أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 28 فبراير 2026

شرح سفينة الصلاة محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

شرح سفينة الصلاة

محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا شرح نفيس لمتن "سفينة الصلاة"، تأليف العلامة المحقق، والبحر المدقق، الفقيه السيد عبد الله بن عمر الحضرمي، رحمه الله تعالى«۱۲٠۹ -۱۲٦٥ هـ»، وقد شرحه عددٌ من العلماء الأفاضل، بشروح مبسوطة ومتوسطة ومختصرة، وبينوا ما فيه من المعاني والدقائق والفضائل والفواضل، ومن أجل هذه الشروح شرح الشيخ العلامة الدكتور محمد عبد الرحمن شمييلة الأهدل، والذي أجاد فيه وأفاد، ووفى بما أتى عليه بالمراد، فجمع بين طريقتي الدليل والتعليل، حتى صار شرحه يشفي الغليل، ويروي العليل.

وكان مما زاده الشارح -وفقه الله -على المتن المنثور، موضوعات شتى، زادت على العشرين، وهي: بيان منزلة الصلاة في الإسلام، وبيان من تجب عليه، وبيان ما يعفى عنه من النجاسات، وبيان آداب قضاء الحاجة، وبيان فضل الوضوء وأدلة مشروعيته، وبيان سنن الوضوء ومكروهاته، وبيان ما يستحب الوضوء لأجله، وبيان صفة الكمال في الاغتسال، وبيان الأغسال المسنونة، وبيان مسائل تتعلق باستقبال القبلة، وبيان المعذورين في ترك الاستقبال، وبيان دعاء القنوت، وبيان مكروهات الصلاة والأماكن التي تكره فيها، وبيان فضل سورة« الفاتحة»، وبيان تفسيرها، وبيان الخشوع في الصلاة وأهميته، وبيان الأذكار دبر الصلوات، وبيان السنن الرواتب المؤكدة وغير المؤكدة التابعة للفرائض، وبيان صلاة الوتر والضحى، وغير ذلك من الفوائد الجمة، والتنبيهات المهمة


ومن الموضوعات والمسائل التي زادها الشارح -حفظه الله-

أولاً: من آداب قاضي الحاجة:

۱ - يحرم عليه استقبال القبلة واستدبارها إن لم يكن بينه وبين القبلة ساتر إلا في الموضع المعد لقضاء الحاجة؛ لما صح أنه صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ، فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ.. فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا لِغَائِطِ وَلَا بَوْلٍ".

وورد: أن ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقيل له: أليس قد نهي عن هذا ؟! قال: «إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك.. فلا بأس».

٢ - يستحب الاستنجاء باليد اليسرى؛ فقد كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وقد قال: «وَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ.. فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ».

۳- يجب عليه الاستتار عند قضاء الحاجة؛ ففي« الصحيحين»: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذِّبَانِ، وَمَا يُعَذِّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا.. فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ.. فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».

٤- ومن الآداب: البعد عن الناس إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت، ولا يشم له ريح، «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب المذهب.. أبعد»؛ أي: أمعن في الذهاب، وكان أيضاً «إذا أراد البراز.. انطلق حتى لا يراه أحد».

٥- ومنها: أن يقول عند وصوله لمكان قضاء حاجته عند الباب: باسم الله، اللهم؛ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فقد روي مرفوعاً: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلَاءَ.. أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء.. قال: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»؛ يريد: ذكران الشياطين وإناثهم، وخص الخلاء به؛ لأن الشياطين تحضر الأخلية، لأنه يهجر فيها ذكر الله عز وجل؛ فقد ورد: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، وليقل عقب انصرافه: «غفرانك - ثلاثاً - الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني».

٦ - ومنها: ألا يتكلم قاضي الحاجة لغير ضرورة؛ ففي الحديث: «لَا يَخْرُج الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، وصح:«أن رجلاً سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فلم يرد عليه».

وإذا عطس في الخلاء.. فليحمد الله في نفسه.

۷- ومنها: ألا يتخلى في المواضع التي نهي عن قضاء الحاجة فيها؛ وهي: الطريقة المسلوكة للناس، والموضع الذي يستخلونه؛ ففي«صحيح مسلم» مرفوعاً: «اتَّقُوا اللَّعَانَيْنِ، قالوا: وما هما يا رسول الله ؟ قال: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، ومعناه: اتقوا الأمرين الجالبين للعن؛ وذلك أن من فعلهما.. لعن وشتم.

وكذلك يجتنب ندباً البول في الجحر؛ لما ورد:«أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر، قال قتادة: كان يقال: إنها مساكن الجن»، ولأنه قد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى، أو قوي فيؤذي.

فضل الوضوء

ورد في السنة المطهرة أحاديث كثيرة في فضل الوضوء؛ بأنه يكفر الله تعالى به الخطايا، ويرفع الدرجات، وأن الأمة المحمدية يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنه شطر الإيمان، وإليك بعض هذه الأحاديث:

۱ - عن عبد الله الصنابحي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ فَمَضْمَضَ.. خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ... خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ.. خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ.. خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ.. خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ.. خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةٌ».

۲ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم -قال: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرباط».

۳- وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:«إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ.. فَلْيَفْعَلْ»، ولمسلم: «غُرَّتَهُ أَوْ تَحْجِيلَهُ».

٤ - وفي« صحيح مسلم »: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ». -

دلیل مشروعيته:

۱ - أما من الكتاب.. فقوله سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين}.

۲-وأما من السنة.. فما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».

۳-وانعقد الإجماع على اشتراط الطهارة للمحدث عند إرادته الصلاة، فصار معلوماً من الدين بالضرورة.

سنن الوضوء

أولاً: التسمية أوله عند غسل الكفين؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ».

وورد في مشروعية التسمية في الوضوء أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال، لكن مجموعها يرتفع إلى درجة الاحتجاج به، حتى قال بعض أهل العلم بوجوبها؛ استدلالاً بصيغة الأمر بالتسمية.

ثانياً: السواك، فيستاك عرضاً في الأسنان، ظاهراً وباطناً، وطولاً في اللسان، وهو من السنن المؤكدة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ»؛ أي: أمر إيجاب… وفوائد السواك كثيرة مشهورة، وورد في الحديث: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».

ومن فوائده: أنه يبيض الأسنان، ويطيب النكهة، ويقوي الأسنان، ويشد اللثة، وإدامته تذهب جميع ما في الرأس من الأذى والبلغم، ويدر البول.

وأفضله الأراك؛ لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكاً من أراك»، ويحصل بكل خشن ولو بنحو خرقة أو أُشْنَان.

والسواك مستحب في جميع الأوقات، وهو في مواضع أشد استحباباً:

۱ - عند الوضوء، وقد سبق دليله.

۲ - عند إرادة الصلاة؛ لخبر«الصحيحين»: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي… لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»، وخبر: «رَكْعَتَانِ بِسِوَاكَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكِ» رواه الحميدي بإسناد جيد.

۳- عند قراءة القرآن، وقراءة العلوم الشرعية؛ كالتفسير والحديث والفقه، وما تعلق بها من آلاتها؛ كالنحو والصرف.

٤ - وعند الاستيقاظ من النوم؛ لخبر «الصحيحين»:«أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من النوم.. يشوص فاه بالسواك»؛ أي: يدلكه

٥ - وعند تغير الفم بنوم، أو أكل، أو سكوت طويل

-٦ ـ إذا دخل بيته.. استحب له الاستياك أيضاً؛ لما روته عائشة رضي الله عنها قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته... بدأ بالسواك».

۷- عند الاحتضار؛ ففي«البخاري» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب، فأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره، فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استناناً قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. رفع يده أو إصبعه ثم قال: « فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ثم قضى»

وإذا استاك المرء.. فالأولى أن يغسل سواكه بعد ذلك؛ تنظيفاً له وتطهيراً، للاتباع؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت:« كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه».

ويستحب لمن لا أسنان له أن يستاك بإصبعه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله؛ الرجل يذهب فوه أيستاك ؟ قال: « نَعَمْ »، قلت: كيف يصنع ؟ قال: «يُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فِي فَمِهِ».

ثالثاً: غسل الكفين إلى الكوعين ثلاثاً قبل المضمضة؛ لحديث عثمان رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه:«فغسل كفيه ثلاث مرات».

وللكفين أحوال:

الأولى: أن يتيقن نجاستهما، فيكره له غسل كفيه في الماء القليل قبل غسلهما كراهة تحريم؛ لأنه يفسد الماء.

الثانية: أن يشك في نجاستهما؛ كمن نام، فهذا يكره له أيضاً غسل كفيه في الإناء قبل غسلهما ثلاثاً؛ لخبر:«إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ.. فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَاً؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»

الثالثة: أن يتيقن طهارتهما، فهذا لا يكره له غمس كفيه في الإناء قبل غسلهما، وعلى هذه الحال تتنزل مسألة الاستحباب، وأما غسلهما ثلاثاً إن تردد في طهرهما قبل إدخالهما الإناء.. فهي سنة مستقلة غير سنة الوضوء.

رابعاً: المضمضة والاستنشاق ثلاثاً، يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق، ويبالغ فيهما غير الصائم، وأوجبهما بعض أهل العلم. والجمع بثلاث غرف يتمضمض من كلّ ثم يستنشق.. هو الثابت؛ ولذا قال ابن الصلاح والنووي:«لم يثبت في الفصل شيء».

ودليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة: ما أخرجه أبو داوود من طريق علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ثم تمضمض واستنشق، يمضمض ويستنشق من الكف الذي أخذ منه»، ولأبي داوود الطيالسي:«ثم تمضمض ثلاثاً مع الاستنشاق بماء واحد».

وتستحب المبالغة لغير الصائم؛ وهي في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات، وفي الاستنشاق: أن يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:«إِذَا تَوَضَّأْتَ.. فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِماً»، ولحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلَّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغُ فِي الْإِسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِماً».

كما يستحب الاستنثار ثلاثاً؛ وهو نثر الماء من الأنف بعد صعوده إلى أعاليه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَتَوَضَّأَ.. فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثاً؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ».

والسنة أن يكون الاستنشاق باليمنى والاستنثار باليسرى؛ لحديث علي رضي الله عنه: أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثاً ثم قال:«هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم».

خامساً: تثليث الغسل والمسح؛ لحديث علي رضي الله عنه: أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال:«هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ».

وأكثر الروايات الحديثية ليس فيها إلا مسح الرأس واحدة، واستحبها بعض الأصحاب، وبعض الروايات وردت مطلقة عن التقييد، حتى قال البيهقي الشافعي في حديث عثمان رضي الله عنه الذي يذكر تثليث مسح الرأس ما نصه: «روي من أوجه غريبة عن عثمان رضي الله عنه، وفيها مسح الرأس ثلاثاً، إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقاتK ,ليست بحجة عند أهل المعرفة وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها»>

وإذا شك هل غسل أو مسح ثلاثاً أو مرتين.. أخذ بالأقل.

سادساً: مسح جميع الرأس على الصفة المذكورة في الحديث الآتي:

عن عبد الله بن زيد رضي الله عنهما:«أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه»>

فإن عسر على المتوضئ رفع العمامة ونحوها.. كمل بالمسح عليها؛ للاتباع، فقد ثبت: «أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته»>

سابعاً: التيامن؛ أي: البدء بغسل اليمنى قبل غسل اليسرى من اليدين والرجلين؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله»، ولخبر: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ.. فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ»>

ثامناً: الموالاة؛ أي: تتابع غسل الأعضاء، والموالاة بين الغسلات الثلاث للعضو الواحد، والموالاة بين أجزاء العضو الواحد؛ بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني، مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان>

وأوجب الموالاة الإمام مالك والشافعي في مذهبه القديم، ومما يشعر بعدم وجوبها ما روي: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دعي إلى جنازة، فأتى المسجد، فمسح خفيه ثم صلى عليه، قال الإمام الشافعي: «وبينهما تفريق كثيv».

نعم؛ تجب الموالاة في الوضوء لدائم الحدث، كسلس البول والمستحاضة؛ تقليلاً للحدث، وهو شرط صحة>

تاسعاً: مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد؛ أي: غير الماء الذي أخذه لرأسه، والسنة في كيفية مسحهما: أن يدخل مسبحتيه في صماخيه، ويديرهما على المعاطف، ويمر إبهاميه على ظهورهما، ثم يلصق كفيه وهما مبلولتان بالأذنين استظهاراً.

وذلك لما روي عن عبد الله بن زيد رضي الله عنهما في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذه لرأسه»، فدل الحديث على أنه يؤخذ للأذنين ماء جديد غير الماء الذي مسح به رأسه، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور.

وروى ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وبأذنيه؛ باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه».

عاشراً: إطالة الغرة والتحجيل، وإطالة الغرة: بأن يغسل مع الوجه مقدم رأسه وأذنيه وصفحتي عنقه، وإطالة التحجيل: بأن يغسل مع اليدين بعض العضدين، ومع الرجلين بعض الساقين، وغايته: استيعاب العضدين والساقين.

وذلك لخبر الصحيحين: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ.. فَلْيَفْعَلْ»، ولمسلم: «أَنْتُمُ الْغُرُ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ.. فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ»، ومعنى«غرّاً محجلين»: بيض الوجوه والأيدي والأرجل كالفرس الأغر؛ وهو الذي في وجهه بياض، والمحجل؛ وهو الذي قوائمه بيض.

وهذه الصفة من جملة التشريفات التي اختص الله تعالى بها هذه الأمة المحمدية؛ كما يدل على ذلك حديث مسلم السابق، وعن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمر يده حتى يبلغ إبطيه فقلت: يا أبا هريرة؛ ما هذا الوضوء ؟! فقال: يا بني فروخ؛ أنتم ها هنا ؟! لو علمت أنكم ها هنا.. ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ».

الحادي عشر: دلك الأعضاء، فيندب ذلك كل عضو مغسول من أعضاء الوضوء؛ بأن يمر يده عليه بعد إفاضته الماء؛ لما رواه عبد الله بن زيد رضي الله عنهما:«أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بثلثي مد فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه»، وعنه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل يقول هكذا؛ يدلك.

وينبغي أن يبالغ المتوضئ في ذلك العقب خصوصاً في الشتاء؛ فقد ورد: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»؛ أي: لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها.

الثاني عشر: تخليل اللحية الكثة بأصابع يمناه من أسفل اللحية؛ لحديث عثمان رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته».

وعن أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ.. أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ».

والمحرم يخلل لحيته برفق؛ لئلا يتساقط منها شعر.

وتخليل أصابع اليدين والرجلين ثلاثاً، وتخليل أصابع اليدين يكون بالتشبيك بينها، وفي أصابع الرجلين الأولى أن يخلل من أسفل الرجل بخنصر يده اليسرى، مبتدئاً بخنصر الرجل اليمنى، ومختتماً بخنصر رجله اليسرى، وهذه الكيفية رجحها النووي في «الروضة».

فأما التخليل بالخنصر.. فلحديث المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل أصابع رجليه بخنصره».

والأمر بالتخليل جاء في حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه بلفظ: «أَسْبِعْ الْوُضُوءَ، وَخَلَّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغُ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِماً»، وروى ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ.. فَخَلَّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ».

وذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين.

وأما تعيين خنصر اليد اليسرى للتخليل.. فقال الغزالي في «البسيط»: «إن مستندهم - يعني: الأصحاب - في تعيين اليسرى: الاستنجاء».

وأما ندب تثليث التخليل.. فلحديث عثمان رضي الله عنه: أنه توضأ فخلل بين أصابع قدميه ثلاثاً ثلاثاً وقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت».

وإذا كانت الأصابع ملتفة، ولا يصل الماء إلى المواضع الملتفة إلا بالتخليل... وجب ذلك.

الثالث عشر: يسن ترك التنشيف إلا لعذر؛ وهو أخذ الماء بخرقة ونحوها؛ «لأنه صلى الله عليه وسلم بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة رضي الله عنها بمنديل فرده، وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه».

أما إذا كان هناك عذر؛ كبرد، أو خشي التصاق نجس به.. فلا يسن تركه، قال في «التحفة»: «بل يتأكد فعله»، قال الرملي: «بل يجب إذاخشي وقوع النجس عليه، ولا يجد ما يغسله به».

الرابع عشر: الاقتصاد في الماء ولو كان يغترف من نهر؛ لما رواه أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد».

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟!» فقال: أفي الوضوء سرف ؟! قال: «نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».

ويستحب أن يدعو عقب الوضوء بهذا الدعاء وهو مستقبل القبلة؛ لأنها أشرف الجهات، فيقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

وذلك لما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.. إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيْهَا شَاءَ».

زاد الترمذي والبزار والطبراني: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ».

وأما «سبحانك اللهم...» إلى آخره.. فرواه النسائي في «عمل اليوم والليلة»، والحاكم في«المستدرك» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.. كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وللوضوء سنن أخرى؛ منها:

۱ - استقبال القبلة عند الوضوء؛ لأنها أشرف الجهات.

٢ - أن يجعل المتوضئ إناء الماء عن يمينه إن كان يغترف منه، وعن يساره إن كان يصب منه على يديه كالإبريق؛ لأن الصب حينئذ أمكن له.

۳- واستحضار نية السنن؛ ليحصل له ثوابها 

٤- والبداءة بغسل أعلى الوجه، وبأطراف يديه ورجليه حتى وإن صب عليه غيره. 

٥-وأخذ الماء بكفيه معاً.

٦ - وألا يتكلم بلا حاجة.

۷- وألا يلطم وجهه بالماء.

۸- وأن يتوقى الرشاش.

۹ - وأن يتعهد مؤقه؛ وهو: طرف العين الذي يلي الأنف، ولحاظه؛ وهو: الطرف الآخر، ومحل ندب تعهدهما إذا لم يكن فيها رمص يمنع وصول الماء إلى محله، وإلا.. فتعهدهما واجب. 

و[الرمص - محركة -: وسخ أبيض يجتمع في المؤق.]

۱۰ - وأن يحرك خاتمه؛ ليتأكد من وصول الماء تحته.

مكروهات الوضوء

۱ - الإسراف في الصب، وقد تقدم دليله.

٢ - تقديم اليد أو الرجل اليسرى على اليمين منهما؛ لمخالفة الأمر النبوي: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ.. فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ»، ومخالفة السنة الفعلية؛ إذ لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه بدأ باليسرى.

۳- الزيادة على الثلاث؛ لما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، قال:«هَذَا الْوُضُوءُ، مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا.. فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ».

وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ».

قال البخاري: «كره أهل العلم في ماء الوضوء أن يتجاوز فعل النبي صلى الله عليه وسلم».

وقال الإمام أحمد:« لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى».

وقال إبراهيم النخعي: «التشدد في الوضوء من الشيطان، لو كان هذا فضلاً... لأوثر به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم».

مسائل متفرقة تتعلق بباب الوضوء

  • الأمور التي يجب لها الوضوء:

أولاً: الصلاة مطلقاً، فرضاً كانت أو نفلاً، صلاة جنازة أو غيرها، حتى سجدة التلاوة والشكر؛ لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ…} الآية، ولحديث: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ».

ثانياً: الطواف بالبيت، سواء كان طواف ركن أم طوافاً واجباً أم طواف تطوع؛ لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطَّوَافُ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ، فَمَنْ نَطَقَ فِيهِ.. فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ».

ثالثاً: خطبتا الجمعة؛ فإنه يشترط في الخطيب أن يكون طاهراً من الحدث، فلو أحدث في أثناء الخطبة.. استأنفها بعد التطهر وإن قصر الفصل؛ لأنها عبادة واجبة، فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة، وهذا بخلاف ما لو أحدث بين الخطبة والصلاة وتطهر عن قرب.. فإن ذلك لا يضر.

رابعاً: مس المصحف وحمله؛ لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ، في كِتَابِ مَكْنُونِ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، أي: المتطهرون، فهو على هذا التفسير: خبر بمعنى النهي؛ أي: لا يمسه إلا من كان طاهراً من الحدثين.

وقال بعض أهل العلم: إن الظاهر رجوع الضمير - وهو الهاء في «يمسه» ـ إلى «الكتاب المكنون» وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة، فهو كقوله تعالى: {فِي صُحُفِ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ... بِأَيْدِي سَفَرَةِ، كرامِ بَرَرَة}. قالوا:« لأن القرآن ليس مكنوناً، بل هو ظاهر للناس، أما اللوح المحفوظ.. فهو المكنون المستور عنهم.

لكن النهي عن مس المصحف إلا لمن كان طاهراً.. ثابت في السنة المطهرة، روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً وكان فيه: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». قال ابن عبد البر في هذا الحديث: «إنه أشبه بالمتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول».

ومما صح في ذلك عن الصحابة: ما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: «لعلك مسست ذكرك؟» قال: فقلت: نعم، قال:«قم فتوضأ»، فقمت فتوضأت، ثم رجعت.

وتحريم حمل المصحف لا يوجد ذكره في شيء من الروايات الحديثية؛ كما قال الحافظ العسقلاني، ولذلك: جاء تحريم حمله بطريق القياس الجلي على المس؛ إذ الحمل أبلغ من المس، فحيث ثبت تحريم المس.. كان الحكم بتحريم الحمل أولى.

أمور يستحب لها الوضوء

يستحب الوضوء لأمور كثيرة نص عليها العلماء، وإليك مواضع منها:

١- عند ذكر الله تعالى؛ كقراءة القرآن أو سماعه، أو قراءة الأحاديث النبوية أو سماعها، وكذلك لقراءة العلوم الشرعية، ونحو ذلك.

فعن أبي جهيم بن الحارث رضي الله عنه قال: «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى أقبل على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام». 

ولحديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه وقال: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ»، وهذا على سبيل الأفضلية، والأخذ بالأولى، وإلا.. فالثابت من فعله صلى الله عليه وسلم «أنه كان يذكر الله على كل أحيانه»، «وأنه لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة».

٢ - عند إرادة النوم، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ.. فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ: أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ؛ رَغْبَةٌ وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ؛ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ.. مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ.. أَصَبْتَ أَجْراً».

٣ - يستحب الوضوء للجنب إن أراد معاودة الجماع، أو الأكل أو الشرب أو النوم.

فأما استحبابه إذا أراد المعاودة.. فلما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ.. فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً»، وفي رواية: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ».

وأما استحبابه إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام.. فلما روته عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام... توضأ». 

وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما:«أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة».

وقاس الفقهاء على الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، فيستحب لهما الوضوء للأكل والشرب والنوم قبل الغسل، قالوا: والحكمة في ذلك: تخفيف الحدث غالباً، والتنظيف.

٤ - ويسن الوضوء من حمل الميت ومسه، والأصل في ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ غَسَّلَ مَيْتاً.. فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ.. فَلْيَتَوَضَّأُ»، وظاهر الحديث: أن الوضوء يسن بعد حمله، لكن قالوا: يسن أيضاً قبل الحمل؛ ليكون على طهارة، وأول بعضهم الحديث فقال: معنى «ومن حمله» أي: ومن أراد حمله.

٥ - ويندب الوضوء قبل الغسل من الجنابة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة.. يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة».

٦ - ويتأكد استحباب الوضوء من أكل لحم الجزور؛ خروجاً من خلاف من أوجبه، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ».

ولما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنهما: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال: «إِنْ شِئْتَ.. تَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ.. لَا تَتَوَضَّأْ»، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال: «نَعَمْ، تَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»، بل قال النووي: «وهذا المذهب- يعني: نقض الوضوء بأكل لحوم الإبل- أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه، وقد نصر هذا المذهب أصحاب الحديث مطلقاً».

وقال البيهقي: «حكى بعض أصحابنا عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل... قلت به». ثم قال البيهقي: «وقد صح فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة، وحديث البراء، قاله أحمد ابن حنبل وإسحاق ابن راهويه».

٦- ويستحب الوضوء عند الغضب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ غَضِبَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَتَوَضَّأْ». 

قال العلامة الكردي: وقفت على منظومة للعراقي فيما سن له الوضوء، وهي: «من الطويل»

وَيُنْدَبُ لِلْمَرْءِ الْوُضُوءُ فَخُذْ لَدَى … مَوَاضِعَ تَأْتِي وَهْيَ ذَاتُ تَعَدُّدِ 

قِرَاءَةُ قُرْآنٍ، سَمَاعُ رِوَايَةٍ … وَدَرْسُ لِعِلْمٍ، وَالدُّخُولُ لِمَسْجِدِ 

وَذِكْرٌ، وَسَعْيٌّ، مَعْ وُقُوفِ مُعَرِّفٍ… زِيَارَةُ خَيْرِ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدِ 

وَبَعْضُهُمْ عَدَّ الْقُبُورَ جَمِيعَهَا … وَخُطْبَةَ غَيْرِ الْجُمْعَةِ أَضْمُمْ لِمَا بُدِي

 وَنَوْمٌ، وَتَأْذِينُ، وَغُسْلُ جَنَابَةٍ …  إِقَامَةٌ أَيْضاً، وَالْعِبَادَةَ فَأَعْدُدِ 

وَإِنْ جُنُباً يَخْتَارُ أَكْلاً وَنَوْمَهُ … وَشُرْباً وَعَوْداً لِلْجِمَاعِ الْمُجَدَّدِ 

وَمِنْ بَعْدِ فَصْدٍ، أَوْ حِجَامَةِ حَاجِمٍ … وَقَيْءٍ، وَحَمْلِ الْمَيْتِ، وَاللَّمْسِ بِالْيَدِ

لَهُ أَوْ لِخُنْثَى، أَوْ لِمَسٍّ لِفَرْجِهِ  … وَمَسَ وَلَمْسٍ فِيهِ خُلْفٌ كَأَمْرَدِ 

وَأَكْلِ جَزُورٍ، غِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ … وَفُحْشٍ، وَقَذْفٍ، قَوْلِ زُورٍ مُجَرَّدِ 

وَقَهْقَهَةٍ تَأْتِي الْمُصَلِّي، وَقَصِّنَا … لِشَارِبِنَا، وَالْكَذِبِ، وَالْغَضَبِ الرَّدِي

مسائل مهمة في هذا الباب

۱ - وجود الحائل على الأعضاء؛ مثل: الشمع والأوساخ التي تتجمع تحت الأظافر، والدهن الجامد، وعين الحبر والحناء، لا يصح الوضوء معها إن كانت تحول دون البشرة؛ لأن المتوضئ مأمور بغسل العضو كاملاً، وفي هذه الحالة يكون غاسلاً بعضه فقط.

٢- لو دخلت شوكة في وجهه أو يده أو رجله؛ فإن ظهر بعضها وجب قلعها وغسل محلها، وإن استترت كلها.. صارت في حكم الباطن، فيصح وضوءه مع وجودها.

۳- يشترط في غسل الأعضاء جري الماء على العضو المغسول، فلا يكفي أن يمسه الماء بلا جريان؛ لأنه لا يسمى غسلاً، ومن ثم لم يجز الغسل بالثلج والبَرَدِ إلا إن ذابا وجريا على العضو، بخلاف مسح الرأس؛ فيجزئ بهما وإن لم يذوبا.

٤ - من حدثه دائم؛ كسلس البول والريح والمستحاضة ونحوهم.. اشترط في صحة وضوئهم دخول وقت الصلاة؛ لأنها طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت، ويتوضؤون لكل صلاة.

٥ - لو شك المتوضئ في عدد الغسلات.. بنى على اليقين؛ وهو الأقل.

٦- تجوز الاستعانة بالغير في الوضوء؛ بأن يصب عليه غيره إن دعت حاجة إلى ذلك؛ كمرض ونحوه، ولغير عذر خلاف الأولى، قالوا: لأن ذلك نوع من التنعم، وذلك لا يليق بالمتعبد، والأجر على قدر النصب.

۷- لو كان المرء محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر، فانغمس في نهر أو بركة ونحوها مستصحباً نية رفع الحدث.. ارتفع حدثه ولو لم يمكث تحت الماء.

۸- أدعية الأعضاء التي تقال عند غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق، وعند غسل أعضاء الوضوء.. لا أصل لها في كتب الحديث، ولم يذكرها الشافعي، قال النووي في «الأذكار»: لم يجئ فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

۹ - لو شك في غسل بعض أعضائه أثناء الطهارة.. لم يحسب له، فيغسله، ولا أثر للشك بعد الفراغ من الطهارة على الراجح.

الأدلة على نواقض الوضوء:

أما النقض بالبول والغائط.. فللآية الكريمة: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغائط}، وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط، والغائط في الأصل: المكان المطمئن من الأرض تقضي فيه الحاجة، فسمي الخارج باسمه للمجاورة.

وأما النقض بالريح.. فلحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال: فساء أو ضراط.

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا.. فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً»

وأما المذي.. فلحديث علي رضي الله عنه قال: كنت رجلاً مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ»، وفي رواية للبخاري: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ»، وفي رواية لمسلم: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ».

وعن عبد الله بن سعد رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بعد الماء، قال: «ذَلِكَ الْمَذْيُ، وَكُلُّ فَحْلٍ يَمْذِي، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ».

وأما الودي.. فلقول ابن عباس رضي الله عنهما:« أما المني.. فهو الذي منه الغسل، وأما المذي والودي.. فقال: «اغسل ذكرك - أو مذاكيرك - وتوضأ وضوءك للصلاة».

تنبيهان

المشهور من مذهب أحمد: أن لمس المرأة بشهوة ينقض الوضوء، فلا نقض إن لم يصحب اللمس شهوة، وهو مذهب مالك، وعند أبي حنيفة: لا نقض مطلقاً.

ويرى هؤلاء: أن الآية: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} المراد به: الجماع، بدليل أن المس أريد به الجماع، فكذلك اللمس، ولأنه ذكر بلفظ المفاعلة، والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين، واستدلوا بأحاديث تؤيد مذهبهم؛ منها:

ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد.. غمزني، فقبضت رجلي».

وعنها رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ».

وعنها رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من الفراش، فالتمسته، فوضعت يدي على باطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».

وعنها رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها وهو صائم، وقال: «إِنَّ الْقُبْلَةَ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ». لكن قال ابن حزم: «لا يصح في هذا الباب شيء، وإن صح.. فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من اللمس». وفي احتمال ابن حزم بعد.

علامات المني: 

يعرف المني بخواص يتميز بها عن البول والمذي والودي:

۱ - بتدفقه؛ وهو: خروجه دفعات وإن لم يلتذ به ولا كان له. ريح، قال تعالى: {خُلِقَ مِن مَّاءِ دَافِقٍ}؛ أي: خلق من المني المتدفق الذي ينصب بقوة وشدة، يتدفق من الرجل والمرأة، فيتكون منه الولد بإذن الله تعالى.

٢ - يعرف باللذة حال خروجه، مع فتور الذكر، وانكسار الشهوة عقب خروجه وإن لم يتدفق لقلته، حتى ولو خرج على لون الدم.

٣ - ويعرف المني أيضاً بكون رائحته كرائحة العجين؛ عجين الحنطة ونحوها، أو رائحة طلع النخل، هذا إن كان رطباً، ويعرف إذا كان جافاً بكون رائحته کرائحة بياض البيض وإن لم يتدفق أو يلتذ به؛ كأن خرج ما بقي منه بعد اغتساله.

وقد ذكر ابن رسلان علامات المني بقوله «من الرجز»:

وَيُعْرَفُ الْمَنِيُّ بِاللَّذَّةِ حِينَ …  خُرُوجِهِ، أَوْ رِيحٍ طَلْعِ أَوْ عَجِينْ 

فإن فقدت هذه الخواص الثلاث.. فلا غسل.

تنبيه

بقي من موجبات الغسل: موت المسلم غير الشهيد؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصته ناقته: «أَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».

أما الشهيد - وهو من مات في قتال الكفار بسببه -.. فلا يغسل، ولا يصلى عليه، بل يَحْرُمان؛ لأنه حي بنص القرآن، ولما روى البخاري عن جابر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم»، قال الشافعي: جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم. والحكمة في ذلك: بقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم؛ باستغنائهم عن دعاء القوم.

وإسلام الكافر ولو مرتداً أو مميزاً الشافعية إذا لم يجنب حال كفره... موجب للغسل عند أحمد، واستحبه الشافعية.

صفة الكمال في الاغتسال

لم يذكر المؤلف إلا الغسل الواجب الذي لا يصح النقص عنه، فالصفة المذكورة صفة الإجزاء لا صفة الكمال، وأما صفة الكمال.. فكما يأتي:

أولاً: أن يزيل الجنب القذر الذي على بدنه قبل الاغتسال، سواء كان هذا القذر طاهراً؛ كالمني، أو نجساً يزول بغسلة واحدة إذا قلنا بأنه يكفي لهما غسلة واحدة.

ثانياً: أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء.

ثالثاً: أن يتوضأ وضوءاً كاملاً قبله؛ كالوضوء للصلاة.

رابعاً: أن يتعهد مواضع الانعطاف والالتواء من بدنه؛ كالأذنين، وطبقات البطن، وداخل السرة؛ بأن يأخذ الماء بكفه ويجعله على هذه المواضع؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء، وأبعد عن الإسراف والشك.

خامساً: ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، ويخلل شعر رأسه ولحيته؛ فيدخل أصابعه فيشرب بها أصول الشعر.

سادساً: ثم يفيض الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر، ويعود ثانية كذلك، وثالثة.

سابعاً: يدلك ما وصلت إليه يده من بدنه، ثم يدعو عقبه بدعاء الوضوء المتقدم.

ولعائشة رضي الله عنها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان إذا اغتسل من الجنابة.. يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ.. حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده»، وفي رواية: «ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته.. أفاض عليه الماء ثلاث مرات».

مسائل منثورة تتعلق بالغسل

١ - إذا اغتسل في نهر أو بركة ماء ونحوهما.. انغمس ثلاثاً، ويدلك في كل مرة، وتحصل له السنة، وإن كان جارياً.. كفى في التثليث أن تمر عليه ثلاث جريات، لكن قد يفوته الدلك؛ لأنه لا يتمكن منه غالباً تحت الماء؛ إذ ربما يضيق نفسه.

۲ - يحرم على الشخص أن يغتسل مكشوف العورة بحضرة الناس، ويجب على الحاضرين الإنكار عليه، ويعزر بما يليق بحاله، وقد ورد في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال في أحد القبرين: «أَمَّا أَحَدُهُمَا.. فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»؛ كما في إحدى الروايات.

ويستحب أن يستتر في الخلوة أيضاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ». والله سبحانه وإن كان لا يحجب عنه شيء إلا أنه يحب أن يرى عبده في مقام الأدب والامتثال.

٣- لو أحدث المرء في أثناء غسله بعد فراغه من غسل أعضاء الوضوء … أتمه؛ إذ لا يمنع الحدث صحة الغسل، لكنه لا يصلي حتى يتوضأ.

٤- من اغتسل الجنابة وجمعة؛ بأن نواهما عند اغتساله.. حصلا؛ كما لو نوى الفرض وتحية المسجد.

٥ - لو أحدث ثم أجنب، أو أجنب ثم أحدث.. كفى الغسل وإن لم ينو الوضوء معه؛ لاندراج الوضوء في الغسل.

الأغسال المسنونة

أولاً: غسل الجمعة، وهو من السنن المؤكدة، حتى قال بوجوبه طائفة من السلف، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ. فَلْيَغْتَسِلْ»، وبحديث: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».

واحتج القائلون بسنيته بما يأتي:

۱ - بحديث: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.. فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ».

۲ - وحديث عثمان رضي الله عنه لما دخل المسجد وعمر رضي الله يخطب، فقال:«ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟!»، فقال عثمان رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين؛ ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم جئت»، فقال عمر رضي الله عنه: «والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالغسل؟!»، قال الإمام الشافعي: «فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل.. دل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار».

قال الحافظ العسقلاني: «من أقوى ما يستدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة: ما رواه مسلم عقب أحاديث الأمر بالغسل عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ.. غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».

وإنما يُسَنُّ غسل الجمعة لمن يريد حضورها؛ لما ورد: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ.. فَلْيَغْتَسِلْ»، وللبيهقي بسند صحيح: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.. فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا.. فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلُ». 

ويدخل وقت الغسل بطلوع الفجر؛ لأن الأحاديث علقت الغسل بيوم الجمعة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى... » الحديث.

ويستحب تقريب الغسل من الذهاب إلى الجمعة؛ لأن ذلك أبلغ في قطع الرائحة المؤذية التي قد تحدث عند الزحمة.

ثانياً: غسل العيدين: الفطر، والأضحى؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى».

وأحاديث غسل العيدين وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بضم بعضها إلى بعض، وبآثار عن بعض الصحابة جياد؛ فقد كان علي وابن عمر رضي الله عنهم يغتسلون للعيد، وعن عروة بن الزبير: أنه اغتسل للعيد وقال:«إنه السنة»، ولأنه أمر يجتمع له الناس، فيستحب أن يغتسل له؛ قياساً على الجمعة.

ثالثاً: غسل الكافر إذا أسلم؛ «لأمره صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم وثمامة بن أثال رضي الله عنهما أن يغتسلا لما أسلما»، ولم يحمل الأمر على الوجوب؛ لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأن الإسلام توبة من معصية، فلم يجب الغسل منه؛ كسائر المعاصي، لكن قالوا: محل الاستحباب إنما يكون في كافر لم يجنب حال كفره، وإلا.. وجب عليه الغسل؛ لأنه وإن اغتسل حال كفره.. فإن نيته غير معتبرة.

رابعاً: الغسل من غسل الميت، فيستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل؛ لما ورد من طريق أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا.. فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ.. فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال ابن حجر:« هذا الحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وللدارقطني بسند رواته موثقون: «مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا.. فَلْيَغْتَسِلْ»، ثم قال: وفي الجملة: هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً.

والأمر في الحديث مصروف عن الوجوب إلى الندب؛ لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غُسْلِ مَيْتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ؛ إِنَّ مَيْتَكُمْ يَمُوتُ طَاهِراً وَلَيْسَ بِنَجِسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نغسل الميت؛ فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل»، قال ابن حجر العسقلاني: وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث.

خامساً: وللاستسقاء، والكسوف والخسوف، فيسن الاغتسال لهذه المناسبات؛ لأجل قطع الروائح، ولأنه محل يشرع فيه الاجتماع فاستحب الاغتسال له؛ كالجمعة.

سادساً: ومن الأغسال المسنونة: اغتسال المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا ولم يتحقق منهما إنزال، أما المغمى عليه.. فلما روته عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمى عليه في مرض موته، فإذا أفاق اغتسل»، وقيس المجنون على المغمى عليه.

قال الزركشي:« قال بعضهم: إذا أراد الغسل للمسنونات.. نوى أسبابها إلا الغسل من الجنون؛ فإنه ينوي الجنابة، وكذا المغمى عليه، ذكره صاحب الفروع، انتهى.

سابعاً: الغسل عند إرادة الإحرام بنسك؛ لما رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة.. صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء.. أحرم بالحج».

ولا فرق في استحبابه لكل من الرجل والصبي والمرأة -وإن كانت حائضاً أو نفساء؛ لأن أسماء بنت عميس زوجة الصديق رضي الله عنهما نفست بذي الحليفة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل للإحرام.

ولأبي داوود والترمذي مرفوعاً: «إِنَّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ، وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَلَّا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ».

ثامناً: الاغتسال عند دخول مكة زادها الله تشريفاً؛ لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه كان لا يقدم مكة.. إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله».

ونص الشافعي في «الأم»: أن من لم يحرم.. يغتسل كذلك، واحتج «بأنه عليه الصلاة والسلام عام الفتح اغتسل لدخول مكة- وهو حلال يصيب الطيب».

ويُستثنى من ذلك: ما لو أحرم المكي بعمرة من قريب؛ كالتنعيم، واغتسل للإحرام.. فإنه لا يندب له الغسل لدخول مكة، قاله الماوردي.

تاسعاً: ويستحب الغسل لمن أراد الوقوف بعرفة، والأفضل الاغتسال بنمرة، وقبل الزوال إن أمكن؛ لما رواه مالك عن نافع: «أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة».

عاشراً: الاغتسال للرمي أيام التشريق؛ يغتسل لكل يوم، فتكون ثلاثة أغسال لمن لم يتعجل.

وهناك اغتسالات مسنونات أخرى مذكورات في المطولات.

الإبراد بالظهر

ويسن الإبراد بالظهر؛ أي: تأخير إقامة صلاة الظهر بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت، وهذه شروط استحباب الإبراد:

١- أن يكون الحر شديداً في قطر حار؛ كالحجاز، وتهامة اليمن؛ لما ورد: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ.. فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ - وفي رواية للبخاري: بِالظَّهْرِ- فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنَ فَيْحِ جَهَنَّمَ».

٢ - أن يصليها جماعة في المسجد، أما من يصلي منفرداً أو جماعة في بيت... فلا يستحب له الإبراد.

۳- أن يكون المسجد الذي يبرد فيه يأتيه الناس من بعد، أما إذا كان المسجد أو المكان الذي تقام فيه الصلاة يحضره جماعة لا يأتيه غيرهم.. فلا يندب الإبراد حينئذ.

ولا تلحق الجمعة بالظهر في استحباب الإبراد، وقد أشار ابن رسلان إلى شروط الإبراد بقوله «من الرجز»:

وسُنَّ الإبرادُ بفعل الظُّهر …. لشدَّة الحرِّ بقُطر الحرِّ

لطالبِ الجمعِ بمسجدٍ أتى … إليه من بُعدٍ خلاف الجمعة

مسائل تتعلق باستقبال القبلة

۱ - من أمكنه علم القبلة بالمعاينة؛ بأن كان بحضرة البيت.. حرم عليه الرجوع في معرفتها إلى الغير.

٢ - المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.. يجب اعتمادها، والعمل بجهتها فلا يجوز الاجتهاد في جهتها.

نعم؛ يجوز الاجتهاد في التيامن والتياسر، إلا محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، وكل مكان صلى فيه صلى الله عليه وسلم وضبط محرابه.

۳- من كان بصحراء أو غيرها، أو حال دون الكعبة غيم أو ظلمة مثلاً... وجب عليه أن يأخذ بقول ثقة مقبول الرواية، يخبر عن علم؛ فإن فقده وأمكن أن يجتهد اجتهد، ولا يجوز له أن يقلد مجتهداً مثله.

فعن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير أو سرية، فأصابنا غيم، فتحرينا واختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، فجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا، فلما أصبحنا.. نظرنا؛ فإذا نحن صلينا على غير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قَدْ أَجْزَأَتْ صَلَاتُكُمْ».

المعذورون في ترك الاستقبال

أولاً: المريض الذي لا يجد من يوجهه، والمربوط على خشبة ونحوها... يصلي حيث توجه ويعيد؛ لندرة عذره.

ثانياً: المجتهد المتحير الذي لم تتبين له القبلة، ولم يؤده اجتهاده إلى جهة... يصلي كيف كان؛ لحرمة الوقت، ويقضي وجوباً؛ لأن عذره نادر أيضاً.

ثالثاً: في صلاة شدة الخوف؛ كقتال الكفار، وقتال أهل العدل للبغاة، وما يجري مجراه؛ كهرب من حريق وسيل وسبع وحية.. لا يجب الاستقبال في هذه الحالات، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً.

والأصل في ذلك: قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}، فيصلي الخائف كيفما أمكنه، ولا إعادة عليه.

رابعاً: في نفل السفر المباح لا يشترط التوجه إلى القبلة، فإذا كان المرء مسافراً ولو سفراً قصيراً.. جاز له التنفل حيث توجه ماشياً أو راكباً بالتفصيل الآتي، وقيس على الراكب الماشي؛ «لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع.. استقبل بناقته القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه».

فإن كان راكباً، وأمكنه استقبال القبلة لتيسره عليه؛ كراكب السفينة مثلاً، وإتمام ركوعه وسجوده.. لزمه ذلك، وإن لم يمكنه ذلك.. كبر تكبيرة الإحرام مستقبل القبلة، ولا يجب عليه الاستقبال في غيرها؛ للحديث السابق، ويكفيه الإيماء بركوعه، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ولا يكلف وضع جبهته على سرج الدابة ونحوها.

ففي«صحيح البخاري»: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيث توجهت به؛ يومئ إيماء، إلا الفرائض»، وعند الترمذي وغيره: «وكان يركع ويسجد على راحلته إيماء برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع».

وأما الماشي.. فإنه يجب عليه أن يستقبل القبلة في أربعة أشياء: في الإحرام، والركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، ويمشي جهة مقصده في أربعة أشياء: في قيامه، واعتداله، وتشهده، وسلامه، وهذا التفصيل خاص بالتطوع كما أسلفنا.

أما الفريضة.. فلا بد من استقبال القبلة في جميع أركانها؛ «فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي الفريضة نزل فاستقبل القبلة».

وللمرء أن يصلي الفرض على الدابة وهي واقفة؛ بأن كان في هودج ونحوه إذا استقبل القبلة، وأتم ركوعه وسجوده.

ولا يجوز لمن يصلي فرضاً في سفينة ترك القيام إلا من عذر؛ كدوران رأسه ونحوه، فإن حولتها الريح فتحول صدره عن القبلة.. وجب رده إليها، ويبني إن عاد فوراً، وإلا.. بطلت صلاته، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في السفينة فقال: «صَلِّ فِيهَا قَائِماً إِلَّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ».

ويشترط في حق الراكب والماشي: الاحتراز عن الأفعال التي لا يحتاج إليها، فلو ركض الدابة لحاجة.. فلا بأس، فلو أجراها بلا عذر، أو كان ماشياً فقعد بلا عذر.. بطلت على الراجح.

تنبيهان

بقي من مبطلات الصلاة:

الكلام العمد ولو كان متعلقاً بمصلحة الصلاة؛ كما لو قال الإمامه إذا قام لركعة زائدة: «اقعد» أو «هذه خامسة» فتبطل به الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وقد شمت عاطساً في الصلاة: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي.. سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله؛ كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ؟! فقال: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلاً».

وقد قال زيد بن أرقم رضي الله عنه: «لما نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام».

فالكلام العمد مبطل مع العلم بالتحريم، وبأنه في الصلاة، فمن نطق بحرف مفهم؛ نحو: «ق» من الوقاية، و«ع» من الوعاية، أو حرفين وإن لم يفهمهما؛ كـ «من» و«عن».. بطلت صلاته.

والتنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ؛ إن ظهر بشيء من ذلك حرفان أو حرف مفهم.. بطلت به الصلاة.

إلا إذا غلبه السعال أو العطاس ونحوهما مما لا يمكن دفعه، وظهر به حرفان.. فلا تبطل؛ إذ لا تقصير.

ويعذر المصلي في التنحنح -ولو كثر- لتعذر ركن قولي عليه إلا به؛ كـ «الفاتحة»، بخلاف تعذر الجهر؛ فإنه لا يعذر في يسير التنحنح له؛ لأن الجهر سنة، فلا ضرورة تدعو إلى ارتكاب المنهي عنه لأجله.

نعم؛ لو جهل المصلي بطلان الصلاة بالتنحنح، مع علمه بتحريم الكلام... فإنه يعذر؛ لخفاء حكمه على العوام.

ويعذر المصلي في يسير الكلام عرفاً إن سبق لسانه إليه، أو نسي أنه في الصلاة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر، فسلم من ركعتين، ثم أتى خشبة بالمسجد واتكأ عليها كأنه غضبان، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقال لأصحابه: «أَحَقُّ مَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين».

وجه الدلالة: أنه تكلم معتقداً أنه ليس في الصلاة، وهم تكلموا مجوزين النسخ، ثم بنى هو وهم عليها ولم يستأنفوا الصلاة.

وكذلك يعذر في يسير الكلام إن جهل تحريمه؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ بعيداً عن العلماء.

أما الكلام الكثير لسبق لسان أو نسيان أو جهل.. فيبطل الصلاة؛ لأنه يقطع نظم الصلاة وهيئتها، وصحح السبكي تبعاً للمتولي: أن الكلام الكثير نسياناً لا يبطل؛ لقصة ذي اليدين رضي الله عنه.

ومما يؤيد رأي المتولي والسبكي: الحديث: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ»، وما رفع عنا.. فلا يؤثر في أفعالنا التعبدية.

مكروهات الصلاة

وتتميماً للفائدة أذكر مكروهات الصلاة التي ينبغي للمصلي تجنبها؛ ليثاب على ذلك، ويكمل أجره وتتم صلاته:

۱ - الالتفات في الصلاة بوجهه يمنة أو يسرة؛ لما ورد في الحديث: «إِنَّهُ اخْتِلَاسُ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ».

ولما رواه أبو داوود والنسائي مرفوعاً: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ.. انْصَرَفَ عَنْهُ». وجزم المتولي بحرمته لهذا الحديث؛ واختاره الأذرعي إن علم وتعمد، بل قال بالبطلان إن فعله تلاعباً.

فإن التفت لحاجة تدعو إليه.. فلا كراهة؛ فقد ورد: «أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فأرسل فارساً إلى شعب من أجل الحرس، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب».

وخرج بالالتفات: اللمح بالعين، فلا بأس به؛ فعن علي بن شيبان رضي الله عنهما قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ».

٢ - رفع البصر إلى السماء؛ لما ورد مرفوعاً: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ». وقال الأذرعي بحرمته على العالم العامد المستحضر للنهي.

۳- النظر إلى ما يلهي؛ كثوب له أعلام، فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ».

٤ - كف الثوب أو الشعر؛ لما ورد: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم، وَلَا أَكُفَّ ثَوْباً وَلَا شَعَراً».

ومنه: أن يصلي وشعره معقوص، أو مردود تحت عمامته، أو يصلي وثوبه أو كمه مشمر، والمعنى في النهي عن كف ذلك: أنه يسجد معه.

وقد ورد النهي عن العقص في الصلاة، وتمثيل العاقص في الصلاة بالمكتوف فيها، وهو يشير في الجملة إلى كراهة أن يصلي المرء مكتوفاً؛ فعن كريب مولى ابن عباس: أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله - وأقر له الآخر- فلما انصرف.. أقبل إلى ابن عباس؛ فقال: ما لك ورأسي ؟! فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ».

٥ - وضع يده على خاصرته؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصراً»، ولابن حبان مرفوعاً: «الاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ».

واختلفوا في علة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه فعل الكفار، وقيل: لأنه فعل المتكبرين، وقيل: لأنه فعل الشيطان، وذكر النووي: «أن إبليس هبط من الجنة مختصراً».

ويستثنى ما إذا وضع يده على خاصرته لعلة بجنبه.. فلا كراهة.

٦ - أن يبصق أو يتنخم قِبَلَ وجهه أو عن يمينه؛ لما ورد في «الصحيحين» عنه صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ.. فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ - زاد البخاري: فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا - وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».

والبزق قبل الوجه أشد كراهة؛ فقد ورد من طريق حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ.. جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ»، وهذا عام في النهي عن البصق تجاه القبلة في صلاة وغيرها.

وإنما أرشد إلى البصق عن يساره؛ لما رواه الطبراني: «فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ»، فالبصاق حينئذ إنما يقع على القرين.

ومحل الكراهة: إذا كان في غير مسجد، أما إن كان في المسجد.. فإنه حرام، يجب الإنكار على فاعله، بل يبصق في طرف ثوبه في جانبه الأيسر؛ ككمه، ويرد بعضه على بعض.

ومن حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي.. فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه، ورد بعضه على بعض وقال: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا»

۷- ويكره أن يضع يده على فمه بلا حاجة؛ لأن ذلك ينافي هيئة الخشوع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه».

_____________________________________

فائدة «ص 82»:

تمييز الناوي، وقد ذكر العلماء أربع علامات للتمييز في الإنسان متى ما وجدت

علامة.. فهو مميز وهي:

١- أن يفهم الخطاب ويرد الجواب.

۲- أن يفرق بين يمينه وشماله.

۳-أن يفرق بين التمرة والجمرة، وهو مستنبط من قصة سيدنا موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ مع فرعون.

٤- وهي الأقوى: أن يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده.

___________________________________________

فائدة «ص 82»:

القيود في المياه - والقيود اثنان وهي:

۱- قيد لازم فلا تصح الطهارة به وينقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:

أ - قيد بالإضافة: كقولهم ماء البطيخ أو ماء النارجيل.

ب ـ قيد بالصفة، كما في قوله تعالى: مِن مَّاءٍ دَافِق [الطارق: ٦].

ج - قيد بأل التي للعهد: كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قالت له أم سلمة: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ» يعني المني، أخرجه البخاري ومالك.

د- قید منفك: كماء النهر والبئر، فتصح الطهارة به.

___________________________________________

فائدة «ص 85»:

وتنقسم المياه إلى أربعة أقسام:

١- ماء متنجس.

٢- ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره غير مكروه، وهو الماء المطلق.

ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره مكروه، وهو الماء المشمس.

٤- ماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وهو الماء المستعمل.

___________________________________________

فائدة - من بغية المسترشدين - «ص 87»:

اختلف العلماء في نية الاغتراف ونظم ابن المقري القائلين بعدم وجوبها؛ فقال:

أوجب جمهور الثقاة الظراف … عند الوضوء نية الاغتراف

من بعد غسل الوجه من يُلغها …. فمـاؤه مستعملاً بلا خلاف

ووافق الشاشي ابن عبد السلام …. في تركها والبغوي ذو العفاف

وابن العجيل الحبر أفتى على … إهمالها والحبر فتواه كاف

واختاره الغزالي والمزجد وقال أبو مخرمة فلا يشدد العالم على العامي بل يفتيه بعدم وجوبها.

___________________________________________

فائدة «ص 93»:

أما المائع فإنه لا يطهر وإن كان واردا، إلا في بعض المسائل وذلك إذا خلط بجامد كدقيق وغيره، كما في فتاوى الحبيب العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى حيث قال في فتاويه - اعلم أن ما تنجس من الماء أو المائعات يصير حكمه حكم ما تنجس به من مغلظ أو غيره، فإذا تنجس بعين مفتتة فيه ثم لاقي جامدا دقيقا أو غيره، فإن كان له عين أو وصف.. اشترط في طهارة الدقيق زوالها، وإن لم يبق له ذلك بعد الملاقاة.. كفى في تطهيره جري الماء عليه بحيث ينقع فيه حتى يظن وصول الماء إلى جميع أجزائه. قال في النهاية ولو عجن اللبن وخالطه نجاسة جامدة كروث.. لم يطهر، وإن طبخ بعد ذلك، وإن خالطه غيرها كبول.. طهر ظاهره بالغسل، وكذا باطنه بالنقع في الماء ولو مطبوخا إن كان رخوا يصله الماء. اهـ ونحوه في التحفة» اهـ 

وقد يشكل على بعضهم قول الفقهاء: «إذا تنجس المائع تعذر تطهيره»، فإن هذا حكمه في ذاته من غير نظر إلى ملاقاته لغيره، كما أن قولهم «نجس العين لا يطهر قط حكم عليه في ذاته من غير نظر لذلك، أما إذا لاقى أحدهما شيئا طاهراً.. فيدار عليه حكم ملاقاة النجاسة الذي ذكروه.

___________________________________________

فائدة «ص 134 -136»:

ويشترط لتحريم القراءة على الجنب والحائض سبعة شروط وهي:

١- كونها أي القراءة باللفظ، ومثله إشارة الأخرس المفهمة؛ لأن إشارته معتد بها إلا في ثلاثة أبواب الصلاة فلا تبطل بها، ولذلك يقال: لنا شخص باع واشترى ونكح وطلق وهو في الصلاة ولم تبطل صلاته، وفي الحنث، فإذا حلف وهو ناطق أن لا يتكلم ثم خرس وأشار بالكلام لم يحنث، والشهادة، فإذا أشار بها لا تقبل، قال القائل:

إشارة الأخرس مثل نطقه … في ما عدا ثلاثة لصدقه

في الحنث والصلاة والشهادة … تلك ثلاثة بلا زيادة

وإشارة الناطق غير معتد بها إلا في ثلاثة أبواب: أمان الكافر، والإفتاء، كأن قيل له أتتوضأ بهذا الماء ؟ فأشار أن نعم أو لا، والإذن في دخول المنزل.

قال القائل:

إشــــــــارة النـــــــاطق تُعتبر … في الإذن والإفتاء أمانٍ ذَكَرُوا.

وخرج باللفظ ما إذا أجرى القراءة على قلبه، وكذلك الحكم بالنسبة للنظر في المصحف من غير تحريك لسان.

٢- كون القارئ مسمعاً بها نفسه، وخرج به ما إذا تلفظ ولم يسمع نفسه حيث اعتدل سمعه ولا مانع.

٣- كونه مسلماً، فخرج به الكافر، فلا يمنع من القراءة لعدم اعتقاده الحرمة وإن عوقب عليها.

٤- كونه مكلفاً، فخرج به الصبي والمجنون.

٥- كون ما أتى به قرآناً، فخرج به التوراة والإنجيل، ومنسوخ التلاوة ولو بقي حكمه كآية الرجم وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم.

٦- القصد للقراءة وحدها أو مع الذكر أو بنية القصد لواحد لا بعينه، فإن قرأ آية للاحتجاج بها حرم، وإن قصد الذكر فقط أو أطلق كأن جرى القرآن على لسانه من غير قصد لواحد منهما لا ذكر ولا قراءة.. لم يحرم؛ لأنه لا يسمى قرآناً عند الصارف وهو قصد الذكر وحده أو بلا قصد، وأما عند عدم الصارف... فیسمى قرآناً ولو بلا قصد.

والخلاصة: أنه يصح عند قصد الذكر فقط أو الإطلاق، ويحرم عند قصد القراءة أو عند قصد الاثنين معاً أو عند القصد لواحد لا بعينه.

٧-- أن تكون القراءة نفلاً، بخلاف ما إذا كانت واجبة سواء داخل الصلاة كفاقد الطهورين، أو خارج الصلاة كأن نذر أن يقرأ سورة يس مثلاً في وقت كذا فكان في ذلك الوقت جنباً فاقداً للطهورين، فإنه يقرؤها وجوباً للضرورة؛ ولكن لابد من كونها بقصد القرآن لا مطلقاً حتى تقع واجبة، وفي داخل الصلاة لا فرق بين أن يقصد القراءة أو يطلق مثلاً فتكون قرآناً عند الإطلاق لوجوبها في الصلاة؛ فلا يعتبر المانع وهو الجنابة وغيرها.

وقد أجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء والجنب.

___________________________________________

فائدة:

قال في الشرح «ص 137»:

وقوله في المتن في الأمور التي تحرم على الحائض والنفساء: «والاستمتاع فيما بين السُّرة والركبة»

قال الشارح -وفّقه الله-:  وقد عبر بعض الفقهاء بالمباشرة فقط كشيخ الإسلام زكرياء الأنصاري والشيخ ابن حجر في التحفة، ومنهم من عبر بالاستمتاع كالإمام النووي في الروضة والشيخ أحمد ابن أرسلان في زبده والشيخ ابن حجر في غير التحفة، فعلى قول من عبر بالاستمتاع يحرم النظر بشهوة، ولا يحرم اللمس بغير شهوة، فالذي يحرم باتفاق الوطء والمباشرة بشهوة، والذي يجوز باتفاق النظر بغير شهوة، والذي فيه الخلاف المباشرة بلا شهوة والنظر بشهوة.

واختار الإمام النووي مذهب الإمام أحمد في أن الذي يحرم الوطء فقط وهو مذهب الإمام الأوزاعي، والإمام مجاهد والإمام إسحاق بن راهويه، والإمام أبي ثور، والإمام محمد ابن الحسن، والإمام الشعبي، والإمام أبي إسحاق المروزي، والإمام النخعي، والإمام ابن المنذر، والإمام داود، والإمام أصبغ المالكي والإمام الماوردي، والإمام الروياني، وقال الإمام النووي: هو الأقوى من حيث الدليل، كما في التحقيق.

واستحسن الإمام النووي في المجموع قولاً آخراً وهو: أن المباشرة بشهوة فيما دون الفرج تجوز ممن غالب حاله التقوى، ولا تجوز من غيره.

والمباشرة والاستمتاع على قسمين:

١- ما بين السرة والركبة، فيحرم المباشرة فيه مطلقاً سواء كان بوطء أو بلمس إذا كان تحت الثياب بخلاف الاستمتاع بغيرهما، كنظر بشهوة فإنه لا يحرم، وأما المباشرة فوق الثياب فإن كانت بوطء.. فيحرم أيضاً، وإن كانت بغيره.. فلا.

٢- ما عدا ما بين السرة والركبة، فلا يحرم مطلقاً.

وقال العلامة محمد الشاطري في شرح الياقوت: ويحرم على الرجل مباشرة الحائض والنفساء فيما بين سرتها وركبتها عند إمامنا الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وقال الإمام أحمد ومحمد بن الحسن وبعض أكابر المالكية وبعض أصحاب الشافعي: يجوز الاستمتاع فيما دون الفرج اهـ.

وذكر الخطيب الشربيني في المغني عن الأسنوي أنه يحرم على المرأة أن تستمتع بالرجل بما بين السرة والركبة أيضاً فقال: «وسكتوا عن مباشرة المرأة للزوج، والقياس أن مسها للذكر ونحوه من الاستمتاعات المتعلقة بما بين السرة والركبة حكمه حكم تمتعاته بها في ذلك المحل» اهـ.

قال العلامة الشاطري في شرح الياقوت: والصواب، كما قاله بعض المتأخرين في نظم القياس أن نقول كل ما منعناه منه نمنعها أن تلمسه به، فيجوز أن يلمس ببدنه سائر بدنها، إلا ما بين سرّتها وركبتها، ويحرم عليها تمكينه من لمسه بما بينهما اهـ.

___________________________________________

فائدة «ص: 140»:

يحرم على الزوج أن يطلق زوجته وهي حائض إلا في سبع صور وهي:

١- إذا قال أنت طالق في آخر جزء من حيضك أو مع آخره أو عنده، ومثل ذلك ما لو تم لفظ الطلاق في آخر الحيض؛ لاستعقاب ذلك الطلاق الشروع في العدة.

٢- أن تكون المطلقة في ذلك الحيض غير مدخول بها؛ لعدم العدة، بخلاف المتوفى عنها زوجها قبل الدخول بها فتجب عليها العدة؛ لأن عدتها بالأشهر لا بالحيض.

٣- أن تكون حاملاً منه؛ لاستعقاب ذلك الطلاق الشروع في العدة؛ لأن عدتها بالحمل.

٤- أن يكون الطلاق بعوض منها؛ لأنه يدل على حاجتها للطلاق، بخلافه إن كان بغير عوض، أو بعوض من غيرها، فإنه يحرم؛ لأنه لا يدل على حاجتها للطلاق.

٥- أن يكون الطلاق في إيلاء بشرط كونه بمطالبتها الطلاق في حال الحيض بعد مطالبتها بالوطء من الزوج في حال الطهر فامتنع منه؛ لأن حاجتها إلى الطلاق شديدة.

٦- ما إذا طلقها الحكم في شقاق وقع بينها وبين زوجها، لحاجتها الشديدة إليه.

٧- ما لو قال السيد لأمته: إن طلقك زوجك فأنت حرة، فعلم الزوج ذلك التعليق وقت الحيض، وعلم عدم رجوع السيد فطلقها، أو سألت الأمة السيد ذلك أي سألته أن يعتقها لو طلقها زوجها فوافق، فلا يحرم طلاقها للخلاص من الرق، إذ دوامه أضر بها من طول العدة، وقد لا يسمح السيد بالعتق بعد ذلك أو يموت فيدوم أسرها.

___________________________________________

فائدتان «ص: 144»:

١- سئل الإمام ابن حجر، كما في فتاويه عن شخص يصلي الفجر كذا كذا سنة قبل الوقت، ولم يعلم بأن الوقت لم يدخل بعد، كم صلاة يلزمه قضائها ؟ فقال صلاة واحدة؛ لأن كل صلاة تكون قضاء للتي قبلها، وهكذا.

٢- يجب على الشخص إذا دخل وقت الصلاة إما فعلها أو العزم على فعلها في الوقت، وإلا عصى وإن فعلها في الوقت.

___________________________________________

فائدة «ص: 144»:

١- الظل أصله الستر، ومنه أنا في ظل فلان، وظل الليل سواده، وهو يشمل ما قبل الزوال وما بعده، والفيء مختص بما بعد الزوال.

ومعناه أي: الظل في الاصطلاح أمر وجودي يخلقه الله لنفع البدن وغيره.

- ظل الاستواء: هو ظل يسير يظهر للأشياء إذا صارت الشمس في كبد السماء، وقد لا يكون عند وقت الاستواء ظل في بعض البلدان كمكة وصنعاء في بعض أيام السنة.

___________________________________________

فائدة «ص 151»:

قال في "بغية المسترشدين": يندب تأخير الصلاة عن أول وقتها في سبع وعشرين صورة الصبي علم بلوغه أثناء الوقت بالسن، ولمن غلبه النوم مع سعة الوقت، ومن رجا زوال عذره قبل فوات الجمعة، ومن تيقن الجماعة، ولدائم الحدث رجاء الانقطاع، وللخروج من الأمكنة التي تكره فيها الصلاة، ولمن عنده ضيف حتى يطعمه ويؤويه، ومن تعينت عليه شهادة حتى يؤديها، وعند الغضب والغيظ حتى يزول، ومن يؤنس مريضاً يستوحش بفراقه، وخائف على معصوم، ومشتغل بذبح بهيمة مشرفة على الهلاك أو إطعامها، أو قتل نحو حية، ولشدة الحر، وللرمي ظهراً، والمغرب بمزدلفة، ومدافعة الحدث، ولتوقان الطعام، وتيقن الماء آخره، أو السترة أو القدرة على القيام، وللغيم إلى اليقين، واشتغاله بنحو غريق أو صائل على نفس أو مال وتجهيز ميت اهـ كردي وش ق.

وقوله: ومن تيقن الجماعة قال في الفتح وإن فحش التأخير ما لم يضق الوقت، والمراد بالتيقن الوثوق بحصولها بحيث لا يختلف عادة، ففي ظنها لا يندب التأخير إلا إذا لم يفحش عرفاً اهـ. وقال في الإمداد ويحتمل أن يضبط الفحش بنصف الوقت» اهـ.

قال في بشرى الكريم بعد ذكر سنة الإبراد: «ومنه أنه يسن التأخير أيضاً لمن تيقن وجود الماء، أو السترة آخر الوقت، لزيادة فضل الصلاة معها، ولمن تيقن الجماعة آخره بحيث يبقى منه ما يسعها لذلك، وكذا لو ظنها ولم يفحش التأخير عرفاً، ويحتمل ضبطه بنصف الوقت، وخرج بالظن الشك فلا يندب له التأخير مطلقاً» اهـ.

___________________________________________

فائدة «ص 159»:

إذا شرع المصلي في الصلاة قبل صعود الخطيب المنبر ثم صعد وهو يصلي.. وجب عليه تخفيف الصلاة ليستمع إلى الخطبة، قال في القلائد: «إذا قام الخطيب على المنبر وهو - أي الحاضر للجمعة - يصلي.. خففها وجوباً، كما صرح به الشيخ نصر، ويحرم ابتداء نافلة بعد جلوسه - أي الخطيب - قال زكرياء وكذا قضاء فريضة على المتجه، فإن دخل - أي مريد الجمعة - وهو -أي الخطيب - يخطب صلى التحية مخففة إن ظن إدراك إحرامه، فإن لم يكن يصلي الراتبة.. نواها - أي التحية - وأجزأته عنهما - أي عن الراتبة والتحية - قال الزركشي: والتخفيف: الاقتصار على الواجبات» اهـ..

___________________________________________

فائدة «ص 162»:

لا قضاء على الكافر الأصلي ويجب على المرتد، ولا يجب القضاء على صبي ولا صبية لما فاتهما في الصبا؛ لعدم تكليفهما، ويسن لهما قضاء ما فاتهما ولو قبل التمييز على خلاف فيه، ولا قضاء على مجنون إلا على مرتد، فإنه يجب عليه قضاء ما فاته أيام جنونه وقت ردته تغليظاً عليه، ويجب على سكران تعدى بسكره قضاء الزمن الذي ينتهي إليه السكر غالباً دون ما زاد عليه من أيام جنونه، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعا، كما في بشرى الكريم.

___________________________________________

مسائل «ص 167 – 168 »

١- إذا انحرف الراكب عن صوب طريقه وهو يصلي في السفر إلى غير القبلة وهو ناس أو أخطأ الطريق من غير تعمد.. بطلت صلاته إن طال الزمن، وإلا.. فلا، ولكن يسجد للسهو في الحالتين عند الشيخ الرملي؛ لأن عمد ذلك مبطل، ويسجد في حالة الخطأ لا النسيان عند الشيخ ابن حجر.

٢- لو صلى فرضاً وهو فوق الدابة وكانت واقفة واستقبل القبلة وأتم ركوعه وسجوده.. صحت صلاته، أما إن كانت سائرة.. فلا تصح الصلاة؛ لأن سيرها منسوب إليه بدليل جواز الطواف عليها «٢».

٣- إذا صلى النفل في السفر وهو ماش.. أتم وجوباً ركوعه وسجوده واستقبل القبلة فيهما وفي إحرامه، وكذا جلوسه بين السجدتين، ولا يمشي إلا في قيامه وتشهده وسلامه.

٤- لو صلى في الكعبة صحت صلاته إن استقبل جدارها أو بابها إن كان مردوداً أو مفتوحاً مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع، وإذا صلى على سطحها فإن كان مستقبلاً من بنائها قدر ثلثي ذراع أو شاخصاً كذلك متصلاً بالكعبة.. صحت صلاته؛ لأنه متوجه إلى جزء من الكعبة.

___________________________________________

مسألة «ص 170»:

إذا وجد المصلي أو غيره ما يكفي سوأتيه فقط.. تعين لهما، أو وجد ما يكفي أحدهما.. قدم قبله؛ لأنه بارز إلى القبلة والدبر مستوراً غالباً بالإليتين، وقيل: يستر دبره؛ لأنه أفحش في الركوع والسجود، وقيل: يتخير بينهما، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، ويستر الخنثى قبليه، فإن كفى لأحدهما.. تخير، والأولى، كما قال الإسنوي يستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة، وآلة النساء إن كان هناك رجلاً، كما في المغني.

___________________________________________

فائدة «ص 171»:

قال في "مغني المحتاج":  ولا يجوز للعاري غصب الثوب للصلاة، بخلاف الطعام في المجاعة فإنه يجوز لينقذ نفسه من الهلاك، أما في الصلاة فيمكنه أن يصلي عارياً من غير إعادة فلم يكن له عذر للغصب، ولكن لو أحتاج لثوب لدفع حر أو برد مهلكين.. جاز له غصبه لينقذ نفسه، وإن وجد المصلي ثوباً متنجساً ولا يمكنه تطهيره.. صلى عارياً ولا إعادة عليه، أما إذا وجد حريراً.. فإنه يصلي به لأنه ضرورة.

___________________________________________

مسألة الحبل «أي: حكم صلاة المتصل بحبل في طرفه نجاسة - ص 172»:

وهي على صور بيانها ما يلي:

١- إن كان قابضاً أو حاملاً للحبل المتصل بالنجاسة.. بطلت صلاته مطلقاً سواء أنجر بجره أم لا.

٢- إن كان الحبل على جزء طاهر متصل بنجاسة، كأن كان الحبل متصلاً بسفينة بها نجاسة، فإن لم يشد الحبل.... صحت صلاته مطلقاً، وإن شده... بطلت صلاته إن كان ينجر بجره، وإن لم ينجر.. لم تبطل.

٣- إذا جعل المصلي الحبل تحت قدمه.. فلا يضر مطلقاً سواء كان الحبل متصلاً بنجس مباشرة أو بطاهر متصل بنجس.

___________________________________________

مسألة التمييز بين فروض الصلاة وسننها «ص 172»:

فروض الصلاة وسننها، فإن اعتقد فرضاً من فروضها سنة ففيه تفصيل:

١- تارة يعتقد أن كل أفعال الصلاة فروضاً، فلا يضر، وتصح صلاته.

٢- وتارة يعتقد أن كل أفعال الصلاة سننا، فلا تصح صلاته.

٣- وتارة يعتقد أن فيها فروضاً وسنناً ولا يميز بين السنن والفروض، فيغتفر ذلك في حق العامي وتصح منه الصلاة، أما العالم فتصح صلاته عند الشيخ ابن حجر ولا تصح عند الشيخ الرملي، ومعنى العالم هنا من مضى له في طلب العلم وقت يمكنه فيه معرفة هذه المسألة.

٤- وتارة يعتقد أن فرضاً بعينه كالركوع مثلاً سنة، فيضر ولا تصح صلاته.

٥- أن يقول مثلاً: الركوع أو السجود سنة ولم يعين أيهما، فلا يضر وتصح صلاته.

___________________________________________

فائدة «ص 157 -176»:

وفي مسألة ملاقاة المصلي للدم تفصيل خلاصته هي:

١- يعفى عنه مطلقاً إن كان لا يدركه الطرف ولو من مغلظ عند الشيخ الرملي، خلافاً للشيخ ابن حجر فلا يعفى عنه إن كان من مغلظ عنده.

٢- إن كان يدركه الطرف فإن كان من أجنبي.. عفي عن قليله دون كثيره.

٣- إن كان يدركه الطرف وكان من نفسه فننظر إن كان من المنافذ غير السبيلين.. فلا يعفى عنه عند الشيخ الرملي مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، ويعفى عند الشيخ ابن حجر إن كان قليلاً.

أما لو كان من غير المنافذ أو من السبيلين.. فيعفى عن قليله إذا لم يختلط بأجنبي، وكذا عن كثيره بثلاثة شروط وهي: - أن لا يكون بفعله. - أن لا يختلط بأجنبي. - أن لا ينتقل، بمعنى أن يكون متصلاً.

___________________________________________

فائدة «ص 177»:

فإن دعت إلى وضع اليد على الفم حاجة؛ كما إذا تثاءب.. فإنه لا يكره حينئذ، بل يستحب؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغطية الفم عند التثاؤب؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَسُدَّ بِيَدِهِ فَاهُ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ ».

لكن إذا أحس بالتثاؤب.. فليكظمه ما استطاع؛ أي: ليمسك؛ لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ »؛ أي: ليمسك.:

ولمسلم أيضاً: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ.. فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: «هَا هَا ».. ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ».

- ويكره أن يمسح الحصى ونحوه حيث يسجد، ويدخل فيه: العبث بثوبه أو بدنه لغير حاجة؛ فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: «لَا تَمْسَحَ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً.. فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةٌ لِلْحَصَى».

وللبخاري من طريق معيقيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له في المسح في المسجد، قال: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً.. فَوَاحِدَةٌ »، ولأنه يخالف التواضع والخشوع.

ولأن الرحمة تكون مواجهة المصلي، وبتحريكه الحصى كأنه يقطعها؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ.. فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا تُحَرِّكُوا الْحَصَى ».

۹- وتكره المبالغة في خفض الرأس عن الظهر في الركوع؛ المجاوزة فاعله فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان لا يصوب رأسه في الركوع، ولا يقنع، ولكن بين ذلك.

۱۰، ۱۱ - وتكره صلاة الحاقن والحاقب، كما تكره الصلاة بحضرة طعام يتوق إليه؛ فعن عبد الله بن الأرقم رضي الله عنه: أنه كان يؤم قومه، فجاء وقد أقيمت الصلاة، فقال: ليصل أحدكم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَحَضَرَ الْغَائِطُ.. فَابْدَؤُوا بِالْغَائِطِ »..

ولمسلم من طريق عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»، والأخبثان - بالمثلثة -: البول والغائط، والمراد نفي كمالها.

والتوقان إلى الأكل مع حضوره.. أحد الأعذار المرخصة في ترك الجماعة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ.. فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ ».

وفي رواية عنه: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى طَعَامٍ.. فَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّىٰ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».

وتعشى ابن عمر رضي الله عنهما ذات ليلة وهو يسمع قراءة الإمام. وتوقان النفس في غيبة الطعام.. بمنزلة حضوره إن رجا حضوره عن قُرْبٍ.

۱۲ - ويكره النفخ في الصلاة؛ لأنه عبث، فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغلام له يقال له يسار، وكان قد نفخ في الصلاة: تَرِبْ وَجْهَكَ لِلَّهِ ».

۱۳ - تكره الصلاة أيضاً عند مغالبة النوم؛ لأن ذلك أذهب لخشوع المصلي وتدبره للذكر، ومظنة لأن يخلط في قراءته وذكره؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ.. لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ ».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ... فَلْيَضْطَجِعْ».

١٤ - وهناك مكروهات أخرى ذكروها؛ كالقيام في الصلاة على رجل واحدة لغير عذر، ووضع اليدين في الكمين في حالة السجود، وفي حالة الرفع التكبيرة الإحرام؛ فقد قال الإمام الشافعي في «الأم »: «أحب أن يباشر براحتيه في الحر والبرد».

ومنها: الإشارة بما يفهم لا لحاجة؛ كرد سلام ونحوه، والجهر في غير موضعه، والإسرار في غير موضعه، والجهر خلف الإمام.

وورد النهي عن نقر الغراب في السجود، والمقصود كراهة تخفيف المصلي سجوده، وعن افتراش السبع في السجود، وقد مضى في «صفة الصلاة ».

ومن المكروهات في جميع جلسات الصلاة: جلسة الإقعاء كإقعاء الكلب، وبين صفة هذه الجلسة ابن رسلان في «زبده»بقوله «من الرجز »: 

وَالنَّقْرُ فِي السُّجُودِ كَالْغُرَابِ … وَجِلْسَةُ الْإِفْعَاءِ كَالْكِلَابِ

تَكُونُ أَلْيَتَاهُ مَعْ يَدَيْهِ …. بِالْأَرْضِ لَكِنْ نَاصِباً سَاقَيْهِ

ومما ذكروا أيضاً من مكروهات الصلاة: كشف الرأس في الصلاة، أو كشف المنكب؛ لأن السنة في الصلاة التجمل بتغطية الرأس والبدن.

___________________________________________

أماكن تكره الصلاة فيها:

إن مما اختص به سيد الأولين والآخرين، وشرفنا به - معشر الأمة المحمدية -: أن جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وطهوراً؛ كما ورد في الحديث: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي"، ومنه: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ.. فَلْيُصَلِّ ».

إلا أن هناك أماكن ورد في الحديث النهي عن الصلاة فيها، لا لخصوص الصلاة على الأرض، ولكن لما قام بها من مانع، وإليك ذكر هذه الأماكن:

۱ - الصلاة في عطن الإبل؛ وهو الموضع الذي تنحى إليه الشاربة؛ ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت.. سيقت منه إلى المرعى؛ كما قاله الشافعي وغيره، أو لتشرب هي عللاً بعد نهل؛ كما قاله الجوهري وغيره؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا لَمْ تَجِدُوا إِلَّا مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَمَعَاطِنَ الْإِبِلِ.. فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الإبل ».

ولابن ماجه وصححه ابن حبان: «فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ». و «مرابض الغنم »: مراقدها.

ولأن خوف نفار الإبل يذهب الخشوع، ويشغل الفكر، وهذا من المعاني المنافية للتفكر في القراءة والأذكار.

٢، ٣ - تكره الصلاة في الحمام والمقبرة؛ وهي التي لم تنبش، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْأَرْضُ»كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبُرَةَ »، أما المقبرة المنبوشة.. فلا تصح الصلاة فيها بغير حائل؛ لتنجسها بصديد الموتى، وبحائل تكره.

قال النووي: «وتكره الصلاة في مأوى الشياطين؛ كالخمارة، وموضع المكس، ونحو ذلك من المعاصي الفاحشة».

٤ - وتكره الصلاة أيضاً في الطريق، والمزبلة، والكنيسة، والبيعة - بكسر الباء - وهي: معبد اليهود.

وروى الترمذي بإسناد ليس بالقوي النهي عن الصلاة في مواطن سبعة: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله العتيق.

__________________________________________

متى يُسن دعاء الافتتاح:

«الفاتحة»أو أمن هو لتأمين إمامه قبل شروعه فيه، لكن لا يستحب إلا بشروط خمسة:

۱ - أن يكون في غير صلاة الجنازة.

۲ -ألا يخاف فوت وقت الأداء، فلو كان لا يبقى ما يسع ركعة لو أتى به... لم يسن.

۳ - ألا يخاف المأموم فوت بعض «الفاتحة »، فإن خاف ذلك.. لم يسن.

٤ - أن يدرك الإمام في القيام، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً.. لم يفتتح.

نعم؛ إن أدركه في التشهد وسلم الإمام، أو قام قبل أن يجلس.. سن له أن يفتتح.

ه - ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً، وإلا.. لم يعد إليه.

____________________________________

تيمة المسائل الكتاب في بَعْضِ آدابِ الصَّلَاةِ، وَتَوَابِعِهَا، وَنَوَافِلِهَا

الخشوع وأهميته في الصلاة

الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه وخضوعه، وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب.. تبعه خشوع جميع الجوارح؛ لأنها تابعة له.

والخشوع نابع من معرفة الله تعالى، والعلم بعظمته وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف.. فهو له أخشع. ولذلك وصف الله الذين أوتوا العلم بالخشوع فقال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}.

وقد مدح الله تعالى في كتابه المخلصين له، والمنكسرين لعظمته، الخاضعين والخاشعين لها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَشِعِينَ﴾.

ووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي عليها يحافظون فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ}. 

وإذا خشع القلب.. خشع السمع والبصر، والرأس والوجه، وسائر الأعضاء، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: «خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُنِّي وَعَظْمِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي».

ورأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا... لخشعت جوارحه». 

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من قلب لا يخشع؛ ففي صحيح مسلم»عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبِ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشَّعُ وَتَضَرَّعُ وَتَمَسْكَنُ، وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ - يقول: ترفعهما إلى ربك عز وجل -وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ.. فَهِيَ خِدَاجٌ»، أي: ناقصة.

وفي صحيح مسلم مرفوعاً: «مَا مِن أَمْرِئَ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا.. إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ».

وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة.. هاب الرحمن عز وجل عن أن يشذ نظره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً ما دام في صلاته»

____________________________________

الأذكار دبر الصلوات

ثبت: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى ويدعوه دبر الصلوات»، ونحن نورد طرفاً من ذلك، ونذكر بعض ما ورد فيها من الترغيب:

۱ - الاستغفار ثلاثاً: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله.

۲ - «اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».

فعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته.. استغفر الله ثلاثاً وقال: اللَّهُمَّ، أَنْتَ السَّلَامُ.... إلى آخره، رواه الجماعة إلا البخاري. زاد مسلم: قال الوليد: «فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار ؟ فقال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله»

۳- «اللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».

فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده يوماً ثم قال: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فقال له معاذ: يا رسول الله؛ وأنا أحبك، قال: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي...»إلى آخره».

٤- «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ؛ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك دبر كل صلاة مكتوبة».

٥- قراءة آية الكرسي؛ لأن«من قرأها دبر كل صلاة.. لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت»، وللطبراني بإسناد حسن: «كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى».

٦ - التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثَاً وَثَلَاثِينَ، تِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.. غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».

____________________________________

الذكر بعد صلاة الصبح والمغرب:

قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.. كَانَتْ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ».

وعن أبي ذر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»عَشْرَ مَرَّاتٍ.. كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فِي حِرْزِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهِ، وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الشَّرْكَ بِاللَّهِ تَعَالَى».

ولأبي داوود وابن ماجه: «وَإِذَا قَالَهَا إِذَا أَمْسَى.. كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ».

وعن مسلم بن الحارث التميمي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسر إليه فقال: «إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.. فَقُلِ: «اللَّهُمَّ؛ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ»سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ.. كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ.. فَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِنْ يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا».

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لى الصبح.. قال: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعاً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَرِزْقاً طيباً».

____________________________________

ومن الأدعية النبوية المباركة بعد الصلوات:

-«اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».

-«اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِي بَصَرِي، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

ومن أراد الاستزادة من الدعوات المأثورات.. فعليه بكتاب «الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار»للإمام النووي؛ فإن فيه ما تقر به أعين الذاكرين، وترتاحإليه أنفس الموفقين

____________________________________

السنن التابعة للفرائض

وهي على قسمين:

رواتب مؤكدة؛ وهي: ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عشر ركعات:

۱ - سنة الفجر، وقد وردت أحاديث عدة في فضل هاتين الركعتين، وعظم ثواب من حافظ عليهما، وندب الإسراع إلى فعلهما؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيته صلى الله عليه وسلم إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَدَعُوا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة من الركعتين قبل الصبح».

وعنها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».

ويستحب تخفيفهما، وتخفيف القراءة فيهما؛ للاتباع، فقد كانت عائشة رضي الله عنها تقول من تخفيفه صلى الله عليه وسلم: «هل قرأ فيها بـ «أم الكتاب»؟!».

وكان أحياناً يقرأ فيها: بـ «الإخلاص» و «الكافرون».

وأحياناً يقرأ بعد «الفاتحة»في الأولى منهما: {قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلينا…} إلى آخر الآية، وفي الأخرى: {قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ…} إلى آخرها.

____________________________________

الدعاء بعد الفراغ منها:

-قال النووي في «الأذكار»: «روينا في «كتاب ابن السني» عن أبي المليح واسمه عامر بن أسامة - عن أبيه رضي الله عنه: أنه صلى ركعتي الفجر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعه يقول وهو جالس: «اللَّهُمَّ؛ رَبَّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» ثلاث مرات.

وروينا فيه - أي: في «كتاب ابن السني»- عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ... غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».

۲ - ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها:

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح».

وفي هذا الحديث ذكر الركعات العشر الراتبة المؤكدة، وقد أشار إلى ذلك ابن رسلان في بيت واحد من «زبده»؛ فقال «من الرجز»:

ثِنْتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَالظُّهْرِ كَذَا … وَبَعْدَهُ، وَمَغْرِبِ، ثُمَّ الْعِشَا

____________________________________

السنن الأخرى من الرواتب غير المؤكدة:

۱ - وتزاد ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، فيكون مجموع عدد الركعات القبلية والبعدية للظهر: ثمان ركعات؛ منها أربع مؤكدة، كما مر؛ فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً، وَأَرْبَعاً بَعْدَهَا.. حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الصبح على كل حال».

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أنه كان يصلي أربع ركعات قبل الظهر، فقيل له: إنك تديم هذه الصلاة ؟! فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فسألته، فقال: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُرْفَعَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ».

وإذا صلى أربعاً.. فالأفضل: أن يسلم من كل ركعتين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى».

٢ - وأربع قبل العصر؛ لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً».

وعن علي رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن».

۳- وركعتان قبل المغرب، قال النووي: «قلت: هما سنة على الصحيح.

ففي «صحيح البخاري «الأمر بهما» يشير إلى ما رواه عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ» ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ»؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة؛ أي: طريقة لازمة، لأن السنة في اللغة: الطريقة، ومنه الحديث: «مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ.. فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وفي رواية لابن حبان: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين»، ولأبي داوود: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»

وفي «الصحيحين»من حديث أنس رضي الله عنه: «أن كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري لهما - أي: للركعتين - إذا أذن المغرب»، وفي رواية مسلم: «حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب الصلاة قد صليت». قال الحافظ في «الفتح »: «ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما كما في ركعتي الفجر».

٤ - وركعتان قبل العشاء؛ فقد نص على استحبابهما النووي في «المجموع»؛ لخبر: «مَا بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، والمراد: الأذان والإقامة ونقل استحباب الركعتين قبل العشاء الماوردي عن البويطي.

ولابن حبان عن ابن الزبير رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ.. إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ».

____________________________________

أوقات النوافل الراتبة:

أما الراتبة التي تسبق الفريضة.. فيدخل وقتها بدخول الفريضة، ويبقى جوازها ما بقي وقت الفريضة، ووقت اختيارها: ما قبل الفريضة، وأما الرواتب البعدية؛ أي: التي بعد الفرائض.. فيدخل وقتها بفعل الفريضة، ويخرج بخروج وقتها؛ لأنها تابعة لها.

ويسن فعل السنن الراتبة في السفر أيضاً، سواء قصر أم أتم، لكنها في الحضر آكد.

ولو فات النفل المؤقت - سواء استحبت الجماعة فيه؛ كصلاة العيد، أم لم تستحب؛ كصلاة الضحى، والسنن التابعة للفرائض -.. فإنه يندب قضاؤه؛ ففي الصحيحين»: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا.. فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا عام في كل صلاة.

ولأنه صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس». وقضى عليه الصلاة والسلام ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر، ولأنها صلاة مؤقتة فتقضى كالفرائض.

____________________________________

الوتر

من السنن المؤكدة: صلاة الوتر؛ فقد واظب عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ورغب فيه، وحث أهل القرآن على فعله، وأمرهم به؛ فعن علي رضي الله عنه قال: إن الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر، ثم قال: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرُ يُحِبُّ الْوِتْرَ».

حتى إن الإمام أبا حنيفة أوجبه، إلا أن ابن المنذر قال: «لا أعلم أحداً وافق أبا حنيفة في هذا»، ويدفع القول بوجوبه حديث علي السابق، وحديث الأعرابي المتفق على صحته: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»؛ فقال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ...»الحديث.

وفي قوله سبحانه: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى} دليل على عدم وجوبه؛ إذ لو وجب.. لم يكن للصلوات وسطى.

ووقت الوتر: بين صلاة العشاء وطلوع الفجر؛ لما رواه خارجة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، قلنا: وما هي يا رسول الله ؟ قال: «الْوِتْرُ؛ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».

____________________________________

عدد ركعات الوتر:

أقل الوتر: ركعة واحدة؛ لخبر مسلم من حديث ابن عمرو وابن عباس رضي الله عنهم: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». ولأبي داوود من حديث أبي أيوب رضي الله عنه: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ.. فَلْيَفْعَلْ». وفي «صحيح ابن حبان»من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه صلى الله عليه وسلم أوتر بواحدة».

وأدنى الكمال: ثلاث. ويسن أن يقرأ في الأولى بعد «الفاتحة»: «سبح اسم ربك الأعلى»، وفي الثانية: «قل يا أيها الكافرون»، وفي الثالثة: «قل هو الله أحد» والمعوذتين؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى بـ «سبح اسم ربك الأعلى»، وفي الثانية بـ «قل يا أيها الكافرون»، وفي الثالثة بـ «قل هو الله أحد» والمعوذتين».

وأكثره: إحدى عشرة؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، قال ابن رسلان: «من الرجز»

وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ لِأَحْدَى عَشْرِ … بَيْنَ صَلَاةٍ لِلْعِشَا وَالْفَجْرِ 

فعن عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة». 

وقيل: إن أكثر الوتر ثلاث عشرة ركعة؛ للخبر الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث عشرة ركعة»، لكن حملوه على أنها حسبت سنة العشاء البعدية، قال النووي: «وهو تأويل ضعيف مباعد للأخبار».

قال السبكي: «وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك وصحته، ولكن أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل؛ لأنه غالب أحواله صلى الله عليه وسلم».

____________________________________

كيفية صلاة الوتر:

يجوز لمن زاد في الوتر على ركعة.. الفصل بين كل ركعتين بالسلام، وهو أفضل؛ لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر».

وله أيضاً الوصل بتشهد في الركعة الأخيرة، أو بتشهدين في الأخيرتين، فيكون في هذه الصورة على هيئة المغرب إن اقتصر على الثلاث.

أما دليل الوصل بتشهد في الأخيرة.. فما روته عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن»، ولفظ أحمد: «كان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن»، والحاكم: «لا يقعد إلا في آخرهن».

وأما الوصل بتشهدين في الركعتين الأخيرتين.. فلرواية عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بتسع لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، وبسبع لا يجلس إلا في السادسة والسابعة».

والوصل بتشهد أفضل منه بتشهدين؛ للنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «وَلَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ». فلا يجوز الوصل بأكثر من تشهدين، كما لا يجوز فعل أولهما قبل الأخيرتين.

وكل إحرام جمعت فيه الركعة الأخيرة مع ما قبلها.. وصل- وإن فصل فيما قبلها؛ بأن سلم من كل ركعتين مثلاً، وكل إحرام فصل فيه الركعة الأخيرة عما قبلها.. فصل. وعليه: فيتبعض الوتر فصلاً ووصلاً، فلو صلى عشراً بإحرام.. ففصل؛ لفصلهن عن الركعة الأخيرة.

____________________________________

الدعاء بعد السلام من الوتر:

يستحب أن يقول بعد الوتر: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّو» ثلاث مرات، ويرفع صوته بالثالثة، ثم يقول: «رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»، ويضيف: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».

ويسن جعل صلاة الوتر آخر صلاة الليل؛ لخبر الشيخين: «أَجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْراً».

فإن كان له تهجد.. فليؤخر وتره، ويجعله ختام تهجده، وإلا.. أوتر.. بعد فريضة العشاء وسنتها الراتبة، هذا إن لم يثق بيقظته آخر الليل، وإلا فتأخيره أفضل؛ لخبر مسلم: «مَنْ خَافَ أَلَّا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ.. فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ.. فَلْيُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ».

ومن لم يثق بيقظته آخر الليل.. فليوتر بعد صلاة العشاء كما أسلفنا، وعلى هذه الحالة يحمل خبر أبي هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام».

فإن أوتر ثم تهجد، أو استيقظ من نومه بعد وتره ولو لم يتهجد.. لم يعد الوتر ثانياً؛ لما ورد من حديث قيس بن طلق، عن أبيه رضي الله عنه مرفوعاً: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ».

____________________________________

القنوت في الوتر:

اختار النووي في بعض كتبه استحباب القنوت في الوتر في جميع السنة، وقال: «إنه قوي الدليل»، وحكاه في «الروضة» وجهاً عن أربعة من أئمة الشافعية؛ وهم: أبو عبد الله الزبيري، وأبو الوليد النيسابوري، وأبو الفضل بن عبدان، وأبو منصور بن مهران، واستند هؤلاء إلى ما رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم -من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: «اللَّهُمَّ؛ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ الحديث».

وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد.

وذهب الشافعي وغيره: إلى أنه لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روى أبو داوود: «أن أبي بن كعب قنت فيه لما جمع عمر الناس عليه فصلى بهم».

وإن ضم إليه قنوت عمر رضي الله عنه.. فحسن، ولفظه: «اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم؛ إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم؛ عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم؛ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم - إله الحق -واجعلنا منهم».

وتندب الجماعة في الوتر في جميع رمضان سواء أصليت التراويح أم لا، صليت فرادئ أم لا.

تنبيه:

إذا فات وقت أداء الوتر.. فإنه يشرع قضاؤه؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ وَلَمْ يُوتِرُ... فَلْيُوتِرُ».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ.. فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ».

ولو خرج وقت الوتر؛ بأن طلع الفجر الصادق -وهو لم يصله ولا العشاء.. لم يصح قضاء الوتر حتى يقضي العشاء؛ لما سبق أن وقت الوتر إنما يدخل بفعل العشاء، فهو متوقف على فعله في القضاء كالأداء. ولو جمع تقديماً.. صلى الوتر بعد فعل العشاء.

____________________________________

الضحى

ومن السنن: الضحى، وأقلها ركعتان؛ ففي «صحيح مسلم»: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى».

وقد سبق ذكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه بالضحى، وأحاديث الضحى مشهورة متواترة.

وأكثر الضحى: ثمان ركعات؛حديث أم هانئ رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى سنة الضحى ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين». 

وكما قال ابن رسلان «من الرجز»: ثُمَّ الضُّحَى وَهْيَ ثَمَانٍ أَفْضَلُ

  ووقت فعلها: من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال.

والاختيار: فعلها عند مضي ربع النهار؛ لما ورد: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمَضَتِ الْفِصَالُ مِنَ الضُّحَى»، ومعنى «رمضت»: احترقت، و«الفصال»- جمع فصيل-: ولد الناقة؛ أي: إذا أحست الفصال بحر الشمس، ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها.

وهذا آخر ما یسّر الله تعالى جمعه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وصلى الله علی سیدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم