أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 10 أكتوبر 2026

أفكار صغيرة لحياة كبيرة كريم الشاذلي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أفكار صغيرة لحياة كبيرة

كريم الشاذلي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: لكلٍّ منا حلم يراوده بين الحين والآخر؛ فمنّا من يتمنى بيتًا واسعًا، ومنّا من يطمح إلى امتلاك سيارة حديثة، ومنّا من يسعى إلى نيل شهادة علمية، أو تأسيس تجارة ناجحة. غير أن هذه الأحلام ستظل مجرد أمنيات ما لم نتخذ الخطوات الصحيحة لتحقيقها.

فالإنسان العاقل يحرص على أداء واجباته على أكمل وجه، مستعينًا بما يمتلكه من قدرات وإمكانات، ومتحليًا بروح العمل والجد والمثابرة. وليكن في علمك أن الأحلام الكبيرة والإنجازات العظيمة ليست مستحيلة، بل يمكن تحقيقها متى أحسنّا التخطيط لها، وقسّمناها إلى مراحل متدرجة، ووضعنا لكل مرحلة خطة عمل واضحة، وحددنا موعدًا للبدء وآخر للإنجاز.

وهكذا سار الناجحون وأصحاب الإنجازات العظيمة؛ فلم يبلغوا غاياتهم دفعة واحدة، وإنما شقّوا طريقهم بالصبر والعمل والمثابرة، حتى تركوا بصماتهم في حياة البشرية. وهو ما يحاول هذا الكتاب أن يتناوله بالبحث والبيان، إنه كتاب (simple idea for great life).

وقبل البدء، لا بد من نصيحة غالية، وهي إياك أن تنظر إلى الناس على أنهم ملائكة، فتُصدم حين تكتشف غير ذلك، ولا تنظر إليهم على أنهم شياطين، فتتحول إلى واحد منهم. فالناس مختلفون في طباعهم وأخلاقهم؛ فمنهم من يسير في ركاب الشر، ومنهم من يسمو بأخلاقه وأعماله حتى يكاد يحلّق في آفاق الملائكة.

فائدة: لماذا تهاجر الطيور في تشكيل يشبه الرقم سبعة؟

تشير التفسيرات العلمية إلى أن الطيور حين تطير في تشكيل يشبه حرف V، فإن حركة أجنحة كل طائر تُحدث تيارات هوائية تساعد الطائر الذي يليه على التحليق بجهد أقل. وبهذا التشكيل، تتعاون الطيور على توفير الطاقة وقطع مسافات أطول مما تستطيع قطعه لو طار كل طائر بمفرده. إنه مثال بديع على أثر التعاون والتنسيق في بلوغ الأهداف، وعلى أن العمل الجماعي قد يحقق ما يصعب على الفرد تحقيقه وحده.

لا تحمل كيس البطاطا

ذات يوم، طلب أحد الأساتذة من طلابه أن يحضر كلٌّ منهم كيسًا نظيفًا. وعندما نفّذوا ما أمرهم به، طلب منهم أن يضعوا في هذا الكيس ثمرة بطاطا عن كل ذكرى سيئة لا يريدون محوها من ذاكرتهم، وأن يكتبوا على كل ثمرة الموقف السيئ وتاريخه.

وبالفعل، قام الطلاب بما طلبه الأستاذ، وأصبح لدى كلٍّ منهم كيس لا بأس به من البطاطا. عندها طلب منهم الأستاذ ألا يتركوا هذا الكيس أبدًا، وأن يصطحبوه معهم في حلّهم وترحالهم؛ فهو معهم في غرفة النوم، والسيارة، والسوق، والنادي!

وما أتعس من يحملون كمًّا كبيرًا من الذكريات المؤلمة، وقد ترجموها إلى حبات بطاطا، فأرهق حملُها أكتافَهم بعدما تعبت منها نفوسهم!

لقد أوضح عبء حمل هذا الكيس طوال الوقت للطلاب العبء الروحي الذي تحمله نفوسهم بسبب ذكرياتهم المؤلمة، والثقل النفسي الذي تبعثه تلك الذكريات في داخلهم.

ومع مرور الوقت، أصبحت البطاطا عبئًا ماديًّا ثقيلًا، إذ صاروا يهتمون بها باستمرار خشية نسيانها في أماكن قد تتسبب لهم بالحرج. وبطبيعة الحال، تدهورت حالتها، وانبعثت منها رائحة كريهة، مما جعل حملها أمرًا غير مستحب.

ولم يمضِ وقت طويل حتى قرر كل واحد منهم التخلص من كيس البطاطا بدلًا من الاستمرار في حمله إلى كل مكان يذهب إليه.

إن النسيان، صديقي القارئ، نعمة تستحق الشكر، والتخلص من الذكريات السيئة هو مما يعيننا على العيش بسلام. أما اجترار الأحزان، واستعادة الذكريات المؤلمة، واستحضار المواقف السلبية باستمرار، فلا يزيدنا إلا تعبًا وألمًا، ويثقل حاضرنا بأعباء الماضي.

ليس المطلوب أن ننكر ما حدث، أو نتجاهل الدروس التي تعلمناها من تجاربنا، وإنما أن نتعلم كيف نترك الألم يمضي، ونحتفظ بالعبرة، دون أن نظل أسرى لما مضى. فالحياة أقصر من أن نقضيها في حمل أعباء لا نستطيع تغييرها، وأجمل من أن نحرم أنفسنا راحة الحاضر بسبب آلام الماضي.


المؤلمة؛ فإنه ما يفتأ يؤرّق عيشنا، ويُضجّ مضجعنا، ويعمل عمله فينا، فيهدم بنيان سعادتنا.

إن حمل تجاربنا الحزينة معنا أينما حللنا لهو أمر مؤسف وصعب، والأصلح هو النسيان والتجاوز والتسامح والتغافر.

ألقِ عن كاهلك، يا صديقي، ذلك الثقل الروحي الرهيب الذي خلّفته تجاربك الشخصية غير الموفقة، ومشاريعك الفاشلة، وعثراتك وكبواتك المختلفة.

تعلّم مهارة النسيان، ونظّف أرشيف عقلك باستمرار، ولا تحتفظ فيه إلا بالجميل من الذكريات. أمّا المؤلم منها، فاقطف منه العبرة والحكمة، وألقِ به في سلّة المهملات.

كُن فطناً

يُقال إن فلاحًا رأى ثعبانًا يرقد تحت شجرة ظليلة، فرفع فأسه عاليًا، وهوى بها على رأس الثعبان.

لكن الثعبان كان أسرع منه حركة، ففزع من رقدته واستدار بقوة، والشرر يتطاير من عينيه، وهمَّ بعضِّ الفلاح الخائف.

فما كان من الفلاح إلا أن قال بضعف: «مهلًا أيها الثعبان، إن قتلتني لم يُفدك قتلي شيئًا، ولكن ما رأيك أن نعقد صلحًا، فلا تؤذيني ولا أؤذيك، والله يشهد على اتفاقنا؟».

فقال الثعبان بعد برهة من التفكير: «لا بأس، أوافق على السلام، وألّا يؤذي أحدنا الآخر».

ويمرُّ بعض اليوم، ويأتي الفلاح إلى الثعبان الغافي، ويحاول مرة أخرى قطع رأسه غدرًا وغيلة.

فيلتفُّ الثعبان الحذر، والشرر يتطاير من عينيه، وقد همَّ بعضِّ قاتله، فيبادر الفلاح قائلًا في هوان: «سامحني، ولنتعاهد على ألّا يؤذي أحدنا الآخر».

فيقول له الثعبان: «قل لي: كيف آمن لك، وهذا أثر فأسك يحتلُّ موضع رأسي؟!».

ثم يعضُّه عضةً يموت على إثرها.

هل ستقضي عمرك في حل المشكلات؟

يُروى أنه في الأيام الأولى لتولّي محمد الفاتح، رحمه الله، الحكم بعد وفاة أبيه، ثارت المشكلات في وجهه، وكان صغير السن، لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، فظنّ الناس أنهم يستطيعون التلاعب به.

فبدأ الولاة بإثارة المشكلات رغبةً في الاستقلال، وكانوا يجسّون النبض ليروا مدى قدرة السلطان الجديد على ضبط الأمور.

وبدأ جيران الدولة وأعداؤها في الخارج يثيرون الزوابع، ليروا إن كان قد حان الوقت لاقتطاع بعض أجزاء الدولة العثمانية وضمّها إلى دولهم أم لا.

وأثار بعض المشكلات ضعاف النفوس ممن يرغبون في الحصول على عطايا السلطان ومنحه، فضلًا عن غيرها من المشكلات الكثيرة.

وكان السلطان يناقش هذه المسائل مع وزيره باستمرار. وفي إحدى جلسات النقاش الحامية، اقترح الوزير على السلطان أن تُرتَّب هذه المشكلات حسب أولويتها، حتى يشرع في معالجتها واحدة تلو الأخرى.

وهنا قال السلطان كلمة شديدة القوة والعجب، فقال: «وهل سأقضي عمري كله في حلّ المشكلات؟ أعطوني خرائط القسطنطينية!».

كانت القسطنطينية حصنًا استعصى على كثير من الملوك والسلاطين، فبدأ السلطان بالفعل في تجهيز الأمة لهذه الغاية النبيلة، حتى تحقق الحلم، وتبخّرت المشكلات الآنية أمام تيار عزمه واندفاعه نحو هدفه الكبير.

ومن هذا الموقف نتعلّم أن الهدف الكبير يقضي على المشكلات الصغيرة، والغاية النبيلة تسحق ترّهات الأيام، والعظمة تجلب معها جيشًا من الهمم يأسر دناءة النفس وصغر الطموح ومشكلات الحياة العادية.

التقارب المدروس

يُحكى أنه كانت هناك مجموعة من القنافذ تعاني البرد الشديد، فاقتربت من بعضها وتلاصقت طمعًا في شيء من الدفء، لكن أشواكها المدببة آذتها، فابتعدت عن بعضها، فأوجعها البرد القارس.

فاحتارت بين ألم الشوك والتلاصق، وعذاب البرد، ووجدت في النهاية أن الحل الأمثل هو التقارب المدروس؛ بحيث يتحقق الدفء والأمان بأقل قدر من الألم ووخز الأشواك.

فاقتربت، لكنها لم تقترب الاقتراب المؤلم، وابتعدت، لكنها لم تبتعد الابتعاد الذي يحطم أمنها وراحتها.

وهكذا يجب أن يفعل السائر في دنيا الناس؛ فالناس كالقنافذ، يحيط بهم نوع من الشوك غير المنظور، يصيب كل من ينخرط معهم بغير حساب، ويتفاعل معهم بغير انضباط.

لذا وجب علينا أن نتعلم هذه الحكمة من القنافذ؛ فنقترب من الآخرين اقتراب من يطلب الدفء ويمنحه، ونكون في الوقت نفسه منتبهين إلى عدم الاقتراب الشديد، حتى لا تنغرس أشواكهم فينا.

نفثة ثعبان

قرر أحد الثعابين يومًا أن يتوب ويكفّ عن إيذاء الناس وترويعهم، فذهب إلى راهب يستفتيه فيما يفعل، فقال له الراهب: «انتحِ من الأرض مكانًا معزولًا، واكتفِ من الطعام بالنزر اليسير».

ففعل الثعبان ما أُمر به، لكنّ ما كان يقضّ مضجعه أن بعض الصبية كانوا يذهبون إليه ويرمونه بالحجارة، وعندما يجدون منه عدم مقاومة، كانوا يزيدون في إيذائه.

فذهب إلى الراهب يشكو إليه حاله، فقال له الراهب: «انفث في الهواء نفثةً كل أسبوع؛ ليعلم هؤلاء الصبية أنك تستطيع ردّ العدوان إذا أردت».

فعمل بالنصيحة، فابتعد عنه الصبية، وعاش بعدها مستريحًا.

كثير من الناس، يا قارئي الحبيب، يغريهم الحلم، ويغريهم الرفق والطيبة بالعدوان والإيذاء. وكلما زاد المرء في حلمه، زاد المعتدي في عدوانه، وقد يخيل إليه أن عدم ردّ العدوان ضعف واستكانة وقلة حيلة.

هنا يأتي دور الثعبان ونفثته، التي تُخبر من غرّه حلم الحليم أن اليد التي لا تبطش قد ألجمها الأدب لا الضعف، وأن اللسان العفيف استمدّ عفّته من حسن الخلق، لا من ضعف المنطق وقلة الحيلة.

وأن مهانة المسيء هي التي منعتنا من مجاراته، لا الرهبة منه أو خشيته.

إن لنفثة الثعبان في زماننا هذا قيمة؛ فإظهار العصا بين الحين والآخر كفيل بإعلام الجهلاء أن أصحاب الضمائر الحية أقوياء أشداء، قادرون على الحفاظ على حقوقهم وخصوصياتهم.

الناس كالسلحفاة

يُحكى أن أحد الأطفال كان لديه سلحفاة يطعمها ويلعب معها، وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة، جاء الطفل إلى سلحفاته العزيزة، فوجدها قد دخلت في غلافها الصلب طلبًا للدفء.

فحاول أن يُخرجها، فأبت. وضربها بالعصا، فلم تأبه به. وصرخ فيها، فازدادت تمنعًا.

دخل عليه أبوه، وهو غاضب حانق، وقال له: «ماذا بك يا بني؟».

فحكى له مشكلته مع السلحفاة، فابتسم الأب وقال له: «دعها وتعال معي».

ثم أشعل الأب المدفأة، وجلس بجوارها هو وابنه يتحدثان. ورويدًا رويدًا، إذا بالسلحفاة تقترب منهما طلبًا للدفء.

فابتسم الأب لطفله وقال: «يا بني، الناس كالسلحفاة؛ إن أردتهم أن ينزلوا عند رأيك، فأدفئهم بعطفك، ولا تكرههم على فعل ما تريد بعصاك».

وهذه إحدى أسرار الشخصيات الساحرة المؤثرة في الحياة؛ فهم يدفعون الناس إلى حبهم وتقديرهم، ومن ثم طاعتهم، عبر منحهم الكثير والكثير من دفء قلوبهم ومشاعرهم.

هز ظهرك وارتفع

ذات يوم، كان فلاح عائدًا إلى بيته بعد يوم حافل بالعمل، وحصانه يمشي بجواره، وعلى ظهره شيء من ثمار أرضه. وفجأة، فزع الحصان وركض نحو بئر عميقة، فسقط فيها.

أسرع الفلاح ليتفقد فرسه الذي كان يئنّ في البئر، والهلع يملأ جوانحه. فكّر في حيلة يُخرج بها حصانه، لكن أعياه التفكير، ولم يهتدِ إلى حل.

وبعد مهلة من التردد، قرر أن يترك الحصان في البئر، بل اهتدى إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالبئر جافة، وقد يسقط فيها فلاح آخر أو أحد حيواناته، فلماذا لا ينادي جيرانه من الفلاحين ليردموها؟ وبذلك يدفن الحصان بدلًا من أن تفوح رائحته الكريهة بعد موته، ويتخلص في الوقت نفسه من بئر لا فائدة منها.

وهكذا نادى المزارع جيرانه، وطلب منهم المساعدة في ردم البئر، وأخبرهم بمراده من ذلك والفائدة المرجوة منه، فوافقوه وبدأوا العمل.

ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأ التراب ينهال على ظهر الحصان القابع في البئر بلا حيلة. وسرعان ما أدرك الحصان حقيقة ما يجري، وأيقن أنه هالك لا محالة، فارتفع صهيله فزعًا وخوفًا. لكنه تأكد أن القوم قد أبرموا أمرهم ولن يتراجعوا عنه، فقرر أن يدبّر أمرًا ينقذ به نفسه.

وبينما القوم مستمرون في إلقاء الأتربة في البئر بلا توقف، انقطع صوت الحصان تمامًا؛ فلا عويل ولا صراخ ولا صهيل ألم وخوف.

وبعد فترة، قرر المزارعون أن يتوقفوا ليلقوا نظرة على الحصان الذي اختفى صهيله تمامًا، فإذا بهم يرون مشهدًا عجيبًا!

فبينما كان المزارع ورفاقه منهمكين في إلقاء التراب على الحصان، كان الحصان مشغولًا بهزّ ظهره كلما سقطت عليه الأتربة، فيلقيها أرضًا، ويرتفع بمقدار سنتيمترات إلى الأعلى.

واستمر الحال على هذا المنوال؛ هذا يلقي بالأتربة والأوساخ، وذاك ينفضها عن ظهره ويرتفع فوقها. ورويدًا رويدًا، وجد الجميع الحصان وقد أصبح قريبًا من النور.

وبدلًا من أن تغرقه القاذورات وتدفنه، اتخذها وسيلة للارتفاع فوقها والنهوض من خلالها، حتى صار حرًّا طليقًا، وكان الفضل في نجاته يعود إلى ما كان يظنه شرًّا خالصًا.

اللسان

كانت الأمور تسير بصورة طبيعية بين مجموعة من الضفادع التي تتسابق بين أشجار الغابة، قبل أن تسقط ضفدعتان في حفرة عميقة.

تجمّعت الضفادع حول الحفرة لتشاهد الضفدعتين المسكينتين، وما إن طالعتا عمق الحفرة حتى تأكدتا من استحالة إنقاذهما؛ فالحفرة عميقة جدًا.

فأخذت الضفادع تطالب الضفدعتين بالاستسلام للموت، والاكتفاء بما عاشتا من أيام، مؤكدةً أن محاولاتهما للخروج لن تجدي نفعًا.

لكن الضفدعتين لم تستمعا إلى كلام الضفادع، وحاولتا القفز والخروج من هذه الحفرة، غير أن محاولاتهما باءت بالفشل. ومع تصاعد أصوات الضفادع التي تطالبهما بالكفّ عن المحاولات اليائسة والاستسلام لمصيرهما المحتوم، استسلمت إحدى الضفدعتين بالفعل، وماتت في صمت.

أما الضفدعة الأخرى، فظلّت تقفز مرة تلو أخرى، بينما كان جمهور الضفادع يطالبها بالاستسلام والموت بهدوء. لكنها لم تُصغِ إليهم، واستمرت في محاولاتها حتى حققت ما بدا مستحيلًا، ووصلت إلى حافة الحفرة، ونالت حريتها بعدما ظنّ الجميع أنها في عداد الأموات.

التفّ جمهور الضفادع حول الضفدعة الناجية، يسألونها في لهفة: «ما أروع إصرارك! كيف صمدت رغم هتافنا لكِ بأن تستسلمي وتكفّي عن المحاولة؟».

فأخبرتهم الضفدعة ببساطة أنها تعاني مشكلة في السمع، ولم تكن تستطيع سماعهم بوضوح وهي في الأسفل؛ لذا لم تصل إليها هتافاتهم المثبطة والمحطمة، ولم تتأثر بها. بل على العكس من ذلك، كانت تظن أن هتافهم تشجيع لها، وتحذير من اليأس والقنوط، وأن صراخهم يحثّها على مواصلة المحاولة. واعترفت لهم بأن ذلك كان له بالغ الأثر في استمرارها في محاولاتها المضنية حتى نجحت في الخروج.

لا تحاول تغيير العالم

يُحكى أن ملكًا كان يحكم دولةً ممتدة الأطراف، وأراد يومًا أن يقوم برحلة برية تستغرق أيامًا ولياليَ طوالًا.

وبالفعل، قام الملك بجولته، لكنه في طريق العودة شعر بألم في قدميه. فنظر إليهما، فإذا هما متورمتان بشكل كبير ومؤلم، بسبب وعورة الطريق وصعوبة السير فيه.

فأصدر الملك مرسومًا يقضي بتغطية شوارع المملكة كلها بالجلد، حتى لا تتورم قدماه مرة أخرى!

لكن الأمر كان صعبًا؛ فليس من السهل تغطية المملكة كلها بالجلد. وهنا أبدى وزير الملك، ذو العقل النبيل، رأيًا آخر، فقال لسيده: «مولاي، ولماذا لا تغطي قدميك بالجلد، وتحكم تغطيتهما؟ فهذا أسهل وأيسر في التطبيق». وهكذا، بحسب هذه الحكاية، ظهرت فكرة النعل في العالم.

غيّر أسلوبك

على رصيف أحد الميادين، جلس رجل أعمى واضعًا قبعته أمامه، وبجانبه لوحة كُتب عليها: «أنا رجل أعمى، ساعدوني».

ومضى وقت غير قليل، ولم يكن في قبعته إلا القليل من القروش.

فمرّ به أحد الأشخاص، ووضع في قبعته بعض المال، ثم تأمّل اللوحة مليًّا، وقرّر تغيير العبارة المكتوبة عليها، ظنًّا منه أن هذه العبارة هي سبب عدم تعاطف الناس مع الأعمى المسكين.

وبالفعل، غيّر العبارة، ثم مضى في سبيله. ولم يمضِ وقت طويل حتى امتلأت قبعة الرجل بالأموال!

استبدّ الفضول بالرجل الأعمى، فأراد أن يعرف ما الذي كتبه ذلك الرجل، وما الذي أحدث هذا التأثير في الناس ودفعهم إلى مساعدته بشكل أكبر.

فطلب من أحد المارّة أن يقرأ له ما كُتب على اللوحة، فأخبره أن العبارة تقول:

«نحن في فصل الربيع، لكنني أعمى لا أستطيع رؤية جماله!».

وهنا أدرك الأعمى السبب!

لقد علّم هذا الرجل الأعمى، وعلّمنا معه، أن الأساليب والوسائل التي نستخدمها ينبغي أن نعيد النظر فيها إذا لم تَسِر الأمور على النحو المناسب.

فلا بدّ من مراجعة الذات ونقدها، وإعادة النظر فيما نفعله، والبحث عن أساليب جديدة لتحقيق أهدافنا؛ فقد لا تكون المشكلة في الهدف الذي نسعى إليه، بل في الطريقة التي نتبعها للوصول إليه.

الرضا

في إحدى قرى العالم الكبير، كانت تعيش أسرة صغيرة فقيرة، تتكوّن من أمّ وطفلتها ذات الأعوام الثلاثة. وعلى الرغم من الفقر الشديد الذي كانت تعاني منه الأسرة، فإن الرضا كان باديًا على أهل البيت.

لم تكن الأم تطمع في شيء؛ فقد كانت تعمل في بيوت الأغنياء طوال النهار، ثم تعود مع طفلتها إلى منزلهما ومعهما ما يسدّ جوعهما ويروي عطشهما، وأحيانًا تحملان معهما ثمرتين من البرتقال، تأكلانها وهما تشاهدان القمر من نافذة المنزل، بينما تحكي الأم لصغيرتها إحدى قصصها المسلّية.

لم يكن يشغل بال الأم سوى تلك الشقوق التي أخذت تتّسع في سقف الدار؛ فقد كانت تخشى أن يأتي يوم ينهمر فيه المطر، فيحوّل البيت إلى بركة من الماء، فتغرق هي وطفلتها الصغيرة.

وجاء الشتاء حاملًا غيومًا كثيفة، ولم يلبث المطر أن انهمر على القرية والبيت الصغير.

وجدت الأم بيتها وكأن سقفه قد أوشك على الانهيار من كثرة المياه المتدفقة منه. حاولت أن تحمي صغيرتها من المطر، لكنه كان شديدًا، ومضى الوقت والأم تجري بطفلتها من مكان إلى آخر، والصغيرة ترتجف من البرد والخوف.

وبعد مدة، اهتدت الأم إلى فكرة بسيطة؛ فقامت بخلع باب المنزل، وأسندته مائلًا إلى الجدار، ثم احتمت تحته هي وصغيرتها.

وقد حماهما الباب من انهمار المطر بعض الشيء.

وهنا التفتت الطفلة إلى أمها مبتسمة، وقالت: «الحمد لله يا أُمّاه! تُرى، ماذا يفعل الآن الفقراء الذين ليس لديهم باب يختبئون تحته من انهمار المطر؟!»

المشاكل الصغيرة

يُحكى أن الصينيين كانوا يستخدمون أسلوبًا غريبًا في التعذيب؛ إذ كانوا يجعلون السجين يستلقي على ظهره فوق لوح خشبي، ويربطون يديه، ويثبّتون رأسه بواسطة قطعتين خشبيتين، فلا يستطيع تحريكه إطلاقًا.

ثم يضعون المسكين تحت صنبور ماء، تتساقط منه نقطة واحدة كل عشر ثوانٍ، بانتظام ورتابة، بحيث تسقط النقطة على المنطقة الواقعة بين الأنف والجبهة.

إنها مجرد نقطة ماء، قد لا تلفت الانتباه في حد ذاتها، لكن الرتابة والتكرار المستمرين يجعلانها وسيلة تعذيب مروّعة؛ إذ يُقال إن السجين قد يفقد صوابه خلال يومين على الأكثر، ثم ينهار جهازه العصبي ويموت.

الركن الضعيف

اعتلى أحد قياصرة الروم سُدّة الحكم، بعد أن كان محكومًا عليه بالإعدام. وعندما رأى الجماهير تتوافد إلى قصره من شرفته لتهنئه وتبارك له، بعدما كانوا يلعنونه في السابق، قال: «أهلًا بالمصفقين لكل منتصر وغالب!».

إن الغوغاء لا ينصرون قضية بالضرورة، وعامة الجماهير قد تفتقر إلى الرؤية المستقلة، فتتأثر قراراتهم واتجاهاتهم بوسائل شتى؛ فقد يضللهم الإعلام، وقد يكون صوت الخوف على لقمة العيش هو الأعلى، وقد يميلون إلى صاحب الكفة الراجحة، فيصفقون للغالب وينفضّون عن المغلوب.

فجّر قواك الكامنة

يُحكى أن مجموعة من اللاجئين همّت بالفرار من إحدى مناطق الحرب، عبر اختراق بقعة شديدة الوعورة في بلادهم. وبينما كانوا على وشك الرحيل، اقترب منهم رجل عجوز ضعيف وامرأة تحمل طفلًا صغيرًا على كتفيها.

وافق قادة المجموعة على اصطحاب الرجل العجوز والمرأة، بشرط أن يتحمّل كلٌّ منهما مسؤولية السير بنفسه. أما الطفل الصغير، فقد اتفقوا على أن يتناوبوا على حمله بعد مرور عدة أيام من الرحلة.

وفي أثناء المسير، سقط الرجل العجوز على الأرض، وقال إن التعب قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا، وإنه لم يعد قادرًا على مواصلة السير. ثم توسّل إلى قادة المجموعة أن يتركوه ليواجه مصيره، وأن يواصلوا هم رحلتهم.

وأمام قسوة الموقف، قرّر قادة المجموعة ترك الرجل وراءهم ومواصلة الطريق. وهنا وضعت الأم طفلها بين يدي الرجل العجوز، وأخبرته بحزم أن دوره في حمل الطفل قد بدأ، ثم لحقت بالمجموعة دون أن تلتفت خلفها.

وبعد مرور بعض الوقت، نظرت الأم إلى الوراء، فإذا بها ترى الرجل العجوز، الذي لم يكن قادرًا على الوقوف أو السير خطوات إضافية، يهرول مسرعًا محاولًا اللحاق بهم، وهو يحمل الطفل الصغير بين يديه!

فما الذي حدث؟

عندما وجد العجوز هدفًا جديدًا يسعى إلى تحقيقه، استنهض في داخله قوةً ظنّ أنها قد خارت وانتهت. لقد أيقظ الطفل الصغير في نفسه مشاعر القوة والحماس والتصميم من جديد، فاستطاع أن يتجاوز ضعفه ويواصل السير.

إن الإنسان الذي أنهكه التعب، وحطّمته الصعوبات، وأثقلته خيبات الأمل، قد يكون في حاجة إلى هدف جديد يعيد إليه الدافع والحيوية. فكثيرًا ما يكون فقدان الهدف سببًا في الفتور واليأس، بينما يمنحنا وجود هدف واضح دافعًا للاستمرار، ويوقظ في داخلنا طاقات لم نكن نظن أنها ما تزال موجودة.

عصفور السعادة

زار أحد الباب وكان اسمه جبر إحدى المدن،فقرّر مضيفوه أن يطوفوا به في البلدة ترحيبًا بقدومه.

وفي نهاية الجولة، مرّوا بالقرب من المقابر، فدنا جبر من شاهدٍ من شواهد القبور، فوجد مكتوبًا عليه: «هذا قبر فلان بن فلان، وُلد سنة 1910، وتوفي سنة 1975، وعاش سبع سنوات».

ومرّ على شاهد آخر، فوجد مكتوبًا عليه: «هذا قبر فلان بن فلان، وُلد سنة 1922، وتوفي سنة 2000، وعاش أربع سنوات».

ومرّ على شاهد ثالث ورابع، فوجد على كلّ شاهد تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة، وعدد السنوات التي عاشها صاحب القبر، لكنها لم تكن متوافقة مع سنوات عمره الفعلية.

فتعجّب جبر وسألهم عن سرّ هذه الحسابات، فأخبروه أنهم يحسبون للإنسان من عمره عدد السنوات التي قضاها في سعادة، ويستثنون الأيام التعيسة والحزينة؛ لأنها لا تستحق أن تُحسب من عمره، إذ لم يعشها حقًّا ولم يستمتع بها.

فهذا الرجل، مثلًا، عاش خمسةً وستين عامًا، لكنه لم يسعد طوال هذه الأعوام سوى سبع سنوات فقط؛ لذا يكتبون هذه السنوات السبع على أنها كل ما عاشه هذا الرجل.

وهنا التفت إليهم جبر، مبتسمًا في مرارة، وقال: «إذًا، يا أصدقائي، أرجوكم، إذا وافتني المنية في أرضكم، فاكتبوا على قبري: هذا قبر جبر، من بطن أمه إلى القبر».

لقد فطن أهل هذه المدينة إلى أن عدّاد السنين لا يسجّل إلا تلك اللحظات الجميلة السعيدة، وأن لحظات الشقاء ينبغي إسقاطها من حساب العمر، وكأنها لم تكن.

اختلف مع من تُحب

رُوي أن أحد طلاب الإمام أحمد بن حنبل كتب كتابًا في اختلاف الأئمة، وسمّاه «كتاب الاختلاف»، ثم دفعه إلى الإمام أحمد ليطّلع عليه ويبدي رأيه فيه.

فقال له الإمام أحمد ذات يوم: «سمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمِّه كتاب السعة».

نعم، إنه دليل على سعة هذا الدين، وسعة صدره لآراء المختلفين ورؤاهم المتباينة. والاختلاف، ما دام في المسائل الفرعية، ليس بالضرورة سببًا للنزاع، بل قد يكون فسحةً وسعةً في الدين.

يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»:

«ما دام الناس على فِطَر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ومناشئ محمودة ومذمومة، وملاحظات قريبة وبعيدة، فلا بد من الاختلاف فيما يختار ويستنبط، وكل من حاول رفع هذا فقد حاول رفع الفطرة، ونفي الطباع، وقلب العكس، وعكس الأمر، وهذا غير مستطاع ولا ممكن».

هل تعلم كيف تهرب الأسماك الصغيرة؟

هل تعلم كيف تستطيع الأسماك الصغيرة الهرب من براثن الأسماك المفترسة؟ إنها تهرب منها بحيلة بسيطة؛ إذ تعكّر الماء بذيولها وزعانفها، حتى تصبح الرؤية صعبة أمام الأسماك الكبيرة، مما يتيح للأسماك الصغيرة فرصة الهرب والاختباء.

وقد تعلّم البحّارة هذه الحيلة واستخدموها في صيد الأسماك؛ إذ يعكّرون الماء، فتضطرب حركة الأسماك وتفقد هدوءها، وتصبح الرؤية أمامها مشوشة، فتتخبط يمينًا ويسارًا، حتى تجد نفسها في براثن الشباك.

ومن هذا المشهد نتعلّم أمرًا بالغ الأهمية، وهو ضرورة الحفاظ على ثباتنا وهدوئنا عندما تتعسّر أمور الحياة وتتشوّش الرؤية أمام أعيننا، سواء أكان هذا التعكير بفعل عدو، أم نتيجة تقلبات القدر وتقلّبات الأيام.

الملك عارياً

يُحكى أن ملكًا كان مولعًا بثيابه الجديدة، ينفق عليها مبالغ طائلة، ويهتم بلباسه أكثر من اهتمامه بمهام مملكته.

وذات يوم، جاء رجلان محترفان يدّعيان أنهما نسّاجان، ويزعمان أنهما قادران على صناعة ثوب فريد من نوعه؛ ثوب لا يراه إلا الحكيم الذي يستحق منصبه، أما الأحمق أو غير الجدير بمنصبه فلا يستطيع رؤيته.

فكّر الملك قليلًا، ثم قال في نفسه: «لا شك أن هذه الثياب ستكون رائعة! لو استطعت الحصول عليها، لأمكنني معرفة من في مملكتي يتّسم بالحكمة والعقل، ومن هم الحمقى والمغفّلون. وهكذا أستطيع اختيار الأكفاء من حولي، وطرد كل من لا يستحق العمل في خدمة ملك عظيم مثلي».

ثم أمر النسّاجين بالبدء في صناعة الثوب، وأعطاهما مبلغًا باهظًا من المال، كي يشرعا في العمل دون إبطاء.

أقام المحتالان نَوْلَين، وأخذا يتظاهران بالانشغال في عملهما؛ يديران آلات النسيج الفارغة، ولا يضعان فيها شيئًا، بينما يُخفيان الحرير الفاخر وخيوط الذهب التي أحضراها للملك في مكان لا يعرفه سواهما.

وسرعان ما انتشر خبر الثوب العجيب في أرجاء المملكة، وأصبح الجميع متشوقين لمعرفة حقيقته؛ إذ أراد كل واحد منهم أن يعرف هل هو حكيم يستحق منصبه، أم أحمق لا يستحقه.

وبعد فترة من بدء العمل المزعوم، قرر الملك أن يرسل شخصًا إلى النسّاجين ليستطلع أخبار الثوب ويحثّهما على إتمامه. وقال في نفسه: «لا بد أن أرسل رجلًا حكيمًا رصينًا، كي يستطيع رؤية الثوب. وليس في المملكة، بعدي، من هو أحكم من الوزير العجوز؛ فهو أجدر الناس بهذه المهمة».

ذهب الوزير الحكيم إلى القاعة التي يعمل فيها المحتالان، فوجدهما منهمكين في العمل أمام النولين الفارغين.

فقال في نفسه: «عجبًا، ما الذي يفعله هذان الرجلان؟ لا يوجد شيء على النولين، ولا خيط واحد في آلات النسيج! لكنهما يقولان إن الثوب لا يراه إلا الحكيم الذي يستحق منصبه. لا شك أنني لست بالحكمة التي كنت أظنها! عليّ أن أكتم أمري وألا أفضح نفسي».

وما إن رآه المحتالان حتى استقبلاه، وقالا له: «ما رأيك، سيدي، في هذا الثوب الرائع؟ لم يتبقَّ إلا أيام قليلة حتى ننتهي منه. هل أعجبتك الألوان التي اخترناها للملك؟».

أجاب الوزير مسرعًا: «إنه عمل رائع جدًا! نوع القماش والألوان في غاية الجمال، وهذا إبداع حقيقي. سأخبر الملك بجماله فور عودتي».

وأخذ المحتالان يصفان له الثوب وألوانه، بينما كان الوزير يهزّ رأسه كأنه يراه ويفهم تفاصيله، مع أنه لم يكن يرى شيئًا على الإطلاق. وكان يُسجّل في ذهنه كل ما يسمعه، ليخبر به الملك وكأنه قد شاهد الثوب بنفسه.

ثم طلب المحتالان من الوزير مزيدًا من الحرير وخيوط الذهب لاستكمال العمل، فأمرهما بما طلبا، فأخذا المواد وأخفياها، ثم واصلا التظاهر بالعمل على النولين الفارغين بكل نشاط.

وبعد أيام، قرر الملك أن يرسل رئيس حراسه ليستطلع أخبار الثوب. وقال في نفسه: «إنه أحد كبار رجال المملكة، والرجل الثاني بعد الوزير في المكانة؛ فمن يكون حكيمًا إن لم يكن هو؟».

ذهب رئيس الحرس إلى النسّاجين، وحدث له ما حدث للوزير؛ إذ لم يرَ شيئًا على النولين، لكنه خشي أن يُتّهم بالغباء أو بعدم استحقاق منصبه.

فسأله المحتالان: «ما رأيك، سيدي؟ هل أعجبك الثوب كما أعجب الوزير؟».

فأجابهما على الفور: «نعم، نعم! إنه ثوب رائع، وسأخبر جلالة الملك بجماله بكل تأكيد».

وهكذا تناقلت المدينة أخبار هذا الثوب الرائع، الذي سيكشف به الملك الرجل الأحمق من الرجل الحكيم، ويعرف من خلاله من يستحق منصبه ومن يجب عزله فورًا.

وحانت الساعة المنتظرة، فأعلم المحتالان الملك أن الثوب قد أصبح جاهزًا. وقرر الإمبراطور أن يقيم موكبًا كبيرًا يجوب المدينة، مرتديًا فيه ثوبه الجديد.

جاء المحتالان إلى الملك، وهما يحملان على أكتافهما الثوب المزعوم، بينما كان الناس ينظرون إليهما في تعجب، ويطلقون صيحات الاستحسان والانبهار، متظاهرين بأنهم يرون الثوب؛ كي يثبتوا للجميع أنهم قادرون على رؤيته.

وحين دخل المحتالان إلى غرفة الملك، أدرك أنهما لا يحملان شيئًا، وأن أيديهما فارغة، لكنه استدرك قائلًا في نفسه: «والله، لن أكون أنا الأحمق الوحيد بينهم! ما دام الجميع حكماء، فلن أجعل نفسي أضحوكة أمام الناس».

ثم صاح بصوت سعيد: «جميل جدًا! هذا الثوب رائع! أحسنتما صنعًا أيها السيدان، وأنتما تستحقان وسام الإمبراطورية. هيا، ألبساني هذا الثوب، ولأخرج إلى الشعب الذي ينتظرني بفارغ الصبر».

وساعد المحتالان الملك على ارتداء الثوب الوهمي، ثم خرج الملك في موكبه أمام شعبه، عاريًا تمامًا، بينما كان الوهم يسيطر على أذهان الجميع. أخذ الناس يهتفون بإعجاب وثناء، مستحسنين هذا الثوب البديع، ولم يجرؤ أحد على الاعتراف بأنه لا يراه؛ خوفًا من أن يُتهم بالحمق، أو بأنه لا يستحق منصبه.

إلا طفلًا صغيرًا، هتف مندهشًا: «لكني أراه عاريًا!». ثم رفع صوته قائلًا: «إني أرى الملك عاريًا! إنه لا يرتدي شيئًا!».

وسرعان ما تناقل الناس خبر الطفل الصغير، وأخذوا يفيقون من وهمهم واحدًا تلو الآخر، حتى انكشف أمر الجميع، وكان السبب طفلًا صغيرًا.

هذه القصة كتبها المبدع الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، ويكشف لنا من خلالها كيف أننا، نحن الكبار، قد نحتاج إلى براءة الأطفال كي تكشف لنا ما أعمتنا عنه الأوهام، وما عجزنا عن رؤيته بسبب الخوف من مخالفة الآخرين.

وحول هذا المعنى، يُنسب إلى القائد الفرنسي نابليون بونابرت أنه قال لجنوده: «لا تخدعوا أنفسكم؛ فالعامة لا ينصرون قضية».

كُن مخلتفاً

ماذا يحدث لو وضعنا خمس ذبابات في زجاجة، ووضعنا معها العدد نفسه من النحل، ثم وضعنا الزجاجة أفقيًّا، بحيث تكون قاعدتها إلى أعلى، وتركناها مفتوحة، ووجّهنا الضوء نحو القاعدة، بينما تركنا الطرف الآخر غارقًا في الظلام؟

هل تعلم ما الذي سيحدث؟

ستحاول أسراب النحل الخروج باتجاه الضوء؛ لأنها اعتادت هذا السلوك منذ نشأتها، فهي في الخلية تتجه دائمًا نحو الضوء، ولا تعتاد البحث عن طريق للخروج قد يكون مختبئًا في ظلام الخلية. لذلك، ستواصل محاولاتها بإصرار للخروج من أعلى الزجاجة، حتى ينتهي بها الأمر إلى الموت بعد فترة من المحاولة، بسبب التعب أو الجوع.

أما الذباب، فلن يستغرق أكثر من لحظات قليلة حتى يخرج من الزجاجة؛ لأنه يبحث في جميع الاتجاهات الممكنة، ولا يحصر محاولاته في اتجاه واحد.

العبرة: قد يقودنا التمسك بطريقة واحدة في التفكير إلى الهلاك، بينما يمنحنا البحث عن بدائل وطرق مختلفة فرصةً للوصول إلى الحل. فليس المهم أن نواصل المحاولة بالطريقة نفسها، بل أن نكون مستعدين لتغيير اتجاهنا عندما لا تقودنا محاولاتنا إلى النتيجة المرجوة.

بئر الرغبات

ذهب صديقان إلى صيد السمك، فاستطاع أحدهما أن يصطاد سمكة كبيرة، فوضعها في حقيبته وهمَّ بالانصراف.

فسأله صديقه مندهشًا: «إلى أين تذهب؟».

أجابه: «إلى البيت، فقد اصطدت سمكة كبيرة تكفيني».

فقال له صديقه: «انتظر قليلًا، وواصل الصيد حتى تصطاد المزيد من الأسماك الكبيرة مثلي».

فسأله: «ولماذا أفعل ذلك؟».

أجابه: «لكي تبيع الأسماك التي تصطادها، وتحصل على المزيد من المال».

فسأله: «ولماذا أفعل ذلك؟».

قال: «لكي تدخر المال وتزيد رصيدك في البنك».

فسأله مجددًا: «ولماذا أفعل ذلك؟».

أجاب الرجل: «لكي تصبح ثريًّا».

فسأله صديقه: «وماذا سأفعل بالمال؟».

قال: «ستتمكن، عندما تكبر وتبلغ سن الشيخوخة، من الاستمتاع بحياتك، وقضاء أوقات سعيدة مع أولادك وأحفادك».

فابتسم الصديق وقال: «وهذا بالضبط ما أفعله الآن! فأنا أستمتع بحياتي، وأقضي وقتًا جميلًا، وأشعر بالسعادة بما لديَّ. فلماذا أؤجل سعادتي إلى المستقبل، وأنتظر حتى أكبر، وقد يمضي العمر قبل أن أعيش الحياة التي أريدها؟».




الجمعة، 9 أكتوبر 2026

مُفتقدٌ للحياة د. محمد إبراهيم بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مُفتقدٌ للحياة

د. محمد إبراهيم

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: لعلَّ كثيرًا منَّا فقدوا شغفهم بالحياة، أو خبت جذوة أرواحهم، فآثروا العزلة والانكفاء على الذات، وفقدوا شيئًا من حيويتهم ومرحهم، حتى غدت أيامهم متشابهة، لا جديد فيها ولا أمل يُرتجى، ولا شيء يبعث في النفس السرور. 

وربما فقدوا الأنس والطمأنينة الداخلية، وأصبحوا ينظرون إلى العالم من وراء غلالة كثيفة من الحزن والفتور، تصبغ الأشياء جميعها بلون واحد قاتم، فلا يرون في الحياة إلا جانبها المعتم. وقد يكون ذلك اكتئابًا، أو اغترابًا عن الذات والعالم، أو حالة من الخدر العاطفي وفقدان القدرة على الاستمتاع بما كان يبعث في النفس البهجة من قبل. 

إنها حالة تشبه ما عبَّر عنه القدماء بـ«الميلانخوليا»، وما يُعرف اليوم بالاكتئاب (Depression)، أو فقدان الاستمتاع واللذة (Anhedonia)، حين يشعر المرء كأن نوافذ الضوء قد أُغلقت جميعها، ولم يعد في الأفق ما يستحق الانتظار.

وفي هذا السياق يأتي كتاب «مفتقد للحياة» للدكتور محمد إبراهيم، ليقدِّم عزاءً لمن لا تزال في أعماقهم بقية من المشاعر تقاوم الانطفاء، وليضع بين أيديهم أدوات تعينهم على فهم أنفسهم واستعادة صلتهم بالحياة. فالكتاب لا يقف عند حدود وصف المعاناة، بل يحاول أن يفتح أمام القارئ نافذة جديدة للنظر إلى ذاته وإلى العالم من حوله؛ إذ قد لا يكون الضوء الذي ننتظره آتيًا من الخارج، بل كامنًا في أعماقنا، ينتظر أن نكتشفه ونمنحه فرصة الظهور. 

وحين يتغير ما في داخلنا، تتغير صورتنا عن الأشياء، وتتبدل طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأحداث، فنخرج شيئًا فشيئًا من أسر النظرة القاتمة التي تجعلنا نرى أنفسنا محطَّمين، ونعتقد أن النجاة مستحيلة، إلى أفق أرحب تتسع فيه مساحة الأمل، وتستعيد الحياة شيئًا من ألوانها وبهجتها. فسبحان من يحيي العظام وهي رميم، ومن يجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الانطفاء إمكانًا جديدًا للحياة.

والاكتئاب تجربة ثقيلة وقاسية، قد يفقد فيها المرء حيويته وشغفه، وتتحطم في داخله الأهداف، وتتضاءل قدرته على استشعار الأمل، حتى يبدو المستقبل امتدادًا لمعاناة الحاضر. 

وهو ليس حالة واحدة متطابقة لدى الجميع، بل تتعدد صوره ودرجاته، ومن أبرز أعراضه استمرار المزاج الحزين، وفقدان الاهتمام بالأشياء، وتغير الشهية، واضطرابات النوم بالزيادة أو النقصان، والشعور بالإرهاق وانخفاض الطاقة، وضعف التركيز، وصعوبة اتخاذ القرارات، وتراجع الأمل في المستقبل. 

ويتناول الكتاب عددًا من الجوانب النفسية المتصلة بهذه المعاناة، من بينها التعاطف (Empathy)، والحاجة إلى الحب والاحتواء، وحدود الحماية الزائدة (Overprotection)، وأعباء الشعور المستمر بالذنب، والميل إلى تضخيم المشكلات حتى تبدو أكبر من القدرة على احتمالها. كما يلفت النظر إلى أثر تفسيراتنا للأحداث ونظرتنا إلى الهموم في تشكيل حالتنا النفسية؛ فقد تتحول أفكارنا عن أنفسنا ومسؤولياتنا إلى مصدر للمعاناة، وقد تصبح، في المقابل، مدخلًا إلى التعافي والسكينة.

ويتناول الكتاب كذلك قسوة الإنسان على ذاته، وتضخم إحساسه بالمسؤولية، حين يعتقد أنه مطالب بفعل كل شيء، وأنه المسؤول عن كل ما يحدث من حوله، فلا يسمح لنفسه بالراحة أو الخطأ أو التقصير، ويظل أسير صورة مثالية لا يستطيع بلوغها. وهذه الذات المثالية الزائفة قد تتحول إلى عبء يرهق صاحبه، ويجعله دائم الشعور بالعجز والذنب، مهما أنجز أو بذل من جهد. 

ومن هنا تبدأ رحلة الخروج من هذا النفق ببناء الأمل، ومراجعة الأفكار التي تستنزف النفس، والتخفف من القسوة على الذات، وإعادة اكتشاف المعنى في تفاصيل الحياة الصغيرة. 

فالتعافي لا يعني أن تختفي كل الآلام دفعة واحدة، ولا أن تصبح الحياة خالية من المشكلات، بل أن نتعلم كيف نراها بعيون أكثر رحمة واتزانًا، وكيف نمنح أنفسنا فرصة للنهوض من جديد. ولعل الرسالة الأعمق التي يتركها الكتاب في نفس قارئه أن استعادة الحياة لا تبدأ بالضرورة بتغير العالم من حولنا، وإنما قد تبدأ بخطوة صغيرة في داخلنا؛ خطوة نعيد بها بناء الأمل، ونسترد شيئًا من قدرتنا على الشعور، ونكتشف أن الروح التي أرهقها الظلام لا تزال قادرة على استقبال الضوء.

يرى المؤلف أن أولى خطوات التعافي يبدأ ببناء الأمل وإحياء الدافع الداخلي، وأن لا تنتظر حتى تستعيد طاقتك كاملة لتبدأ؛ بل انطلق من خطوات صغيرة يسهل عليك الالتزام بها، وحوِّل كل فعل إلى تجربة تتعلم منها، بدلًا من أن تجعله اختبارًا لنجاحك أو فشلك. راقب سلوكياتك، واختبر توقعاتك السلبية، ولاحظ الفرق بين ما كنت تتوقعه وما يحدث فعلًا. ومع الاستمرار، احرص على استعادة الشعور بالمتعة والإنجاز، فكل خطوة صغيرة تنجح فيها قد تكون بداية لاستعادة حيويتك وشغفك بالحياة.

المؤثرون والإعلام الحُر

في المجتمع الحداثي.. تُصنع بداخلنا رغبات لا تنتهي، حتى ليبدو وكأن الغاية من وجودنا هي أن نستنزف أنفسنا في العمل، ونستنزف جيوبنا في الشراء والاستهلاك. 

وقد أسهم في تكريس هذه الحالة أولئك الذين يُطلق عليهم اسم «المؤثرين»، إلى جانب وسائل الإعلام الحُر التي تروّج لأنماط حياة استهلاكية، وتقدّمها بوصفها الصورة المثالية للسعادة والنجاح.

تتابع هؤلاء، فتبدو لك حياتهم وكأنها خالية من المشكلات والألم، ومغمورة بالحب والاهتمام والرفاهية؛ ينامون على أسرّة وثيرَة، ويتناولون أشهى الأطعمة، ويعيشون في صالات أنيقة وغرف مزينة وشرفات تطل على عوالم مضاءة بالألوان والأضواء. وتجد بين أيديهم أحدث السيارات، ويتنقلون متى شاؤوا، ويشترون ما أرادوا، وكأن المال لا ينفد، والوقت لا يضيق، والحياة لا تعرف عائقًا أو حرمانًا.

ومع تكرار مشاهدة هذه الصور، قد تبدأ بالنظر إلى حياتك بعين السخط، وتشعر بأنك أقل حظًّا، وأن ما تملكه لا يكفي، وأن ما تعيشه لا يرقى إلى المستوى الذي تراه أمامك على شاشة الهاتف أو التلفاز. وهنا تكمن خطورة هذا الزيف؛ إذ تُقارن حياتك الحقيقية، بما فيها من تعب ومسؤوليات وألم، بصور منتقاة بعناية، لا تُظهر إلا أجمل اللحظات وأكثرها بريقًا، وتُخفي ما وراءها من مشكلات وضغوط وتكاليف.

وهكذا، بدلًا من أن تستمتع بما لديك وتسعى إلى تحسين حياتك بقدر استطاعتك، تجد نفسك تطارد رغبات جديدة لا تنتهي، وتلهث وراء نمط حياة قد لا تحتاج إليه أصلًا، ولا تملك القدرة على تحمّل تكاليفه. وكلما حققت رغبة، ظهرت أخرى، وكلما امتلكت شيئًا، أوحى إليك هذا العالم بأنك ما زلت تفتقر إلى المزيد. وبذلك تتحول الحياة من تجربة تستحق أن تُعاش إلى سباق لا ينتهي للاستهلاك والمقارنة، وتصبح سعادتك رهينة أشياء لا تملكها، وصور لا تعكس بالضرورة حقيقة أصحابها.

مواقع التواصل الإجتماعي

الحقيقة أن مواقع التواصل الاجتماعي أخطر مما نظن؛ لأننا حين نتصل بهذه المواقع نكون قد أوقفنا عقلنا تمامًا عن التفكير المنطقي النقدي، لأنه غير مسموح لك بأن تفكر بحرية، بل بحسب ما يراه الآخرون ويعجبهم.

لأن عدد الإعجابات، اللايك أو اللوف، تمثل تقييمًا لما تنشره وتبثه بين الناس، فتتحول هذه الرموز الحمراء والزرقاء أو الضاحكة إلى قيمة إنسانية يمكن حسابها والتأثر بها. والمصيبة أن تجد اقتناع الناس ببعض الكلام الذي قد يكون تافهًا ولا يحمل معاني مميزة، لمجرد أن عدد الإعجابات عليه كثيرة. والمصيبة الأكبر أن هذا الشيء يدفع بعض المثقفين للانجراف وراء هذه الإعجابات لتبدأ قبولها، فتصبح فيما بعد أمرًا شائعًا وعاديًا.

إذن، سرعة تغيير المعايير والقيم أكبر بكثير مما نعتقد. ثم انظر إلى اضطراب المشاعر الرهيب حينما تتحول مشاعرك بين منشور وآخر، وصورة أخرى وفيديو وآخر، ما بين الحزن على وفاة أحدهم حد البكاء، ثم الضحك على منشور الذي يليه، ثم الإعجاب بإنجاز ما، وكأن مشاعرك تتقلب في خلاط عنيف، الأمر الذي يشعره بالهشاشة والضعف أمام هذا العالم العنيف، فلم يعد يتحكم بمشاعره من الضحك إلى البكاء، وهكذا.

ثم أو حين تعامل الآخرين كأنهم المرجع النهائي فيما تفعل أو لا تفعل، أو تكتب ولا تكتب، فإن حصلت على تعليق فأنت مميز، وإذا لم تحصل على شيء فهذا يشعرك بالحزن أو بالخزي العميق في نفسك، وإذا تلقيت تعليقًا سلبيًا فهذا هو أسوأ يوم في حياتك.

نحن بالفعل في ابتلاء يجعلنا نذوب بشكل مريع في اختيارات الآخرين، ومضطرين تحت هذا الجيش الزاحف من القناعات لتغيير قناعاتنا ونبذها.

شكراً لحسن استماعكم

«شكرًا لحسن استماعكم»، عبارة نسمعها كثيرًا، وتتكرر في ختام البرامج الإذاعية والتلفزيونية ومقاطع الفيديو، حتى أصبحت لازمة مألوفة لا تكاد تخلو منها نهاية. لكن، تُرى، من الذي يشكره مقدّم البرنامج تحديدًا؟ ولماذا يتوجه بالشكر إلى الجمهور الذي استمع إليه، ولا يخصّ بالشكر من أعدّ البرنامج، أو من صوّره وأخرجه، أو من بذل جهدًا في إعداد مادته وتقديم ما يعتقد أنه نافع للناس؟

لعلّ الإجابة تكمن في التحوّل الذي أصاب معايير القيمة في عصرنا؛ إذ لم تعد قيمة العمل تُستمدّ بالضرورة من جودته، أو مقدار الجهد المبذول فيه، أو ما يقدّمه من معرفة وفائدة، بل أصبحت مرتبطة إلى حدّ بعيد بما يلقاه من استحسان الآخرين وتفاعلهم. لقد غدا الجمهور، في كثير من الأحيان، معيارًا للحكم على أهمية العمل ونجاحه، حتى بات صانع المحتوى يشعر بأنه مدين بالشكر لمتابعيه؛ لأنهم منحوا ما يقدّمه انتباههم، وأسهموا بتفاعلهم في رفع مكانته وانتشاره.

وهكذا، لم يعد كافيًا أن تصنع شيئًا جيدًا، بل أصبح عليك أن تحظى بمن يراه جيدًا، ويعبّر عن إعجابه به، ويمنحه قدرًا من التفاعل يثبت، في نظر المنظومة الرقمية، أنه يستحق الاهتمام. والمفارقة أن الجمهور الذي كان يُفترض أن يكون متلقيًا للعمل ومستفيدًا منه، أصبح في كثير من الأحيان حكمًا على قيمته، ومرجعًا في تحديد ما يستحق الظهور وما ينبغي أن يختفي. وبذلك تتراجع قيمة العمل في ذاته أمام قيمته في أعين الآخرين، ويصبح الاستحسان غاية تنافسية، لا مجرد أثر محتمل لعمل نافع ومتقن.

التنمية البشرية .. إلى أين؟!

من المثير للشفقة ما يتبناه العديد من الناس من أدوار في حياتهم، ويستشعرون أنهم باتمان الآخرين أو سوبرمان اللحظة، ولا يمكنهم التخلي عن شيء من تلك الأحلام التي تدور في مخيلاتهم، ويعتقدون أنهم قادرون على فعل كل شيء، وأنهم فقط يحتاجون إلى أن يدرجوه في جدول أعمالهم ويفرغوا له المزيد من الوقت.

وهنا تأتي أدبيات التنمية البشرية لتخبرهم أنهم يستطيعون، فقط إذا أطلقوا المارد الذي بداخلهم، وآمنوا بأنفسهم، ووضعوا العديد من الخطط، وتبنّوا العديد من أدوات الإنتاج؛ فيمكنهم أن يعملوا في وظيفتين، ويذهبوا إلى الجيم، ويستمتعوا بالنادي، ويقضوا وقتًا رائعًا مع أبنائهم، ويسافروا مع زوجاتهم، ليصطدموا في النهاية بأنهم محاطون بدائرة زمنية ضيقة، وطاقة بشرية محدودة، وخيارات أقل في ظل واقع لا يمكنهم التحكم به.

وربما تنهَس إلى عملك لتدرك بُعد الحضور، فتعتذر لمديرك عن تأخرك.

في الحقيقة، كثير من هذه الطموحات غير واقعية، ولن تحدث، بعكس ما تحاول التنمية البشرية تصويره؛ فأنت في جسد بشري، ولست ماكينة آلية. تتعب، وتنتابك العوارض من مرض وآلام وإرهاق، ووقتك محدود، ومتطلبات الحياة وأحداثها فوق ما تتوقع.

فبوسعك فقط ترتيب الأولويات، فيما يُعرف بالتسويف الخلّاق (Creative Procrastination)، فتضحي بالخيار الأقل أهمية في سبيل الأكثر أهمية.. هذا الأمر يشبه أن تطلب من طفل صغير أن يحمل وزنًا ثقيلًا، ثم تقنعه بأنه قادر على فعل ذلك إن أراد. وأظنك في هذه الحالة تدرك أن كل عبارات التحفيز العالية والمرتفعة لن تستطيع أن تحرك هذا الفتى ولو قليلًا، وإن حاول فعل ذلك، فلعله يصاب إصابة بالغة.

إن كل إنسان في داخله نفس تمثل هذا الطفل، بما تحمله من قدرات محدودة؛ وتكليفه فوق طاقته، مع إيهامه بأنه يستطيع، هو جزء من استمرار معاناته والحكم عليه بالفشل؛ لأنه يفترض أنه قادر على فعل هذه الأشياء، ثم يلوم نفسه على عدم فعلها.

وأيضًا، تقوم التنمية البشرية بتسويق المعرفة كمنتجات يتم تسويقها على أنها أسرار وخبرات ذات ثمن مادي، فضلًا عن وجود تناقض بين فترات الطموح والراحة، بمعنى أنها لا تقدم تصورًا واضحًا ومتوازنًا للعلاقة بينهما؛ فلا يعرف أكثرهم حدود الراحة ولا غاية الطموح.

فائدة: 

نعت الله الخاسرين في كتابه، بأنه {الذين خسروا أنفسهم}..

وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يخسر الإنسان نفسه؟

والجواب: يخسر الإنسان نفسه حين يُمني نفسه بمنزلة لا تناسبه، ويتوهم أنه يستحق تلك المنزلة الرفيعة، من العز الدائم والنعيم الأبدي، فيُصوّر نفسه بتلك الحالة، ويصبح أسيراً لذلك؛ ثم يستدعي لنفسه من الآخرين أن يقبلوا منه هذا التوجه والمنزلة، وألا يتعرض للرفض أو النقد أو الألم. 

وهو بذلك يدخل في صراع لا ينتهي مع كل ما يهدد تلك المنزلة، ويظل يدافع عنها ويحاول حمايتها من العوارض والمواقف التي قد تكشف ضعفه أو تنال من مكانته، حتى يستنزف نفسه في معركة لا يستطيع حسمها.

أما الذين يربحون أنفسهم، فهم الذين يقبلون أن يكونوا أشخاصًا عاديين، لا كاملين ولا مثاليين، ويتصالحون مع حقيقة أن بعض الناس سيحبونهم، بينما سيكرههم آخرون. 

وهم الذين يسمحون لأنفسهم بأن يتألموا من الكلمات، ويتأثرون بالمواقف، ويعترفوا بمشاعرهم دون أقنعة أو هروب أو تزييف؛ فلا ينكرون ضعفهم، ولا يخجلون من إنسانيتهم، ولا يستنزفون أعمارهم في محاولة الظهور بمظهر القوة والكمال. وسر ربحهم أنهم يعيشون الحياة كما هي، لا كما يتمنونها أو يتخيلونها، ويتقبلون أنفسهم بحدودها ونقائصها، بدلًا من أن يظلوا أسرى صورة مثالية يستحيل بلوغها.




الخميس، 8 أكتوبر 2026

مختصر منهاج القاصدين أحمد بن عبد الرحمن بن قُدامة المقدسي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مختصر منهاج القاصدين

أحمد بن عبد الرحمن بن قُدامة المقدسي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يُعَدُّ كتاب «مختصر منهاج القاصدين» للإمام العلامة نجم الدين أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عمر بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، من الكتب النفيسة التي جمعت أصول الأخلاق وتهذيب النفوس وآداب السلوك، وقد حظي بمكانة بارزة بين كتب التربية الإسلامية، لما اشتمل عليه من مواعظ نافعة وتوجيهات قيّمة مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

وتعود أصول هذا الكتاب إلى كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي، الذي اختصره الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتاب سماه «منهاج القاصدين»، ثم جاء الإمام ابن قدامة المقدسي، فاختصر كتاب ابن الجوزي اختصارًا نافعًا، مع العناية بتهذيب مادته وتقريب فوائده، ليكون أيسر تناولًا وأعمَّ نفعًا لطلاب العلم وسائر القراء.

وهكذا وصل إلينا هذا الكتاب خلاصةً لجهود علمية متعاقبة، قصد أصحابها تقريب المعارف الإيمانية والأخلاقية وتيسير الانتفاع بها، فاجتمع فيه حسن المقصد، وغزارة الفائدة، وجمال التوجيه، وأصبح مرجعًا مهمًّا في تهذيب الأخلاق وإصلاح القلوب وتقويم السلوك، وظلَّ محلَّ عناية طلبة العلم والمهتمين بالتربية الإسلامية قديمًا وحديثًا.

وتبرز أهمية هذا الكتاب في أنه يربط العلم بالعمل، ويُوجّه المسلم إلى محاسبة نفسه، ومجاهدة أهوائها، والتحلي بمكارم الأخلاق، والتحرر من الآفات التي تفسد القلب وتضعف صلته بالله تعالى. وقد جمع مؤلفه في أبوابه جملةً من المعارف والتوجيهات التي تعين القارئ على فهم أمراض النفس وسبل علاجها، وتدله على طريق الاستقامة والترقي في مدارج الإيمان والإحسان، مما يجعل قراءته فرصةً للتزود بالعلم النافع، وتجديد العزيمة على إصلاح النفس والسير إلى الله تعالى بقلب سليم وعمل صالح.

مقدمة العلامة شيخ محمد أحمد دهمان

يعد كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي القانون العام للمسلم التقي الصالح، ذلك أن مؤلفه قد حشد في كتابه من أنواع الأخلاق والآداب ما جرى على ذاكرته، ففسرها وحللها وحض عليها، وجرى مثل ذلك في الأخلاق والآداب المنحطة السيئة، ففسرها وحللها وحض على التباعد عنها، فكان كتابه كتاب أخلاق وتربية جعله يمتاز في نوعه عن أمثاله من الكتب، وأحدث ظهوره ضجة كبيرة بين ناقد ومنتصر له.

وينحصر النقد فيه في الأحاديث الموضوعة التي أوردها الغزالي فيه، وفي بعض الحكايات التي تقتل من شخصية الإنسان إنسانيته وتجعله يهيم في كلمات وهمية لا تأتي بخير للإنسان. وكان في طليعة الناقدين له العالم الكبير عبد الرحمن بن الجوزي (510-597 هـ)، فقد نقده نقدًا مرًّا، ولكنه لم يكتف بالقول فقط، بل عمد إلى أمر عملي، فرجع إلى الأحاديث الموضوعة فحذفها، وأثبت مكانها الأحاديث الصحيحة، وعمد إلى الكلمات والألفاظ والحكايات التي لا طائل تحتها، فحذفها، كما يقول ابن الجوزي، كالكلام في الفناء.

وسمى هذا الكتاب «منهاج القاصدين»، ولكنه لم يخرج عن التخطيط الأول الذي وضعه الغزالي في كتابه «الإحياء»، وكان عملًا مفيدًا جدًا، لم يكتف بالتهويل والتهويش، بل عمد إلى ما ينفع الناس ويفيد المجتمع، وأصلح إصلاحًا حقيقيًا ذا فائدة عظمى.

ولكن كتاب «الإحياء» كان يحوي نقدًا آخر هو في الدرجة الثانية بعد النقد الأول، فالغزالي ملأ كتابه بأبحاث فقهية جعلت الكتاب يتضخم ويدعو إلى التذمر من كبر حجمه، فجاء في القرن السابع أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، فخلصه من المسائل الفقهية؛ لأن موضعها كتب الفقه، وجعله كتابًا أخلاقيًا تربويًا، فأصبح من السهل قراءة مثل هذا الكتاب، وأصبح يمثل عشر حجم الكتاب الأول.

وفي سنة 1342 وقعت بيدي نسخة هذا الكتاب، فأعجبت به ورأيت نشره فرصة سانحة للفائدة منه في المدارس الشرعية الدينية، ثم وقعت بيدي نسخة ثانية وثالثة، وهذا ما دعاني إلى أن أفكر في طبعه ونشره نظرًا للفائدة المتوخاة منه، فطبعته. ولما تأسست الكلية الشرعية في دمشق، عرضته على إدارتها وعمدتها، فاستحسنت عملي وقررته في جميع مدارسها في دمشق وحلب وحمص وحماة، ثم انتشر في جميع العالم الإسلامي.

هذا وقد سمحت للسيد بشير عيون، صاحب مكتبة دار البيان بدمشق، أن يطبع هذا الكتاب طبعة متقنة تريح القارئ وتيسر له الانتفاع به، وأظن أنه قد حقق رغبتي. ونظرًا لمرضي الشديد وضعف نظري، فقد قام الأستاذان شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، اللذان عُرفا بتمكنهما من علوم السنة وصناعة التحقيق، بتعليق حواشيه، وبتخريج ما ورد فيه من الأحاديث الضعيفة، وبيان ضعفها، فجزاهما الله تعالى خير الجزاء، ونفع بهما.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ترجمة الإمام ابن قدامة

في الحروب الصليبية، كانت مقاطعة نابلس من نصيب أمير فرنسي ظالم كان اسمه باليان بن بارزان، وكان يعامل أهل مقاطعته أسوأ معاملة، فحينما يفرض جيرانه من الصليبيين على من تحت يده دينارًا، أخذ هو من كل واحد منهم أربعة دنانير، وهكذا كانت معاملته في كل الأمور.

وكان في قرية جَمَّاعيل -ويدعونها في عصرنا هذا جماعين- فقيه صالح يقرأ للناس دروس العلم ويعظهم في بعض الأحيان. وبلغ الأمير الفرنسي ما يقوم به الشيخ أحمد بن قدامة من هذه الدروس، فعزم على قتله، وبلغ ذلك الشيخ أحمد بن قدامة، فلم ير أمامه إلا الفرار إلى مدينة دمشق والالتجاء إلى ملكها نور الدين محمود بن زنكي.

وفي سنة 551 هـ، فر الشيخ أحمد بن قدامة من جبل نابلس إلى مدينة دمشق مع بعض أقاربه، ونزل هو وأقاربه بمسجد خارج الباب الشرقي، أحد أبواب دمشق، في مسجد يقال له: «مسجد أبي صالح». وأخذت الهجرات تتتابع بعد ذلك وتنضم إليه في هذا المسجد، وكان هذا المسجد موقعه غير صحي، وهواء تلك الجهة رديئًا، وأصابهم الوباء، وأخذوا يتوفون الواحد تلو الواحد.

وضاق صدر الشيخ أحمد بن قدامة من هذا الحادث، فأرسل رسلًا من جماعته يفتشون على محل هواؤه صحي، فدلهم أحد جماعته على سفح جبل قاسيون، وذهبوا إليها فوجدوا موقعها حسنًا. فذهبوا إلى الصالحية وبنوا المدرسة العمرية، وغربها بنوا دارًا فسيحة تحيط بها غرف من جميع جهاتها، دُعيت تلك الدار «بدير الحنابلة»، وكان هذان البناءان على ضفة نهر يزيد.

وكان الناس يبرونهم ويهدونهم الطعام والملابس ويدعونهم بالصالحين، فسموا بالصالحين، وسمي لحف جبل قاسيون بالصالحية من ذلك الوقت. وأنشأ الناس فيها دورًا، فأصبحت بعد ذلك بليدة زاهرة جديدة.

وأنجب الشيخ أحمد بن قدامة ولدين نجيبين، أحدهما الشيخ أبو عمر، والآخر موفق الدين.

أما أبو عمر، واسمه محمد، فتولى شؤونهم الإدارية، وأنشأ الدير الحنبلي والمدرسة العمرية. وُلد بجماعيل سنة (528) هـ، وتوفي بدمشق سنة (608)، ودُفن بالصالحية.

أما موفق الدين، فاسمه عبد الله، وهو الأخ الأصغر. وُلد سنة (541) بجماعيل، وهاجر مع أبيه إلى دمشق، وسكن دارًا قرب الجامع الأموي، ويقيم بهذا الجامع في قاعة الحنابلة قرب محرابهم. وهو مؤلف كتاب «المغني» الشهير بالفقه الحنبلي، وغيره كثيرًا من المؤلفات. وتوفي بدمشق سنة (620)، ودُفن في الصالحية قرب مقبرة أهله، وله أولاد وبنات ماتوا في حياته، وانقطع عقبه.

وما خرج من العلماء من بني قدامة، منهم من سلالة الشيخ أبي عمر.

____________________________________________

منهج ابن قدامة في كتابه

يقول ابن قدامة -رحمه الله-: فإني كنت وقفت مرة على كتاب: "منهاج القاصدين" للشيخ الإمام العالم الأوحد، جمال الدين ابن الجوزي، رحمه الله تعالى، فرأيته من أجل الكتب وأنفعها، وأكثرها فوائد، فحصل عندي بموقع، ورغبت في تحصيله ومطالعته، فلما تأملته ثانيا، وجدته فوق ما كان في نفسي، لكن رأيته كتابا مبسوطاً، فأحببت أن أعلِّق منه هذا المختصر الذي قد احتوى على أكثر مقاصده، وأجل مهماته وفوائده سوى ما ذكر في أوائله من مسائل ظاهرة تتعلق بالفروع، فإنها مشهورة في كتب الفقه المستفيضة بين الناس، إذ كان المقصود من الكتاب غير ذلك. ولم ألتزم فيه المحافظة على ترتيبه وذكر ألفاظه بعينها، بل ذكرت بعضها بالمعنى قصداً للاختصار، وربما ذكرت فيه حديثاً أو شيئاً يسيراً من غيره إن كان مناسباً له، والله تعالى أعلم.

_____________________________________________

فوائد انتقيتها من الكتاب

1-فاعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء. وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع. (11).

2-ومن تشاغل فى وعظة بذكر قصص الأولين، فليعلم أن اكثر ما يحكى فى ذلك لا يثبت، كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تكته، وأنه رأى يعقوب عاضا على يده، وأن داود جهز أوريا حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه. (19).

3- فإن مهلك نفسه فى طلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره (20).

4-ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم فهو جاهل، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، وليدع رأيه لرأى معلمه فان خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه (22).

5-ان فكرة المؤمن لا تزال تجول فى كل شئ من أمور الدنيا فيذكر به أمور الآخرة، لأن الغالب على المؤمن أمر الآخرة، وكل إناء ينضح بما فيه. ألا ترى أنه لو دخل إلى دار -معمورة- بَزَّاز، ونجار، وبناء، وحائك، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها، والحائك ينظر إلى نسج الثياب، والنجار ينظر إلى سقف الدار والبناء ينظر إلى الحائط، فكذلك المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، وإن رأى نعيماً تذكر نعيم الجنة، وإن رأى عذاباً ذكر النار (28).

6- يستحب أن يجعل يوم الجمعة لأعمال الآخرة، ويكف عن جميع أشغال الدنيا (35).

7- واعلم: أن النهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار. أحدها: ترك التشبه بعباد الشمس.

الثاني: التحذير من السجود لقرن الشيطان، فإن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زلت الشمس فارقها، فإذا تضيفت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.

الثالث: إن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات، والمواظبة على نمط واحد يورث الملل، فإذا وقع المنع زاد النشاط، لأن النفس حريصة على ما منعت منه، فمنع الإنسان من الصلاة فى أوقات النهى، ولم يمنع من نوع آخر من التعبد، كالقراءة، والتسبيح لينتقل العابد من حال إلى حال، كما جعلت الصلاة متنوعة بين قيام وقعود وركوع وسجود، والله أعلم. (36).

8-وقال ابن عباس: "إن الذى يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت فى البحر". وروى نحو ذلك فى حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم. فإن قيل: ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟ فالجواب: أن نفع العلم يَعُمُّ كل شىء حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل ويحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شىء حتى إلى المذبوح، والحوت، فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاءاً لحسن صنيعهم. (14)

9-ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجوراً (53).

10-وإذا تلا: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58] فليتفكر في نطفة متشابهة الأجزاء، كيف تنقسم إلى لحم وعظم، وعرق وعصب، وأشكال مختلفة من رأس ويد، ورجل، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة كالسمع، والبصر، والعقل، وغير ذلك، فيتأمل هذه العجائب (53).

11-وهذب قومٌ إلى أن استجابة الدعاء يعود إلى شرف الحلات لا إلى شرف الأوقات، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل والخضوع (56).

12- والأولى بالعالم أيضاً أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات في العلم لا تصبر عليه النفس، فينبغي أن يخص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد على ما ذكرنا، ثم ما بعد طلوع الشمس إلى الضحى في الإفادة والتعليم، فإن لم يكن عنده من يتعلم، صرف ذلك الزمان إلى التفكير في العلوم، فان صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات، ثم من ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة، لا يترك ذلك إلا في وقت أكل، أو طهارة، أو مكتوبة، أو قيلولة، ومن العصر إلى اصفرار الشمس بسماع ما يقرأ عليه من تفسير، أو حديث، أو علم نافع، ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح، فيكون ورده الأول من عمل اللسان، والثاني بى عمل القلب بالتفكير، والثالث في عمل العين واليد والمطالعة والنسخ، والرابع بعد العصر صفى عمل السمع لتتروح العين واليد، فان المطالعة والنسخ بعد العصر ربما أضرا بالعين. وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قمسة الشافعي رحمه الله، فانه كان يقسمه ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار. (66)

13-أما الليالي المخصوصات بمزيد الفضل التي يستحب إحياؤها، فخمس عشرة ليلة ولا ينبغي للمريد أن يغفل عنهن، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فمن هذه الليالي سبع في رمضان: الليلة السابعة عشرة، وهى التي كانت صبيحتها وقعة بدر، والست الباقية هن أوتار العشر [الأخير]، إذا فيهن تطلب ليلة القدر وأما الثمان الآخر: فأول ليلة من المحرم، وليلة عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين. وقد ورد صلوات لبعض هذه الليالي وليس فيها ما يثبت (70)

14- وينوى بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد به التنعم فقط، وعلامة صحة هذه النية أخذ البلغة دون الشبع. قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه". ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع، وأن يرفع يده قبل الشبع، ومع فعل ذلك لم يكد يحتاج إلى طبيب (71)

15-وينبغي لمن يُكرم ضيفه، أن يُقدم له الفاكهة أولاً قبل غيرها، وذلك أصلح فى باب الطب، وقد قال الله تعالى: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 20، 21] (74).

16-فإذا أراد الضيف الانصراف ينبغى أن يخرج معه إلى باب الدار، فإنه سنة، وذلك من إكرام الضيف ومن تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة (75).

17-والفرق بين التوضيح والنصيحة الإعلان والإسرار، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الأعضاء، فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإغضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن (102).

18-{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، قال المفسرون: معناه: علموهم وأدبوهم (109).

19-وينبغى لوالديها تأديبها قبل نقلها إلى الزوج لتعرف آداب العشرة، وينبغي للمرأة أن تكون قاعدة فى بيتها، لازمة لمغزلها، قليلة الكلام لجيرانها، كثيرة الانقباض حالة غيبة زوجها، تحفظه غائباً وحاضراً، وتطلب مسرّته فى جميع الأحوال، ولا تخونه فى نفسها ولا فى ماله، ولا تُوطئ فراشه من يكره، ولا تأذن فى بيته إلا باذنه، ولتكن همتها صلاح شأنها وتدبير بيتها، قائمة بخدمة الدار فى كل ما أمكنها، ولتكن مُقَدَّمة لحق زوجها على حق نفسها وحق جميع أقربائها. آخر كتاب النكاح (81).

20-ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم، وهؤلاء أخس رتبة من أن يتكلموا، لكن جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن الإمام لم يخرج بعد (124).

21-ولا رخصة في تثقيب آذان الصبية لأجل تعليق حلق الذهب، فإن ذلك جرح مؤلم لا يجوز، وفى المخانق والأسورة كفاية عن ذلك والاستئجار على ذلك غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام (133).

22-ومن المعاريض ما روينا عن عبد الله بن رواحة رضى الله عنه أنه أصاب جارية له، فعلمت امرأته، فأخذت شفرة، ثم أتت فوافقته قد قام عنها، فقالت: أفعلتها؟ فقال: ما فعلت شيئاً، قالت، لتقرأن القرآن أو لأبعجنك بها، فقال رضى الله عنه:

وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع

قالت: آمنت بالله وكذبت بصري (169).

23-ومثل هذا قولهم: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. والمعنى انهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شئ مما ركنوا إليه وفرحوا به (192).