أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 5 أكتوبر 2026

العادات السبع الأكثر فاعلية للمراهقين شين كوفي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

العادات السبع الأكثر فاعلية للمراهقين 

شين كوفي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: إن عاداتنا التي نقوم بها مراراً وتكراراً هي التي يمكن أن تنهض بنا، كما أنها التي يمكن أن تُحطمنا، لأن العادة هي التي تصقل الشخصية، وبالضرورة هي التي تحدد مصيرنا وطريقنا المستقبلي، أما هذا الكتاب فيعود الفضل في ولادته إلى والد المؤلف، وهو ستيفن كوفي، والذي ألف كتابه (العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية)، ولم يكن موجّهًا بصورة خاصة إلى المراهقين، أو إلى هذه الفئة بالتحديد، لكنه كتبه للأشخاص الأكبر سناً، بينما كتابنا هذا قد وُلد ليخاطب به المراهقين، ليُحدثهم عن المراهقين السعداء والناجحين في جميع أنحاء العالم.

ولعل خصوصية الكتاب ترجع إلى أنه يخاطب مرحلة شديدة الحساسية في حياة الإنسان؛ ففي المراهقة تتشكل كثير من القناعات، وتتكون الصداقات، وتظهر الرغبة في الاستقلال، ويبدأ الشاب في البحث عن هويته ومكانه بين الناس. ولذلك فإن العادات التي يكتسبها في هذه المرحلة قد تصبح جزءًا راسخًا من شخصيته في المستقبل، سواء أكانت عادات تدفعه إلى النجاح والانضباط، أم عادات تقوده إلى التسويف والفوضى والتأثر بالآخرين. 

والكتاب تحدث عن عادات سبع، الثلاث الأولى منها تتعلق بالسيطرة على الذات، أو ما يُمكن أن نُسمية (النصر الخاص)، بينما العادات الثلاث التالية لها؛ فتتعلق بالعلاقات الشخصية والعمل الجماعي، والتي يمكن أن نُسمية (النصر الجماعي)، بينما العادة السابعة والأخيرة، فتتعلق بالتجديد، ولها تأثيرها على العادات الست قبلها.

ويمكن إجمال هذه العادات السبع، وبيان ضدها كما يلي:

أولاً: كُن مبادراً × تصرف بردة الفعل

ثانياً: حدد أهدافك مسبقاً × لا تُخطط

ثالثاً: ضع الأولويات أولاً ×  لا تبالي بشيء.

رابعاً: فكر بطريقة (فوز -فوز) × تفوز أو يخسر الآخرون.

خامساً: اسعى لأن تفهم أولاً، ثم مفهوماً ثانياً × تحدث أولاً ثم تظاهر بالإنصات.

سادساً: تعاون × كن أنانياً ومنعزلاً.

سابعاً: اشحذ همّتك × استهتر بالأمور ودعها تمضي.

ومن الملاحظ على هذا الكتاب وغيره من كتب التنمية البشرية، تركيزها الكبير على القصص الواقعية الحديثة؛ لأغنياء أو ممثلين أو مشهورين في عالم من عوالم الإبداع والفن والعلوم، مع الإغفال شبه الكامل للقصص الرمزية الورادة في الكتب المقدسة لديهم، وبهذا يظهر مدى المادية والتجريبية لديهم.

أبرز ما يمكن استفادته من الكتاب:

1-لا تُسرع في إصدار الأحكام أو في تكوين آراء نهائية أو قاطعة عن الآخرين أو حتى عن أنفسنا.

2-كُن دوماً مُستعداً لتغيير أفكارك ومعلوماتك الخاطئة.

3-احتفظ بعدد كبير من الأصدقاء، ولكن لا تجعلهم مركزاً لحياتك.

4-لا ترتكز على أشياء ليس لها في النهاية أية قيمة حقيقية.

5-الغرض الأساسي من المدرسة هي التعلم وليس حصد أعلى الدرجات.

6-إذا لم تقم بواجباتك؛ فإنك لن تحقق أهدافك.

7-الهدف الغير مكتوب هو مجرد أمنية.

8-النهايات السعيدة يمكن أن تحدث بالفعل.

9-العقبات والمآسي يمكن أن تمثل نقطة الانطلاق نحو التغيير.

10- لا تجعل رأي الآخرين فيك معيارًا لقيمتك، فمعرفة الإنسان لنفسه ومبادئه أهم من سعيه الدائم إلى إرضاء الآخرين.

11- تعلّم أن تقول «لا» لما يضر أهدافك، فليس كل ما يفعله الأصدقاء أو يطلبونه منك يستحق أن توافق عليه.

12- النجاح الحقيقي لا يقوم على التفوق الدراسي وحده، وإنما على بناء شخصية متوازنة تعرف كيف تدير وقتها وعلاقاتها ومشاعرها ومسؤولياتها.

13- الإنسان يستطيع أن يغيّر عاداته بالتدرج، فلا ينبغي أن يستسلم لعذر «هذه طبيعتي» أو يظن أن شخصيته قدر ثابت لا يمكن إصلاحه.

ولا تكمن أهمية هذه العادات في كونها مجموعة من النصائح التي يقرأها المراهق ثم يطوي صفحات الكتاب، وإنما في قدرتها على التحول إلى أسلوب حياة؛ فالمبادرة تعني أن يدرك الإنسان أنه مسؤول عن اختياراته، وتحديد الأهداف يمنحه اتجاهًا واضحًا، وترتيب الأولويات يعلمه ألا يبدد عمره فيما لا ينفع، بينما تعيد العادات الاجتماعية تشكيل نظرته إلى الآخرين، فتجعله أكثر قدرة على الاستماع والتعاون وبناء العلاقات المتوازنة. أما العادة السابعة فتذكره بأن الإنسان يحتاج باستمرار إلى تجديد نفسه وتطوير عقله وشخصيته. 

نعم، وأرى أن الفقرة الختامية ستفيد جدًا؛ لأنها ستجمع العادات السبع والفكرة المركزية للكتاب، وتترك للقارئ خلاصة عملية. أقترح أن تكون بهذا الأسلوب:

وفي المحصلة، لا يقدم الكتاب وصفة سحرية للنجاح، ولا يَعِد المراهق بأن الطريق سيكون خاليًا من العقبات، وإنما يحاول أن يلفت نظره إلى حقيقة بسيطة وعميقة: أن المستقبل لا يُبنى بقرار واحد كبير، وإنما يتشكل من اختيارات صغيرة تتكرر كل يوم حتى تصبح عادات، ثم تتحول العادات إلى شخصية، وتصبح الشخصية في النهاية جزءًا من مصير الإنسان. ولذلك فإن قيمة هذه العادات السبع لا تكمن في حفظها أو ترديدها، بل في تحويلها إلى ممارسة حقيقية؛ أن يبادر بدل أن يكون أسيرًا لردود أفعال الآخرين، وأن يعرف إلى أين يريد أن يصل، وأن يرتب أولوياته، وأن يتعامل مع الناس بروح التعاون، وأن يتعلم فن الاستماع والفهم، وأن يحرص على تجديد نفسه باستمرار. فإذا نجح المراهق في بناء هذه العادات في وقت مبكر، فقد وضع لنفسه أساسًا متينًا لشخصية أكثر وعيًا واتزانًا وقدرة على مواجهة الحياة.

فائدة: عند قراءة أي كتاب أحضر قلمك الرصاص أو الجاف، أو قلم التحديد واستخدمه، لا تتردد في وضع دائرة تحت أو وضع دائرة حول أو تعليم الأفكار المفضلة لديك، ودون ملاحظاتك في هوامش الصفحات، اكتب أو ارسم وأعد قراءة القصص التي تُلهمك، وأحفظ العبارات التي تمنحك الأمل، ص 10





النجوم الزواهر في الصلاة والسلام على سيد الأوائل والأواخر الشيخ موسى علي الشرقاوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

النجوم الزواهر في الصلاة والسلام على سيد الأوائل والأواخر

الشيخ موسى علي الشرقاوي

 بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: هذا جزء حديثي صغير في بعض السّنن والآداب الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، موضوعة في فقرات وبتصدرها الصلاة والسلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع بيان تخريج كل حديث في الحواشي الجانبية والسفلية، وهي طريقة بديعة في التصنيف، لكن تجريد الأحاديث منها أفضل؛ لأن المقصود من المادة ليس مجرد الصلاة والسلام على النبي ﷺ، وإنما استحضار مقام النبوة في القلب، وربط الذكر بالمعرفة والعمل والسلوك.

فالصلاة على النبي ﷺ تجمع بين المحبة والاتباع، وبين تعظيم الرسول ﷺ واستحضار سنته، ولذلك كان من أجمل ما في هذا المصنف أن المؤلف جعل الأحاديث النبوية نفسها مادةً لصلواته، فمزج بين الذكر والرواية، وبين العبادة والعلم، وإن كان تجريد الأحاديث من سياق الصلوات المتكررة أقرب إلى الإفادة العلمية لمن أراد دراسة المادة الحديثية مجردة. 

ويظهر في منهج المؤلف عناية واضحة بجمع الأحاديث وترتيبها وتوثيق مصادرها، مع محاولة الإفادة من مناسبات الأحاديث وألفاظها في بناء صلواته، وهو لون من التصنيف يجمع بين الحديث والأدب والذكر. غير أن كثرة تكرار الصلاة على النبي ﷺ بين الأحاديث تجعل الكتاب أقرب إلى أن يكون وردًا تعبديًا منه إلى مصنف حديثي محض، ولذلك فإن تجريد الأحاديث من هذه الصياغة المتكررة قد يكون أنسب لمن أراد الوقوف على المادة العلمية، بينما تبقى طريقة المؤلف ذات قيمة لمن أراد النظر في الكتاب بوصفه تجربة في الذكر والصلاة على النبي ﷺ. 

مثال: اللهم (صل) وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد القائل: (مَا مِن يَوْم أكثر مِنْ أَنْ يُعْتَقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمَ عَرَفَةً وإنه ليدنو ثم يباهي بهم المَلائِكَةُ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هُؤُلاء) (١٤) (وصل) وسلم وبارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد القائل: (لا يكيد أَهْلَ الَّمدينَةِ أَحَدٌ إلا انْمَاعَ كَا يَنمَاعُ المِلَح فِي المَاء) (١٥) (وصل) وسلم وبارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد القائل: (انَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرَّحَمَاء) (17) (وصل) وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد القائل: (إنما سُمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء وإذا هي تهتز من خَلْفِهِ خَضْرَاء) (۱۷)

(١٤) ١٢٨ ب: من الصحاح، عن عائشة. (١٥) ٢١ خ: لث ٢٠. (١٦) ١٣٤ خ: تاسع ٥، ٤٩ حص في ٣، طب عن جرير بن عبد الله، قال الشيخ: حديث صحيح. (١٧) ١٥٦ خ: رابع ٩، عن أبي هريرة. الغَرْوة: أرض بيضاء لا نبات بها، وقيل: الحشيش الأبيض، وقيل: وجه الأرض، وقيل: الهشيم. أفاده عزيزي.

وأنت ترى عناية مؤلفه بالإحالة إلى مصادر الحديث، وذكر الكتاب والجزء والصفحة والسطر والراوي بحسب ما كان متاحًا له في عصره، وهو ما يكشف عن رغبة في توثيق ما ينسب إلى النبي ﷺ وعدم الاكتفاء بمجرد النقل. ومع ذلك، فإن القارئ المعاصر يحتاج إلى إعادة تحقيق هذه الإحالات على الطبعات الحديثة، ومراجعة ألفاظ الأحاديث وأسانيدها ودرجاتها؛ لأن اختلاف الطبعات وترقيم الصفحات يجعل الاعتماد على الإحالة القديمة وحدها غير كافٍ للتحقيق الحديثي الدقيق. 


________________________________________________

النفوس وأنواعها: 

1-أمارة بالسوء. 2- لوامة. 3-مطمئنة.

4-راضية. 5- مرضية. 6- الكاملة

أولاً: الأمارة بالسوء، وهي مستودع الرغبات تستولي على القلب وتوجهه نحو الارتباط بقيم مادية ومعنوية لإشباع رغباتها واستقصاء لذاتها، والعلاج يكون بتحويل الرغبة في استقصاء اللذة الذاتية الفسيولوجية والمعنوية إلى حالة من التوازن.

ثانيًا: النفس اللوَّامة: إذا اشتغل القلب بالذكر، تحرر جزئيًّا من قبضة النفس الأمَّارة بالسوء، واستعاد شيئًا من حركته وحيويته واستقلاله، فتراجع سلطان النفس الأمَّارة، وتحولت إلى نفسٍ لوَّامة. وعند كل مخالفة شرعية يستيقظ الضمير، فيؤدي وظيفته من التوبيخ واللوم على سوء الفعل، ويصبح الندم والشعور بالتفريط محور التجربة النفسية عند الوقوع في الذنب. وتظل النفس اللوَّامة مشغولة بالمراجعة والمحاسبة، تلاحقها أسئلة من قبيل: لو أنني فعلت كذا لكان كذا، ولماذا اخترت هذا ولم أختر ذاك؟ وعلاج هذه الحال هو التوبة النصوح، بما تشتمل عليه من الندم على الذنب، والإقلاع عنه، والاستغفار، والعزم الصادق على عدم العودة إليه.

ثالثًا: النفس المطمئنَّة: وهي المرتبة التي تبدأ فيها النفس بالخروج من رؤية فعلها إلى رؤية فعل الله تعالى فيها؛ إذ لا يكون الانفكاك هنا عن العمل نفسه، وإنما عن التعلق الشعوري به ورؤية النفس مستقلةً في فعله. فيستمر الإنسان في العمل، لكنه يتحرر من إعجابه بفعله ونسبته الفضل فيه إلى نفسه، فيصفو شعوره ويتسع أفقه، ويعبّر العارفون عن ذلك بالانتقال من رؤية فعل العبد إلى رؤية فعل الله تعالى فيه. وعلاج هذه المرتبة دوام الذكر وكثرته؛ لأنه يطهّر القلب من التعلق بما سوى الله، ويضعف حضور النفس أمام عظمة حضور الله تعالى، حتى يغلب في القلب شهود فضله وتوفيقه ومنته على شهود عمل النفس وفعلها.

رابعًا: النفس الراضية: تبقى النفس المطمئنَّة، رغم ما بلغته من سكون وطمأنينة، مشوبةً بمعارضة خفية لكل ما لا ينسجم مع حظوظها واختياراتها؛ فقد زال عنها حجاب رؤية الفعل والعمل، لكنها لم تبلغ بعد تمام السكون، إذ لا يزال في أعماقها نبض خافت واعتراض مستتر على ما يجري به مراد الله تعالى. وعلاج ذلك جرعة أعمق من ذكر الله تعالى، حتى تنكشف للنفس حقائق الكون، وترى مظاهر الجمال والجلال الإلهي متجليةً في الأشياء، وتنمحي عنها رؤية الأعمال استقلالًا، فلا تعود تنظر إليها بوصفها أفعالًا قائمةً بذاتها، بل تراها قنواتٍ تتجلى من خلالها تلك الصفات والمعاني. وعندها تذعن النفس لمراد الله في خلقه، وتستقر في مقام الرضا، وتغدو أخلاقها قائمةً على الرضا والشكر.

خامسًا: النفس المرضيَّة: وهي مقام الفناء في شهود الأسماء والصفات الإلهية، والتجرد الكامل عن رؤية النفس بأفعالها وحظوظها؛ فلا تعود النفس ترى لنفسها وجودًا مستقلًا، ولا تشعر حتى بفنائها؛ لأن شعورها بذاتها قد خفت حتى كاد يزول. وعند هذه المرتبة تنكشف للنفس المعاني الربانية التي تمحق أنانيتها وتفني تعلّقها بذاتها، فيفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل، ويتلاشى شعور النفس باستقلالها أمام حقيقة الوجود الإلهي. وهي إشارة إلى المعنى الذي عبّر عنه أهل المعرفة بقولهم: كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه.

سادسًا: النفس الكاملة: إذا كانت النفس المرضيَّة قد غلب عليها شهود الربوبية، فإن النفس الكاملة تغرق في حقيقة العبودية؛ فهي نفسٌ تدل على الله تعالى، وتجمع بين شهود الحقائق ومراعاة الشرائع، فيكون الجمع في قلب صاحبها، والفرق على لسانه ومنطقه؛ فهو يعيش مع الله قلبًا وشهودًا، ويتعامل مع الخلق بلسان العبودية وأحكامها. وهو رجلٌ شرب من معين المعرفة فلم يسكر، بل لم يزده الشرب إلا صحوًا، ولم يخرجه القرب من ميزان العبودية، بل زاده منها تحققًا وتواضعًا. ومن هنا تتجلى كمال النفس حين لا تحجبها المعرفة عن الشريعة، ولا يشغلها شهود الربوبية عن القيام بحقوق العبودية.

فائدة: الإنسان في جميع شؤونه ورقةٌ خريفية في مهب ريحٍ من أمر الله تعالى، يجري بها تقديره كيف يشاء، بين الكاف والنون؛ فلا استقلال له عن مشيئته، ولا غنى له عن تدبيره، وإنما كماله أن يعرف افتقاره إليه، ويستسلم لأمره، ويقوم بما أوجب عليه.

فائدة أخرى: يمكن تقسيم أسماء الله تعالى وصفاته، من جهة معانيها، إلى أربعة أقسام: صفات ذاتية، كالله، والأحد، والواحد، والحي؛ وصفات كمالية، كالغني والكبير؛ وصفات جمالية، كالرحيم، والكريم، والغفور، والودود؛ وصفات جلالية، كالقَهَّار، والجَبَّار، والقوي. وهذه الأسماء والصفات تفتح للعبد أبوابًا متعددة من المعرفة بالله تعالى، فيجمع قلبه بين الهيبة والمحبة، والخوف والرجاء، والتعظيم والافتقار.

وللنفس مراكز أربعة تكشف مواطن ضعفها وآفاتها: مركز الشهوة في المخالفات، ومركز العجز عن أداء المفروضات، ومركز الميل إلى الراحات، ومركز الشهرة في الطاعات؛ فإذا أراد المرء تهذيب نفسه، فعليه أن يتفقد هذه المواطن، وأن يعرف من أيها يتسلل الخلل إلى قلبه وسلوكه. وأما كمال النفس وتمام سيرها، فيظهر في مقامات النفس المطمئنة، والراضية، والمرضية، حيث تسكن النفس إلى ربها، وترضى عنه، ويرضى عنها.

ولا يصدق في الولي إلا الولي، ولا يدرك دقائق أحوال السائرين إلا من ذاق طريقهم وخبر خفايا النفوس. ومن هنا تظهر أهمية الشيخ المربي الحقيقي، فهو أشبه بالمرآة الصافية التي تنعكس فيها حركات المريد وأحواله، فيراقبه بعين العناية، ويقومه بالإرشاد، ويكشف له مواضع الخلل التي قد تخفى عليه، حتى يوقظ في قلبه معاني الإيمان، ويفجر فيه محبة الله ورسوله ﷺ. فإذا بلغت النفس مقام الطمأنينة، تلقى القلب دفقًا جديدًا من الأنوار، فتزداد بصيرته إشراقًا، ويصفو وجدانه، ويصبح سيره إلى الله أهدأ وأثبت وأصدق.

للسير إلى الله تعالى طريقان، قد يكون أحدهما من أعلى إلى أسفل، والآخر من أسفل إلى أعلى، وذلك بحسب الاستعداد الباطن للمريد، وبحسب ما سبق له من مشيئة الله تعالى وتقديره. فأما السير من أعلى إلى أسفل فهو طريق الجذب، حيث يُزَجّ بالسالك في أنوار الذات، ثم ينزل به في درجات سُلَّم التجليات، من تجلي الأسماء والصفات إلى تجلي الأفعال. وأما السير من أسفل إلى أعلى فهو سير المجاهدة والسلوك، حيث يرتقي العبد في مدارج القرب خطوة بعد خطوة، حتى يتهذب باطنه وتصفو سريرته. وربما ارتقى هذا في ترقيه، ونزل ذاك في تدليه، فتتعدد طرائق السير وإن كان المقصد واحدًا.

وعند بلوغ النفس مقام الرضا، يسودها شعور عميق بالانسجام مع الكون وأقدار الله الجارية فيه؛ فلا يعود السالك متعلقًا برؤية نفسه، بل يغلب على شهوده رؤية أفعال الله تعالى، حتى يضمحل إحساسه بذاته أمام عظمة الفعل الإلهي. وفي هذا السياق يمكن فهم العبارة المنسوبة إلى أبي حامد الغزالي: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، أي من جهة ما جرى به تقدير الله وحكمته في خلقه. فالسالك يعمل لله من خلال نفسه، يجاهدها ويزكيها ويطلب الوصول بها إلى مرضاته، أما العارف فيعمل بالله من خلال ربه، فتغلب عليه مشاهدة التوفيق والفضل والإمداد الإلهي.

ومن هنا يتباين مقام السالك عن مقام العارف؛ فـالسالك يخشى العقوبة ويرجو الثواب، أما العارف فيخشى مكره ويطلب رضاه، إذ ينتقل همُّه من مجرد النجاة من العقوبة ونيل الثواب إلى طلب الرضا والقرب. ومع ذلك، فليس كل من ثبت له اختصاص أو ظهرت عليه أمارات الولاية يكون بالضرورة ممن كُتب له تخليص النفس وتهذيبها؛ فالعبرة بحقيقة السير وآثاره في القلب والعمل، لا بمجرد الدعوى أو الصورة الظاهرة.

القلب جارحةٌ باطنية أودع الله فيها استعدادًا لمعرفته، وهذا الاستعداد إما أن ينمو ويزداد صفاءً وقربًا، وإما أن ينحرف فيتوجه إلى قيمٍ بديلة عن الله، من مالٍ أو جاهٍ أو منصبٍ أو غير ذلك من متاع الدنيا. غير أن هذه البدائل، مهما بلغ بريقها، لا تستطيع أن تروي ظمأ القلب ولا أن تمنحه الإشباع الذي ينشده؛ بل قد تزيده قلقًا وتوترًا، كلما أدرك أن ما تعلّق به لا يملك أن يمنحه الطمأنينة التي يبحث عنها.

أما التجرد فهو إفراغ القلب من الأغيار، وتخليصه من التعلقات التي تزاحم محبة الله ومعرفته، حتى يتهيأ لامتلائه بالأسرار والمعارف والأنوار. وليس هذا الطريق أمرًا يسيرًا أو عاجلًا، وإنما يحتاج إلى مجاهدة طويلة، يلازم فيها العبد استشعار فقره إلى الله، واعترافه بتقصيره في حقه، مع الصبر على السير وعدم استعجال النوال؛ فإن المقصود ليس بلوغ الغاية في أسرع وقت، وإنما صدق التوجه، ودوام المجاهدة، والثبات على الطريق.

_________________________________________________

المقدمة المؤلفُ

الحمد لله الذي أَفاضَ عَلَيْنَا بحَارَ الإِحْسَانَ وَفَرَّعَ مِنْ دُرَر محاسن نبينا جَمِيعَ الأَكُوَانَ وَجَعَلَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَالسَّلَامَ من أعظم القرب والامتنان، صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وأصحابه صلاة وسلاما تنهل بِهِمَا عَلَيْنَا سَحَابُ الرَّضْوَانَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وحده لاشر يلله جميل الأحسان مبدع الأشياء ماشاء، وأشْهَدُ أَنَّ سَيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَدَا الخلق وخاتم الرسل والأنبياء شهادة تنال بها النظرَ إِلَى وَجْهه الكريم في جنة علياء وتَنجُو بِهَا غَدًا مِنَ النيران. (أَمَّا بَعْدُ) :

فَيَقُولُ أَسِيرُ الذُّنُوبِ والْمَسَاوِي الْفَقِيرِ إِلَى مَوْلَاهُ مُوسَى بْنُ عَلَى الشرقاوى:

 قَدْ أَتَنِي الْوَلَّى الصَّالِحُ الشَّيخُ حَسَنُ الصُّوفِي أَنِي ومحبوب شيخنا القطب أبي عبد السلام سيدى عمر الشبراوى وی أمْطَرَ اللهُ ضَريحهما هوامع الرَّحْlةَ وَأَسْكَنَنَا وَإِياهُمَا فَسِيح الجنان.

منهج الشرقاوي في ورده:

فقد رأيتُ أن أجمع جملة من الأحاديث النَّبَوِيَّة وَأَجْعَلَهَا صَلَوَاتِ عَلَى الْمُصْطَفَى خَيرِ الْبَرِيَّة فَأَجَبْتُهُ إِلَى تلك المطالب السَّنية وأن كُنتُ اسْتُ أَهْـلا لَهَا وَلَا مِنْ فُرْسَانِ ذَلكَ المِيدَانُ - مَعَ ملاحظة . بعض المُنَاسَبَاتُ بَيْنَ الأَحَادِيثِ وَكَذَا مَا مَعَهَا مِنَ الآيات لَفَظَاً ومَعنَى أَوْ أَحَدَهُمَا كَما هوَ آتُ، تَأْسِياً بِالْمُؤْلَفِينَ أهْلِ الْفَضْلِ والعِرْفَانَ.

وَاقْتَصَرْتُ فِيهَا عَلَى الحَدِيث الصحيح والحسن مع بيان الصحيفة والكتاب والجزء والسطر والراوى -كَما هُوَ بِها مِنها مِبينَ؛ لَتَطْمَئنَّ القُلُوبُ إِذَا نُسِبَ الحَدِيثَ إلى كتاب مدونَ وَيَسْهُلَ الْأَطَلَاعُ عَلَيْهَا الكُلِّ إِنْسَانَ.

وَقَدْ سميتها بالنجوم الزواهر في الصلاة والسلام على سيد الأوائل والأواخر.

وَرَبَّبتها على حروف الهجاء لتحكى عقود الجواهر، فبحسن حديثها وَصَحِيحِ مَقَالَهَا نَظَمَتْ دُرَرًا تُضِيء عُمَدى الْأَزْمَانَ، فَقُلْتُ مُتَوَسَلًا بجَاه طَهَ الرَّسُولُ، طَالبًا مِنَ اللهِ الإخلاص والقبول

بيان رموز أسماء المخرجين على ما يوجد منها هنا

خ للبخارى م لمسلم ق لهما د لأبي داود ت للترمذي ن النسائى جه لابن ماجه ، للجميع ما عدا الأولين للثلاثة ما عدا ابن ماجه حم للإمام أحمد في مسنده عم لابنه عبد الله، ك الحاكم، خد للبخاري في الأدب تخ له في التاريخ، حب لابن حبان في صحيحه طب للطبراني في الكبير، طس له في الأوسط لمص له فى الصغير كر لابن عساكر بز للبزار ش لابن أبي شيبة عب لعبد الرزاق في كتاب الجامع ع لأبي يعلى في مسنده قط للدارقطني فر الله يلمي في مسند الفردوس حل لأبي نعيم في الحلية هب البيهقي في شعب الإيمان، هق له في الشعب عد لابن عدى عق للعقيلي في الضعفاء خط للخطيب جص للجامع الصغير للسيوطي ص لسعيد بن منصور في سننه اهـ

أسماء الكتب المشار إليها وتاريخ طبعها و بيان الرواي

صحيح الإمام أبي عيسى الترمذي سنة ١٢٩٢ صحيح الإمام مسلم بهامش البخارى سنة ١٣٠٥ م صحيح البخارى سنة ١٣١٤ خ مختصر البخارى سنة ١٣١٤ مصابيح السنة للإمام البغوى سنة ١٢٩٤ بيج تفسير القرآن الشريف الميرغني سنة ١٣١٣ مرغنى (جميعها بالمطبعة الأميرية) -مسند الإمام الحافظ ابن ماجه سنة ١٣١٣ جه الجامع الصغير سنة ١٣١٢ جص أسنى المطالب للبيروتي سنة ١٣١٩ بمطبعة بيروت بروتي أبو داود بهامش الموطأ سنة ۱۳۱۰ دار الكتاب.

فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

والصلاة على النبي ﷺ، بابٌ واسعٌ من أبواب تزكية النفس؛ لأنها تستحضر القدوة الكاملة في الخُلُق والعبادة والمعاملة، وتعيد توجيه المحبة نحو أكمل الخلق ﷺ. ومن هنا لا يكون الذكر غايةً منفصلة عن السلوك، بل يصبح وسيلة لإحياء القلب، وتصحيح المقاصد، واستحضار السنة في تفاصيل الحياة؛ فكلما صدقت المحبة، كان أثرها أظهر في الاتباع والعمل. 

يقول العلامة ابن قيم الجوزية في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه :

الأولى: امتثال أمر الله سبحانه وتعالى .

الثانية موافقته سبحانه في الصلاة عليه الله وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف كما تقدم.

الثالثة موافقة ملائكته فيها .

الرابعة: حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة .

الخامسة: أنه يرفع له عشر درجات .

السادسة أنه يكتب له عشر حسنات .

السابعة: أنه يُمحى عنه عشر سيئات .

الثامنة: أنه يرجى إجابة دعائه، إذا قدمها أمامه، فهى تصاعد الدعاء إلى عند رب العالمين.

التاسعة: أنها سبب لشفاعته الله إذا قرنها سؤال الوسيلة له، أو أفردها كما تقدم حديث رويفع بذلك .

العاشرة أنها سبب لغفران الذنوب.

الحادية عشرة: أنها سبب لكفاية الله العبد ما أهمه.

الثانية عشرة أنها سبب لقرب العبد منه يوم القيامة .

الثالثة عشرة: أنها تقوم مقام الصدقة لذي العسرة .

الرابعة عشرة أنها سبب لقضاء الحوائج.

الخامسة عشرة أنها سبب لصلاة الله على المصلي وصلاة ملائكته عليه .

السادسة عشرة أنها زكاة للمصلي وطهارة له .

السابعة عشرة: أنها سبب لتبشير العبد بالجنة قبل موته .

الثامنة عشرة أنها سبب للنجاة من أهوال القيامة .

التاسعة عشرة: أنها سبب لرد النبى الله الصلاة والسلام على المصلي والمسلم عليه.

العشرون أنها سبب لتذكر العبد ما نسيه .

الحادية والعشرون: أنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة .

الثانية والعشرون أنها سبب لنفي الفقر.

الثالثة والعشرون: أنها تنفى عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه عند ذكره .

الرابعة والعشرون أنها ترمي صاحبها على طريق الجنة وتخطئ بتاركها عن طريقها .

الخامسة والعشرون أنها تنجي من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله ورسوله ويحمد ويثني عليه فيه، ويصلي على رسوله .

السادسة والعشرون أنها سبب لتمام الكلام الذي ابتدئ بحمد الله والصلاة على رسوله .

السابعة والعشرون أنها سبب لوفور نور العبد على الصراط .

الثامنة والعشرون أنها سبب لإبقاء الله سبحانه الثناء الحسن للمصلى عليه بين أهل السماء والأرض لأن المصلى طالب من الله أن يثنى على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل، فلابد أن يحصل للمصلي نوع من ذلك ...

إلى آخر ما ذكر في جلاء الأفهام فتأمله نفعنا الله وإياك به . (ص ٣٥٩، ٣٦٣).

وفي النهاية، فإن أعظم ما يخرج به القارئ من هذه المادة أن تزكية النفس ليست دعوى تُقال، ولا مقامًا يُدَّعى، وإنما هي سير طويل يجتمع فيه العلم والذكر والمجاهدة والعمل. والقلب هو ميدان هذا السير؛ فإن صلح تعلقه بالله صلحت الجوارح، وإن استولى عليه التعلق بغيره اضطربت مسيرته وإن كثرت أعماله. 

والصلاة والسلام على النبي ﷺ من أجلِّ ما يحيي المحبة في القلب ويجدد الصلة بالرسول الكريم، غير أن كمال الانتفاع بها أن تتحول من لفظٍ على اللسان إلى محبةٍ في القلب، واتباعٍ في السلوك، وأخلاقٍ تظهر في معاملة الخلق. وحينئذٍ يصبح السير إلى الله تعالى ليس انتقالًا في الألفاظ والمقامات فحسب، وإنما تحولًا حقيقيًا في الإنسان: من الغفلة إلى الذكر، ومن التعلق بالخلق إلى الافتقار إلى الخالق، ومن رؤية النفس وعملها إلى شهود فضل الله وتوفيقه، مع الثبات على الشريعة والقيام بحقوق العبودية. 




السبت، 3 أكتوبر 2026

العائدون إلى الله علي أحمد عبد العال الطهطاوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

العائدون إلى الله

علي أحمد عبد العال الطهطاوي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: كثيرون يمضون أيامهم في تيه الضمير وسُكر الغفلة، ويستسلمون لما هم فيه حتى يخيَّل إليهم أن تلك الحال قدرٌ لا يتغير، وأن لذة عابرةً يمكن أن تمتد إلى الأبد.. يطوون لياليهم في صخب اللهو، وبين مجالس الطرب والخمر، ويتلمسون في ضجيجها فرحًا يطفئ شيئًا من وحشة أرواحهم، غير أن الليل ينقضي، ويبقى في القلب فراغه، وفي النفس حيرتها، وفي الضمير ثقل ما اقترفته الجوارح. 

بينما يغرق آخرون في بحر الشهوات، حيث تستدرجهم أضواء المدن، وتستهويهم أنغام البحر، وتخدعهم لحظات السكينة العابرة، فيبحثون عن متعة تنسيهم ما وراءها من ذنوب الليل وآثام النهار، فإذا انقشعت نشوة اللحظة عادوا إلى أنفسهم أكثر وحشة وأشد اضطرابًا.

وهكذا تتعدد صور الغفلة، وتتغير وجوهها، ويبقى جوهرها واحدًا (قلبٌ يبحث عن الراحة في غير موضعها).. هنا شباب تستنزفهم الطرقات، يبددون أعمارهم في التسكع والعبث، وربما حملهم طيشهم إلى إيذاء الآخرين والتعدي على حرماتهم.

وبين هذا وذاك تتسع دوائر الاختلاط والمزاح والتضاحك والتواصل، وكأن الإنسان يستطيع أن يطرد عن قلبه أحزانه بكثرة الضحك، أو أن يملأ فراغ روحه بكثرة اللقاءات، وربما يكون وراء كل ذلك جرحٌ قديم يبحث صاحبه عن مخدِّر؛ ففراقٌ هزَّ القلب، أو مظلمةٌ أثقلت الروح، أو صدمةٌ قلبت الحياة رأسًا على عقب، أو عيشٌ أضناه الفقر والحرمان، حتى غدت السهرات متنفسًا من واقع موجع، وصار الهروب من الألم طريقًا إلى مزيد من الألم. 

وقد يستحكم الوهم بصاحبه، وتتراكم ظلمات اليأس وضيق العيش وسوء الفهم، حتى يظن البعض أن التدين تضييقٌ على الحياة، وأن الالتزام مصدر شؤم، وأن الحرية لا تكون إلا في الانفلات من كل قيد. وما هي إلا أوهام تحجب عن القلب حقيقة النور، وتطفئ فيه بارقة الرجاء، حتى يتوهم أن طريق العودة قد طال عليه، وأن المسافة بينه وبين الله قد اتسعت بما لا سبيل إلى قطعه! 

غير أن الإنسان، مهما أوغل في الطريق، لا يفقد في داخله تلك البقية الخفية من الفطرة التي تذكّره بأن له ربًّا، وأن وراء هذا الضجيج سكينةً لم يجدها، وأن وراء هذه الشهوات لذةً أصفى وأبقى. 

قد يطول به التيه، وقد تكثر عثراته، وقد يظن أنه ابتعد حتى لم يعد يصلح للعودة، لكن لحظة صدق واحدة قد تغيّر وجه حياته كلها؛ دمعةٌ في خلوة، أو آيةٌ تهز القلب، أو كلمةٌ تقع في موضعها، أو موقفٌ يكشف للإنسان حقيقة نفسه، فيستيقظ بعد طول غفلة، وينظر إلى الطريق الذي قطعه، ثم يلتفت إلى الباب الذي ظل مفتوحًا طوال غيابه.

ومن هنا جاء هذا الكتاب؛ ليقول للغارقين في العتمة: إن الطريق لم يُغلق، وإن باب الله لم يُوصد، وإن وراء كل ليل فجرًا، ووراء كل انكسار فرصةً للبدء من جديد. جاء ليعيد إلى النفس ثقتها بربها، ويوقظ فيها معنى التوبة، ويبعث فيها قوة الصبر والاحتمال، ويكشف لها أن الفرار إلى الله تعالى ليس هروبًا من الحياة، وإنما هو الفرار من الضياع إلى الهدى، ومن القلق إلى السكينة، ومن ظلمة الشهوة إلى نور الإيمان.

ولهذا لم يكتفِ الكتاب بالكلام عن التوبة، بل ترك للتائبين أن يتحدثوا عن الطريق بأنفسهم؛ فضم تجربة المؤلف، وتجربة صديقه الأستاذ عبد المنعم الجداوي، وقصة المغني البريطاني كات ستيفنز، الذي عُرف بعد إسلامه باسم يوسف إسلام، والممثلة المصرية هناء ثروت، والداعية سوزي مظهر، إلى جانب قصص خمس فتيات في مقتبل العمر وشابين ذاقوا مرارة التيه ثم عرفوا طريق العودة. وهي قصص تكشف أن التحول الحقيقي قد يبدأ من لحظة صادقة، وأن القلب الذي أرهقته الشهوات قد يجد راحته في الإيمان، وأن الإنسان مهما ابتعد يستطيع أن يعود متى صدق مع الله.

وليس العائدون إلى الله صنفًا من الناس لا يشبهوننا؛ إنهم بشرٌ عرفوا الضعف كما نعرفه، أخطأوا كما نخطئ، وذاقوا من مرارة البعد ما جعلهم يعرفون حلاوة القرب. وما يميزهم أنهم لم يجعلوا من عثراتهم نهايةً لحياتهم، بل جعلوها بدايةً لطريق آخر. فالتوبة ليست أن يعود الإنسان إلى ماضيه، وإنما أن يولد من جديد؛ أن يسترد قلبه بعد أن تاه، ووجهته بعد أن ضل، ونوره بعد أن أثقلته الظلمات.

ومن أبلغ ما عبّر به يوسف إسلام عن رحلته قوله: «وبعد قراءة القرآن الكريم كله خلال عام كامل بدأت أطبق الأفكار التي قرأتها فيه، فشعرت في ذلك الوقت أنني المسلم الوحيد في العالم». وتقول إحدى الفتيات التائبات: «عشت في رحاب القرآن هادئة النفس، مطمئنة السريرة، قريرة الضمير، وانتهيت إلى يقين حاسم أنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رفعة ولا طهارة، إلا بالرجوع إلى الله تعالى».

وبالفعل، فإننا نحتاج إلى صدقٍ نُبدِّد به كل هذا الخداع والفساد والظلم من حولنا، وتوبةٍ تردُّ الشاردة، وتُبقي الواردة، وبعد ذلك سلامٍ يدهش العقل، وإيمانٍ لا نظمأ بعده أبدًا.

وإني أتوجه إلى كل داعية، وكل مسلم ومسلمة، أيًّا كان مركزه، ألّا يتهاون في إسداء النصيحة وتقديم الكلمة الطيبة، حتى لو أُغلقت في وجهه جميع الأبواب، ولم يحظَ إلا بإجابة الخليل؛ فإن السعادة كل السعادة في طاعة الله والعودة إليه.




تعليم الصلاة محمد محمود الصواف بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تعليم الصلاة

محمد محمود الصواف

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: الصلاة عمود الدين، وشعار المسلمين، وحلية المتقين، ولباس عباد الله الصالحين؛ بها تحيا القلوب، وتزكو النفوس، وتستقيم الجوارح. فإذا أُقيمت على الخشوع والخضوع، أثمرت في النفس تهذيبًا، وفي السلوك تقويمًا، وفي الأخلاق جمالًا وسموًّا. وهي الدواء الشافي من أدواء القلوب، والنور الذي يبدد ظلمات الذنوب والآثام، والصلة التي تصل العبد بربه في خلوته وجلوته.

والصلاة أول عبادة فُرضت من العبادات، وقد فُرضت ليلة المعراج بلا واسطة، فكان في علو مكانها علو شأنها وعظيم منزلتها. ومن أعرض عنها، أو استخف بأمرها، فقد عرّض نفسه لسخط الله، وخالف أمره، وسلك سبيلًا من أعظم سبل الخسران. 

كما أن من أصر على المعصية ولم تنهَه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فعليه أن يراجع صلته بربه، ويقف مع صلاته وقفة صدق؛ إذ ليست الصلاة حركات تؤدى بالأجساد، وإنما هي عبادة تُقيم القلب، وتهذب السلوك، وتصد صاحبها عن مسالك الشر إذا أُقيمت على وجهها.

وهذا الكتاب الماتع مختصرٌ في تعليم الصلاة وبيان كيفية أدائها على الوجه المشروع، مع استيفاء أركانها وواجباتها، وما يتصل بها من خشوع وركوع وسجود، بأسلوب تعليمي مبسط، واضح العبارة، قريب المأخذ. وقد تناول الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة والجماعة، وصلاة العيدين، وصلاة المسافر، وصلاة الاستخارة، وغير ذلك من المسائل التي يحتاج إليها المسلم في عبادته.

وعلى بساطة الكتاب وسهولة عرضه، فإنه يحمل بين طياته رسائل تربوية وإشارات إيمانية تتجاوز بيان الأحكام إلى تعميق الشعور بجلال الصلاة وعظيم أثرها في حياة المسلم؛ فهي مدرسة للتوحيد والإخلاص، وميدان لتربية النفس على الانضباط والطاعة، ومظهر حيّ للوحدة والمساواة، ومحراب تتلاقى فيه القلوب على عبادة الله، فلا فضل فيها لغني على فقير، ولا لكبير على صغير، وإنما يقف الجميع بين يدي الواحد القهار صفًّا واحدًا، تجمعهم العبودية، وتؤلف بينهم الصلاة.

مكانة الصلاة في الإسلام:

أ- الصلاة عمود الدين
قال رسول الله ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». رواه الترمذي (2616).

ب- الحد الفاصل بين الإسلام والكفر
قال ﷺ: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». رواه مسلم (82).
وقال ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». رواه الترمذي (2621) والنسائي وأحمد.

ج- أمر الله بالمحافظة عليها
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ۝ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 9-11].

د- أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة
قال ﷺ: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر». رواه الترمذي (413) والنسائي (465).

هـ- أنها طريق الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ۝ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 9-11].

و- أنها تأمر بكل خير وتنهى عن كل شر
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
وهذا نصٌّ صريح في أثر الصلاة في زجر صاحبها عن الشر والمعاصي.

ز- تطهير النفس من الذنوب والآثام
قال ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». متفق عليه.

ح- مظهر من مظاهر العدل والمساواة والوحدة
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]، وقال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43].
وقال ﷺ: «ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟» قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف». رواه مسلم (430).
وفي الصلاة جماعةً يقف المسلمون صفًا واحدًا، لا يتميز غني ولا فقير، ولا حاكم ولا محكوم، فيتحقق معنى الوحدة والمساواة.

طا- أنها ذكرى لمن أراد أن يتذكر
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].

ك- أنها نور وبرهان ونجاة للعبد يوم القيامة
قال ﷺ: «الصلاة نور». رواه مسلم (223).
وقال ﷺ: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة». رواه أحمد والدارمي والبيهقي، وحسنه جماعة من أهل العلم.

ل- أن تاركها يوجب السلوك في سقر ولا تنفعه شفاعة
قال تعالى في وصف أهل سقر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۝ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ۝ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ۝ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ۝ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ۝ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 42-48]. فذكروا ترك الصلاة في مقدمة أسباب دخولهم سقر، وختم السياق ببيان أنه ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.

م- أنها إحدى عرى الإسلام وقواعد الدين وأساس الإسلام
قال ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». متفق عليه.
وقال ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة». رواه الترمذي.

ن- دعاء الصلاة لمن حافظ عليها، ودعاؤها على من ضيعها عن أوقاتها
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]، وقوله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].

وفي الحديث: «إذا أحسنَ الرجلُ الصلاةَ فأتمَّ ركوعَها وسجودَها قالتْ الصلاةُ: حفِظَكَ اللهُ كما حفظْتَنِي ، فتُرفعُ ، وإذا أساءَ الصلاةَ ، فلمْ يُتِمَّ ركوعَها وسجودَها ، قالت الصلاةُ: ضيَّعَكَ اللهُ كما ضيعتَني: فَتُلَفُّ كمَا يُلَفُّ الثوبُ الخَلَقُ فيضربُ بها وجهُهُ».

بعض المفاهيم التي وردت في الكتاب:

الحدث الأصغر هو ما يوجب الوضوء، ويكون بسبب خروج شيء من السبيلين، كالبول والغائط والريح. أما الحدث الأكبر فهو ما يوجب الغسل، ومن أسبابه الاحتلام، والتقاء الختانين، وانقطاع الحيض والنفاس. ولا تصح الصلاة بغير طهارة من الحدث، فمن صلى بغير وضوء مع علمه بوجوبه فقد أتى محرمًا وصلاته باطلة.

ومن رخص الشريعة المسح على الخفين، وهي سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيُمسح على ظاهرهما دون باطنهما، للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. ويشترط للمسح أن يلبسهما على طهارة، ويجوز المسح على الجوربين إذا استوفيا شروط المسح المعتبرة، سواء كانا من الصوف أو غيره. وما شرع الله هذه الرخصة إلا تيسيرًا على عباده، ورفعًا للحرج والمشقة عنهم.

تنبيهان: (الأول) ينبغي للمغتسل أن يستتر عن أعين الناس، ولا يجوز له كشف عورته إلا عند الحاجة، ويجوز له التجرد إذا كان في خلوة لا يراه فيها أحد، أو كان في ماء يستر عورته. (والثاني) لا ينبغي للمغتسل ولا للمتوضئ الإسراف في استعمال الماء، ولو كان على نهر جارٍ؛ فإن الاعتدال في استعماله من هدي الشريعة، والإسراف فيه منهيٌّ عنه.

وفي باب إزالة النجاسات، يحرم على الرجل جماع زوجته حال حيضها أو نفاسها؛ لما في ذلك من الأذى والضرر، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222].

وفي أوقات الصلاة، لا تصح الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، أي فرضًا ثابتًا مؤكدًا، جعل الله لكل صلاة منه وقتًا محددًا لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه بغير عذر شرعي.

وفي معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قولنا: «اللهم صل على محمد»، أي: عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وعظّمه في الآخرة برفع درجته، وإظهار فضله، وتشريف مقامه، وتعظيم أجره ومثوبته. وصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه ورحمته به، وصلاة الملائكة استغفارهم له، وصلاة المؤمنين دعاؤهم له وسؤال الله أن يزيده تشريفًا وتعظيمًا.

والصلاة المفروضة فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، ذكرًا كان أو أنثى، قادرًا على أدائها، وقد بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تسقط عن المكلف بحال ما دام عقله ثابتًا، وإنما تتغير صفتها بحسب القدرة والاستطاعة؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

ويُؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنوات؛ ليألفها منذ صغره، وينشأ على محبتها، ويتعوّد أداءها والمحافظة عليها، فإذا بلغ عشر سنين وأصرّ على تركها ضُرب ضربًا غير مبرح تأديبًا له وتعويدًا على شأنها.

وفي مواقيت الصلاة، إذا نام المسلم عن صلاة ثم استيقظ وقد خرج وقتها، وجب عليه أن يصليها حين يستيقظ، ولا يجوز له تأخيرها؛ فهذا وقت أدائها في حقه. ويحرم عليه أن يتعمد النوم إذا غلب على ظنه فوات الصلاة بسببه، كما يحرم عليه تعمد تأخيرها عن وقتها من غير عذر، كسلًا أو تهاونًا.

وأما وقت صلاة العصر، فيُعرف بدخول وقتها إذا صار ظل الشيء مساويًا لطوله، مضافًا إليه ظل الاستواء، أي الظل الذي يكون موجودًا عند زوال الشمس. 

وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي أمر الله بالمحافظة عليها، فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. 

ولا يجوز تعمد تأخيرها حتى تصفر الشمس أو تدنو من الغروب، وقد ورد الوعيد الشديد في تضييعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله» متفق عليه.

وأما وقت المغرب فيدخل بغروب الشمس، ويمتد إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس، ويُستحب تعجيل صلاة المغرب وعدم تأخيرها.

وأما وقت العشاء، فيُكره النوم قبلها والحديث بعدها من غير حاجة، ويُستثنى من ذلك ما كان لمصلحة، كطلب العلم، وإكرام الضيف، ومؤانسة الأهل، ونحو ذلك. 

وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أفضل إذا لم يشق ذلك على المصلين، أما أداؤها مع الجماعة في أول وقتها ففيه فضل عظيم. وإذا أقيمت الصلاة وحضر الطعام، وكان الإنسان شديد التعلق به، فليبدأ بالطعام حتى يذهب عنه ما يشغله، ثم يصلي بقلب حاضر وطمأنينة؛ لأن المقصود من الصلاة حضور القلب والخشوع. 

كما تُكره الصلاة حال مدافعة البول أو الغائط؛ لما في ذلك من إشغال القلب وإذهاب الخشوع، وللنهي الوارد عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين.

وأما الأذان فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، تشتمل على ذكر الله تعالى، والدعوة إلى الصلاة والفلاح. وهو من أعظم شعائر الإسلام وأظهر معالم الدين، شُرع في السنة الأولى من الهجرة، وظل المسلمون يحافظون عليه في الحضر والسفر، حتى صار شعارًا ظاهرًا للمسلمين ودعوة متكررة إلى عبادة الله وإقامة الصلاة. 

وقد ورد الأمر به في أحاديث متعددة، مما يدل على عظيم منزلته ومكانته في شعائر الإسلام، وقد استمر عليه المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.