دفع الأوهام عن مسألة القراءة خلف الإمام
تأليف الشيخ عبد الغفار بن عبد الغني عيون السود
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد تُعدُّ مسألةُ القراءة خلف الإمام من أشهر المسائل الخلافية التي شغلت الفقهاء والمحدِّثين والأصوليين عبر القرون، وتنازع فيها أهل العلم بين موجبٍ للقراءة مطلقاً، وموجبٍ لها في بعض الأحوال دون بعض، ومانعٍ منها اكتفاءً بقراءة الإمام. وقد استند كل فريق إلى جملةٍ من النصوص الشرعية والآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم، مما جعل هذه المسألة من المواطن التي تجلَّى فيها أثر الاجتهاد الفقهي، واتسعت فيها دائرة الخلاف السائغ بين أئمة الإسلام.
ويأتي كتاب «دفع الأوهام عن مسألة القراءة خلف الإمام» للإمام المحدث الفقيه عبد الغفار بن عبد الغني عيون السود الحمصي رحمه الله في سياق الدفاع عن منهج الأئمة المجتهدين، وخصوصاً الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وردِّ الشبهات التي أُثيرت حول مذهبهم في هذه المسألة. فلم يقصد المؤلف مجرد الانتصار المذهبي، وإنما سعى إلى بيان أن الخلاف في القراءة خلف الإمام مبنيٌّ على النظر في الأدلة وفهم النصوص والترجيح بينها، وأنه خلاف اجتهادي معتبر لا يسوغ أن يكون سبباً للطعن في الأئمة أو تبديع أتباعهم أو التشكيك في صحة عباداتهم.
وتبرز أهمية هذه الرسالة في أنها لا تقتصر على عرض أدلة الحنفية، بل تستعرض مذاهب الأئمة الأربعة وأدلتهم، وتؤكد أن الاختلاف الفقهي المعتبر لا يقدح في عدالة العلماء ولا في صحة الاجتهاد الذي بُني على الدليل. كما تكشف عن جانبٍ من آداب الخلاف التي سادت بين أئمة الإسلام، وتقف في وجه ظاهرة التسرع في الإنكار والتبديع والتفسيق التي ظهرت قديماً وحديثاً في بعض الأوساط العلمية.
ومن أبرز القضايا التي ناقشها المؤلف ما نُقل عن بعض المتعصبين من القول بعدم صحة صلاة الحنفية لتركهم القراءة خلف الإمام. وقد عدَّ المؤلف هذا القول من الأوهام الخطيرة التي تفضي إلى الطعن في جماهير المسلمين وأئمتهم وعلمائهم. ومما يزيد هذا القول بطلاناً أن طائفةً كبيرة من السلف والخلف لم توجب القراءة على المأموم، بل رأت أن قراءة الإمام تكفيه.
فقد نقل المؤلف عن الإمام مالك وأصحابه أن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم، وإنما تستحب في الصلاة السرية. وجاء في «حاشية الدسوقي»: «لا تجب قراءة الفاتحة على مأموم كانت الصلاة جهرية أو سرية ... وإنما استحب له قراءتها».
كما نقل عن الحنابلة أن القراءة ليست واجبة على المأموم، وأن الإمام يتحملها عنه. وجاء في «شرح الإقناع» وكتب المذهب: «لا قراءة على المأموم» وأن قراءة الفاتحة في السرية سنة وليست فرضاً.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد توسط في المسألة، ورجح أن المأموم لا يقرأ حال جهر الإمام، وأنه مأمور بالاستماع والإنصات؛ فقال: «إذا كان يسمع قراءة الإمام فالسنة أن يستمع لها، ولا يقرأ حال قراءة الإمام عند أكثر السلف»، وقرر أن النصوص الواردة في وجوب الإنصات للإمام نصوص قوية معتبرة لا يجوز إهدارها. كما بيّن أن المسألة من مسائل الاجتهاد التي لا يصح الإنكار فيها على المخالف إن كان متبعاً لدليل معتبر.
وأما المتأخرون من المحققين فقد أكد كثير منهم أن الخلاف في القراءة خلف الإمام من الخلاف السائغ الذي لا يجوز أن يترتب عليه تبديع ولا تفسيق، فضلاً عن الحكم ببطلان الصلاة. ومن هؤلاء الإمام الشوكاني الذي قرر أن المسألة من موارد الاجتهاد، والإمام الصنعاني الذي نقل أقوال الفريقين وأدلتهم، والعلامة محمد زاهد الكوثري الذي شدد على أن مذهب الحنفية قائم على أدلة وآثار معتبرة، وأن نسبة مخالفة السنة إليهم من الجهل بمآخذ الفقهاء.
ومن هنا تتجلى غاية هذه الرسالة؛ فهي ليست مجرد دراسة لمسألة فرعية، وإنما دفاع عن منهجية الاجتهاد الفقهي، وتأكيد لحرمة الطعن في الأئمة المجتهدين، ودعوة إلى الإنصاف العلمي، وردُّ الاعتبار لأدب الخلاف الذي قام عليه التراث الفقهي الإسلامي. وقد أحسن المؤلف رحمه الله في بيان أن الأئمة الأربعة جميعاً كانوا متبعين للدليل، طالبين للحق، وأن اختلافهم كان اختلاف تنوع اجتهاد لا اختلاف هوى وتعصب، وأن الأمة ما وسعها خلافهم إلا لأنه مبني على أصول العلم وقواعد النظر والاستدلال.
وفي ضوء ذلك تأتي هذه الرسالة شاهداً على سعة الفقه الإسلامي، ومرونة الاجتهاد، وخطورة إطلاق الأحكام على المخالفين في المسائل الاجتهادية، كما تمثل دعوة صادقة إلى جمع الكلمة، وحفظ مكانة الأئمة، وصيانة الأمة من غوائل التعصب والفرقة.
مقدمة التحقيق
بقلم: حسام الدين بن سليم الكيلاني
الحمد لله العليم الخبير، والصلاة والسلام على سيدنا وسندنا ومولانا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه أئمة الهدى ومصابيح الحياة، ورضي الله تبارك وتعالى عن أئمة الاجتهاد من السلف الصالح، صحباً وتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار. وبعد:
فهذا الكتاب يبحث مؤلفه في مسألة فقهية دار الخلاف حولها طويلاً، ليخلص إلى القول بأنها مسألة اجتهادية، وقد أورد المؤلف قول كل مجتهد ودليله في مسألة القراءة خلف الإمام، فكان هذا الكتاب رداً مفحماً على من ادّعى أن لا دليل للأحناف في هذه المسألة، وغمز ولمز وهمز على الأئمة الأربعة عليهم رضوان الله تعالى.
ولما كان العمل بالفقه واجبّ إلزامي؛ لأنّ المجتهد يجب عليه أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده، وهو بالنسبة إليه حكم الله تعالى، ختم المؤلف رسالته بفصل كامل هو: (حرية المسلم في اتخاذ أي مذهب شاء)؛ لأن غير المجتهد عليه أن يعمل بفتوى المجتهد؛ إذ ليس أمامه طريق آخر لمعرفة الحكم الشرعي سوى الاستفتاء {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، وإنكار الأحكام الثابتة بالاجتهاد المبني على غلبة الظن معصية وفسق وظلم؛ لأنّ المجتهد بذل أقصى جهده لمعرفة الحقّ وبيان حكم الله تعالى، بعيداً عن أي هوى شخصي، أو مأربٍ نفعي، أو طلب سمعةٍ أو شهرةٍ زائفةٍ، وإنما مستنده الدليل الشرعي، ورائده الحق وشعارهالأمانة والصدق والإخلاص.
وسأذكر لك منهج التحقيق والجهد المبذول في إخراج هذا الكتاب في الصفحات القادمة. أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين. حمص في ١٠ جمادى الآخرة ١٤١٦ هـ - وکتبه: حسام الدين بن سليم الكيلاني
_____________________________________________
منهج التحقيق
١ - قدمت للكتاب ببضعة أسطر.
٢ - ترجمت لمؤلف هذا الكتاب.
٣ - اعتمدت في إخراج هذا الكتاب على النسخة المطبوعة بمكتبة حذيفة بن اليمان بحمص، والنسخة التي طبعت في مطبعة حمص سنة ١٩٢٧ م - ١٣٤٧ هـ التي طبعت على نفقة تلاميذ المؤلف رحمه الله تعالى ، وهي أصح نسخة .
٤ - صححت الأخطاء التي وقعت في هاتين النسختين وهي كثيرة، وراعيت في ذلك الدقة والأمانة العلمية.
٥ - قمت بشكل الكلمات المتشابهة والتي تقبل التصحيف.
٦ - خرّجت الآيات القرآنية.
٧ - خرّجت الأحاديث النبوية الشريفة تخريجاً كافياً وافياً.
٨- شرحت ما يعتاص فهمه من ألفاظ الحديث، ورددت ذلك إلی مظاته.
٩ - ترجمت للأعلام الواردة أسماؤهم ترجمة وافية موجزة.
١٠ - قمت بالتعليق على بعض العبارات التي رأيت في التعليق عليها زيادة فائدة.
١١ - ذكرت مظانّ أقوال العلماء.
١٢ - عملت الفهارس الفنية للكتاب.
وأسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الصواب والحق، وأن يحفظنا من الشطط والزلل، وأن يجعل عملي هذا نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين.
_____________________________________________
المؤلف في سطور
هو الإمام العالم العامل فضيلة الشيخ المحدث الفقيه الحنفي، ذو الفضائل، أحد العلماء المفسرين، والأئمة المحدثين عالم الربع المعمور، عبد الغفار بن عبد الغني عيون السود الحمصي -رحمه الله تعالى.
مولده: ولد في حمص ونشأ فيها وتوفي فيها رحمة الله تعالى عليه.
نشأته: نشأ ببلدة حمص إحدى المدن السورية المشهورة، بين أهله الذين آثروا طلب العلم على ما سواه وانقطعوا له، واشتغلوا به درساً وتدريساً وتأليفاً، فأخذ يسير على منهجهم ويقتفي أثر من سبقه منهم، متبعاً خطاهم، وملتزماً بمسلكهم، فحفظ القرآن الكريم وجوّده واستظهره، وحفظ متون كتب الطلب من نحو وصرفٍ ومعان وبيان وفقهٍ وأصول، ثم أخذ في قراءة شروحها المختصرة على مشايخ عصره، وتلقى الحديث النبوي الشريف على كثير من المحدثين، وتصدر للإقراء والإفتاء بعد أن جمع الرواية والدراية والعلم. وكان من أفراد أهل زمانه معرفة وحفظاً وإتقاناً.
من تلاميذه:
١ - الشيخ عبد القادر الخوجه.
٢ - الشيخ محمد علي عيون السود، أخوه.
٣ - الشيخ عبد الله عيون السود، أخوه.
٤ - الشيخ المفتي بدر الدين الأتاسي.
٥ - الشيخ زهري الأتاسي.
٦ - الشيخ أحمد عبد الدائم.
٧ - الشيخ عبد الجليل مراد.
٨ - الشيخ عبد الكريم أتماز السباعي.
٩ - الشيخ فائق أتماز السباعي.
١٠ - الشيخ خالد ناجي السباعي. وغيرهم .
وجميعهم قد أجازهم بالرواية والتحديث عنه، وله أسانيد متصلة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من مؤلفاته:
١ - كتاب فقه: (دفع الأوهام عن مسألة القراءة خلف الإمام).
٢ - كتاب تفسير: (الرياض النضرة) يفسر فيه المؤلف سورة الفاتحة والبقرة.
وفاته:
وفي مدينة حمص وبعد حياة حافلةٍ بالعلم والتدريس؛ انتقل إلى جوار ربه في عام ١٣٥٠ هـ فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
_____________________________________________
مقدمة المؤلف
حمداً لمن صغّر الدنيا في أعين علماء سلف هذه الأمة، وقذف في قلوبهم داعية إيثار الدين، حتى تجهّزوا لخدمته ، وأرهفوا غرار عزمهم لرعايته غير متوانين ولا متقاعسين. أيقظوا له الآراء، وأنعموا النظر، وقلبوا فيه الخواطر، وأمعنوا في تتبع الأثر، مغرقين في البحث، مبالغين في الفحص، حتى سبروا غور الأحكام، وأثبتوها لنا بأدلتها مخلدة على الدّوام، فجزاهم الله عنا أحسن الجزاء.
والصلاة والسلام على سيّدنا محمد القائل فيما أخرجه البُخاري ومسلم في صحيحيهما: (خيرُ أمتي قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ إنّ من بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السَّمَنُ)، وفي رواية للنسائي -بإسنادٍ صحيح- عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ، ثم يظهر الكذب حتى إنّ الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا من سره أن ينزل بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة؛ فإنّ الشيطان مع الفدِّ، وهو من الاثنين أبعدُ)، وعلي آله وصحابته بدور معارفه، ونجوم هدايته.
_____________________________________________
السبب الباعث على التأليف
قد أحزنني ما أسمعه عن بعض علماء زمني من أتهم يستخقون بالأئمة الأربعة (عليهم رضوان الله)، خصوصاً بأبي حنيفة ومن تبعه، ويحطون من كرامتهم لفظاً ولحظاً، وتصريحاً وتلويحاً، وإنّ أكثر ما يهمزون به ويلمزون ويغمزون من أجله ويطعنون (مسألة القراءة خلف الإمام).
فأحببت أن أذكر مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة بأدلتها على وجه الاختصار، محذراً عن الوقوع في مثل هؤلاء الأخيار ، فعسى أن يتنبه بعض من تعمّه وأن يقصر بعض من لم يبصر. فأقول وبالله التوفيق:
فصل في قول الشافعي وأدلته
اختلف الأئمة في القراءة خلف الإمام، فذهب الشافعي إلى أنَّ المأموم يقرأ خلفه سورة الفاتحة، في الصلوات كلها جهرية كانت أو سرية، مُستدلاً بما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، عن عبادة، قال: قال: "صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرفن، قال: إني أراكم تقرؤن وراء إمامكم، قال: قلنا يا رسول الله، أي والله. قال: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها).
يؤيده إطلاق الأحاديث القاضية بوجوب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة، من غير فرق بين الإمام والمأموم؛ كحديث عبادة عند الجماعة: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وحديث عائشة رضي الله عنها عند أحمد وابن ماجه، قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداجٌ)، أي: ناقصة.
فصلٌ: في قول مالك وأحمد وأدلتهما
وذهب مالك وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى أنّ المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصلوات السرية دون الجهرية، واستدلا لذلك بما رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسنّ، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة؛ فقال: (هل قرأ معي أحد منكم آنفاً، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: فإني أقول مالي أنازع القرآن، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يجهر فيه رسول الله من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله خصلى الله عليه وسلم).
فصلٌ: في قول الأحناف وأدلتِهم
ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أنّ المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً جهرية كانت الصلاة أو سرية، مستدلاً بحديث جابر، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال: (من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة)، وهو مروي من طرق عديدة إلا أنّ الدارقطني، والبيهقي، وابن عدي، قالوا: الصحيح أنه مرسل؛ لأنّ الحفاظ كالسفيانيين وشريك وغيرهم، رووه عن عبد الله بن شداد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فأرسلوه.
وتعقب ابن الهمام قولهم هذا بما في مسند أحمد بن منيع، قال: أخبرنا إسحق الأزرق، قال: حدثنا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) وهو حديثٌ صحيح على شرط مسلم.
قال (يعني ابن الهمام): ولو تفرد الثقة برفع الحديث؛ وجب قبوله، لأن الرفع زيادة، وزيادة الثقة مقبولة ،فكيف ولم ينفرد والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى.
وقد رفعه أبو حنيفة أيضاً بسند صحيح فيما روى محمد بن الحسن في "موطئه" قال: أخبرنا أبو حنيفة، حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر، عن النبيصلى الله عليه وسلم، قال: (من صلى خلف إمام فإنّ قراءة الإمام له قراءة).
ويدل لما قاله أبو حنيفة أيضاً ما رواه الخمسة، وصححه أحمد في رواية الأثرم عن أبي هريرة : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبّر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا)، قال أبو داود زيادة قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد، وتعقبه المنذري، فقال: إنّ أبا خالد هذا هو سليمان ابن حيّان الأحمر، وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحيهما ومع هذا لم يتفرد بهذه الزيادة، بل تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة، وثقه يحيى بن معين، ومحمد ابن عبد الله المخرمي، وأبو عبد الرحمن النسائي.
وقد أخرج هذه الزيادة النَّسائي في "سننه" من حديث أبي خالد الأحمر، ومن حديث محمد بن سعد، وقد أخرج مسلم في الصحيح هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري- من حديث جرير بن عبد الحميد، عن سليمان التيمي عن قتادة.
ولما قال أبو بكر في هذا الحديث قال له مسلم : أتريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة يعني: وإذا قرأ فأنصتوا ... فقال: هو عندي صحيح.
فقد صحّح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما.
فصلٌ في موافقة الإمام مالك وأحمد لأبي حنيفة
وقد وافق أبا حنيفة على عدم وجوب القراءة خلف الإمام مالك وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، فإنهما- وإنْ قالا: يقرأ المأموم في الصلاة السرية كما قدّمنا عنهما، لكنهما لم يقولا بقراءته على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب والسنية كما صرّح بذلك أصحابهما في كتبهم.
ففي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأحمد الدردير المالكي قال: (لا تجب قراءة الفاتحة على مأموم كانت الصلاة جهرية أو سرية، خلافاً لابن عربي القائل بلزومها للمأموم في السرية وهو ضعيف، والمعتمد عدم لزومها له، وإنما استحب له قراءتها).
وفي شرح الإمتاع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي تحت قول المصنف "لا يجب فعل قراءة على مأموم: (وتسنُّ قراءة الفاتحة فيما لا يجهر فيه، قال: روي ذلك عن عليّ وابن عباس وابنمسعود وجابر وابن عمر؛ لقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا .. }. قال أحمد -في رواية أبي داود-: أجمع الناس على أنّ هذه الآية في الصلاة ، ولولا أنّ القراءة لا تجب على المأموم بالكليّة لما أمر بتركها من أجل سنة الاستماع -إلى أن قال: والمراد بأنه لا قراءة على المأموم؛ لأنّ الإمام يتحملها عنه كما نبّه عليه المصنف بقوله: "فيحمل عنه إمامه ثمانية أشياء الفاتحة... إلخ").
فصل في أقوال للصحابة في عدم القراءة خلف الإمام
ويعضد مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما جاء من الآثار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي موطأ مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: (إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ).
وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار عن عبيد الله بن مقسم، أنه سأل عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- فقالوا: لا تقرأ خلف الإمام في شيءٍ من الصلاة.
وأخرج محمد بن الحسن في موطئه، عن أبي وائل، قال: سُئل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: (أنصت، فإنّ في الصلاة شغلاً، ويكفيك الإمام).
وأخرج في موطئه أيضاً عن سعد رضي الله عنه، قال: (وددتُ الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة)، ورواه عبد الرزاق إلا أنه قال: في فيه حجر.
وفي موطأ محمد أيضاً عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: (ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً)، ورواه عبد الرزاق أيضاً. وفي معاني الآثار للطحاوي عن علقمة عن ابن مسعود، قال: (ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً). وفيه أيضاً عن أبي حمزة، قال: قلت لابن عباس: أأقرأ والإمام بين يدي قال : لا.
وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن جابر -رضي الله عنه- قال: (لا تقرأ خلف الإمام وإن جهر، ولا إن خافت). وأخرج هو وعبد الرزاق من قول علي -كرّم الله وجهه -قال: (من قرأ خلفَ الإمام فقد أخطأ الفطرة).
وفي سنن النَّسائي عن كثير بن مرة الحضرمي، عن أبي الدرداء، قال سمعه يقول: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفي كلّ صلاة قراءة؟ قال: نعم. قال رجلّ من الأنصار وجبت هذه. قال فالتفت إليَّ وكنت أقرب القوم منه؛ فقال: ما أرى الإمام إذا أمَّ القومَ إلا قد كفاهم.
قال ابن الهمام : لم يكن أبو الدرداء ليروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في كلّ صلاة قراءة ثمّ يعتد بقراءة الإمام عن المقتدي إلا لعلم عنده فيه من النبي -صلى الله عليه وسلم.
فصل في رد الأحناف على من قال بقراءة الفاتحة خلف الإمام
فإن قلتَ: ما جواب الحنفية عما ذكرت من الأحاديث القاضية بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم؛ كحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وحديث: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)؟
قلتُ: أجاب ابن الهمام بأنّ القراءة ثابتة من المقتدي شرعاً، فإنّ قراءة الإمام قراءة له.
وإنْ قلتَ: ما جوابهم عن حديث عبادة المتقدم الذي استدل به الشافعي (لا تفعلو إلا بأم القرآن).
قلتُ : أجاب عنه ابن الهمام أيضاً: بأنه معارض لحديث (من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة) وهو أقوى سنداً فيقدم عليه.
فإن قلت: ليس في حديث (من كان له إمام ... ) منعٌ، بل غاية ما فيه الاكتفاء بقراءة الإمام؟
قلتُ: هذا بالنظر إليه بمجرده، أما بالنظر إليه مع آثار الصحابة التي هي مُبَيِّنَة لمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مانعٌ لما في تلك الآثار من الوعيد كقولهم: (ليت في فيه جمرة) وأمثاله كما قدمنا.
ورجح الطحاوي العمل بحديث: (من كان له إمام، فقراءةُ الإمام له قراءة)، بما اتفقوا عليه مِن أنّ مَن أتى الإمام وهو راكع يكبّر ويركع معه، وتجزئه تلك الركعة وإن لم يقرأ فيها شيئاً ، فلو كانت القراءة فرضاً فيها لما أجزأته، كما لم تجزئ من ركع مع الإمام من غير أن يقف لتكبيرة الإحرام باتفاقهم وهو ترجيح من حيث النظر.
فصل في قول بعض الجهال إنّ صلاة الأحناف غير صحيحة
وإنما أطلت بعض الإطالة في الاستدلال بأبي حنيفة رحمه الله- لما بلغني عن بعض من يُنسَبُ إلى العلم أنه يقول: إنّ صلاة الحنفية غير صحيحة؛ لأنهم لا يقرأون خلف الإمام، ومن لم تصح صلاته فهو تارك للصلاة، وتارك الصلاة كافر. هذا ما بلغني عنه، والعهدة على الناقل.
فإن صح هذا الخبر؛ فالعجب العجب من هذا القائل الذي لم يعض على العلم بضرس قاطع، كيف تجارت به الأهواء حتى تجرأ على تكفير الألوف المؤلفة، بل الملايين من المسلمين بمجرد وهم ظنه فهماً، فأراش سهماً من أطرافه، ورمى به هذه الجموع على اختلاف طبقاتهم، سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، ألم يعلم هذا القائل أنَّ في هذه الجموع الأئمة الفخام والعلماء الأعلام والبررة الأخيار والعباد والزهاد والصالحين.
أوَ لم يشعر أنّ سهمه هذا يصيب أكابر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -الذين كانوا لا يقرأون خلف الإمام، أو لم يعرف أنّ أسوأ القول الإفراط، أوَ لم يدر أنّ العاقل يرى مقرّ سهمه قبل رميته.
أوَ لم يسمع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الشيخان: (إنّ العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلّ في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، أوَ لم يعِ ما رواه أحمد بسندٍ حسن- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ليس من أمتي مَن لم يجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعَالمنا حقّه).
أوَ لم يبلغه ما قاله أبو الحسن الشاذلي -رحمه الله-: (البصيرة أدنى شيء يقع فيها يعطل النظر، فالخطرة من صفات الشرّ تشوش نظر البصيرة والعمل بها يذهب بصاحبه عن سهم من سهام الإسلام).
فإذا انتهى إلى الوقيعة في العلماء والصالحين تفلت منه الإسلام كله - قال - : (ولا يغرنّك ما توسم به ظاهر فإنه لا روح له، فإنّ روح الإسلام حب الله وحب رسوله وحب الصالحين).
أوَ لم يقف هذا القائل على ما أخرجه ابن حِبّان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكفر رجل رجلاً، إلا باء أحدهما بها، إن كان كافراً وإلا كفر بتكفيره). فإن استمر على الشر تفلت منه الإسلام سهماً سهماً..
أوَ لم يطلع على ما رواه البزار، ورواته ثقات عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا قالالرجل لأخيه يا كافر فهو كقتله).
أوَ لم يتفطن إلى أنّ قوله هذا يشوش على الناس ويشككهم في أمر علماء الدين، الذين أفنوا أعمارهم في خدمته وربما يدعوهم ذلك إلى الاستخفاف بهم. والاستخفاف بهم من النفاق؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الطبراني، والترمذي- وحَسَّنه: (ثلاثٌ لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط).
وقد يجرهم إلى إطالة اللسان والوقوع فيهم؛ فيقعون في وعيد- قوله تعالى- فيما أخرجه البخاري في صحيحه: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وفي رواية لأحمد: (من آذى لي وليّاً)، ومحاربة الله تعالى يُخشى منها سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى، لأنّ من حاربه الله لا يفلح أبداً.
وقد بلغني عن هذا القائل أيضاً أنه يذكر الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول للمستمعين له: هذا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنتركه لقول أبي حنيفة ورأيه ؟؟
فتظن العامة عند سماعهم ذلك فيه أنّ أبا حنيفة وأتباعه إنما يعتمدون في الأحكام على آرائهم، غير معوّلين على ما صحّ من حديث نبيّهم؛ فيقعون في سوء الظنّ بهم، وربما تجري ألسنتهم بالطعن فيهم.
فإن صح الخبر عن هذا القائل؛ فمنشأه إما قلة الاطلاع على الحقّ الحقيق بالاتباع، أو التلبيس على العامة ليكونوا له من الأتباع أو أنه زيّن له سوء عمله فرآه حسناً، وها أنا أذكر لك نبذة مما كان عليه أبو حنيفة وأتباعه لتقف على حقيقة ما هم عليه، فعسى أن لا يغرنّك بعد ذلك سراب التلبيس ولا ينفق عليه التدليس.
فصل في مذهب أبي حنيفة
فأقول : صح عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ونقل ابن عبد البر وغيره -مثل ذلك عن الأئمة الثلاثة أيضاً: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل .
ونقل في رد المحتار عن الإمام أبي جعفر الشيراماذي، عن شقيق البلخي أنه كان يقول: كان الإمام أبو حنيفة من أورع الناس، وأعبد الناس، وأكرم الناس، وأكثرهم احتياطاً في الدين، وأبعدهم عن القول بالرأي في دين الله، وكان لا يضع مسألة في العلم حتى يجمع أصحابه ويعقد عليها مجلساً، فإذا اتفق أصحابه كلهم على موافقتها للشريعة -قال لأبي يوسف أو غيره- ضعها في الباب الفلاني).
ونقل الطحاوي عن مسند الخوارزمي: أن أبا حنيفة اجتمع معه ألف من أصحابه، أجلهم وأفضلهم أربعون قد بلغوا حدّ الاجتهاد ، فقرّبهم وأدناهم، وقال لهم: إني قد ألجمت هذا الفقه وأسرجته لكم، فأعينوني فإنّ الناسَ قد جعلوني جسراً على النار، فإنّ المنتهى لغيري، واللعب على ظهري، فكان إذا وقعت واقعة شاورهم وناظرهم وحاورهم وسألهم، فيسمع ما عندهم منالأخبار والآثار، ويقول ما عنده ويناظرهم شهراً أو أكثر حتى يستقر آخر الأقوال، فيثبته أبو يوسف حتى أثبت الأصول على هذا المنهاج.
فصل ما قاله العلماء في أبي حنيفة
قال ابن حَجَر: قال بعض الأئمة: لم يظهر لأحدٍ من أئمة الإسلام المشهورين مثل ما ظهر لأبي حنيفة من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة والمسائل المستنبطة والنوازل والقضايا والأحكام.
وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (والذي نفسي بيده لو كان الدّينُ معلقاً بالثريّا لتناوله رجلٌ من فارس)، وقال السيوطي: وهذا أصل يعتمد عليه في الإرشاد لأبي حنيفة، وهو متفقٌ على صحته.
وقال تلميذه العلامة الشامي: ما جزمَ به شيخنا من أنّ أبا حنيفة هو المراد من هذا الحديث ظاهرٌ لا شك فيه؛ لأنه لم يبلغ من أبناء فارس من العلم مبلغه أحدّ.
وقال الإمام مالك لما سُئل عن أبي حنيفة: رأيته رجلاً لو كلمك في هذه السارية أنْ يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وقال فيه أيضاً: إن أبا حنيفة لأهل العلم خير مؤنس.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة في الفقه.
وكان الإمام أحمد بن حنبل كثيراً ما يذكر فضل أبي حنيفة ويترحَّم عليه.
قالوا: ومناقبه أكثر من أن تحصى، وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه في عامة بلاد الإسلام، بل لا يعرف في بعض البلاد إلا مذهبه؛ كبلاد الروم والسند والهند وما وراء النهر وسمرقند.
وقال في الدر المختار: قد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام.
قال في رد المحتار: فالدولة العباسية وإن كان مذهبهم مذهب جدهم، فأكثر قضاتها ومشايخ إسلامها أحناف، يظهر ذلك لمن تصفح كتب التاريخ، وكان مدة ملكهم خمسمائة سنة تقريباً.
وأما الملوك السلجوقيون وبعدهم الخوارزميون فكلهم حنفيون وقضاة ممالكهم غالبها حنفية.
وأما ملوك آل عثمان ضمن تاريخ تسعمائة إلى يومنا هذا؛ لا يولون القضاة وسائر مناصبهم إلا للحنفية، ويرحم الله الإمام مالك لما صنف الموطأ عمل من كان بالمدينة من العلماء يومئذ الموطآت. فقيل له: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك الناس فيه وعملوا أمثاله؛ فقال: ائتوني بما عملوا فأتي بذلك فنظر فيه، وقال: لتعلمنّ أنه لا يرتفع إلا ما أريد به وجه الله.
قال ابن عبد البر: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمعت بشيءٍ منها.
فصل في أخذ أبي حنيفة بقول الصحابة قبل القياس
ومن أصل أبي حنيفة رحمه الله: أنّ الخبر المرويّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من طريق الآحاد مقدم على القياس الصحيح، وعلى هذا الأصل مسائلٌ كثيرة لا تخفى على منْ تتبّع كتبَ الفقه، ومن أصل أبي حنيفة أيضاً: أنّ قولَ الصحابي مقدمٌ على القياس إذا لم يخالفه أحد من نظرائه؛ لأنه لا يجوز أن يقال أنه قاله من طريق القياس، لأنّ القياس يخالفه، ولا يجوز أن يقال: قاله جزافاً، فالظاهر أنه قاله سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا الأصل مسائلٌ كثيرة.
أيضاً منها: أنه يجب الجعل في رد الآبق إذ ظهر الفتوى به من غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن سعيد بن المرزبان عن أبي عمرو الشيباني، قال: كنت عند عبد الله بن مسعود فجاء رجل؛ فقال: إنّ خلافاً قدم بآباق من الغيوم. فقال القوم: لقد أصاب أجراً، قال عبد الله: وجعلا إنْ شاء الله، من كل رأس أربعين درهماً.
وروى أيضاً بسنده إلى علي -رضي الله عنه- أنه جعل في الآبق ديناراً أو اثني عشر درهماً.
قال في الهداية: من الصحابة من أوجب أربعين ومنهم مَنْ أوجب ما دونهما، فأوجبنا الأربعين في مسيرة السفر وما دونها في ما دونه توفيقاً، وعن الشافعي: لا يجب الجعل؛ لأنّ الرادّ متبرعٌ بمنافعه، وما قاله رحمه الله هو القياس. إلا أنّ أبا حنيفة تركه لفتوى الصحابة بخلافه.
إذا علمت ذلك ظهر لك أنّ أبا حنيفة ما كان يعتمد في الأحكام على رأيه، غير معول على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما يتوهم بعض الناس أو يوهمهم مَن يريد التلبيس عليهم، بل كان رحمه الله لا يجتهد في مسألةٍ برأيه واستنباطه، إلا إذا لم يثبت عنده فيها شيء عن رسول الله، ولا عن أصحابه رضوان الله عليهم.
وقد علمت أنه يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. يريدُ إذا أفتيتُ في مسالةٍ باجتهادي لعدم ثبوت حديث فيها عندي ثم ثبت عندكم فيها حديث صحيح فاتركوا فتواي واعملوا بما ثبت عندكم من الحديث فإنه مذهبي. كما قال الشافعي رحمه الله: إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا مذهبي على عرض الحائط.
وقد قال البيري في أول شرحه على الأشباه: إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به؛ فقد صح أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
قال في رد المحتار: وهذا لمن كان أهلاً للنظر في النصوص ومعرفة محكمها من منسوخها.
وهو تقييد حسنٌ لأنا نرى في زماننا كثيراً ممّن يُنسب إلى العلم مغتراً بنفسه يظن أنه فوق الثريّا وهو في الحضيض الأسفل. فربما يطالع كتاباً من الكتب الستة مثلاً، فيرى فيه حديثاً مخالفاً لمذهب أبي حنيفة؛ فيقول: اضربوا مذهب أبي حنيفة على عرض الحائط وخذوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون هذا الحديث منسوخاً أو معارضاً بما هو أقوى منه سنداً أو نحو ذلك من موجبات عدم العمل به، وهو لا يعلم بذلك.
فلو فوّض لمثل هؤلاء العمل بالحديث مطلقاً لضلوا في كثير من المسائل وأضلوا مَن أتاهمْ من سائل.
فصل خلوّ الزمان من المجتهد
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عنه عليه الصلاة والسلام قال: (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناسُ رؤساء جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
وبهذا الحديث الشريف وأمثاله استدل من قال بجواز خلو الزمان عن مجتهد، وخالف في ذلك الحنابلة مستدلين بما في صحيح البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله).
وأجاب الأولون بأنّ الظهور على الحقّ لا يستلزم وجود المجتهد؛ لأنه يتحقق بدون اجتهاد كما يتحقق بإرادة الاتباع، وقد قال الرافعي: (الخلقُ متفقون على أنه لا مجتهد اليوم).
وقد قال القفالي والغزالي: العصر خلا عن المجتهد المستقل، فإذا كان هذا في زمانهم فما ظنك بزماننا القرن الرابع عشر، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه البخاري في صحيحه: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم).
وعن ابن مسعود -عند الترمذي -قال: (لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس؛ فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يُهلكون).
ولو تأملت يا أخي في حال علماء هذا الزمان لرأيت الأكثر -إنْ لمْ نقل كل واحد منهم -تشعبت به الهموم في أمور الدنيا حتى أضعفت عاقلته وحافظته، فتراه إذا قرأ كتابَ حديثٍ مثلاً؛ فوصل إلى وسطه نسي أوله، وإذا وصل إلى آخره نسي وسطه، وإذا مضى عليه بضعة أيام فسُئل عن شيءٍ من آخره، يقول: قد كان مَرَّ علي هذا ولا أدري أين هو !
فأين علماؤنا اليومَ من أحمد بن حنبل أحد علماء السلف ومسنده بين أيدينا يحتوي على أربعين ألف حديث بأسانيدها، وقد قال ابنه عبد الله: خرّج أبي المسند من سبعمائة ألف حديث، قال أبو موسى المديني: ولم يُخرجِ إلا عمّن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طُعن في أمانته.
فهل يوجد من علمائنا اليوم من يحفظ هذا المسند كله، وإذا وُجد -ولا أخاله واقعاً -فهل يحفظ معه مسند ابن أبي عاصم أحمد بن عمرو الشيباني وهو نحو خمسين ألف حديث، وإذا كان يحفظهما؛ فهل يحفظ معهما مسند عبد الحميد، ومسند أبي داود الطيالسي، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند البزار ومسند الدارمي، ومسند الرامهرمزي، ومسند الفردوس لأبي نصر الديلمي، ومسند أبي نعيم الأصبهاني، وغير ذلك من المسانيد الكثيرةالعدد.
وإذا كان يحفظ ذلك كله فهل يحفظ معه كتب السنن وغيرها، وما أظنّ أنّ أحداً منْ علماء زماننا قرأ عشر ما يوجد اليوم من كتب الحديث فضلاً عن حفظها، فضلاً عن جميعها ، فإذا رأى أحدنا حديثاً في كتاب ما يدريه أن يكون في غيره ما يعارضه أو ينسخه أو يخصصه.
فلولا تدوين هذه المذاهب كيف كان يمكننا ضبط أمر ديننا أو كيف يكون تشتتنا واختلافنا كل واحد مِنا يقرأ كتاباً فيعتمده، ويظنّ أنه حاو للعلم كله، فينكر على من يفتي بخلافه، ولعمري لو فوّض الاجتهاد
إلينا مع قلة علمنا وضعف آرائنا وتفرق أهوائنا، لمزقنا هذا الدين كل ممزق، ولشككنا فيه أكثر المسلمين فكيف لا يستحي أحدنا أن يدّعي الاجتهاد مع علمه بنفسه وكيف لا يخجل أن يقف في مصاف أولئك المجتهدين الأمجاد فرحم الله امرءاً عرف مكانه وحدّه فوقف عنده ولم يتعدّه.
ثم أقول لك يا أخي إن رأيت حديثاً مخالفاً لمذهب أبي حنيفة مثلاً -لا تكاد تراه إلا موافقاً لمذهب غيره من الأئمة الأربعة فقلد هذا الإمام الذي وافق الحديث مذهبه، فإنّ أحداً من الأئمة الأربعة لم يلزم الأمة باتباع مذهبه خاصة.
نعم عليك أنْ لا تتبع الرُّخَصَ من المذاهب؛ لأنهم قالوا: إنه فسق، لدلالته على التهاون في الدين، وأنْ لا تلفق في حادثة واحدةٍ، ثمّ إنْ قلتَ: إنّ أبا حنيفة لم يكن له باعٌ طويلٌ في الحديث والأثر، بدليل قلة عددِ ما اشتمل عليه مسنده من ذلك.
قلتُ: من كان قصير الباع في هذا كيف يتصور أن يكون إماماً مقتدىً للأمة، وكيف يكون الناس كلهم عيالاً عليه في الفقه كما قال الشافعي، وكيف يكون من تلاميذه مثل وكيع ابن الجرّاح من أعلام علم الحديث وهو شيخ الإمام الشافعي، ومثل عبد الله بن المبارك، أحد أركان هذه الأمة في العلم والحديث.
فصل في مسانيد أبي حنيفة
ليس للإمام الأعظم هذا المسند الواحد فقط كما تظن، بل له مسانيد كثيرة بلغت خمسة عشر مسنداً جمعها فحول علماء الحديث حسب علمهم بمرويات الإمام، لأنّ الإمام صنف بنفسه مسندا كما صنف الإمام مالك الموطأ:
فالأول من هذه المسانيد الخمسة عشر: للإمام الحافظ أبي محمد عبد الله الحارث المعروف بعبد الله الأستاذ.
الثاني: للحافظ أبي القاسم طلحة بن محمد جعفر الشاهد العدل.
والثالث: للإمام أبي نعيم الأصفهاني.
والرابع: للحافظ أبي الحسين محمد بن المطهر.
والخامس: للشيخ أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري.
والسادس : لعبد الله بن عدي الجرجاني .
والسابع: للحافظ عمر بن حسن الشيباني.
والثامن: لأحمد بن محمد الكلاعي.
والتاسع: لأبي يوسف، ويُسمى بنسخة أبي يوسف.
والعاشر: لمحمد بن الحسن، ويسمى بنسخة محمد.
والحادي عشر: للإمام محمد أيضاً ويُسمى الآثار.
والثاني عشر: لحمّاد ابن الإمام الأعظم.
والثالث عشر: للحافظ أبي القاسم عبد الله بن أبي العوّام السعدي.
والرابع عشر: للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن خسرو البلخي.
والخامس عشر: للإمام الماوردي.
على أنّ الإمام أبا حنيفة لم يكن مشتغلاً برواية الحديث، بل استخرج المسائل من الدلائل، فلذا قلت روايته بالنسبة إلى غيره كما عظمت درايته عن غيره.
وقد بحث معه الإمام الأوزاعي في مسائل فأجاب، فقال له الأوزاعي من أين هذا الجواب ؟ فقال: من الأحاديث التي رويتموها ومن الآثار التي نقلتموها، وبيّن له وجه دلالتها وطريق استنباطها، فأنصف الأوزاعيُ، وقال: (نحن العطارون وأنتم الأطباء).
وقال السيوطي: رُوي عن أبي غسان قال: سمعتُ إسرائيل، يقول: نعمَ الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه وأشدّ فحصه عنه.
وفي تاريخ البخاريّ: عن جابر بن علي بن عاصم قال: (لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم)، وبالجملة الجبالُ الشمُّ لا تمال بحصيات القاذف، وعين الشمس لا تغطى بجناح بعوضة؛ فأقصروا ذكر قول القائل:
وما أخبر الإنسان عن فضل نفسه .. بمثل اعتراف الفضل في كل فاضل
وإنّ أخسّ النقص أن يتقي الفتى .. قدى النقص عنه بانتقاص الأفاضل
أسأل الله لي ولك وللمسلمين أن يشغلنا بالعمل عن الجدل، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاه. إنه كريم منان.
خاتمة -في حرية المسلم في اتخاذ أي مذهبٍ شاء
فإن قلتَ: إذا كان أبو حنيفة على ما ذكرت ينبغي التزام مذهبه وقلة الاعتماد على مذهب غيره من الأئمة!
قلتُ: معاذ الله وأستغفر الله، فإنّ أبا حنيفة وإنْ كان الناس عيالاً عليه في الفقه، لأنه أول من دوّن الفقه، ورتبه أبواباً وكتباً على نحو ما عليه اليوم ثمّ تبعه الأئمة في ذلك، إلا أنّ هذا لا يقتضي ترجيح مذهبه على مذهب غيره؛ لأنّ المذاهب كلها متساوية في الأصول الأربع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
واختلاف آراء أصحابها في القياس وفي وجوه الدلالة، إنما هو اجتهاد منهم وحكم الاجتهاد الإصابة في غالب الرأي دون اليقين، ولهذا قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب، وهذا مما علم بأثر ابن مسعود عند الترمذي لما سُئل عن المفوضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول بها، ولم يسمّ لها مهراً قال: (اجتهد فيها برأي، إن أصبت فمن الله، وإنْ أخطأتُ فمني ومن الشيطان، أرى لها مهر مثل نسائها لا وكس ولا شطط). وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم.
وقد أخرج الخطيب: أنّ هارون الرشيد لما أراد أنْ يحمل الأمة على العمل بمذهب الإمام مالك، قال له مالك رحمه الله: (يا أمير المؤمنين إنّ اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلٌّ يتبع ما صح عنده، وكلهم على هدىً، وكل يريد وجه الله تعالى).
وفي حاشية الطحاوي تحت قول الشارح: "إذا سُئلنا عن مذهبنا، قلنا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب". قال: (المراد أنّ ما ذهب إليه إمامنا صواب عنده مع احتمال الخطأ، وأما بالنظر إلينا فكل واحدٍ من الأربعة مصيبٌ في اجتهاده).
تمَّ الكتاب بعون لله تعالى على يد مؤلفه الشيخ عبد الغفار عيون السود -والحمد لله رب العالمين