عقيدة أهل البيت
عبد الحكيم قاسم
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُمثّل موضوع "عقيدة أهل البيت" أرضية معرفية واسعةَ الامتداد في الدراسات العقدية الإسلامية، وسجالاً مذهبياً محتدماً ومؤثراً في التاريخ الديني والسياسي عند المسلمين، كونه أحد فروع علم الكلام. ويأتي هذا الكتاب كمحاولة "علمية" لتأصيل المفهوم الصحيح للتوحيد من خلال استعراض مرويات وآراء أئمة آل البيت الأطهار -عليهم السلام.
والكتاب مع وجازته وصغر حجمة إلا أنه اشتمل على دررٍ ثمينة من عقائد آل البيت عليهم السلام في الإلهيات والنبوات والسمعيات، المستقاة من النقولات عن أئمة أهل البيت بمختلف طبقاتهم؛ (كعلي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وابن عباس، وعلي بن الحسين السجاد، ومحمد الباقر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، ومحمد الباقر، وعلي الرضا). فيرى المؤلف أن السند التاريخي الثابت عن الأئمة -عليهم السلام- يتطابق تماماً مع عقيدة أهل السنة، وأن الروايات الأخرى التي تمنحهم صفات الربوبية والتدبير الكوني هي مجرد "أكاذيب منكرة" رويت عليهم وضخّمها الغلاة.
وطريقة المؤلف ومنهجه في كتابه أن يعرض المادة العقائدية أولاً من خلال النص القرآني، ثم يثنّي بـ"الأثر" متمثلاً في المرويات المنسوبة لأئمة أهل البيت من أمهات كتب الحديث والتفسير (سواء عند أهل السنة أو الشيعة)، ليؤكد للقارئ موافقة العقل والنقل والاتفاق الجماعي على أصول التوحيد.
كما أنه يستشهد بأقوال المفسرين والأعلام من مُبرّزي الشيعة (كالطبرسي، والفيض الكاشاني، والشُبّر، والشيرازي، ومكارم الشيرازي) لتأصيل فكرة أن أفعال العباد مقدرة في علم الله الأزلي ومكتوبة في اللوح المحفوظ.
وبعد استعراض أقوال الأئمة أوضح المؤلف صحة عقائد أئمة البيت عليهم السلام، وأن دعوتهم فقامت على التوحيد الخالص من الشك والشرك، وعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا يدل على علو كعبهم في المعارف الإلهية، وعلوم التوحيد. وهي ذاتها العقيدة الفطرية النقيّة المتطابقة مع ما جاء به الرسول ﷺ وصحابته الكرام.
أما عن أهمية الكتاب؛ فتتمثل في سعي المؤلف إلى إزالة ما يصفه بـ"الكدر والعكر" الذي لحق بسيرة هؤلاء الأعلام نتيجة المرويات الدخيلة التي نسجها الشيعة حولهم أو النظرات المغالية التي يحاول البعض إلصاقها بهم.. لكن تبقى مفارقات منهجية لا يمكن أن تردم الهوّة بين الشيعة والسنة، وهذه المفارقات تقوم على أن الكتاب "سنيّ العقيدة والتبويب، شيعيّ المادة والمصادر"، الأمر الذي يرفضه الشيعة، ويعتبرونه إزاحات وإسقاطات تخالف أصولهم العقدية والفكرية.
كما أن المؤلف (عبد الحكيم قاسم) تبنى المنهج العقدي لـ «أهل السنة والجماعة» كمعيار ومقياس للحكم على المقالات والأفكار الشيعية. واعتبر أن ما يخالفها هو مخالفة لتوحيد الله، الأمر الذي يراه الفكر الشيعي تحكُّماً وإجحافاً، وغير منطقي. وأن الطريقة المثلى هو تاحكم كل طرفٍ إلى رواياته ومصادره.
ولعل غرض الكتاب الأساس هو الرد على الشيعة في غلوهم في أئمة آل البيت، واعتقادهم غير الحق فيهم، وبيان أن اعتقادهم هو عين عقائد أهل السنة، وهذا حق. وفي المقابل يرى بعض الباحثين من المدرسة الشيعية (الإمامية أو الزيدية) أن المؤلف يتعامل مع التراث المروي بنوع من الانتقائية؛ فهو يستشهد بالروايات التي توافق الرؤية السُّنيّة العامة للتوحيد والقدر من كتب مثل (الكافي أو بحار الأنوار)، في حين يغض الطرف عن روايات أخرى في نفس المصادر تُفصّل في مفاهيم مثل "الأمر بين الأمرين" (وهو المفهوم الوسيط بين الجبر والتفويض عند الإمامية) أو مسائل نفي الرؤية والتشبيه التي يراها بعض أئمة الآل يختلف عن المدرسة السُّنيّة.
كما يُؤخذ على الكتاب -من وجهة نظر الشيعة المعاصرين- أنه حاول تأطير عقيدة أئمة أهل البيت في التقسيم المتأخر للتوحيد (ربوبية، ألوهية، أسماء وصفات)، وهو تقسيم استقرائي اصطلح عليه علماء متأخرون (كابن تيمية وابن القيم). وهذا التقسيم الحادث لم يظهر بوضوح على لسان أئمة الشيعة المتقدمين كالإمام علي أو الباقر أو الصادق، وبالتالي فإن فيه نوعاً من الإسقاط كون هذه الاصطلاحات لم تستخدم بذاتها، وإن كان في نصوصهم ما يدل لمعناها.
ومن المؤاخذات الشيعية أيضاً على الكتاب: اعتماد المؤلف في بعض الأحيان على روايات تاريخية أو كلامية دون إخضاعها لقواعد "علم الرجال" الصارمة عند المدرسة الشيعية. فيرى نقاد الشيعة أن الكتاب يحتاج إلى تمحيص أكبر للأسانيد لإثبات صحة نسبة تلك الأقوال إلى الأئمة، بدلاً من الاكتفاء بالنقل الظاهري للنصوص التي تخدم فكرة البحث فحسب.
وقد جعل المؤلف كتابه هذا في مقدمة وأربعة فصول، ئيسية حوت مباحث ومطالب مفصلة، على النحو الآتي:
أما المقدمة:
فقد افتتح المؤلف كتابه باستعراض فضل الرعيل الأول من الصحابة وآل البيت، وموضحاً دافعه لتأليف الكتاب؛ وهو الذود عن أئمة الآل -عليهم السلام-، وبيان برائتهم من الغلو والبهتان، متبعاً منهجاً تبويبياً يبدأ من الكليات وينتهي بالجزئيات.
الفصل الأول: أهمية التوحيد وأقسامه:
تناول المؤلف في هذا الفصل الغاية الأسمى من بعثة الأنبياء والمرسلين، وهي عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت. واستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية (كحديث معاذ بن جبل في حق الله على العباد). كما قسّم التوحيد استقرائياً إلى ثلاثة أقسام: (الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات)، وبيان ذلك في مبحثين: المبحث الأول: الغاية من بعثة الأنبياء. المبحث الثاني: فضل التوحيد وأقسامه.
الفصل الثاني: توحيد الربوبية:
وقد عرّفه المصنف بأنه إفراد الله بأفعاله (كالخلق، والرزق، والتدبير). وقد أفرد مساحة واسعة لـالإيمان بالقضاء والقدر باعتباره ركيزة تدبيرية؛ مستشهداً بمرويات عن الإمام موسى الكاظم في تفسير "مشيئة الله وقدره وقضائه"، ومبيناً مراتب القدر الأربعة (العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق) معتمداً على تفاسير شهيرة كـ"مجمع البيان" للطبرسي، و"الصافي" للفيض الكاشاني، ومرويات من "بحار الأنوار" و"الكافي". كما عرج على ثمرات الصبر والمنحرفين في القدر. وجعل الباحث ذلك في مبحثين: المبحث الأول: التعريف بتوحيد الربوبية. المبحث الثاني: أهمية الإيمان بالقضاء والقدر. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر. المطلب الثاني: المنحرفون في القدر. المطلب الثالث: الصبر على قضاء الله وقدره.
وقد خَصص المؤلف جزءاً هاماً في نهاية مبحث الربوبية للرد على الاتجاهات التي تنسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أو الأئمة خصائص ربوبية (كالتصرف في الكون، أو إنزال المطر، أو إحياء الموتى استقلالاً)، مستنداً إلى "رجال الكشي" لإثبات أن الإمام جعفر الصادق كان يبرأ ويروع من هذه المقالات المنكرة، ومفرقاً بين "المعجزة والكرامة" بإذن الله وبين ادعاء الشراكة في التدبير الكوني.
ثم في الفصلين الثالث والرابع استعرض المؤلف شروط توحيد العبادة، والتحذير من الشرك ومظاهره، ثم قواعد فهم الأسماء الحسنى والصفات العُلى- وفق الضوابط الشرعية بلا تعطيل ولا تمثيل. وبيان ذلك تفصيلاً فيما يلي:
الفصل الثالث: توحيد الألوهية: وقد تناول في هذا الفصل الأمور التي خالف فيها المؤلفُ الطوائفَ الأخرى في كتابه تتمحور حول "الغلو في رتبة الأئمة" ونقلهم من رتبة "البشرية والأولياء الخاضعين لربوبية الله" إلى رتبة "المشاركين في التدبير الكوني والرزق والإحياء"، وهو ما يراه المسلمين السنة مناقضٌ لأصل التوحيد الذي بُعثت به الأنبياء. وفيه أربعة مباحث، وهي: المبحث الأول: التعريف بتوحيد الألوهية. المبحث الثاني: التحذير من خطر الشرك بالله. المبحث الثالث: سؤال وجواب في توحيد الألوهية. المبحث الرابع: أمثلة دالة على وقوع الشرك في الناس.
الفصل الرابع: توحيد الأسماء والصفات: وفيه أربعة مباحث، وهي: المبحث الأول: قواعد في فهم الأسماء الحسنى وإثباتها. المبحث الثاني: قواعد في فهم الصفات العلى ومعرفتها. المبحث الثالث: قواعد مشتركة في أدلة أسماء الله وصفاته. المبحث الرابع: أمثلة لبعض صفات الله - سبحانه وتعالى.
الاستدلال المتقاطع (التوفيقي): من أذكر الأساليب التي اتبعها الباحث هو
اللغة والأسلوب: اتسمت لغة الكتاب بالوضوح التقريري والوعظي أحياناً، مستخدماً أدوات المحاجة والرد العلمي عبر تفكيك الروايات المنكرة وإعادة الاعتبار للمنقولات الثابتة عن الأئمة.
رابعاً: الخاتمة
يُعد كتاب «عقيدة أهل البيت» لعبد الحكيم قاسم مصنفاً هاماً في المكتبة العقائدية الحديثة؛ نظراً لجهده في محاولة ردم الفجوات السجالية والعودة بالمتلقي إلى المعين الأول لآل البيت الأطهار الذين كانوا مصابيح هدى وسائرين على خطى جدهم المصطفى ﷺ.
وقد نجح الباحث من خلال فصوله وبراهينه المستفيضة في إثبات أن عقيدة أهل البيت هي عقيدة التوحيد الخالص المتبرئ من الإشراك والغلّو، وأن تعظيم الأمة لهم ومحبتهم واجب شرعي مبني على اتباع نهجهم في تنزيه الخالق وإفراد الربوبية والألوهية له سبحانه، مما يجعل الكتاب مادة مرجعية خصبة للباحثين في مقارنة الفرق وعلم الكلام.
والكتاب في جملته محاولة تقريبية بين المدارس العقدية المختلفة، ومحاولة جادة للدفاع عن طهارة معتقد أهل البيت من الغلو، ولكنه يُنتقد علمياً بأنه صاغ عقيدتهم بـ "أدوات ومصطلحات غيرهم"، وبأنه ركّز على نقاط الاتفاق مع مدرسة معينة، وأغفل مساحات التمايز الكلامي الأخرى للأئمة. وبالتالي فإن هناك مفارقة منهجية دقيقة وعميقة في طريقة معالجة المؤلف للمادة العلمية. هذه المفارقة تتمثل في محاولة إثبات «عقيدة أهل السنة والجماعة» باستخدام «أدوات ومصادر ومرويات الشيعة»، وهو ما يخلق تقاطعات ومفارقات منهجية يمكن تفكيكها في النقاط التالية:
1. مفارقة "المصطلحات المتأخرة" مقابل "النصوص المتقدمة"
أولاً: يلتزم المؤلف بتقسيم التوحيد الصارم إلى ثلاثة أقسام (ربوبية، ألوهية، أسماء وصفات). وهذا التقسيم هو اصطلاح استقرائي استقر عليه الفكر السني المتأخر (تحديداً مع ابن تيمية وتلاميذه).
ثانياً: عند العودة لعبارات الأئمة المذكورة في النص (مثل كلام الإمام موسى الكاظم عن القدر، أو كلام الإمام جعفر الصادق في التوحيد)، نجد أنهم لم يستخدموا هذه المصطلحات المصنفة (ربوبية/ألوهية)، بل تكلموا بلغة كلامية وعقدية عامة.
2. مفارقة "حجية المصدر" والتوثيق المتقاطع
فيُلاحظ أن المؤلف يستشهد بكثافة بأمهات الكتب الشيعية مثل (الكافي للكليني، بحار الأنوار للمجلسي، رجال الكشي، وتفاسير الطبرسي والكاشاني والشيرازي).
3- المفارقة المنهجية الاستدلالية:
ففي الفكر السني التقليدي، لا تُعتبر هذه الكتب حجة في إثبات العقائد لتطرق الضعف والخلل في الإسناد إليها بمقاييس أهل السنة. ومع ذلك، استخدمها المؤلف هنا بمنهج "الإلزام المعرفي"؛ أي: أنه يذهب إلى مصادر الشيعة ليقتطع منها النصوص التي تبرهن على رؤية أهل السنة للتوحيد (مثل إثبات اللوح المحفوظ والقدر، ونفي تفويض التدبير الكوني لعلي بن أبي طالب)، مما يعني اعترافاً ضمنياً بحجية هذه النصوص في هذا السياق لإقامة الحجة على المخالف.
كما أن عبارات الكتاب المقتبسة من الرضا أو الكاظم تم توجيهها منهجياً لتخدم المفهوم السني للقدر (الكتابة والعلم الأزلي)، مستبعدةً الجدل الكلامي الشيعي حول "أفعال العباد" والمفهوم الفلسفي الوسيط الذي تبنته المدرسة الشيعية لاحقاً.
3. مفارقة في "القدر" بين الجبر، والتفويض، والأمر بين الأمرين:
فيركز الكتاب في الفصل الثاني على إثبات أن المقادير مكتوبة جملة وتفصيلاً، وأزلية، وعلم الله أحاط بكل شيء، وهو ما يتماشى مع عقيدة أهل السنة في إثبات القدر خيره وشره. الأمر الذي يخالف نهج المدرسة الإمامية (بناءً على نصوص أخرى في الكافي) والتي تبني عقيدتها في القدر على قاعدة «لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين»، وتفرد مساحة لمفهوم "البداء".
4. مفارقة "الكرامة والمعجزة" والولاية التكوينية:
فبينما يحذر الكتاب بشدة من معتقدات تفويض التدبير لآل البيت (مثل سياقة السحاب، وإحياء الموتى استقلالاً)، ويُرجع ما حدث لهم إلى باب "الكرامة الإلهية المشروطة بـإذن الله"، مستشهداً بنفي جعفر الصادق لرحلة علي في السحاب من كتاب (رجال الكشي).
إلا أن الفكر الشيعي (خاصة المتأخر) يعتمد على مفهوم "الولاية التكوينية" للأئمة، حيث يرى أن الأئمة لديهم سلطة تكوينية على الكون بإذن الله تختلف عن مجرد كرامة عابرة لوليّ عادي.
فبينما تكشف عبارات الكتاب أن المؤلف سعى جاهداً لتجريد أئمة آل البيت من أي خصائص "فوق بشرية" مستقرة، وإعادتهم إلى رتبة "الأولياء الصالحين" بمفهومها السني، مستدلاً بروايات شيعية تُحارب الغلاة الأصليين (الخطابية والسبئية) ليُسقط بها على مفاهيم شيعية سائدة اليوم.
المخالفات التي سجّلها (قاسم الحكيم) على الشيعة في كتابه
1. المخالفة في توحيد الربوبية والتدبير الكوني (الولاية التكوينية):
ولعلها القضية الأبرز التي ركز عليها المؤلف بنوع من النقد الشديد، حيث أشار إلى أن بعض الناس اعتقدوا بأن للأولياء والصالحين (وخاصة آل البيت كالإمام علي عليه السلام)، له حق التصرف والتدبير في الخلق والملك مع الله سبحانه، ومن أمثلة ذلك التي ساقها الكتاب:
أولاً: اعتقاد أن الإمام علي هو "رب الأرض": (استناداً لما نقله من بحار الأنوار وتأويل الآيات).
ثانياً: القول بأنه المتصرف بالدنيا والآخرة كيف يشاء.
ثالثاً: نسبة جزئية إلهية للأئمة: في الخلق، والرزق، وإحياء الأموات.
رابعاً: اعتقاد قدرة الإمام على ركوب السحاب: واستحضار السحب، وإنزال الأمطار، والتحكم بصوت الرعود.
وقد انتقد ذلك المؤلف بشدة، ورأى فيها مخالفة لاعتقادات أئمة آل البيت، كما أنها تُنافي توحيد الربوبية (إفراد الله بأفعاله)؛ لأن الله وحده هو الخالق والمالك والمدبر للكون، ومحاولة تخريج هذه الأمور بأنها تقع "بإذن الله" هو مخرج اعتبره المؤلف "سمجاً لا ينطلي على العقلاء".
2. المخالفة في مفهوم "الكرامات" وضوابطها:
يظهر ذلك جليّاً في نقطتين:
الأولى: عدم التثبت في الروايات: فمعظم الشيعة اإلى حد قريبيقبلون وينشرون روايات منكرة ومكذوبة على أهل البيت دون نقد أو تمحيص، وينسبونها تساهلاً للأئمة (كالكلام بعد الموت أو التحرك على المغتسل).
الثانية: جعل الكرامة شرطاً للأفضلية: فيُقرر الشيعة المعاصرون أن وقوع الكرامة أمرٌ حتمي لازم لكل ولي، لأنها تدل عندهم بالضرورة على أن هذا الولي أفضل من غيره. بينما يرى المنهج السني أن أعظم كرامة هي الهداية والاستقامة، وأن الكرامات في عهد التابعين كانت أكثر منها في عهد الصحابة لحاجتهم إلى التثبيت.
3. المخالفة في باب "القضاء والقدر" (نفي القدر)
أشار المؤلف الحكيم إلى وجود طوائف شيعية منحرفة في باب القدر، واستشهد بقول أمير المؤمنين علي: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر». وأن هذا الانحراف شمل مراتب القدر الأربعة، وهي: (العلم الأزلي الشامل، والكتابة في اللوح المحفوظ، والمشيئة النافذة، والخلق). الأمر الذي يخالف بعض المدارس الشيعية التي تقول بالبداء، وتنفي علم الله الأزلي بأفعال العباد قبل وقوعها أو تتبنى "التفويض المطلق" الذي يخرج أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه.
4. المخالفة في توحيد الألوهية (أو صرف العبادة لغير الله)
فقد أشار المؤلف بوضوح إلى مخالفة بعض الشيعة لقضايا التوحيد من خلال التعلق بالمخلوقين ودعاؤهم ورجاؤهم من دون الله، وكذلك التذلل لغير الله والاعتماد على سواه من البشر (سواء كانوا أنبياء أو أئمة أو أولياء).
بالإضافة إلى وقوع الكثير منهم في الشرك الخفي والجلي: كعبادة الأصنام (جلي) أو الرياء وإرادة الدنيا بالعمل (خفي).
إثبات وقوع الشيعة في بعض المنكرات والكبائر العقائدية
أورد المؤلف عبد الحكيم قاسم نصوصاً صريحة ومباشرة من أمهات المصادر الشيعية (كـ الكافي وبحار الأنوار ورجال الكشي) ليدلل بها على وقوع بعض المخالفات والمنكرات العقائدية من جهة، وفي المقابل نفي ذلك عن الأئمة وتبرؤهم منها. ويمكن ترتيبها فيما يلي:
1. نصوص تدلل على "الغلو في الربوبية والتدبير الكوني" (المنسوبة للأئمة زوراً)
منها: ادعاء أن الإمام علي هو رب الأرض المتصرف في الكون: "فقد نسبوا زورًا لأمير المؤمنين الإمام علي بأنه هو رب الأرض (بحار الأنوار: 7/326، 7/194، وانظر: تأويل الآيات: 736)".
ومنها: ادّعاء التفويض المطلق بالدنيا والآخرة وجزئية الإلهية: "وأنه المتصرف بالدنيا والآخرة كيف يشاء (الكافي: 1/408)، وله جزئية إلهية في الخلق والرزق وإحياء الأموات... وله من الأمر ما يشاء من استحضار السحب وإنزال الأمطار وصوت الرعود (بحار الأنوار: 27/32، الاختصاص: 327)".
ومنها: ادعاء ركوب السحاب: "بل زادوا في ذلك بأن بمقدوره أن يركب السحاب ويذهب عليها لأي مكان يريد (الاختصاص: 199)".
وفي المقابل ينقل رواية الكشّي التي تثبت براءة الإمام جعفر الصادق من هذا الغلو، باعتباره أقوى دليل علمي نقدي من داخل المذهب نفسه على مسالك ومنهجية الشيعة في عقائدهم، وقد ساق المؤلف رواية من كتاب «رجال الكشي» (وهو من أقدم وأهم كتب الجرح والتعديل عند الشيعة) يثبت أن الأئمة كانوا يُحاربون هذه الروايات
فقد: "ذكر العلامة الكشي في رجاله بأن أقوامًا من الناس يُحَدِّثون الناس بأحاديث منكرة ومكذوبة على جعفر بن محمد وعلى آله الطاهرين، فيزعمون: بأن عليًا في السحاب يطير مع الريح، وأنه كان يتكلم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكًا جهلًا وضلالًا، والله ما قال جعفر شيئًا من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك...".
2. نصوص تدلل على "الانحراف في باب القدر"
ومنها: حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الذي نقله في "الأنوار" "وقال أمير المؤمنين: لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر (بحار الأنوار: 5/120)".
ومنها: قول الإمام الرضا في إثبات علم الله الأزلي بأفعال العباد (رداً على النافين)، فمنها ما روي "عن حمدان بن سلمان قال: كتبت إلى الرضا أسأله عن أفعال العباد: أمخلوقة أم غير مخلوقة؟ فكتب: أفعال العباد مقدرة في علم الله تعالى قبل خلق العباد بألفي عام".
4. نصوص تدلل على وجوب إفراد الله بالعبادة ونفي الشرك (الألوهية)
وهي نصوص تُشدد على أن التوحيد الخالص الخالي من الشرك (الجلي والخفي) هو طوق النجاة الوحيد، فمنها: نص الإمام الباقر في عظم كلمة التوحيد، فـ "عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (الباقر) قال: سمعته يقول: ما من شيء أعظم ثوابًا من شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن الله لا يعدله شيء، ولا يشركه في الأمر أحد (بحار الأنوار: 3/3، التوحيد: 19)".
ومنها: نص حديث الرسول ﷺ الذي يرويه الإمام الرضا عن آبائه؛ فـ "عن الرضا، عن آبائه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: قال الله: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، ومن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بإخلاص دخل في حصني، ومن دخل في حصني أَمِن من عذابي (بحار الأنوار: 3/6)".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق