أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أبريل 2026

تاجر البندقية وليم شكسبير بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تاجر البندقية

وليم شكسبير

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: في مدينة البندقية، حيث تتعانق أمواج البحر مع صخب التجارة، تنسج مسرحية تاجر البندقية خيوطها بين الوفاء والطمع، وبين الحب والمخاطرة. هناك يقف أنطونيو، التاجر النبيل، مثالًا للصدق والسخاء، وقد ربطته بصديقه "باستيو" مودةٌ صافية لا تشوبها مصلحة. لكن قلب باستيو تعلّق بالأميرة بورسيا، سيدة الجمال والثراء، التي جعلت من نفسها جائزةً لا تُنال إلا باختبارٍ عجيب: ثلاثة صناديق، أحدها يخفي صورتها، ومن أصابها نال يدها. 

وبين بريق الذهب وخداع الفضة، اختار باستيو الرصاص، فكان اختياره مفتاح الفوز؛ إذ أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بالمظاهر، بل بما تخفيه النفوس من صدق وبصيرة. غير أن طريق الحب لم يكن مفروشًا باليسر، فقد افتقر "باستيو" إلى المال الذي يليق بمقام الزواج، فلجأ إلى صديقه "أنطونيو"، الذي لم يتردد في نجدته، فاستدان له من المرابي اليهودي شيلوك، ذلك الرجل الذي اختزل القسوة في قلبه، وجعل من المال إلهًا يُعبد. 

وبالطبع.. لم يكن القرض عاديًا، بل كان مشروطًا بشرطٍ قاسٍ جداً، وهو: إن عجز "أنطونيو" عن السداد، اقتطع شيلوك رطلاً من لحم صدره عوضاً عن القرض. وسرعان ما انقلبت الأقدار، فنمت أخبارٌ بغرق سفن أنطونيو، وضياع تجارته، وتأخر وصولها كثيراً، وأدرك "أنطونيو" أنه بات عاجزًا عن الوفاء، فسلّم نفسه لقدرٍ مظلم، في مشهدٍ يجسد أقصى معاني التضحية والوفاء للصداقة.

وهنا تتجلى عظمة الحيلة ودهاء العقل، حين تتدخل "بورسيا"، لا بوصفها أميرة، بل في هيئة محامٍ شاب، تدخل المحكمة حيث يجتمع القانون والقدر. فوقفت بثبات، لتدافع عن أنطونيو، لا بالسيف، بل بالكلمة والحجة، حتى قلبت الشرط على صاحبه، إذ ألزمت "شيلوك" اليهودي أن يقتطع اللحم دون أن تسقط قطرة دم واحدة من "أنطونيو"! الأمر الذي يستحيل تحقيقه. 

وبالفعل تم لها ما أرادت، وانكسر جبروت "شيلوك" وطمعه وشماتته، وسقط من عليائه، وأُرغم على التنازل عن هذه القضية، ودفع التعويض لابنته "جيسيكا"، التي اختارت طريق الحب مع المسيحي "لورنزو"، مبتعدة عن قسوة أبيها وهيامه في المال. وهكذا تحوّل "شيلوك" من طاغيةٍ متجبر إلى رجلٍ مكسور، تحاصره خسارته من كل جانب.

وتنتهي الحكاية بانفراج الغمة، إذ تصل الأخبار بنجاة سفن أنطونيو، وكأن البحر قد ردّ له ما أخذ، فتجتمع القلوب من جديد: "باستيو وبورسيا"، و "جيسيكا ولورنزو"، ويعود أنطونيو إلى تجارته وحياته. 

وفي ثنايا هذه القصة، يبرز قلم ويليام شكسبير وهو يرسم شخصية شيلوك بصورةٍ حادة، جامعًا فيها صفات القسوة والطمع والانتقام، حتى بدت وكأنها مرآةٌ متخيلة لروحٍ جشعة لا تعرف الرحمة،  ويعتقد "شكسبير" أن "شيلوك" يُمثل الشعب اليهودي أصدق تمثيل. 

كما تتلألأ في النص أبياتٌ شعرية موزونة، خاصة تلك التي كُتبت على الصناديق، والتي حملت حكمًا بليغة، مفادها: أن البريق قد يخدع، وأن النفيس قد يختبئ في أبسط الأشياء، وأن من يطلب الحقيقة عليه أن يزهد في زخرف الظاهر، ليبلغ جوهر المعنى.

وقد أعجبني الشعر الموزون في هذه الرواية، ومنها أن الصندوق الذهبي مكتوب عليه:

من اصطفاني فقدّمًا … تمنّت الناسُ وصلي

أما الصندوق الفضي؛ فمكتوب عليه:

من انتقاني فإني … أهلٌ له وأهلي

أما الصندوق الرصاصي؛ فكُتب عليه:

من ابتغاني فأعزز … بما يُهين لأجلي

فتحوا الصندوق الأول؛ فوجدوا فيه جمجمةً في عينها قرطاسن كُتب فيه:

قـــل كائناً من كُنتَ عن ثقةٍ … ما كُلُّ برَّاقٍ من الذّهب

عطيّةٌ هي الكنز النفيس؛ فلا … بِدعٌ إذا ثبتت على الحقب

لو كان رأيكَ غير مختلطٍ … في حين شعرك غير مُختضب

ما عُدتَ هذا العود في ندم … وبمثل هذا الردّ لم تُجَبِ

أما الصندوق الفضي؛ ففيه رسم وقرطاس فيه:

من راضه ألم الخطوب فإنني … بالنار قد محّصت سبع مرار

من عاش لم يامن على طول المدى …حظاً يُبادره وسوء خيارِ

في الناس مخدوعٌ يُقبّل ظلّه … فينال ظلّ سعادةٍ وفخارِ

وفتىً خليُّ العقل، مثلي بينهم … في مظهر متألقٍ غرار

أنى تكون ما أنتَ إلا مُشبهي …فاحمل حمولك وانجُ من ذي الدّار

أما الصندوق الرصاصي؛ فقد وجد فيه قرطاسا مع صورة "بورسيا"، وكُتب في القرطاس:

يا من يرى باطلاً فمّر به … ولم يَزغ في طلائه نظرُه

يهنئك العقل لم يصل به … مغويه، والسعد راحاً خاطرُه

لئن تكون حظيت بعد جَوى … كما يُصيب الجزاء مُنتظرُه

قبّل مُحيّا العروس مُغتبطاً … فالعمر قد طاب والمنى ثمره


أنت يا من لم يغرّه الظهر عند الانتقاء … قد وفّقت في اختيارك وكُتب لك الهناء

وإذ كان هذا هو طالعك السعيد … فاقنع به، ولا تبحث عن جديد

فإن أسعدك هذا وأرضاك … وحقّق آمالك ومُناك

فالتفت تجسد وراءك حبيبك … اطلب يدها واهاباً إياها قبلتاك

ويُجسّد "شكسبير" في "بورسيا" كل معاني الحب والوفاء والإخلاص والزوجية، حيث تقف أمام زوجها الجديد؛ لترسم ملامح الطاعة والخضوع -بأرقى الحروف، وأعذب الكلمات:

أيُّها الهُمام "باسيو"، ها انا ذا لديك كما أنا، ولولا أمرٌ جدَّدت في نفسي لاجتزأت -أي: اكتفيت- بالنعم التي مُنِحتُها ولم أستزد.. لكنني غدوت متمنية من أجلك لو رجحتُ ستين مرةً على ما أُعادل اليوم، ولو كنت ألف مرة أجمل، وعشرة آلاف مرة أوسع جاهاً، فتكبر حظوتي -أي: قدري -في عينيك! ولو كان لي من الفضائل والمحاسن والأموال والأصحاب عدادٌ لا تنفد، إلا أنني -ولا فخر -غير خالية من شيء يُقدر بقدر، فإنما أمامك فتاة معشر نقيّة غرّة، تعتد من لطف العناية بها كونها لم تزل لدْنة صالحة للتقويم.. ومن سعد طالعها أنها ليست من الجهل بحيث تستعصي..على التعليم. ومن تمام نعمائها أن عقلها طيّعٌ يدعو إلى إلقاء زمامها عن رضىً بين يديك، والإقرار عن خضوعٍ بأنك سيّدها، وأميرها، ومليكها، فأنا وكل مالي قد أصبح لك اليوم، كان قبلاً هذا القصر المشيد قصري، وكنتُ مولاةَ خدمي وحشمي، وكان بيدي قياد نفسي. انا الآن فالدار والتبع والمتبوعة في تصريف بنانك يا وليّ أمري. وهبتُك أولئك جميعاً. وأزيدك هذا الخاتم الذي أوصيك بحفظه، وبان تحرص كل الحرص من إضاعته، أو فقده، أو مفارتقته، فإن ذلك يُنذرني بتحول قلبك عني، ويُخوّلني حقّ الشكاية منك!

كما أن شكسبير يُلخص لنا التركيبة السيئة لليهود في المراوغة والحوار والإقناع، والمتمثلة في شخص "شيلوك"، حيث يقول على لسان "أنطونيو":

تذكر أنك تُحاور اليهوي، وأنه أيسر لك من أقناعه- أن تقف على الشاطئ وتأمر البحر بالجزر في غير أوانه فيزدجر، أو أن تسأل الذئب لماذا يستبكي النعجة التي افترس صغيرها وتركها تثغو وراءه، أو أن تحظر على صنوبر الجيل تحريك أغصانه الوريقة الشابة، أو الجهر بحفيف أعواده حين تصدمه الرياح، او أن تعمل أشقّ ما يرام عمله، من أن تتوصل إلى تليين أقسى شيء في الدنيا وهو قلب اليهودي..وحسبك جهداً، وليصدر عليَّ الحكم وشيكاً، ولتكمل مشيئة اليهودي!

ويبدو أن "شكسبير" كانت لديه مسحةٌ صوفيّة، وإحساس فطري عميق، فتراه وهو يتحدث عن الرحمة، كأبلغ ما تسمع على لسان "برسيا":

جمال الرحمة أن تكون خياراً لا اضطراراً. فهي كماء السماء ينهمر بالخير، ويطهل باليُمن عفواً ممن وهب، وبركةً لمن كسب. فإذا كانت الرحمة عفواً صادراً عن مقدرة، فهنالك بهاء قدرتها وازدهاء جلالها، أما أن تراها إذا تحلى بها الملك القائم، كانت لهامته أزين من التاج، وفي يده أقوى من صولجان الأمر والنهي، وكان عرشها المنصوص في قلبه تمكيناً له من عرشه الذي يستوي عليه؛ لأنها من صفات الله عز وجل، ولا يكون السلطان الدنيوي أقرب شبهاً إلى السلطان العلوي منه؛ إذ يلطفُ العدل بالرحمة، فيا أيها اليهودي، مهما يكن من استنادك في دعواك إلى العدل، فلا تنسَ أن الله لو عامل كلاً منا بمحض العدل، لما بات إنسانٌ على أدنى رجاءٍ بالمغفرة والنجاة. لهذا نستغفر الله كل يوم في أدعيتنا. وكما نستميحه العفو يجب أن نكون من العافين عن الناس. وإنما خاطبتك هذا الخطاب لأنبهك إلى ما في طلبك من التغالي، بل الإغراق في التقاضي؛ فإن لبثت على إصرارك مع هذا فلا يسع المحكمة إلا الامتثال إلى ما يوجبه القانون من عقوبة هذا التاجر.





رد الحديث الضعيف بالكلية فتنة كبيرة معاصرة أبو سابق سوفريانتو القدسي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رد الحديث الضعيف بالكلية فتنة كبيرة معاصرة

أبو سابق سوفريانتو القدسي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: عرّف العلماء فضائل الأعمال بأنها كل ما ورد في ترغيب النفوس في الطاعة والخير، وترهيبها من المعصية والشرور، وهي تشمل بعمومها الأذكار، والمناقب، ومكارم الأخلاق، ونوافل العبادات. وأحاديث هذا الباب تشكّل مساحة واسعة من السنة النبوية المطهّرة، إذ هي الوعاء التربوي والإيماني لهذه الفضائل التي تُنشئ القلوب وتهذب السلوك.

وقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف في هذا الباب، فذهب جمهورهم من المحدثين والفقهاء إلى جواز العمل به، ولكن بشروط معتبرة، كألا يكون شديد الضعف، وأن يندرج تحت أصل عام، وألا يُعتقد ثبوته على وجه الجزم. وهذا هو مذهب كثير من الأئمة؛ كالإمام أحمد، وابن المبارك، والنووي، وابن حجر، والسيوطي وغيرهم، وحكاه بعضهم اتفاقاً أو شبهه. 

وفي المقابل شدّد بعض المتأخرين في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فمنعوا العمل به مطلقًا، محتجين على ذلك بوجوب الاقتصار على الصحيح والحسن، وأن فيما ثبت غُنية عمّا لم يثبت، غير أن هذا الاتجاه بقي محدودًا، وخالف ما استقر عليه صنيع المتقدمين وأقوالهم، بل وعملهم التطبيقي في كتبهم ومصنفاتهم.

وتطرق هذا البحث إلى الشبهة القائلة بأن العمل لا يثبت إلا بما صح، وأن فتح باب الضعيف يفضي إلى البدع، وأن الضعيف قد يكون منكراً أو شاذاً، وأجاب على ذلك بأن هذا الإطلاق غير مُسلّم؛ إذ لم يقل أحد من المحققين بجواز العمل بكل ضعيف، بل قيدوه بقيود تمنع من التوسع المذموم. كما أن باب الفضائل مبناه على الترغيب لا التشريع، فلا يُثبت به حكم جديد، وإنما يُعمل به على جهة الاحتياط ورجاء الثواب، لا على جهة الجزم بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. 

ثم إن الشريعة نفسها قررت التسامح في هذا الباب، لأن الفضائل أوسع من الأحكام، ولأن الاقتصار على الصحيح فقط يُفوّت كثيرًا من أبواب الترقيق والتزكية، مع أن أصول تلك الأعمال ثابتة بنصوص صحيحة عامة. فبان بذلك أن القول الوسط هو الأقوم: الاحتجاج بالصحيح والحسن في الأحكام، والتسامح المنضبط في الضعيف في فضائل الأعمال، دون إفراط أو تفريط.

[ مقدمة ]

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى وأله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فقد طلب مني أحد الساتذة المتخصص في علوم الحديث بجامعة أعمل فيها الآن أن أحرر وجهة نظري حول قضية الاحتجاج بالحديث الضعيف، بحيث أبين فيها وأميز القول الراسخ من القول السخيف.

وكنت حينئذ بين الإقدام والإحجام، لعلمي بأن سالك هذا المسلك لا بد أن يقع في الأمور العظام. ولما رأيت الشيخ - حفظه الله تعالى - يكرر هذا الطلب والإلحاح، انشرح صدري لتلبية طلبه كل الانشراح، وخاصة أنني في هذا العصر أجد كثيراً من الناس يرددون التسوية بين الحديث الضعيف والموضوع، ويجعلونهما في صف واحد، بل بإطلاق يعدون الاحتجاج به بدعة ضلالة، وشيئاً غير مشروع.

وقد قال الشيخ عبد الله محفوظ باعلوي: نفس المعنى الذي حكيته آنفاً: «تطلع علينا الصحف والمجلات والكتيبات، تردد ما كتبه الأستاذ الألباني، وسجله في شريط كاسيت: أن العمل بالحديث الضعيف بدعة ولا يجوز العمل به، وقد رأيت له في كتاب حجة النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكلام -عندما تكلم عن ركعتي الإحرام، وهكذا عمَّم الحكم، حيث رآه كالحديث الموضوع سواء بسواء، ويكفي أنه جمع بينهما في كتابه الأحاديث الضعيفة والموضوعة ليقرر أنهما في صف واحد في حرمة العمل بهما، وخالف بذلك كلام العلماء -كل العلماء- ولا أستثني، والأمانة العلمية تقتضي أن يحكي كلام الأئمة وأهل الشأن، فإن كان هذا رأي له يعتقد فيه المخالفة أو الترجيح فليحكه، أما أن يوهم قراءه بأن هذا هو المقرر عند السلف والأئمة؛ فتلك حماقة علمية ودعوى تدخل في إطار الكبر؛ لأنها من غمط الحق واحتقار العلماء».اهـ

وهذا الموقف من الشيخ- لو صح نقله -لكان غلواً بالغاً وخطأ فاحشاً، بل فتنة كبرى تنتشر في هذا العصر، لكون علماء الحديث والأصول والفقه على مر العصور يخالفون هذه الفكرة الكاسدة، وقصارى ما في الأمر أن نقول: بأن فيه خلافًا بين العلماء، فليس من الأمانة العلمية التصدر لتصويب الرأي الشخصي، وعدم مراعاة قول الغير وحكايته.

ولقد أحسن الإمام ابن عبد البر المالكي -حينما قال: «أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديمًا في روايتها عن كلٍّ، ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم في أحاديث الأحكام».اهـ

وقال الإمام السيوطي الشافعي: «وما زال كلام أهل العلم والحديث في القديم والحديث يروون هذا الخبر وبه يُسَرُّون، وينشرونه بين الناس ولا يُسِرُّون، ويجعلونه في عداد الخصائص والمعجزات، ويدخلونه في حيز المناقب والمكرمات، ويرون أن ضعف اسناده في هذا المقام مغتفر، وأن إيراد ما ضعف في الفضائل والمناقب معتبر» اهـ.

وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: «فعلم منه أن المحدثين القدامى النقاد الأئمة؛ كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وتلك الطبقة التي في عصرهم كانوا يوردون الحديث الضعيف في كتبهم المؤلفة للعمل والاحتجاج، ولا يتحاشونها أو يرونها منكراً من القول ومهجوراً- كما يزعمه بعض الزاعمين اليوم».

وقال أيضاً: «فنبذ الضعيف غير المطروح وشديد الضعف خروجاً عن جادة أهل الحديث وهم الأسوة والقدوة رضي الله عنهم وجزاهم عن الدين والسنة خيراً، وحفظنا من أن نقع فيما يحذر منه -وهو الدخول تحت ما يصدق عليه أن يلعن أخر هذه الأمة أولها».

قلتُ: لأجل هذا وذلك، شرعت بعد الاستعانة بالله تعالى في تحرير وجهة نظري حول هذا الأمر؛ فقد جعلت هذا البحث القصير مكوناً من مبحثين: 

أولهما: فيه بيان تعريف الحديث الضعيف وأنواعه.

وثانيهما: فيه اختلاف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف وذكر وجهة نظرهم ومناقشتها.

هذا وأسال الله رب العرش العظيم، أن ينفع بهذا البحث قارئه الكريم، انه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

كتبها نهار الأربعاء ( 4102/04/42م) بسوكابومي: خادم طلبة العلم الشرعيأبو سابق سوفريانتو القدسي

المبحث الأول: تعريف الحديث الضعيف وأنواعه

المطلب الأول: تعريف الحديث الضعيف:

من الحسن قبل الغوص في تفاصيل قضية الاحتجاج بالحديث الضعيف أن نبين شيئاً مما يتعلق به من: تعريفه، وأنواعه على وجه الإيجاز والاختصار، فأقول:

إننا إذا طالعنا كتب مصطلح الحديث؛ وجدنا أن العلماء المحدثين قد اختلفوا في تعريف الحديث الضعيف اختلافًا- هو في الحقيقة ليس جوهريًا؛ لأن معظم هذه التعريفات مرجعها واحد.

فقد عرفه الإمام ابن الصلاح بأنه: «كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن».

ونحا نحوه الإمام العراقي حيث عرفه في التقييد بأنه: «كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن».

وفي مشيخة القزويني هو: «حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحسن».

وعند الإمام الذهبي هو: «ما نقص عن درجة الحسن قليلاً».

وعند الإمام ابن جماعة هو:» كل حديث لم تجتمع فيه شروط الصحيح ولا شروط الحسن».

وعند الإمام عبد الحق الدهلوي هو: «الذي فقد فيه الشرائط المعتبرة في الصحة والحسن كلاً أو بعضاً، ويُذَمُّ راويةً بشذوذ أو نكارةٍ أو علة».

وعند الإمام ابن الملقن هو: «كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا الحسن».

وعند الإمام برهان الدين البناسي، هو: «كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن». 

وعند الشيخ الطحان هو: «ما لم يجمع صفة الحسن، بفقد شرط من شروطه».

وعند الشيخ ابن العثيمين هو: «ما خلا عن رتبة الحديث الحسن».

قلت: وهذه العبارات كما قلتُ أنفاً على سبيل الإجمال مرجعها واحد -وإن تعددت عباراتها واختلفت، إلا أن أحسن ما يعرف به في وجهة نظري هو: «ما فقد شرطًا من شروط الحديث المقبول».

وقد ذكر العلماء أن شروط الحديث المقبول ستة هي: عدالة الرواة، والضبط- وهو السلامة من كثرة الخطأ والغفلة -ولو لم يكن تامًا، واتصال السند،والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة، ومجيء الحديث من وجه أخر العاضد عند الاحتياج إليه. 

المطلب الثاني: أنواع الحديث الضعيف:

اعلم أن أسباب ضعف الحديث تنقسم إلى أقسام كثيرة، وأهمها اثنتان هما: 

1-أسباب ترجع إلى السقط في السند.

2-وأسباب ترجع إلى الطعن في الراوي.

وأنواع الحديث الضعيف كثيرة، فقد أوصلها الإمام أبو حاتم ابن حبان البستي إلى تسعة وأربعين نوعاً. بينما بلغ بها الإمام العراقي إلى اثنين وأربعين، وبلغ بها غيرهما إلى ثلاثة وستين نوعًا، وزاد أخرون على هذا العدد.

أذكر منها بعضها على سبيل المثال وليس الحصر؛ لأن بسطها بالتفصيل ليس هدفنا الأساسي في هذا المؤلف الذي توخيت فيه غاية الإيجاز. 

فأقول: فمن الأحاديث الضعيفة هي:

الأول: المعلق وهو ما حذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر على التوالي.

والثاني: المرسل وهو ما سقط من أخر إسناده من بعد التابعي. 

وهذا هو المشهور عند المحدثين، وأما المرسل عند الفقهاء والأصوليين فأعم من ذلك، فعندهم أن كل منقطع مرسل على أيِّ وجه كان انقطاعه.

والثالث: المعضل وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي.

والرابع: المنقطع وهو ما لم يتصل إسناده، على أي وجه كان انقطاعه.

والخامس: المدلس وهو إخفاء عيب في الإسناد وتحسين لظاهره. 

وهو أنواع؛ منها: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية.

والسادس: المعنعن وهو قول الراوي: فلان عن فلان.

والسابع: المئنن وهو قول الراوي: حدثنا فلان أن فلانا قال.

والثامن: الموضوع وهو الكذب، المختلق، المصنوع، المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: وهو شر أنواع الحديث الضعيف.

والتاسع: المتروك وهو الحديث الذي في إسناده راو متهم بالكذب.

والعاشر: المنكر وهو الحديث الذي في إسناده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه.

والحادي عشر: الشاذ وهو ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه.

والثاني عشر: المعلل وهو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها.

والثالث عشر: المدرج وهو ما غير سياق إسناده، أو أدخل في متنه ما ليس منه- بلا فصل.

والرابع عشر: المقلوب وهو إبدال لفظ بأخر، في سند الحديث، أو متنه، بتقديم، أو تأخير، ونحوه.

والخامس عشر: المزيد في متصل الأسانيد وهو زيادة راو في أثناء سندٍ ظاهره الاتصال.

والسادس عشر: المضطرب وهو ما روي على أوجه متخالفة متساوية في القوة.

والسابع عشر: الُمصَحّف وهو تغيير الكلمة في الحديث إلى غير ما رواها الثقات، لفظا أو معنى.

والثامن عشر: الحديث الذي فيه راو مجهول.

والتاسع عشر: الحديث الذي فيه راو مبتدع.

قلت: هذه الأحاديث مع اشتهارها بالضعف؛ ليست على سواء في درجة الضعف، لأن بعضها أقوى من بعض.

فقد قال الدكتور الطحان: «ويتفاوت ضعفه بحسب شدة ضعف رواته وخفته، كما يتفاوت الصحيح. فمنه الضعيف، ومنه الضعيف جداً، ومنه الواهي، ومنه المنكر، وشر أنواعه الموضوع».

وعليه فإننا نستطيع أن نقسم هذه الأحاديث الضعيفة باعتبار القوة والضعف وضعفه على أقسام أخرى كما قد ذكرها بعض الأفاضل الأعلام.

فقد قال الشيخ العلامة محمود سعيد ممدوح: «والضعيف يمكن أن يقسم من حيث الاحتجاج به في الأحكام  إلى ثلاث مراتب تبعاً لعبارات الجرح والمخالفة، الأولى الضعيف أو المضعف أو اللين، الثانية متوسط الضعف الذي فيه سيء الحفظ أو المضطرب -وما في معناهما كمنكر الحديث، الثالثة التالف أو الواهي الذي فيه متهم بالكذب، والموضوع في معناه ويفارقه في أمور». 

وعليه أيضاً مشى الدكتور عبد العزيز العثيم- حيث قال: «وهذه الأنواع متفاوتة الضعف ويمكننا حصر ذلك التفاوت في ثلاثة أقسام: الأول: الموضوع وهو أشر أنواع الضعيف، وما قيل في إسناده كذاب أو وضاع. الثاني: أخف من سابقه قليلاً، لكنه شديد الضعف، وهو ما قيل فيه متهم أو مجمع على تركه أو ضعفه أو ذاهب الحديث أو هالك أو منكر أو ساقط أو ليس بشيء أو ضعيف جداً. الثالث: الضعيف الذي ينجبر بمثله، وهو ما كان في سنده سيئ الحفظ أو له أوهام أو يهم أو مدلس معنعن أو مختلط أو ما قيل فيه ضعيف فقط أو لم أر فيه توثيقاً ونحو ذلك».

من هنا عرفنا أن في هذا التقسيم فائدة كبرى وأن في أحكام الأحاديث الضعيفة فتنة عظمى.

فقال الدكتور عبد العزيز العثيم: «وفائدة هذا التقسيم هو معرفة ما ينجبر وما لا ينجبر فالقسم الأول والثاني لا ينجبران بالمتابعة، ولا ينتفعان بالشواهد إلا ما قيل في قرب ضعفه كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وأما الثالث فهو بعكس ذلك، وهو الذي وقع الخلاف فيه بالعمل به في حال تفرده، في فضائل الأعمال، كما ذهب إليه بعض الأئمة».

هذا، وقد كان الشيخ العلامة محمد عوامة له تقسيم آخر؛ حيث قسمها إلى أربعة أقسام؛ فقال - كما نقله الشيخ العلامة أبو غدة -: «ينبغي أن يجعل الحديث الضعيف في هذا الباب أربعة أقسام:

1-الضعيف المنجبر الضعف -بمتابعة أو شاهد وهو ما يقال في أحد رواته: لين الحديث أو فيه لين ... وهو الحديث الملقب بالمشبه أو المشبه بالحسن من وجه وبالضعيف من وجه أخر وهو إلى الحسن أقرب،

2-الضعيف المتوسط الضعف، وهو ما يقال في راويه: ضعيف الحديث أو مردود الحديث أو منكر الحديث ...

3- الضعيف الشديد الضعف وهو ما فيه متهم أو متروك

4-الموضوع».

وعليه فمن الخطأ الفاحش: القول بعدم الاحتجاج بالحديث الضعيف مطلقًا بدون تفصيل، فلذلك قال العلامة محمود سعيد ممدوح: «ويلاحظ هنا الآتي:

1-تقرر عند العلماء أن الصحيح والحسن بنوعيهما يحتج بهما في الأحكام ، وعليه فالمقبول أو الصالح.

2-أما الضعيف الذي في المرتبة الأولى؛ فيحتج به كثير من الأئمة في الأحكام . تصريحاً ومن منعه فقوله نظري فقط، ويدخل في باب المقبول، ويقال عنه: صالح -يعني للاحتجاج -فهما أعم من الصحيح والحسن.

3- أما في الترغيب والترهيب والمناقب وفضائل الأعمال؛ فالحتجاج بأحاديث المرتبة الثانية متجه والعمل عليه، فالمقبول أو الصالح هنا أعم منه في النوعين السابقين، فالضعيف الذي يقرر العلماء العمل به في الأحكام  هو الضعيف الذي في المرتبة الأولى وإن كان بعضهم ينزل للمرتبة الثانية -كما يظهر لمن له أدنى اطلاع على كتب السنن وأحاديث الأحكام». 

المبحث الثاني: اختلاف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف

اعلم أنني بعد إجراء التأمل في بعض المؤلفات التي ألفت في هذا الباب وجدت أن العلماء اختلفوا في قضية الاحتجاج بالحديث الضعيف على ثلاثة أقوال مشهورة.

فقد قال الإمام الحافظ السخاوي: «فيحصل أن في العمل بالحديث الضعيف ثلاثة مذاهب: لم يعمل به مطلقا، ويعمل به مطلقا إذا لم يكن في الباب غيره، ثالثها هو الذي عليه الجمهور يعمل به في الفضائل دون الأحكام كما تقدم بشروطه».

وتبعه على هذا التقسيم العلامة اللكنوي في أجوبته.

وكذلك العلامة جمال الدين القاسمي حيث قال: «أن المذاهب في الضعيف ثلاثة: الأول لم يعمل به مطلقاً؛ لا في الأحكام، ولا في الفضائل. حكاه ابن سيد الناس في عيون الأثر، عن يحيى بن معين، ونسبه في فتح المغيث لأبي بكر بن العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم كذلك أيضاً، يدل عليه شرط البخاري في صحيحه، وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئاً منه، وهذا مذهب ابن حزم رحمه الله أيضاً، حيث قال في الملل والنحل: «ما نقله أهل المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا  أن في الطريق رجلاً مجروحًا بكذب أو غفلة، أو مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الخذ بشيء منه». ا. هـ. 

الثاني: أنه يعمل به مطلقا قال السيوطي: «وعزى ذلك إلى أبي داود وأحمد؛ لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال». 

الثالث: يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عند الأئمة». وعليه أيضاً مشى بعض المؤلفين المعاصرين في هذا الباب كنحو الدكتور الخضير، فقد قال في كتابه الذي هو عبارة عن رسالة قدمت للحصول على درجة الماجستير، فقال: «اختلف العلماء في قبول الحديث الضعيف في الأحكام وفضائل الأعمال على ثلاثة أراء».

وهذه القوال الثلاثة المشهورة هي: الأول: أن الحديث الضعيف يعمل به مطلقًا، سواء في الأحكام أو الفضائل، والثاني: أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً، سواء في الأحكام أو الفضائل والثالث: أن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل.

والآن حان وقت إيراد هذه الأقوال بشيء من التفصيل مع ذكر أصحابها ووجهة نظرهم ومناقشتها.

القول الأول: أن الحديث الضعيف يعمل به مطلقاً

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول: الإمام أبو حنيفة والحنفية على سبيل العموم.

فقد قال الإمام العيني الحنفي: «وهو مرسل والمرسل حجة عندنا». 

وقال الإمام علي القاري الحنفي: «والمرسل حجة عندنا وعند الجمهور، وإذا اعتضد فعند الكل».

وقال الإمام ابن حزم الظاهري: «أن الحنفيين مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي».

وقال أيضاً: «وقال أبو حنيفة: الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من القياس، ولا يحل القياس مع وجوده».

وقال الشيخ السندي: «والمرسل حجة عندنا وعند الجمهور». 

قلت: وقد علم أن المرسل من عداد الأحاديث الضعيفة، ومقتضى هذه النقول أن الإمام أبا حنيفة احتج بالحديث الضعيف.

وقال الإمام ابن الهمام الحنفي: «والاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع».

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام مالك ابن أنس.

فقد قال الإمام ابن عبد البر المالكي: «وأصل مذهب مالك -رحمه الله - والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل كما يجب بالمسند سواء».

وقال الإمام ابن القيم: «وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس».

وقال الإمام الدارقطني: «ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل».

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فقد قال -رحمه الله تعالى: «وإرسال ابن المسيب عندنا حسن».

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل.

ففي المسودة: «ذكر القاضي كلام أحمد في الحديث الضعيف، والأخذ به ونقل الأثرم، قال: رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم -في إسناده شىء؛ يأخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجرى، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجىء خلافه». 

وقال الإمام ابن عبد الهادي الحنبلي: «ومن مذهب أحمد تقديم الحديث الضعيف على القياس».

وقال الإمام ابن مفلح الحنبلي: «والمشهور عند أهل العلم أن الحديث الضعيف لا يحتج به في الواجبات والمحرمات بتجرده، وهذا معروف في كلام أصحابنا، وأما إذا كان حسناً فإنه يحتج به».

وقال أيضاً: «وقال الخلال أيضاً في الجامع في حديث ابن عباس في كفارة وطء الحائض، قال كأنه يعني الإمام أحمد: أحب أن لا يترك الحديث- وإن كان مضطرباً؛ لأن مذهبه في الأحاديث إذا كانت مضطربة، ولم يكن لها مخالف قال بها. وقال القاضي أبو يعلى في التعليق في حديث مظاهر بن أسلم: في أن عدة الأمة قرءان، مجرد طعن أصحاب الحديث لا يقبل حتى يبينوا جهته مع أن أحمد يقبل الحديث الضعيف انتهىى كلامه».

وفي شرح الكوكب المنير: «وقال الخلال: مذهبه - يعني: الإمام أحمد - أن الحديث الضعيف إذا لم يكن له معارض قال به. وقال في كفارة وطء الحائض: بها مذهبه في الأحاديث، إن كانت مضطربة ولم يكن لها معارض قال بها. وقال أحمد في رواية عبد الله: طريقي لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه». 

وقال الحافظ السخاوي: «وكذا نقل ابن المنذر أن أحمد كان يحتج بعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، إذا لم يكن في الباب غيره. وفي رواية عنه- أنه قال لبنه: لو أردت أن أقتصر على ما صح عندي، لم أرو من هذا المسند إلا  الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني، تعرف طريقتي في الحديث، إني لا أخالف ما يضعف، إلا  إذا كان في الباب شيء يدفعه. 

وذكر ابن الجوزي في الموضوعات أنه كان يقدم الضعيف على القياس، بل حكى الطوفي عن التقي ابن تيمية أنه قال: اعتبرت مسند أحمد، فوجدته موافقًا لشرط أبي داود. انتهىى. 

ونحو ما حكي عن أحمد ما سيأتي في المرسل حكاية عن الماوردي، مما نسبه لقول الشافعي في الجديد: أن المرسل يحتج به إذا لم يوجد دلالة سواه. 

وزعم ابن حزم أن جميع الحنفية على أن مذهب إمامهم أيضاً: أن ضعيف الحديث أولى عندهم من بعض الرأي والقياس، على أن - كما حكاه المؤلف في أثناء من تقبل روايته وترد من النكت - حمل قول ابن منده على أنه أريد بالضعيف هنا الحديث الحسن، وهو بعيد».

وقال أيضاً: «لكنه احتج -رحمه الله- بالضعيف، حيث لم يكن في الباب أيضاً غيره، وتبعه أبو داود وقدماه على الرأي والقياس، ويقال عن أبي حنيفة ذلك، وأن الشافعي يحتج بالمرسل إذا لم يجد غيره كما سلف، كل ذلك في أواخر الحسن. وكذا إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به؛ ولهذا قال الشافعي - رحمه الله - في حديث: «لا وصية لوارث»: إنه لم يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية له».

وجاء في الأجوبة الفاضلة: «وعن أحمد أنه يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره، وفي رواية عنه: ضعيف الحديث عندنا أحب من رأي الرجال». 

وقال العلامة القاسمي: «الثاني: أنه يعمل به مطلقًا، قال السيوطي: «وعزى ذلك إلى أبي داود وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال».

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام أبو داود السجستاني.

فقد قال -رحمه الله تعالى -في رسالته إلى أهل مكة: «وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن المسند ضد المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحنج به وليس هو مثل المتصل في القوة».

وقال أيضاً: «ولم أصنف في كتاب السنن إلا  الأحكام».

وقال أيضًا: «وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتصل -وهو مرسل ومدلس- وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مقسم عن ابن عباس، وليس بمتصل».

وقال العلامة القاسمي: «الثاني: أنه يعمل به مطلقا قال السيوطي: «وعزى ذلك إلى أبي داود وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال». 

وحكي أن هذا هو اتجاه الإمام النسائي أيضًا.

فقد قال الإمام السيوطي: «حكى ابن منده أنه سمع محمد بن سعد يقول الباوردي: كان من مذهب النسائي أن يخرّج عن كل من لم يجتمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وهذا أيضاً رأي الإمام فإنه أحمد، قال: إن ضعيف الحديث أحب إليه من رأي الرجال؛ لأنه لا يعدل إلى القياس إلا  بعد عدم النص».

وممن نسب إلى هذا القول أيضاً الإمام الأوزاعي.

فقد قال الإمام الذهبي: «أن الأوزاعي حديثه ضعيف من كونه يحتج بالمقاطيع، وبمراسيل أهل الشام».

قلت: وبعد هذا العرض السريع، فلا مبالغة في كلام الإمام ابن القيم في هذا المقام حيث قال:

«وليس أحد من الأمة إلا وهو موافقه- على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحد إلا  وقد قدم الحديث الضعيف على القياس. فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس، وأكثر أهل الحديث يضعفه، وقدم حديث «أكثر الحيض عشرة أيام» وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس؛ فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساوٍ في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر، وقدم حديث «لا مهر أقل من عشرة دراهم» -وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه -على محض القياس، فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع، فما تراضيا عليه؛ جاز قليلاً كان أو كثيراً. وقدم الشافعي خبر: تحريم صيد وَجّ مع ضعفه على القياس، وقدم خبر: جواز الصلاة بمكة في وقت الأنهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقدم في أحد قوليه حديث: «من قاء أو رعف فليتوضأ، وليبن على صلاته» على القياس مع ضعف الخبر وإرساله. قال الإمام أحمد: ولو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا  الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه».

ومثله كلام ابن النجار الحنبلي، فإنه قال: «وهو» أي: المرسل «حجة كمراسيل الصحابة عند أحمد وأصحابه، والحنفية والمالكية والمعتزلة». وحكاه الرازي في «المحصول» عن الجمهور. واختاره الآمدي وغيره. 

وذكر محمد بن جرير الطبري أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل، ولم يأت عن أحد إنكارها إلى رأس المائتين. وكذا قال أبو الوليد الباجي: إنكار كونه حجة بدعة حدثت بعد المائتين. وذلك لقبولهم مراسيل الأئمة من غير نكير. وعن الإمام أحمد رضي الله عنه رواية ثانية: أن المرسل ليس بحجة. قال ابن عبد البر: هو قول أهل الحديث. 

قال ابن الصلاح: «هو المذهب الذي استقر عليه رأي أهل الحديث، ونُقّاد الثر»، كما قال الخطيب في «الكفاية». وحكاه مسلم عن أهل العلم بالأخبار. وهذا وإن قاله مسلم على لسان غيره، لكن أقره. واحتجوا بأن فيه جهلاً بعين الراوي وضعفه. 

وقال الشافعي وأتباعه: إن كان من كبار التابعين، ولم يرسل إلا عن ثقة، وأسنده غيره أو أرسله، وشيوخهما مختلفة أو عضده عمل صحابي، أو الأكثر أو قياس، أو انتشار، أو عمل العصر: قبل، وإلا  فلا. «ويشمل» اسم المرسل ما سموه «معضلاً» وما سموه «منقطعاً». وقد تقدم أن أهل الحديث سموا ما رواه تابع التابعي وما سقط بين راوييه أكثر من واحد معضلا».

(تنبيه): وقد اعترض بعض المعترضين- وقال: بأن ما ذكر عن أئمة المذاهب الأربعة هنا من جواز العمل بالحديث الضعيف إذا لم يعارضه غيره ليس هو مذهبهم، وإنما هو لازم مذهبهم فقط، بحجة أن لزم المذهب ليس مذهباً.

قلت: بل الصحيح أن هذا هو مذهبهم بعينه -كما ظهر ذلك من صنيعهم في كتبهم المؤلفة، وإضافة إلى ذلك أنه قد صرح به أتباعهم من محرري مذهبهم، كما أشار إليه الإمام ابن القيم وغيره قبل قليل، وشهرة هذه المسألة عند أئمة المذاهب الأربعة غنية عن نص صادر من أفواههم.

ثم إذا نظرنا إلى تعليل القائلين بهذا القول فيما سبق وجدنا أنهم عللوا هذا الاتجاه بأن الحديث الضعيف فيه احتمال للاصابة، فلما لم يكن في الباب غيره أخذ به، لأنه أقوى من مجرد رأي الرجال.

قلت: والملاحظ بعد استقراء كتبهم أننا علمنا أنهم في الحقيقة لا يحتجون بالضعيف مطلقاً، وإنما قيدوا ذلك بعدة أسباب منها: إذا لم يوجد في الباب غيره، ومنها إذا تلقته الأمة بالقبول وعملوا به، ومنها إذا كان في معرض الاحتياط.

قلت: وعليه فلا يتحقق هنا صحة القائلين بجواز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، بل الأئمة الذين نسب إليهم هذا القول بوجود القيود المتقدم ذكرها هم داخلون في عداد القائلين بجواز العمل بالحديث الضعيف بشروط، وهذا هو القول الثالث الذي نسب إلى الجمهور وادعي بعضهم الإجماع عليه كما سيأتي تفصيله.

فلذلك قال العلامة اللكنوي بدون عزو القول إلى صاحبه: «ومنهم من جوّزه مطلقًا- وهو توسع سخيف». والله تعالى أعلى وأعلم.

القول الثاني: أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً:

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام يحيى بن معين.

فقد قال الإمام ابن سيد الناس: «أن المعروف عن يحيى في هذه وغيرها المسألة التسوية بين المرويات من أحكام».

وقال الإمام القاسمي: «أن المذاهب في الضعيف ثلاثة: الأول لا يعمل به مطلقا؛ لا في الأحكام، ولا في الفضائل. حكاه ابن سيد الناس في عيون الأثر، عن يحيى بن معين».

قلت: فيه نظر، فقد ذكر الإمام السخاوي: أن ابن معين مذهبه كالجمهور.

فقد فقال الإمام السخاوي: (وسهلوا في غير موضوع رووا) حيث اقتصروا على سياق إسناده (من غير تبيين لضعف)، لكن فيما يكون في الترغيب والترهيب خاصة من المواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال، ونحو ذلك (ورأوا بيانه) وعدم التساهل في ذلك، ولو ساقوا إسناده (في) أحاديث (الحكم) الشرعي من الحلال والحرام وغيرهما. (و) كذا في العقائد كصفات الله تعالى، وما يجوز له، ويستحيل عليه، ونحو ذلك، ولذا كان ابن خزيمة وغيره من أهل الديانة إذا روى حديثاَ ضعيفا قال: حدثنا فلان مع البراءة من عهدته، وربما قال هو والبيهقي: إن صح الخبر. وهذا التساهل والتشديد منقول (عن ابن مهدي) عبد الرحمن (وغير واحد) من الأئمة؛ كحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المبارك، والسفيانين، بحيث عقد أبو أحمد بن عدي في مقدمة (كامله)، والخطيب في كفايته لذلك باباً».

وقد قال الإمام ابن عدي: «حدثنا علي بن أحمد بن سليمان، حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إدريس بن سنان يكتب من حديثه الرقاق». 

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمامان الجليلان أبو عبد الله البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري.

فقد قال العلامة القاسمي: «أن المذاهب في الضعيف ثلاثة: الأول لا يعمل به مطلقَا؛ لا في الأحكام، ولا في الفضائل. حكاه ابن سيد الناس في عيون الأثر، عن يحيى بن معين، ونسبه في فتح المغيث لأبي بكر بن العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً، يدل عليه شرط البخاري في صحيحه، وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئا منه».

وقال الإمام ابن رجب الحنبلي: «وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا  عمن تروى عنه الأحكام».

قلت: فيه نظر، فقد رد الشيخ أبو غدة على هذا الرأي؛ فقال: «جرى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتابه الأدب المفرد؛ فأورد فيه جملة كبيرة من الأحاديث والآثار الضعيفة، مستدلاً بها في الباب، وقد يكون الباب قاصراً عليها، وفي رواتها الضعيف والمجهول ومنكر الحديث والمتروك وأشباه ذلك ... بل قد مشى البخاري على هذا المسلك في كتابه الصحيح في بعض الأبواب كما أشار إليه الحافظ ابن حجر في هدي الساري في ترجمة محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال فيها: قال أبو زرعة: منكر الحديث، وأورد له ابن عدي عدة أحاديث. قلت: له في البخاري ثلاثة أحاديث ليس فيها شيء مما استنكره ابن عدي، ثالثها في الرقاق: كن في الدنيا كأنك غريب، وهذا تفرد به الطفاوي- وهو من غرائب الصحيح، وكأن البخاري لم يشدد فيه لكونه من أحاديث الترغيب والترهيب».

كما أجيب أيضاً بأن: الاستدلال على كون الإمام البخاري لا يرى الاحتجاج بالحديث الضعيف مطلقاً بصنيعه في صحيحه هو استدلال في غير موضعه؛ لأن جامع البخاري مجرد عن الضعيف ومقصور على الصحيح؛ فلا يعقل أن يروي الضعيف، فلا يسوغ أن يتخذ ذلك دليلاً على أن البخاري لا يرى التساهل في أسانيد أحاديث الفضائل ونحوها. ومثله جوابنا عما يتعلق بصنيع الإمام مسلم في صحيحه.

ومع ذلك فإن الذي أمعن النظر في مقدمة صحيح الإمام مسلم، سوف يرى أنه نفسه استدل بالحديث الضعيف، حيث قال: «وقد ذكر عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: أمرنا رسول الله -صلى الله علية وسلم- أن ننزل الناس منازلهم».

قلت: هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وفيه انقطاع بين ميمون بن أبي شبيب وعائشة رضي الله عنها، فقال الإمام أبو داود: «ميمون لم يدرك عائشة». وإن صححه الإمام النووي وسبقه إليه الإمام الحاكم. 

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام أبو زرعة وأبو حاتم وابن أبي حاتم.

فقد قال الإمام ابن أبي حاتم: «سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ولا تقوم الحجة إلا  بالأسانيد الصحاح المتصلة وكذا أقول أنا».

قلت: فيه نظر لأنه قد ذكر في موضع أخر أنه ذهب إلى الاحتجاج بالحديث الضعيف في الترغيب والترهيب، فقد قال الإمام ابن أبي حاتم: «ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو؛ فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآدابـ ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام».

قال الإمام ابن حبان: «أن المراسيل لا تقوم عند بابها الحجة وهي وما لم يرو سيان».

قلت: ليس فيه نص على رد الحديث الضعيف مطلقاً.

وممن حكي أنه ذهب إلى هذا القول الإمام يحي بن محمد بن يحيى.

فإنه قال: «لا يثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يرويه ثقة عن ثقة، حتى يتناهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة؛ وجب قبوله والعمل به وترك مخالفته». 

قلت: ليس فيه نص على عدم العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، وغاية هذا القول: أنها تفيد الحث على قبول الحديث الصحيح والعمل به وترك مخالفته.

وممن حكي أنه ذهب إلى عدم العمل بالحديث الضعيف مطلقاً الإمام ابن العربي المالكي.

فقد قال الإمام السيوطي: «وقيل لا يجوز العمل به مطلقا قاله أبو بكر بن العربي».

وقال الإمام السخاوي: «وضعف ابن العربي المالكي العمل بالضعيف مطلقاً».

وقال الإمام القاسمي: «أن المذاهب في الضعيف ثلاثة: الأول لا يعمل به مطلقا؛ لا في الأحكام، ولا في الفضائل. حكاه ابن سيد الناس في عيون الأثر، عن يحيى بن معين، ونسبه في فتح المغيث لأبي بكر بن العربي».

قلت: في نسبة القول بعدم العمل بالحديث الضعيف إلى ابن العربي لقوله نظر، لأنه خالف نفسه في حديث تشميت العاطس ثلاثاً، فقال الحافظ ابن حجر ناقلا لكلامه: «وقال بن العربي هذا الحديث وإن كان فيه مجهول؛ لكن يستحب العمل به؛ لأنه دعاء بخير، وصلة وتودد للجليس فالأولى العمل به».

وقال الإمام ابن العربي في عارضة الأحوذي: «إذا زاد على الثالثة روى أبو عيسى حديثا مجهولاً إن شئت شمته وإن شئت فلا، وهو وإن كان مجهول فإنه يستحب العمل به لأنه دعاء بخير وصلة للجليس وتودد له».

وممن نسب إليه أنه ذهب إلى هذا القول الإمام ابن حزم الظاهري.

فإنه قال: «والخامس شيء نقل كما ذكرنا -إما بنقل أهل المشرق والمغرب- أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة -حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً بكذب أو غفلة أو مجهول الحال؛ فهذا أيضاً يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه». 

قلت: فيه نظر؛ لأن ابن حزم ذكر في المحلى أنه أشعر بأنه احتج بالحديث الضعيف، حيث قال: «وهذا الأثر وإن لم يكن مما يحتج بمثله؛ فلم نجد فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيره، وقد قال أحمد بن حنبل - رحمه الله -: ضعيف الحديث أحب إلينا من الرأي، قال علي: وبهذا نقول».

وممن نسب إليه أنه ذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية.

فإنه قال: «لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة».

قلت: فيه نظر؛ فإنه لا يقول برد الحديث الضعيف بالكلية، بل ذكر في موضع أخر أنه جوز رواية الحديث الضعيف لأجل العمل به في الترغيب والترهيب، حيث قال: «فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا مثل صلاة في وقت معين بقراءة معينة أو على صفة معينة؛ لم يجز ذلك؛ لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو روي فيه من دخل السوق فقال: لا إلاه إلا الله كان له كذا وكذا فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين- كما جاء في الحديث المعروف: ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس. فأما تقدير الثواب المروي فيه؛ فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته، وفي مثله جاء الحديث الذي رواه الترمذي: من بلغه عن الله شيء فيه فضل، فعمل به رجاء ذلك الفضل، أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك. فالحاصل: أن هذا الباب يروى ويعمل به في الترغيب والترهيب لا في الاستحباب ثم اعتقاد موجبه -وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي». 

وممن نسب إليه أنه ذهب إلى هذا المذهب الإمام أبو شامة.

فإنه قال: «وكنت أود أن الحافظ لم يقل ذلك فإن فيه تقريرًا لما فيه من الأحاديث المنكرة فقدَّره كان من أن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث يرى أنه كذب، ولكنه جرى في ذلك على عادة جماعة من أهل الأحاديث يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال، وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول فالفقه خطأ، بل ينبغي أن يبين أمره إن علم وإلا دخل تحت الوعيد في قوله صلى الله عليه وسلم: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». قلت: ليس فيه نص على عدم العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، وغاية هذا القول أن صاحبه حثَّ على بيان وجه الضعف في رواية الحديث الضعيف.

تنبيه: ذكر الدكتور الخضير في كتابه ((الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به)) ص (413) أن الإمام جلال الدين الدواني ممن قال بعدم العمل بالحديث الضعيف مطلقاَ.

قلت: هذا خطأ فاحش، فإن الإمام الدواني على خلاف هذا القول، لأنه ممن قال بالعمل بالحديث الضعيف.

فقد قال - كما نقله العلامة اللكنوي -: «والذي يصلح للتعويل أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة؛ فإنه يجوز العمل به ويستحب، لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع؛ إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب فالحتياط العمل به رجاء الثواب».

وممن نسب إليه هذا القول الإمام الشوكاني.

فإنه قال: «وأما بقية السنن والمسانيد التي لم يلتزم مصنفوها الصحة؛ فما وقع التصريح بصحته أو حسنه منهم أو من غيرهم؛ جاز العمل به. وما وقع تكلم التصريح كذلك بضعفه؛ لم يجز العمل به، وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه ولا تكلم عليه غيرهم؛ لم يجز العمل به إلا بعد البحث عن حاله إن كان الباحث أهلاً».

لذلك قلت: فيه نظر؛ فإنه ذكر في موضع أخر أنه احتج بالحديث الضعيف في الفضائل، حيث قال: «والآيات والأحاديث المذكورة في الباب تدل على مشروعية الاستكثار من الصلاة ما بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفاَ؛ فهىي منتهضة بمجموعها لا سيما في فضائل الأعمال».

قال الشيخ العلامة أبو غدة: «وبهذا يظهر بطلان ما اختاره الشوكاني في تأليفاته من عدم قبول الضعيف مطلقا من غير تفصيل ومن غير تقييد وتبعه غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا في رسالته منهج الوصول في اصطلاحات أحاديث الرسول ورسالته دليل الطالب وغيرهما فبئس التابع والمتبوع». (ظفر الأماني: 33- 38).

وممن ذهب إلى هذا القول العلامة صديق حسن خان.

فإنه قال: «تساهل العلماء وتسامحوا حتى استحبوا العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً، وإلى هذا ذهب الجمهور وبه قال النووي، وإليه نحا السخاوي وغيره ولكن الصواب الذي لا محيص عنه أن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام؛ فلا ينبغي العمل بحديث حتى يصحح أو يحسن لذاته أو لغيره أو انجبر ضعفه؛ فترقى إلى درجة الحسن لذاته أو لغيره».

ومنهم الشيخ أحمد شاكر.

فإنه قال: «والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال؛ لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وممن قال بعدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً الشيخ الألباني.

فإنه قال: «الذي أدين الله به وأدعو الناس إليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا لا في الفضائل والمستحبات ولا في غيرهما». 

ومنهم الدكتور صبحي صالح.

فإنه قال: «لذلك لا نسلم برواية الضعيف في فضائل الأعمال -ولو توافرت له جميع الشروط التي لحظها المتساهلون في هذا المجال ... لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان، وهي كثيرة جداً في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية، ولأننا- رغم توافر هذه الشروط - لا نؤنس من أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف، ولولا ذلك لما سميناه ضعيفًا، وإنما يساورنا دوماً الشك في أمره، ولا ينفع في الدين إلا  اليقن». 

قلت: وقد علل أصحاب هذا القول رأيهم بأن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح، والله عز وجل قد ذم الظن في غير ما أية من كتابه، فقال تعالى ((ما يتبع أكثرهم إلا  ظناً، إن الظن لا يغني من الحق شيئا))، وقال تعالى ((إن يتبعون إلا الظن))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)). كما أن في الأحاديث الصحيحة ما يغني المسلم عن الضعيف.

كما عللوه: بأن إثبات الفضائل بالحديث الضعيف هو اختراع عبادة وشرع في الدين ما لم يأذن به الله.

وقد أجاب العلماء عن هذه التعليلات: بأن الحديث الضعيف -لو سلم أنه أفاد الظن المرجوح فإن فيه احتمال للصواب، ومقتضى الاحتياط العمل به، ومعلوم أن مبدأ الاحتياط معتمد على قواعد الشريعة، لا سيما إذا لم يكن في الباب غيره، وقد علمنا أن الأحكام الشرعية معظمها ثاتبة بالظنون.

وأن العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ليس من باب الاختراع في الشرع، وإنما هو ابتغاء فضيلة ورجاءها بأمارة ضعيفة- من غير ترتب مفسدة عليه.

ومن العجيب الذي رأيته هنا أن الدكتور الخضير رجح القول بعدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، حيث قال: «أن الحديث الضعيف لا يحتج به على الإطلاق؛ فلا يثبت به حكم شرعي ولا فضيلة خلقية ولا يفسر به كتاب الله».

ومع ذلك لم يلتزم بقوله هذا، بل يبدو أنه لا يرى رد الحديث الضعيف بالكلية، لأنه احتج به في موضع فقال: «ومن خلال ما تقدم يترجح الرأي الثاني، وهو عدم الأخذ بالحديث الضعيف مطلقاً لا في الأحكام ولا في غيرها ... وليس معنى هذا رد الحديث الضعيف بالكلية، بل يمكن أن يعمل به في غير مجال الاحتجاج، وذلك بترجيح معنى على غيره- فيما إذا عرض نص يحتمل لفظه معنيين دون ترجيح بينهما، وورود حديث ضعيف يرجح أحدهما؛ فحينئذ نأخذ بالمعنى الذي رجحه هذا الحديث ولو كان ضعيفاً».

قلت: وهذا فيه من التناقض الظاهر ما لا يخفى.

من هنا ظهر جلياً أن نسبة القول بعدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً إلى العلماء المتقدمين تكاد لا تتحقق، حيث إنها لا تخلو من النظر، وإنما الثابت هو تيقن هذه النسبة إلى بعض الفضلاء المعاصرين كمثال الشيخ صديق حسن خان ومن نحا نحوه ممن جاء بعده.

والله أعلم بالصواب.

القول الثالث: أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال

اعلم أن المراد بفضائل الأعمال هنا كما ذكره العلامة اللكنوي هي فضائل الأعمال الثابتة والمندوبات التي يثاب فاعلها ولا يذم تاركها، فإنه فيها أخذ الحديث الضعيف والعمل به؛ لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر؛ فقد أعطي حقه من العمل وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير.

وقال الشيخ أحمد رضا خان: «المراد بفضائل الأعمال الأعمال الحسنة، أدخل العلامة الحلبي حديث: وضع السترة حيال أحد حاجبيه، والشامي حديث: فإن لم يكن معه عصا فليخطط ... إلا أدخلا الحديثين في باب الفضائل، وهذا تأييد صريح لذلك المعنى الذي ذكرناه في هامش الإفادة الحادية والعشرين: وهو أن المراد بفضائل الأعمال: هو أعمال الفضائل أي الأعمال التي تعد مستحبًا ومستحسنًا، وليس المراد الثواب الخاص لتلك الأعمال».

ثم اعلم أن جمهور العلماء يرون العمل بالحديث الضعيف في الفضائل، بل بعضهم ذكر الاتفاق عليه.

فقد قال الإمام النووي: «وقد اتفق العلماء على أن الحديث المرسل والضعيف والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال ويعمل بمقتضاه».

وحكى الإمام ابن حجر الهيتمي الاتفاق عليه أيضاً فقال: «وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل به وإلا  لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير». 

وقال في موضع أخر: «والظاهر أن المأثور عنه - صلى الله عليه وسلم - لا فرق فيه بين أن يصح سنده أو لا؛ لأن الحديث الضعيف والمرسل والمنقطع، يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقاً كما في المجموع».

وقال في موضع أخر: «ولا يضر أن في بعض أحاديثها ضعفًا، لأن الحديث الضعيف والمرسل والمعضل يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقاً بل إجماعًا على ما فيه».

وقد صرح بوجود الإجماع عليه أيضاً الإمام علي القاري، فقال: «قال ميرك ناقلاً عن التصحيح: والعجب من محيي السنة كيف سكت عليه وهو ضعيف بإجماع أهل الحديث؟ قلتُ: ينافيه ما تقدم أنه رواه ابن خزيمة في صحيحه، مع أنهم أجمعوا على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال».

وقال أيضاً: «(وقال الترمذي: سمعت محمداً -يعني البخاري-): وهو تفسير من المصنف (يضعف)، أي: البخاري (هذا الحديث): ويقول: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من ابن أبي كثير، نقله ميرك، لكن يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال باتفاق العلماء».

وقال أيضاً: «قال العلماء: وينبغي لمن بلغه في فضائل الأعمال شيء: أن يعمل به ولو مرة وإن كان الحديث ضعيفاً؛ لأنه يعمل به في ذلك اتفاقاً».

وقال أيضاً: «ولا عبرة في المذهب المنصور على ما صرح به ابن الهمام برواية الأكثر، مع أن المرسل حجة عند الجمهور ومعتبر في فضائل الأعمال عند الكل». 

وممن حكى الإجماع عليه أيضاً الإمام خليل المالكي، فإنه قال: «لكن اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال».

قلت: حكاية الإجماع على جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل وإن كانت في نظري غير مسلمة؛ لوجود القول الخر المخالف له إلا  أنها تفيد - على أقل الأحوال - أن هذا الاتجاه هو اتجاه الجمهور، وهذا مما لا ينكره أحد، فلذلك عزى كثير من العلماء هذا القول إلى الجمهور.

وممن نسب إليه جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل الإمام سفيان الثوري.

فإنه قال: «لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا  من الرؤساء المشهورين بالعلم، الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ».

ومنهم الإمام ابن عيينة.

فإنه قال: «لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره».

ومنهم الإمام يحيى ابن معين.

فإنه قال في موسى بن عبيدة: «يكتب من حديثه الرقاق». 

ومنهم الإمام أبو زكريا العنبري.

فإنه قال: «الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً، ولم يحل حرامًا، ولم يوجب حكمًا، وكان في ترغيب أو ترهيب، أو تشديد أو ترخيص، وجب الإغماض عنه، والتساهل في رواته».

ومنهم الإمام أحمد بن حنبل.

فإنه قال: «إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد».

وقال الإمام ابن مفلح: «[فصلٌ: في العمل بالحديث الضعيف وروايته والتساهل في أحاديث الفضائل] دون ما تثبت به الأحكام والحلال والحرام، وكونها والحاجة إلى السنة، ولأجل الآثار المذكورة في الفصل قبل هذا ينبغي الإشارة إلى ذكر العمل بالحديث الضعيف، والذي قطع به غير واحد ممن صنف في علوم الحديث حكاية عن العلماء أنه يعمل بالحديث الضعيف فيما ليس فيه تحليل ولا تحريم كالفضائل، وعن الإمام أحمد ما يوافق هذا».

وقال الإمام ابن النجار الحنبلي: «ويعمل بـ» الحديث «الضعيف في الفضائل» عند الإمام أحمد رضي الله عنه والموفق والكثر. قال أحمد: إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام شددنا في الأسانيد. وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد. واستحب الإمام أحمد الاجتماع ليلة العيد في رواية. فدل على العمل به لو كان شعاراً. وفي «المغني» في صلاة التسبيح: «الفضائل لا يشترط لها صحة الخبر»، واستحبها جماعة ليلة العيد. فدل على التفرقة بين الشعار وغيره. قاله ابن مفلح في «أصوله».

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في معرض الدفاع عن مسند الإمام أحمد فيما عده الإمام ابن الجوزي من أحاديث المسند من الموضوعات، فقال الحافظ- وهو يشرع في الرد على ابن الجوزي وبعض أهل العلم: «نشرع الآن في الجواب عن الأحاديث التسعة التي أوردها واقتصر عليها، ونجيب عنها أولاً من طريق الإجمال: بأن الأحاديث التي ذكرها ليس فيها شيء من أحاديث الأحكام في الحلال والحرام، والتساهل في إبرادها مع ترك البيان بحالها شائع، وقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام ونحوها شددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلن».

وقال العلامة ابن بدران الحنبلي: «ذهب الإمام أحمد وتبعه موفق الدين المقدسي والأكثر إلى أنه يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل، وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية يعمل به في الترغيب والترهيب لا في إثبات مستحب وغيره، وروي المنع عن أحمد أيضاً وكان يكتب حديث الرجل الضعيف للاعتبار والاستدلال به مع غيره، وقال الخلال في الجامع: لا يحتج بحديث ضعيف في المأتم، وقال: مذهب أحمد القول بالحديث الضعيف أو المضطرب إذا لم يكن له معارض». 

ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي: «فقد رخص كثير من الأئمة في رواية ونحوها الأحاديث الرقاق (عن الضعفاء) منهم: ابن مهدي وأحمد بن حنبل».

وقال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته: «يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة -من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما. وذلك كالمواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد. وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك: عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما».

وقال الحافظ العراقي: «تقدم أنه لا يجوز ذكر الموضوع إلا مع البيان، في أي نوع كان، وأما غير الموضوع، فجوزوا التساهل في إسناده وروايته من غير بيان لضعفه، إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوهما، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما، أو في العقائد كصفات الله تعالى، وما يجوز ويستحيل عليه ونحو ذلك، فلم يروا التساهل في ذلك، وممن نصّ على ذلك من الأئمة، عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، وقد عقد ابن عدي في مقدمة الكامل والخطيب، في الكفاية بابا لذلك».

وقال الإمام الصنعاني: «وأما غير الموضوع» كالأحاديث الواهية «فجوزوا» أى أئمة الحديث «التساهل فيه وروايته من غير بيان لضعفه إذا كان» واردا «في غير الأحكام» وذلك كالفضائل والقصص والوعظ وسائر فنون الترغيب والترهيب. قلت: وكأنهم يعنون بالأحكام الحلال والحرام وإلا فالندب من الأحكام والترهيب وفضائل الأعمال ترد بما يفيده «والعقائد كصفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه ونحو ذلك، فلم يروا التساهل فيه». «وممن نص على ذلك من الحفاظ عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك وغيرهم» وكأنهم يقولون: الأصل براءة الذمة من أحكام الحلال والحرام؛ فلا تثبت إلا بدليل صحيح، فلا يتساهل في طرقه وكذلك صفات الله، فانه جناب رفيع لا يثبت إلا بدليل صحيح؛ لما فيه من الخطر بخلاف الترغيب والترهيب وفضائل العمل فالأمر فيها أخف». 

تنبيه: حيثما قلنا بأن مذهب الإمام أحمد هو التساهل في العمل بالحديث الضعيف في الفضائل فإن المراد بالضعيف: هو الضعيف المشهور عند اصطلاح المحدثين الذي ليس هو حسنَاً.

هذا، وقد زعم بعض العلماء وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أن مراد الضعيف عند الإمام أحمد هو الحسن المشهور في اصطلاح المحدثين.

فقال رحمه الله تعالى: «ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن؛ فقد غلط عليه، ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف. والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف: متروك لا يحتج به وإلى ضعيف حسن- كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك، وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح وحسن وضعيف - هو أبو عيسى الترمذي في جامعه». 

وقد علق الشيخ محمد الأثيوبي على إشكال كلام ابن تيمية هذا فقال: «في هذا القول نظر فإن الحسن يحتج به في الأحكام مطلقاً والعقائد وغيرها، وهنا خصوا الفضائل ونحوها، وأيضاً فإنهم اشترطوا هنا الشروط المتقدمة وليس في منها الحسن شيء ، فحمل كلامهم على الضعيف واضح، لكن الضعيف مراتب كما تقدم».

غير أن الإمام ابن القيم تبع شيخه على ذلك- حيث قال: «الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم- بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب».

وتبعه من المعاصرين الشيخ أحمد شاكر -حيث قال: «وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا فإنما يريدون به فيما أرجح - والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقراً واضحاً، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا  بالصحة أو الضعف فقط».

قلت: في الحقيقة ما هو الداعي إلى تفسير كلمة (ضعيف) بالحسن هنا ؟! وقد ظهر من كلام الامام أحمد أنه إنما يشير إلى مراده بالضعيف: الضعيف الذي لم تحقق فيه شروط القبول، فالرأي لا يعتد به عنده ما دام قد نقل في المسألة نص ولو ضعف، فإن الضعيف خير من الرأي. وإذا فسرنا (الضعيف) بالحسن فأي فائدة في هذا التنصيص من الإمام أحمد -على أن الحسن مقدم على الرأى؟! إذ أن هذا أمر ثابت مقرر، فالحسن حجة في كافة وجوه الاحتجاج.

فظهر هنا أن رأي الإمام ابن تيمية ومن وافقه خطأ واضح ودعوى مجردة منشأها زعم أن اصطلاح الحسن غير موجود قبل الإمام الترمذي. والحقيقة أن الأمر على العكس، فإن القدماء قبل الترمذي أيضاً أكثروا من إطلاق الحسن يضا على الحديث وعلى الراوي أيضاً.

بل الحسن في اصطلاحنا كان مدرجاً في نوع الصحيح عند المتقدمين. فقد قال الحافظ الذهبي: «فلا يلزم من سكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنًا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري، ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحةا». 

وقال الإمام ابن الصلاح: «ويوجد (أي الحسن) في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي تليه، كحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما». 

وقال الحافظ ابن حجر: «واعلم أن أكثر أهل الحديث (ومنهم المتقدمون) لا يفردون الحسن من الصحيح، فمن ذلك ما رويناه عن الحميدي شيخ البخاري».

وقال أيضاً: «وأما على بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة وبالحسن في ((مسنده)) وفي ((علله))، وظاهر عبارته قصد المعنى الاصطلاحي. وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبه وغير واحد».

وقد جاء في سنن الترمذي: «حدثنا قتيبة حدثنا شريك بن عبد الله النخعي عن أبي إسحق عن عطاء عن رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحق إلا من هذا الوجه، من حديث شريك بن عبد الله، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحق، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؛ فقال: هو حديث حسن».

وقال أيضًا: «وسألت محمداً (أي: البخاري) فقلت: أي الحديث عندك أصح في التوقيت في المسح على الخفين؟ قال: حديث صفوان بن عسال صحيح وحديث أبي بكرة حسن». 

بل ذكر الإمام ابن القيم نحو هذا فقال: «وفي كتاب العلل للترمذي: ثنا محمد بن يحيى ثنا معلى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن محمد الخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لعن المحلل والمحلل له» قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن».

وقال أيضاً: «وقال الإمام أحمد في مسنده: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، قال: فسأله رسول الله: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً، قال: فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت، قال: فراجعها». فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه».

قلت: وأمثلة ذلك كثيرة جدا، وكاد الشيخ العلامة محمد عوامة يستوعبها في بحث نقله العلامة أبو غدة في تعليقه على كتاب ((قواعد في علوم الحديث)) للعلامة التهانوي من صفحة 101 إلى 108.

وفي أخيره قال: «وعلى كل حال: فكلام الإمام أحمد يحمل على ظاهره، وأنه يريد الضعيف المتوسط وما فوقه مما هو إلى الحسن أقرب، والله اعلم. ثم إن تم هذا التفسير الذي قلته لكلام الإمام أحمد وصح؛ فاستنباط المؤلف -حفظه الله- من نص ابن تيمية: أن الحديث الذي ليس فيه فاحش الغلط أو المتهم بالكذب يقال عنه حديث حسن لا يصح ولا يتم له، ولو أن هذا التفسير لم يتم فإن هذا الاستنباط واضح التساهل إلى حد بعيد والله أعلم».

وممن ذهب إلى جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل الإمام ابن المبارك أيضاً كما هو المشهور من صنيعه في كتابه ((الزهد)).

فقد قال الحافظ السيوطي: «(ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد) الضعيفة (ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى) ، وما يجوز ويستحيل عليه، وتفسير كلامه، (والأحكام كالحلال والحرام، و) غيرهما، وذلك كالقصص وفضائل الأعمال والمواعظ، وغيرها (مما ل تعلق له بالعقائد والأحكام) . ومن نقل عنه ذلك: ابن حنبل، وابن مهدي، وابن المبارك، قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام ناهل سات ونحوها شددنا، وإذا روينا في الفضائل»..

وهذا مذهب الإمام عبد الرحمن بن مهدي أيضاً.

فإنه قال: «إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال، تساهلنا في الأسانيد والرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الرجال».

قلت: وهذا المذهب هو اتجاه معظم العلماء من أتباع المذاهب الأربعة. وأمثلة صنيعهم في ذلك كثيرة جدا ذكروها في كتبهم الفقهية، فمن أراد زيادة تحقيق؛ فليرجع إلى مظانها، فإن بسطها ليس غرضي الأساسي في هذا البحث القصير، وإنما أشرت إليها؛ لأن اللبيب تكفيه الإشارة.

يقول: فلذلك ليس من البعيد أن الإمام النووي ما نصه: «قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف، ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك؛ فلا يعمل فيها إلا  بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شئ من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب». 

فقد قال العلامة الطحطاوي الحنفي: «قال ابن أمير حاج: سئل شيخنا حافظ عصره شهاب الدين بن حجر العسقلاني عن الأحاديث التي ذكرت في مقدمة أبي الليث في أدعية الأعضاء؟ فأجاب بأنها ضعيفة، والعلماء يتساهلون في ذكر الحديث الضعيف والعمل به في الفضائل».

وقال الإمام ابن عابدين الحنفي: «(قوله: في فضائل الأعمال) أي: لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على الأعمال. قال ابن حجر في شرح الأربعين: لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر؛ فقد أعطي حقه من العمل وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير».

وقال العلامة علي القاري الحنفي: «ومن المقرر أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال».

وقال العلامة اللكنوي الحنفي: «ويجوز عند العلماء التساهل في الإسناد الضعيف دون الموضوع فإنه لا يجوز فيه التساهل». 

وقال العلامة التهانوي الحنفي: «ويجوز عند العلماء التساهل في أسانيد الضعيف من غير بيان ضعفه في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال، لا في صفات الله تعالى وأحكام الحلال والحرام».

وقال العلامة الخادمي الحنفي: «وقيل عن ابن الهمام - رحمه الله - يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا».

وقال الإمام ابن عبد البر المالكي: «أما حديث علي؛ فإنه يدور على دينار أبي عمرو عن ابن الحنفية- وليس دينار ممن يحتج به- وحديث عمرو بن شعيب ليس دون عمرو من يحتج به فيهم قال: وأحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به».

وقال الإمام ابن الحاج المالكي: «ويكره له أن يتخذها سنة دائمة لا بد من فعلها؛ لأن هذه الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال بالسند الضعيف قد قال العلماء فيها: إنه يجوز العمل بها ولكنها لا تفعل على الدوام؛ فإنه إذا عمل بها، ولو مرة واحدة في عمره، فإن يكن الحديث صحيحاً، فقد امتثل الأمر به، وإن يكن الحديث في سنده مطعن يقدح فيه؛ فلا يضره ما فعل؛ لأنه إنما فعل خيراً ولم يجعله شعيرة ظاهرة من شعائر الدين؛ كقيام رمضان وغيره، هذا الكلام على صفة الجمع في العمل بالحديث الصحيح، والحديث الذي أشكل علينا صحته».

وقال الإمام الحطاب المالكي: «وإن كان ضعيفاً؛ فقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال واغتناماً للثواب الوارد».

وقال الإمام خليل المالكي: «لكن اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال». 

وقال العلامة النفراوي المالكي: «وقال ابن ناجي: قيل يستحب الدعاء قول بين السجدتين بهذا الدعاء، والظاهر ندب فعله كما قدمنا عن شرح خليل للحديث؛ لما تقرر من جواز العمل بالأحاديث في فضائل الأعمال وإن فرض ضعفها».

وقال العلامة الصاوي المالكي: «قوله: [لا ينظر للصحة إلا في باب الأحكام]: أي التكليفية والوضعية، وأما فضائل الأعمال والآداب الحكمية؛ فلا تتوقف على ذلك، بل يتأنس لها بالحديث الضعيف وبالآثار المروية عن السلف».

وقال الحافظ السيوطي الشافعي: «أفتيت بأن المختار أن أم النبي صلى الله عليه وسلم موحِّدَة ... وبأن الحديث الوارد في أن الله أحياها له ليس بموضوع -كما ادعاه جماعة من الحفاظ، بل هو من قسم الضعيف الذي يتسامح بروايته في الفضائل، خصوصًا في مثل هذا الموطن».

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي:«اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف، ما لم تكن موضوعة». 

وقال الحافظ الخطيب البغدادي الشافعي: «وأما أخبار الصالحين وحكايات الزهاد والمتعبدين ومواعظ البلغاء وحكم الأدباء، فالأسانيد زينة لها، وليست شرطا في تأديتها». 

وقال الامام النووي الشافعي: «ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى، والأحكام كالحلال والحرام، ومما لا تعلق له بالعقائد والأحكام».

وقال أيضاً: «الرابع: أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال، والقصص، وأحاديث الزهد، ومكارم الخلاق، ونحو ذلك مما لا تعلق له بالحلال والحرام وسائر الأحكام، وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه. ورواية ما سوى الموضوع منه والعمل به، لأن أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع معروفة عند أهله».

وقال شيخ الإسلام زكريا النصاري الشافعي: «والذي قاله سائر الأصحاب يقول «غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الذى وعافاني»؛ للاتباع، رواه النسائي لكنه ضعيف إلا أنه مما يعمل به في فضائل الأعمال مع أن ذلك لائق بالحال».

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي: «يستحب لقاضي الحاجة» أي: لمريدها «بول» كانت «أو غائطا أن يلبس نعليه و» أن «يستر رأسه» للاتباع، روي مرسلاً- وهو كالضعيف والموقوف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقاً».

وقال الإمام الرملي الشافعي: «وأفاد الشارح أنه فات الرافعي والنووي أنه روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من طرق في تاريخ ابن حبان وغيره- وإن كانت ضعيفة -للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال». 

وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي: «فأما صلاة التسبيح، فإن أحمد قال: ما يعجبني. قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح. ونفض يده كالمنكِر... ولم يثبت أحمد الحديث المروي فيها، ولم يرها مستحبة، وإن فعلها فيها إنسان فلا بأس؛ فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث». 

وقال الإمام ابن مفلح الحنبلي: «وقال شيخنا (أي: ابن تيمية) العمل بالخبر الضعيف: بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، ومثله في الترغيب والترهيب بالإسرائليات، ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي، لا استحباب ولا غيره، لكن يجوز ذكره في الترغيب والترهيب فيما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإنه ينفع ولا يضر».

وقال العلامة الرحيباني الحنبلي: «(ولا تسن صلاة التسبيح قال) الإمام (أحمد): ما يعجبني؛ قيل لم؟ قال: (ليس فيها شيء يصح)، ونفض يده، كالمنكر، ولم يرها مستحبة. قال الموفق: (وإن فعلها) إنسان؛ (فلا بأس، لجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال)».

وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي:

«وقد أتى أوهى الأسانيد كما ... أصحها فيما مضى تقدما

وصفاً وبالضعيف لا بترك ... ولا لمدلول الصحيح قد نفى

يؤخذ في فضائل الأعمال ... لا الفرض والحرام والحلال»

قلت: هذا هو اتجاه الجمهور من أتباع المذاهب الأربعة في الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

إلا أن هناك شروطا في العمل به، أشهرها ما ذكرها الحافظ ابن حجر الذي نقله الحافظ السخاوي حيث قال: «أن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:

الأول -وهو متفق عليه- أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.

الثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصلٌ أصلاً.

الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله».

وزاد الحافظ ابن حجر العسقلاني في موضع شرطا أخر، هو:

أن لا يشهر ذلك؛ لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة.

قلت: في رأيي أنه لا وجه لهذا الشرط؛ فإنه قد اشترط أن يكون مضمون الحديث الضعيف مندرجا تحت أصل شرعي عام من أصول الشريعة الثابتة، فأصل الشريعة ثابت بالأصل الشرعي العام، وجاء هذا الخبر الضعيف موافقاً له، فلا عبرة بشرطية عدم الاشتهار هنا.

ولعل مراد الحافظ الاحتياط في العمل بالحديث الضعيف، ولأجل سد الذريعة إلى اعتقاد الجهال بثبوته نحو ثبوت السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة، وقد علم من الشرط الثالث: أنه لا يجوز اعتقاد ثبوت الحديث الضعيف عند العمل به؛ لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، فإذا كان الأمر كذلك، فلا بأس بزيادة هذا الشرط بهذا الاعتبار. والله أعلم.

وقد زاد بعضهم شروطا أخرى لا أريد أن أذكره هنا لاندراجه تحت الثلاثة التي ذكرت فيما سبق.

بقي هنا أمر أخر- وهو أن بعض العلماء قد قرر عدم وجود التعارض بين حكاية جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل وبين عدم ثبوت الأحكام الشرعية بالحديث الضعيف.. كما ذهب إليه العلماء الفضلاء كنحو الإمام ابن الهمام حيث قال: «والاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع».

ومثله الإمام اللكنوي، حيث رأى ثبوت استحباب الأعمال بالأحاديث الضعيفة مستنبطاً من تأمل كلام الإمام النووي وابن الهمام وغيرهما في هذا الباب.

فقال رحمه الله: «فإن عبارة النووي وابن الهمام وغيرهما منادية بأعلى النداء، بكون المراد بقبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال هو ثبوت الاستحباب ونحوه به، لا مجرد ثبوت فضيلة لعمل ثابت بدليل أخر، ويوافقه صنيع جمع من الفقهاء والمحدثين حيث يثبتون استحباب الأعمال التي لم تثبت بالأحاديث الضعيفة».

ثم قال ناقلا لكلام الإمام الدواني: «والذي يصلح للتعويل أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة؛ فإنه يجوز العمل به ويستحب لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع؛ إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب، فالاحتياط العمل به رجاء الثواب. وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب؛ فلا وجه لاستحباب العمل به، وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب؛ فمجال النظر فيه واسع، إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه، وفي الترك مظنة ترك المستحب، فلينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة والاستحباب ضعيفاً؛ فحينئذ يرجح الترك على العمل، فلا يستحب العمل به، وإن كان خطر الكراهة أضعف؛ بأن تكون يفضع الكراهة على تقدير وقوعها كراهة دون مرتبة ترك العمل على تقرير استحبابه فالاحتياط العمل به. 

وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام والظن أنه يستحب أيضاً لأن المباحات تصير بالنية عبادة، فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف. فجواز العمل واستحبابه مشروطان، أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة، وأما الاستحباب فبما ذكرناه مفصلاً. 

بقي ههنا شيء وهو: أنه إذا عدم احتمال الحرمة؛ فجواز العمل ليس لأجل الحديث؛ إذ لو لم يوجد الحديث: يجوز العمل أيضاً؛ لأن المفروض انتفاء الحرمة، لا يقال الحديث الضعيف ينفي احتمال الحرمة؛ لأننا نقول: الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة، وانتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة، والإباحة حكم شرعي؛ فلا يثبت بالحديث الضعيف. 

ولعل مراد النووي ما ذكرنا، وإنما ذكر جواز العمل توطئة للاستحباب، وحاصل الجواب: أن الجواز معلوم من خارج، والاستحباب أيضاً معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين، فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف، بل أوقع الحديث الضعيف شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به، واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع».

ثم استخلص رحمه الله تعالى قائلاً: «وخلاصة الكلام الرافع للأوهام: هو أن ثبوت الاستحباب أو الكراهة التي هي في قوة الاستحباب أو الجواز بالحديث الضعيف مع الشروط المتقدمة لا ينافي قولهم إنه لا يثبت الأحكام الشرعية فإن الحكم باستحباب شيء دل عليه الضعيف أو كراهته- احتياطي -والحكم بجوازه شيء دلَّ عليه تأكيد لما ثبت بدلائل أخرى؛ فلا يلزم منه ثبوت شيء من الأحكام في نفس الأمر، ومن حيث الاعتقاد، نعم؛ لو لم تلاحظ الشروط المتقدمة لزم الإشكال البتة». 

قلت: هذا الوجه موافق لما مثله الحافظ السيوطي حيث قال: «أن التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن، بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة، وأخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبدالسلام، وإنما استحبه ابن الصلاح وتبعه النووي نظرا إلى أن الحديث الضعيف يتسامح به في فضائل الأعمال».

على أن العلماء قد جوزوا العمل بالحديث الضعيف في الأحكام أيضاً - كما ظهر ذلك من صنيعهم في كتبهم - إذا انضم إليه عدة عوامل منها:

الأول: وجود الحديث الضعيف في ذلك الباب الخاص وحده ولا يوجد معارض له.

ففي هذه الحالة أخذ العلماء بذلك الحديث الضعيف، بل رأوه أفضل من القياس والرأي، وقد تقدم أن هذا هو مذهب الأئمة الربعة وغيره فيما سبق، حيث أخذوا بالمرسل في الأحكام؛ لأن الضعيف اليسير ليس مقطوعاً في عدم نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم.

قال الإمام الزركشي الشافعي: «الضعيف له أصل في السنة وهو غير مقطوع بكذبه».

وجاء في فتاوي الرملي: «وأما مسألة الصلاة؛ فقوله فيها: فقبل منه ذلك- أي: إسلامه بالشرط المذكور، وأخر وجوب بقية الصلوات الخمس عليه إلى وقت دخولها وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز، ولا يجوز أن يقال في الحديث الضعيف غير الموضوع إنه كذب؛ لأن تضعيفه إنما هو بحسب الظاهر، ويحتمل أن يكون صحيحاً في نفس الأمر».

وقال الإمام الزركشي: «الثالث ما ذكره من عدم العمل بالضعيف في الأحكام ينبغي أن يستثنى منه صور [أحدها]: ألا يوجد سواه وقد ذكر الماوردي أن الشافعي احتج بالمرسل إذا لم يوجد دلالة سواه وقياسه في غيره ومن الضعيف كذلك، وقد نقل عن الإمام أحمد: أنه يعمل بالضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره ولم يكن مما يعارضه، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا كان الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم -في إسناده شيء يأخذ به (إذا لم يجيء أثبت منه) مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجد خلافه، وقال القاضي أبو يعلى: قد أطلق أحمد القول في الخذ بالحديث الضعيف». 

وقال العلامة اللكنوي: «والذي يظهر بعد التأمل الصادق- هو قبول الضعيف- في ثبوت الاستحباب وجوازه، فإذا دل حديث ضعيف على استحباب شيء ما أو جوازه، ولم يدل دليل أخر صحيح عليه، وليس هناك ما يعارضه ويرجح عليه؛ قُبل ذلك الحديث، وجاز العمل بما أفاده والقول باستحباب ما دل عليه أو جوازه».

الثاني: العمل بالحديث الضعيف في معرض الاحتياط.

تقرر فيما سبق أنه جاز العمل بالحديث الضعيف -إذا كان من باب الاحتياط، لأنه فيه احتمال للصواب. إذ ليس هو بحكم الحديث المكذوب؛ فإن الحديث الضعيف هو حديث لم تستكمل فيه شروط الصحة. أى: أن فيه جانباً من الصحة، ومن بعض شروط ما يتوقف عليه قبول الحديث، لكنها غير كاملة، ولهذا نص العلماء على العمل به وخاصة في معرض الاحتياط.

فقد قال الإمام النووي: «قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا  بالحديث الصحيح أو الحسن، إلا  أن يكون في احتياط في شئ من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب».

وقال الحافظ السيوطي: «ويعمل بالضعيف أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط».

وقال الإمام الزركشي: «الثالثة أن يكون (الموضوع موضع) احتياط فيجوز الاحتجاج به ظاهراً، قال النووي في كتاب القضاء من الروضة، قال الصيمري: لو سأل سائل فقال إن قتلت عبدي هل علي قصاص فواسع: إن قتلته قتلناك؛ فعن النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل عبده قتلناه، ولأن [القتل] له معان».

الثالث: وجود إطباق عمل العلماء عليه.

ففي هذه الحالة أخذ الحديث الضعيف أيضاً. ولذلك تجد الأئمة الحفاظ أخذوا بالأحاديث الضعيفة المعمول بها وأثبتوها في كتبهم مع علمهم بضعهفا، وأما اتهام المعاصرين بأن أعمال المتقدمين في ذلك صادرة من غير تعمد؛ لعدم اطلاعهم على درجاته!! فهو شيء من المكابرة وعدم التفطن لواقع الأئمة.

فقد قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: «وكذا إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول والعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي - رحمه الله - في حديث: «لا وصية لوارث»: إنه لم يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به، حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية».

وقال الإمام ابن القيم: «فهذا الحديث وإن لم يثبت فإتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير انكار؛ كافِ في العمل به، وما أجرى الله سبحانه العادة قط بأن أمةً طبقت مشارق الرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولاً وأوفرها معارف تطيق على مخاطبة من لا يسمع منها ولا يعقل وتستحسن ذلك ولا تنكره، بل سنه الأول للآخر ويقتدي فيه الآخر بالأول.

وقال الشيخ محمد أنور شاه الكشميري: «وهذا الحديث ضعيف باتفاق، مع ثبوت حكمه بالإجماع، ولذا أخرجه المصنف في ترجمته، وإلا  فغنه لا يأتي بالأحاديث الضعاف مثله، ما لم يعبر عنه بالحديث، على ما عرفت من دأبه، فيما مر، وبحث فيه ابن القطان: أن الحديث الضعيف إذا انعقد عليه الإجماع هل ينقلب صحيحا َأم لا؟ والمشهور عند المحدثين أنه يبقى على حاله، والعمدة عنده في هذا الباب هو حال الإسناد فقط، فلا يحكمون بالصحة على حديث راو ضعيف، وذهب بعضهم: إلى أن الحديث إذا تأيد بالعمل؛ ارتقى من حال الضعف إلى مرتبة القبول. 

قلت: وهو الوجه عندي، وإن كبر على المشغوفين في الإسناد. فإني قد بلوت حالهم في تجازفهم، وتسامحهم، وتماكسهم بهذا الباب أيضاً. واعتبار الواقع عندي أولى من المشي على القواعد. وإنما القواعد للفصل فيما لم ينكشف أمره من الخارج على وجهه، فاتباع الواقع أولى، والتمسك به أحرى».

وقال الحافظ ابن حجر: «قال ابن المنير في الحاشية يؤخذ من هذا الحديث: أن الصحابة كانوا يؤولون الظاهر بالأقيسة من حيث الجملة، ونقض غيره هذا الحصر بالمني؛ فإنه إنما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة. قوله: ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح، كأنه يشير بذلك إلى ما رواه هو في التاريخ الكبير قال: قال لي مسدد عن عيسى بن يونس حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه، قال: من ذرعه القيء وهو صام فليس عليه القضاء، وإن استقاء فليقض، قال البخاري: لم يصح وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة وعبد الله ضعيف جداً. 

ورواه الدارمي من طريق عيسى بن يونس، ونقل عن عيسى أنه قال: زعم أهل البصرة أن هشاماً وهم فيه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء.

ورواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم من طريق عيسى بن يونس به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من رواية عيسى بن يونس عن هشام، وسألت محمدًا عنه؛ فقال: لا أراه محفوظا انتهىى.

وقد أخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق حفص بن غياث أيضاً عن هشام قال: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا يصح إسناده، ولكن العمل عليه عند أهل العلم».

وقال الحافظ السيوطي: «يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول- وإن لم يكن له إسناد صحيح. قال ابن عبد البر في الاستذكار: لما حكي عن صحح الترمذي أن البخاري حديث البحر: «هو الطهور ماؤه»، وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول. وقال في التمهيد: روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الدينار أربعة وعشرون قيراطا»، قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإسناد فيه.

وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم. وقال نحوه ابن فورك، وزاد بأن مثل ذلك بحديث: «في الرقة ربع العشر، وفي مائتي درهم خمسة دراهم». وقال أبو الحسن بن الحصار في تقريب المدارك على موطأ مالك: قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب -بموافقة أية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة».

وقال ابن القيم الحنبلي: «فصلٌ: ويدل على هذا أيضاً ما جرى عليه عمل الناس قديما وإلى الآن من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة، وكان وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل، ويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبرانى في معجمه من حديث أبى أمامة».

وقال الإمام ابن الهمام: «ومما يصحح الحديث أيضاً عمل العلماء على وفقه. وقال الترمذي عقيب روايته: حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم. وفي الدارقطني: قال القاسم وسالم: عمل به المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده».

وقال الإمام الترمذي: «حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن إسحق بن عبد الله عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القاتل لا يرث. قال أبو عيسى: هذا حديث لا يصح ولا يعرف إلا من هذا الوجه وإسحق بن عبد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل، والعمل على هذا عند أهل العلم: أن القاتل لا يرث، سواءً كان القتل عمداً أو خطأ، وقال بعضهم: إذا كان القتل خطأ فإنه يرث وهو قول مالك».

وقال الإمام ابن حجر: «من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا: أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يقبل حتى يجب العمل به. وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول. ومن أمثلته قول الشافعي - رضي الله عنه -: «وما قلت من أنه إذا غير طعم الماء وريحه ولونه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافاً».

وقال الإمام ابن عبد البر: «وهذا إسناد وإن لم يخرجه أصحاب الصحاح، فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، بل هو أصل عندهم في طهارة المياه الغالبة على النجاسات المستهلكة لها، وهذا يدلك على أنه حديث صحيح المعنى، يُتلقى بالقبول والعمل الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد».

وقال الإمام البيهقي: «أخبرنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر المشاط، قال: ثنا أبو عمرو بن مطر، ثنا إبراهيم بن علي الذهلي، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ وكيع، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية، قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه، ومن أبى ضربت عليهم الجزية- على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة. هذا مرسل وإجماع أكثر الأمة عليه يؤكده».

وقال أيضاً: «أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، يقول أنبأ الشافعي، أنبأ الثقة، أن الحسن كان يقول: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس فيتتام طلوعها. وهذا أيضاً مرسل، وشاهده عمل المسلمين بذلك أو بما يقرب منه مؤخرا عنه». 

وقال الحافظ الخطيب البغدادي: «وقد يستدل أيضاً على صحته بأن يكون خبراً عن أمرٍ اقتضاه نص القرأن أو السنة المتواترة، أو اجتمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته الكافة بالقبول، وعملت بموجبه الجلّة».

وقال الدكتور ماهر الفحل في كتابه ((أثر علل الحديث في الإختلاف بين الفقهاء)): «أما تلقي العلماء لحديث بالقبول فهو من الأمور التي تزول به العلة، وتخرج الحديث من حيز الرد الى العمل بمقتضاه».

الرابع: وجود شاهد أو حديث أخر من طريق أخرى تقويه:

ففي هذه الحالة جاز العمل بهذا الحديث أيضاً -وإن كان ضعيفاً.

قال الإمام الزركشي: «الثانية: إذا وجد له شاهد مقوٍّ مؤكد. ثم الشاهد إما من الكتاب أو السنة، والذي من الكتاب: إما بلفظه كحديث: ولا يغتب بعضكم بعضاً، فهذه الصيغة بعينها في القرأن وإما بمعناه كحديث: أنه نهى عن الغيبة والتجسس؛ فهو بمعنى الذي في القرأن. والحاصل: أنه يتبين أن للحديث أصل. والذي من السنة: إما بلفظه مثل أن يروى من وجهين صحيح وضعيف، نحو: كل معروف صدقة ونحوه، فيعلم بالصحيح أن للضعيف أصلاً في السنة، وإما بمعناه نحو: من صنع معروفا أثيب عليه؛ إذ لا يذهب المعروف عند الله هدراً، وهذا بمثابة ما إذا أخبرنا بخبر واحد وأحدهما غير موثوق به؛ فإنه إذا أخبرنا به الآخر الثقة؛ ظهر لنا أن الأول صادق وإن كنا لا نعتد [به».] وفائدة هذا: جواز العمل منهما بخبرين لا يستقل كل واحد منهما بالحجة، ويستقلان جميعًا باعتضاد كلٌّ بالأخر، وذكر النووي في شرح المهذب من كتاب الحج: أنه يعمل بالضعيف إذا روي من طرق مفرداتها ضعيفة؛ فإنه يقوي بعضها بعضاً، ويصير حسناً، ويحتج به- وقد سبق تحرير هذا في الكلام على الحديث الحسن».

والله أعلم.

[خاتمة البحث]

الخلاصة: أن القول الذي ينبغي التعويل عليه في هذا الباب هو جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل بشروط تقدم ذكرها، وهذا لا ينافي وجود ثبوت الاستحباب في الأحكام أيضاً بالحديث الضعيف إذا انضم إليه عدة عوامل سبق ذكرها.

وهو كما ذكره الشيخ الدكتور نور الدين الحلبي أوسط المذاهب وأعدلها وأقواها، وذلك أننا إذا تأملنا الشروط التي وضعها العلماء للعمل بالحديث الضعيف، فإننا نلاحظ أن الضعيف الذي نبحث فيه لم يحكم بكذبه، لكن لم يترجح فيه جانب الإصابة، إنما هو بقي محتملاً، وهذا الاحتمال قد تقوى بعدم وجود معارض له، وبانضوائه ضمن أصل شرعي معمول به، مما يجعل العمل به مستحباً ومقبول، رعاية لذلك.

وأما زعم المعارضين أن العمل بالضعيف في الفضائل اختراع عبادة وتشريع في الدين لما لم يأذن به الله تعالى فقد سبق جوابه- وهو: أن هذا الاستحباب معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين، والعمل بالحديث الضعيف من هذا القبيل، فليس ثمة إثبات شيء من الشرع بالحديث الضعيف.

أن الناظر في شروط العمل بالحديث الضعيف يجد فيها ما ينفي الزعم بأنه إثبات شرع جديد، وذلك أنهم اشترطوا: أن يكون مضمونه مندرجاً تحت أصل شرعي عام من أصول الشريعة الثابتة، فأصل الشريعة ثابت بالأصل الشرعي العام، وجاء هذا الخبر الضعيف موافقاً له. 

وبعبارة أخرى: أن الحديث الضعيف درجاته متفاوتة بعضها أقوى من بعض، فلا يقطع بأنه مكذوب مائة في المائة أصلاً، فبقي هنا احتمال للصواب، وجانب للصدق، وفيه شبهة الاستحباب، بل أوقع الحديث الضعيف شبهة الاستحباب؛ فصار الاحتياط أن يعمل به، واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع.

فقد قال الدكتور أكرم ضياء العمري: «أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبارر التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة؛ ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير؛ لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل فيها معاملة الأحاديث، بل تم التساهل، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستشكل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا، مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع .. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية، فهىي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة، أخذين بعين الاعتبار: أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة».

الخير الذي أريد أن أنبه هنا أننا لا بد لنا من أن نهتم أيضاً بقاعدة مهمة في هذا الصدد وهي: عدم جواز إنكار المجتهد لاجتهاد مجتهد أخر أو بعبارة أخرى: أن الاجتهاد لا ينقض بالجتهاد.

ومعلوم أن المجتهدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة لم يزل الخلاف بينهم في الفروع الفقهية معروفا مشهوراً، ولم ينكر أحد منهم على غيره، وهذا يعني أنه: لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر في المتفق عليه كما هو المعروف في كتب الأصول. وعدم الإنكار على فتوى المجتهدين ينتج عدم الإنكار على دليلها عندهم، وعدم البحث فيه بضرورة، لثقة الصدور بهؤلاء المجتهدين الفحول؛ لأنهم قد وفَّقوا بين المنقول والمعقول، والله تعالى أعلى وأعلم وهو خير مسؤول.

هذا أخر ما أردنا تحريره وتفصيله في هذ المقام، وفي هذا القدر كفاية لمن شفي من السقام

وقد فرغت من تأليف هذا البحث القصير

نهار الأربعاء (24/ 4/ 2014) بعد أن شرعت فيه نهار الإثنين (5/ 4/ 2014 م)

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.