الماسونیة بین أنصارها وخصومها - دراسة تحليلية نقدية
د. عبد الله علي أبو الوفا
المدرس بقسم العقيدة والفلسفة - بكلية أصول الدين بالقاهرة
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: الماسونية أو القوة الخفيّة أو اليد الخفيّة أو الحكومة الخفيّة - أسماء مختلفة لمسمى واحد-: والتي تُعبّر عن الجمعية اليهوديّة السرية، التي أنشأها الوالي على اليهود بفلسطين "هيرودس أكريبا" سنة ١٣م، باقتراح من مستشاريه اليهوديين "حيرام أبيود"، و"مؤاب لافي"، ومعاونة ستة يهود آخرين، بهدف القضاء على المسيحية، وتمكين الدين اليهودي بكل طريق، مشروع أو غير مشروع.
وفي العصور المتأخرة، وسّعت الجمعية دائرة استهدافها؛ فلم تكتفِ بمحاربة المسيحية، بل وجهت سهامها لتشويه الدين الإسلامي ومحاولة تقويض أركانه. واستمرت على هذا النهج قروناً متطاولة في سرية مطبقة وعنيفة، حتى إن غالبية اليهود أنفسهم لم يكونوا على علم بحقيقة هذه الجمعية وأسرارها. لكنّها ما لبثت أن اعتراها التشتت والذبول في القرون الميلادية المتأخرة، فاقترح من تبقى من أعضائها سنة ١٧١٦م إحياءها من جديد، وفي عام ١٧١٧م أُعلن عنها رسمياً في بريطانيا تحت غطاء جديد واسم مستعار هو: "الجمعية الماسونية" (البناؤون الأحرار)، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل بلباس إنساني وظاهري خادع.
وقد اعتمدت "الماسونية" في تحقيق مآربها على أساليب ملتوية، أبرزها: تأسيس النوادي الدولية الواجهة: مثل نوادي "الروتاري" و"الليونز" التي ترفع شعارات براقة كالأخوة الإنسانية والعمل الخيري، لتكون مصيدة للنخب السياسية والثقافية والاقتصادية. والسيطرة على وسائل صياغة الوعي: من خلال تملك كبريات وسائل الإعلام العالمية، ودور النشر، ومؤسسات صناعة السينما والتسلية، بهدف توجيه الرأي العام العالمي نحو "العولمة الثقافية" المنسلخة من القيم الدينية. كذلك إشعال الفتن والثورات: حيث أثبتت القراءات التاريخية العميقة بصمات أصابعها الخفية وراء التخطيط للعديد من الهزات السياسية الكبرى التي ضربت الخلافة الإسلامية والدول الملكية الأوروبية لخلخلة الأنظمة التقليدية المستقرة.
وإذا كان الإسلام هو الشجرة المباركة، وكانت اليهودية هي الشجرة الملعونة، فإنّ هذا يعني أنّ العقبات التي يُقيمها اليهود في طريق المسلمين، هي من ضرورات هذا الطريق الحق، ولكن لا بد في النهاية من ثمار طيبة تطرحها شجرة الإسلام المباركة. أمّا الثمار الخبيثة للشجرة الملعونة فإن الفطرة البشرية تأباها وتمجّها، وهذا هو المصير المحتّم "للماسونية".
ولا شك أن الكثير من الأفكار والمذاهب والمدارس المنحرفة في العصر الحديث هي من صنع اليهود، أو هي متأثّرة بعقائدهم وتخدم مصالحهم بشكل مباشر أو غير مباشر؛ كالماركسية الإلحادية، والوجودية العبثية، والعلمانية المتطرفة، والداروينية الإجتماعية. والمستهدف الأول والنهائي بهذه الأفكار والمذاهب هو الإنسان — الذي نزلت رسالات السماء رحمة به وعزاً له — حيث تسعى هذه المنظومة إلى تجريده من فطرته النقيّة، وتحويله إلى كائن مادي مستهلك بلا هوية ولا دين ولا أخلاق، لسهولة قياده وتوجيهه. وهذا هو مسلك اليهود عبر العصور المختلفة وإلى يومنا هذا.
ولكن، ومهما بلغت قوة "الحكومة الخفية" من مكر ودهاء، فإن السنن الإلهية والتاريخية تؤكد أنه لا بد في النهاية من ثمار طيبة تطرحها شجرة الإسلام المباركة، ليشرق نور الحق من جديد. أمّا الثمار الخبيثة للشجرة الملعونة والمنظومة الماسونية، فإن الفطرة البشرية السوية تأباها وتمجّها، وسرعان ما تتداعى أركان الباطل أمام يقظة الشعوب وعودتها إلى خالقها، وهذا هو المصير المحتّم والزوال المنشود "للماسونية" وكل قوى الظلام.
__________________________________________________
ملخص الدراسة
الملخص: إنّ التاريخ المظلم للحركات السرية في العالم يسجل بين طياته عددا مخيفًا من التنظيمات والجمعيات السرية التي أثّرت بشكل كبير في العالم الإسلامي والعربي، والذي لا يغيب عن ملاحظة الباحث لها هو أن "الجمعية الماسونية" من بين هذه الجمعيات التي تعد الأخطر تأثير اً، والأوسع انتشاراً، خاصة في العصر الحديث.
ورغم أن كثيراً من الباحثين قد بذل جهداً مشكورا في محاولة الإجابة عن المسائل المتعلقة بالماسونية، إلا أن الملاحظ عند مراجعة كثير من هذه البحوث أن بعضها قد انتهج فيه منهج الهدم من أجل الهدم؛ فجاءت خالية من مناقشة رصينة أو تسليم ببعض المبادئ المقبولة التي تعلنها الماسونية. كما أن بعضها قد خلط بين الماسونية والصهيونية خلطاً تامّاً، أو جاءت المادة العلمية فيه غير منضبطة، أو في إطناب غير مقبول.
من أجل هذا كله رأيت أن أقدم هذه الدراسة التي حاولت فيها جمع تشتات ما كُتب عن الماسونية، في انتقاء يحوطه الانتقاد، وضبط يقوده الترتيب، وتوسط ترعاه الموضوعية بين الأنصار والخصوم، مع استمداد العون ورجاء التوفيق من الله تعالى.
وقد جاء البحث في: مقدمة اشتملت على مشكلة البحث وأهميته وخطته، ومنهجه، وثمانية مباحث مثّلت إجابات الأسئلة مدار البحث، وخاتمة اشتملت على أهم النتائج.
• منهج البحث:
١- المنهج التأريخي: في معالجة الأجزاء التاريخية من البحث، وأهمها الجزء الذي يتعلّق بتاريخ نشأة الماسونية، وتطورها، وأبرز شخصياتها.
٢- المنهج التحليلي: في جزء العرض والتحليل لآراء الماسونية وأفكارها.
٣- المنهج النقدي: وهو المنهج الذي عولت عليه في جانب الموازنة بين آراء المؤيدين للماسونية والمخاصمين لها، مؤيًداً أو رافضاً أو مرجحاً.
أهم النتائج:
١- الماسونية: جمعيّة سرية تعليمية، ذات نشاط سياسي وصهيوني، ً نشأت قديماً على يد أصحاب مهن البناء، وتطورت حديثًا لتشمل جميع أصناف المهن والطوائف، مستخدمة أدوات البناء في تعليماتها وتعاملاتها.
٢- الماسونية لها طوران: طور قديم عملي، وطور حديث رمزي تأسس في إنجلترا سنة ١١١١م، على يد الدكتور "ديزاجليه" في الظاهر، و"القوة الخفية" اليهودية في الباطن؛ فأصبحت في هذا الطور حركة صهيونية لها أهداف سياسية خفية، أهمها: تمكين اليهود من السيطرة على العالم.
٣- الماسونية الآن تتغلغل في أكثر الدوائر السياسية في العالم، خاصة في أمريكا وأوروبا، وقلّما يوجد سياسي أمريكي أو أوروبي ناجح ليس له نصيب من الماسونية.
______________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛ فإن التاريخ المظلم للحركات السرية في العالم يسجل بين طيّاته عدداً مخيفاً من التنظيمات والجمعيات السرية التي أثّرت بشكل كبير في العالم الإسلامي والعربي، إلا أن الذي لا يغيب عن ملاحظة المتتبِّع لهذه الجمعيات والتنظيمات هو أن "الجمعية الماسونية" من بين هذه الجمعياّت تعد الأخطر تأثيراً والأوسع انتشاراً، خاصة في العصر الحديث، رغم الغموض والسرية الذي أحاط بها. الأمر الذي يضيف كثيراً من علامات الاستفهام إلى التصورات والتصديقات التي تطرح عن هذا التنظيم.
مشكلة البحث والباعث على الكتابة فيه:
الحقيقة أن كثيراً من الباحثين قد بذل جهداً مشكور في محاولة الإجابة عن المسائل المتعلقة بالماسونية، لكن الملاحظ عند مراجعة هذه البحوث، نجدها قاصرة من عدة أمور:
أولها: أن بعض من الباحثين الذين كتبوا عن الماسونية انتهج في كتابته منهج الهدم من أول بحثه إلى خاتمته؛ ولا يقبل منها صرفًا ولا عدلاً، وإن كان هذا القول أو هذه الدعوى لا تتعارض مع النظر المستقيم، أو لا يوجد من الأدلة الكافية ما يدفعها.
ثانيها: أن بعض من الذين كتبوا عن الماسونية قد خلط في بحثه بين الماسونية والصهيونية خلطاً تاماً، حتى كأنه أراد الكتابة عن الماسونية فجاءت صهيونية، أو أراد الصهيونية فجاءت ماسونية (انظر على سبيل المثال: كتاب السر المصون في شيعة الفرمسون للأب اللبناني لويس شيخو (ت ١٩٢٧)).
والعلاقة بين الماسونية والصهيونية وإن كانت لا تُنكر كما سيأتي -إن شاء الله-، لكن ليس معنى هذا أن الماسونية والصهيونية شي واحد، بل الذي يتبين عند التحقيق أن لكلٍّ منهما حقيقة ووجوداً، وإن اتّحدا فيما بعد في الغايات والأهداف الخفيّة.
انظر على سبيل المثال: كتاب (الماسونية ذلك العالم المجهول دراسة في الأسرار التنظيمية دراسة في الأسرار التنظيمية لليهودية العالمية) للدكتور صابر طعيمة. وكتاب (الماسونية منشئة ملك إسرائيل) للدكتور محمد علي الزعبي. و(دلالات الرموز والأرقام المقدسة في الفكر الماسوني) للدكتور خالد علي عباس القط، بحث منشور بمجلة الجمعية الفلسفية المصرية، العدد (٢٢).
ولو كانت الماسونية هي الصهيونية حقيقة نفسها لما انخدع بالإنضمام إليها-في البداية- بعضاً من أكابر أهل الدين والعلم والسياسة، الذين عرف عنهم الحميّة لدينهم وأوطانهم، ولما استبعد بعض الباحثين المخاصمين للماسونيةكونها "حركة صهيونية كالصحفي العربي أديب إسحاق [ت ١٨٨١م]، والسيّد جمال الدين الأفغاني [ت ١٨٨١م]، والشيخ محمد عبده [ت ١٨٩١م] - في أول أمرهما-، وغيرهم. وإن كان جلّهم من الأعضاء الشرفيين، لا العاملين في الماسونية.
ثالثها: أن بعض هذه الأبحاث جاءت إما في إطناب ممل: جعل أصحابها يذكرون أشياء لا تتعلّق بالماسونية، أو تتعلّق بها لكن لم تتأيّد بشاهد من الواقع أو من صحيح النظر. أو اختصار مخل: جعل أصحابها لا يكادون يذكرون تعريفاً مستقيما للماسونية، أو تاريخاً مختصرا لها، وإنما هو نقدٌ في عجالة لتصديقات لم تسبق بتصورات.
رابعها: أن بعض الباحثين وإن بذل جهدا في جمع مادة علمية عن الماسونية، لكنه لم يحرص على ضبطها، أو تنظيمها؛ فجاء كلامه مشتتاً مختلطًا، لا يكاد يعرف أول القضية من آخرها، ولا يكاد يستقيم له مبحث مكتمل إلا وله ذيول في مباحث أخرى.
من أجل هذا كلّه قررت أن أكتب بحثًا عن "الماسونية" يجمع شتات ما كتب عنها قدر الطاقة والإعانة من الله تعالى، في انتقاء يحوطه الانتقاد، وضبط يقوده الترتيب والموضوعية.
الدراسات السابقة:
من أبرز الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي وقفت عليها:
١) البناؤون الأحرار دراسة موضوعية عن الماسونية وبيان اتفاقها أو اختلافها مع الإسلام، كتاب للدكتور محمد يسري جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر.
٢) الماسونية: نشأتها وخطرها على العالم الإسلامي، للدكتور حمد صالح الحميدة، بحث منشور بمجلة كلية أصول الدين والدعوة بالمنوفية، العدد .٣٨
٣) موقف الماسونية من الدين، للدكتور ناصر محمد عبد اللطيف المهدي، بحث منشور بمجلة الدراسات العربية، كلية دار العلوم، جامعة المنيا.
٤) دلالات الرموز والأرقام المقدسة في الفكر الماسوني، للدكتور خالد علي عباس القط، بحث منشور بمجلة الجمعية الفلسفية المصرية، العدد .٢٢
وهذه الأبحاث رغم انتشار بعضها إلا أن موضوع هذا البحث يمتاز عنها بالوصف العنواني المخصوص "الماسونية بين أنصارها وخصومها،" والمقيّد بمنهج التحليل والنقد.
أهمية البحث وتساؤلاته:
تظهر أهمية هذا البحث في محاولته الجديدة الإجابة عن الأسئلة التالية:
١-ما هي الماسونية؟
٢-ما أسماء الماسونية؟
٣-متى نشأت الماسونية، وما أهم أطوارها التاريخية؟
٤-ما درجات الماسونية؟ وما أهم فئات أصحابها؟
٥-ما مبادئ الماسونية؟ وما أهم أهدافها التي تدعو إليها؟
٦-ما موقف الماسونية من السياسة؟
٧-ما علاقة الماسونية بالصهيونية؟
٨-ما موقف الماسونية من الدين؟
والوصول إلى إجابات هذه الأسئلة هي الأهداف الرئيسة التي يرجوها الباحث من بحثه.
خطة البحث:
قسمت البحث إلى: مقدمة، وثمانية مباحث، وخاتمة.
أما المقدمة، فقد ضمنته تمهيداً للبحث، والباعث عليه، ومشكلة البحث، وأهميته، وخطته، والمنهج المتبع فيه.
وأما المباحث الثمانية:
فأولها: في تعريف الماسونية، وتصوير آرائها.
وثانيها: في الأسماء الأخرى للماسونية.
وثالثها: نفي شأة الماسونية، وأطوارها التاريخية.
في ورابعها: الدرجات الماسونية وفئات أصحابها.
وخامسها: في المبادئ والأهداف المعلنة التي تدعو إليها الماسونية.
وسادسها: في الماسونية والسياسة.
وسابعها: في الماسونية والصهيونية.
وثامنها: في الماسونية والدين.
وأما الخاتمة: فجعلتها للنتائج التي انتهى إليها البحث.
المبحث الأول: في تعريف الماسونية وتصوير آرائها
المطلب الأول: المنهج في طريق الوصول إلى تعريف الماسونية:
من القواعد المقررة في العقول السليمة أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره لذا فإنه من الضروري أن نقف على تعريف الماسونية قبل أن نتكلّم عن المباحث المتعلّقة بها.
لكن الحقيقة أن أمر هذا التعريف عسير إلى حد ما، وذلك لأمرين:
أولهما: الغموض والسريّة الذي يحيط بهذه الجمعية، ويجعل حجابًا كثيفا بينها وبين من أراد الاطلاع على حقيقتها.
ثانيهما: تخاصم الباحثين الكاتبين عن هذه الجمعية، وتفرقهم بين مؤيّد مادح، ومعارض قادح، تقف الحقيقة بينهما مضطربة مهزوزة لا تكاد تستقيم لمصوب نظره إليها.
من أجل هذا رأيت أن ألتمس بين تلك المصاعب طريقا وسطًاً، ومنهجا تحليليًّا مقارنً ّ ا، أظن فيه الاقتراب من عين الحقيقة أو رسمها، وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: سبر آراء الفريقين الأنصار والخصوم: والوقوف على مواطن الاتفاق بينهم؛ جاعلاً منها مبادئ مسلّمة في تعريف الماسونية، وتصوير آرائها.
ثانياً:الأخذ بشهادة أولئك النفر من الكتاب والمؤرخين، الذين شهدوا على أنفسهم بأنهم من أهل هذه الطائفة الماسونية، أو من المتصلين بأتباعها، أو المطلعين على أحوال بعض منهم، أو مطلعين على وثائق أصيلة ومعتمدة من مصادرهم.
ومن هؤلاء الكتّاب:
أبرز الكتاب الماسونيين:
١- شاهين مكاريوس [ت ١٩١۰ م]:
الكاتب والصحفي اللبناني، أحد رؤوس الماسونية المجاهرين في مصر؛ حيث كان المؤسس لمحفل (اللطائف) الماسوني ورئيسه. حاصل على الدرجة (٣٣) في التنظيم الماسوني، التي تحمل لقب "رئيس شرف أعظم" -كما كتب على صفحات كتبه، ومن مؤسسي جريدة "المقطم،" و"المقتطف" و"اللطائف".
و-مكاريوس-يعد أكثر الكتّاب العرب الذي خدموا الماسونية بأقلامهم؛ إذ كتب فيها ما يقارب العشرة كتب، ابتدأها بكتابه "الآداب الماسونية" عام ١٨٩٢م، وأعقبه بكتبه الباقية: الأسرار الخفية في الجمعية الماسونية، الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية، الجوهر المصون في مشاهير الماسون، الدر المكنون في غرائب الماسون، وغيرها.
ولقد حرص مكاريوس في مقدمة كتابه "الآداب الماسونية" على تسجيل ثناء "المحفل الماسوني الأكبر" بمصر على كتابه؛ إذ جاء فيه: (المحفل الأكبر الوطني بمصر: حضرة الأخ الفاضل شاهين مكاريوس المحترم رئيس محفل اللطائف، بعد السلام الأخوي، لقد طالعنا بمزيد السرور والشكر مؤلفكم في الآداب الماسونية، وامتدحناكم لاهتمامكم بطبع هذا الأثر المفيد، وقد تقرر بالجلسة المنعقدة في ٢٢ يونيو الجاري في الدار الماسونية مكافأة أخوتكم بالنيشان الماسوني العالمي من المحفل الأكبر المصري الموقّر ... كاتب السر الأعظم للمحفل الأكبر الوطني المصري ن.ص).
٢-جرجي زيدان [ت ١٩١٤م]:
الكاتب والمترجم والمؤرخ والأديب اللبناني الكبير، الذي أقر في كتابه "تاريخ الماسونية العام" بأنه قد اعتمد في نقله لتاريخ الماسونية على شهادة كبار أتباعها الذين تواصل معهم شخصيّا، وعلى الوثائق والمنشورات والموسوعات الرسمية الصادرة عن المحافل الماسونية الكبرى في العالم الشرقي والغربي.
يقول: (قد أخذت على نفسي القيام بذلك العمل مع علمي بعجزي وبما يحول دون ذلك من العقبات، وتجشم المشاق في جمع أخبار هذه الجمعية، ولا سيّما في أخبار فروعها الشرقية، لأني قد عنيت إتماماً لذلك بمكاتبة سائر جهات المشرق، التي اتصل بي شيء عن أحوال الماسونية فيها؛ فكتبت إلى كثير من الإخوان الغيورين في تلك الجهات من ذوي الاطلاع على ما نحن في صدده؛ فوردت إلي إفاداتهم. وعليها كان اعتمادي في الحوادث الشرقية الحديثة.
وإني أغتنم هذه الفرصة للثناء على بعضهم جهاراً، وهم الذي أذنوا لي بذكر أسمائهم. فمنهم: الأخ المحترم "نقولا حجي" رئيس محفل لبنان سابقا (بيروت)، والأخ المحترم "وليم أسعد خياط" رئيس محفل فلسطين. أما في تاريخ الماسونية في مصر؛ فمعظم الفضل عائد لحضرة الأخ الكلي الاحترام "سوليتوري أفنتوري زولا" رئيس أعظم المحافل المصرية سابقاً؛ لأني قد استعنت به في استخراج معظم ما ذكرته عن الماسونية في مصر، من الكتب والمنشورات الرسمية المطبوعة في المحفل الوطني المصري.
أما ما بقي من سير الماسونية في أوروبا وغيره فقد اعتمدت فيه على أشهر ما كتب في كتب الإفرنج من إنكليز وفرنساويين، ولزيادة التأكيد أذكر للقارئ أشهر الكتب التي استعنت بها في كتابة هذا التاريخ، وهي: "تاريخ الماسونية" تأليف ريبولد (فرنساوي)، "تاريخ الماسونية" تأليف فندل (إنكليزي)، "الرموز الماسونية" تأليف باتون (إنكليزي)، "درجة الهيكليين" تأليف سير بطريق كلكهون (إنكليزي)، "الماسونية" تأليف هوغ (إنكليزي،) "أسرار الماسونية" تأليف يوحنا فيلوس (إنكليزي). وقد استعنت فضلا عن هذه التآليف الماسونية بالإنسكلوبيديا الماسونية، وتآليف تاريخية غير ماسونية تعزيزا للموضوع).
فجرجي زيدان إذن كما يبين في كلامه أحد الموثقين لتاريخ هذا التنظيم، الصادرة عن مصادرها الأصلية، وعلى هذا يُعدُّ كتابه "تاريخ الماسونية العام" الذي صدر سنة - ١٨٨٩م -أول مرجع ينشر باللغة العربية عن الماسونية، وعنه صدر كثير من الباحثين.
ويظهر أن جرجي زيدان هو نفسه من الماسونيين كما يبدو في عباراته التي يمتدح فيها الماسونية في مقدمة كتابه، والتي يبدو فيها أيضاً أنه مطلع على نشاطها، بل منخرط في تنفيذ أعمالها حيث يقول؛ عن الماسونية: (ليس بين أعمالها ما يكسبها إلا فخراً، ولا بين مبادئها إلا ما يرفع منزلتها، ويفحم من أراد بها شراً؛ لأن مبادئها أشرف المبادئ، وغايتها من أشرف الغايات).
وقد شهد عليه بذلك صاحب "دائرة المعارف الماسونية ّ المصورة" فقال عنه: (كان الأخ المغفور له أحد أقطابها في مصر)، كما صرح بانتمائه إلى الماسونية أكثر الباحثين الذين كتبوا في هذا المجال.
٣- عوض الخوري [ت بعد ١٩٢٩ م]:
اللبناني والمترجم السياسي والكاتب، أحد أهم الموثّقين لتاريخ الماسونية وفكرها السري؛ حيث كان من الأعضاء الذين دخلوا في الجمعية السرية، وبلغوا فيها "الدرجات العليا"(كما يصرح هو نفسه). قبل أن يعثر على وثيقة تاريخية سرية بواسطة الرئيس البرازيلي "بردونت دي مورايس"، توضح في وقائع تاريخية أن الماسونية ترجع في تنظيمها السري الجديد إلى جمعيّة "القوة الخفيّة" اليهودية، التي نشأت في القرن الأول الميلادي، ثم اندثرت خلال القرون المتتالية، إلى أن انبعثت من جديد سنة ١٧١٧م، متسترة باسم الجمعية الماسونية.
وقد ترجم الخوري هذه الوثيقة -ذات الأصل العبري، والترجمة الفرنسية -إلى العربية، ونشرها أول مرة عم ١٩٢٦م، ثم عاد لطبعها مرة أخرى عام ١٩٢٩مبعد أن تحصّل على معلومات إضافية تؤكد ما جاء في بعض ما فيها، وقم بعرضها الأب لويس شيخو اليسوعي- المتخصص في مجال البحث عن الماسونية-، ونشرت فاستبشر بها وقبلها تحت عنوان "تبديد الظلام، أو أصل الماسونية".
فكان هذا سببًا في دعاة الماسونية انقلاب على"أخيهم" الخوري، واتهامهم له بأنه "منافق أفّاق"، وأنه "من أعداء الماسونية" وأنه "يختلق الأكاذيب".
وهذا الهجوم في الحقيقة لا ينافي أن ما كتبه الخوري يعد شهادة شاهد من أهلها، أي من أهل الماسونية، كما تعد الوثيقة المتضمنّة في كتابه شهادة شاهد من أهلها، أي: من أهل "جمعية القوة الخفيّة"؛ حيث تمت كتابتها بأيدي زعمائها.
ّ وقد أكدت الوقائع والأحداث العالمية اللاحقة، وشهادات السياسيين والباحثين صدق ما أفاده الخوري عن "القوة الخفية اليهودية" التي نسب إليها التحكم بأكثر الفتن والفساد في العالم.
ويكفي الباحث المتأمل في ذلك أن يطالع ما وثقه الجنرال في الجيش الإمبراطوري الروسي السابق: آرثر شيريب سبيريدوفيتش [ت ١٩۰٢م] في كتابه "حكومة العالم الخفيّة"، من تفاصيل الأحداث السياسية التي كانت تقف ورائها الحكومة الخفية اليهودية، وكذلك ما نشره الضابط الكندي الاستخباراتي إبّان الحربين العالميتين الأولى والثانية: وليم جاي كار [ت ١٩٥٩م]، في كتابيه: "أحجار على رقعة الشطرنج" و"الشيطان أمير العالم" من تفاصيل المؤامرات الخفيّة التي حاكتها اليد الصهيونية الماسونية الخفية طوال تلك الفترة.
٤- حنا أبو راشد [ت ١٩٧٤م]:
الأديب والصحفي اللبناني، أحد دعاة الماسونية المجاهرين؛ حيث وضع موسوعته الشهيرة "دائرة المعارف الماسونية المصورة" في خدمة الماسونية، متكلّماً فيها بلسان أهلها، مُورداً وصف نفسه فيها بأنه "عميد الماسونية المثالية العالمية"، وأنه "مفوض المحفل الأكبر الفرنسي في تأسيس المحافل"، ما يدل دلالة صريحة على أنه من كبار الشخصيّات الماسونية -على حد وصفه-.
٥-الدكتور محمد علي الزعبي:
الباحث اللبناني، الذي يصرح في مقدمة كتابه "الماسونية في العراء" بأنه قد اتصل بالماسونيين، وجالسهم، واختلط بهم، وسمع منهم، وسمعوا منه، وسجل ذلك بالتاريخ والأسماء.
بلإضافة إلى ذلك، كان لا بد من الاعتماد على الكتب والمراجع التي التزم أصحابها تأصيل معلوماتهم: وردها إلى الوثائق الماسونية التي استمدوها منها، خاصة الكتّاب الذين أدركوا المراحل المتأخرة من العصور الماسونية، التي شهدت انفراجة في النشر والتأليف للماسونية. ومن أمثلة ذلك:
١- كتاب "السر المصون في شيعة الفرمسون" للأب اللبناني لويس شيخو [ت ١٩٢٧م].
٢- كتاب "الماسونية العالمية" للسياسي النمساوي فريدريش فيختل [كان حياً سنة ١٩٤٥م].
٣-كتاب "الماسونية في مصر" للدكتور الصحفي المصري علي شلش [ت ١٩٩٣م].
المطلب الثاني: تعريف الماسونية:
في ضوء هذا الطريق، ومن خلال استقراء التعريفات التي ذكرها السابقون يظهر أن التعريف الجامع المانع للماسونية هو أنها: "جمعية سرية، تعليمية، ذات نشاط سياسي وصهيوني، نشأت قديماًعلى يد أصحاب مهن البناء، وتطورت حديثاً لتشمل جميع أصناف المهن والطوائف، مستخدمة أدوات البناء في تعليماتها وتعاملاتها".
بيان هذا التعريف:
-القول بأنها "جمعية:" فلأن كلمة "جمعيّة" هي الكلمة التي جرى ِ استعمالها من قبَل أنصار هذه الطائفة للتعريف بها، ولا يضر التسليم لهم بهذا؛ إذ لا يترتب عليه كبير خلاف بين أنصار الماسونية وخصومها. وليرجأ الخلاف إلى ما يستأهله.
أقول: ويبدو أن الماسونيين قد قصدوا إلى هذه الكلمة لشيوع استعمالها بين الخاصة والعامة، وقرب معناها في اللغة والاصطلاح من دعوى الإخاء والتعاون التي أرادوا الترويج لها عن الماسونية؛ حيث إن كلمة "جمعية" تعني في اللغة المعاصرة: طائفة تتألّف من أعضاء لغرض خاص وفكرة مشتركة. وتدل في الاصطلاح السياسي والاجتماعي على: المجموع المؤلف من عدة أشخاص لتوحيد معلوماتهم أو مساعيهم بصورة دائمة، ولغرض لا يقصد به اقتسام الربح المادي.
وإن كان هذا يصح في الاصطلاح السياسي أن الماسونية هي "تنظيم سري" من حيث إن مصطلح يعني "تنظيم": التكوين الذي يضم جماعة من الناس ذوي الاتجاه الواحد، والمبادئ المشتركة، والهدف المتفق عليه، المصمم على تحقيقه، بطرق تنظّم نشاطهم، وفقا لقواعد مقبولة منهم. كما يصح أيضاً: أنها "حركة سرية" من حيث إن مصطلح "حركة" يعني سياسيًّا: التيّار الذي يدفع طبقة من الطبقات إلى تنظيم صفوفها للقيام بعمل سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، أو غيره. إلا أن التعريف بكلمة "جمعيّة" يظل هو محل الاتفاق؛ فلنسلّم به.
٢- القول بأنها "سرية": لأن هذا ما يكاد يتفق ّ عليه كل من كتب عن الماسونية تقريباً، ويقر به جمهور الماسونيين أنفسهم، رغم محاولة بعضهم التنصل من هذا بادعاء أن السرية إنما تكون في الطقوس وإشارات التعارف فقط دون سائر التعاليم.
بل إن جمهور الماسونية يفتخر بكونها سريّة، ويحاول دعاتهم إضفاء صفة سمة المدح والعراقة على أنظمة التعاليم السريّة التي كانت موجودة في العالَم قبلهم إلى أن انتهى الأمر بقائلهم إلى أن يقول: (فقد تبيّن لك أن الطريقة المثلى لنشر العلم والفضيلة إنما هي الجمعيات السريّة المنظّمة على مثل ما تقدم؛ فضلاً عن أن وجود مثل هذه الجمعيات في الأعصر الخالية في سائر العالم المتمدن دليل على أن ذلك أمر طبيعي في جسم العمران، وقد تقدم عليه من الأمثلة ما يكفي؛ فلا تعاب الماسونية في اتباعها مثل تلك الخطّة).
٣- القول بأنها "تعليمية:" ّ لأن الماسونية تدعي أنها كانت في كلٍّ من طوريها: القديم والحديث تُعنى بنوع من التعاليم والآداب. أما في الطور القديم؛ فهي تعاليم البناء وآداب صنعته، وأما في الطور الحديث؛ فهي تعاليم الفكر والأدب والفلسفة. وهي تُوجب على كل ماسوني "بوصفه مواطنًا عالميًا أن يبث الآداب الماسونية باللسان والقلم والقدوة الحسنة"، وإن كان ذلك في إطار السرية فيما يخص "التعاليم السامية" التي يرى الماسونيون أن المحافظة على طرق نقلها السريّة "من أهم واجباتها".
ولا حاجة أيضاً إلى المنازعة في هذا الادّعاء؛ فإننا نسلّم للماسونية أنها تُعنى بتلقين العلوم والمعارف، وأنها قد أنشأت بعض المدارس التعليمية على نفقتها في بعض البلدان، لكننا على جزم -لما سيأتي من الشواهد والأدلة- بأن ما يظهر ويُعلن من هذه التعاليم مخالفٌ لما يسر ويبطن، وأن أكثر هذه التعاليم السريّ التي تتم من طبقتها الحاكمة الخفيّة هو من قبيل الدسائس والمؤامرات التي تعود بالشر والبلاء على غير الماسونيين.
وإلا فما الحاجة إلى السريّة في هذه التعاليم؟! على ما فطن إليه أحد السياسيين المطّلعين على نشاطهم قائلا: (إنّ قَسم السريّة) يصبح بلا معنى عقلاني إذا ما كان الأمر مجرد اتحادات لأعمال الخير!.
٤- القول بأنها "ذات نشاط سياسي": لأنه لم يعد خافيًا على ذي نَصفة أن الماسونية وإن لم تكن سياسية في أصلها، أي في بداية طورها القديم العملي خاصة -كما أقر بذلك خصومها قبل أنصارها، لكنها قد انجرفت بعد ذلك وانخرطت في العمل السياسي في طورها الحديث الرمزي -الذي ابتدأ من سنة ١٧١٧م.
أن الماسونية الماسونيون وإن زعموا إلى الوقت الحاضر أنها "تحرم في مجتمعاتها كل مناقشة في موضوع ديني أو سياسي يكون الغرض منها المناظرة في الأديان أو القدح في السلطة المدنية" وحاولوا الظهور في المجتمع على أنهم "اتحادات إنسانية لا علاقة لها بالسياسة"؛ فإن هذا الزعم وهذا التظاهر لا يلبث أن يتهاوى أمام الحقائق التاريخية والدلائل الواقعية التي تدل على أن الماسونية الحديثة قد غاصت في الأمور السياسية حتى أذنيها.
وحسبنا ههنا أن ننقل هذا الاعتراف الصريح للماسوني حنا أبي راشد حيث يقول في موسوعته الماسونية: (منذ القرن السادس عشر والبناؤون الأحرار في مقدمة القائمين بحركات اجتماعية، سلميّة كانت أو عنيفة، قلبت الأوضاع القديمة، ووضعت الأسس الديموقراطية الحديثة. ومن هذه الحركات الإصلاحية الثورة الفرنسية القوية العنيفة.
قال المؤرخ السياسي الاقتصادي لويس بلان: إن الماسونية كانت معملاً للثورة، وكان أثرها فيها أعظم من أثر موسوعة الإنسكلوبيديا." وحقاً ما قال؛ فقد مكثت الماسونية نحو نصف قرن تعد في محافلها أفكار الشعب الفرنسي للقيام بثورته الكبرى. ولا غرابة في الأمر فالماسونية قد اتخذت شعاراً لها كلمات ثلاث: حريّة، مساواة، إخاء، اتخذتها قبل أن تتخذها الثورة الفرنسية شعاراً. وهذا الشعار المثلث ... قد وضعه الفيلسوف الماسوني لويس كلود دي سان مارتين سنة ١٧٥۰م، وذلك في اجتماع محفل "بردو".
فانظر كيف انزلق أبو راشد في غمرة حماسه إلى الإدلاء بهذا التصريح الخطير، الذي يُظهر مدى تغلغل الماسونية في أوساط الشعوب، وتلاعبهم بالأفكار والعقول، وتوجيهها نحو التحركات "العنيفة" كما يصرح.
وإن استخدم -أبو راشد- لفظ "حركات اجتماعية" دون "سياسية" تهرباً من مناقضة وصيته السابقة لأخوته الماسونيين (تجنّبوا المجادلات في أمر الدين والسياسة)؛ إذ كيف يوصيهم بهذا مع تمدحه بأن الجمعية الماسونية كانت كامنة وراء التحركات والثورات السياسية -التي عدل إلى تسميتها اجتماعية- في العالم؟!
فليس يغنيه هذا التهرب اللفظي؛ إذ إن السياسة في حقيقتها ترجع إلى "النشاط الاجتماعي الذي ينظّم الحياة العامة بين الأفراد والجماعات المتنافسة تحت وحدة وحكم مستقلة، من خلال وسائل القوة الشرعية والسيادة".
٥- القول بأنها ذات نشاط "صهيوني": فلأن الصهيونية في تعريفها المختصر هي: حركة سياسية استعمارية متطرفة، تهدف إلى إقامة وتمكين دولة لليهود في فلسطين، تسيطر من خلالها على العالم كله.
والجمعية الماسونية وإن خلت من هذه النزعة في طورها القديم في لكنها في طورها الحديث قد توجهت إلى هذه الحركة توجًهاً كاملاً، وانخرطت فيها انخراطًا متضمناً، حتى أضحت الماسونية والصهيونية كأنهما وجهان لعملة واحدة، وقال بعض الباحثين في تعرف الماسونية: إنها (تنظيم يهودي يهدف إلى إقامة مملكة صهيون العالمية).
لكن الأدق أن يقال: إن الماسونية الحديثة ما هي إلا أداة من الأدوات التي تستخدمها الصهيونية العالّمية في تنفيذ أغراضها( .)٢على ما سيأتي في المبحث السابع إن شاء الله.
وحسبنا ههنا أن نذكر أن مخطط العمل السري للصهيونية العالمية المسمى "بروتوكولات حكماء صهيون" قد تم الحصول عليه لأول مرة في التاريخ عن طريق سرقته من أحد المحافل الماسونية في فرنسا، وأنه قد جاء التوقيع في نهاية هذه البروتوكولات بعبارة: (وقّعه ممثلو صهيون من الدرجة الثالثة والثلاثين)
والدرجة الثالثة والثلاثون ( ٣٣ الدرجات) هي أعلى "الدرجات السامية" في الرمزية الماسونية، وهي درجة "الحكم التدبير" كما يدعون.
٦- القول بأنها "نشأت قديماً" على يد أصحاب مهن البناء، وتطورت حديثاً لتشمل جميع أصناف المهن والطوائف: فهذا ليكون التعريف جامعاً للماسونية العملية، والماسونية الرمزية -المعنوية أو الروحية-؛ حيث إن الماسونية قد مرت في تاريخ وجودها بطورين رئيسيين:
أولهما: من تأسيسها وحتى سنة (١٧١٧م)، وهذا هو الطور القديم العملي؛ حيث كان أعضاء هذه الجمعية من البنائين الممارسين لأعمال البناء بالفعل.
والثاني: من عام ١٧١٧م إلى عصرنا الحاضر، وهو الطور الحديث الرمزي أو المعنوي، وهو الذي تحولت فيه الماسونية من الاقتصار على أصحاب مهن البناء إلى التوسع والقبول لجميع أصناف المهن والفئات.
٧- القول بأنها "مستخدمة أدوات البناء في تعليماتها وتعاملاتها": فلأن هذا يعد خاصية من خصائص الجمعية الماسونية في كل من طوريها: القديم والحديث، أما في الطور القديم فقد كانت الماسونية تستخدم هذه الآلات حقيقة لتعليم حرفة البناء ودقائقها للطلاب، ويتم التعامل بهذه الأدوات بين البنّاء ومن تحته، وأما في الطور الحديث فأصبحت هذه الأدوات تستخدم بصورة رمزية للدلالة على المعاني الخفيّة من التعاليم الماسونية، أو الدلالة على مكانة الشخص في التنظيم الماسوني.
يقول مكاريوس: (إن الماسونية كانت عملية ثم تحولت إلى رمزية؛ فحفظ واضعوها تقليداته القديمة، وأبقوا في الماسونية: الكتاب، والبرجل، والزاوية، والذراع، والقدوم، والأزميل، والميزان، وخيط ً الشاغول، والمسطرة، وحجرا غير منحوت، وحجراً منحوتًا، وصورة الكرة الأرضية، وغيرها).
(والعلامة المميزة للرئيس هي الزاوية؛ لأنه بمساعدة الزاوية القائمة تجهز المادة الغشيمة بالشكل اللازم، ... والميزان علامة المنبّه الأول، ... والحجر الخام للمبتدئ ...، والحجر المنحوت للشغالين ذوي التجارب ... إلخ).
القيود التي استبعدتها من تعريف الماسونية:
١-القول بأن الماسونية "حزب" أو "شركة؛ فلم أقل في تعريف الماسونية: إنها "حزب"؛ لأن كلمة "حزب" كلمة قد غلب استعمالها في العرف السياسي خاصة، لتدل على: مجموعة من المواطنين الذين يؤمنون بأهداف سياسية وعقيدة مشتركة، وينظمون أنفسهم بهدف الوصول إلى السلطة، وتحقيق برامجهم.
والجمعية الماسونية ليست حزبًا بهذا المعنى،وإن تلبّست به في -عرضاً- بعض البلدان، لكنها من حيث ماسونيتها وأهدافها الخفيّة لا تدين بالولاء لوطن معيّن، ولا تسعى لسلطة ظاهرة مكشوفة، بل تتعدى هذا لسلطة أخفى وأعم.
ولم أقل "شركة:" لأن: كلمة "شركة" قد اشتهر استعمالها في الاصطلاح الاقتصادي؛ لتدل على: عقد يلتزم بمقتضاه شخصان -أو أكثر- متساهمان في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل؛ لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة.
والماسونية في حقيقتها ليست مشروعا ماليًّا، يهدف إلى الربح والخسارة المالية، كما أنها لا تفرض مثل هذا النوع من التعاقد على الأشخاص المنضمين إليها، كما سيأتي في تفصيل تاريخها وطريقة الانضمام إليها إن شاء الله.
٢-القول بأنها "يهودية": ولم أقل: إن الماسونية حركة يهودية؛-لأن اليهود -الصهاينة خاصة، وإن كانوا هم الفئة الحاكمة المسيطرة على المنظّمة الماسونية الآن، لكن الذي يظهر أن الجمعية الماسونية في أصلها لم تكن يهودية، بل في بدايات طورها الحديث أيضا؛ حيث لم يكن يُسمح لليهود بأن يكونوا أعضاء فيها -علنيين-؛ على ما يذكره باحثون ماسونيون وغيرهم من أن قبول اليهود أو "الإسرائيليين" في الجمعية الماسونية كان محل نقاش واسع امتد لعدة سنوات.
يقول جرجي زيدان -وهو مناصر للماسونية : (وفي سنة - ١٨٤۰م حوّروا القوانين على مقتضيات الأحوال، وبعد بضع سنين جرت المخابرات بشأن قبول الإسرائيليين الذين يطلبون الانضمام إلى الماسونية وتتضح لياقتهم، وطالت المخابرة بذلك بين محافل "جرمانيا" من الجهة الواحدة و"بروسيا" من الجهة الأخرى. أما المحفل الأعظم الإنكليزي المتّحد؛ فلم يكن لديه ما يمنع قبولهم؛ بدليل أن الماسونية لا تتعلق بفئة دون أخرى من فئات البشر، وإنما هي عمومية يقصد بها النفع البشري العام).
ويقول فريدريش فيختل -وهو خصم للماسونية-: (ما إن تم تأسيس الماسونية حتى حاول اليهود تثبيت أقدامهم فيها، غير أن ذلك لم يكن سهلاً؛ ففي البدء كان ممنوعاً على اليهود دخولها)، (هؤلاء اليهود الذين لم تكن لهم أدنى علاقةّ بعالم المحافل في زمن الماسونية البنائية، والذين تم السماح لهم في القرن الثامن عشر فقط بالانضمام تدريجيًّا، هم الذين يهللون منتصرين اليوم).
ويبدو أن السبب في هذا -كما ينقل لنا الدكتور علي شلش عن "دائرة المعارف اليهودية": أن اليهود لم يكونوا محل ترحاب في البلاد الأوروبية؛ خاصة الدولة الألمانية.
-٣القول بأنها "دينية":
ولم أقل كذلك: إن الماسونية جمعية دينية؛ وذلك لأن الماسونية لا تنتمي لدين معيّن من الأديان، ولا تدعو إليه، ولا تشترط ذلك على أعضائها، بل ينضوي تحتها أهل الأديان وغيرهم ممن لا يؤمنون بدين أصلاً.
بل يمكن القول بأن الماسونية تدعو إلى إبطال الأديان كلها؛ حيث أنها ترى الأديان هي سبب الفرقة بين الشعوب، في حين أن الماسونية هي التي تجمع وتؤلّف بينهم.
يقول شاهين مكاريوس: (والماسونية منتشرة انتشارا يحسدها عليه أعظم الأديان المولودة التي امتدت في أربعة أقطار المعمورة؛ لأن تلك تفرق في العالَم بين الشعوب، فمن عابد صنم، وكافر جاحد، ومبدع مخالف. بينما نرى الماسونية فاتحةً ذراعيها لقبول أولادها، داعية إيَّاهم إخوة؛ فيدخلون هيكلها حزانى، ويخرجون فرحين، يدخلونه وهم جهلاء لا يفقهون من دنياهم وأحوالهم شيئًا، ويخرجون وكلّهم عالم فاهم ... فالماسونية تصلح ما فسد من عقائد الأديان بتعليمها المحبة والتواثق على السراء والضراء .... وغايتها في هذه محصورة التعاليم، وهي: إبطال الغايات والتحزب في الأديان والأشكال والحرف والمراكز والآراء والوطنية).
ولا يخفى ما في هذه الدعوى المعسولة المسمومة من الازدراء الصريح والقبيح للأديان!
٤- القول بأنها "عالَمية":
وذلك لأن الماسونية وإن أضحت حركة عالمية في عهدها الحديث، إلا أنها لم تكن كذلك في أصولها وتعاليمها القديمة؛ حيث كانت "منحصرة في جماعة البنائين" الذين كانوا في "رومية" فقط والغرض من هذا التعريف أن يكون جامعاً لكلا طوري الماسونية: القديم، والحديث.
المبحث الثاني- أسماء الماسونية
من خلال الاستقراء لما كتبه الباحثون عن الماسونية يتبيّن أن لها عّدة أسماء، أشهرها:
١-البناؤون الأحرار:
وهذا الاسم هو ترجمة لفظية لـكلمة "فري ميسونز" Freemasons الإنجليزية، أو Francs maçons الفرنسية؛ حيث يعني المقطع الأول منهما: "فري" (free) أو (Francs) بمعنى الحر، بينما يعني المقطع الثاني: "ميسونز" (masons) أو (maçons) البنّائين: أي أصحاب مهنة البناء. فيصبح المعنى المركب منهما: البنائين الأحرار.
وبهذا يصبح هذا الاسم بديلاً عربيًّا عن الاسم الأعجمي "الفرماسونية" أو "الماسونية" ولهذا يستخدمه كثير من الكتّاب العرب والمترجمين، حتى الماسونيون أنفسهم. ّ وقد يتصرف فيه بعضهم فيجعله "البناية الحرة". كأنه يعني جمعية البناية الحرة، على ما ورد أيضاً "جمعية البناء الحر".
وقد يزاد فيه فيقال: "البنائين الأحرار القدامى والمقبولين" للتمييز بين صفة الأعضاء الذين كانوا في الطور الأول، وهم البناؤون فقط، والأعضاء الذين تم قبولهم في الطور الثاني من غير البنائين. وقد يُقتصر فيه على الشق الأول منه "البنائين" أو الثاني "الأحرار ، وعليهما " قيل: "جمعيات البنائين" أو "جمعيات الأحرار".
ووجه التسمية-بهذا الاسم البناؤون الأحرار في حقيقة ظاهر حقيقة في الطور القديم للماسونية؛ حيث كانت مقتصرة على أصحاب مهنة البناء دون غيرهم من الصنّاع، وعلى الأحرار دون غيرهم من الأرقّاء والعبيد. وأما في الطور الحديث فيظهر استبقاء الماسونيين لهذا الاسم لما يحمله من الدلالات المجازية على "البناء المعنوي" للعقول والأفكار، وحرية الرأي والإرادة.
٢-ناحتو الحجارة:
وهو الاسم الذي أطلق على الجمعيات الماسونية العملية في "فرنسا" من القرن الثامن وحتى الخامس عشر الميلادي، وإن كان اسمهم الغالب في إنجلترا آنذاك هو "البناؤون الأحرار"-كما سيأتي-.
٣-أخوية القديس يوحنا:
وهذا الاسم اتخذه البناؤون الماسونيون علما لهم في "ألمانيا" في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي.
٤- المتنورون أو المنورون أو النورانيين "الإيلوميناتي" (Illuminati):
وهذا الاسم أطلق على الماسونية الرمزية الجديدة حينما أسس أحد أخطر أعضائها آدم وايز هاوبت فرقة خاصة منها في "ألمانيا"، أطلق عليها اسم "المتنورين" سنة ١٧٧٦ م، هدفها إعداد جيل فائق من الماسونيين الذين يتم تأهيلهم للاطلاع على الأسرار العليا للماسونية، ومن ثم السيطرة على العالم.
وقال هاوبت في "دستور التنوير:" (لا يعرف أسرار الماسونية غير المتنورين، لا بل لا يقفون عليها كلّها إلا بعد البحث والاجتهاد؛ فالفارس المتنور يقتضيه السعي في ذلك).
هذا- وتعد فرقة المتنورين من أخطر فرق الماسونية، وأكثرها نفوذًا ونشاطًا وخفاءً، كما يعد "وايز هاوبت" المؤسس الثاني للماسونية الخفيّة الحديثة.
ويظهر استعمال الماسونيين لهذا الاسم "النورانيين" أو "المتنورين" ما يدل من معاني التنوير وإضاءة الفكر التي ينسبون أنفسهم إليها، وعلى هذا يطلقون على من انضم رسميًّا إلى جمعيّتهم لقب "المستنير"، وعلى رئيس المحفل لقب: "النور -واحد الأنوار الثلاثة" أي: نور الشمس، ونور القمر، ونور رئيس المحفل.
٥-الفحامون أو مشعلو الفحم "كاربونيريا" Carboneria:
وهذا الاسم أيضا أطلق على الماسونية حينما أنشأ بعض أتباعها في إيطاليا حركة سرية سياسية مسلّحة، كانت لهم أعمال عنيفة فيما بين عامي (١٨٢١ -١٨٣۰م). ولقد اتسع نشاط هذه الحركة حتى امتد إلى فرنسا، منشئًا فرعاً مستقلا هناك يحمل نفس الاسم، ويعمل من أجل نفس الغايات.
وهناك أسماء أخرى للماسونية غير هذه، مثل: "القوة الخفيّة"، "الهيكليين"، "أبناء الأرملة"، "حكومة العالم الخفيّة". وأغلبها في أصلها كما يبدو- لجمعيات سريّة أخرى غير الماسونية، لكنها اتحدت معها، أو عملت بمنهجها، أو فنسبت إليها غير ذلك، والله أعلم.
المبحث الثالث -نشأة الماسونية وأطوارها التاريخية
المطلب الأول: نشأة الماسونية:
لا يُعرف على وجه التحديد التاريخ الذي نشأت فيه الجمعية الماسونية، وهذا -يرجع كما تقدم-من قبل إلى الغموض والسرية الذي أحاط بها دعاتها، حتى إنهم أنفسهم يقرون بهذا، وإن ساقوا في ذلك أقوالا متضاربة تدل على مدى جهلهم في هذا الشأن وتخبّطهم.
يقول جرجي زيدان: (للمؤرخين في منشأ هذه الجمعية أقوال متضاربة؛ فمنهم: من قال بحداثتها، فهي على قوله لم تدرك ما وراء القرن الثامن عشر بعد الميلاد، ومنهم من سار بها إلى ما وراء ذلك؛ فقال: إنها نشأت من جمعية "الصليب الوردي" التي تأسست سنة ١٦١٦ ب.م، ومنهم أوصلها إلى الحروب الصليبية، وآخرون تتبعوها إلى أيام اليونان من الجيل الثامن قبل الميلاد، ومنهم من قال: إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة تقول: إن منشأ هذه الجمعية أقدم من ذلك كثيراً؛ فأوصلوها إلى الكهانة المصرية، والهندية، وغيرها. وبالغ آخرون في أن مؤسسها "آدم"، والأبلغ من ذلك قول بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى أسسها في جنة عدن، وإن الجنّة كانت أول محفل ماسوني، وميخائيل رئيس الملائكة كان أول أستاذ أعظم فيه. إلى غير ذلك من الأقوال المبنية على مجرد الوهم. والسبب في تفاوت هذه الأقوال وتضاربها: طموس التاريخ الماسوني قبل القرون المتأخرة؛ -كما لا يخفى-لأن الماسونية جمعية سرية).
وبهذا أقر أيضا كل من: مكاريوس، وحنا أبي راشد- وإن نكص الأخير منهما على عقبيه؛ فقال بعد هذا الإقرار: (على أن من الأقوال الراجحة في هذا الموضوع -وجل المؤرخين قرروا-: أن الماسونية نشأت في عهد "سليمان" الحكيم سنة ١۰١٥ ق.م ؛ إذ كان عهده موصوفًا بحضارة امتازت بصفة عمرانية بارزة، اقتضت قيام جماعة البنّائين الأحرار بتأسيس هذه الطريقة، في هيكل سليمان نفسه. ذلك هو القول الذي قد يكون أقرب إلى سلامة البحث في موضوع نشأة الماسونية.
والعجيب أن هذا القول الذي يصفه أبو راشد بأنه "من الأقوال الراجحة"، يصفه مكاريوس بأنه "نتج عن الخطأ الفاحش"؛ لأنه لو كان الأمر هكذا لكان "الهيكل السليماني إشارة حقيقية إلى "الجمعية الماسونية" لكن الواقع أن الهيكل في الماسونية ما هو إلا إشارة "رمزية" لا حقيقية؛ فبسبب "هذه التقاليد والرموز نتج الخطأ الفاحش الذي ارتكبه المؤرخون؛ إذ حسبوا المجاز حقيقةً؛ فبنوا أقوالهم عليها".
وقد أيّد هذا بعض الباحثين فقال: إن الماسونية البنائيّة القديمة ليس لها أي علاقة بالنبي سليمان عليه السلام، ولا بهيكله -المزعوم- ، وإنّما هو رمز مثل باقي الرموز الماسونية الروحية الجديدة، التي تسرب أكثرها إليها من بعض التأثيرات اليهودية.
المطلب الثاني: الأطوار التاريخية للماسونية:
رغم هذا الخبط والتضارب في تعيين تاريخ نشأة الماسونية إلا أن الذي اتفق عليه أكابر مؤرخيهم: -العرب -جرجي زيدان، شاهين مكاريوس، حنا أبو راشد- في التأريخ للماسونية أنها ذات طورين: الأول: طور قديم عملي أو حقيقي، والثاني: طور حديث رمزي أو معنوي.
وقد سايرهم في هذا جملة من الباحثين -المخاصمين- مع منازعة في تقدير بدايات التأريخ للطور الأول؛ فالماسونيان الأولان -مكاريوس وزيدان- يردان البدايات إلى عام ٧١٥ ق.م، وغيرهم يرده إلى عام ٩٢٦م، أو ١٢٥٨م، أو ١٣٣۰م، أو لا يعيّن تاريخاً أصلاً. أما أبو راشد فقد أصر على أن الماسونية القديمة ابتدأت في عهد النبي سليمان عليه السلام سنة ١۰١٥ ق.م.
المنكرون للطور القديم:
وهناك جملة أخرى من الباحثين الذين ينكرون هذا الطور القديم برمته، ولا يرون للماسونية وجوداً قبل عام ١٧١٧م-أي الطور الحديث.
لكن هذا مدفوعٌ-فيما يبدو لي- بالوقائع التاريخية التي يُذعن لها بعض هؤلاء أنفسهم المنكرين، والتي تثبت وجود جمعيات للبنائين أو "الماسون" قبل هذا التاريخ بكثير، وأن الذي حدث في عام ١٧١٧م إنما هو التحول الجذري في الطريقة الماسونية؛ حيث أصبحت منظّمة فكرية لها دستور وأهداف سياسية خفية بعيدة عن صنعة البناء والبنائين.
فالناتج من هذا كلّه كما يظهر: الاتفاق الصريح أو الإلزام بأن للماسونية طورين: أولهما قديم: قبل عام ١٧١٧م، وثانيهما حديث: بعد عام ١٧١٧م. فليكن هذاّ محل الجزم، ولنساير الماسونيين -مكاريوس وزيدان- فيما ابتداء عليه واتفقا عليه من ابتداء التأريخ للطور القديم بسنة ٧١٥ ق.م؛ إذ لا يضرنا أن نُسلّم لهما بهذا ما دام الاتفاق واقعاً على أن الماسونية في هذا الطور ومنذ قدمه- جمعية مهنية - "مقصورة على بناء الأبنية وما شاكلها، ولم يكن يقبل فيها إلا الذين يمارسون صناعة البناء بأنفسهم".
أولاً: الطور القديم (العملي ٧١٥ ق.م - ١٧١٧ م):
أهم خصائصه وأحداثه:
١- بناء الحاكم الروماني "نوما بومبيليوس" - ثاني حكام روما فيما بين عامي ( ٧١٥ ق.م - ٦٧٣ ق. م) أول مدارس لأصحاب مهنة البناء سميت باسم "مدارس البنائين"، تتكون من ثلاث فئات: التلامذة، ثم الرفقاء، ثم الأساتذة.
ويتم فيها تعليم أسرار هذه المهنة، باستخدام الرموز والإشارات؛ حتى لا يطلع أحد غيرهم عليها؛ حيث "كان للمهنة حينئذ أسرار، وكان لها مكانة". ولقد حظيت هذه المدارس بامتيازات وصلاحيّات جعلتها في مقدمة مؤسسات الدولة، التي تقع تحت إشراف الحاكم نفسه، وذلك لما كان لهذه المدراس من أهمية استعمارية؛ حيث استخدمها الحاكم المستعمر في بسط نفوذ بلاده ونشر ثقافتها المعمارية ورسومها البنائية على الأراضي التي يحتلّها.
ومعنى هذا أن هذه المدراس وإن كانت مدارس مهنية خالصة إلا أنها كانت أداة من الأدوات السياسية، المستعملة في بسط السيادة والنفوذ؛ فكانت تعيش في كنف الحكم الروماني، تتوسع بتوسعه، وتنحسر بانحساره.
٢- في سنة ٥ م كان في "روما" بعض المهندسين اليهود، وكانوا تحت حماية الحاكم، فأعطاهم الإذن بالانضمام إلى مدارس البنائين؛ فكان هذا بداية نقل التعاليم والرموز اليهودية إلى هذه الجمعية.
٣- من منتصف القرن الأول الميلادي وحتى عام ٢٨۰م أخذت أحوال مدارس البنائين في التدهور، نظراً لإهمال الحكام لها، بل اضطهاد بعضهم لأتباعها عندما اعتنقوا الديانة المسيحية، حتى إن البنائين اضطروا إلى إنشاء فروع لجمعياتهم تحت أسماء أخرى مستعارة مثل "جمعية الفنون". لكن لما جاء العام ٢٨٧ م استولى أحد قادة الرومان على "بريطانيا" فاستقل بها، وأعاد للبنائين فيها امتيازاتهم، وأضاف إلى اسمهم لقب "أحرار = "free" فصار اسمهم منذ ذلك الحين "البنائين الأحرار = "free masons" وأضحت مدينة "يورك" البريطانية مقرا لمحافلهم واجتماعاتهم.
ويجدر ههنا أن ننوه بشأن هذا الحدث الذي يدل على أن اسم "الماسونيين" أو "البنائين الأحرار" كان موجوداً في بريطانيا منذ القرن الثالث الميلادي وإن - كان ازدهاره فيما بعد ذلك كالقرن السابع الميلادي؛ والثالث عشر كما أكده باحثون غير ماسونيين -خلافًا لمن ادعى أنه "لم يكن يوجد اسم ماسونية على الإطلاق قبل تاريخ ٢٥ آب سنة ١٧١٦م.
٤- في سنة ٩٢٦م اجتمع رؤساء المحافل الماسونية من شتى البقاع الأوربية في مدينة "يورك" البريطانية، وتم الاتفاق على مجموعة من القوانين والمبادئ المنظّمة للجمعيات الماسونية على مستوى العالم، تم تدوينها فيما عرف بـ"لائحة يورك"، وأهم موادها:
أ- يجب على كل ماسوني أن يحترم ويكرم الله، وأن يعبده متبعاً شريعة من شرائع نوح الإلهية.
ب- وجوب الإخلاص والطاعة للسلطان أو حاكم البلد الذي تعيش فيه. ووجوب الأمانة بين الإخوة الماسونيين وغيرهم.
ج - يجب على كل تلميذ ورفيق أن يطيع الأستاذ -رئيس المهنة -كما يجب على الأستاذ ألا يقبل تلميذا إلا بعد مرور سبع سنوات من التجربة والامتحان. ولا يجوز له أن يقبل أحداً من غير الماسونيين فيطلعه على "أسرار المهنة"،كما ً لا يجوز له ولا للرفيق أن يأخذ أجراً على قبوله لطالب.
هـ- يجب على كل ماسوني أن يقبل أخاه الماسوني الغريب إذا أظهر إشارات التعارف السريّة، وأن يهب لنجدته إذا أطلق نداء الاستغاثة ما استطاع إليه سبيلاً.
٥-من منتصف القرن الثالث عشر الميلادي أخذت الجمعيات الماسونية في الازدهار والانتشار، وأصبح لها فروع في "ألمانيا" و"إيطاليا" و "فرنسا" و "أسكوتلندا" وغيرها من البلاد الأوربية، وصار لقب "البنائين الأحرار" لقبًا غالبًا عليهم.
كما حرص الملوك والأمراء على اغتنام مقاعد الرئاسة الشرفية فيها؛ ففي سنة ١٣٥۰م، أمر الملك "إدوارد الثالث" [ملك "إنجلترا" ت ١٣٧٧م] بتعديل بعض ممواد "لائحة يورك"، وإضافة مواد جديدة، من أهمها:
أ-عند قبول أخ ماسوني يجب أن تتلى عليه القوانين الماسونية.
ب- يجب البحث عن أحوال الأساتذة الماسونيين وعمل امتحانات لهم؛ ليتم التأكد من ولائهم للجمعية وللملك.
ج- متى اجتمع رئيس محفل ماسوني مع مساعديه -اللذين يسميان مُنبّهين -فعلى والي البلد أو الحاكم أن يكون على مقربة من مكان الاجتماع ليساعدهما عند الضرورة.
ولا يخفى ما في هذه المواد من صبغة الرقابة الأمنية على الأساتذة، والتي يبدو أن الملوك قد عمدوا إلى فرضها على الماسونية؛ لما استشعروه من خطر التوسع والانتشار الذي حظيت به المحافل الماسونية على مستوى العالم الغربي.
٦- في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، اتجهت بعض المحافل الماسونية إلى ضم جماعات من المفكرين والعلماء إلى صفوفها كضيوف شرفيين "اعتباريين"، وابتدأت دواعيها السياسية في الظهور، ودواعيها البنائية في الضمور، شيئًا فشيئًا، فكان هذا بداية التوجه إلى التحول عن الطريقة القديمة.
٧- في سنة ١٧۰٣م اجتمع الماسونيون الإنجليز في محفل "القديس بولس" بلندن، وتباحثوا في ما آلت إليه الجمعيات الماسونية العملية من التدهور الذي يكاد يذهب بها؛ فتوجهت أنظارهم إلى التحول عن الطريقة العملية إلى الطريقة الرمزية، أي: التي يتم فيها قبول غير البنائين والمهندسين بصفة رسمية؛ لأن كثيراً من هؤلاء -أي غير البنائين- قد صاروا "أعضاء شرف" بالفعل، فتم اتفاقهم على: "أن منافع الماسونية وامتيازاتها لا تقتصر من الآن فصاعدا على البنّائين العاملين، بل تمتد إلى رجال الحرف الأخرى، بشرط أن يُصادق على دخولهم في الماسونية بطريقة رسمية".
إلا أن هذا القرار - ّ الذي سمي بلائحة لندن-؛ لم يدخل حيّز التنفيذ بالفعل لما لاقاه من مناقشات كثيرة بين الماسون في إنجلترا واسكوتلندا وغيرهما.
ثانياً: الطور الحديث "الرمزي" (١٧١٧م – الآن):
ما الذي حدث سنة في لندن ١٧١٧م؟
السؤال هذا يمثّل محور الخلاف الرئيس بين الماسونية لوخصومها، و ي لا علّ أكون مبالغًا إن قلت: إن هذا السؤال يمثّل المحور الرئيس لأكثر كتابات الباحثين عن الماسونية، وإنه على حسب إجابة كل واحد منهم يتبيّن موقفه من هذه الجمعية، بين طرفين وواسطة، فإما تأييد ومناصرة أو عداوة وخصومة، أو تشوش وتخبّط لا اهتداء فيه إلى أي من الطرفين.
والذي يفرضه منهج الاستقراء والمقارنة هو ألا يُقتصر في هذا البحث على ما رواه مؤرخو الماسونية المؤيدون لها فقط، بل يجب إضافة ما رواه غيرهم إليه، حتى تتضح الصورة الكاملة للأحداث.
أ- رواية أنصار الماسونية:
بعد الاجتماع والقرار السابق الذي حدث سنة ١٧۰٣م أهمل المجتمعون هذا القرار، ولم يتهيّؤوا لتنفيذه إلا سنة ١٧١٧م، أي بعد مرور ما يقرب من أربعة عشر عاماً، وذلك حينما اجتمع بعض كبار الماسون تحت رئاسة الدكتور "ثيوفيلوس ديزاجليه"- الطبيعي الفيلسوف المقرب من ملك إنجلترا ومساعديه: "جورج باين" عالم الآثار القديمة، و"جيمس أندرسون" واعظ الكنيسة الأسكتلندية في لندن. وهؤلاء -كما هو ظاهر- لم يكونوا من البنائين الحقيقين؛ فتداولوا في أمر إنشاء "محفل أعظم" تتحد فيه المحافل الماسونية الأربعة بلندن؛ فتم الاتفاق على ذلك.
وفي "فبراير" من السنة نفسها - ١٧١٧م، -اجتمع المتّحدون في محفل "أبل تري تافرن" بناحية "وست منستر" بلندن، وقرروا لأنفسهم "محفلا أعظم" هم أعضاؤه، ّ وفوضوا "جيمس أندرسون" لوضع القوانين الأساسية له، وانتخبوا من بينهم "رئيسا أعظم" مؤقتًا إلى حين الاجتماع السنوي في ٢٤ يونيو.
فلما جاء هذا اليوم ٢٤/ يوليو/ ١٧١٧م اجتمعت المحافل الماسونية في محفل "مار بولس"، وتم عرض القرار الذي اتخذه "ديزاجليه" وأتباعه على جميع الحاضرين؛ فوافقوا على ذلك، وتم التصديق على "محفل إنجلترا الأعظم"، المكوّن من المحافل الأربعة رسمياً، كما تم انتخاب "رئيس أعظم" له هو "أنطوني ساير". وتم في هذا المحفل ّ التصديق على عدة أمور، أهمها:
١-وضع المسودة الأولى لما عرف باسم "منشور لندن ١٧١٧م:" والذي ينص على قرار تحويل الماسونية العملية إلى الماسونية الرمزية الفكرية نهائيًّا.
٢-تحوير الدرجات الثلاث (الطالب، الرفيق، الأستاذ) من درجات عملية إلى درجات رمزية.
٣- منع إقامة أي محافل ماسونية إلا بموافقة رسمية مكتوبة مصدق عليها من رئيس "المحفل الأعظم"، وقصر حق الترقية في الدرجات على "المحفل الأعظم" دون باقي المحافل الفرعية.
٤- يجب على رئيس كل محفل قانوني ومساعديه -المنبّهين- أن يحضروا جلسات المحفل الأكبر، وأن يقدموا له تقارير سنويّة عن أعمال محافلهم، ونُسخاً من قوانينها الداخلية، التي يشترط فيها ألا تخالف ما أقره المحفل الأعظم من التقاليد القديمة والجديدة.
وبعد هذا توالت المحافل السنوية للمحفل الأعظم في اليوم نفسه يوم ٢٤/ يوليو من كل عام، وكان من أهمها:
أ- محفل سنة ١٧٢٣م: الذي تم فيه التصديق على أول دستور ماسوني مكون من ٣١ مادة، نشر تحت اسم "النظامات الماسونية الحرة"، والذي قام بتهيئته وإخراجه هو "جيمس أندرسون" مساعد الدكتور "ديزاجلييه".
ب- محفل سنة ١٧٢٥م: الذي تم فيه منح حق الترقية إلى رؤساء باقي المحافل، وعدم قصره على المحفل الأعظم فق؛ فأدى هذا إلى توسع الماسونية وانتشار الدرجات بين أعضائها.
الانشقاق في صفوف الماسونية:
لم يكن أمر تحويل الماسونية من العملية إلى الرمزية بالأمر المجمع عليه من كل طوائف الماسونية؛ إذ إن كثيراً من محافل اسكوتلندا وأيرلندا كانت على رفض لهذا الأمر، حتى إنهم سنة ١٧٣٩م أسسوا محفلا أعظم "للماسون القدماء" على غرار "المحفل الأعظم" الجديد، وانضم إليهم كثير من ماسونيي إنجلترا.
لكن هذا الانشقاق لم يستمر طويلا؛ حيث عمل "المحفل الأعظم" الجديد على رأب هذا الصدع، وحاول التوفيق بين مطالب القدماء والجدد، إلى أن رضخ "محفل القدماء" للمحفل الأعظم الإنجليزي سنة ، ١٧٥٤، ولكن مع احتفاظه بكيانه المستقل، ثم ما لبث المحفلان أن اتحدا اتحاداً تاماً سنة ١٨١٣م.
انتشار الماسونية الرمزية خارج بريطانيا:
في سنة ١٧٢١ م دخلت الماسونية الرمزية فرنسا، وتم تأسيس أول محفل لها سنة في باريس ١٧٢٥ م بتصديق من "المحفل الأعظم" الإنجليزي، وعلى إثره لقبت الماسونية الرمزية الجديدة "بالماسونية العامة". وفي سنة ١٧٣٨م انتشرت الماسونية الرمزية في ألمانيا وروسيا وأمريكا، وغيرها من البلاد الغربية، وكذلك البلاد الشرقية الواقعة تحت سيطرة هذه البلاد.
وكانت المحافل في أكثر هذه البلاد واقعة تحت سلطة "المحفل الأعظم الإنجليزي"، لكنها لم تلبث أن استقلت عنه، منشئة "محافل عظمى" خاصة بها، كان أهمها محفل "الشرق الأعظم الفرنسي = "جراند أورينت دو فرانس"، الذي أسس سنة ١٧٧٢م على أنقاض- "المحفل الأكبر الفرنسي وكان -"له تأثير كبير معلن في الأحداث السياسية والدينية، ليس في "فرنسا" فحسب، بل من ٍ في كثير البلاد الأوروبية، والبلاد العربية أيضاً التي كانت خاضعةً للنفوذ الفرنسيين؛ مما أدى إلى قطع العلاقات -ظاهريًاً بينه وبين محفل إنجلترا سنة ١٨٧٨م.
تشكك الماسونيين الألمان في أصل الماسونية الجديدة:
على الرغم من تقبّل الماسونيين في ألمانيا للماسونية الرمزية الجديدة، وانخراطهم فيها وفي أعمالها، إلا أن شكوكاً ومخاوف خطيرة بدأت في التسلل إلى نفوس أعضائها، محدثةً انقساماً وتشققا بين الصفوف. كانت هذه الشكوك تتمثل في الأسئلة الآتية:
١- هل الماسونية جمعية حديثة العهد؟ أو بعكس ذلك: ترقّت من جمعية أخرى قديمة الزمان؟ وما هي تلك الجمعية التي احتلّت محلّها؟
٢- هل للماسونية أساتذة ورؤساء عظام غير الذين يعرفهم العموم؟ ومن هم؟ وأين مركزهم؟ وما هي واجباتهم؟ وهل أقيموا ليعلِّموا أو ليحكموا؟
ومن أجل هذه المطالب تم انعقاد محفل سنة ١٧٨٢م في ألمانيا، ومحفل سنة ١٧٨٥م في فرنسا؛ في محاولة للتوصل إلى الإجابة الشافية عن هذه الأسئلة، لكنها كلها كانت بلا فائدة، و"بلا حل، ولم يحصل منها نتيجة ما" - بحسب تعبير مكاريوس .
أقول: وهذه الأسئلة التي صرح مكاريوس بأنه لم يحصل منها نتيجةٌ قد ظلّت تتناقل بين الصدور والأنفاس داخل الأروقة الماسونية، على مر الأعوام دون أن تموت، حتى وجدت لها أذنًا واعية، استطاعت العثور على الغجابة الصحيحة، التي كشف الحقيقة؛ فارتدت عن ماسونيتها، وأعلنت ذلك دون خوف أو وجل. ولعل الرواية الآتية يتبيّن فيها هذا الجواب، الذي حرص كبراء الماسونية على إخفائه وحجبه عن العوام.
ب- الرواية الأخرى للأحداث:
الأحداث هنا تبدأ قبل سنة ١٧١٧م بسنة، أي في سنة ١٧١٦م، وبالتحديد في شهر أغسطس من هذه السنة؛ حيث وفد على "لندن" مبعوثون من جمعية "اليهودية القوة الخفية"" التي أوشكت على الانهيار والفناء وتعاقدوا مع الدكتور "ديزاجليه"، ومساعده "جورج" على إحياء جمعية "القوة الخفية"، بعد أن أطلعوهما على ٍ شيء من تاريخ هذه الجمعية وأسرارها ونفوذها الخفي، والتمسوا منهما تغيير اسمها وتعديل قوانينها؛ فما كان إلا أن اقتُرح اسم جمعية "الفرانماسونيري" أي: البنائين الأحرار؛ لإتمام هذا الغرض، وقد نال هذا الاقتراح استحسان طرفي المؤامرة: "القوة الخفيّة" و "ديزاجليه"، وذلك ّ لعدة أسباب أهمها:
١-اختصاص هذا الاسم بجمعيات البناء واشتهاره منذ القرن الثالث عشر؛ فيكون مناسبًا للتخفي تحته، دون أن يشك أحد فيما يضمره.
٢- أن الرموز والإشارات المستعملة في هذه الجمعية توافق معظم رموز وإشارات جمعية "القوة الخفيّة".
٣-أن أعضاء هذه الجمعية لهم محافل واجتماعات مقامة بالفعل. قال ديزاجليه: "ففي هذا الاسم نتمكن أن نصوغ من الكل جمعيةً واحدة دون أن يدري أحد بمقاصدنا التي اتفقنا عليها".
وبعد هذا الاتفاق انفرد الدكتور ديزاجليه بتدبير الأمور؛ فعقد في شهر مارس سنة ١٧١٧م اجتماعا مع خواص أصحابه الماسونيين، الذين كان منهم "جيمس أندرسون" -واضع الدستور الماسوني فيما بعد- وأطلعهم على حقيقة الأمر- فوافقوه على ذلك، وتواطؤوا معه على تنفيذه في يوم اجتماع المحافل الأربعة في يوم ٢١يونيو ١٧١٧م.
إلا إنه قبل هذا اليوم المنشود سعى الدكتور ديزاجليه في استدراج أحد زعماء "القوة الخفية" ليحصل منه على نسخة كاملة من الوثائق السريّة لجمعية "القوة الخفيّة"، مقنعا إيّاه بأن هذا سيساعده في سن القوانين الجديدة للماسونية بصورة أكثر تنظيما ودقّةً، ولما تم له ذلك امتنع عن رد الوثيقة لصاحبها الذي كان منازعاً له في أمر رئاسة الاتحاد الجديد!
وفي يوم ٢١يونيو تم انعقاد المجمع الماسوني، وحضره هؤلاء الزعماء في - صورة سريّة -كما يبدو، وتم التصديق على القرارت الخفيّة والمعلنة والتي أرادها ديزاجليه.
وإبّان هذا الانعقاد حدثت عملية قتل للزعيم المنازع لديزاجليه، وبعد التحري تأكد لدى باقي أعضاء "القوة الخفية" أن ديزاجليه هو من دبّر لهذا، فما كان من زعماء "القوة الخفية" بعد عام ١٧١٨م- إلا أنهم قرروا الانتقام منه؛ فقتلوا مساعده "جورج،" ثم هددوا بقتله هو إلا أن يوافق على:
١-إبقاء الزعامة الرئيسية العمومية للجمعية الجديدة في أيدي"القوة الخفيّة"، وذلك بتكوين لجنة من خمسة رؤساء معيّنين من أغنياء اليهود، يكون لهم وحدهم حق التصديق على القوانين العامة وإصدارها.
٢-إبقاء جميع الرموز والإشارات والقواعد المتبعة في جمعية "القوة الخفيّة" كما هي دون تغيير، إلا إذا أريد الزيادة عليها فلا مانع، وإبقاء الكلمات "العبرانية".
ولم يكن أمام ديزاجليه إلا الموافقة التامة؛ فخلص "للقوة الخفية" الرئاسة السريّة العظمى على الماسونية الجديد.
ج- الجمع بين الروايتين:
من هاتين الروايتين يظهر أن" "ديزاجليه" هذا الذي يدعوه أنصار الماسونية "أبا الماسونية الجديدة"، ليس في الحقيقة إلا متآمر ماكر ذا وجهين،كان يسعى في العلن لتحويل الماسونية العملية إلى ماسونية رمزية، وفي السر كان ساعيًا إلى إحياء جمعية "القوة الخفيّة" اليهودية في صورة الجمعية الماسونية الجديدة، وجعلها الحاكم الخفي لها، دون علم عوام الماسونيين أنفسهم.
بل الذي يتبيّن عند التحقيق أن هذا الرجل كان ساعياً في تنصيب نفسه رئيساً خفياً على كلتا الجمعيتين؛ حتى يُسخّر كلاً منهما في تحقيق مآربه الخاصة، لكن هذا الأمر لم يسلم له، كما تبيّن الرواية الثانية
وإذا أردنا ترتيبًا للأحداث بحسب الجمع بين الروايتين؛ فإن الذي تم هو:
١-١في سنة ّ ١٧۰٣م قرر بعض أعضاء الجمعية الماسونية العملية تحويلها إلى رمزية، لكن هذا القرار لم ينفذ.
٢- في سنة ١٧١٦م: تم التعاقد بين جمعية "القوة الخفية" اليهودية والدكتور "ديزاجليه" -الذي كان ذا نفوذ واسع- على إحياء جمعية "القوة الخفية" تحت غطاء الجمعية الماسونية.
٣-بعد هذا التعاقد وجه الدكتور ديزاجليه مساعيه إلى ناحيتين متوازيتين:
الأولى: مع عوام الجمعية الماسونية الذين قرروا تحويل الماسونية إلى الرمزية.
والثانية: مع خواص الماسونيين الذين قرر إطلاعهم على الهدف الخفي من هذا التحويل.
٤-في شهر فبراير سنة ١٧١٧م اجتمع ديزاجليه ومساعديه مع عوام الماسونيين في محفل "أبل تري تافرن" ّ في لندن، وتم إنشاء أول "محفل أعظم" مؤقت للماسونية الجديدة.
٥- في شهر مارس سنة ١٧١٧م اجتمع ديزاجليه مع خواص أصدقائه الماسونيين -الذين كان من بينهم جيمس أندرسون-، وأطلعهم على الهدف ٍ الحقيقي وراء هذا التحويل، ويبدو أنه قد وعدهم بشيء من السلطة السرية الجديدة؛ فوافقوه على ذلك.
٦- في ٢٤ يونيو ١٧١٧م: تم عقد المجمع العام للماسونية، ويبدو أن الأمور فيه كانت تجري على مستويين: المستوى الأول: مستوى الاجتماعات السّريّة المغلقة التي كانت تجمع خواص الماسونية مع باقي أعضاء جمعية "القوة الخفية"، وفيها تم التصديق على الرئاسة العظمى للدكتور ديزاجليه، بعد اختفاء المنازع له. والمستوى الثاني: مستوى الاجتماعات العلنيّة المفتوحة لعوام الماسون الذين أقروا قرار التحول إلى الرمزية، دون الإحاطة بالهدف الخفي وراء ذلك، وفيها تم التصديق على الرئاسة العظمى -الظاهرة- للأستاذ "أنطوني ساير" الذي لا تتحفنا المصادر بمعلومات واضحة عنه.
٧- بعد عام ١٧١٨م انتزعت "القوة الخفية" الرئاسة من "ديزاجليه،" ونصبت نفسها حاكما يهوديًّا خفيًّا على الماسونية.
٨- فيما بين عامي ١٧٢۰ وَ ١٧٢٣م: تم وضع الدستور الماسوني على يد "جيمس أندرسون"، وكما هو مقتضى الأحداث السابقة، فإن هذا الدستور كان يحوي: قوانين معلنة: وهي التي تم التصديق عليها في المحافل العلنية، وقوانين خفية: وهي التي تم ِ التصديق عليها من قبَل ديزاجليه و"القوة الخفية" بعد تهديدهم له، وهذه القوانين لا يحق لأي أحد مهما كانت درجته أن يطلع عليها، إلا الزعماء الخفيّين.
وهذه القوانين "وإن يكن تأليفها ينسب إلى أندرسن، غير أن العامل والملقن والمراقب الأصلي لها كان ديزاكوليه، وإن يكن أندرسن دبّجها؛ فديزاكوليه هو الذي كان يخلق المواضع الأساسية، والأفكار الجوهرية".
الخلاصة:
ومن خلال كل ذلك نخلص إلى نتيجة مهمة وخطيرة، وهي: أن الجمعية الماسونية في طورها الجديد الرمزي أصبحت أداة جمعية يهودية، تتحكم فيها "القوة الخفية"، وأنها -وإن تحولت عن صنعة البناء والبنّائين؛ فقد انجرفت إلى صناعة الفتن، ودعم الحركات السرية التي تسعى إلى تخريب المجتمعات والشعوب؛ ومن أجل غاية واحدة، هي هدم الحكومات الأديان، وإقامة مملكة اليهود العالمية، وإن خفي ذلك على عوام أعضائها والمنتسبين إليها، الذين ما زالوا إلى الآن في حيرتهم يعمهون، وعن أصل جمعيتهم يتساءلون، ولا يهتدون سبيلاً!
وبهذا أيضاً يتأكد لدى الباحثين نفي استبعاد كون اليهود هم الباعثين للماسونية الرمزية على أنقاض الماسونية العملية القديمة.
المبحث الرابع - الدرجات الماسونية وفئات أصحابها
المطلب الأول: الدرجات الأساسية
ٍ للماسونية ثلاث درجات أساسية، هي:
١-الطالب أو العامل أو المتمرن: وهي درجة المبتدئين.
٢-الرفيق أو المعاون أو الشغّال أو ابن المهنة -زميل الصنعة-: وهي درجة المتوسطين.
٣-الأستاذ أو العريف: وهي درجة المنتهين أصحاب الخبرة العالية.
وقد كانت هذا الدرجات -حقيقية درجات عملية -كما تقدم، تدل على مكانة الشخص البنّاء "صاحب مهنة البناء" داخل التنظيم التعليمي والصناعي لهذه المهنة، لكن لما تحولت الماسونية إلى الهيئة الرمزية؛ تم تحوير هذه الدرجات لتصبح ذات دلالة رمزية على مكانة العضو الماسوني داخل التنظيم "الفكري" الجديد.
طريقة الدخول في الماسونية والترقي بين الدرجات:
لا يعد الدخول في الماسونية من الأمور السهلة المتاحة لكل راغب؛ أما في طورها القديم فلأن الدخول كان قاصراً على البنائين فقط، وليس كل البنائين، بل من يُلتمس فيه الكتمان وحفظ الأسرار. وأما في الطور الحديث؛ فلأن الماسونية كما تقدم-أضحت منظمة لها أهداف خفيّة بعيدة المدى؛ فكانت حريصة في هذا الطور على عدم التصريح بعرض بضاعتها على الأجانب" وألا ينتظم في سلكها إلا من كان له مكانة أو نشاط اجتماعي يقدر من خلاله على تغيير الأحداث، وقلب مسارات الأمور. أو بحسب تعبير مكاريوس: ((من الذين تفتخر بهم الإنسانية، ويشتد بهم أزر الفضل، ويقوم بنصرتهم التمدن والعمران)).
كما تشترط الماسونية في الشخص الذي يريد الانضمام إليها أن يكون قد "عرف عنه التمسك الشديد بالآداب الماسونية، والعزم التام على السير بمقتضاها". والمغزى من هذا أن الشخص المنضم إلى الماسونية يجب أن يكون مستعدا ًللطاعة العمياء، وأن يكون ولاؤه الأول للماسونية، قبل الدين والوطن. ثم بعد هذا تشترط أكثر المحافل ألا يقبل الطالب "إلا بتزكية اثنين من أعضائه"، ولا يكتفى بواحد؛ فإن زكياه قبل وإلا رفض.
امتحان القبول للدخول في الماسونية:
فإذا استوفى الطالب هذه الشروط؛ أُذن له في الدخول إلى الماسونية بعد إجراء امتحان قبول له، هو أقرب إلى السخرية والاستهزاء منه إلى الاختبار والامتحان، حيث يتم فيه إغماض عيني الطالب، ثم تجريده من بعض ملابسه، ووضع حبل في عنقه يُساق به، ثم وضع السيف على عنقه، ثم إلزامه القسم الماسوني الذي يُعد النكث به مؤذنًا بإهدار الحياة، مع الهتاف خلال هذه المراحل برموز وأصوات، إلى غير ذلك من الترهات، التي لو سمعها عاقل لبيب لأدرك أن من ورائها شيءٌ ما مريبًا، أو مكراً عجيبًا.
الترقي بين الدرجات:
وإذا أظهر الطالب الماسوني الالتزام بالأوامر "العليا" ونفذها بدقة، وبعد مرور مدة معيّنة؛ يحق له أن يطلب الترقية إلى "رفيق"، ثم إلى "أستاذ،" وبعد أن تُجرى له الامتحانات أيضاً بمثل هذه الطريقة الساخرة لاستهزائية، التي يتم فيه زيادة التغليظ في "قسم السريّة،" وزيادة الخزعبلات والعبارات اليهودية التي يتم ترديدها والتي إن دلّت فإنّما تدل على أن هذه الامتحانات إنما وضعتها "القوة الخفيّة" العليا لتسخر فقط من أولئك المغفلين العُميان المنخدعين بوهم الأسرار الخفيّة، التي لا يعلمون عن كنهها أي شيء، ولن يتاح لهم ذلك مهما ارتقوا في الدرجات.
المطلب الثاني: الدرجات العالية المستحدثة
لا يعرف بالتحديد الوقت الذي زيدت فيه هذه الدرجات في الماسونية حتى أن مؤرخيها أنفسهم لا يكادون يجمعون على رأي واحد فيها؛ ففي حين جزم جرجي زيدان بأن هذه الدرجات "لا يوجد لها ذكر" في المنشورات القديمة للماسونية، وأن بدايتها كانت في الطور الرمزي بعد سنة ١٧٣٦ م في فرنسا، يذكر حنا أبو راشد أن هذه الطرق المستحدثة نشأت فيما بين عامي ٩٢٦ وَ ١٢٥۰م -أي في الطور القديم العملي، والذي حدث فيما بين سنتي ١٧٣٦ وَ ١٧٤٤م إنما هو اعتمادها الرسمي في المحافل الفرنسية، التي سبقت غيرها في هذا الأمر.
وقد مال إلى كل واحدٍ من الرأيين فريقٌ من الباحثين، لكن الذي اتفق عليه أكثرهم أن هذه الدرجات وأعدادها كانت محل خلاف متطاول يتجاذبه القبول والرفض، بين المحافل الماسونية في البلاد الأوربيّة، بل في المحفل الواحد نفسه بين وقت وآخر، وأن الغرض من زيادتها كان محل ريبة وغموض، على ما أقر به الماسونيون أنفسهم.
ولقد أخذت هذه الدرجات "العليا" في التزايد شيئًا فشيئًا، حتى بلغت ذروتها في الطريقة "الأسكوتلندية = الإيكوسية" التي وصل عدد الدرجات فيها إلى ثلاثة وثلاثين (٣٣) وقد شاعت هذه الطريقة في كثير من المحافل - الماسونية -الفرنسية خاصة.
وهاك تفصيل هذه المراتب، وأسماءها، مضافة إلى الثلاث الدرجات الأساسية السابقة:
١- التلميذ أو الطالب. ٢- الرفيق أو زميل المهنة. ٣- الأستاذ أو العريف. ٤-أستاذ السر: وقد يطلق عليها: "درجة القبة الملكية" أو "درجة العقد الملوكي"، وهي أولى الدرجات العالية، وقد تم وضعها سنة ١٧٤۰م تقريبًا، وترجع في أصلها إلى التعاليم اليهودية؛ حيث ترمز إلى مجد إسرائيل. ٥- أستاذ كامل. ٦-أمين ثقة. ٧-الوصي أو مشرف البناء. ٨- مراقب البناية او الحبر. ٩-مختار التسعة. ١۰-مختار الخمسة عشر. ١١-المختار الجليل زعيم القبائل الاثنتي عشرة. ١٢-أستاذ أعظم مهندس. ١٣-فارس القبة التاسعة، أو القوس الملكية. ١٤-فارس الكمال الأسكتلندي، أو مختار قديم أعظم. ١٥-فارس السيف، أو فارس الشرق. ١٦-أمير بيت المقدس. ١٧-فارس الشرق والغرب. ١٨- فارس الصليب الوردي. ١٩-الحبر الأعظم. ٢۰- البطريق الأعظم. ٢١-البطريرك النوكي: الأستاذ الأعظم لمفتاح البناء. ٢٢-أمير لبنان أو فارس الفأس الملكية. ٢٣-رئيس المعبد أو أمير سيد ملتحق. ٢٤-قائد النسرين الأسود والأبيض. ٢٥-قائد السر الملكي أو فارس الأفعى النحاسية. ٢٦-أمير الرحمة. ٢٧-حامي المعبد أو قائد المعبد الأعلى. ٢٨-فارس الشمس. ٢٩-فارس القديس أندرو أو الفارس الإيكوسي الأعظم. ٣۰-الفارس المنتخب الأعظم قادوش أو كادوش. ٣١- المفتش الأعظم القائد المحقق. ٣٢-الأمير الجليل للسر الملكي أو الفارس الأعلى. ٣٣-المفتش العام الأعظم.
المطلب الثالث: فئات الماسونية:
ليس كل من حاز هذه الدرجات الماسونية من العوام يعد على قدم المساواة مع غيره ممن حازها من أصحاب "القوة الخفية"؛ فيحق له الاطلاع على الأسرار الخفية الحقيقية، أو يشرئب عنقه في لمشاركتها الحكم. كلا، إن "القوة الخفيّة" قد حسمت هذا الأمر منذ تسلّمها زمام الأمور في الجمعية الماسونية؛ فقصرت حق الزعامة عليها، وعلى خلفائها الذين ترضيهم من بعدها سواء كانوا من أهل الدرجات العالية أو لا، المهم فقط أن يكونوا على مثل صهيونيتهم، وشيطنتهم.
أما العميان المخدوعون بوهم هذه الدرجات فإنهم مثلهم مثل غيرهم تأتيهم الأوامر من حيث لا يدرون، وينفذونها وهم لا يفقهون الغرض الخفي لها. ولعل أبلغ ما يدل على هذا هو شهادة أحد هؤلاء الذين بلغوا الدرجة (٣٣) أعلى الدرجات الماسونية؛ حيث يقول: ((هنا صرت ً معدوداً من صنف شيوخ الأحرار، لكنّي مع علو منزلتي في تلك الدرجة السامية لم أكن أعرف من أين تأتينا "أوامر عالية بإجراءات مختلفة"، حتى ولا رئيس محفلنا أيضا يعرف مصدرها الأول، ورأيت أن جميع رؤساء المحافل مقيّدون بأوامر تأتيهم بشكل مُعمّى؛ فمن أمثلة ذلك: "تقيّدوا بأمر سامٍ كما تقيدنا نحن، وأجروا كذا وكذا ... "، ومنه: "بأوامر يمنع القانون تعريف مصدرها: يجب عليكم كذا من المال، وذلك لأجل توسيع نطاق مساعي عمل الجمعية ومصالحها" إلخ من هذا النوع)).
وعلى هذا فإن الفئات الماسونية ليست كلّها سواء، بل هي على ثلاث فئات متصاعدة:
أولها وأدناها: الماسونية الرمزية أو "العامة الماسونية الزرقاء": وهي فئة العميان المبتدئين: الذين غُشي على أعينهم بوهم الإخاء والمساواة والحرية"، وهؤلاء ربما حازوا أعلى الدرجات، وربما كانوا ملوكا أو أمراء، أو من أصحاب الوجاهة والسلطة، لكنهم بالرغم من هذا عميان مسوقون من حيث لا يدرون. يقول الحبر الماسوني "ألبرت بايك": ((إن الدرجات الزرقاء هي فقط الفناء الخارجي، أو رواق المعبد. ويُعرض جزءٌ من الرموز هناك ليراها في المدخل، ولكن يتم تضليله -عن عمد- بواسطة تفسيرات خاطئة. فليس المقصود أن يفهمها، وإنما المقصود أن يتصور أنه يفهمها. ويتم الاحتفاظ بتفسيرها الحقيقي للخبراء أمراء الماسونية ... ومن الجيّد بما فيه الكفاية بالنسبة لمعظم أولئك الذين يطلق عليهم اسم "ماسونيين" أن يتصوروا أن كل شيء مشمول في الدرجات الزرقاء، وستذهب جهود كل من يحاول تحريرهم من الأوهام سدى)).
الغرض الخفي من حرص الماسونية على ضم المشاهير وذوي الوجاهة إلى صفوفها:
أ- ويبدو أن القصد من ترقية هؤلاء وإعطائهم هذه الدرجات هو استغلالهم والاستفادة من ثرواتهم. يقول آدم وايسهاوبت -رئيس فرقة المتنورين ((إن بين الأغنياء أناساً بُلهاء ومعتوهين "مجدوبين" يجب تعظيمهم، وتمليقهم، ولا بأس من نظمهم في درجاتنا العالية أيضا؛ فإنّا في حاجة إليهم، ليس لأشخاصهم، ولكن لدراهمهم؛ ليملؤوا صناديقنا ذهبًا؛ فاصطادوهم في سنّارتكم، وإيّاكم أن تعلموهم بشيء من أسراركم الخفيّة)).
ب- أو ربما كان القصد هو استغلال نفوذهم في تسخير الناس لخدمة الماسونية؛ يقول أحدهم: ((إننا لا نستطيع أن نبلغ غايتنا من الإصلاح إلا بواسطة الأعيان؛ ليستسلم إليهم الشعب؛ فهؤلاء الكبار والأمراء على شبه الإجازة والتذكرة، يفتحون لنا الباب؛ فضموهم إلى الماسونية، وإيّاكم أن تكشفوا لهم غايتنا لئلا ينفروا منّا)). ويقول أحد يهودي الماسونية: ((ضُمُّوا في محافل الماسونية ما أمكنكم من السادة والأمراء والأغنياء، ولا تألوا جهدا في التمويه عليهم وتمليقهم ... فإنهم إذا دخلوا كانوا في أيدينا كأدوات نديرها كيف نشاء)).
ج- أو أن القصد هو استغلال أسمائهم والمبارزة بها ضد من يحاول فضح الماسونية واتهامها بأغراضها الخفيّة؛ فتجد الماسونيين يردون عليه بقولهم: إن الماسونية ((ينتظم فيها الملوك والأمراء والأشراف والساسة على اختلاف أهوائهم وتضارب أميالهم وأحزابهم، وينتظم في سلكها العلماء والفلاسفة ورؤساء الأديان، وعدد أعضائها ملايين ... ولو صدق قول أعدائها؛ لََوجب ألا يكون الملوك عاملين على ثل عروشهم بأيديهم، وإهلاك أنفسهم بأنفسهم، ولََوجب أن يكون الرهبان والمشايخ والحاخاميون دعاة لملاشاة أديان ينادون بصحتها)).
أو يقولون: ((الماسونية جمعية إخاء عمومي، لم ولن تشتغل قط بتنظيم الثورات، ولم ولن تتداخل بالأمور السياسية ولا المسائل الدينية ... فجمعيّة من أعضائها: المرحوم الصدر العلامة مفتي الإسلام في الديار المصرية "الشيخ محمد عبدو" ليست من الجمعيّات التي تخالف مبادئها الديانات)).
بعض أعضاء الماسونية العامة يكتشفون الحقيقة:
على أن بعض هؤلاء ربما ساورتهم الشكوك المقلقة، فيحدوهم نور العقل الموفّق إلى كشف ستار الخدعة، وسفور وجه الحقيقة التي كانت محجوبة عنهم؛ فلا يسع ضمائرهم الملتهبة إلا أن يتبرؤوا من ماسونيتهم، أو يجاهروا بكشف خفاياها المذمومة، كمثل:
أ-السيّد جمال الدين الأفغاني [ت١٣٤١هـ= ١٨٩٧م]: الذي انضم إلى الماسونية كما يحكي هو نفسه فيقول: ((أوّل ما شوقني للعمل في بناية الأحرار عنوان كبير خطير: حريّة، مساواة، إخاء))، لكن تبيّن له فيما بعد أن هذا العنوان ليس إلا خدعة ينطوي تحتها ((جراثيم الأثرة والأنانية وحب الرياسة، والعمل من جماعات بمقتضى أهوائهم، وخضوعا لشرق عن بُعد سحيق)).
ب-والشيخ الإمام محمد عبده[ت١٣٢٣هـ= ١٩۰٥م]: الذي يقول عنه تلميذه محمد رشيد رضا [ت ١٣٥٤هـ= ١٩٣٥م]: ((إن الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى ترك الماسونية من زمن طويل، وقد أكثر أبناؤها من دعوته إلى محافلها بعد رجوعه من النفي إلى مصر فلم يُجب، وأهدوا إليه وساماً فلم يقبله. وقد سألته عن حقيقتها مرة فقال: إن عملها في البلاد التي قد وجدت فيها للعمل قد انتهى. وهو مقاومة سلطة الملوك والباباوات ... وأخبرني بأن دخوله مع "السيّد" فيها كان لغرض سياسي واجتماعي، وأنه قد تركها من سنين ولن يعود إليها، وأنها ابتذلت في مصر ابتذالاً لم يكن من قبل. وأخبرني أنه أرشد مرة أحد ولاة بيروت إلى إبطال محفل ماسوني علم أنه يكيد للدولة العليّة بإيعاز بعض الدول الأوروبية)).
ج- والكاتب السياسي "عوض الخوري" -الذي سبق الكلام عنه وعن كتابه "تبديد الظلام" من قبل. وغير هؤلاء كثير من المشاهير والأعلام -العرب والأجانب- (الذين لازالت الماسونية تتاجر بأسمائهم، وتموه على الناس بنسبتهم إليها.
ثاني الفئات وأوسطها: الماسونية الملوكية أو ماسونية العقد الملوكي:
وهي فئة العارفين بحقيقة هذه الجمعية، وحقيقة حكامها الخفيين، ومع ذلك هم راضون عنها، بل هم متطلّعون إلى أن يصيروا أهلا للزعامة الخفيّة؛ فيحاولون بشتى الطرق إثبات كفاءتهم للزعماء الحقيقيين. وأكثر هذه الفئة من اليهود الصهاينة؛ حيث إن تعاليمهم ورموزهم تعود إلى تقديس التوراة، وإعادة هيكل سليمان. وقد يكون بعضهم من غير اليهود، لكنّهم يؤمنون بالصهيونية أو يخدمونها.
الصهيونية -المسيحية:
ولا غرابة في هذا؛ إذ إن الصهيونية قد استقطبت لها أتباعا من شتى المذاهب والأديان، ويكفي أن يُعلم أن هناك فئة من المسيحيين البروتستانت- يطلق عليهم: "الصهاينة المسيحيون" يعتقدون اعتقادا دينيًّا بضرورة عودة اليهود إلى "صهيون"، أي: إلى أرض فلسطين. يُذكر أن منهم: "نابليون بونابرت" الفرنسي [ت ١٨٢١م]، واللورد "بلفور" الإنجليزي [ت ١٩٣۰م] الذي وعد اليهود بتسليم فلسطين لهم.
ثالث الفئات وأعلاها: الماسونية الكونية:
وهي فئة "الحكماء"، وأصحابها هم الصهاينة الخلّص، الذين يطلق عليهم "صهيون "حكماء أو "حكماء إسرائيل"، وهم أهل الحل والعقد في "القوة الخفية"، منهم يكون الزعماء الخفيين، وإليهم ترجع المشورة في سن السياسات العامة.
المبحث الخامس - مبادئ الماسونية وأهدافها المعلنة
بعد بيان حقيقة الأحداث التي تمت في سنة ١٧١٧م وما تلاها، وكشف الأهداف الحقيقية الكامنة وراء الجمعية الماسونية الحديثة يجدر أن نبيّن أهم المبادئ والأهداف المعلنة، التي يحاول دعاة الماسونية ترويجها -مستخدمين في ذلك -طريقة التمويه والتدليس؛ حتى يستدرجوا السذج من الناس إلى خدمة الماسونية "الخفيّة".
فمن هذه المبادئ والأهداف:
١-الإخاء والحرية والمساواة:
وهذا هو الشعار الثلاثي -أو المثلث كما يطلقون عليه، الذي تتخذه الماسونية عنوانًا لها أمام جموع العوام من الشعوب والمجتمعات، التي تهدف إلى إقامة محافلها فيها، وجذب أعضائها إليها. يقول شاهين مكاريوس: ((يعلم الجمهور الآن أن شعار الماسونية فضائل ثلاث، هي: الحرية والإخاء والمساواة، وهي فخر الماسونية، وعنوانها، ودليل فضلها وإحسانها)).
٢-الاعتراف بوجود الإله، وخلود النفس الإنسانية:
وهذا من المبادئ التي تشيعها الماسونية بين عوام أعضائها؛ حتى تنفي عن نفسها شبهة الإلحاد، وتضمن انجذاب من يؤمن بالأديان إليها؛ خاصة في المجتمعات التي تتوطّد فيه النزعة الدينيّة. يقول مكاريوس: ((ومن أصولها الجوهرية: الاعتراف بوجود إله واحد، خالق لهذا الكون العظيم، تعبده وتمجده، وتسميه: "مهندس الكون". والاعتقاد بخلود النفس. وهي تحترم ما لكل واحد من أعضائها من المعتقد الديني، والمنزع السياسي)). وفي الدستور الماسوني: "البنّاء[ الماسوني] ملزم بحكم صفته أن يتبع قانون الأخلاق. وإذا استطاع أن يفهم الفن حقّاً؛ فلن يغدو قط ملحدا غبيًّا".
٣-الدعوة إلى احترام سلطة البلاد التي تتواجد فيها:
وحتى لا تثير الماسونية الشبهات نحو أهدافها أو تقلق السلطات؛ فإنها ((تنبّه كل ٍ واحد من أعضائها إلى أن احترام شرائع البلاد التي يتوطّنها يُعد من أول فروضه، من حيث كونه ماسونيًّا ووطنيا)). وهذا في الحقيقة من أشد مبادئهم زيفاً وخداعاً، وإلا فهم أنفسهم يعترفون بأن لهم الفضل في تحريك الثورات، وقلب الأنظمة، وقد مر بنا اعتراف حنا راشد بأنه منذ "القرن السادس عشر والبناؤون الأحرار في مقدمة القائمين بحركات اجتماعية، سلميّة كانت أو عنيفة، قلبت الأوضاع القديمة، ووضعت الأسس الديموقراطية الحديثة". ولعل ً لهذا مزيدا من التفصيل يأتي في المبحث اللاحق إن شاء الله.
٤-وجوب العمل والاكتساب والنفقة على أعضاء الماسونية:
فالماسونية كما سبق من قبل- لا ترحب بالكسالى أو بمعدومي الكسب، بل هي حريصة كل الحرص على ألا ينتظم في سلكها إلا أناس عاملون محترفون، لهم من النفوذ ما يساعدها في تحقيق أهدافها الظاهرة والخفيّة، أو لهم من الأموال ما يعينها في سد حاجات أعضائها وحمايتهم.
يقول مكاريوس: ((والماسونية تعتبر العمل أمرا واجبًا، كأنه فريضة من الفرائض المحتّمة على نوع الإنسان؛ فتوجبه على كل أحد من أعضائها، وتحرم العطلة الاختيارية، وتأمر جميع أعضائها المتّحدين برابطة الإخاء على وجه البسيطة أن يبثّوا الآداب الماسونية ... وتحتّم عليهم أن يؤازروا إخوتهم، ويناضلوا عنهم، ويحموهم من جور الجائرين)).
والحقيقة أن هذا الأمر كان له أكبر الأثر في حرص كثير من الماسونيين على ماسونيّتهم، وعدم رغبتهم في الخروج عنها؛ لما يلاقونه من الفوائد والمنافع المشتركة، التي يعددها مكاريوس على سبيل الافتخار؛ فيذكر أن الماسون "في لبنان لا يزال أعضاؤه يعيّنون كل سنة لجنة من نخبتهم، لزيارة الفنادق والأماكن التي يأويها الغرباء؛ فيتعرفون بهم ... ويقدمون لهم ما يحتاجون إليه حتى يشعروا أنهم بين إخوان ومحبين".
"ويذكر: أن أحد الماسون الأمريكان زار سوريّة في إبّان الهواء الأصفر، وبقي مدة في الحجر الصحي ... ولما علم به المحفل المذكور قربه منه، وأمده بالدرهم، وأرسله إلى بلاده". بل يذكر مكاريوس أن الجنرال "ولسلي" [ت ١٩١٣م] قائد قوات الاحتلال الإنجليزي في مصر- قال: ((إني استسهلت الصعب، وسخرت بالأهوال؛ لأني حيثما توجهت كنت ألقى لي إخوانًا من الماسون يرحبون بي، ويساعدونني على ما أريد، ولست أرتاب في أن نجاحي كان لأني أستاذ في الماسونية)). ولا يخفى ما في هذه الشهادة الخطيرة من الإشارة إلى تعاون الماسونيين مع قوات الاحتلال، التي تنهب ثروات البلاد، وتحطّم حكوماتها.
شارة الاستغاثة:
ويبلغ هذا التعاون بين الماسونيين أشده عند إطلاق أحدهم ما يعرف "بشارة الاستغاثة"، وهي علامة وطريقة سرية يستخدمها الماسون إذا وقع أحدهم في أزمة أو مأزق لا يستطيع الخروج منه، فإذا أطلقها، وجب على كل ماسوني أن يساعده بكل طريقة ممكنة. وبلغ تأثير هذه الطريقة أنها أنقذت من التف حول عنقه حبل المشتقة، وكاد أن يصل إلى الموت المحتّم.
٥-الدعوة إلى إنشاء سبل الخير، وبث الأخلاق والآداب:
وهذا أكثر غطاءات الماسونية استعمالاً وترويجاً؛ حيث تحاول الماسونية بشتى الطرق وفي كل مكان أن تظهر نفسها بمظهر الفاعل للأعمال الخيرية، والمساهم في إنشاء المستشفيات والمدارس التعليمية، والداعي إلى الأخلاق والفضائل الإنسانية، بوصف نفسها أنها: "نظام خاص للأخلاق، محجب بالخيال، مفسر بالرموز"، ومقصد الماسونية من هذا أن يظهر فضلها في كل مكان تتواجد فيه، وينتفي عنها أي شك في مقاصدها وأهدافها الخفية".
حتى شهد لها بذلك خصومها قبل مؤيّديها، يقول "فريدريش فيختل" عن الماسونية: ((المحافل الكبيرة تقوم بتأسيس دور إيواء تربوية، وملاجئ ومؤسسات تعليمية، وصناديق إقراض، وصناديق وفيات، ودور ولادة ... وهكذا. وقد قامت بعض المحافل الكبيرة بتأسيس مئات عديدة من المدارس الابتدائية تقوم بإدارتها)).
ويقول مكاريوس: ((إن الماسونية ما برحت منذ نشأتها عاملة على ترقية شأن الآداب والفضيلة ... وهذه أعمالها ظاهرة للعيان ... كبناء المستشفيات والمدارس، وغيرها كما تقدم. أما بقيّة الصدقات؛ فتبذل كلها خفية)).
تعقيب:
١- هذه المبادئ لا إثم فيها، لكنها ليست حقيقية: هذه بعض المبادئ والأعمال التي تقوم بها الجمعية الماسونية، وهي ولا - شك- أعمال لا يرتاب فيها من رام الخير وقصد البر والنفع للإنسانية. ولذلك اغتر بها بعض الأفاضل والعلماء؛ حتى رأينا الشيخ الأفغاني وكذا تلميذه محمد عبده من المنتظمين في سلكها. لكن ليت الأمر في السر كما يظهر في العلن؛ فإنّا نقول كما قال الأفغاني: إن وراء هذه الأعمال وتحت هذه الشعارات ((جراثيم الأثرة والأنانية وحب الرياسة، والعمل من جماعات بمقتضى أهوائهم، وخضوعا لشرق عن بُعد سحيق)). فهي إذن مبادئ زائفة لا تذعن لها الماسونية حق الإذعان، إلا فيما بين الطبقات الدنيا، من طبقات العميان والمخدوعين.
٢-الذي يظهر أن هذه المبادئ هي مبادئ الماسونية القديمة لا الحديثة: والذي يظهر أن هذه المبادئ عند التحقيق إنما هي مبادئ الماسونية العملية القديمة، التي "كانت مبنية على أصول الدين، وغايتها التعاضد والتعاون في مصالح أصحابها،" وكان يتولى الإشراف عليها أهل الدين والسياسة والمروءة. ويشهد لهذا أن هذه المبادئ قد جاءت مدونة في "الدستور الماسوني" تحت عنوان "الالتزامات القديمة"؛ ما يوحي بأن الماسونية الحديثة ليس لها عمل فيها إلا حق الاكتساب والإرث غير المشروع، انتقل من ماسونية مهنية خالصة، تذعن لمبادئ الأديان وخير المجتمعات في العموم، إلى ماسونية رمزية صهيونية، تسيطر عليها "قوة الخفيّة" تسعى لهدم الأديان، وتقويض الأوطان.
المبحث السادس - الماسونية والسياسة
كما سبق أن ذكرتُ فإن الماسونية تنفي علاقتها بالسياسة، وتحاول بطرق مختلفة أن تظهر في المجتمعات على أنها جمعية خيرية أدبية، وأنها تُحرّم على أعضائها المناقشات السياسية من أصلها، وتنص على ذلك في دستورها. لكن هذا الادعاء ما هو إلا دعوى باطلة، يكذبها التاريخ، ويُكذبها الاعتراف الآنف لأحد أعضائها، المصرح بأن الماسونية منذ القرن السادس عشر وهي في مقدمة الجمعيات القائمة "بحركات اجتماعية، سلميّة كانت أو عنيفة". فكيف تستقيم هذه الدعوى مع هذا الاعتراف الصريح، بل كيف تستقيم مع الدلائل الآتية:
أولاً: مشاركة الجمعيات الماسونية في الأعمال السياسية، واعتراف كبرائها بأن لهم أهدافا سياسية عالمية، وعلى سبيل المثال:
١- الماسونية في روسيا كانت تمثل نظام المعارضة السياسية:
كانت روسيا أرضا خصبة لنشوء الماسونية، وازدهارها خاصة في ظل المجتمعات اليهودية المنتشرة هناك، الأمر الذي مكن للماسونية من استقطاب السياسيين وإنشاء جهة معارضة سياسية بارزة، مما أدى إلى قيام السلطات الروسية بمنعها سنة ١٧٩٢م، ولكنها ظلّت تمارس نشاطها في الخفاء حتى سنة ١٩١٧م.
٢-الماسونية المجريّة تقر بأنها تمثل نظام دولة سياسية:
ينقل لنا فريدرش فيختل عن النشرة الرسمية للجمعية الماسونية في المجر - في مطلع القرن العشرين- التي تسمى "كيليت" ما نصه: "نحن نضع أسس نظام اجتماعي جديد"، "الماسونية المجرية تمثّل نظام دولة". ثم يعقب فيختل قائلاً: ((ممارسة السياسة إذن هي الهدف الأساسي للماسونيين المجريين، بل هو الهدف الوحيد؛ حيث يتم تقريب وتأهيل السياسيين في المحفل، وفي كل انتخابات يتم توجيه الماسونيين في المجر إلى كيفية التصرف)). وليس هذا فحسب، بل إن الماسونية المجرية كانت تدعم أنظمة سياسية بعينها لأنها تخدم مصالحها في ذلك الوقت؛ يقول أحد دعاتها هناك: ((إن الهدف النهائي للماسونيين هو في مجمله نفس الهدف للاشتراكيين الديموقراطيين)). وفي هذا ما يدل على أن الماسونية لا تتورع عن الانخراط في الأنظمة السياسية إذا ما وافقت أهواءها.
٣-الحبر الماسوني الأمريكي ألبرت بايك يعترف بنفوذ الماسونية السري وخداعها للحكام:
كان الضابط "ألبرت بايك" [ت ١٨٩١م] من كبار الماسونيين النورانيين الحاصلين على الدرجة (٣٣)، ويعد الخليفة الروحي للمؤسس النوراني "آدم وايزهاوبت"؛ حيث يلقب "بالحبر الأعظم للماسونية العالمية" الأعلى و"الرئيس للماسونيين الأمريكيين ذوي الدرجات العليا"، وكان من أهم أفكاره التي يدعو إليها: إقامة حكومة عالمية واحدة تحكم العالم، وعبادة الشيطان.
وفي تصريحاته يفصح هذا الحبر عن نفوذ الماسونية السري، وكيفية توجيهه في خدمة مصالحها في أي مكان في العالَم؛ فيقول: ((بالكلمة والكتابة وبتفعيل كل نفوذنا العلني والسري وبأموالنا، وعند الضرورة بسيوفنا أيضا، بكل ذلك نريد أن نعمل على دفع التقدم الإنساني ...، وأن يقوم الشعب بالمطالبة باسترجاع حقوقه التي لا يتنازل عنها)).
وعن ضم الزعماء والملوك إلى الطائفة الماسونية يقول "بايك": ((لقد ترك زعماء مجتمعنا السري جبابرة هذه الأرض ليشاركوا في الأعمال الماسونية دون منحهم حق الاطلاع على أكثر مما ينبغي ... حيث اعتقد كبراء هذه الأرض أنها في قبضة أيديهم كليّة، وأطلقوا الزعم بأن الدين والسياسة هما شيئان غريبان تماماً عن الماسونية)).
ثانيا: انتماء أشهر زعماء السياسة الأوروبية والأمريكية إلى الماسونية:
ولو كانت الماسونية لا علاقة لها بالسياسة كما تدعي؛ فبم تفسر وجود أعلام ماسونية ضمن السياسة ورؤوسها صفوفها، الذين منهم: ألبرت بايك، ،الآنف الذكر ومنهم أيضاً أربعة عشر رئيساً من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، أغلبهم حاصل على الدرجة (٣٣)؟!
ولا يكاد يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصرح أحد الباحثين بأن "كل من له اسم أو منصب، أو وجاهة اجتماعية، في الولايات المتحدة هو عضو في رابطة ماسونية". أقول: وليس هذا في أمريكا فحسب، بل يشبه أن يكون الأمر هكذا في أكثر البلاد الأوربية أيضاً؛ خاصة إيطاليا، وفرنسا، ولعل الأسماء الآتية توضح ذلك:
١-بنجامين فرانكلين [ت ١٧٩۰م]: العالم الفيزيائي والفيلسوف السياسي، الملقب "بسقراط أمريكا"، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتّحدة الأمريكية. كان من كبار الماسون، وعُد أول كاتب في العالم الغربي عن الماسونية.
٢-الكونت أونوريه ميرابو [ت ١٧٩١م:] الكاتب السياسي الفرنسي، أحد رموز وقادة الثورة الفرنسية. كان ماسونيًا، منغمساً في الإباحية.
٣-جورج واشنطن [ت ١٧٩٩م]: الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية، والقائد العام لجيشها.كان ماسونيًّا أيضاً.
٤-نابليون بونابرت [ت ١٨٢١م] الإمبراطور الفرنسي الشهير: لم يكن ماسونيًّا فحسب، بل كان من أنصار الصهيونية البروتستانتية؛ إذ هو من أوائل الزعماء الذين أعانوا اليهود على استيطان في فلسطين، واتخذ في هذا خطوات عملية أثناء حملته على فلسطين سنة ١٧٩٩م.
كما يعد بونابرت أول من أدخل الماسونية إلى البلاد العربية، أثناء حملته على مصر سنة ١٧٩٨م، حيث أنشأ فيها محفل "إيزيس"، الذي كان ذا مقاصد -سياسية كما يقر الماسونيون أنفسهم-، أهمها تمكين نابليون من حكم مصر، ولذلك حرص نابليون على ضم عَُمد البلاد ورؤوسها إلى هذا المحفل. وفي هذا ما يدل دلالة واضحة على خدمة الماسونية للأطماع السياسية الاستعمارية للمحتل الأجنبي.
٥-توماس جيفرسون [ت ١٨٢٦م]: الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية، كان ماسونيًّا منتميًا لأخطر زعماء الماسونية "آدم وايزهاوبت" رئيس فرقة النورانيين، الذي كان جيفرسون أحد المدافعين عنه شخصيًّا.
٦-ماركيز دي لافيت [ت ١٨٣٤م] الزعيم الفرنسي العسكري، أحد قواد الثورة الفرنسية، كان ماسونيًا، وصديقاً مقربًا لجورج واشنطن -الماسوني-، ومؤيًّداً له في حروب استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا.
٧-أدولف كريميو = إيزاك أو إسحاق كريمييه [ت ١٨٨۰م] وزير العدل الفرنسي سنة ١٨٤٨م، ورئيس الطائفة اليهودية في باريس،كان ماسونيًّا صهيونيًّا، أستاذًا أعظم للمحفل الماسوني الأكبر بباريس، خادما لقضايا اليهود أينما وجدت، ولقد طاف البلاد العالمية من أجل تحقيق مصالح اليهود، وضمان الامتيازات الرسمية لهم.
٨-إرنستو ناثان [ت ١٩٢١م] السياسي الإيطالي، الذي تولّى منصب عمدة "روما" من سنة ١٩۰٧م، وحتى سنة ١٩١٣م، ولقد عمل من خلال منصبه هذا ّ على إلغاء تعليم مادة الدين في كل مؤسسات المدنية التعليمية. وكان ناثان هذا ماسونيًّا يهوديًّا، يعتلي منصب "المعلّم الكبير الأعلى شرفًا" لمحفل "الشرق الكبير" في إيطاليا.
٩-والتر راتيناو [ت ١٩٢٢م] السياسي الألماني، أحد قادة الصناعة والاقتصاد في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، كان ماسونيًّا يهوديًّا. ومن تصريحاته: "إن ثلاثمائة رجل من رجال السياسة المتعارفين فيما بينهم يديرون الأمور في أوروبا، والآن في العالم كله. وينتخبون أخلافهم".
١۰-مصطفى كمال أتاتورك [ت ١٩٣٨م] القائد التركي الشهير، الذي قضى على نظام الخلافة الإسلامية، ودعا إلى إلغاء الإسلام كدين رسمي للدولة التركية الحديثة. وكان ماسونيًا ناقما على مظاهر الإسلام، ما جعله رمزاً من رموز الفخر الذين تفتخر بهم الماسونية، وتحض على التأسي بهم.
كما كان اتأتا تورك أيضاً من مؤسسي حزب "تركيا الفتاة"، الذي تؤكد المنشورات الرسمية الماسونية أنه "يتكون كلّيّة من ماسونيين" وأن أكبر قياداته من اليهود (وكان لهذا الحزب أكبر الأثر في إسقاط السلطان عبد الحميد -وسيأتي شهادة السلطان عبد الحميد نفسه بذلك إن شاء الله-).
هل هؤلاء الزعماء من العميان؟
وربّما يقال: إن هؤلاء الزعماء مثلهم مثل غيرهم من باقي العوام الماسون الذين لا يدركون حقيقة الماسونية وأهدافها الخفيّة. أقول: إن هذا الافتراض مع احتمال صحته يرد عليه: أن هؤلاء السياسيين لم يكونوا مجرد أشخاص عاديين اشتغلوا بالسياسة، بل كانوا عتاةً دهاة ومن أخطر من عرفتهم البشرية بأكملها، امتلكوا من الأسباب ما يتيح لهم الاطلاع على خفايا الأمور وأدقها. فضلاً عن أن منهم من ثبت عمله وتأييده لأغراض الماسونية الخفيّة، بل ومحاربة الدين، خدمة للصهيونية ونشر الإلحاد، والإباحية.
ثالثاً: تورط أعضاء الماسونية في أعمال سياسية عنيفة كانت سبباً في قلب الأوضاع:
مما يدل أيضاً على انخراط الماسونية في الأعمال السياسية التخريبية: ثبوت تورطها خاصة في أعمال إجرامية، كان لها أثر كبير في قلب الأوضاع السياسية، إما على مستوى البلاد التي حدثت فيها، أو على مستوى العالَم بأسره، من هذه الأعمال:
١-اغتيال ولي عهد النمسا وإشعال فتيل الحرب العالمية الأولى:
تؤكد المصادر السياسية على أن اغتيال ولي عهد النمسا "الأرشيدوق فرانز فيردناند" في ٢٨/ ٦ سنة ١٩١٤م -كان على يد إحدى العصابات الماسونية في "البوسنة"، وأن مخطط الاغتيال كان صادراً عن المحفل الماسوني الأكبر "جراند أورينت دو فرانس". يقول السياسي النمساوي "فريدريش فيختل" -الذي كان معاصراً لهذه الأحداث: ((تبيّن بشكل أكيد من خلال محاكمة قاتلي ولي عهد النمسا وحرمه أن مخطط الاغتيال لم يكن هو فقط الذي انطلق من المحفل الماسوني الأكبر "جراند أورينت دو فرانس،" ولكن بعض القتلة كانوا هم أيضاً من الماسونيين، كما ثبت أيضا أن الأموال -التي لم يتقاض المغتالون إلا أقل -القليل منها كانت هي أيضاً من مصدر ماسوني)).
-وكما هو معلوم فإن هذا الحادث كان بمثابة الفتيل الذي أشعل نيران الحرب العالمية الأولى، التي استمرت من قرابة أربع سنوات، وراح ضحيتها ملايين الأرواح. وكان شعار الألمان فيها "اليهود والماسون". ثم يضيف فيختل قائلا: ((وعلى كل حال فإن اتهام الماسونيين هنا بالمشاركة الفعّالة في ارتكاب مثل هذا الجرم البشع ليس هو الأول من نوعه!)).
٢-التآمر ضد الدولة في إيطاليا:
استطاعت الجهات الأمنية الإيطالية في سنة ١٨٩١م العثور على وثائق سرية تكشف عن علاقة الماسونية برجال السياسة والسلطة في البلاد، وتبيّن أن الماسونية تستحوذ على ما يقارب ٩٢٦ شخصاً من الشخصيّات الخطيرة في البلاد، في مختلف الجهات، والشرطة، والجيش، والحكومة. وأن هذه الشخصيات قد قامت بأعمال فساد تهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتقويض السلطات، من خلال: جرائم قتل، وتهريب أموال، وتجارة غير مشروعة. كما تبيّن أيضاً أن الصهيونية العالمية كانت تقف وراء بعض هذه الشخصيات؛ لتمدها بالمعلومات عن أعمالها وأعمال خصومها.
هذه بعض الدلائل وغيرها كثير، في المراجع الأوروبية وغيرها، وكلّها تؤكد بصورة جازمة أن الماسونية قد انخرطت في الأنشطة السرية والمؤامرات السياسية التي راح ضحيتها الكثيرون.
المبحث السابع - الماسونية والصهيونية
المطلب الأول: الصهيونية
١-تعريفها:
الصهيونية -كما سبق في تعريفها :- هي حركة سياسية دينية استعمارية متطرفة، تهدف إلى توطين اليهود وتجميعهم في دولة خاصة بهم في أرض فلسطين. وذلك بواسطة التهجير والاحتلال المسلّح، وإبادة السكان الأصليين.
والكلمة "صهيونية" نسبة إلى "صهيون،" وهو جبل في جنوب القدس، يطلق عليه "جبل النبي داود"، الذي يعتقد الصهاينة أنه رمز يمثل "أم إسرائيل" التي منها سيولد الشعب اليهودي مرة أخرى.
٢-مؤسسها:
يعد الكاتب والصحفي السياسي النمساوي المجري "تيودور هرتزل" [ت ١٩۰٤م]، الرئيس المؤسس لهذه الحركة؛ حيث نجح في إنشاء مجلس للمنظمة الصهيونية العالمية، وعقد أول مؤتمر عالمي لها في مدينة بال (بازل) ١٨٩٧م بسويسرا. وفي هذا المؤتمر تم الإعلان رسميًّا عن قيام "المنظّمة الصهيونية العالمية" ورئيسها "هرتزل"، والتصديق على الخطّة العامة للمنظمة ما خفي وما أعلن منها، وسياستها المستقبلية، التي تحدد الطرق السياسية وغير السياسية لإقامة "دولة إسرائيل".
٣-جذورها التاريخية:
لم تكن الدعوة لإقامة وطن قومي لليهود اخترعها هرتزل بدعوة مستحدثة بين عشية وضحاها، بل كان لهذه الدعوة جذور ضاربة في عمق التاريخ اليهودي؛ حيث ظل اليهود يحلمون بالعودة إلى فلسطين منذ تم نفيهم وأسرهم إلى "بابل" العراق" سنة ٥٨٦ ق.م، وقد حدث هذا بالفعل سنة ٥٣٨ ق.م؛ حين سُمح لهم بالعودة إلى هناك، لكن لم يكن ليهنأ لهم عيش فيها، بعد تسلّط الرومان عليهم، حتى طردوهم ونفوهم مرة أخرى ونهائية سنة ١٣٥م.
فكرة المسيح اليهودي المخلص:
ومنذ ذلك التاريخ واليهود مشتتون في الأرض، يسومهم الذل والهوان والاضطهاد بسبب انعزالهم في كل مجتمع يقيمون فيه، وتكوينهم ما يمكن أن يطلق عليه "دولة داخل الدولة"، منتظرين "المسيح المخلص" الذي يقودهم إلى فلسطين مرة أخرى.
وقد ظهر لهم فعلاً مسيح سنة ١٥۰١م اسمه "دافيد روبين" لكن يبدو أنه كان "دجالاً"؛ حيث ظل يدعو اليهود في البلاد الأوربية إلى العودة إلى فلسطين، وحاول جمع الأموال لهم من كل مكان، لكنه ما لبث أن سجنته "محاكم التفتيش"؛ فقتل نفسه ١٥٣٢م.
ثم أعقبه دجال آخر هو "شبيتاي زيفي" أو "سبتاي تيسفي" الذي ظهر في "تركيا" سنة ١٦٢٦م، وكان أكثر شعوذة وسحراً من سابقه؛ نظراً لاطلاعه على تعاليم "الكبّالا" السرية، فادعى سنة ١٦٤٨م أنه "المسيح المنتظر" الذي سيخلص اليهود، ويوحدهم، لكنه ما لبث أن اعتقلته السلطات العثمانية؛ فتحول عن دعوته وتظاهر بالإسلام نفاقًا ومكراً؛ فلما كشف أمره تم إعدامه سنة ١٦٧٦م.
التحول عن فكرة انتظار المسيح المخلّص:
ولم يزل اليهود هكذا في انتظار لمسيح يخلّصهم من التشتت والاضطهاد، ويجمعهم في وطن واحد خاص بهم، حتى اشتد سعير التنكيل باليهود في البلاد الأوروبية وغيرها، وبلغ أوجه في "مذابح اليهود" في روسيا ودول أوربا الشرقية من سنة ١٦٢٦ وإلى سنة ١٨٨٢م إثر تورط اليهود في اغتيالات سياسية عنيفة في هذه الدول.
وهنا تحول المفكرون اليهود عن فكرة انتظار "المسيح المخلّص" إلى فكرة: أن اليهود يجب عليهم أن يسعوا هم أنفسهم في لم شتاتهم، وتوحيد أنفسهم من أجل إيجاد وطن خاص بهم، ينتقمون من خلاله من كل من سامهم صنوف العذاب.
فكان من أوائل من بدت عليه الاستجابة لهذه الفكرة السياسي الإنجليزي "بنيامين دزرائيلي" [ت ١٨٨١م] اليهودي المتنصر، الذي استطاع أن يصل إلى رئاسة مجلس الوزراء البريطاني سنة ١٨٧٤م، فعمل من خلال منصبه على أولى خطوات توطين اليهود في أرض فلسطين بشراء أراض لهم هناك، وكان قد اشترى من قبل نصيب مصر من أسهم شركة قناة السويس؛ لتخطو إنجلترا أولى خطواتها نحو تثبيت أقدامها في المنطقة التي تم توجيه الأنظار إليها لتكون وطنًا قوميًاً لليهود.
-وفي روسيا -عقب مذابح اليهود أنشأ أصحاب النفوذ من اليهود هناك جمعية "أحباء صهيون" سنة ١٨٨٢م، والتي كانت ممهدة لظهور "المنظّمة الصهيونية العالمية" على يد "تيودور هرتزل" سنة ١٨٩٧م.
٤-تأييد الدول الأوروبية للحركة الصهيونية:
منذ الإعلان الرسمي عن قيامها سعت المنظمة الصهيونية في اكتساب دعم وتأييد الدول الأوربية لها، وقد نجحت في ذلك، وتعاون معها كثير من هذه الدول، ليس حبًّا وتعاطفا معها بالقدر الذي يبدو في العلن، ولكن تحقيقا لأغراض وسياسات خفيّة بعيدة المدى، أهمها:
أ- القضاء على المشكلة التي عرفت في تلك البلاد باسم "المشكلة اليهودية" أو "المسألة اليهودية": والتي تتمثل في أن المجتمعات اليهودية داخل الدول الأوروبية كانت تشكل ٍ مجتمعات مالية فكرية دينية منغلقة، تسيطر على كثير من وسائل الاقتصاد وتجارة الخمور والبغاء والفواحش، وتحوم حولها شبهات التجسس، والخيانة، ومع هذا فهي تشعر بتميّزها العنصري وأفضليتها على من حولها من فئات المجتمع، وفي الوقت نفسه تشعر بالاضطهاد والخوف منها.
أما الشعور الأول والأفضلية بالتميّز؛ فكان واجباً-كما هو مشهور-عن عقيدة اليهود الدينية التي يؤمنون فيها بأنهم "أبناء الله" وأنهم "شعب المختار"، دون غيرهم من باقي الأمم التي ينعتونها "بالجويم" أي: الأغيار والأجانب الذين يعتقد اليهود أنهم -أي الجويم-أمم وشعوب مخلوقة لخدمتهم.
وأما الشعور الثاني: وهو الخوف والاضطهاد؛ فكان نتاجاً لسلسة طويلة من التشرذم والذلّة والمسكنة التي قاساها اليهود عبر التاريخ، منذ الأسر البابلي لهم سنة ٥٨٦ ق.م، وحتى العصور الحديثة، التي أدركت فيها المجتمعات الأوربية خاصة خطورة هذا الوضع المريب لليهود؛ فحاولت بشتى الطرق تفكيكه أو اضطهاده ونفيه إن لم تنجح في تفكيكه، وقد حدث هذا بالفعل في قرار الملك " إدوارد الأول" [ت ١٣۰٧م] ملك إنجلترا بطرد جميع اليهود من إنجلترا سنة ١٢٩۰م، وتبعه على ذلك فرنسا وبعض الدول الأوروبية.
وقد حاول بعض هذه الدول إدماج هذه المجتمعات اليهودية وصهرها داخل مجتمعاتها الاقتصادية والفكرية الجديدة، لكن كل هذه المساعي باءت الفشل؛ فكانت فكرة الصهيونية = وتوطين اليهود "التهجير" هي الحل الأمثل لهذه "المشكلة اليهودية". وكانت الدولة البريطانية في صبغتها الحديثة هي أكثر الدول الأوروبية دعما وتأييدا لهذا الحل الصهيوني، الذي تتوج عام ١٩١٧ بوعد وزير الخارجية البريطاني "آرثر جيمس بلفور" [ت ١٩٣۰م] بدعم الدولة البريطانية وتأييدها الرسمي إقامة دولة لليهود بأرض فلسطين، الوعد الذي عرف باسم في التاريخ "وعد بلفور"، وعد من لا يملك لمن لا يستحق.
ب-قطع السبيل إلى تكوين كيان عربي أو إسلامي متحد في هذه المنطقة:
منذ قيام محمد علي باشا بتكوين إمبراطوريته المصرية فيما بين عامي (١٨۰٥- ١٨٤٨م)، التي امتدت حدودها لتشمل بلاد الشام والجزيرة العربية والسودان، والدول الأوربية تشعر بالخطر المتزايد إزاء هذه المنطقة التي تتوافر فيها أغلب عناصر الاتحاد، من وحدة الدين، واللغة، ِ والعرق، والأرض، والتاريخ، والغاية. الأمر الذي يسهل معه قيام كيان متحد فيما بعد، قيام يعرقل نفوذها ومساعيها الاستعمارية التي قد أعدتها نحوها.
ولم يكن أكثر هذه الدول على استعداد لدفع الثمن فادحاً مرة أخرى، بعد ما دفعته في سبيل تفكيك الدولة المتحدة التي أنشأها محمد علي، ومن أجل هذا كان الحل بإقامة كيان غريب أجنبي وسط هذه المنطقة، يفشل كل محاولتها للاتحاد أو حتى الاستقرار والسلام -هو الحل الأمثل. فعملت على تنفيذه بالتواطؤ مع "التنظيم الصهيوني".
٥-موقف السلطان عبد الحميد من الصهيونية:
سعى هرتزل بكل الطرق إلى مقابلة السلطان عبد الحميد [ت ١٩١٨ م] خليفة المسلمين آنذاك، الوالي الشرعي على أراضي المسلمين، التي منها فلسطين، ولكن هذه المقابلة لم تكن لتتاح لشخص مثله إلا باستخدام الرشوة، والتملّق إلى بطانة السلطان عبد الحميد، بل تملّق السلطان نفسه؛ حيث يرسل إليه الخطابات التي يقول فيها: "اعتقدت أن الوقت قد حان لأن أبرهن لحكومة جلالته على أنها تجد في ً صديقاً مخلصاً، مستعداً لتأدية الخدمات في كل وقت لملك عامل رعاياه اليهود معاملة حسنةً دائماً، ويمكن له بثاقب نظره أن يسمح بإدخال المهاجرين اليهود إلى داخل إمبراطوريته، ومن الأكيد أن هؤلاء سوف -يحملون له بعرفان جميل وولاء لا حدود له- قُواهم الصناعية والمالية لمصلحة تركية العظيمة المتسامحة المضيافة". وفي رسالة أخرى يقول: "كل ما يريد الصهيونيون أن يفعلوه هو أن يعمروا بلاد فلسطين تحت سيادتكم بعُّمال مسالمين غير سعيدين أبداً في الأماكن الأخرى".
وبلغت جرأته أن عرض على السلطان عبد الحميد مبلغ "عشرين مليون جنيه ثمن فلسطين"، وأنه -إذا وافق السلطان على مطلبه- سيعمل هرتزل مع جمعيته الصهيونية على تقوية وضع السلطان عبد الحميد ضد معارضيه، وأنهم سيمدونه بالمال ويؤثِّرون على الرأي العام ليقف إلى جانبه.
لكن في المقابل جاء رد السلطان اعنيفا صادم له؛ حيث قال: "لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد لأنها ليست لي، بل لشعبي. لقد حصل شعبي على هذه البلاد بإراقة دمه، وقد غذاها فيما بعد بدمائه أيضا، وسوف نغذيها، بل لن نسمح لأحد باغتصابها منا.... فليحتفظ اليهود بملايينهم، أما إذا سقطت الدولة وتم تقسيمها؛ فقد يحصل اليهود على فلسطين بلا مقابل. إننا لن نقسم هذه الدولة إلا على جثتنا".
حينها أدرك هرتزل أن موافقة السلطان على طلبه باتت أمراً مستحيلاً، وتأكد له هذا عندما نجح في مقابلة السلطان نفسه سنة ١٩۰١م، وعرض عليه مطلبه صراحة؛ فلم يتمالك السلطان عبد الحميد نفسه إلا أن طرده من مجلسه.
فكان هذا بمثابة الصفعة على وجه هرتزل؛ عاد أدراجه بعدها خائبًا، موقنًاً أن الاستيلاء على فلسطين لن يتم في ظل وجود السلطان عبد الحميد؛ فعزم على خطّة اختمرت في عقله، ونفذتها أداته الماسونية في تركيا متمثلة في "تركيا جمعية الفتاة" التي انضمت إلى جمعية "الاتحاد والترقي"؛ فخلعت السلطان عبد الحميد بالقوة سنة ١٩۰٩م.
والعجيب أن الوفد الذي أرسل إلى السلطان عبد الحميد ليبلغه القرار كان على رأسه رجل اسمه "إيمانويل قراصو"، وكان يهوديًّا يشغل منصب "معلم الكرسي اليهودي" في أحد المحافل الماسونية في تركيا! ثم كان القضاء على الخلافة الإسلامية بأسرها في ٣ مارس سنة ١٩٢٤م، واحتلال فلسطين سنة ١٩٤٨م.
المطلب الثاني: علاقة الصهيونيةب الماسونية
يمكن القول باختصار: إن علاقة الماسونية بالصهيونية هي علاقة الخادم المخدوم، أو علاقة الأداة بالمؤدي. وهذا لأن -الماسونية -كما تقدم في طورها الجديد أصبحت أداة تُدار بواسطة جمعية "القوة الخفية" اليهودية، التي تهدف إلى: "تقوية العنصر اليهودي، وإرجاع العالَم إلى اليهودية"؛ فقد أضحت الماسونية إذن "جمعية تتوحد فيها كلمة الأمة اليهودية توحًدا خفيًّا، وتتحد قلوبها اتحادا وثيقا" من أجل المحافظة على الكيان اليهودي، وسحق كل دين أو كيان يهدد هذا الكيان.
وهذا القصد إن لم يكن هو نفسه القصد الصهيوني المعلن؛ فهو عند التحقيق القصد الصهيوني الخفي نفسه حيث جاء في البروتوكول الرابع عشر من البروتوكولات الصهيونية: ((حينما نمكن لأنفسنا فنكون سادة الأرض لن نبيح قيام أي دين غير ديننا ... ولهذا السب يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان. وإذ تكون النتيجة المؤقتة لهذا هي إثمار ملحدين؛ فلن يدخل كل هذا في موضوعنا، إنه سيضرب مثلاً للأجيال القادمة التي ستصغي إلى تعاليمنا على دين موسى، الذي وك ل إلينا بعقيدته الصارمة واجب إخضاع كل الأمم تحت أقدامنا)).
وعلى الأدلة فهذا يدل على أن الماسونية الحديثة صهيونية تعمل آلة من أجل تحقيق أهدافها الخفيّة والمعلن. أما الأدلة الأخرى على هذا، فأهمها:
١- ثناء أحد أئمة الماسونية على الجمعية الصهيونية واعتبار غايتها غاية شريفة:
ففي كتابه "تاريخ الإسرائيليين" الذي أعده "مكاريوس" تزلًّفا إلى أصحاب الوجاهة من اليهود في زمنه، يستطرد فيه بذكر فضائل الإسرائيليين، ومدح تاريخهم، وأعمالهم، وذكائهم، وأموالهم، وجمعياتهم، حتى يصل إلى الثناء على "الجمعية الصهيونية"؛ فيقول: ((من الجمعيات الكبيرة عند الإسرائيليين في هذه الأيام الجمعية الصهيونية، وغايتها: استعمار أرض فلسطين وعمرانها. أنشئت هذه الجمعية سنة ١٨٩٦م، وعقدت مؤتمرها الأول في مدينة بال بسويسرا سنة ١٨٩٧م، وممن اشتهر في الغيرة عليها وعَُّد من أكبر دعاتها: الدكتور هبرسل [هرتزل]؛ فإنه بذل جهده ليجعل اليهود ينضوون تحت لوائها، ويساعدون إخوانهم لنقلهم من روسيا ورومانيا والأماكن التي اضطهدوا فيها إلى أرض آبائهم وأجدادهم في فلسطين ...
ولهذه الجمعية العظيمة رئيس في أمريكا، وآخر في روسيا، وأربعة عظماء من أشهر مشاهير الإسرائيليين في لندن. أما غاية هذه الجمعيات فواحدة. وأهم فروع هذه الجمعية: "الشركة الإنكليزية الفلسطينية"، وأموالها تدعى الأموال الإسرائيلية الوطنية، وقد جمعت أموالا لشراء الأرض في فلسطين لليهود، واستيطانهم إيّاها، واستغلال خيراتها، والتمتع بها، وأخص أشغالها التجارة في الشرق، والاكتساب لتلك الغاية الشريفة ... هذا ولا ينبغي أن نغفل من أن من آثار هذه الجمعيات وخيراتها شراء قرية "المطلّة" في قضاء "مرج عيون" بولاية "بيروت" واستيطان الإسرائيليين لها... حيث استوطنها اليهود، وأبدلوا حالتها من عسر إلى يسر، ومن جدب إلى خصب)).
٢-دعوة الماسونية أهل فلسطين لكي يقبلوا ويرحبوا باستيطان الصهاينة لأراضيهم:
في يوم ٢ أبريل سنة ١٩٢٢م، أطلق المحفل الماسوني الأكبر بمصر نداء إلى أهل فلسطين، جاء فيه: ((باسم الحريّة والإخاء والمساواة التي هي الشعار المقدس للماسونية ذات المبادئ الخالدة، وباسم السلام العام الذي تدعو إليه جميع المذاهب الفلسفية، وتأمر به كل الأديان السماوية يتقدم المحفل الوطني المصري الأكبر إلى أئمة الدين الحنيف وحفظة الشرع الكريم الذين يستمع إليهم عرب فلسطين ... إلى أهل العقول الراجحة... إلى أرباب الأقلام والصحف ... إلى أكابر المسلمين وأعيانهم... إلى أصحاب المناصب وذوي الحل والعقد ... إلى الشباب الناهض الذي سيجني أكبر الثمرات مما سيقام في فلسطين من معاهد العلم ... ثم إلى الأمة الفلسطينية كلها ... يا أهل فلسطين: تذكروا أن اليهود هم إخوتكم، وأبناء عمومتكم، ركبوا متن الغربة فأفلحوا ونجحوا، ثم هم اليوم يطمحون للرجوع إليكم لفائدة وعظمة الوطن المشترك العام، بما أحرزوه من مال، وما اكتسبوه من خبرة وعرفان، ... اسمعوا وعوا هذا الصوت الذي تناشدكم به مصر، شقيقتكم الكبرى. إنها تدعوكم إلى السلام والوئام لمصلحتكم، ولمصلحة الشرق، وهي فوق كل مصلحة ... هذا ما رآه المحفل الأكبر الوطني المصري، ويقينه أن أهل فلسطين يستمعون لهذا النداء ... )).
٣- الجمعية الماسونية "بناي بريث" تجاهر بالصهيونية وتدعو إليها:
"بناي بريث" كلمة عبرية معناه : أبناء العهد. وجمعية "البناي بريث"- هي جمعية ماسونية تأسست في "نيو يورك" سنة م، ١٨٤٣على يد جماعة من اليهود المهاجرين من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت مقراً رئيساً لها، ثم تعددت فروعها بعد ذلك لتشمل مناطق كثيرة من العالم، حتى استطاعت أن تكون محفلاً عاما لها سنة ١٨٨٨ م.
وقد تبّنت هذه الجمعية منذ نشأتها الدعوة الصهيونية، واعتنقتها اعتناقًاً تاماً، وحملت المجتمع الأمريكي عليها، وساهمت في تمويل "الصندوق القومي اليهودي" لشراء الأراضي في فلسطين.
وفي سنة ١٨٩٤م قامت هذه الجمعية بشراء عد ة أراضي في فلسطين، وحولتها إلى مستعمرات يهودية، فكانت النواة الأولى للكيان الصهيوني هناك.
وفي سنة ١٩٤٧م قامت الجمعية بالضغط على الرئيس الأمريكي "هاري ترومان" [ت ١٩٧٢م] لتأييد مشروع تقسيم فلسطين، وإقامة الدولة الصهيونية. وإلى هذه الجمعية يعود الجرم الأكبر في إعداد وتنشئة كبار الشخصيات اليهودية الصهيونية، التي كان لها نفوذ سياسي في المجتمع الأمريكي والعالم كله، كان من أشهرهم:
أ- ناحوم سوكولوف [ت ١٩٣٦م] المؤرخ الصهيوني البولندي الأصل، الذي تولى منصب السكرتير العام للمنظمة الصهيونية.
ب- حاييم وايزمان [ت ١٩٥٢م] الذي تولّى رئاسة المنظمة الصهيونية فيما بين عامي ١٩٢۰ -١٩٤٦م، وعد تأثيره فيها التأثير الأبرز بعد تأثير هرتزل، كما تولى وايزمان بعد ذلك رئاسة الكيان الصهيوني المحتل في فلسطين، وكان أول رئيس له.
٤-بروتوكولات حكماء صهيون تصرح بأن الماسونية هي أداة صهيونية خالصة:
تقدم أن خطّة العمل السرية للجمعية الصهيونية المسماة "برتوكولات حكماء صهيون،" قد تم الحصول عليها لأول مرة عن طريق سرقتها من أحد المحافل الماسونية، مما يدل على أن المحافل الماسونية كانت هي المحل المحتضن لهذه البروتوكولات. وههنا ضيف أن الماسونية لم تكن محًّلا لهذه البروتوكولات فحسب، بل كانت هي أول من قدم الصياغة الأولية لها، بل شرعت في تنفيذها، قبل مائة عام من التصديق الرسمي عليها في المؤتمر الصهيوني الأول سنة ١٨٩٧م. وذلك من خلال أحد أهم رؤوسها، وهو الألماني "آدم وايسهاوبت" رئيس - أخطر فرقة ماسونية، فرقة "المتنورين" التي سبق الكلام عنها، حيث يُعد "هاوبت" المراجع والمنظّم الحقيقي للبروتوكولات.
يقول صاحب كتاب "أحجار على رقعة الشطرنج": ((في عام ١٧٧۰م استأجره المرابون الذين قاموا فيما بعد بتنظيم مؤسسة "روتشيلد" لمراجعة وإعادة تنظيم البروتوكولات القديمة على أسس حديثة، والهدف من هذه البروتوكولات هو التمهيد لكنيس الشيطان للسيطرة على العالم؛ كيما تفرض المذهب الشيطاني وأيدولوجيته على ما تبقى من الجنس البشري بعد الكارثة الاجتماعية الشاملة التي يجري الإعداد لها، بطرق شيطانية غامضة. وقد أنهى وايزهاوبت مهمته في الأول من مارس ١٧٧٦م.
ويقوم هذا المخطط الذي رسمه وايزهاويت على تدمير جميع الحكومات والأديان الموجودة، ويتم الوصول إلى هذا الهدف عن طريق تقسيم الجويم إلى معسكرات متنابذة تتصارع إلى الأبد حول عدد من المشاكل التي تتولد دونما توقف ... وفي عام ١٧٧٦م نظّم وايزهاويت جماعة "النورانيين" للبدء في تنفيذ مخطط المؤامرة).
أما عن نصوص البروتوكولات نفسها؛ ففيها نقرأ:
١-أن شعار الماسونية "الحريّة والمساواة والإخاء" هو صنعية صهيونية زائفة لجلب المغفلين إلى خدمة الصهيونية:
جاء في البروتوكول الأول: ((كنّا قديماً أول من صاح في الناس: "الحرية والمساواة والإخاء"، كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر ...)).
وفي البروتوكول التاسع: ((إن الكلمات التحررية لشعارنا الماسوني هي: "الحرية والمساواة والإخاء"، وسوف لا نبدل كلمات شعارنا، بل نصوغها معبرة ببساطة فكرة، وسنقول: "حق الحرية، وواجب المساواة، وفكرة الإخاء"، وبها سنمسك الثور من قرنيه، وحينئذٍ نكون قد دمرنا في حقيقة الأمر كل القوى الحاكمة إلا قوتنا)).
٢- التصريح بأن "القوة الخفية" هي الحاكمة للماسونية، وأنها تتخذ الماسونية قناعاً لأغراضها الخفيّة التي لا يستطيع أحد الاطلاع عليها:
في البروتوكول الرابع: ((من ذا؟ وما ذا يستطيع أن يخلع "قوةً خفيّة" عن عرشها؟! هذا هو بالضبط ما عليه حكومتنا الآن. إن المحفل الماسوني المنتشر في كل أنحاء العالَم ليعمل في غفلة، كقناع لأغراضنا. ولكن الفائدة التي نحن دائبون على تحقيقها من هذه القوة -في خطّة عملنا ومركز قيادتنا ما تزال على الدوام غير معروفة للعالم كثيراً)).
٣-التصريح بأن سياسية المراوغة الصهيونية هي الأصل في التنظيم الماسوني، ولذلك جعلت مقاصد الماسونية الحقيقية مخفية عن الداخلين فيها:
في البروتوكول الحادي عشر: ((لقد أوحينا إلى الأمميين هذه السياسة دون أن ندعهم يدركون مغزاها الخفي، وماذا حفزنا على هذا الطريق للعمل إلا عجزنا ونحن -جنس مشتت عن الوصول إلى غرضنا بالطرق المستقيمة، بل بالمراوغة فحسب. هذا هو السبب الصحيح والأصل في تنظيمنا للماسونية التي لا يفهمها أولئك الخنازير من الأمميين، ولذلك لا يرتابون في مقاصدها. لقد أوقعناهم في كتلة محافلنا التي لا تبدو شيئًا أكثر من ماسونية كي نذر الرماد في عيون رفقائهم)).
٤-التصريح بأن الجمعية الماسونية هي خادمة الصهيونية، وأن مصيرها -بالرغم من خدمتها- سيكون الانحلال عند وصول الصهيونية للسلطة التامة؛ حتى لا تقوم بمؤامرات ضدها. وسيكون مصير أعضائها غير اليهود هو النفي:
في البروتوكول الخامس عشر: ((سنعمل كل ما في وسعنا على منع المؤامرات التي تدبّر ضدنا حين نحصل نهائيًا على السلطة ... وأما الجماعات السريّة التي تقوم في الوقت الحاضر ونحن نعرفها، والتي تخدم أغراضنا -وقد خدمت- فإننا سوف نحلّها، وننفي أعضاءها إلى جهات نائية من العالم. وبهذا الأسلوب نفسه سنتصرف مع كل واحد من الماسونيين الأحرار الأمميين (غير اليهود) الذين يعرفون أكثر من الحد المناسب لسلامتنا. وكذلك الماسونيون الذين ربما نعفوا عنهم لسبب أو لغيره سنبقيهم في خوف دائم من النفي)).
٥- التصريح بأن الماسونية تعمل على ضم غير اليهود حتى تخدعهم بالنجاح الزائف، وتسخرهم دون أن يشعروا لخدمة مصالح الصهيونية:
في البرتوكول السابق نفسه: ((الأمميون يكثرون من التردد على الخلايا الماسونية عن فضول محض، أو على أمل في نيل نصيبهم من الأشياء الطيبة التي تجري فيها ... والأمميون يبحثون عن عواطف النجاح وتهليلات الاستحسان، ونحن نوزعها جزافًا بلا تحفظ ... لكي نوجه لخدمة مصالحها كل من تتملكهم مشاعر الغرور، ومن يتشربون أفكارنا عن غفلة، واثقين بصدق عصمتهم الشخصية، وبأنهم وحدهم أصحاب الآراء)).
٦-الماسونية هي من دبر إسقاط السلطان عبد الحميد حينما رفض تسليم فلسطين للصهاينة:
قد سبق الكلام عن موقف السلطان عبد الحميد ورفضه لمطالب زعيم الصهيونية تيودور هرتزل، وأن هذا كان سببًا في عمل الجمعيات الماسونية على تنحيته عن الحكم.
وهذا ما يذكره السلطان عبد الحميد نفسه في "مذكراته" حيث يقرر أن أعضاء جمعية "تركيا الفتاة" التي سعت في إسقاطه كانوا من الماسون: يقول رحمه الله: ((لم أستطع أن أفهم كيف سادت رغبة إسقاطي من فوق عرشي، وتنصيب أخي "مراد" مرة أخرى، هل لأن أخي السلطان "مراد" كان ماسونيًّا مثلهم؟ … حتى الآن لا أستطيع تقدير هذا. لا بد للتاريخ يوما أن يفصح عن ماهية الذين سموا أنفسهم "الأتراك الشبان" أو "تركيا الفتاة" وعن ماسونيتهم. استطعت أن أعرف من تحقيقاتي أن كلّهم تقريبًا من الماسون، وأنهم منتسبون إلى المحفل الماسوني الإنجليزي، وكانوا يتلقون معونة ماديّة من هذا المحفل)).
وفي موضع آخر يقرر السلطان عبد الحميد أيضا أن الماسونية هي من حركت الرأي الصحفي والثوري، ضده، واستعانت عليه بالعدو فيقول: ((إن الصحف التي صدرت في أوروبا ومصر بمختلف أسمائها ورجال الجمعية الذين يجوبون هذه البلاد لم يُخرجوا للبلاد كاتبًا جاداً واحداً. ولكن محافل الماسونية - رغم كل تعقبنا لهم- جعلت من هؤلاء المتسكعين أعلاماً، عندما حركوا الضبّاط من أعضاء "الاتحاد والترقّي". وتلك هي قصة "تركيا الفتاة" وجمعية "الاتحاد والترقّي" ... سيقولون لي: إنك تعلم كل هذا ولم تتصدى له ولم تمنعه! لماذا أغمضت عينيك عن خراب الدولة وانهيارها؟ حاشا! ليست المسألة مسألة إغماض عين، لقد كنت يقظًا في كل لحظة، لكني لم أكن أستطيع منع كل هذا. كنت بمفردي، وكان معهم كل عالم العدو)).
هكذا إذن سعت الماسونية "خادمة الصهيونية" في إسقاط السلطان عبد الحميد رحمه الله؛ لأنه رفض طلبها في الاستيلاء على أرض فلسطين؛ فكانت هذه نهايته. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٦-اعتراف بعض أعضاء الماسونية باستغلال الصهيونية لها:
في سنة ١٩٦٤م أدركت السلطات المصريّة خطورة الجمعيات الماسونية، ونشاطها المشوب بالمؤامرات السياسية الخفيّة ؛ فأصدرت قرارا بحلّها رسميًّا ونهائيًّا، وتبعها على ذلك الحكومة السوريّة؛ فأمرت بمنعها وإغلاقها سنة ١٩٦٥م. وابتدأ تضييق الخناق على الماسونيين في البلاد العربية منذ ذلك الحين أدرك بعض الماسونيين الخطر المحدق بهم؛ فما كان من ماسونيي الأردن إلا أنهم أصدروا بيانًا "اعترفوا فيه باستغلال الصهيونية للماسونية العالمية استغلالاً مجرما، في أبشع صورة عرفتها الإنسانية".
المبحث الثامن - الماسونية والدين
يكاد يتّفق أكثر الباحثين على أن الماسونية منذ بداية طورها الحديث وهي "تلاقي معارضة شديدة" من الأديان المعروفة، ولم تلبث أن منعت في الاتحاد السوفيتي، والمجر، وبولندا، وإسبانيا، والبرتغال، وإندونيسيا، ومصر، وغيره.
حتى إن الماسونيين أنفسهم يعترفون بهذا، مع محاولات شتّى منهم لتبرئة الماسونية عن معاداة الدين، إما بدعوى أن الماسونية تشترط على جميع أعضائها الاعتراف بوجود الإله الخالق لهذا الكون، أو أن الماسونية تعمل وفق هدى الدين في جمع الشمل الإنساني، أو بزعم أنها تحرم في مجتمعاتها كل مناقشة تتعلق بالدين أو السياسة.
لكن الحقيقة أن هذه الدفاعات كلّها لم تنجح في إزالة تهمة العداء للدين عن الماسونية، بل لعلّها من طرف خفي أكدت التهمة نفسها؛ إذ لو كانت هذه الدفاعات حقة فلماذا برزت التهمة من أصلها؟ لماذا كانت هذه المعارضة التي توصف بالشديدة من الأديان؟ وهل يعقل أن تعارض الأديان كيانًا يدعي أنه في مجتمعاته يُحرّم كل مناقشة دينية أو أن الأمر برمته ينطوي على كذبة أخرى من كذبات الماسونية، التي تحاول بشتى الطرق تعمية العيون عن حقيقتها ففطنت ، إليه الجهات الدينية؛ فثارت عليها؟!
هذا ما تبيّنه الحقائق الآتية:
المطلب الأول: محاربة الماسونية للدين وهدم معناه في المجتمعات:
١-هدم الماسونية لمعنى الدين وترحيبها بالملحدين في صفوفها:
مما يدل على كذب الماسونية وتدليسها فيما تدعيه من مؤازرة الأديان: أنها تقبل في صفوفها الملحدين، الذين لا يقرون بأي دين من الأديان، بالرغم من أن هذا يتعارض مع تنص عليه في دستورها من أن الماسوني يجب أن يكون على الدين الذي يتفق عليه الناس، وأنه إذا استطاع أن يفهم الفن حقاً فلن يضحى أبدا ً ملحدا غبيًّا.
تحريف معنى الدين عند الماسونيين:
لكن الذي يظهر أن الماسونية لا تعني بالدين الذي توجبه على أعضائها الدين المنتسب إلى الإله، بل تعني به الفكر أو المذهب الذي يتوافق عليه جملة من الناس، وإن لم يكن إلهيًّا أصلاً.
ينقل أبو راشد عن واضع الدستور الماسوني فيقول: ((قال أندرسون ما - معناه-: يجب على الماسون أن يكونوا فقط على الدين الذي يقبله الناس جميعا، دون ما نظر إلى عقائدهم الخاصة. ومعنى هذا: أن يكون الماسونيون رجال خير وشرف واستقامة، بالإخاء الإنساني، من أي دين كانوا؛ فبهذه الصفة تصبح الماسونية دائرة اتحاد)).
ثم يعقب أبو راشد على هذا قائلاً: ((وحقاً ما قيل: الدين كله المعاملة. فالشرط الوحيد الذي يجب توفره في طالب الانضمام إلى الماسونية: أن يكون شريف السمعة مستقيماً. أما الرأي السياسي، والاعتقاد الشخصي، ... فكل هذه اعتبارات لا تؤثّر في جواز التحاق الفرد في العشيرة الحرة)).
ويعلّق ماسوني آخر فيقول: ((ليس معنى هذه العبارة: أنه سيتم منع كل شخص ينكر وجود الله من القبول. فبعض الملحدين دخلوا في المحفل فعلاً، وقاموا بتعلّم الفن بهمة)).
فمن هذا يظهر أن دعوة الماسونية لاعتناق الدين الذي يتفق عليه جميع الناس ما هي إلا دعوى خيال، وإلا فإن هذا الدين الذي يكون بهذه الصفة لم يوجد ولن يوجد بعد. وبهذا يظهر أيضاً: أن الماسونية تحرف وتهدم معنى الدين بالاصطلاح المعروف به بين أهل الأديان أنفسهم، وتخترع له معنى متذبذبًا، يدخل فيه كل هوى وكل رغبة، وإن كان هذا الهوى هو الإلحاد نفسه.
وهذا ما اعترف به أحد زعمائها، وهو المفكر الفرنسي "برودون"- حيث يقول: ((ليست الماسونية سوى نكران جوهر الدين. وإن قال الماسون بوجود الإله؛ أرادوا به الطبيعة وقواها الماديّة، أو جعلوا الإنسان والله كشيء واحد)).
٢-المحفل الأعظم الفرنسي يأمر بنبذ واستحقار كلّ ما يتعلق بالدين:
في سنة ١٨٧٦م- قرر "الشرق الأعظم الفرنسي" رفع عبارة "مهندس الكون الأعظم" التي ترمز إلى الإله من مستهلا جميع كتاباته وأعماله، وأوجب على جميع المحافل التابعة له العمل بهذه الطريقة. ثم تطور الأمر سنة ١٨٩٥م ليقضي هذا المحفل بإلغاء أي عبارة دينية، ويعلن في نشرته الرسمية: بأنه يعتبر "كل الفرائض الدينية كأعمال ضارة بالإنسان، وبكمال البشرية في عقلها وآدابها".
ثم قام المحفل الفرنسي أيضاً باشتراط أن يكون أعضاء المجالس التنظيمية من الذين لا يمارسون شعائر دينية هم وأبناؤهم. ثم زاد هذا التطرف حتى أصبحت المحافل الفرنسية لا تقبل المتدينين أصلاً بين صفوفها؛ "لأن الذي ينخرط في المحافل يجب أن يكون حراً، والماسوني الحقيقي لا يكون متديـنًا".
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طلب المحفل الفرنسي من أعضائه أن يعلن كل منهم بأن اعتقاد "المهندس -أي الإله-الأعظم" ليس إلا خيالاً وخرافة، لا بد من التنديد بها، والسخرية منها.
تأثير المحفل الفرنسي على المحافل الماسونية في إيطاليا وألمانيا:
ويبدو أن الشرق الأعظم الفرنسي قد كان له من السطوة والتأثير ما جعل بعض المحافل الأوروبية تسير في طريقه أيضاً. ففي إيطاليا عملت المحافل الماسونية على نبذ الشعائر والعبارات الدينية داخل المحافل، وأعلن بعض الماسونيين هناك في صراحة أنه قد "تم عزل الرب الحاكم". وفي ألمانيا صرحت النشرة الرسمية للماسونية بأنه: "ليس فقط يجب على الماسون ألا يكترثوا للأديان المختلفة، لكن يقتضى عليهم أيضاً أن يقيموا أنفسهم فوق كل اعتقاد بالإله أيًّا كان".
٣-الماسونية في فرنسا تبشر باللادينية وتعلن أن هذا هو هدفها صراحة:
في سنة ١٨٨٩ م تم عقد مؤتمر ماسوني دولي في "باريس"، وكان أحد المتحدثين فيه من أعضاء المحفل الفرنسي الأكبر "الشرق الأعظم الفرنسي"، وقد جاء على لسانه صراحة قوله: ((سيأتي يوم تتجرد فيه الأمم من أواصر الدين، وإن هذا اليوم ليس ببعيد، ونحن في انتظاره))، ((هذا هو الهدف المستقبلي الذي يتراوح أمامنا، وشغلنا الشاغل أن نعجل بهذا اليوم)).
وفي نشرته الرسمية للمؤتمر المنعقد سنة ١٩٢٣م يصرح محفل "الشرق الأعظم الفرنسي"، بأنه : ((يجب ألا تقتصر الماسونية على شعب دون غيره، ولتحقيق الماسونية العالمية يجب سحق عدونا الأزلي، الذي هو الدين، مع إزالة رجاله)).
٤-الماسونية في أوروبا تعمل على إلغاء تعليم الدين في المدارس:
ومن معاول الهدم التي تستخدمها الماسونية لمحاربة الدين: الدعوة إلى إلغاء تعليمه في المدارس، وتشجيع إقامة مدارس لادينية؛ حتى ينشأ جيل من الشباب لا يعرف شيئًا عن الدين أو ما يسمى بالإله، وإنما هو مبدأ "حرية الضمير" الذي عمل الماسونيون على إحلاله محل مبدأ "الإله"ز
وقد تولّى كبر هذه الدعوة المحافل الماسونية البلجيكية سنة ١٨٦٣م، ثم الفرنسية التي صرحت في نشراتها الرسمية بأنه "يجب نفي كل تعليم ديني". ثم تسرب الأمر إلى المحافل الإيطالية التي رفعت شعار: "لا لتعليم الدين، وإنما حرية الضمير"، وقد نجحت في هذا فعلاً سنة ١٩۰٨م عندما تولّى "إرنستو ناثان" الماسوني اليهودي منصب "عمدة روما"، وقرر مباشرة هذا الأمر بنفسه. ما أغرى المحافل الماسونية المجرية بانتهاج الدعوة نفسها.
٧-ابتهاج الماسونية بما قام "مصطفى أتاتورك" من إلغاء الدين:
في موسوعته الماسونية يثني أبو راشد على "أتاتورك" ويصفه بالماسوني العظيم، ثم يعدد أهم ما قام به فيقول: ((وهاكم أهم ما قام به بطل تركيا الخالد: فقد أبطل نظام السلطنة. وأبطل نظام الخلافة. وأبطل المحاكم الشرعية -وأبطل الامتيازات الأجنبية. - وأبطل التكايا الوراثية. وألغى دين الدولة: الإسلام. كما ألغى وزارة الأوقاف. وخلق تركيا الجديدة)).
ثم يعقب أبو راشد قائلاً: ((أليس هذا الإصلاح ما تبتغيه الماسونية في كل أمة ناهضة .))؟!
أقول: نعم هذا هو الإفساد والخراب الذي تبتغيه الماسونية في كل أمة متحدة متماسكة؛ لتهنأ دولة اليهود، وتسعد بتفتت دولة الإسلام وخراب العالم من حولها. فمنذ متى كان إلغاء دين الدولة يعد إصلاحا؟ ومنذ متى كان إلغاء وزارات الأوقاف يعد ً إصلاحا؟ ومنذ متى ...؟ ومنذ متى ...؟
٦-اليهود المعادون لكلّ دين غير دينهم هم المسيطرون على المحافل الماسونية الآن:
قد سبق أن الماسونية في بداية طورها الحديث: تكن تسمح لليهود بأن يكونوا أعضاء فيها. لكن هذا الأمر لم يدم طويلاً؛ فباستخدام اليهود للحيلة والمكر جعلت المحافل الماسونية ترحب بهم بين صفوفها، وكان هذا بمثابة السماح لفيروس بانتهاك جسد خبيث هزيل؛ فمنذ دخول اليهود على الماسونية -كعادتهم في العمل على الانتشار والتوغّل والاستئثار بمراكز السلطة والنفوذ فيها حتى بلغ بهم الأمر أن وجهوا الماسونية -التي كانت تنبذ انضمام اليهود إليها إلى أن ترفع شعار: "لا محافل بدون اليهود".
ومنذ ذاك الحين واليهود هم أكثر الماسونيين نشاطًا ودأبًا ليس في أوروبا فحسب، لا، بل في الدنيا كلها. فاليهود هم أخف الماسونيين حركة، وأكثرهم فاعلية، يعرفون كيف ينفثون في المحفل روحهم، وكيف يسخرونه لأغراضهم الشخصي .
عداء اليهود لكل دين يخالف أهوائهم:
واليهود كما هو معلومٌ عنهم معادون لكل دين غير يهودي، وقد بذلوا قديماً محاولات وحشية وعنيفة لقمع النصرانية في أول ظهورها، ثم تلا هذا مقاومة شرسة للإسلام منذ أول ظهوره، وكانوا أشد الناس عداوة للإسلام وأهله؛ كما قال الله تعالى: {لتجدنَّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} [المائدة: ٨٢]. ولقد حاولوا بالفعل قتل النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، ثم حاولوا بعد ذلك محاربة دولة الإسلام واستئصالها في فجر تاريخها، لكن أبى الله إلا أن ينصر دينه.
ومن نصوصهم في "التلمود":
١- "الأمميون [أي غير اليهود] يقعون خارج نطاق حماية الشريعة، ومالُهم يتيحه الله حلالا لبني إسرائيل".
٢-"أبناء الأمميين جميعا بهائم".
٣-"كل الكفرة وسواهم ممن يجحدون التلمود مصيرهم إلى الجحيم".
٤-كل من يقرأ كتب الدين غير المشروعة لا يكون له نصيب في الحياة الآخرة".
٥- "من واجب اليهود إتلاف كتب الكفرة والوثنيين".
فمثل هؤلاء لا يتوقّع منهم تجاه أي دين أو فكر يخالف دينهم أو هواهم إلا التخريب والهدم والتحريف؛ كما يأمرهم "تلمودهم" المنحرف. ولقد شهد بهذا واحد من الماسونيين أنفسهم؛ فيقول: -المصريين- إن ((أغلبية تلك الفئة هم اليهود، وهم الذين يقودون العشيرة تحت هذا الستار الخلاب... هناك من الأسرار الخفية ما لو أذيع لروع العالَم، وأمسى يرى تلك الفئة بالعين المجردة إنما تعمل لهدم بقيّة الأديان دون دينهم)).
وهذا ما تفعله الماسونية في الخفاء، استجابة لرغبة هؤلاء القوم الذين لم يكتفوا بالسلطة العليا الخفيّة للماسونية، بل ضموا إليها السلطة الظاهرة العلنية؛ لتحقق لهم السيطرة الكاملة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٩-شهادة واحد من أهل الماسون يصرح فيه بعداء الماسونية للدين ودعوتها للإلحاد:
ولنختم الآن بشهادة أحد هؤلاء الذين دخلوا الماسونية، وبلغوا فيها الدرجات العلى التي أهلتهم لاطلاع على بعض الخفايا والأسرار؛ فيقول: ((رأيت اللادينية بكل ّ تجسمها، رأيت الطبيعة في مجلاها، رأيت الإباحية المطلقة في كل مظاهرها ... أما حرية الماسون فحريّة متطرفة، لا نهائية، حرية كفر وضلال، هدامةٌ للآداب والأديان، والمال والحياة والنسل)).
هذه الشهادة تضاف إلى شهادات كثيرين ممن دخلوا الماسونية، ثم ارتدوا عنها لما رأوا فيها من هذه المظاهر الهدامة، التي -وإن حرصت الماسونية على إخفائها- لكن نور الحقيقة أقوى من أن يحجبه خداع الزور. فهل بعد كل هذه الحقائق تصر الماسونية على أنها لا زالت تقيم للدين وزنًا، أو يتشدق دعاتها بأن "الماسونية عضد الأديان". لا شك أن كل هذه الدعوات الآن أضحت هباءً منثوراً، لا يصدقها إلا غافل أو مكابر. ولعل البيان الآتي يوقظ الأول ويزعج الثاني:
المطلب الثاني: موقف الجهات الدينية من الماسونية
١- قرار المؤتمر العالمي الإسلامي للمنظمات الإسلامية:
في ربيع الأول سنة ١٣٩٤ هـ= ١٩٧٥ م انعقد في مكة المكرمة المؤتمر العالمي الإسلامي للمنظّمات الإسلامية، وقد اشترك في هذا المؤتمر (١٧۰) وفداً -من الوفود الإسلامية، تمثّل جميع الدول الإسلامية، والأقليّات الإسلامية بالدول غير الإسلامية، وكان لمصر وفد كبير بين هذه الوفود.
وفي هذا المؤتمر تم مناقشة مجموعة من القضايا الإسلامية والعالمية، وتم التوصل إلى بعض قرارات بشأنها، وكان القرار الحادي عشر من هذه القرارات خاصا بالماسونية وما يتفرع عنها من أندية "الروتاري" و"الليونز" وما شاكلها، ونصه كالآتي:
"الماسونية جمعية سريّة هدامة لها صلة وثيقة بالصهيونية العالمية، التي تحركها وتدفعها لخدمة أغراضها. وتتستّر تحت شعارات خداعة: كالحريّة والإخاء والمساواة، وما إلى ذلك؛ مما أوقع في شباكها كثيراً من المسلمين، وقادة البلاد، وأهل الفكر. وعلى الهيئات الإسلامية أن يكون موقفها من هذه الجمعيّات السرية على النحو التالي:
١-على كل مسلم أن يخرج منها فوراً.
٢-تحريم انتخاب أي مسلم ينتسب لها لأي عمل إسلامي.
٣-على كل الدول الإسلامية أن تمنع نشاطها داخل بلادها، وأن تغلق محافلها، وأوكارها.
٤-عدم توظيف أي شخص ينتسب لها ومقاطعته كلية.
٥-فضحها بكتيبات ونشرات تباع بسعر التكلفة.
٢-موقف الكنيسة الكاثوليكية:
كانت الكنيسة الكاثوليكية المسيحية أشد الكنائس عداءً للماسونية، منذ بداية اطورها الحديث، ولعل هذا كان راجعاً إلى أن الماسونية في طورها الحديث قد قضت بإبطال كون المسيحية هي الدين الواجب على أعضاء الماسونية. كما قامت الماسونية بدعم زعماء المذهب البروتستانتي الثائر على الكنيسة الكاثوليكية.
وأيّاً ما كان؛ فقد قدّم البابا "كليمنتس الثاني عشر" [ت ١٧٤۰م] بابا الفاتيكان، بإصدار قرار سنة ١٧٣٨م، يحذر فيه من الماسونية، ويقضي فيه بردة وحرمان كل من ينتسب إليها من الكاثوليك، بل يفرض عقوبة الموت ومصادرة الأملاك لمن يثبت تورطه فيها.
ثم تلا هذا القرار عدة قرارات أخرى من باباوات الكنيسة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اتسمت بالتشديد وتضييق الخناق على الماسونية ،بل لعنها، ثم القضاء البراءة منها تماماً.
وبعد هذا البيان أقول في الختام: من له أذنان للسمع؛ فليسمع، ومن له عينان للبصر؛ فليبصر! أسأل الله تعالى أن يحفظ بلاد المسلمين من شر هذه الفتن، ومن شر كل ذي شر، وأن يهدينا سواء السبيل. والحمد لله رب العالمين.
الخاتمة -وفيها أهم النتائج
بعد هذا التطواف في تاريخ الماسونية، وتطوراتها، وأهدافها، وعلاقتها بالسياسة والصهيونية والدين، يتأتى تقرير النتائج الآتية:
١-الماسونية في تعريفها الجامع: جمعيّة سريّة تعليمية، ذات نشاط سياسي وصهيوني، نشأت قديماً على يد أصحاب مهن البناء، وتطورت حديثًا لتشمل جميع أصناف المهن والطوائف، مستخدمةً أدوات البناء في تعليماتها وتعاملاتها.
٢-للماسونية عدة أسماء، أشهرها: البناؤون الأحرار، المتنورون [الإيلوميناتي] الفحامون [الكاربونيرا].
٣-للماسونية في تاريخ نشأتها وتطورها طوران أساسيّان: هما: الطور القديم العملي، والطور الحديث الرمزي.
٤-لا يعلم بالتحديد متى نشأت الماسونية القديمة، ومن مؤسسها الحقيقي. وليس في هذا ما يضر أو يستأهل النزاع؛ إذا حصل الاتفاق على أن هذا الطور القديم برمته كان طورا مهنيًاً خالصاً.
٥- الماسونية الرمزية الجديدة تم تأسيسها في إنجلترا سنة ١٧١٧م على يد الدكتور "ديزاجليه" في الظاهر، و"القوة الخفية" اليهودية في الباطن.
٦-كانت الماسونية في طورها الأول خاصة بأصحاب مهنة البناء، ولم يكن لها أهداف سياسية أو صهيونية. أما في طورها الثاني فلقد انقلبت الماسونية رأساً على عقب؛ حيث استحوذت عليها "القوة الخفيّة" اليهودية؛ فأصبحت حركة صهيونية لها أهداف سياسية خفيّة، أهمها: تمكين اليهود من السيطرة على العالم، وهدم الحكومات والأوطان التي تحول دون ذلك، ودعم الحركات والجمعيات السريّة التي تعمل من أجل هذه الغايات نفسها.
٧-يخلط كثير من الباحثين بين الماسونية في طورها الأول، والماسونية في طورها الثاني، ونتيجة لهذا الخلط يأتي التضارب في الأقوال بين مدح وقدح، وعزو إلى الأصالة أو المعاصرة. ولقد استغل دعاة الماسونية هذا الخلط لتضليل الناس، وتمويه الحقائق عليهم.
٨-تتراوح الدرجات الماسونية بين الثلاث درجات في الهيئة الأساسية [التلميذ، والرفيق، والأستاذ]، والثلاث والثلاثين في الهيئات العليا.كما يتراوح أصحاب هذه الدرجات بين ثلاث فئات واقعية: العميان المبتدئون، والمتوسطون المطلعون على بعض الخفايا، والحكماء أصحاب "القوة الخفية" الذي يتكونون كلّية من صهاينة خلّص.
٩-الماسونية الجديدة ترفع شعار الحريّة والمساواة والإخاء، وتزعم أنها تدعم الدين، وتشارك في سبل الخير، ونهضة الأدب، ولا تسعى في الفساد، مما أغرى بعض الأ ّ فاضل بالانضمام إليها، كالشيخ الأفغاني وتلميذه محمد عبده، لكن لما تبيّن لهؤلاء كذب هذه الشعارات، وزيف هذه المبادئ عجلوا بالخروج عنها، وعملوا على فضحها.
١٠-الماسونية الآن تتغلغل في أكثر -إن لم يكن جميع- الدوائر السياسية في العالم، خاصة في أمريكا وأوروبا، وقلّما يوجد سياسي أمريكي أو أوروبي ناجح ليس له نصيب من الماسونية.
١١- اضطلعت الماسونية بإطلاق الشرارة الأولى للحرب العالمية الأولى، التي راح ضحيتها ملايين الأرواح، والأموال.
١٢-عملت الماسونية من خلال نفوذها السري السياسي على دعم الثورات الهدامة في البلاد، وتقويض الحكومات، ودعم الاستعمار، واحتلال الأوطان.
١٣- الصهيونية العالمية هي المتحكم الفعلي الآن في الجمعية الماسونية، وهي المسخرة لها فيما يخدم أغراضها، وقد اتخذت الصهيونية الماسونية سلاحاً ضد السلطان عبد الحميد؛ حينما رفض تسليم فلسطين للصهاينة؛ فكان هذا سببًا في عمل الماسونية على إسقاطه، وإسقاط الخلافة الإسلامية بأسرها، وقد تحقق لها ذلك على يد أحد أعضائها، وهو مصطفى كمال أتاتورك.
١٤- بروتوكولات "حكماء صهيون" صنيعة صهيونية ماسونية، حظيت الماسونية فيها بنصيب التهيئة والإعداد والتنفيذ المبدئي قبل ظهورها للعلن بنحو مائة عام، على يد رئيس فرقة "المتنورين" الماسونية آدم وايسهاوبت.
١٥-أكثر الحكومات العربية والإسلامية قد فطن إلى خطر هذه الجمعيات الماسونية، فتم منعها ومصادرة فروعها داخل بلادها، وكان حظرها في مصر خاصة سنة ١٨٢١م.
١٦-الماسونية الجديدة الآن تهدم معنى الدين، وتكفر بالإله، وتدعو إلى اللادينية صراحة، وترحب بالإلحاد، وتعمل على إلغاء تعليم الدين في المدارس، وترى نفسها أنها أفضل من جميع الأديان؛ حيث إنها "تجمع، والأديان تفرق".
١٧-الجهات الدينية الإسلامية والمسيحية الكاثوليكية تحرم الانتماء إلى الماسونية، وتدعوا إلى محاربتها، ومنع انتشارها.
فهرس الموضوعات
المقدمة
المبحث الأول فى تعريف الماسونية وتصوير آرائها.
المبحث الثانى أسماء الماسونية.
المبحث الثالث نشأة الماسونية وأطوارها التاريخى.
المبحث الرابع الدرجات الماسونية وفئات أصحابها.
المبحث الخامس مبادئ الماسونية وأهدافها المعلنة.
المبحث السادس الماسونية والسياسة.
المبحث السابع الماسونية والصهيونية.
المبحث الثامن الماسونية والدين.
الخاتمة.