أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 20 يونيو 2026

رشد اللبيب إلى معانقة الحبيب لأحمد بن محمد بن علي اليمني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رشد اللبيب إلى معانقة الحبيب

لأحمد بن محمد بن علي اليمني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: كتاب "إرشاد اللبيب إلى معانقة الحبيب" أو "إرشاد اللبيب إلى معاشرة الحبيب" هو مصنف شهير -ينتمي إلى أدب "الباه" الذي هو أحد فروع الكتابات الجنسية، والأدب الشعبي في الثقافة العربية، ويتناول فنون المعاشرة الزوجية، وآداب النكاح، وقصص العشق والوصال، وعلاج المشكلات الجسدية والنفسية بين المحبين والزوجين في التراث الشعري والديني والأدبي.

أما مؤلفه؛ فهو الفقيه اليمني أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن علي بن يحيى اليمني (توفي في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي) كما هو الأشهر. وقد عدّ البعض هذا الكتاب موسوعة أدبية غزلية، لما تضمنه من النوادر والمفاخرات والحكايات الفكاهية، ورآه آخرون إسفافاً في الإباحيّة والابتذال القصصي، بينما رآه الأكثر امتداداً للمدرسة التي أسسها الإمام السيوطي في كتبه مثل: (الوشاح في فوائد النكاح)، والشيخ النفزاوي في (الروض العاطر)، وابن نصر الكاتب في (جوامع اللذة) وغيرها.

وعلى كل حال؛ فإن مثل هذه الكتب لا ينبغي أن تقع بين أيدي الفتيان والمراهقين؛ لما قد تسببه من إثارة للغرائز، لأن الأسرار الزوجية الدقيقة ينبغي أن تُعلم بالضرورة أو تُطلب في مجالس العلم الخاصة، وقام مؤلفه اليمني بتقسيم كتابه هذا إلى أبواب وفصول مرتبة ومنمقة بالقصص النثرية -الواقعية والمروية -بالإضافة إلى الأشعار الحوارية، وأخبار العشاق والمحبين ونحو ذلك.

ومن الجدير بالذكر أن المؤلف لم يكن موفقاً في الفصل بين الهزل والجدية في صناعة الكتاب؛ فكان يأتي بمقطوعات شعرية غزلية طويلة أو قصص عشاق لا تخدم المحتوى الفقهي أو الطبي، بل قد تكون سبباً في تشتيت انتباه القارئ، وإثارة غرائزه نحو موضوعات أخرى!

 وقد بدأ أبو العباس كتابه بالحديث عن ماهية الحب وأقسامه -من حيث التعلُّق والسبب- إلى (الحب العقلي، الروحاني، والشهواني). ثم امتدح العشق العفيف، وبيّن أن المعاشرة الناجحة تبدأ من ميل النفوس والصفاء القلبي بين الزوجين. ثم ساق في هذا الباب قصصاً وأشعاراً من عيون الأدب العربي لتهيئة القارئ أدبياً ونفسياً لما يأتي من مرويات وتراجم وقصص.

ثم انتقل إلى باب "الباه" الذي هو صلب الكتاب؛ حيث يفصل المؤلف في: آداب الفراش والوصال بين الرجل والمرأة. فتحدث عن مقدمات الجماع (الملاعبة، التقبيل، والحديث الرقيق)، وأهميتها النفسية والجسدية للمرأة قبل الرجل. ثم الحركات والوضعيات المختلفة لمعاشرة النساء، وما يوافق كل طبيعة جسدية (السمينة، النحيفة، الطويلة، القصيرة). ثم الفروق بين طباع النساء في الشهوة والوصال بناءً على بيئاتهن وأمزجتهن (الحارة والباردة والمعتدلة).

وبعد ذلك انتقل المؤلف إلى"الطب العربي" لينهل من كتب ابن سينا والرازي؛ ويشرح الطريقة الصحية للجماع؛ فتحدث عن الأوقات المستحبة للوصال والأوقات المضرة (مثل الجماع على الشبع الشديد أو الجوع الشديد، أو بعد الجهد البدني). كذلك الأغذية والمشروبات المقوية للباه (التي تزيد القدرة الجنسية والخصوبة) مثل بعض الأعشاب، اللحوم، والتوابل. ثم تركيب الأدوية، والدهونات، والمسوح التي تعالج المشاكل الجنسية الشائعة آنذاك (كالبرود، وسرعة الانزال، أو الارتخاء).

وأفرد بعد ذلك فصولاً في كيفية عناية المرأة والرجل بالنظافة الشخصية، واستعمال العطور، وإزالة الشعر، والتزين، معتبراً أن إهمال الجانب الجمالي هو السبب الأول لـ "النشوز" وفساد العلاقات، وبهذا يختتم الكتاب حديثه -على علّاتٍ فيه -وبعض إسفافٍ في ذكر قصصٍ لا تليق، ولعل عذره في ذلك النُّصح والتدليل، سيما ونحن في عصرٍ كثرت مشكلاته الأسرية بسبب القضايا الجنسية.

ولا أغفل هنا آراء النقاد والكُتّاب حول الكتاب، والتي دارت بين مؤيدٍ له ومعارض، بين من يراه علماً نافعاً، ومن يراه كتاباً جريئاً يدخل في تفاصيل حساسة؛ فاعتبر قطاع كبير من علماء اليمن والمشرق أن الكتاب يدخل تحت قاعدة "لا حياء في الدين"، و"لا حياء في العلم". فرغم صراحة الألفاظ أحياناً، إلا أنهم رأوا فيه دليلاً على إحاطة الفقه الإسلامي بـ "فقه الفراش" لحماية الأسر من الانحلال والخيانات الزوجية.

بينما انتقد بعض الفقهاء صراحة العبارات في بعض الفصول، ورأوا أن التوسع في ذكر وضعيات الجماع وأسرار النساء- قد يخرج الكتاب من إطار الوعظ والعلم إلى إطار "التفكه والمجون"، خاصة إذا وقع في أيدي العوام والشباب الذين يتعثرون بمثل هذه الكتابات ويرونها لوناً من المجانة والإباحية في التراث العربي والإسلامي.

وينظر الأطباء والباحثون إلى القسم الطبي من الكتاب بكثير من الإعجاب والتقدير؛ فرغم أن الكثير من وصفات الأعشاب ليست دقيقة في مقاييس الطب الحديث، إلا أن المثير للإعجاب العناية بالجانب "النفسي" وتركيزه على أهمية الإشباع المتبادل للطرفين (الرجل والمرأة)، وتأكيده على أن الصحة النفسية للزوجين تنعكس على طبيعة العلاقة، واستقرار الأسرة والمجتمع.

ويوجه النُّقاد الحداثيون والباحثون في الفكر الاجتماعي انتقاداً لاذعاً للكتاب (ولمعظم كتب الباه التراثية)، كونها تتحدث عن المرأة من منظور "تلبية رغبات الرجل"، ما يُدرجها تحت إطار "التسليع" كما يقولون، وكونها آلةً يسترضونه بها، ويتحايلون باستعمالها على إمتاعه، ويتعاملون معها على أنها جسد مجرد، وكـ "مادة للدراسة والتصنيف"، دون إعطاء مساحة حقيقية لكونها مخلوقاً كامل الإنسانية، ودون النظر إلى حقوقها النفسية كشريك كامل في الحياة والزوجية!

أما (الباب الأول والثاني)؛ فيبدأ المصنف بالحمد والثناء، مبيناً أن دافعه للتأليف هو التنظير للمتعة المباحة وإرشاد الجاهل وتنبيه العاقل. ويسرد الآيات القرآنية التي تدل على ميله الفطري للنساء كقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ...} وقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}. كما يورد آثاراً تذم العزوبة وترغّب في التناسل.

ثم يتطرق إلى حكم النكاح في الفقه الإسلامي؛ وكونه تعتريه الأحكام الخمسة، فقد يكون حكمه الوجوب لمن خاف العنت (الوقوع في الزنا) والقدرة على الباءة، والندب في الحال الاعتيادية للتناسل وإعفاف النفس، والإباحة، والكراهة، والحرمة لمن يتيقن أنه سيظلم زوجته ولا يقوم بحقها.

ثم يناقش مسألة الرغبة في النساء بناءً على "الجمال" أو "الحسب والنسب" أو "البكارة والثيوبة". فقهياً، والندب إلى اختيار ذات الدين لقوله ﷺ: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"، والندب إلى البكر لحديث "عليك بالأبكار..."، وإباحة نكاح الثيب لعلل مصلحية -كما فعل جابر بن عبد الله رضي الله عنه لإعالة أخواته. 

ثم التحذير الوارد في النص من "خضراء الدمن" (المرأة الحسناء في المنبت السوء)، فوفي ذلك كراهة الارتباط ببيئة تفتقر إلى الصيانة والأخلاق لما يترتب عليه من أثر على الذرية وسلوك الأبناء.

ويتطرق في البابين (الثاني والسادس) إلى مرويات وحكايات تزعم أن للنساء معظم الشهوة وسلطانها (تسعة أعشار الشهوة)، لكن ميزتهن هي "الحياء والإنكار". ويستدل على ذلك بقصص تاريخية وأدبية تبين حرص النساء على هذا الوطر. كما يستعرض العيوب الجنسية التي تصيب الرجال مثل "العِنّة" (العنين) وهو الرجل الذي لا يقوى على الانتشار، أو العجز الطارئ نتيجة الرهاب أو الاختلال النفسي عند اللقاء الأول.

ويُقرر المؤلف أن إعفاف الزوجة حق واجب على الرجل، ولها المطالبة به شرعاً لتفادي الضرر والوقوع في الحرام. واختلفوا في المدة؛ فمنهم من حددها بمرة في كل طهر، ومنهم من حددها بأربعة أشهر (قياساً على مدة الإيلاء)، والراجح عند المحققين كابن تيمية أنه واجب على الزوج بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه أو يشغله عن معيشته. وأن الحكم الفقهي في الرجل (العنّين) أن المرأة إذا رفعت أمرها للقاضي وأثبتت عِنّة زوجها، يؤجله القاضي "سنة شمسية أو قمرية كاملة" عند جمهور الفقهاء؛ لإعطائه فرصة للعلاج عبر الفصول الأربعة، فإن مضت السنة ولم يبرأ، فللمرأة خيار الفسخ، ولها مهرها كاملاً إن كان قد خلا بها خلوة صحيحة.

بينما في الباب (الرابع والخامس) يتناول الكتاب بالتفصيل الصفات المستحسنة في خِلقة النساء والرجال، والصفات المكروهة كالطول المفرط، القصر المفرط، والعيوب: كالنمش، وبخر الفم، والروائح الكريهة. كما يتعرض لآداب المعاشرة والمضاجعة من حيث التقبيل والضم، ويكره شدة الإسراع في الإنزال قبل إشباع المرأة.

كما تناول قضايا تنظيم العزل، وكراهية النساء له، والمراد به (إنزال الماء خارج الفرج). اوأن لحكم الفقهي المستقر عند المذاهب الأربعة هو أن العزل عن الزوجة الحرة لا يجوز إلا بإذنها ورضاها؛ لأن لها حقاً في الولد، وحقاً في تمام اللذة والشهوة، والعزل الفجائي يضر بها ويحرمها من كمال اللذة.

كما تناول آداب الجماع المباح؛ فقد حث الشارع على التمهيد للجماع بالملاعبة والتقبيل، وضابط ذلك في الهيئة والكيفية قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}، وشريطة أن يكون الإيلاج في القبيل (الفرج) فقط، حيث يحرم تحريماً غليظاً الوطء في الدبر (الشرج)، أو الوطء أثناء فترة الحيض والنفاس.

وفي الباب (الثامن والحادي عشر)؛ يتحدث الكتاب عن سلوكيات خارجة عن الإطار الشرعي، مثل "السحاق والساحقيات" (العلاقة الجنسية بين امرأتين)، وبيّن أنه محرم تحريماً قاطعاً بالإجماع، وأن  عقوبته "التعزير"، وهو عقوبة يقدّرها الحاكم أو القاضي الشرعي بما يردع الفاعلتين (كالجلد غير المقدر، أو الحبس، أو التوبيخ). 

ثم تحدث عن مكر النساء وحيلهنّ في القيادة (الدياثة)، والخيانات الزوجية عبر حكايات نوادرية وأدبية. وبيّن أن صيانة الأعراض وحرمة البيوت من المقاصد الضرورية الخمسة (حفظ النسل والعرض). وأن القيادة والتسهيل للفاحشة (الدياثة) تعتبر جرائم تعزيرية مغلظة في الشريعة، ويحرم بقاء الزوج مع زوجة تفرط في عرضها إن لم تتب.

الفوائد واللطائف الفقهية النادرة في النص

  • معيار قبول استئذان البكر:

أورد الكتاب أثراً عن الإمام أبي يوسف (صاحب الإمام أبي حنيفة) في الباب السادس، ومفاده أنه إذا استؤذنت البكر في الزواج فبكت، يُتعرف على رضاها أو كرهها عبر "مذاق الدمع"؛ فإن كان حلواً فهو دمع سرور (ويعد إذناً صامتاً)، وإن كان مالحاً فهو دمع حزن وكراهة.

تنبيه: الحكم الفقهي العملي المعتمد في المذاهب فهو حديث النبي ﷺ: "والبكر تُستأذن وإذنها صماتها"؛ فبناءً على الحكم الشرعي، مجرد السكوت أو البكاء الذي لا يصاحبه عويل أو رفض صريح يُعتبر موافقة شرعية مراعاةً لحياء البكر.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق