القضاء والقدر
لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي
ت: محمد بن عبد الله آل عامر
بقلم أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُعَدُّ الإيمان بالقضاء والقدر من أعظم أصول العقيدة الإسلامية، وأرسخ القواعد التي قام عليها إيمان الصحابة والتابعين، إذ تلقَّوه صافياً من مشكاة النبوة، مؤمنين بأنَّ الله سبحانه قدَّر المقادير كلَّها بعلمه الأزلي، وكتبها في اللوح المحفوظ، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ العباد مع كونهم فاعلين حقيقةً لأعمالهم، فإنَّ الله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال سبحانه: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وعلى هذا الفهم الجليل استقام أمر الأمة في صدرها الأول، حتى غدا الإيمان بالقدر عقيدةً جامعةً لا ينازع فيها أحد من أهل الإسلام.
وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم، ثم التابعون من بعدهم، على هذا النهج المستقيم، ينقلون عقيدة السلف نقيةً واضحة، بعيدةً عن التأويلات الفاسدة والآراء الدخيلة. وقد وصف ابن قيم الجوزية كلماتهم بأنها «كافية شافية مختصرة نافعة»، لقرب عهدهم برسول الله ﷺ، وتلقيهم المباشر عنه. حتى قال طاوس بن كيسان: «أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر». وهذا يدل على أن عقيدة القدر كانت محلَّ إجماعٍ ظاهر بين السلف، لم تعرف الأمة في بداياتها نزاعاً حولها، حتى ظهرت البدع الكلامية في أواخر عصر الصحابة.
ثم بدأت الفتنة حين ظهر معبد الجهني، فزعم أنَّ الأمر أُنف، وأنَّ الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، متأثراً بمقالة دخيلة أخذها عن رجل نصراني يُقال له «سنسويه البقال». فكانت هذه المقالة بداية انحراف عقدي خطير، تصدّى له الصحابة والتابعون بالإنكار الشديد والرد الحاسم، حتى أعلن عبد الله بن عمر بن الخطاب براءته من أهل هذه البدعة، وأكّد أن الله لا يقبل من العبد عملاً حتى يؤمن بالقدر. ومن هنا جاءت أهمية هذا الكتاب، الذي جمع (646) حديثاً وأثراً، ليكون موسوعةً راسخةً في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في باب القضاء والقدر، وبيان ضلال الفرق المخالفة، اعتماداً على نصوص الوحي وآثار السلف الصالح.
____________________________________________
مقدمة المحقق
لم يزل الناس في حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم يؤمنون بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وأنّ الله قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأنَّه شاء وأراد وقوعها وقعت، ويؤمنون أن العباد فاعلون حقيقة لأفعالهم ولهم قدرة عليها، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَآّءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تشاَءُونَ إلَّاَ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَّمِينَ﴾.
وعلى ذلك استقام أمر الصحابة - رضوان الله عليهم - في حياتهصلى الله عليه وسلم، وبعد مماته. قال العلامة ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى -: (ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم، وطريقه القويم، فجاءت كلماتهم كافية شافية مختصرة نافعة؛ لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى، ثم سلك آثارهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم وركبوا منهاجهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا على ما کانوا علیه).
قال الإمام طاوس بن كيسان (ت ١٠٦هـ) أحد أعلام التابعين: (أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: كل شيء بقدر).
وفي عهد التابعين وأواخر عهد الصحابة، ظهر رجلٌ يُدعى معبد بن عبد الله بن عويمر- ويقال: ابن عكيل الجهني، وقيل في نسبه غير ذلك - وزعم أنَّ الأمر أَنف، وأنّ الله لم يقدْر شيئاً، بل ولا يعلم الأشياء قبل حدوثها- تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.
وكان معبد الجهني قد أخذ هذه المقالة الخبيثة الكافرة من رجل نصراني يدعى (سنسويه البقال) - وقيل: (سوسن) - وكان نصرانياً، فأسلم، ثم إنَّه تنصر فأخذ عنه معبد هذه المقالة.
قال عبد الله بن عون (ت ١٣٢هـ) - أحد أعلام التابعين -: (أدركت الناس وما يتكلمون إلَّا في علي وعثمان حتى نشأ ها هنا حقير، يُقال له: سنسويه البقال).
وقال يونس بن عبيد (ت ١٣٩هـ) - أحد أعلام التابعين -: (أدركت البصرة وما بها قدريّ إلَّا سنسويه، ومعبد الجهني، وآخر ملعون من بني عوافة).
والتفَّت حول (معبد) فرقة من أبناء اليهود والنصارى، وأنباط العراق. يقول الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر (ح) وحدثنا عبید الله بن معاذ العنبري ۔ وهذا حدیثه - حدثنا أبي، حدثنا كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر قال: (كان أوَّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجَّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله؛ فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنّه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنّهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولتك؛ فأخبرهم أني بريء منهم، وأنّهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم أحداً ذهباً، فأنفقه ما قُبِلَ الله منه حتى يؤمن بالقدر).
ويقول التابعي الجليل، عطاء بن أبي رباح: أتيت ابن عباس -وهو ينزع في زمزم- قد ابتلت أسافل ثيابه فقلت: قد تكلم في القدر فقال: أو قد فعلوها؟ فقلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلّا فيهم ﴿ذوقُوا مَسََّ سَقَّرَ * إِنَّا كُلّ شَيءٍ خلقناه بقَدَرٍ﴾، ثم قال: (أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إنْ أريتني أحدهم فقأت عينيه بإصبعيَ هاتين).
وهكذا أنكر هذه المقالة من تبقى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكموا يكفر أصحابها، بل وأوصوا أن لا يسلم عليهم، ولا يُصلى علی جنائزهم، ولا يعاد مرضاهم.
ولم يطل الأمر بمعبد حتى أخذه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم (ت ٨٦هـ) فصلبه في هذه المقالة، ثم قتله، وكان ذلك بدمشق عام ثمانين من الهجرة، وقيل: إنّما عذبه عذاباً عظيماً إثر خروجه مع ابن الأشعث.
وأيًّا ما كان فإنَ المقالة لم تمت بموته، إذ أخذها عنه غيلان بن مسلم، وكان قبل ذلك ممن عُرف بالمجون، ثم إنّه صار من أصحاب الحارث الكذاب المتنبي وخدم امرأته وزعم أنّها أم المؤمنين، ثم تحول داعية إلى هذه المقالة !!
وبلغ الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أنّ غيلان يقول في القدر؛ فبعث إليه فحجبه أياماً ثم أدخله عليه فقال: يا غيلان! ما هذا الذي بلغني عنك؟! فسكت، فقال: هات فإنَّك آمن فإن يك الذي تدعو الناس إليه حقاً، فأحق من دعا إليه الناس نحن. فتكلم فقال: إنْ الله لا يوصف إلّا بالعدل، ولم يكلف نفساً إلّا ما آتاها، ولم يكلف المسافر صلاة المقيم، ولم يكلف الله المريض عمل الصحيح، ولم يكلف الفقير مثل صدقة الغني، ولم يكلف الناس إلّا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة؛ فقال: ﴿فَمَن شَآءَ فليؤمن وَمَن شَآءَ فَلَيَكْفُر﴾، وقال: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئتُمْ﴾، فلمّا فرغ من كلام كثير- قال له عمر: يا غيلان! إنك إن أقررت بالعلم خُصمت، وإن جحدته كفرت، وإنّك إن تقرَّ به فتخصم خير لك من أن تجحده فتکفر.
ثم قال له: أتقرأ ياسين؟ فقال: نعم، قال: اقرأ. قال: فقرأ: ﴿يسّ وَالْقُّرآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال: قف. کیف ترى؟ قال: كأنّى لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين، قال: زد، فقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْناقِهِمْ أَغلالًا فَهِىَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيّنِ أَيْدِيهِمْ سدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّا﴾؛ فقال له عمر، قُل: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبصِْرُونَ * وَسُواءٌ عَلَيِهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال: كيف ترى؟ قال: كأنّي لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني أعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنتُ أتكلم فيه أبداً. فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً، فثبته، وإن كان كاذباً فاجعله آية للمؤمنین.
فلم يتكلم زمن عمر، فلمّا كان يزيد بن عبد الملك (ت ١٠٥ه) -وكان رجلاً لا يهتم بهذا ولا ينظر فيه- تكلم غيلان، فلمّا تولى الخلافة هشام بن عبد الملك (ت ١٢٥هـ) أرسل إليه؛ فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر لا تتكلم في شيء من هذا أبداً، قال: أقلني فوالله لا أعود، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، فقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ * مالك يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِبَّاكَ نَستَعِينُ﴾ قال: قف، علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه، أو على أمر في يدك؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه.
وجاء أن هشاماً أرسل إلى الأوزاعي فناظره وأفتى بقتله. وقيل: إنه قطع يده في المرة الأولى ثم أطلقه، فمر به رجل والذباب على يده، فقال له: يا غيلان! هذا قضاء وقدر، فقال: كذبتَ، لعمرُ الله ما هذا قضاء ولا قدراً، فبعث إليه آنذاك هشام وقتله. وما كان هذا من هشام مع ما عُرف به من ورع شديد على الدماء - حتى إنّه غضب مرةً على رجل فقال له: اسكت وإلّا ضربتك سوطاً- إلا لبشاعة المقالة التي أظهرها غيلان ومن سبقه.
ولذا استحسن علماء الإسلام آنذاك ما فعله الخليفة، وكان منهم رجاء بن حيوة (ت ١١٢ هـ) - أحد أعلام التابعين - الذي كتب للخليفة فقال: (بلغني أنّه دخلك من قَتْلٍ غيلان وصالح، فأقر بالله لقتلهما أفضل من قتل ألفين من الترك والديلم).
ولكنّ المقالة لم تمت بموت معبد وغيلان؛ إذ كانت قد فشت في أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق وأبناء السبايا. وكان من أبناء السبايا واصل بن عطاء المخزوميّ مولاهم (ت ١٢٩ هـ) وقرينه في الضلالة عمرو بن عبيد بن باب (ت ٢٤١ه)، اللذان طردهما التابعيّ الجليل الحسن بن أبي الحسن البصري من مجلسه بعد أن أحدثا بدعة أخرى لم يقل بها أحد ممن ينسب إلى الإسلام قبلهما، وهي بدعة (المنزلة بين المنزلتين)، وكانا قد أخذا بدعة (جهم بن صفوان) في نفي الصفات، وبدعة الخوارج في الطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضما هذه البدعة (نفي القدر) إلى أصولهم العقدية؛ فتم لهم بذلك خمسة أصول عقدية، هي ما أجمع عليه المعتزلة بعدهما.
ولكنّ المعتزلة هذبت هذه المقالة حتى تُقبل وتلقى رواجاً -فأقرت بعلم الله السابق للأشياء، ثم أنكرت أن الله خالق أفعال العباد، وزعمت أن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، فأثبتوا خالقينِ، كقول المجوس فكانوا كما قيل: مجوس هذه الأمة ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَّبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِم تَشَابهَتْ قُلُوبُهُم﴾؛ إذ قال المجوس بأصلین هما: النور والظلمة، وزعموا أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة. وكذلك القدرية، يضيفون الخير إلى الله، والشر إلى غيره، والله - سبحانه وتعالى - خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلّا بمشيئته.
وعلى الضد والنقيض لهذه المقالة، مقالة القدرية - كانت قد ظهرت مقالة أُخرى مقابلة لها في التطرف، وهي مقالة (الجبرية) الذين تفوا فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته الاختيارية كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركات الأمواج، وأنّه على الطاعة والمعصية مجبور، وأنه غير مُيَسَّر لما خلق له، بل هو عليه مقسور مجبور.
وكانت هذه المقالة قد أظهرها الجعد بن درهم الخرساني مع عدد من المقالات الأخرى، كقوله بخلق القرآن، وتعطيله لأسماء الله وصفاته، بل كان أوّل من حفظ عنه ذلك. ويذكر علماء السلف أن الجعد أخذ بدعته عن أبان بن سمعان، وأن أبان بن سمعان أخذها عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وزوج ابنته، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أخذها عن يهودي باليمن لا يُعرف.
وكان الجعد آنذاك بدمشق، ثم إنّه هرب منها حين طلبته خلفاء بني أمية لبعض مقالاته وسكن الكوفة فلقيه هناك الجهم بن صفوان بن محرز الراسبي مولاهم السمرقندي، فتقلد منه مقالاته، ثم إن الأمير خالد بن عبد الله القسري (ت ١٢٦هـ) تمكن من الجعد فقتله ذبحاً بواسط صباح يوم عيد الأضحى من عام أربع وعشرين ومئة.
فعن حبيب بن أبي حبيب قال: خطبنا خالد بن عبد الله القسري -بواسط يوم الأضحى- فقال: (أيّها الناس! ارجعوا فضحوا تقبل الله منّا ومنكم، فإنّي مضح بالجعد بن درهم، إنّه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، وتعالى الله عمّا يقوله الجعد بن درهم علواً كبيراً، ثم نزل فذبحه في أصل المنير).
لكنّ قوله بالجير لم يشتهر إلّا عن تلميذه الجهم بن صفوان الذي لم تختلف نهايته العادلة عن شيخه، إذ انضم إلى الحارث بن سريج التميميّ حين خرج على والي خراسان نصر بن يسار فاتخذه الحارث كاتباً له، فكان يخطب بدعوته وسيرته؛ فيجذب الناس إليه، ثُمّ إنّه وقع في الأسر لمّا انهزم الحارث أمام سلم بن أحوز -صاحب شرطة نصر بن سيار- فقتله سنة ثمانٍ وعشرين ومئة - بمرو - بعد أن نشر مقالاته الخبيثة وزرع شراً عظيماً.
ولم ينتهِ المطاف حتى جاء أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت ٣٢٤هـ) - ومن تبعه - وزعم أنّه سينصر السنّة، ويثبت القدر، ويرد على أهل البدع فقال: بـ (الكسب) وهو يروم مسلكاً وسطاً بين (القدرية) و(الجبرية) ولم يرد معنى الكسب عند أهل السنة ولا معناه عند (القدرية)، فكان كما يصفه العلامة - ابن قيم الجوزية -(لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته).
وأضحى ما قاله أبو الحسن الأشعري في هذا الباب محلّ سخرية الناس حتى قيل: (ثلاثة أشياء لا حقيقة لها، طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري). الأمر الذي اضطربت معه أقوال اتباعه واختلفت، حتی ذهب کل منهم إلى رأي وفرَّ إلى قول؛ لما رأوا ما في هذا القول من التناقض.
ولم يقف الأمر عند ذلك، بل تبعه خلاف مرير ودقيق بين أصحاب كل مذهب من المذاهب المتقدمة الذكر أدى إلى انقسامها إلى عشرات الأقسام كل قسم يكفر الآخر أو يضلله. ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين إلَّا مَن رحِمَ رَبُّك﴾.
يقول العلامة ابن قيم الجوزية - رحمه الله - واصفاً ذلك كله: (وقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل وادٍ، وأخذوا في كل طريق، وتولجوا كلَّ مضيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته، والوقوف على حقيقته، وتكلِّمت فيه الأمم قديماً وحديثاً، وساروا للوصول إلى مغزاه سيراً حثيثاً، وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصنّف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها. فلا أحد إلّا وهو يُحدِّث نفسه بهذا الشأن، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان، فتراه إما متردداً فيه مع نفسه، أو مناظراً لبني جنسه، وكل قد اختار لنفسه قولاً لا يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إياه. وكلهم - إلَّا من تمسك بالوحي - عن طريق الصواب مردود، وبابُ الهدى في وجهه مسدود، تحسّى علماً غير طائل، وارتوى من ماء آسن، قد طاف على أبواب الأفكار، ففاز بأخسُ الآراء والمطالب، فرح بما عنده من العلم الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع، وقدَّم آراء من أحسن به الظنَّ على الوحي المنزل المشروع، والنص المرفوع، حيران يأتم بكل حيران، يحسب كلَّ سراب شراباً، فهو طول عمره ظمآن، ينادى إلى الصواب من مكان بعيد، أقْبِل إلى الهدى، فلا يستجيب إلى يوم الوعيد، قد فرح بما عنده من الضلال، وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال، منعه الكفر الذي اعتقده هدى وما هو يبالغه عن الهداة المهتدين، ولسان حاله أو قاله يقول: ﴿أَهَوُلاء مَنَ اللَّهُ عَلَيَْهِمِ مِنْ بَينِنا أَلَتيسَ اللهُ بِأَعْلَم بالشَّاكِرينَ﴾.
ولما كان الكلام في هذا الباب نفياً وإثباتاً موقوفاً على الخبر على أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره، فأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين، وتشكيكات المشككين، وتكلفات المتنطعين، واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين، فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت وشفت وجمعت وفرقت وأوضحت وبينت وحلَّت محلّ التفسير والبيان لما تضمنه القرآن).
وقد ذكر المحقق في هذا الكتاب عقيدة أهْل السنّة والجماعة في باب القضاءِ والقدر مُختصِراً، من خلال ما كتبه أئمة أهْل السنّة والجماعة، مدلالاً على ما ذكروه من أدلة الكتاب والسنّة، وقسمه إلى مطالب:
المطلب الأول: في تعريف القضاء والقدر.
المطلب الثاني: في مجمل عقيدة أهل السنّة في القدر.
المطلب الثالث: في مراتب القدر.
المطلب الرابع: في خلق أفعال العباد.
والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، ومعرفة تفاصيله من أهم ما يتعلمه طالب العلم وغيره، وقد ذكر المحقق نشأة الخلاف في القضاء والقدر، وعرف القضاء والقدر تعريفاً واضحاً، وذكر مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وذكر مراتب القدر وخلق أفعال العباد، وأجاب على ما يورده الأشاعرة ونحوهم بأجوبة سديدة من كلام محققي علماء السلف، مثل: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والحافظ ابن كثير وغيرهم، ومن أبرز مسائلهم نفي قدرة العبد على فعله، وإنكار تأثير الأسباب في مسبباتها، والمراد بالظلم الذي نزه الله نفسه عنه وغير ذلك.
كما قد ترجم المحقق لمؤلف الكتاب ترجمة وافية، وحرص على تحقيق النص ومقابلته على أصوله مما تطمئن النفس إلى صحته. فإنه لا يخفى على مسلم مكانة الإيمان بالقضاء والقدر، وأنَّه الركن السادس من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله وملائكته وکتبه ورسله واليوم الآخر، ومن هنا كانت عناية علماء المسلمين بموضوع القضاء والقدر من خلال جمع أحاديثه وتصنيفها في مؤلفات مستقلة، وترتيب أحاديثه وأدلته على أبوابه التفصيلية.
وكان أحد تلك المصنفات هذا الكتاب لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقيّ، النَيسابوريّ، الخُسرَوْجرديّ المتوفى سنة (٤٥٨هـ) وهو وإن لم يكن أفضل تلك المصنفات وأجلها قدراً في هذا الباب من أبواب الاعتقاد، إذ ذاك ميدان حاز قصب السبق فيه الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية المتوفى سنة سبعمئة واثنين وخمسين.
ومما ميّز هذا الكتاب أنه جاء في تصنيفه وفق نهج المحدثين في التصنيف؛ فلا يذكر حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثراً لصحابي أو من تبعهم بإحسان، إلّا ذكره مستداً إلى قائله، حتى جاوزت أحاديث وأثار الكتاب الستمائة بكثير. ومن البيّن أن جمع هذا القدر من الأحاديث والآثار في موضوع واحد عمل هائل، وعزيز المثل.
كما لا يرتاب أحد فيما احتله البيهقيّ من مكانةٍ مرموقةٍ وعظيمة في الحديث وعلومه، وهو ما ظهر بجلاء في مصنفاته من جهة كثرتها وتنوعها وكثرة فوائدها وشهرتها
وها هو الكتاب بين يديك أيُها القارىء الكريم، تراه قد احتوى علی ما يلي:
مقدمة ضمنتها فصلين:
أولهما: جعلته في دراسة المصنف وتضمن مباحث تسعة:
أولها: في اسمه ونسبه.
وثانيها: في تاريخ ولادته.
وثالثها: في أسرته ونشأته العلمية .
ورابعها: في رحلاته العلمية.
وخامسها: في شيوخه.
وسادسها: في عقيدته.
وسابعها: في مصنفاته.
وثامنها: في تلاميذه.
وتاسعها: في وقاته.
أمّا ثانيهما: فقد جعلته في دراسة هذا الكتاب وتضمن مباحث خمسة:
أولها: في موضوع الكتاب.
وثانیها: في اسم الکتاب.
وثالثها: في توثيق نسبة الكتاب إلى مصنّفه.
ورابعها: في وصف النسخة المعتمدة في الإخراج.
وخامسها: في منهجي في إخراج الكتاب.
وختمت الكتاب بالفهارس العلمية التي تخدم الباحث، وتعينه على الوصول إلى مباحثه وموضوعاته فكانت الفهارس كما يلي:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث والآثار مرتبة على حروف المعجم.
٣ - فهرس الأحاديث مرتبة على المسانيد.
٤ - فهرس الأبيات الشعرية.
٥ - فهرس الأماكن والبلدان.
٦ - فهرس عام.
تعريف القضاء والقدر
أولاً: معنى القضاء لغة:
هو بالمد، ويقصر: قَضَايُ، فلمّا جاءت الياء بعد ألف زائدة متطرفة همزت، وجمعه أقضية.
قال ابن فارس: (القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته)، وهو يأتي على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه).
ثانياً: معنى القدر لغة:
القدر في اللغة (مصدر قدر یَقْدر قدراً وقد تسكن داله).
قال ابن فارس: (القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، فالقَدْر مبلغ كل شيء، يقال: قَدْرُه کذا أي مبلغه، وكذلك القدر، وقدرت الشيء أقدِره وأقدُره وأقْدُرُه من التقدير).
والقَدر محركة: القضاء والحكم، وهو ما يقدره الله عز وجل -من القضاء، ويحكم به من الأمور.
والتقدير: التروية والتفكير في تسوية أمر، والقدر كالقدر، وجميعُها جمعها أقدار.
ثالثاً: معنى القضاء والقدر شرعاً:
هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنّها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته - سبحانه - لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قَدَّرها وخلقه لها.
مجمل عقيدة أهل السنَّة في باب القدر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مجملاً مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما يلي: (مذهب أهْل السنّة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنّة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء وربه، ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد.، وأنه - سبحانه - ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلَّا بمشيئته، وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه، وأنه - سبحانه - یعلم ما کان، وما یکون، وما لم یکن لو کان کیف یکون. وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدَّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدَّر آجالهم، وأرزاقهم وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون).
والأدلة على هذا من الكتاب والسنَّة وكلام سلف الأمة مما لا يُحصى إلَّا بمشقة.
ويمكن تقسيم الأدلة إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: الأدلة العامة من القرآن الكريم.
ثانياً: الأدلة العامة من السنة النبوية.
ثالثاً: الأدلة التفصيلية لكل مرتبة من مراتب القدر.
أولاً: الأدلة العامة من القرآن الكريم
الأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر كثيرة، أذكر منها:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شيءٍ خَلَقَْناهُ بِقَدَرٍ﴾.
قال ابن كثير - رحمه الله - يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَهِ قَدَرًا مَّفْدُورًا﴾.
ثانياً: الأدلة العامة من السنة
الأدلة من السنّة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر كثيرة جداً، أقتصر منها على: ما يلي:
١ - حديث جبريل المشهور وفيه: (قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وکتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت .. الحديث).
٢ - حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسُول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر).
ثالثاً: الأدلة التفصيلية.
وستأتي في المطلب التالي.
مراتب القدر
دل الكتاب والسنة على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقوم على أربعة مراتب لا يتم الإيمان بالقدر إلّا بمجموعها، ومن لم يُؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر، وهي:
١ - العلم السابق بالأشياء قيل كونها.
٢ - کتابته لها قبل كونها.
٣ - مشیئته لها.
٤ - خلقه لها.
الأدلة التفصيلية لمراتب القدر.
١ - المرتبة الأولى: العلم السابق.
والمراد بهذه المرتبة (الإيمان بعلم الله - عز وجل - بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنّه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنّة، ومن هو من أهل النّار من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنّة والنّار، علم دقيق ذلك وجليله، وكثيره وقلیله، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته، ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علام الغيوب).
والأدلة على هذه المرتبة من القرآن والسنة أكثر من أن تستقصى، ومنها:
أولاً: من القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿وعِندَه مَفَاتِح الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَّ وَيَعْلَم مَا فِي آلْبَرِ وَالْبَحْر وَمَا تَسْقُّطُ مِن وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ في ظلمات الأَرْضِ وَلَا رَطَبٍ وَلَا يَابِس إِلَّا فِى كِتَبِ مُبين﴾.
٢ - وقوله تعالى: ﴿هُوَ الّلهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٍّ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
٣ - وقوله تعالى: ﴿لِتعْلَمُوَا أَنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلٍ شَىٍْ قَّدِيرٌ وَأَنَّ اَللَهَ قَدْ أَحاطَ يكُلِّ شَئْءٍ عِلّمًا﴾.
ثانياً: من السنة:
١ - حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: (قال رجل: يا رسول الله أعلم أهل الجنّة من أهل النار؟ قال: نعم قال: فقيم يعمل العاملون؟ قال: كلّ مُيسّر لما خلق له).
٢ - حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (سُئِل رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين). فعلم ما لم یکن لو كان كيف يكون.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة:
وهي أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فما يحدث شيء في الكون إلّا وقد علمه وكتبه قبل حدوثه.
والأدلة من القرآن والسنة على ذلك كثيرة جداً أذكر منها:
أولاً: الأدلة من القرآن:
تأتي الآيات الكريمة بإثبات هذه المرتبة (الكتابة) مقرونة مع مرتبة (العلم) تارة، وبدونها تارة آخری، ولا فرق فکتابه تعالی من علمه.
١ - قال تعالى: ﴿َّما فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىَء﴾.
٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمّْ تَعْلَمْ أَن الَّلهَ يَعْلَمُ مَا فِى السمَاَءِ وَالأَرْض إِنَّ ذَلِكَ فِى كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسيرٌ﴾.
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا علَيْكُم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيه وَمَا يَعْزُبُ عَن ربّكَ مِن مثقَالِ ذَرّةٍ في الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَبِ مُبينٍ﴾.
فما يعزب عن ربك، أي: ما يغيب عن علمه وبصره وسمعه ومشاهدته أي شيء، حتى مثاقيل الذر، بل ما هو أصغر منها، وهذه مرتبة العلم، وقوله: ﴿إلَّا فِى كِتابٍ﴾: مرتبة الكتابة وكثيراً ما يقرن الله - سبحانه وتعالى - بين هاتين المرتبتين.
ثانياً: من السنة النبوية:
من الأدلة الواردة في السنة على ذلك، ما يلي:
حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: (كُنَّا جلوساً مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه عود ینکت في الأرض وقال: ما منکم من أحدٍ إلّا قد كُتب مقعده من النّار أو من الجنّة فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكلَّ ميسُر، ثم قرأ: ﴿فََّأما مَّنْ أَعْطَى وَاتّقىَ﴾.
٢ - حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: (جاء سراقة بن مالك بن جُعْشُم قال: يا رسول الله بيِّن لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم؟ فيما جَفّْتْ به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبلُ؟ قال: لا بل فيما جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: فقيم العمل؟ قال زهير - أحد رواة الحديث - ثم تكلم أبو الزبير - وهو الراوي عن جابر - رضي الله عنه - بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقال اعملوا فكل مُيَسْر).
ويدخل في الإيمان بكتابة المقادير خمسة وهي:
التقدير الأول: التقدير الأزلي قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم.
ودليل هذا التقدير ما تقدم من أدلة مرتبة المشيئة ويضاف إليها:
١ -حدیث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء).
٢ - حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أنَّه قال لابنه: يا بنيَّ إنَّك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -يقول: (إنَّ أوّل ما خلق الله القلم؛ فقال له: اكتب قال: ربّ وماذا أكتب؟ قال: مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) يا بني إنّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم -يقول: (من مات على غير هذا فليس مني).
التقدير الثاني: التقدير حين أخذ الميثاق على بني آدم وهم على ظهر أبيهم آدم ودليل هذا التقدير ما تقدم في مرتبة الكتابة ويضاف إليها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَبِّيّ آدَمَ مِن ظُهُورِهِّم ذُرِّيّتهُمْ وَأَشْهَدَهمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ برَبكُمّ قَالُوا بَلى شَهَدنًاُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّاعَنْ هَذَا غَافِلينَ أَوَ نَقُولُوا إِنماَ أَشرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُِريَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُم یرجعون﴾.
٢ - حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سُئِل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيْ آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِّيّتهُمْ وَأَشْهَدَهمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الآيات، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يُسأل عنها فقال رسول الله: (إنَّ الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذرية؛ فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية؛ فقال: خلقت هؤلاء للنّار وبعمل أهل النار يعملون).
فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة؛ فيدخله ربّه الجنّة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النّار، فيدخله ربُّه النّار).
التقدير الثالث: التقدير العمري عند تخليق النطفة في الرّحْم، فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها والأجل والعمل والشقاوة والسعادة والرزق وجميع ما هو لاق فلا يزاد فيه ولا ينقص منه.
وأدلة هذا التقدير كثيرة، منها:
١ - حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: (إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل يعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فیسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
التقدير الرابع: التقدير الحولي في ليلة القدر، يقدر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله.
ودليله قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ آَمّرٍ حكِيمٍ﴾.
التقدير الخامس: التقدير اليومي.
وهو سوْق المقادير إلى المواقيت التي قدرّت لها فيما سبق.
ودليله قوله تعالى: ﴿يَسْألُه مَن فِي اَلسَّمَاوَتِ وَالْأَرَضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شأن﴾.
(ثم إن هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي، والحولي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في الإمام المبين، والإمام المبين هو من علم الله - عز وجل - وكذلك منتهى المقادير في آخريتها إلى علم الله - عز وجل -فانتهت الأوائل إلى أوليته وانتهت الأواخر إلى آخريته ﴿وَأَنَّ إلَّى رَبكَ الْمُننَهى﴾.
وهاتان المرتبتان (العلم والكتابة) اتفق عليها الرسل والأنبياء من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليها الصحابة ومن تبعهم من هذه الأمة، ولم يخالف فيها إلَّا غلاة القدرية الأوائل الذين زعموا أن الأمر أُنف وأنَ الله - تعالى عمّا يقولون علواً كبيراً - لا يعلم الأشياء قبل وجودها ولم يقدرها قبل وقوعها فضلاً عن كتابتها، وقولهم هذا هو الكفر بالله - عز وجل -؛ ولذا كَفَّر الصحابة ومن تبعهم أصحاب هذا القول، ومنكروا هاتين المرتبتين اليوم قليل).
المرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة والمشيئة:
وفي الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلَّا بمشيئة الله - سبحانه - ولا يكون في ملکه إلَّا ما يرید.
قال العلامة ابن قيم الجوزية: (وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة المعقول والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلّا مشيئة الله وحده فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن هذا عمود التوحيد الذي لا يقوم إلّا به والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن).
والأدلة على هذه المرتبة من القرآن والسنة لا تحصى إلَّا بمشقة، ولكن أذكر منها:
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَّا أَمْرُه إِذّا أَرَادَ شَّْيئاً أَن يَقُولَ لَهُّ كُنْ فيكُوُنُ﴾.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَّوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الْأَرْضِ كُلُّهُمْ حَميعا﴾.
٣ - قوله تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُمَّ مَالكَ الْمُلْكِ تُؤنيِ الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ ممَّن تَشَأَءٌ وَتُعُزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدَِكَ الْخَيْرِّ إِنَّكَ عَلَى كُلِ تَيْرٍ قَِّديرٌ﴾.
٤ - قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدِ أَن يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيْقًاً حَرّجًا كَأَنَّمَا يَصّعّدُ في اَلسّمْاء﴾.
٥ - قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَِّذي يُصَوِرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يشأءُ لَاَ إلَهَ إِلَا هُوَ اَلْعزُيزُ الَْحكِيمُ﴾.
٦ - قوله تعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتّخذَ إلَى رَبّهِ سَبِيلا، وَمَا تشَاَءُونَ إلَّّا أَن يَشَآءَ اللهَ إنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حكِيمًا﴾. والآيات في المعنى كثيرة.
ثانياً: الأدلة من السنة النبوية:
فمنها:
١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنّه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء)، ثم قال رسول الله: (اللهم مُصَرِّف القلوب صَرَّف قلوبنا على طاعتك).
٢ - وحديث أبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: (لا یقل أحدکم اللهم اغفر لي إن شئت ۔ ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت وليعزم مسألته، إنّه يفعل ما يشاء لا مكره له).
وقد أنكرت المعتزلة هذه المرتبة والتي تليها - الخلق والإيجاد - والسبب في ذلك يعود إلى الخلاف في مسألة أخرى هي: هل الإرادة والمشيئة تستلزم الرضا والمحبة.
وهي المسألة التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والمبتدعة علی قولین:
الأول: وهو قول المبتدعة من القدرية المعتزلة والجهمية الجبرية والأشاعرة.
وهؤلاء ذهبوا إلى أن الإرادة تستلزم المحبة والرضا، ثم أنّهم اختلفوا فيما يترتب على ذلك:
أ - فقالت الجهمية والأشاعرة:
(قد عُلم بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن - ولما ثبت عندهم أن المشيئة والإرادة والمحبة والرضى كلها بمعنى واحد - قالوا: فالمعاصي والكفر كلها محبوبة لله لأن الله شاءها وخلقها).
ب - وقالت المعتزلة والقدرية:
(قد عُلِم بالدليل أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، بل يكره الكفر والفسوق والعصيان).
قالوا: (فيلزم من ذلك أن يكون كل مافي الوجود من المعاصي واقعاً بدون مشيئته وإرادته، كما هو واقع على خلاف أمره، وخلاف محبته، ورضاه).
وهكذا انتهى الأمر بهاتين الطائفتين إلى قولين باطلين، إمّا إخراج بعض المقدورات أن تكون مقدرة ومرادة لله كما فعلت المعتزلة. وإمّا بالقول بأن الله يحب الكفر والمعاصي كما فعلت الأشعرية الذين خالفوا بذلك نصوص الكتاب والسنة.
الثاني: قول أهل السنّة:
وهو أن الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة بل بينهما فرق كبير، وهذا ما دل عليه الكتَابُ والسنّة والفطرة الصحيحة والعقل الصحیح.
والأدلة من القرآن على الإرادة والمشيئة سبق ذكر طرف منها عند أدلة هذه المرتبة من الكتاب والسنة، والتي تدل على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأمّا نصوص المحبة والرِضا، فمنها:
أولاً: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفََسادَ﴾.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِه اَلْكفرْ﴾.
٣ - وقال بعد ما نهى عن الشرك والظلم والفواحش والكِبرِ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِئهُ عندَ رَبكَ مَكْرُوهًا﴾.
ثانياً: من السنّة:
١ - حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
٢ - وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: فقدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
قال العلامة ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى: (فتأمل ذكر استعاذته -صلى الله عليه وسلم- بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده، لا إلى غيره، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره وأحذر، ومنعه أن يحل بي هو بمشيئتك أيضاً، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك: عياذي بحولك وقوتك وقدرتك ورحمتك وإحسانك، مما يكون بحولك وقوتك وقدرتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بغيرك من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك، بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن بمشيئتك، فأعوذ بك منك).
ثالثاً: من الفطرة:
فقد فطر الله عباده على أن يقولوا: هذا الفعل يحبه الله، وهذا يكرهه الله، والكل واقع بقدرة الله ومشيئته.
وهذا كله مما يدل على أن هناك فرقاً بين الإرادة والمشيئة وبين المحبة والرضا.
ثُمَّ إنَّ الإرادة عند أهل السنة وكما جاء في كتاب الله علی نوعین:
أحدهما: الإرادة الكونية القدرية:
وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد، التي يقال فيها: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وهي الإرادة الشاملة لجميع ما يقع في الكون، ومن أدلتها:
١ - قوله تعالى: ﴿فمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَام وَمَن يُرِدِ أَن يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيْقا حَرَجًا﴾.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا ينَفعكُم نُصْحى إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اَللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمَ﴾.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَ اَللَهَ يَفْعَلُ مَا يُريد﴾.
وهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، بل قد یكون بها ما يحبه الله ويرضاه، وقد يكون بها ما لا يحبه الله ويرضاء، كما خلق إبليس وهو يبغضه، وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له، وهو يبغضها.
النوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية:
وهي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسن، ومن أدلتها:
١ - ﴿يُرِيدُ اللّهُ يِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
٢ - قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيَكُم مِنْ حَرَج وَلَكِن يُرِيدُ ِليطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نعْمَتَه عَلَيَّكُمْ﴾.
وهذه الإرادة هي المستلزمة للمحبة والرضا.
ويبقى هنا الإجابة على إيراد يورده البعض على الإرادة الكونية القدرية وهو:
كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يُحبُّه؟ وكیف يشاؤه ویکوّنه؟ وکیف یجتمع إرادته له وبُغضه وکراهته؟
ويجاب على الإيراد بأن (المراد نوعان):
الأول: مراد لنفسه:
وهو المطلوب المحبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغایات والمقاصد.
الثاني: مراد لغيره:
وهو ما لا يكون مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن کان وسیلةً إلی مقصوده ومُرَادِه، فهو مکروه له من حیث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان، لاختلاف متعلقهما.
وهذا كالدواء الكريه، إذا عَلِمَ المتناوِلُ له أن فيه شفاءَهُ، وقطع العضو المتآكل، إذا عَلِمَ أن في قطعه بقاءَ جسده، وكقطع المسافة الشاقة، إذا علم أنَّها تُوصل إلى مراده ومحبوبه، بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظنْ الغالب، وإن خفيت عنه عاقبته، فکیف بمن لا یخفی علیه خافیة.
فهو سبحانه يَكْرَهُ الشيء، ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وکونه سبباً إلى أمرٍ هو أحبُّ إليه من فوته.
ومن ذلك: أنه خلق إبليس، الذي هو مادَة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، وعلمهم بما يغضب الربَّ تبارك وتعالى، وهو السَّاعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا، فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للربْ تعالی ترتبت علی خلقه، ووجودها أحبُ إلیه من عدمها:
منها: أنها تظهر للعباد قدرة الرَّب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرُّها، وهي سبب كل شر في مقابلة ذات جبريل، التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا. كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والدَّاء والدواء، والحياة كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنّه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وجعلها مَحَالٌ تصرُّفه وتدبيره، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته، وكمال تصرفه وتدبير مملکته.
ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا بقوله: (لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ويستغفرون، فيغفر لهم).
ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنّه الحكيم الخبير، الذي يضع الأشياء مواضعَها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك.
فلو قدر عدم الأسباب المكروهة، لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عُطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر، لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس، والمطر والرياح، التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر.
ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحبْ أنواع العبودية إليه سبحاته، ولو كان الناس كلهم مؤمنين، لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه وتعالى والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصير، ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالی، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه، ويعصمه من كيده وأذاه. إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها).
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد.
وهو (الإيمان بأن الله - سبحانه وتعالى - خالق كل شيء، فهو خالق کل عامل وعمله، وکل متحرك وحرکته، وکل ساکنٍ وسکونه، وما من ذرةٍ في السموات ولا في الأرض إلّا والله - سبحانه وتعالى - خالقها وخالق حرکتها وسكونها).
قال العلامة ابن قيم الجوزية: (وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار).
والأدلة من القرآن الكريم والسنة التبوية من الكثرة مما لا يحصى إلا بمشقة. أذكر منها:
أولاً: الأدلة من الكتاب:
١ - قال تعالى: ﴿وَللَّهُ خَلَفَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
٢ - وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ خَالقُ كُلٍّ شَْيء﴾.
ثانياً: الأدلة من السنة:
١ - حديث ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم- يقول خلف الصلاة، فأملى عليّ المغيرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم- يقول خلف الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
٢ - وحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم- يوم الخندق ينقل معنا التراب، وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا … ولاتصدقنا ولا صلينا
فَأَنزِلَنْ سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا
وغيرها كثير من الأدلة الثابتة.
ترجمة الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى-
هو أحمد بن الحسين بن علي. وهذا القدر متفق عليه بين سائر من ترجم له، وعلت بعض المصادر بنسبه، ولكنها اختلفت، فقيل: (ابن عبد الله بن موسى)، وقيل: (موسى بن عبد الله)، ونُسب إلى (خُسْرَوْجِرد) - بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة، وفتح الراء وسكون الواو وكسر الجيم وفي آخرها دال مهملة، وهي قرية ناحية (بيهق)، وكانت قصبتها، وهي القرية التي وُلِدَ بها فقيل: «الخسروجزديّ».
ونسب - أيضاً - إلى (بيهق) - بفتح الباء وتقديم الياء الساكنة على الهاء - وهي عدة قرى من أعمال ونواحي نيسابور على يومين منها؛ لأنّها الناحية التي دُفِنَ بها، فقيل: (البيهقيّ) وبهذه النسبة الأخيرة اشتُهر وعُرِف. ويُگنی (بأيي بکر) عند جمیع من ترجم له.
وُلِدَ في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وهذا ما جاء في جميع المصادر التي تناولته بالترجمة، ولم يأت مخالف لذلك إلا ما ذكره (ابن الأثير) من أنّه وُلِدَ سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وهو قول مستبعد لعدة أمور، أذكر منها:
١ - مخالفته لسائر من ترجم (للبيهقي) وفيهم من هو أدرى وأعلم بـ (البيهقي) من غيره.
٢ - أنَّ ابن الأثير - نفسه - وافق في كتابه (اللباب) ما ذهب إليه سائر من ترجم له.
أسرته ونشأته العلمية:
لم يذكر (البيهقيّ) ولا المصادر التي أرَّخت لحياته شيئاً يمكن أن يُكوِّن تصوراً واضحاً ودقيقاً عن سني حياته الأولى وحال أسرته العلمي والاجتماعي والمالي.
ولكنه - ولا شك - تلقى علومه الأولى في سنُ مبكرة جداً، إذ يقول عن نفسه: (إنّي منذ نشأت وابتدأت في طلب العلم أكتب أخبار سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين، وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممن حملها وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها ومرفوعها من موقوفها وموصولها من مرسلها .. ).
ويقول عبد الغفار الفارسي: (كَتَبَ الحديث وحفظه من صباه إلى أن نشأ وتفقه وبرع فيه وشرع في الأصول). ويزيدنا ثقةً من ذلك أن أوّل من سمع منه (البيهقي) الحديث هو أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي - صاحب أبي حامد بن الشَّرقي- وعمره آنذاك خمس عشرة سنة.
رحلاته العلمية:
لم يقتصر (البيهقي) على علماء بلده، بل تطلَّع إلى المزيد، وكان لا بد والأمر كذلك من الرحلة؛ لأنَّها الوسيلة الوحيدة للقاء الشيوخ الكبار، والتعرف على الشخصيات العلمية الكبيرة والإفادة منهم؛ فسافر وطاف البلاد، والتقی بالعلماء وأفاد.
وتذكر المصادر أنّه ـ وبعد أن سمع من علماء أهل بلده وما حولها من النواحي - رحل إلى بغداده وسمع بها هلال بن محمد بن جعفر الحفّار، وعليّ بن يعقوب الأيادي، وأبا الحسين بن بشران، وجماعة من طبقتهم، وأنَّه رحل إلى (الكوفة) وسمع بها من جناح بن نذير القاضي وطائفة، وأنَّه قصد مكة للحج وسمع بها من أبي عبد الله بن نظيف وخلق.
وتذكر - أيضاً - أنَّه رحل إلى بلاد الجيال وخراسان، ولكنها في كل ذلك لم تحدد زمن تلك الرحلات، ولا الزمن الذي أمضاه في كلُ من المدن والنواحي التي زارها.
شیوخه:
قال السُّبكي: (يبلغ شيوخه أكثر من مئة شيخ، ولم يقع له الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجه). وكان من أجَلٌ شيوخه وأشهرهم أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن البيع (ت ٤٠٥ه) صاحب (المستدرك على الصحيحين)؛ حتى قال الذهبي: (عنده عن الحاكم وِقرُ بعیرِ أو نحو ذلك).
أمّا أقدم شيوخه في الرواية فهو أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي (ت ٤٠١ هـ) صاحب أبي حامد بن الشرقي، فقد سمع منه وهو ابن خمس عشرة سنة، كما يعد أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك (ت ٤٠٦هـ) الأشعري مُعْتَقَداً أبرز شيوخه الذين كان لهم الأثر الأكبر في منحاه الأشعري.
كما يذكر من ترجم له أنّه فاته السَّماع من بعض كبار علماء عصره الذين كان من الممكن له أن يسمع منهم مثل: أبي نعيم الإسفرائيني صاحب أبي عوانة، وروى عنه بالإجازة.
وسأقتصر هنا على ذكر مشايخه الذين روى عنهم في هذا الكتاب فقط، وهم:
١ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإسفرائينيُّ، أبو إسحاق.
قال عنه عبد الغفار الفارسي: (كان ثقة ثبتاً في الحدیث)، ووصفه الذهبي بـ (الإمام، العلامة، الأوحد، الأستاذ) توفي يوم عاشوراء من سنة ثماني عشرة وأربعمائة).
٢-أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص بن مسلم بن يزيد الحرشيّ، الحيريُّ، النيسابوري، أبو بكر، ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدی وعشرین وأربعمائة. وله ست وتسعون سنة، وصفه الذهبي بـ (الإمام، العلامة، المحدث، مسند خراسان).
٣- أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر الأصبهاني القصّار، وصفه الذهبي بـ(الفقيه الإمام)، وقال: ((كان ثبتاً كبير القدر) توفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
٤ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن حفص بن الخلیل، الأنصاري، الهرويّ، الماليني، الصوفي، الملقب بـ (طاوس الفقراء)، أبو سعد، توفي سنة اثني عشرة وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الإمام المحدث، الصادق الزاهد الجوّال) وقال: (كان ذا صدق وورع وإتقان).
٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب، الخوارزميّ، ثم البرقانيّ، الشافعيّ، أبو بكر، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، ومات في أول رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ: (الإمام، العلامة الفقيه الحافظ الثّبْتُ، شيخ الفقهاء والمحدثين).
٦ - أحمد بن الوليد الزوزني، أبو حامد. ولم أجد له ترجمة.
٧-إسحاق بن محمد بن يوسف السوسيّ، أبو عبد الله السوسيّ العدل، من نبلاء الرجال وكبار الصالحين والمعتمدين في الحديث كما وصفه في (المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور)، توفي سنة عشر وأربعمائة.
٨ - جامع بن أحمد بن محمد بن مهدي الوکیل النیسابوري، أبو الخير، سمع من الأصم وأبي طاهر المعمر آبادي، توفي سنة سبع وأربعمائة.
٩ - الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان البغدادي، البزّار، أبو علي، ولد سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سلخ عام خمسة وعشرين وأربعمائة، قال الخطيب: (كتبنا عنه، وكان صحيح السماع صدوقا)، ووصفه الذهبي بـ (الإمام الفاضل الصدوق، مسند العراق).
١٠ - الحسن بن علي بن المؤمل الماسرجسي، أبو معمر، حدث عن الأصم وأبي عثمان البصري، وتوفي سنة سبع وأربعمائة، قال عنه عبد الغفار الفارسيّ: (ثقة عدل).
١١ - الحسن بن محمد بن حبيب بن أيوب، النيسابوري، أبو القاسم، توفي سنة ست وأربعمائة.
١٢- الحسين بن محمد بن محمد بن علي بن حاتم الروذباري الطوسيّ، أبو علي، وصفه الذهبي بـ(الإمام المسند) توفي سنة ثلاث وأربعمائة.
١٣ - زيد بن جعفر بن محمد المعروف بابن أبي هاشم. ولم أجد له ترجمة.
١٤ - سعيد بن محمد بن أحمد الشعبي الكرابيسي العدل، أبو سعد، قال عبد الغفار الفارسيّ: (معروف من أهل الحديث، صنف وجمع الأبواب، سمع حول الخمسين وثلاثمائة).
١٥ - سهل بن الإمام أبي سهل محمد بن سليمان بن محمد العِجليّ، الحنفيّ، ثم الصَّغْلُوكي، النيسابوريّ، أبو الطيب، توفي سنة أربع وأربعمائة، وصفه الذهبي بـ (العلامة، شيخ الشافعية بخراسان الإمام أبو الطيب).
١٦ - عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق بن إسحاق المؤذن، أبو القاسم الشافعيّ النيسابوري، مشهور ثقة كبير الحديث والرواية، آمر بالمعروف، شديد النهي عن المنكر- كما في (المنتخب من تاريخ نيسابور)، توفي سنة خمس وأربعمائة.
١٧ - عبد الرحمن بن عُبيد الله بن عبد الله بن محمد، البغداديّ، الحربيُّ، الحرفي، أبو القاسم، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. قال الخطيب: (كتبنا عنه، وكان صدوقاً، غير أنَّ في سماعه في بعض ما رواه النجاد كان مضطرباً). ووصفه الذهبي بـ (الشيخ، المسند، العالم).
١٨ - عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أبو منصور، مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة. وصفه الذهبيّ بـ ((العلامة البارع، المُتفنْن، الأستاذ).
١٩ - عبد الملك بن أبي عثمان محمد بن إبراهيم الخركُوشيّ، النيسابوري، الواعظ، أبو سعد، توفي سنة سبع وأربعمائة، قال الخطيب: (كان ثقة، ورعاً، صالحاً). ووصفه الذهبي بـ (الإمام القدوة، شيخ الإسلام).
٢٠ - عبد الواحد بن محمد بن إسحاق النجار المقرى، أبو القاسم، لم أجد له ترجمة.
٢١ - عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار البغدادي، السكري، أبو محمد، مات سنة سبع عشرة وأربعمائة، وصفه الذهبي بـ (الشيخ المُعمَّر الثقة).
٢٢ - عبد الله بن يُوسف بن أحمد بن بامويه، أبو محمد الأرستاني المشهور بالأصبهاني نزيل نيسابور، ولد سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وتوفي في رمضان سنة تسع وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة. وصفه الذهبي بـ (الإمام، المحدث، الصالح).
٢٣ - عبيد بن محمد بن محمد بن مهدي، أبو محمد، ولم أجد له ترجمة.
٢٤ - علي بن الحافظ أحمد بن عَبْدان بن الفرج بن سعيد بن عَبْدان الشيرازيّ، ثم الأهوازي، أبو الحسن، توفي سنة عشرة وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، المحدث، الصدوق). وقال: (ثقة مشهور عال الإسناد).
٢٥ - علي بن أحمد بن عمر بن حفص بن الحمامي، البغدادي، أبو الحسن، ولد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وتوفي سنة سبع عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (كان صدوقاً، دَيْناً، فاضلاً)، ووصفه الذهبي بـ (الإمام، المحدث، مقرئ العراق).
٢٦ - علي بن أحمد بن محمد بن داود البغدادي، الرزاز، أبو الحسن، ولد سنة خمس وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس عشرة وأربعمائة، وصفه الذهبي بـ (الشيخ المسند).
٢٧ - علي بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد الهاشمي، العباسيّ العيسوي، أبو الحسن، توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (كتبنا عنه، وكان ثقة)، ووصفه الذهبي بـ (الإمام العلامة، القاضي الصدوق).
٢٨ - علي بن محمد بن علي بن شاذن الأسفراييني، أبو الحسن، قال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الناقد القاضي، توفي سنة أربع عشرة وأربعمائة.
٢٩ - علي بن محمد بن عيد الله بن بشران بن محمد بن بشر الأمويَّ، البغداديُّ، أبو الحسين، ولد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (كان تامّ المروءة، ظاهر الدَّيانة، صدوقاً ثَبْتاً)، ووصفه الذهبي بـ (الشيخ العالم المعدّل، المسند).
٣٠ - علي بن محمد بن علي بن حسين بن شاذان بن السَّقًّا، الإسفرائيني، أبو الحسن، توفي سنة أربع عشرة وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الإمام، الحافظ، الناقد، القاضي).
٣١ - عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عَبْدُيه بن سَدُوس بن علي بن عبد الله بن الفقيه عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الهذليّ المسعوديُّ العَبْدُوبي، النيسابوري، الأعرج، أبو حازم، مات يوم عيد الفطر سنة سبع عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (كان أبو حازم ثقة صادقاً، حافظاً عارفاً) ووصفه الذهبي بـ (الإمام، الحافظ، شرف المُحَدِّثين).
٣٢ - محمد بن إبراهيم بن أحمد الأرستاذني، أبو بكر، مات سنة أربع وعشرين وأربعمائة وصفه الذهبي بـ (الإمام الحافظ، الجوّال، الصالح العابد).
٣٣ - محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق، أبو الحسن البزاز، قال عنه الخطيب: (كان ثقة) توفي سنة عشرة وأربعمائة.
٣٤ - محمد بن أحمد بن محمد بن فارس بن أبي الفوارس سهل البغدادي، أبو الفتح، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (كان ذا حِفْظ ومعرفة وأمانة، مشهوراً بالصلاح)، ووصفه الذهبي بـ (الإمام الحافظ، المحقّق، الرَّحال).
٣٥ - محمد بن الحسن بن فُورك، أبو بكر، مات مسموماً سنة ست وأربعمائة وصفه الذهبي بـ (الإمام، العلامة، الصالح شيخ المتكلمين)، وقال: (كان مع دينه صاحب قلبة - أو فلتة - وبدعة).
٣٦ - محمد بن الحسين بن داود بن علي العلويَّ، الحسني، النيسابوري، الحسيبُ أبو الحسن، وهو أكبر شيوخ البيهقيّ، قال الحاكم: (هو ذوّ الهمة العالية، والعبادة الظاهرة، وكان يُسأل أن يُحدِّث فلا يحدِّث، ثم في الآخر عقدت له مجلس الإملاء، وانتقيت له ألف محبرة، فحدّث وأملى ثلاث سنين، مات فجأة في سنة إحدى وأربعمائة). وصفه الذهبي بـ (الإمام، السيد، المحدث، الصدوق، مسند خراسان).
٣٧ - محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل، البغدادي القطان الأزرق أبو الحسين، ولد سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، العالم، الثقة، المسند)، وقال: (مجمع على ثقته).
٣٨ - محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم بن زاوية بن سعيد بن قبيصة بن سرَّاق الأزدي، السُّلميُّ الأمّ، أبو عبد الرحمن، ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ومات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (قال لي معمر بن يوسف القطان النيسابوري: كان أبو عبد الرحمن السُّلمي غير ثقة)، وقال الذهبي: (تكلموا فيه وليس بعمدة .. وفي القلب مما ينفرد به).
٣٩ - محمد بن عبد الله بن أحمد البسطامي الفقيه الأديب المحدث، أبو عمرو الرزجاهي، المعروف بأبي عمرو الأديب، مات في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وصفه الذهبي بـ (العلامة، المحدث، الأدیب).
٤٠ - محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن الحكم الضبيّ الطهماني، ثم النيسابوريّ، المعروف بابن البيع، صاحب (المستدرك على الصحيحين) ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الإمام، الحافظ، الناقد، العلامة، شيخ المتكلمين).
٤١ - محمد بن علي بن خشيش المقرئ، أبو الحسين، ولم أجد له ترجمة.
٤٢ - محمد بن الفضل بن نظيف المصري، الفرَّاء، أبو عبد الله، ولد سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقد نيّف على التسعين وصفه الذهبي بـ (الشيخ، العالم، المسند، المعمر) وقال: (تفرد في الدنيا بعلو الإسناد).
٤٣ - محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان، الصيرفيّ، ابن أبي عمرو النيسابوري، أبو سعيد، مات في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة عن نيّف وتسعين سنة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، الثقة، المأمون).
٤٤ - محمد بن محمد بن حمزة بن أبي المعروف الفقيه، أبو الحسن ولم أجد له ترجمة.
٤٥ - محمد بن محمد بن مَخيمش بن علي بن علي بن داود الزيادي، الشافعيّ، النيسابوريّ، الأديب، أبو طاهر، ولد سنة سبع وعشرین وثلاثمائة، ومات سنة عشر وأربعمائة. قال عبد الغافر: (أملى نحواً من ثلاث سنين، ولولا ما اختص به من الإقتار، وحرفة أهل العلم - أي النسخ - لما تقدم عليه أحد). وصفه الذهبي بـ (الفقيه، العلامة، القدوة، شيخ خراسان).
٤٦ - مسعود بن محمد الجرجاني، أبو سعيد. ولم أجد له ترجمة.
٤٧ - ناصر بن الحسين بن محمد بن علي القرشيُّ العُمريَّ، أبو الفتح، المروزيّ الشافعيّ، مات في ذي القعدة، سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الإمام، الفقيه، شيخ الشافعية).
٤٨ - هلال بن محمد بن جعفر بن سعدان بن عبد الرحمن بن ماهويه بن مهيار بن المرزُبان، الكسْكريُّ، ثم البغدادي، أبو الفتح، ولد سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ومات في صفر سنة أربع عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: (كان صدوقاً .. كتبنا عنه)، ووصفه الذهبي بـ (الشیخ، الصدوق، مسند بغداد).
٤٩ - يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري، أبو زكريا، ولد سنة نيِّف وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة أربع عشرة وأربعمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ الإمام، الصدوق، القدوة، الصالح، مسند نيسابور). وقال: (كان ثقة نبيلاً زاهداً صالحاً، ورعاً، متقناً، وما كان يحدِّث إلَّا وأصله بيده يقابل به).
عقیدته:
ليس من شك عند أيّ باحث اطلع على ما كتبه البيهقيّ في مصنفاته - وبخاصة تلك المتعلقة بالجانب العقديّ - أن البيهقيّ لم يكن أشعريّ العقيدة فحسب، بل كان أحد أهم الدعاة إلى المذهب الأشعري، والمنافحین عنه.
وحيث قام بعض الباحثين بعمل دراسات مفصلة للجانب العقدي عند البيهقيّ، فقد آثرت الاقتصار هنا على بحث موضوع الكتاب (القضاء والقدر) وعقيدة البيهقيّ في هذا الباب المهم من أبواب الاعتقاد.
فالبيهقي في باب (القضاء والقدر) شأنه كشأن سائر الأشاعرة الذين وإن أقروا بالقضاء والقدر في الجملة موافقين في ذلك لأهل السنة ومخالفين لخصومهم المعتزلة؛ وهم وإن وافقوا أهل السنة في مسألة (خلق أفعال العباد)، إلا أنهم نفوا قدرة العبد على إحداث فعله حقيقة، وأثبتوا له بالمقابل قدرة لا تأثير لها في إحداث الفعل البتّة وهذا ما يعبرون عنه بالكسب. ومن تجمَّل فيهم وتحرَّز قال: إن قدرة العبد لا تؤثر في وجود الفعل، وإنما تؤثر في صفة من صفاته، وتلك الصفة هي المسماة بـ (الكسب).
يقول البيهقيّ بعد ذكره لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكَِّن اَللهَ قَلَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اَللّهَ رَمىْ﴾ وقوله: ﴿ءَأَنتُّمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ تَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾: (فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه وأثبته لنفسه، ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في الوجود بعد العدم هو إیجاده واختراعه، وخلقه وتقدیره، وإنّما وجد من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرته حادثة أحدثها خالقه على ما أراد فهو من الله سبحانه وتعالى خُلْق على معنى أنه هو الذي اخترعه بقدرته القديمة، وهو من عباده كسْب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي إكسابهم).
وإذا عرفنا أن تلك القدرة الحادثة التي يذكرونها لا تأثير لها عندهم بوجه ألبتة عرفنا دقة وصف العلامة ابن قيم الجوزية لهذا (الكسب) الذي ابتدعوه حين قال: (إنه لفظ لا معنى له، ولا حاصل تحته). بل هو من محالات العقول، إذ إن إثبات قدرة لا أثر لها بوجه كنفي القدرة أصلاً وهو ما اعترف به عدد من محققي المذهب الأشعري أنفسهم كالأيجي والجويني والرازي وغيرهم.
ولذا قيل: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النَّظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري.
قال شيخ الإسلام - ابن تيمية - رحمه الله تعالى: (وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب، وإن خالفوه في ذلك إما نزاعاً لفظياً، وإما نزاعاً لا يُعْقَلُ، وإما نزاعاً معنوياً، وذلك كقول من زعم أن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة، وجعل الكسب مقدوراً للعبد، وأثبت له قدرة لا تأثير لها في المقدور، ولهذا قال جمهور العقلاء: إن هذا الكلام متناقض غير معقول، فإن القدرة إذا لم يكن لها تأثیر أصلاً في الفعل کان وجودها کعدمها، ولم تکن قدرة، كان اقترانها بالفعل كاقتران سائر صفات الفاعل في طوله وعرضه، بل ولونه).
ويقول في موضع آخر: (ولا يقول - أي الأشعري - أن العبد فاعل في الحقيقة بل كاسب، ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقاً معقولاً، بل حقيقة قول جهم أن العبد لا قدرة له ولا فعل ولا کسب).
وكان من نتائج تلك النظرة الخاطئة - من قبل البيهقيّ وسائر الأشاعرة - إلى القضاء والقدر؛ أن أنكروا تأثير الأسباب في مسبباتها، وقالوا: إنّما الأعمال أو الأسباب أعلامٌ وأماراتٌ يكون عندها المسبب أو الثواب والعقاب، لا بها !!
(وهذا - عندهم - كما إذا رأيت غيماً أسود بارداً في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر، قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنّها أسباب له، وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحرق مع الاحتراق، والإزهاق مع القتل، ليس شيء من ذلك سبباً ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه، إلَّا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي، وخالفوا بذلك الحس والعقل، والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء).
(ذلك أنّهم ظنّوا أن إثبات الأسباب ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، وكأنَّهم يقولون: إن الإيمان بالقدر هو اعتقاد وقوع الأشياء بدون أسبابها الشرعية والقدرية، وهو نفي للوجود لها فإن الله ربط الكون بعضه ببعض، ونظم بعضه ببعض، وواجد بعضه ببعض).
(والذي عليه أهل السنة هو: أنَّ المقدور قدر بأسباب، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنّة بالأعمال، ودخول النّار بالأعمال)
والقرآن والسنّة مملوءان بأنّه يخلق الأشياء بالأسباب لا كما يقول أتباع جهم من الأشاعرة وغيرهم أنّه يفعل عندهم لا بها، كقوله تعالی: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السّماء مَاءً فَأَحيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوتهَا﴾، وقوله: ﴿وَنزَّْلنَا مِنَ السَّماء مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الَْحصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَها طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رزقًا لِلْعِباَد وَأَحْييَنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا﴾، وقوله: ﴿يَهْدِى به اللَهُ مَنٍ أثَبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، وأمثال هذا في القرآن يزيد على ألف موضوع، (والقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر أو الأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال).
ومع ظهور تهافت هذا القول - (إنكار تأثير الأسباب في مسبباتها) إلَّا أننا نجد البيهقيّ يُصرَّ على اقتفاء أثر أسلافه الأشاعرة بما أورده عن الخطابي في التعليق على حديث عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة .. الحديث. ثم رام اختصار ذلك المعنى كُلَّه في جملة موجزة، فعقب بقول سهل بن محمد الصعلوكي - أحد الأشاعرة- (أعمالنا أعلام الثواب والعقاب).
وما كان هذا الخطأ الشنيع ليكون في مسألة لم تقررها أدلة الكتاب والسنّة وسيرة سلف الأمة وأقوالهم فحسب، بل وحتى الفطر والعقول تُقِرُّ بذلك لولا تلك النظرة الخاطئة الأولى إلى حقيقة القضاء والقدر.
ولهذا قال بعض العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع.
ويبيِّن ذلك شيخ الإسلام ابن تیميّة - رحمه الله - بقوله: (إن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلاً، ولا بد له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر.
وأما قولهم: محو الأسباب أن تكون أسباباً: نقص في العقل، فهو كذلك وهو طعن في الشرع أيضاً، فإن كثيراً من أهل الكلام أنكروا الأسباب بالكلية وجعلوا وجودها كعدمها، كما أن أولئك الطبيعيين جعلوها عللاً مقتضية، وكما أن المعتزلة فرقوا بين أفعال الحيوان وغيرها، والأقوال الثلاثة باطلة؛ فإن الله يقول: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يُرْسلُ الرِّياحَ بُشْرًّا بَيْنَ يَدَىْ رَحمته * حَّتى إذّا أَقَلّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدِ ميّتٍ فَنَزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثََّمرات﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَّا أَنَزَّلَ اللَهُ مِنَ السمَاَءِ مِن مَاءٍ فَأَحيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَهْدِى بِهِ اَلَّلهُ مَنِ اَتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُّلَ السَّلَّامِ﴾، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَتِيرا﴾ وأمثال ذلك.
فمن قال: يفعل عندها لا بها؛ فقد خالف لفظ القرآن مع أن الحس والعقل يشهد أنّها أسبابٌ، ويعلم الفرق بين الجهة وبين العين في اختصاص أحدهما بقوة ليست في الآخر، وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء دون الآخر.
وأمًّا قولهم الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل هو -أيضاً - قدح في العقل، فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لما نيط بها، فمن جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أو جعل المتقين كالفجار، فهو من أعظم الناس جهلاً وأشدهم كفراً، بل ما أمر الله به من العبادات والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات، وكذلك ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما عُلْق بها من الشقاوات).
ويقول - رحمه الله - في موضع آخر: (ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبُذِرَ الحَبُّ لم يكن ذلك [كافياً] في حصول النبات بل لا بد من ريح مربية بإذن الله، ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له؛ بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربِيهِ في الرحم، وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع.
وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هو سبب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، وقد قال: ﴿أدْخُّلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ فهذه باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي باء المقابلة كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضاً وثمناً كافياً في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السیئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات).
ثم إن الأشاعرة لمَّا خشوا المعارضة على جوهر عقيدتهم (الجبر) التي حقيقتها أن العباد مجبورون على أفعالهم ولا قدرة لهم عليها، وهي من فعل الله وحده، وذلك بأن يقال لهم: إجبار العباد على أعمالهم، و کونهم یفعلونها بلا إرادة منهم، ثم یعاقبون علیھا ظلم، والله منزه عن الظلم ولا شك، وقد جاء عن نبينا محمد ريلر فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، إنّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا .. ) الحديث.
ولمّاكانت تلك المعارضة متجهةً، فقد سعوا إلى تحریفٍ آخر، إذ زعموا أن معنى الظلم الذي تنزه الله عنه إنّما هو: التصرف في ملك الغير، أو هو: مخالفة الأمر الذي تجب طاعته، وهما ممتنعان في حق الله، فلا يكون ظلماً.
ثم أدخلوا القول بنفي التعليل والحكمة عن أفعال الله تعالى وزعموا أنه يفعل بمحض المشيئة.
وهو الأمر الذي وقع فيه - أيضاً - البيهقيّ في قوله: (وليس لقائل أن يقول إذا خلق كسبه ويسره لعمل أهل الثار ثم عاقبه عليه كان ذلك منه ظلماً، كما ليس له أن يقول إذا مكنه منه وعلم أنه لا يتأتى منه غيره عاقبه، كان ذلك منه ظلماً؛ لأن الظلم في كلام العرب مجاوزة للحد، والذي هو خالقنا وخالق أكسابنا، لا آمر فوقه، ولا حادًّ دونه وكل من سواه خلقه وملكه، فهو يفعل في ملكه ما يشاء)، ﴿لَا يُسئَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ﴾.
ثم -وفي موضع آخر يقول شارحاً لقوله تعالى: ﴿لَا يُسئَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ﴾: (فبيْن لذلك أنّه لا يجري عليه حكم غيره، ويجري حکمه علی غیره، فغیره من المکلفین تحت حدِه، فمن جاوز حده كان ظالماً، وليس هو تحت حدٌ غيره حتى يكون لمجاوزته ظالماً).
ثم ينقل - وبعد كلامه الآنف الذكر بأثر واحد قول أبي بكر بن إسحاق: (الظلم عند العرب هو فعل ما ليس للفاعل فعله، وليس من شيء فعله الله إلّا وله فعله .. ).
والمعنيان اللذان يذكرهما الأشاعرة في معنى الظلم الذي نزَّه الله عنه نفسه، وإن کانا صحیحین في حق الله - عز وجل - لكنهما ليسا المعنى الصحيح للظلم الذي نزه الله عنه نفسه، بل هو خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة في معنى الظلم.
إذ إن الظلم عند أهل السنّة هو: (وضع الشيء في غير موضعه)، وهو معناه - أيضاً - في اللغة: يقال: (من أشبه أباه فما ظلم)، وفي المثل: (من استرعى الذئب فقد ظلم)، ويقال: ظلم الرجل سقاءه، إذا سقى منه قبل أن يخرج زبده، والظليمة والظليم: اللبن يشرب منه قبل أن يروب ويخرج زبده، قال الشاعر:
وصاحب صدق لم تربني شكاته … ظلمت، وفي ظلمي له عامداً أجر
قال في (اللسان)- في شرح البيت: (هذا سقاء سقي منه قبل أن يخرج زبده، وظلم وَطْبَهُ ظلماً إذ سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده).
وتقول العرب: هو أظلم من حيَّةٍ؛ لأنَّها تأتي الحفر الذي لم تحفرە فتسکنه. وعلى هذا المعنى بنى أهْل السنة معنى الظلم الذي تنزه الله - عز وجل - عنه، وهو ما فسَّر به سلف الأمة وأئمتها.
هذا ما استرعى انتباهي في أثناء عملي لإخراج هذا الكتاب من مقالات وعبارات توضح عقيدة البيهتيّ في موضوع الكتاب الذي صنف فيه، وهي بالجملة تأتي متوافقة مع عقيدة البيهقيّ الأشعرية والمخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.
مصنفاته:
تذكر المصادر أنّ (البيهقيّ) وبعد أن أنهى رحلاته العلمية في طلب العلم عاد إلى قريته وانكبَّ على الجمع والتأليف في شتى المعارف والفنون.
ولمَّا كان البيهقيّ من المكثرين من التصانيف -حتى قال عبد الغفار الفارسيّ: (وتواليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد).
وحيث اعتنى طائفة من الباحثين بتتبع تلك المؤلفات ومحاولة حصرها ومعرفة المطبوع منها وأماكن وجود المخطوط منها فقد اقتصرت هنا على ذكر أهم مصنفاته في الاعتقاد، وذلك لصلتها بموضوع هذا الكتاب، ومن تلك الكتب ما يلي:
١ - إثبات عذاب القبر:
وقد طبع هذا الكتاب طبعات متعددة، منها ما كان بتحقيق شرف محمود القضاة عن دار الفرقان سنة (١٤٠٣هـ) وحققه - أيضاً - مصطفى سعيد قطاش لنيل شهادة العالمية من الجامعة الإسلامية.
٢ - الأسماء والصفات:
وقد ألف هذا الكتاب بناءً على طلب شيخه أبو منصور محمد بن الحسن بن أيوب الأصولي، وهو الأمر الذي ذكره في ثنايا كتابه هذا، إذ قال في معرض تأويله الصورة، ومعنى هذا فيما كتب إليَّ الأستاذ أبو منصور محمد بن الحسن بن أيوب الأصولي -رحمه الله - الذي كان يحثني على تصنيف هذا الكتاب، لما في الأحاديث المخرجة فيه من العون على ما كان فيه من نصرة السنة وقمع البدعة، ولم يقدر في أيام حياته لاشتغالي بتخريج الأحاديث في الفقهيات على مبسوط أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله - الذي أخرجته على ترتيب مختصر أبي إبراهيم المزني - رحمه الله - ولكل أجل كتاب.
وشيخه هذا الذي حثه على تصنيف هذا الكتاب هو أحد أعلام المذهب الأشعري، فقد كان من أقرب تلاميذ ابن فورك إليه، حتى إنه زوجه اینته الكُبرى -ولذا؛ فلا يستغرب أن نجده وقد ملأ كتابه هذا بالنقول عن أعلام الأشاعرة وما صدر عنهم من تأويلات باطلة، وأقوال مخالفة لما عليه أهْل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات.
وقد طبع هذا الكتاب طبعات كثيرة - أكثرها الأخير فيها - كانت أوّلها سنة (١٣١٣هـ) بالهند، ثم طبع سنة (١٣٤٨هـ) بتحقيق محمد بن زاهد الكوثري، ثم طبع عام (١٤٠٥هـ) بتحقيق عماد الدين حيدر ثم طبع أخيراً بتحقيق الشيخ: الحاشدي وتقديم الشيخ: مقبل بن هادي الوادعي، وهذه الأخيرة التي بتحقيق الشيخ (الحاشدي) أحسن تلك الإخراجات لهذا الكتاب.
٣ ۔ الاعتقاد والهدایة إلی سبیل الرشاد:
وقد طبع مرَّات عديدة كان منها طبعة سنة (١٣٨٠هـ) بتصحيح أحمد مرسي في مصر، وطبعة سنة (١٤٠١هـ) عن دار الآفاق بتحقيق: أحمد عصام الكاتب.
وأودُّ عند ذكر هذا الكتاب أن أذكر أن للشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى - دراسة مختصرة عن هذا الكتاب بعث بها إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والمفتي العام للمملكة العربية السعودية السابق الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - أبان فيها بعض مخالفات (البيهقيّ) للسلففي العقيدة في مواضع من كتابه هذا.
٤ - البعث والتشور:
وقد طبع سنة (١٤٠٦هـ) بتحقيق عامر أحمد حيدر وهي طبعة ناقصة نقصاً كبيراً، وقد حُفّْقَ قسمٌ منه لنيل شهادة العالمية العالية في الجامعة الإسلامية سنة (١٤٠٣هـ) وذلك من قبل عبد العزيز راجي الصاعدي .
٥ - الجامع المصنّف في شعب الإيمان:
وقد طبع جزء منه في حيدر آباد بالهند قديماً وشرعت الدار السلفيَّة في (الهند) بطبعه سنة (١٣٩٥هـ) ولم يَتم حتى الآن الانتهاء منه وكان آخر ما طبع منه هو المجلد الرابع عشر، وقد طبع كاملاً في بيروت طبعة كاملة في تسعة مجلدات.
٦ - حياة الأنبياء بعد وفاتهم:
وقد طبع هذا الكتاب سنة (١٣٤٩هـ) في مكتبة المعاهد العلمية بالقاهرة، ثُم طبع مرة أخرى سنة (١٣٥٧هـ) عن المطبعة المحمودية بتحقيق محمد بن محمد الخانجي البوسنويّ، وقد طبع أخيراً سنة (١٤١٤هـ) عن مكتبة العلوم والحكم بالمدينة النبوية بتحقيق أحمد بن عطية الغامدي.
٧ - الرؤية:
نسبه له ابن عبد الهادي في (طبقات علماء الحديث) (٣٣٠/٣)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء) (١٦٦/١٨) و(تذكرة الحفاظ) (٣/ ١١٣٣) وقالا: (جزء في الرؤية).
وذکره صاحب (كشف الظنون) (١٤٢١/٢) وصاحب (هديّة العارفين) (٧٨/١) باسم (كتاب في الرؤية).
وذكر بروكلمان في (تاريخه) (٢٣٣/٦) أن نسخة خطية منه في مكتبة محمد حسين (بحيدر آباد) إلّا أن اسمه تصحَّف منه إلى (رسالة في الروایة).
٨ - فضائل الصحابة أو (معجم الصحابة):
أشار إليه في (شعب الإيمان) و(الاعتقاد)، ونسبه له السمعاني في (التحبير) (٤٣٥/١) وياقوت في معجمه (٥٣٨/١) والذهبي في السير (١٦٦/١٨، ١٦٧) وصاحب (كشف الظنون) (١٧١٢/٢) وصاحب (هدیة العارفین) (٧٨/٥).
تلامیذه:
بعد أن عكف البيهقي السنين الطويلة بقريته وهو يُصنف كتبه رحل إلى (نيسابور)، وأقام بها مدة وحدث بتصانيفه، وتكررت هذه الرحلات مرّات عديدة، وفي كل مرَّة كانت تعقد له المجالس لسماع الكتب، وكان يحضرها الأئمة والفقهاء ويتكاثر عليه فيها الطلبة، واستمر ذلك حتى آخر حياته، قال الذهبي: «قدم قبل موته بسنة أو أكثر إلى نيسابور وتكاثر عليه الطلبة وسمعوا منه كتبه.
وإذ يتعذر مع ذلك محاولة حصر تلاميذه، فإنّي سأقتصر على أشهر أولئك التلاميذ ومنهم:
١ - ولده أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي، ولد سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وتوفي سنة سبع وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الفقيه الإمام، شيخ القضاة).
٢ - وحفيده أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن الحسين بن البيهقي، ولد سنة تسع وأربعين وأربعمائة ومات سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ المسند).
٣-عبد الجبار بن عبد الوهاب بن عبد الله بن محمد بن الدهَان، النيسابوري، أبو الحسن. قال السمعاني: (شيخ ثقة، من أهل الخير والأمانة).
٤ -عبد الجبار بن معمر بن أحمد الخواری البیهقي، أبو محمد، ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، الإمام، المفتي، المعمَّر الثقة).
٥ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد، البحيرى النيسابوريّ، أبو بكر، ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ومات سنة أربعين وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ الثقة، الصالح، مسند نيسابور).
٦ - عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري النّيسابوري، أبو نصر توفي سنة أربع عشرة وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، الإمام، المفسّْر، العلامة).
٧ - عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القُشيري، النَّيسابوري، أبو المظفر، ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، الإمام، المسند المُعَمَّرُ).
٨ - محمد بن الفضل بن أحمد بن أبي العبّاس الصَّاعدي، الفراوي، النيسابوري أبو عبد الله توفي سنة ثلاثين وخمسمائة. وصفه الذهبي بـ (الشيخ، الإمام، الفقيه، المفتي، مسند خراسان، فقيه الحرم).
وفاته:
في العاشر من شهر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، مات (البيهقيّ) - بنيسابور - عن أربع وسبعين سنة، وذلك بعد مرض ألم به.
وهذا التاريخ هو ما اتفقت عليه سائر المصادر إلَا ما تفرد به (ياقوت الحمويّ) فقال: توفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وما ذكره (ابن الأثير)، و(ابن تغري بردي)، من أن وفاته كانت في جمادى الآخرة. قال الذهبي: (فغُسّل وكُفْن، وعُمِلَ له تابوت، فتُقل ودُفِنَ بـ (بيهق)).
________________________________________________
أبواب الكتاب، وفيها:
-المقدمة:
- ذكر البيان أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ كُلَّهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ.
- ذكر البيان أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْمَقَادِيرَ كُلَّهَا فِي الذِّكْرِ
- ذكر البيان وأَنَّ الْقَلَمَ لَمَّا جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ كَانَ مَا جَرَى. ﴿وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوى * ثُمَّ أجْتباهُ رَبهُ فتابَ عَلَيْهِ وَهَدئ﴾.
- ذكر البيان أَنَّ الْقَلَمَ لَمَّا جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ كَانَ فِيمَا جَرَى مَا يَفْعَلُهُ بَنُو آدَمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
- ذكر البيان أن ليس أحد من بني آدم إلَّا وقد كُتب سعادته وشقاوته وکتب مكانه من الجنّة أو التّار، وأن أهل كل واحد منهما مُيسرون لأعمالها.
- ذكر البيان أنَّ الله - عزَّ وجلّ - خلق خلقه في ظلمة ثُمّ ألقى عليهم من نوره.
- ذكر البيان أنَّ الله تعالى مسح ظهر آدم عليه السلام فاستخرج منه ذرية؛ فقال: (خلقت هؤلاء للجنَّة، وبعمل أهل الجنة يعملون).
- باب: ذكر البيان أنَّ الله تعالى حيث أخذ الميثاق من بني آدم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبكُم﴾، إنَّما قال بلى من سبق في علمه سعادته وكونه من أهل الجنَّة، ثم جرى القلم بذلك .
- ذكر البيان أنَّ الله - عز وجل - خلق الجنَّة وخلق لها أهلاً.
- ذكر البيان: أنَّ من كُتب سعيداً خُتم له بالسعادة وإن عمِل أيّ عمل، ومن كُتب شقياً خُتم له بالشقاوة وإن عمل أيّ عمل.
- ذكر البيان أن العبد يبعث على ما مات عليه.
- ذكر البيان أنّ أفعال الخلق مكتوبة لله تعالى مقدرة له.
- ذكر البيان أن أفعال الخلق كلها تقع بمشيئة الله جل ثناؤه وإرادته.
- ذكر البيان أن القدر خيره وشره من الله - عز وجل - وأن الإيمان به واجب.
- كيفية الإيمان بالقدر.
- ذكر البيان أنَّ ما كُتب على ابن آدم وجرى به القلم أدركه لا محالة .
- ذكر البيان أنَّ ما كُتب على ابن آدم وجرى به القلم أدركه لا محالة .
- ذكر البيان إِنَّ أحداً لا يستطيع أن يعمل غير ما كُتب له وعليه، وأَنَّه لا يملك لنفسه وغیره نفعاً ولا ضراً إلّا ما شاء الله.
ذكر البيان في قول الله - عزَ وجلَّ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صراطي مُسْتَقِيمًا فَاتبِعُوه﴾ - مع قوله: ﴿اَنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَيِيلًا﴾ فأمرهم بما أخبر أنهم لا يستطيعونه يريد دونه.
-ذكر قول الله - عز وجل -: ﴿وَاعْلَمُوَاْ أَن اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلبهِ﴾
-ذكر قول الله - عز وجل -: ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هَادِىَ لَهُّ وَيَّذرُهُمْ فِى ُطُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
- ذكر البيان أن الله تبارك وتعالى عادل في إضلال من شاء من عبيده.
- ذكر البيان: أن الله عز وجل هو المعطي بمنّه وفضله من يشاء من عبیده الإیمان.
- ذكر البيان: أَنَّ المعصوم من معاصي الله من عصم الله.
- ذكر البيان: أَنَّ من دخل الجنَّة من المُؤمنين دخلها بفضل الله - عزَّ وجلَّ - ورحمته.
- ذكر ما ورد من التشديد على من كذب بقدر الله تعالی.
-ذكر ما ورد من النهى عن مجالسة القدرية ومفاتحتهم والنهي عن الخصومة في القدر.
-ذكر ما روي عن جماهير الصحابة وأعلام الدين وأئمة في إثبات القدر رضي الله عنهم.
- باب قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَإن تُصِبْهُمْ حَسَنَّةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِّ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِئةٌ يَقُولُوأ هَذِهِ مِنْ عِندَِكُ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اَللّهِ َفمالِ هَوُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْفَهُونَ حَدِيثًا * ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةِ فَمنَ اللهِ وَمَا أَصابَكَ مِن سَيِئةٍ فَمن نَفْسِكَ﴾.
- بيان معنى قوله خلقت عبادي حنفاء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة)، والحكم فى الأطفال.
م | الفائدة | المصدر |
1 | قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَّ الأرض يرثها عبادي الصالحون}. قال ابن عباس: كتب الله أنه يورّث أمة محمد ﷺ الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون. | القضاء والقدر لـأبو بكر البيهقي (ص 113) |
2 | قال أبو سليمان الخطابي: ولا يقدر أحدٌ أن يُسقط الأصل الذي هو القدر، ولا أن يُبطل الكسب الذي هو السبب، ومن فعل واحداً منهما خرج عن القصد إلى أحد الطرفين من مذهب القدر أو الجبر. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 121) |
3 | قوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كانوا يعملون}. قال ابن عباس: يعمل بنو آدم على ما يستنسخه الحفظة من أمّ الكتاب. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 126) |
4 | في قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام، قال الله تعالى: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً} [الكهف: 81]. وفي الآيات دلالة على سبق علم الله تعالى بحال العبد، وأن من الخلق من يُخلق مؤمناً، ومنهم من يُخلق فاجراً كافراً، كما في قوله تعالى: {ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} [نوح: 27]، وقوله: {لأهب لك غلاماً زكياً} [مريم: 19]. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 147-148) |
5 | دخل أبو الطفيل على حذيفة بن أسيد الغفاري فسأله: أيشقى أحد بغير عمل؟ فقال: بلى، يجعله الله شقياً أو سعيداً وهو نطفة في بطن أمه. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 150) |
6 | عن أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى...» فذكر منهم من يولد مؤمناً أو كافراً، ويختم له بخلاف حال ابتدائه. والحديث إسناده صحيح. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 152) |
7 | قوله تعالى: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30]. قال الإمام البيهقي: من كتب سعيداً خُتم له بالسعادة وإن عمل أيَّ عمل، ومن كتب شقياً خُتم له بالشقاوة وإن عمل أيَّ عمل. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 158) |
8 | في قصة الرجل الذي قاتل مع النبي ﷺ ثم قتل نفسه بذبابة سيفه، قال الإمام البيهقي: وقتله نفسه يشبه أن يكون عن استحلال، فاستحق النار باستحلاله إياه، والله أعلم. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 159) |
9 | قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} [الإسراء: 16]. قال ابن عباس: أكثرنا فساقها. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 186) |
10 | عن عبد الله بن مسعود قال: لأن أعض على جمرة حتى تُطفأ أحب إليَّ من أن أقول لأمر قضاه الله: ليته لم يكن. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 198) |
11 | حُكي أن نظام الملك لما دخل بغداد خطب الشيخ أبو سعد المعمر بن علي فقال: إن من هو على الحقيقة أمير فهو في الحقيقة أجير... وأنت يا صدر الإسلام وإن كنت وزير الدولة فأنت أجير الأمة...، وفيه تقرير لمعنى المسؤولية والولاية وخدمة مصالح المسلمين. | حكاية تاريخية |
12 | قال ابن قيم الجوزية في تفسير قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17]: إن المنفي عن النبي ﷺ ليس أصل الرمي، وإنما إيصال التراب إلى وجوه العدو جميعاً، فالإلقاء من فعل العبد، وأما التأثير والإيصال فمن فعل الله تعالى. | شفاء العليل (ص 169)، ومجموع الفتاوى (18/8) |
13 | عن عبد الله بن مسعود من قوله: لا يسبق بطيء حظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شراً فالله وقاه. | القضاء والقدر للبيهقي (ص 209) |
14 | عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم ثم خلق الخلق من ظهره، ثم قال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي»، فلما سئل: فعلى ماذا نعمل؟ قال: «على مواقعة القدر». | القضاء والقدر للبيهقي (ص 225) |
