمية في صياغة عقول تلامذته الأخصّاء (كابن كثير، وابن عبد الهادي، وابن مفلح، وابن قاضي الجبل)، وتأثرهم باختياراته الفقهية والحديثية، حتى شاركوه المحنة والابتلاء ودفنوا بجواره.
و- المرجعية الواضحة في إجلال الصحابة: حيث التزم ابن تيمية بمنهج أهل السنة والجماعة القائم على سلامة القلوب والألسنة للصحابة، والترتيب التوقيفي التراتبي للفضل والخلافة (أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي)، واعتبار الطعن في خلافة أي منهم ضلالاً بيناً.
منهج ابن تيمية في الرد على المتصوفة والأشاعرة وغيرهم:
١- التفريق بين "التوحيد النبوي" و"الاتحاد الفلسفي": حيث قام شيخ الإسلام ابن تيمية بتفكيك مذهب الاتحادية العام والمطلق، والبرهنة على أنه تعطيل للصانع وجحود للخلق تمويهًا باسم التوحيد، مع التمييز بينه وبين الحلول المعين (كقول النصارى والغلاة في الأئمة والمشايخ) والحلول المطلق القديم (كقول قدماء الجهمية بالحلول الذاتي).
٢- مناقشة ثنائية "الوجود والثبوت" في المدرسة الاتحادية: حيث ناقش ابن تيمية الأصلين الفلسفيين اللذين قام عليهما كتاب "الفصوص" لابن عربي؛ الأول: مذهب المعتزلة في أن المعدوم شيء ثابت في العدم أزلاً خارجاً عن علم الله، والثاني: أن وجود المحدثات هو عين وجود الخالق؛ مما أدى إلى القول بقدم العالم ووحدة الوجود وتصحيح عبادة الأصنام والعجل.
٣ - الحديث عن التدرج الطبقي في الكفر بين أقطاب الاتحادية: حيث قام ابن تيمية بتصنيف رجالات المدرسة الوجودية بحسب قربهم وبعدهم عن ظاهر الشريعة؛ فـ (ابن عربي) أقربهم لاعترافه بالمظاهر والأمر والنهي، و(الصدر الرومي) أبعد لتفلسفه الروحي، و(العفيف التلمساني) أخبثهم وأعمقهم كفرًا لرفضه أي تميز أو سوى واستحلاله للمحرمات والجمع بين المتناقضات كالأم والابنة والأجنبية.
٤-الربط بين الفساد العقدي والانهيار الجيوسياسي: حيث ربط ابن تيمية بعبقريته الاستشرافية المعقدة بين ظهور مقالات الاتحادية والحلول العام وبين سقوط الحواضر الإسلامية ودولة الخلافة (ظهور التتار واندراس الشريعة)، معتبراً مقولاتهم توطئة ومقدمة عقائدية لفتنة "الدجال الأعور" الذي سيزعم الربوبية بناءً على مذهبهم في أن كل شيء هو الله.
٥ - نقد مقالات الاتحادية والحلولية والجهمية: حيث بيّن ابن تيمية فساد قول القائلين بالاتحاد والحلول (مثل الحلاج والتلمساني وابن سبعين) الذين يزعمون أن الله يتحد بالمخلوقات، وتوضيح أن مقالتهم تجمع كل شرك في العالم وتؤول إلى عبادة الموجودات. والتعريج على أن السلف رأوا كفر الجهمية والاتحادية أشد من كفر أهل الكتاب.
٦- الرد على دعوى الكشف ومخالفة الظاهر للباطن: فقد أكّد ابن تيمية على بطلان أي ذوق أو وجد أو إلهام أو رؤية منام يخالف الاعتقاد الصحيح أو الأحكام الشرعية. فالأصل هو اتباع الرسل وما جاء في الكتاب والسنة (الإثبات المفصل والنفي المجمل).
٧- التأكيد على مفهوم التصوف الحقيقي (التصوف السني)؛ وهو الذي يعني تجريد القلب لله ومتابعة الكتاب والسنة، والاستشهاد بأقوال أئمة الطائفة كـ (الجنيد، وأبي يزيد البسطامي، والجيلاني، وذو النون المصري) الذين رهنوا قبول أي كرامة أو كشف بمدى موافقته للأمر والنهي وحفظ حدود الشريعة.
٨- ذم التصوف المنحرف (المتصوفة المغايرون): وقد رد ابن تيمية على من يدعون "علم الباطن" ويستحلون المحرمات بحجة الإلهام أو الرؤى، والاستشهاد بكلام الغزالي والإمام الرباني في أن كل حقيقة ردتها الشريعة فهي "زندقة".
٩- إبطال دعوى اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ: وقد أوضح ابن تيمية أن اللوح المحفوظ لا يطلع عليه إلا المطهرون (الملائكة)، وأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين ادعاء الاطلاع عليه، مع عدم نفي الكرامات الكشفية والإلهامات الغيبية للأولياء في ذاتها، لكن دون حصرها برؤية اللوح.
١٠-بيان أعذار الأئمة في ترك الأحاديث، مع بيان حجية قول الصحابي، فقد بيّن ابن تيمية أن الأئمة معذورون في ترك بعض الأحاديث لأسباب تزيد على عشرين عذراً (كعدم البلوغ أو اعتقاد النسخ)، لكن العذر يزول عمن بعدهم إذا صح لديهم الحديث، مستدلاً بترك الصحابة والتابعين لأقوال كبار الصحابة (كعمر وابن مسعود) إذا وضحت السنة بخلافها.
أولاً: الفوائد العلمية والفقهية والأصولية المستفادة من الكتاب
١- تحرير منزلة المجتهد وحجية النص عند الصراع:
ذلك إن إطباق الأئمة الأربعة على النهي عن تقليدهم عند ظهور النص الصحيح يرفع عن كاهل الأمة أوزار الجمود، ويجعل "الحديث الصحيح" هو المذهب الحقيقي للمسلم؛ وبذلك يرتفع التناقض المتوهم بين تعظيم الأئمة وبين مراجعة اختياراتهم الفقهية.
٢- تفكيك عُقدة الخلاف بين "الـمُخطِّئة" و"الـمُصوِّبة":
فأفاد الكتاب تقرير البحث الأصولي في كون الحق عند الله واحداً في مسائل الفروع (مذهب المخطئة) يحمي الشريعة من السيولة المعرفية، بينما إعطاء المخطئ أجراً يحمي ساحة المجتهد من التبديع والتفسيق، مما يثمر بيئة فكرية تجمع بين الانضباط والمرونة.
٣- إثبات مشروعية "تجزؤ الاجتهاد" وعلاج العجز المعرفي:
فقد فتح المؤلف الباب لاستعادة الحيوية الفقهية عبر القول بتجزؤ الاجتهاد؛ فليس شرطاً للنظر في مسألةٍ ما أن يكون العالم محيطاً بكل أبواب الدين، وهو ما يكسر احتكار الفتيا ويُلائم التخصصات العلمية المعاصرة.
٤- العمق السياسي والاجتماعي في المحاكمات التاريخية:
فقد كشف المؤلف عن وعي تاريخي متقدم يُثبت أن بعض المحاكمات الدينية (كمحنة ابن تيمية أو أئمة المذاهب) لم تكن بدوافع فقهية بحتة، بل كانت "تصفية حسابات شعبية وسياسية" استغل فيها الخصوم مخاوف السلاطين والأمراء من تنامي النفوذ المجتمعي للمصلحين.
٥- الربط الاستشرافي بين الانحراف العقدي والسقوط الجيوسياسي:
حيث قدم المؤلف فائدة نادرة بربط ابن تيمية بين شيوع مقالات الاتحاد والحلول (وحدة الوجود) وبين الانهيار العسكري للحواضر الإسلامية (اجتياح التتار)؛ إذ إن العقائد الحلولية تُورث التواكل، وإسقاط التكاليف، وموت الغيرة، مما يجعل الأمة نهباً للأعداء.
٦- التأسيس معيار "الإنصاف مع الخصوم":
فالتفرقة الجوهرية بين صريح قول العالم وبين "لازم قوله"، فالعالم لا يُلزم بلازم كلامه إذا كان يصرخ بنفيه؛ وهذه الفائدة الأصولية كفيلة بهدم تسعة أعشار الخصومات التاريخية والمعاصرة بين المدارس الإسلامية.
ثانياً: الفوائد واللطائف التاريخية والتراجمية
١- انتشار ظاهرة "مراجعات أواخر العمر" عند الفلاسفة وأهل الكلام:
فقد تتبع المؤلف الألوسي لنهايات الأكابر (كابن سينا، وابن عقيل، والغزالي) يمنح الباحث فائدة تربوية وعلمية مفادها: أن بريق المناهج العقلية المحضة غالباً ما ينطفئ عند مشارف الموت، لينتهي أصحابها إلى الاستمساك بعقائد العجائز والتسليم المباشر لنصوص الوحي.
٢- أظهر المؤلف قانون "المعاصرة حجاب" وتأثير البيئة المستقرة في ذلك:
حيث أبرز أن الهجوم الفكري على المجددين يكون غالباً من "أقرانهم"؛ نظراً لداء المنافسة والتغاير، أو لأن البيئة الفكرية السائدة ترى في كل طاقة تجديدية "ثورة" تهدد مكتسباتها ومكانتها المستقرة.
٣- سُنّيّة الابتلاء كعلاة من علامات التزكية التاريخية، وهذا في الاعم الغالب:
فناقش كيف تحول المحن والاعتقالات (التي تعرض لها الأنبياء وأئمة المذاهب كأحمد بن حنبل وابن تيمية) من دليل إدانة إلى "علامة ثبات"، مما يمنح المصلحين حصانة تاريخية ضد التشنيع المعاصر.
٤- ثراء التراث الإسلامي وتنوع مدارس السلوك:
حيث الفرز الدقيق بين (التصوف السني الشرعي) المبني على المباينة بين الخالق والمخلوق والالتزام بالأمر والنهي (كالجنيد والجيلاني)، وبين (التصوف الفلسفي الحلولي)، يُنقذ التراث الصوفي من التعميم الجائر (تزكية مطلقة أو إهدار مطلق).
ثالثاً: الفوائد المنهجية وأدبيات الحوار والجدل
١- أنسنة الخصومة والجدال بالتي هي أحسن:
فقد قدّم المؤلف نموذجاً راقٍ في النقد يعتمد على (الاعتراف بفضل الخصم وتأليفه) قبل البدء في تفكيك آرائه، ونقد "الأفكار" لا "الأشخاص"، مما يحول المعارك الفكرية من مصارعة شخصية إلى محاكمة علمية هادئة.
٢- سلاح "القلب الإيجابي للتهمة" (المناقضة المنهجية):
حيث قام بتحويل نقاط هجوم الخصم إلى نقاط قوة للمتَّهم؛ مثل قلب فرية "الانفراد بالرأي" إلى إثبات "المسبوقية التاريخية" عبر حشد أقران فكريين للمتهم عبر التاريخ، مما يجعل قوله معبراً عن مدرسة لا عن شذوذ فكري.
٣- قوة "المناقضات الشعرية" كوسيلة إعلامية معرفية:
وقد بيّن أن توظيف المنظومات الشعرية في السجال العقدي (كما في مسألة الرؤية مع الزمخشري) يُبين أن لغة الشعر كانت بمثابة "المنصات الإعلامية الفكرية" التي تملك قوة الإفحام السريع وسهولة الانتشار والتداول بين طلاب العلم.
٤- الحوار الافتراضي والمشافهة الاستجوابية:
وذلك بالاعتماد على أسلوب (فإن قيل... قلنا) وسياق الاستجواب التقديري؛ يمنح النص حيوية بالغة، ويُدرب عقل القارئ على استحضار الشبهة وتفكيكها ذاتياً قبل أن تستقر في الذهن.
٥- إلزام الخصم بـ "الاطراد المنهجي":
حيث استخدم المؤلف أسلوب (قلب الحجة)؛ بإلزام المقلد بأقوال إمامه، أو استنكار حشد السهام ضد الفقيه في قضايا فرعية مع التسامح مع الحلولي في قضايا وجودية؛ وهو أسلوب حواري يفضح التناقض الداخلي والتحيز الأيديولوجي لدى الخصوم.
___________________________________
رابعاً: أساليب الرد والمناقشة التي وظفها الإمام الألوسي في كتابه
١. الالتزام بالمنهج الموضوعي والإنصاف العلمي
نقد الأقوال لا الأشخاص: التركيز على نقد "الأقوال" لا نقد "الأشخاص أو المذاهب"، وجعل الحق هو الغاية الأساسية للمحاكمة العلمية.
الجدال بالتي هي أحسن والروح النبيلة: الابتعاد التام عن السباب، والشتم، والمهاترات اللفظية، والالتزام بالهدوء والتعقل والاتزان حتى في أشد مواطن الخصومة.
الإنصاف والاعتراف بفضل الخصم: الثناء على علم الخصم ومكانته وتأليفه (كما فعل الآلوسي مع ابن حجر الهيتمي) قبل البدء في تفكيك آرائه والرد عليها.
الاعتذار والإنصاف للمجتهدين: توخي العدالة العلمية؛ حيث دافع المصنف عن ابن تيمية والغزالي ضد حملات التكفير والتشنيع، مستخدماً الحجة الإلزامية: إن تخطئة المجتهد في مسألة ظنية لا تبيح عرضه، وأن "تسليط الجهال على تكفير علماء الإسلام أعظم المنكرات".
٢. التوثيق التاريخي والاحتجاج بالواقع
المحاججة بالنقل والتوثيق التاريخي (الاحتجاج بالواقعة): سرد الحقائق التاريخية، والوفيات، والترجمة لإنهاء السجالات النظرية وقطع النزاع بالمعلومة التوثيقية، معتمداً على أمهات الكتب (كابن خلكان، وابن الوردي، وابن خلدون).
التوسع في التراجم والسياق المحيط: استخدام أسلوب الاستقصاء التاريخي عبر ترجمة الأنصار والخصوم ومن دارت حولهم المعارك الفكرية، لإعطاء صورة كاملة ومحيطة بالقضية الشائكة.
الحوار السردي الاستقصائي والتنقل المذهبي: سرد أسماء الأعلام الذين تحولوا مذهبياً (كالطحاوي والخطيب والآمدي) كـ "حوار صامت" يسوق الوقائع المتواترة لتفنيد دعاوى المتزمتين بحرمة الانتقال بين المذاهب.
الرد بالدَّس والإنكار التاريخي: مواجهة الأقوال البدعية المنسوبة لأكابر (كابن عربي) عبر آلية النقد التاريخي وعرض المرويات على محكمات كتب المؤلف نفسه (كعقيدته في الفتوحات) لإثبات مذهب "الدس والتزوير" لدفع الشبهة.
٣. الاستدلال بالتواتر والتزكية التراكمية وشهادات الثقات
الاعتماد على التزكية التراكمية والاتصال الزمني: استخدام التتابع الزمني عبر القرون (من القرن الثامن إلى العصر الحديث) في نقل التراجم والتزكيات، لإثبات أن القول بإمامة ابن تيمية لم يكن طفرة أو موقفاً عابراً، بل حيوية فكرية وعقيدة علمية راسخة تتلقاها الأجيال بالقبول.
الاعتماد على شهادة الثقات في تبرئة الخصم: تبرئة المتَّهم من خلال النقل عن علماء ومؤرخين من مذهب الخصم نفسه (كالشافعية والحنفية) الذين شهدوا بإمامته وعدالته، مما يبطل دعوى الإجماع على ضلاله.
الاستدلال بالشيوع والاستفاضة: الاستشهاد بتواتر تآليفه واستفاضة ذكره في كتب التواريخ والتراجم المعتمدة لنسف دعوى "الخمول" أو "الانعزال الفكري" التي حاول خصومه إلصاقها به.
أسلوب الاقتباس التضامني (الاستشهاد لرفع التهمة): اقتباس شهادات علماء من تيارات مشهورة بالخلاف مع ابن تيمية (كالصوفية المعتدلة كالشرعاني، أو الأصوليين كابن أبي زرعة والسبكي) ليكون الحوار مع الخصم مبنياً على شهادة "أهل بيته المعرفي" قطعاً لدابر التعصب.
٤. المحاكمة التاريخية والمقارنة بالقدوات (قلب التهمة)
المحاكمة التاريخية والقلب الإيجابي للتهمة: دفع التهمة والتشنيع بـ (الحبس أو المحنة والابتلاء) عبر إثبات أنها "سُنّة تاريخية" جرت على الأنبياء والعلماء والأئمة الأربعة، وتحويل مادة التشنيع من دليل إدانة إلى صك تزكية يُكسب القضية هيبة شرعية وتاريخية ويجعل المحنة دليلاً على الثبات لا على الانحراف.
الاستدلال بالقياس النظري والتاريخي المشترك: إنقاذ ساحة المتَّهم بوضعه في "كفة تاريخية واحدة" مع أئمة المذاهب المتبوعين؛ فكل تهمة وُجهت لابن تيمية (كالابتداع أو الخروج عن الإجماع) أُثبت تاريخياً أن الأئمة الأربعة قد رُموا بمثلها في أعصارهم، فبطلت خصوصية التشنيع عليه.
الموازنة التاريخية بين أئمة الهدى وسلوكية أهل الشطح: استحضار طبقات مشايخ الإسلام والعرفان الأوائل (من السلف والتابعين كالجنيد والجيلاني) لإثبات المباينة الكلية بين تصوفهم السني المبني على التميز والمباينة الفطرية بين الخالق والمخلوق، وبين تصوف الفلاسفة المتأخرين القائم على الوحدة والحلول.
الموازنة المنهجية وإيجاد الأقران الفكريين: دفع فرية الانفراد بنقد الاتحاديين والحلوليين، عبر إثبات أن ابن تيمية له سلف صالح من كبار المحققين وأئمة المذاهب الذين بالغوا في الإنكار والتكفير، مما يبطل جعله منفصلاً وحده في هذا الباب.
٥. التفكيك والمحاكمة العقلية والمنطقية (السبر والتقسيم)
أسلوب التقسيم والتفريع (السبر والتقسيم المنطقي الحاصر): آلية حوارية تعليمية لتفكيك الأفكار والآراء المعقدة والمشتتة وضبطها في خانات دقيقة ليسهل استيعاب أطراف الخلاف وإبطالها؛ كتقسيم الفلاسفة (دهريين، طبيعيين، إلهيين)، وتقسيم الملاحدة، والتصنيف الثلاثي لمواقف العلماء (تكفير، تزكية، توقف)، وتفكيك مسألة العصمة، والتقسيم الرباعي الحاصر للحلول والاتحاد (مطلق ومعين)، والتقسيم الخماسي أو السداسي لأقسام المستغيث بناءً على جهة السؤال.
تفكيك التهم المبنية على "لازم القول": استخدام المنهج العقلي في رد فرية (التجسيم)، بالفرق بين صريح اللفظ وبين "لازم القول" الذي لا يلتزم به المتكلم ولا يصح إلزام الخصم به طالما صرّح بنفيه.
إلزام الخصم بلوازم مذهبه الفاسدة (المواجهة بلوازم المذاهب): إتباع منهج الإلزام عبر إبراز الشناعات السلوكية والعقدية المترتبة على نظرية وحدة الوجود (كتصحيح مذهب فرعون وإيمانه، والقول بمدح عبادة الأصنام والعجل، وتسوية الأعيان المستقذرة بذات الحق) مما يئول بالضرورة إلى هدم الشريعة. وكذا إلزام الأشاعرة بأن نفي العلة يلزم منه جعل الخلق عبثاً، وإلزام المعتزلة بأن إيجاب "الصالح والأصلح" هو قياس فاسد للخالق على المخلوق يسلب الرب مشيئته العامة.
السبر والتقسيم العقلي للمباينة والعلو: استخدام المنطق لتضييق الخيارات على الخصم؛ كقوله: إن الله لما خلق الخلق إما أن يكون خلقهم في ذاته أو خارجاً عنها، وبما أن الأول مستحيل، فتعين الثاني، وتعينت المباينة والعلو؛ لأن نفي العلو يقتضي ثبوت السفول.
الحوار السَّبَري العقلي لإبطال العلية الفلسفية: دحض شبهة الفلاسفة المشائين الذين قالوا بقدم العالم بناءً على قيام "المعلول مع العلة" بضرب مثال مادي (حركتُ يدي فتحرك الخاتم)، لإثبات أن حركة الخاتم من باب "المشروط مع الشرط" وليست من باب "المفعول مع الفاعل"، فالفاعل المختار يتقدم فعله بالضرورة.
إثبات التناقض في مواقف الخصوم والحوار الاستنكاري: إيراد نصوص لعلماء عادوا ابن تيمية في مواضع لكنهم اضطروا للثناء المفرط عليه في مواضع أخرى (كالسبكي وأبي حيان)، واستخدام التساؤل الاستنكاري (يا ليت شعري) لإظهار التناقض والتحيز الأيديولوجي في قبول الشطحات العظمى عند طائفة (كابن عربي والحلاج)، ومحاربة الاجتهادات الفرعية عند ابن تيمية.
أسلوب الشرط والملازمة العقلية: ربط النتائج بأسبابها الشرعية والعقلية، مثل: "كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل"، و"لو سلك هؤلاء طريق الأنبياء... لسلكوا طريق الهدى".
المقابلات والموازنات المعيارية وطرد القياس: عقد المقارنات لبيان الفروق الجوهرية، كالمقابلة بين منهج الأنبياء (إثبات مفصل ونفي مجمل) ومنهج الصابئة المعطلة (نفي مفصل وإثبات مجمل). ورد شهادات طائفة الاتحادية لبعضهم بالولاية عبر قياس شهادتهم على شهادة أهل الملل المنحرفة لأنفسهم بالحق، وتطبيق شروط قبول الشهادة الفقهية التي تمنع شهادة المرء لنفسه أو لطائفته فيما ثبت ضلاله.
٦. التحليل اللغوي والدلالي المقارن
المحاجة بالمجاز والملازمة اللغوية (تفكيك دلالة الألفاظ): التفرقة الدقيقة بين البنى اللغوية والشرعية؛ كالتفكيك اللغوي لمفهوم الاستغاثة والتوسل والجاه، وسياقة النقد النحوي واللغوي المقارن عبر توظيف الشواهد الصادرة عن كبار أئمة التفتيش (كالسيوطي وابن هشام) للتدليل على إمامة ابن تيمية في علوم الآلة واللسان.
الحوار الاستدلالي اللغوي (إلزامية اللفظ الشرعي): استدعاء لغة العرب لإثبات المعنى الشرعي، كالمحاجة بلفظ "النداء" في قوله تعالى: {إذ ناداه ربه}؛ بأن النداء في لسان العرب لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة، فمن ادعى أنه إلهام نفسي مجرد فقد أبطل خاصية النداء وسوَّى بين موسى الكليم وبقية الأنبياء في الوحي العام.
الحوار التمايزي التفصيلي (فض الاشتباك بالتقسيم الأصولي اللغوي): فض النـزاع بين القائلين بخلق القرآن والقائلين بقدم الأصوات الآدمية عبر تفكيك المشترك اللفظي (لفظة "التلاوة" و"اللفظ")؛ فـ "التلاوة" تُطلق ويراد بها: المتلوّ (وهو كلام الله غير المخلوق)، والتالي وفعل القراءة (وهو صوت العبد وحركة لسانه وهي مخلوقة)، وبهذا التقسيم يسقط الإجمال والإطلاق.
الحوار التفكيكي للمشترك اللغوي (قضاء الصلاة): إدارة حوار دلالي حول لفظ "النسيان" في آية {نسوا الله فنسيهم} وحديث "من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها"؛ لتحديد هل هو الذهول العقلي (فيختص بالمعذور)، أم هو "الترك العمدي" لغةً، وبناءً عليه يتقرر إسقاط القضاء أو وجوبه على العامد.
إلزام الخصم بالاطراد المنهجي واللغوي (سقوط دعوى الدس العرفاني): إبطال دعاوى التعذر بـ "الدس" أو "الاصطلاح العرفاني" عبر تفكيك الأثر العملي لهذه الكلمات، ومحاكمة تلك العبارات بنص آيات الشريعة ومحكماتها حتى لا يتخذها أهل الانحلال ذريعة للمروق من التكليف.
٧. الاحتجاج بالنص الشرعي والمنقول والأثري
الدفاع بالرجوع إلى صريح النص ونفي التأويل (الاستدلال بالنص الحرفي): مواجهة الاتهامات بالاستناد المباشر إلى نصوص المتهم وصريح عباراته المكتوبة، واعتماد نقل العبارات والفقرات الطويلة بحروفها من مصنفات ابن تيمية لإثبات كذب وتهافت دعاوى استنقاصه للصحابة والقرابة، ورفض التفسيرات التعسفية والتحيزات الشخصية.
الاستدلال بالمنقول المعتمد والأثر كفصل الخطاب: سوق الأدلة وتتويج الحوارات بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة (كأحاديث مسلم وأحمد وأبي داود)، والآثار والقصص التاريخية (قصة أبي حنيفة، قصة الهمداني مع إمام الحرمين)، والاحتجاج بأشعار العرب والصحابة لإثبات المعاني اللغوية والشرعية.
المحاكمة العقدية ببيان ثنائية (الخلف والسلف): فرز مواقف الخصوم وإرجاعها إلى جذر الخلاف بين المنهج (السلفي التوفيقي) والمنهج (الخلفي التأويلي)، لجعل الخلاف الفكري خلافاً في المدارس والأدوات، لا خلافاً بين الحق والضلال.
٨. التطبيق والتحرير الأصولي والفقهي المقارن
النقد العلمي المقارن لطبيعة الخلاف الفقهي: تبرير مخالفة ابن تيمية للأئمة الأربعة في بعض المسائل بأنها مستندة إلى أدلة شرعية وقواعد استدلالية قوية وله فيها سلف، وهو ما يسوغ للمجتهد فعله.
تقييد إطلاق القواعد الأصولية (تخصيص العموم): مناقشة القاعدة الشهيرة "الجرح مقدم على التعديل" ومحاكمتها علمياً، ببيان شروط تطبيقها واستثناء الأئمة الأعلام المستفيضة عدالتهم منها، مما يسقط الاستدلال بها في هذا الموطن.
تنزيل الفروع على الأصول وتحكيم القاعدة الفقهية: استخدام القاعدة الأصولية (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر) لرفع العصمة عن غير الأنبياء، مما يشرعن حق الناقد في الرد على الشاذلي أو ابن عربي دون أن يكون ذلك قادحاً في أصل منزلتهم أو منقصاً من شأنهم.
الاستدلال بإجماع الأمة الفعلي والقضائي: الارتكاز على اتفاق علماء وفقهاء المذاهب الأربعة في العصور المتقدمة على إباحة دم الحلاج والحكم بكفره؛ لإبطال دعاوى ولايته الخفية، تفعيلاً لقاعدة أن تخطئة الفرد المعين أولى عقلاً وشرعاً من تخطئة إجماع الأمة وعلمائها.
أسلوب القياس والإلزام الفقهي (طرد القاعدة أو التفويض): إلزام من أولوا بعض الأحاديث (كحديث الحجر الأسود) بأن يطردوا قاعدتهم أو يلتزموا بالتفويض، وإلزام الزمخشري بأن فتح باب التأويل الكنائي في الاستواء سيفتح الباب لتأويلات الباطنية التي تهدم الشريعة (مثل تأويل "خلع النعلين").
أسلوب المحاجة بالمنقول الإلزامي (قلب الحجة على المذهب): أسلوب حواري ذكي يُلزم فيه المقلد بأقوال إمامه الذي يقلده؛ حيث ساق المصنف نصوص الأئمة الأربعة وهم ينهون عن تقليدهم ويأمرون باطراح كلامهم إذا خالف الحديث؛ فيغدو المقلد الجَامِدُ عاصياً لإمامه من حيث أراد طاعته.
دلالة المفهوم والمخالفة الإلزامية (عمل الصحابة): استخدام تصرّف الصحابة كحجة إلزامية؛ ومثاله: إلزام الخصم بحديث استسقاء عمر بالعباس، فلو كان الاستسقاء بذات النبي ﷺ بعد موته مشروعاً لكان عدول عمر عنه إلى العباس عبثاً ومخلاً.
الاستدلال التلازمي والأقيسة الفقهية النوازلية: * في التوسل: قياس منطقي أولي؛ فإذا ثبت في حديث أصحاب الغار جواز التوسل بـ "الأعمال الصالحة" وهي مخلوقة وعرضية، فمن باب أولى يصح التوسل بذوات الأنبياء والصالحين الذين هم محل كرامة الله واصطفائه ذاتاً ووصفاً.
في طلاق الثلاث: حجة ابن تيمية وابن القيم حول الطلاق الثلاث بلفظ واحد؛ عبر طرح نظائر فقهية متفق عليها (رمي سبع حصيات دفعة واحدة لا يجزئ إلا عن واحدة، وألفاظ اللعان الأربعة بلفظ واحد لا تجزئ)، فإذا كان التعدد شرطاً في تلك العبادات لزم أن يكون شرطاً في إيقاع طلاق الثلاث. والاحتجاج بحديث ابن عباس في صحيح مسلم حول جعل الطلاق الثلاث واحدة في عهد النبوة لمواجهة إجماع الجمهور السكوتي باجتهاد عمر المصلحي الزمني.
في طواف الحائض (الأقيسة التلازمية للضرورة الشرعية): المقارنة بين ركنية الطلاق وركنية الصلاة؛ فإذا كانت الصلاة العظمى تسقط شروطها (كالطهارة والقبلة والستر) عند العجز والاضطرار، فكيف لا يسقط شرط الطهارة في الطواف لمن عجزت عن التخلف واستقبلت مشقة السفر؟
في قضايا الاستحالة والاستهلاك (المناظرة القياسية لعين النجاسة): قياس الأعيان المتنجسة على "الخمر المحللة بالانقلاب خلاً للإجماع" لزوال وصف الخبث؛ فكيف لا يطهر الزيت العظيم أو اللبن الذي استهلكت وتلاشت فيه مادة الميتة ولم تبق لها عين ولا أثر؟ وهو حوار يدور مع العلة وجوداً وعدماً.
في فقه النوازل والجور (الحوار المصلحي الواقعي): نقاش فقهاء الحنفية (ابن عابدين وصاحب النوازل والزاهدي) حول احتساب الجبايات القسرية والمصادرات زكاة؛ عبر الموازنة بين "حرفية النية والولاية الشرعية" وبين "دفع الضرر ومواساة المظلوم" بالتوسع الفقهي في تعليل وصف "الفقر والحاجة" المترتب على تبعات الحكام الجورة لتسويغ الصرف إليهم.
٩. استخدام الأساليب الحوارية والجدلية والمناظرات التاريخية
الحوار الإفتراضي والأسلوب الجدلي (فإن قيل... قلنا / الاستجوب القياسي): استعمال الصياغة التقديرية للرد على المخالف، كإظهار تهافت المقولات الضالة (فإذا قيل له: أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك وجدي...)، أو في معارضة المقلدين المعاصرين عبر طرح حوار تقديري: "أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟"، ثم إبطال المعارضة ببيان أن الإمام الفلاني قد خالفه من هو نظيره من الأئمة، والرجوع للحق لا يعني ادعاء الأعلمية بل اتباع الدليل.
الحوار الواقعي (المشافهة وحكاية المناظرات السابقة): استخدام الحكايات الحوارية الشخصية لإثبات الحجة، مثل قوله: "وقد خاطبني قديماً شخص من خيار أصحابنا..."، و"وجاء إلينا شخص كان يقول..."، حيث يستعرض الشبهة ثم يتبعها بعبارة "فبينت له فساد هذا".
حوار الإفحام والإلزام العقلاني المباشر (المشافهة الإفحامية): الاعتماد على الحوارات الحية والسريعة القائمة على "الملازمات المنطقية"؛ بحيث يُساق الخصم عبر سؤاله سؤالاً واحداً يلزمه بقبول النتيجة الإجبارية لمذهبه، أو الاعتراف بفساد أصله (كمناظرة الأسفراييني وعبد الجبار المعتزلي في مسألة القدر: "أيعصى ربنا قهراً؟"، ومناظرة الشيخ الشامي المقيد والقاضي ابن أبي داود في خلق القرآن: "هل علمها النبي والخلفاء أم لم يعلموها؟").
حوار الاستدعاء الفقهي الإفتائي (سؤال وجواب): نقل الفتاوى المطولة كحوار مكتوب بين مستفتي يبحث عن الحق، ومجتهد (كابن تيمية) يفكك له معضلات التعارض بين المذهب والحديث؛ مما يحول النص من سرد مدرسي جاف إلى حوار تفاعلي حي يمس واقع المكلفين.
سرد حوارات ومناظرات الشدة والتثبيت الروحي:
حوار المناظرة الفقهية المأثورة (حكاية الحجاج): سرد المناظرات التاريخية كحق الاجتهاد (ابن عقيل مع الكياهراسي)، ومناظرة ابن عباس في متعة الحج ("يوشك أن تنزل عليكم حجارة").
الحوار السياسي-الفقهي الفوقي الحازم: تمثيل أسلوب "الحوار السلطاني" الناصح (هارون الرشيد والإمام مالك حول إلزام الأمة بكتاب واحد)، والحوار الاستعطافي الابتزازي (المعتصم والإمام أحمد)، والحوار الفوقي الإسقاطي الذي يُجرد الخصم من أهليته العلمية قبل النقاش (رفض الإمام أحمد الحديث مع ابن أبي داود: "لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه").
الحوار النفسي التثبيتي والوعظي البيني: مثل حوارات الأعراب للإمام أحمد في جوف الليل وكلام اللص (أبي الهيثم العيار) وهو يساق للجلد لرفع معنويات المناظر وتثبيته في مواجهة أجهزة الترهيب.
مناظرة أوقات الشدة: سؤال الإمام أحمد (وهو يساق لضرب العنق) عن "مسائل المسح" ليوصل رسالة سلوكية مفادها أن العلم والاشتغال بالسنة مقدم على هيبة الموت والجلاد.
الحوار الاستدعائي الإفحامي (المناظرة النصية المتكافئة):* مواجهة حوار مناظريه الاستدلالي بآية {خالق كل شئ} بحوار استدعائي لآية {تدمر كل شئ بأمر ربها}؛ لبيان أن "كل" تحتمل الخصوص، وهو أسلوب يعتمد على مجاراة الخصم في دليله ثم إبطاله من داخل المنظومة النصية ذاتها.
حوار المراجعات والتراجع (الاعتراف والرجوع للحق): استخدام قصص التراجع كأداة إقناع حوارية قوية؛ مثل قصة توبة ابن سينا قبل وفاته، وتوبة المصنف (الآلوسي الوالد) بعد الرؤيا المضروبة بسياط، وتوبة الفضيل بن عياض، وتجربة الأكابر الروحية الذين تراجعوا عن القول بالوحدة بعد الترقي (من وحدة الوجود إلى وحدة الشهود).
الحوار التوفيقي "الوسطي التركيبي" (فض النزاع في أفعال العباد والصفات): * في أفعال العباد: استدعاء مقولات الأئمة (كالشافعي والجويني والسفاريني) لصياغة حوار يرفض الإفراط والتفريط (لا جبر ولا تفويض) لجمع أطراف الأدلة لإثبات عموم القدر الإلهي مع إثبات الاختيار والكسب الإنساني.
بين الأشاعرة والحنابلة: حوار الوالد (الألوسي) والتاج السبكي لتجسير الفجوة؛ ويعتمد على عزل مواقف "الرعاع" (المغالين من الطرفين) وإبراز اتفاق "الفضلاء والمحققين" على أصل التنزيه واتباع السلف بالعودة إلى المشترك المعرفي.
في الفوقية وعلو العرش: صنيع الشيخ إبراهيم الكوراني والشعراني في الجمع بين الروايات الحديثية («كان الله ولم يكن شيء قبله») والذب عن أئمة العلم (ابن تيمية وابن عربي)، لإثبات أن إثبات ابن تيمية للفوقية هو إثبات عَقَدي سلفي مشروط بنفي لوازم الأجسام، هادماً التخرصات التي رمت هؤلاء الأعلام بالحلول أو التجسيم.
الحوار الجدلي السبر والتقسيم الكلامي (مسألة الأصلح): ذروة "الحوار العقلي الافتراضي" في علم الكلام؛ كصياغة أبي الحسن الأشعري حواراً فرضياً بين العبد الصغير والعبد الكافر والرب سبحانه في الدار الآخرة لإلزام شيخه الجبائي المعتزلي بخرق أصل "وجوب الأصلح" حتى انقطع.
١٠. الحوار والتحليل الأدبي، اللغوي، والشعري
تفكيك النصوص الشعرية ومحاكمتها نقدياً: اللجوء إلى الاقتباس المباشر من الدواوين والمنظومات الصوفية (كتائية ابن الفارض، وأبيات البلباني) ومواجهتها بمحكمات العقول وصريح النقول، لبيان أن بواطن هذه الأشعار وظواهرها تنضح بنفي المغايرة وإسقاط التكليف وصرف العبادة للنفس.
الحوار الشعري (المساجلات والمناقضات على ذات الوزن): تحويل الشعر من أداة وجدانية إلى منصة حوارية حجاجية صارمة؛ حيث أورد المصنف أبيات الزمخشري المعتزلي في الرؤية، ثم أتبعها مباشرة بأبيات علماء السنة (ابن المنير، أبو حيان، السبكي) الذين نقضوا حجته بنفس الوزن والروي والقافية لبيان التكافؤ الأدبي مع التفوق المعرفي، ومثله حوار الأعرابي الذي نقض مذهب جهم بن صفوان شعراً وقَلَبَ عليه القياس في نفي الصفات بأنه هجاء ونقص لا تنزيه (يا جهم... أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر.. أمدحاً تراه أم هجاء وسبة؟).
أسلوب القياس العرفي الافتراضي (تقريب المعقول بالمحسوس): استخدام الحوارات الافتراضية التي تنقل الخلاف العقدي المجرد إلى واقع عرفي محسوس يسهل على الفطرة الإنسانية استيعابه؛ كاستخدام لغة العرب وأعرافهم في المدح والذم لإبطال مسألة نفي الصفات، ونقد بيت "الأخطل النصراني" (إن الكلام لفي الفؤاد) الذي اتخذه الكلّابية ركيزة لمذهبهم النفسي في كلام رب العالمين.
١١. الأساليب البيانية الحجاجية والإنكارية
أسلوب "الرد والتعقيب الجدلي" (الاستدراك والإبطال): تكرار صيغ السجال البلاغي مثل: "وتعقب بأن..."، "وأما أولاً.. وأما ثانياً.."، "وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض!"، حيث يطرح شبهة المخالف أولاً ثم يفككها عقلياً ولغوياً.
أسلوب "التهجين والتقبيح" لأقوال المخالفين: وصف بعض التأويلات بأوصاف منفرة لبيان تهافتها بعبارات حاسمة وقاسية، مثل: "تفسير مرذول"، "من أرذل الكلام"، "تفسير خبيث"، "تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة"، وتوصيف الوالد تعقيباً على الجيلي: "أفترى من أخزاه الله تعالى يفضل من أجله دار رحمته ورضاه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم".
الاستفهام الإنكاري والتهكمي: استخدام الأسئلة لإظهار غياب الذوق اللغوي والشرعي لدى المخالفين، مثل: "أيقول: ويحمل ملكه تعالى يومئذ ثمانية؟" أو "أيقول: اهتز ملك الرحمن وسلطانه؟".
الحوار الرسائلي التعليمي (أدبيات المكاتبة): نمط من الحوار غير المباشر يتميز بالانتقال من الوعظ والترحم إلى الحدة والقطع في إصدار الأحكام العقدية والمنهجية لفصل النزاع (كرسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد بسطاً للأصول في الفتنة).
الحوار السَّمعي والبياني (شهادات الواقع والنقل التداولي): استنطاق الحوادث المسندة تاريخياً لإثبات أن الكلام يُنسب حقيقةً لمن قاله ابتداءً لا لمن بلَّغه وأدَّاه بصوته؛ كالحوار بين قريش وأبي بكر عند نزول سورة الروم: "هذا كلامك أم كلام صاحبك؟"، وخطبة النبي في الموسم: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي».
______________________________________________
الفهرست:
فصلٌ تفصيل الرد على ابن حجر الهيثمي فيما عزاه للشيخ ابن تيمية
مسألة يمين الطلاق
طلاق الحائض
قضاء الصلاة المتروكة عمداً
طواف الحائض
طلاق الثلاث
حكم المكوس التي تؤخذ من التجار
فصلٌ في المظالم المشتركة
الماء المانع إذا وقعت فيه النجاسة
اعتبار شرط الواقف
مسألة التحسين والتقبيح العقليين
تتمة
مخالفة الإجماع
مسألة الحوادث وكلام الله تعالى
مذهب المعتزلة في كلام الله تعالى
مذهب الإمامية والخوارج والحشوية
مذهب الكرامية
مذهب الواقفية
نصُّ جواب شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسألة الحرف والصوف في كلام الله تعالى
فصلٌ
فصلٌ في مذهب الاقترانية
فصلٌ في مذهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والإرادة
فصلٌ في مذهب الكرَّاميّة
فصلٌ في ذكر مذهب أهل الحديث
فصلٌ
فصلٌ
فصلٌ
فصلٌ
باب ما جاء في إثبات صفة القول وهو والكلام عبارتان عن معنى واحد
باب ما جاء في إثبات صفة التكلم والتكليم والقول سوى ما مضى
باب
باب
باب ما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين رضي الله تعالى عنهم في أن القرآن كلام الله غير مخلوق
باب الفرق بين التلاوة والمتلو
القول بقدم العالم
دفع تهمة القول بالتجسيم والجهة والانتقال عن الشيخ تقيِّ الدين ابن تيمية
قوله بالجسمية والجهة والانتقال
باب
باب قول الله عز وجل: {ءأمنتم من في السماء}
باب
باب
فصل
تنبيه
فصلٌ في إبانة قول أهل الحق والسنة
الكلام على مسألة فناء النار
تتمة
مسألة عصمة الأنبياء
مسألة التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين
الفصل الأول: في أدلة المجوزين للتوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، لا سيما ذو الجاه العظيم -الرسول الشفيع الكريم، والنبيِّ الرؤوف الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
الفصل الثاني: ردُّ مانعي التوسُّل على مجيزيه
تتمة
فصل
الخاتمة
تنبيه: ردُّ المصنف على ابن جرجيس في مسألة التوسُّل
مسألة زيارة قبر النبيِّ وشدِّ الرحال إلأيه
باب زيارة قبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم
تتمة
نسبة القول بعدم تبديل ألفاظ التوراة والانجيل للشيخ تقيِّ الدين
تنبيه
فصلٌ: ذكر بعض المسائل التي ادَّعى أن شيخ الإسلام ابن تيمية خالف فيها الإجماع، ومنها:
١-مسألة ارتفاع الحدث بالماء المعتصر
٢-مسألة المسح على النعلين وغيرهما
٣-اختياره جواز التيمم إذا خشي فوات الوقت
٤-اختياره أنه لا حدَّ لأقل الحيض ولا لأكثره
٥-قصر الصلاة
٦-مسألة استبراء البكر
٧-من أكل في شهر رمضان معتقداً أنه ليل
٨-المسابقة بلا مُحلل
٩-استبراء المختلعة
فصل
فصل
فصل
فصل
١٠-اعتراض ابن حجر الهيثمي على الشيخ تقيِّ الدين وتلميذه ابن القيِّم في سبب إرسال العذبة، ورميهما بالتجسيم.
مسألة بيع المسجد بعد خرابه
خاتمة الكتاب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق