أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 7 يونيو 2026

أخلاق أهل القرآن لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أخلاق أهل القرآن

لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد/ لا يخفى على كل ذي لُب الفضيلة السامية، والدرجة الرفيعة العالية التي ارتفع بها القرآن الكريم على سائر الكتب السماوية، فهو الكتاب الذي تعبدنا الله بتلاوته، وتكفل لنا بحفظه، وجمع فيه علوم الأولين والآخرين، وتحدى به أرباب الفصاحة والبيان؛ فتحداهم أن يأتوا بسورةٍ مثله فعجزوا عن ذلك، كما قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء: 88)، ولا يزال هذا التحدي قائماً إلى يومنا هذا، ما يؤكد عجز عقول البشر وقصورها عن إدراك ذلك، الأمر الذي أكده سبحانه في الآية: بتكرار قوله: (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) في نفس السياق.

ثم قطع طمع الفصحاء والبلغاء عن ذلك، بقوله: (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)، أي ولو كانوا مجتمعين متظافرين ومتعاونين، كأنهم يدٌ واحدة، فلن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، ولو عمدوا وحاولوا ليلاً ونهاراً. وكل ذلك يدل على عظمة شأنه وعلو منزلته.

وقد أنزل الله سبحانه هذا الكتاب المبارك على صفوته من عباده، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة الملك جبريل عليه السلام، منجماً مُفرقاً بحسب الأحداث والوقائع، وضمَّنه الأحكام والشرائع والقصص والمواعظ والأخلاق.

وجعل سبحانه أهله هم أهله وخاصته، وجعل لمن يقرؤه في كل حرفٍ منه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وربط الخيرية بمدى التعلق به تعلماً وتعليماً، فأنزله وجعله عصمةً من الفتن، وحرزاً من النار، وشفاءً من الأدواء، ورحمةً وبركة شاملة.

من أجل ذلك وغيره، استنبط العلماء صفاتٍ أخلاقية وآدابٍ سماوية ربانية، ينبغي لحامل القرآن وتاليه والمشتغل به أن يتخلق بها، سواءً كان حافظاً أو معلماً أو داعياً إليه أو ممن يقوم يقوم آناء الليل ويتلوه أطراف النهار، وصنفوا في ذلك المصنفات والكتب الكثيرة، المطولة والمختصرة، فكان من جملتها هذا الكتاب المبارك (أخلاق أهل القرآن) للإمام الآجري، محمد بن الحسين -رحمه الله تعالى.

وهذا الكتاب تضمن جملة من الآداب العظيمة، والشيم والأخلاق الرفيعة الكريمة التي ينبغي لحامل القرآن أن يتصف بها، ونحن نختصر على أهم ما فيها، مع وضع عناوين فرعية بين قوسين، لعله يُنتفع بها.

[تقوى الله عز وجل، والورع في معاملة الخلق]

 يقول الإمام الآجريّ:

فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَحامل القرآن أَنْ يَسْتَعْمِلَ تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، بِاسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ، بَصِيرًا بِزَمَانِهِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ، فَهُوَ يَحْذَرُهُمْ عَلَى دِينِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، مَهْمُومًا بِإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمَرِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُمَيِّزًا لَكَلَامِهِ. إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ إِذَا رَأَى الْكَلَامَ صَوَابًا، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بِعِلْمٍ إِذَا كَانَ السُّكُوتُ صَوَابًا.

قَلِيلُ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ عَدُوَّهُ، يَحْبِسُ لِسَانَهُ كَحَبْسِهِ لِعَدُوِّهِ؛ لِيَأْمَنَ شَرَّهُ وَشَرَّ عَاقِبَتِهِ.

قَلِيلُ الضَّحِكِ مِمَّا يَضْحَكُ مِنْهُ النَّاسُ لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ، إِنْ سُرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَقَّ تَبَسَّمَ، يَكْرَهُ الْمِزَاحَ خَوْفًا مِنَ اللَّعِبِ؛ فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقًّا.

[بسط الوجه ولين الكلام وحُسن الخُلق]

بَاسِطُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الْكَلَامِ، لَا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ، فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ؟ يُحَذِّرُ نَفْسَهُ أَنْ تُغْلَبَ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلَاهُ، لَا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلَا يَحْقِرُ أَحَدًا، وَلَا يَسُبُّ أَحَدًا، وَلَا يَشْمَتُ بِمُصِيبِهِ، وَلَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَحْسُدُهُ، وَلَا يُسِيءُ الظَّنَّ بِأَحَدٍ إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ يَحْسُدُ بِعِلْمٍ، وَيَظُنُّ بِعِلْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ عَيْبٍ بِعِلْمٍ، وَيَسْكُتُ عَنْ حَقِيقَةِ مَا فِيهِ بِعِلْمٍ. وَقَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَالْفِقْهَ دَلَيْلَهُ إِلَى كُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ جَمِيلٍ، حَافِظًا لِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، إِنْ مَشَى بِعِلْمٍ، وَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ بِعِلْمٍ.يَجْتَهِدُ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.

[الحلم والعدل والصبر والتواضع]

لَا يَجْهَلُ؛ فَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، لَا يَظْلِمُ، وَإِنْ ظُلِمَ عَفَا، لَا يَبْغِي، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ، يَكْظِمُ غَيْظَهُ لِيُرْضِيَ رَبَّهُ وَيَغِيظَ عَدُوَّهُ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ، إِذَا قِيلَ لَهُ الْحَقُّ قَبِلَهُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.

يَطْلُبُ الرِّفْعَةَ مِنَ اللَّهِ، لَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، مَاقِتًا لِلْكِبْرِ، خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ، لَا يَتَآكَلُ بِالْقُرْآنِ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْحَوَائِجَ، وَلَا يَسْعَى بِهِ إِلَى أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَلَا يُجَالِسُ بِهِ الْأَغْنِيَاءَ لِيُكْرِمُوهُ، إِنْ كَسَبَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا الْكَثِيرَ بِلَا فِقْهٍ وَلَا بَصِيرَةٍ، كَسَبَ هُوَ الْقَلِيلَ بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ، إِنْ لَبِسَ النَّاسُ اللَّيِّنَ الْفَاخِرَ، لَبِسَ هُوَ مِنَ الْحَلَالِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، إِنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ، وَإِنْ أُمْسِكَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ.

[زاهدٌ، قانعٌ، عالم]

يَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِيهِ، وَيَحْذَرُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُطْغِيهِ يَتْبَعُ وَاجِبَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِعِلْمٍ، وَيَشْرَبُ بِعِلْمٍ، وَيَلْبَسُ بِعِلْمٍ، وَيَنَامُ بِعِلْمٍ، وَيُجَامِعُ أَهْلَهُ بِعِلْمٍ، وَيَصْطَحِبُ الْإِخْوَانَ بِعِلْمٍ، وَيَزُورُهُمْ بِعِلْمٍ، وَيَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، وَيُجَاوِرُ جَارَهُ بِعِلْمٍ.

[بر بوالديه]

يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِرَّ وَالِدَيْهِ: فَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَهُ، وَيَخْفِضُ لِصَوْتِهِمَا صَوْتَهُ وَيَبْذُلُ لَهُمَا مَالَهُ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِعَيْنِ الْوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ، يَدْعُو لَهُمَا بِالْبَقَاءِ، وَيَشْكُرُ لَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، لَا يَضْجَرُ بِهِمَا، وَلَا يَحْقِرُهُمَا، إِنِ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى طَاعَةٍ أَعَانَهُمَا، وَإِنِ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يُعِنْهُمَا عَلَيْهَا، وَرَفَقَ بِهِمَا فِي مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُمَا بِحُسْنِ الْأَدَبِ؛ لِيَرْجِعَا عَنْ قَبِيحِ مَا أَرَادَا مِمَّا لَا يَحْسُنُ بِهِمَا فِعْلُهُ.

[واصلٌ للرحم]

يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَكْرَهُ الْقَطِيعَةَ، مَنْ قَطَعَهُ لَمْ يَقْطَعْهُ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فِيهِ أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ، يَصْحَبُ الْمُؤْمِنِينَ بِعِلْمٍ، وَيُجَالِسُهُمْ بِعِلْمٍ، مَنْ صَحِبَهُ، نَفَعَهُ حَسَنُ الْمُجَالَسَةِ لِمَنْ جَالَسَ، إِنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ رَفَقَ بِهِ، لَا يُعَنِّفُ مَنْ أَخْطَأَ وَلَا يُخْجِلُهُ، رَفِيقٌ فِي أُمُورِهِ.

[صبور على تعليم الناس الخير]

صَبُورٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْخَيْرِ، يَأْنَسُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَفْرَحُ بِهِ الْمُجَالِسُ، مُجَالَسَتُهُ تُفِيدُ خَيْرًا، مُؤَدِّبٌ لِمَنْ جَالَسَهُ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، إِنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مُؤَدِّبَانِ؛ يَحْزَنُ بِعِلْمٍ، وَيَبْكِي بِعِلْمٍ، وَيَصْبِرُ بِعِلْمٍ، يَتَطَهَّرُ بِعِلْمٍ، وَيُصَلِّي بِعِلْمٍ، وَيُزَكِّي بِعِلْمٍ وَيَتَصَدَّقُ بِعِلْمٍ، وَيَصُومُ بِعِلْمٍ، وَيَحُجُّ بِعِلْمٍ وَيُجَاهِدُ بِعِلْمٍ، وَيَكْتَسِبُ بِعِلْمٍ، وَيُنْفِقُ بِعِلْمٍ، وَيَنْبَسِطُ فِي الْأُمُورِ بِعِلْمٍ، وَيَنْقَبِضُ عَنْهَا بِعِلْمٍ قَدْ أَدَبَّهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، يَتَصَفَّحُ الْقُرْآنَ؛ ليُؤَدِّبَ بِهِ نَفْسَهُ، لَا يَرْضَى مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا فَرَضَ اللَّهُ بِجَهْلٍ.

[فقيه القلب والنفس]

قَدْ جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ دَلَيْلَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ إِذَا دَرَسَ الْقُرْآنَ فَبِحُضُورِ فَهْمٍ وَعَقْلٍ، هِمَّتُهُ إِيقَاعُ الْفَهْمِ لِمَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ: مِنَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتَى أَخْتِمُ السُّورَةَ؟ هِمَّتُهُ مَتَى أَسْتَغْنِي بِاللَّهِ عَنْ غَيْرِهِ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الْمُتَّقِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الْخَاشِعِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الصَّابِرِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الصَّادِقِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الْخَائِفِينَ؟ مَتَى أَكُونُ مِنَ الرَّاجِينَ؟ مَتَى أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا؟ مَتَى أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ مَتَى أَتُوبُ مِنَ الذُّنُوبِ؟ مَتَى أَعْرِفُ النِّعَمَ الْمُتَوَاتِرَةَ؟ مَتَى أَشْكُرُهُ عَلَيْهَا؟ 

مَتَى أَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ الْخِطَابَ؟ مَتَى أَفْقَهُ مَا أَتْلُو؟ مَتَى أَغْلِبُ نَفْسِي عَلَى مَا تَهْوَى؟ مَتَى أُجَاهِدُ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهَادِ؟ مَتَى أَحْفَظُ لِسَانِي؟ مَتَى أَغُضُّ طَرْفِي؟ مَتَى أَحْفَظُ فَرْجِي؟ مَتَى أَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؟ مَتَى أَشْتَغِلُ بِعَيْبِي؟ 

مَتَى أُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي؟ مَتَى أُحَاسِبُ نَفْسِي؟ مَتَى أَتَزَوَّدُ لِيَوْمِ مَعَادِي؟ مَتَى أَكُونُ عَنِ اللَّهِ رَاضِيًا؟ مَتَى أَكُونُ بِاللَّهِ وَاثِقًا؟ مَتَى أَكُونُ بِزَجْرِ الْقُرْآنِ مُتَّعِظًا؟ مَتَى أَكُونُ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ مُشْتَغِلًا؟ 

مَتَى أُحِبُّ مَا أَحَبَّ؟ مَتَى أُبْغِضُ مَا أَبْغَضَ؟ مَتَى أَنْصَحُ لِلَّهِ؟ مَتَى أُخْلِصُ لَهُ عَمَلِي؟ مَتَى أُقَصِّرُ أَمَلِي؟ مَتَى أَتَأَهَّبُ لِيَوْمِ مَوْتِي وَقَدْ غُيِّبَ عَنِّي أَجَلِي؟ مَتَى أُعَمِّرُ قَبْرِي، مَتَى أُفَكِّرُ فِي الْمَوْقِفِ وَشِدَّتِهِ؟ مَتَى أُفَكِّرُ فِي خَلْوَتِي مَعَ رَبِّي؟ مَتَى أُفَكِّرُ فِي الْمُنْقَلَبِ؟ 

[يجمع بين الخوف والرجاء]

مَتَى أَحْذَرُ مِمَّا حَذَّرَنِي مِنْهُ رَبِّي مِنْ نَارٍ حَرُّهَا شَدِيدٌ وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ وَعُمْقُهَا طَوِيلٌ، لَا يَمُوتُ أَهْلُهَا فَيَسْتَرِيحُوا، وَلَا تُقَالُ عَثْرَتُهُمْ، وَلَا تُرْحَمُ عَبْرَتُهُمْ، طَعَامُهُمُ الزَّقُّومُ، وَشَرَابُهُمُ الْحَمِيمُ، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56].

نَدِمُوا حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وَعَضُّوا عَلَى الْأَيْدِي أَسَفًا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَرُكُونِهِمْ لِمَعَاصِي اللَّهِ فَقَالَ، مِنْهُمْ قَائِلٌ: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} (الفجر: 24) وَقَالَ قَائِلٌ: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} (المؤمنون: 100)، وَقَالَ قَائِلٌ: {يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} وَقَالَ قَائِلٌ: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ وَوُجُوهُهُمْ تَتَقَلَّبُ فِي أَنْوَاعِ الْعَذَابِ فَقَالُوا: {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} (الأحزاب: 66).

فَهَذِهِ النَّارُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ، حَذَّرَهَا اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6). 

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (آل عمران: 131)، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر: 18).

ثُمَّ حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغْفُلُوا عَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ، أَلَّا يَضَعُوهُ، وَأَنْ يَحْفَظُوا مَا اسْتَرْعَاهُمْ مِنْ حُدُودِهِ، وَلَا يَكُونُوا كَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِهِ، فَعَذَّبَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (الحشر: 19). ثُمَّ أَعْلَنَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} (الحشر: 20).

[يعرض أقواله وأفعاله على القرآن]

فَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ إِذَا تَلَا الْقُرْآنَ اسْتَعْرَضَ الْقُرْآنَ، فَكَانَ كَالْمِرْآةِ، يَرَى بِهَا مَا حَسُنَ مِنْ فِعْلِهِ، وَمَا قَبُحَ مِنْهُ، فَمَا حَذَّرَهُ مَوْلَاهُ حَذِرَهُ، وَمَا خَوَّفَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِهِ خَافَهُ، وَمَا رَغَّبَهُ فِيهِ مَوْلَاهُ رَغِبَ فِيهِ وَرَجَاهُ.

فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، أَوْ مَا قَارَبَ هَذِهِ الصِّفَةَ، فَقَدْ تَلَاهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَرَعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ، وَكَانَ لَهُ الْقُرْآنُ شَاهِدًا وَشَفِيعًا وَأَنِيسًا وَحِرْزًا، وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصَفَهُ، نَفَعَ نَفْسَهُ وَنَفَعَ أَهْلَهُ، وَعَادَ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَعَلَى وَلَدِهِ كُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.

[الإخلاص لله عز وجل في تلاوة القرآن وتعليمه]

يقول الإمام الآجري -رحمه الله: فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لِلدُّنْيَا وَلِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ مِنْ أَخْلَاقِهِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، مُضَيِّعًا لِحُدُودِهِ، مُتَعَظِّمًا فِي نَفْسِهِ، مُتَكَبِّرًا عَلَى غَيْرِهِ، قَدِ اتَّخَذَ الْقُرْآنَ بِضَاعَةً، يَتَآكَلُ بِهِ الْأَغْنِيَاءَ، وَيَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ يُعَظِّمُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا وَيُحَقِّرُ الْفُقَرَاءَ، إِنْ عَلَّمَ الْغَنِيَّ رَفَقَ بِهِ طَمَعًا فِي دُنْيَاهُ، وَإِنْ عَلَّمَ الْفَقِيرَ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا دُنْيَا لَهُ يُطْمَعُ فِيهَا، يَسْتَخْدِمُ بِهِ الْفُقَرَاءَ، وَيَتِيهُ بِهِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، إِنْ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ لِلْمُلُوكِ، وَيُصَلِّيَ بِهِمْ؛ طَمَعًا فِي دُنْيَاهُمْ، وَإِنْ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ الصَّلَاةَ بِهِمْ، ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِقِلَّةِ الدُّنْيَا فِي أَيْدِيهِمْ.

[ذم القارئ الذي يتفاخر ويتعالى ويتكبر]

إِنَّمَا طَلَبُهُ الدُّنْيَا حَيْثُ كَانَتْ، رَبَضَ عِنْدَهَا. كَثِيرَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ، يَعِيبُ كُلَّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ كَحِفْظِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْفَظُ كَحِفْظِهِ طَلَبَ عَيْبَهُ مُتَكَبِّرًا فِي جِلْسَتِهِ، مُتَعَاظِمًا فِي تَعْلِيمِهِ لِغَيْرِهِ. لَيْسَ لِلْخُشُوعِ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ. 

[ذم القارئ الذي يكثر الضحك والمزاح واللغو]

كَثِيرَ الضَّحِكِ وَالْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، يَشْتَغِلُ عَمَّنْ يَأْخُذُ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مَنْ جَالَسَهُ، هُوَ إِلَى اسْتِمَاعِ حَدِيثِ جَلِيسِهِ أَصْغَى مِنْهُ إِلَى اسْتِمَاعِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهُ، يُوَرِّي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَمِعْ حَافِظًا، فَهُوَ إِلَى كَلَامِ النَّاسِ أَشْهَى مِنْهُ إِلَى كَلَامِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ. 

[ذم القارئ الذي لا يخشع عند تلاوته، ويطلب بقراءته حظوظ نفسه]

لَا يَخْشَعُ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَلَا يَبْكِي، وَلَا يَحْزَنُ، وَلَا يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْفِكْرِ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْهِ، وَقَدْ نُدِبَ إِلَى ذَلِكَ، رَاغِبٌ فِي الدُّنْيَا وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا، لَهَا يَغْضَبُ وَيَرْضَى، إِنْ قَصَّرَ رَجُلٌ فِي حَقِّهِ، قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ لَا يُقَصَّرُ فِي حُقُوقِهِمْ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ تُقْضَى حَوَائِجُهُمْ، يَسْتَقْضِي مِنَ النَّاسِ حَقَّ نَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَقْضِي مِنْ نَفْسِهِ مَا لِلَّهِ عَلَيْهَا.

[ذم القارئ الذي يغضب لنفسه، ولا يبالي بكسبه]

يَغْضَبُ عَلَى غَيْرِهِ، زَعَمَ لِلَّهِ، وَلَا يَغْضَبُ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ لَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ، مِنْ حَرَامٍ أَوْ مِنْ حَلَالٍ، قَدْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ، إِنْ فَاتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ، حَزِنَ عَلَى فَوْتِهِ. 

[ذم القارئ الذي يقيم الحروف ولا يُضيع الحدود]

لَا يَتَأَدَّبُ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَزْجُرُ نَفْسَهُ عَنِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، لَاهٍ غَافِلٌ عَمَّا يَتْلُو أَوْ يُتْلَى عَلَيْهِ، هِمَّتُهُ حِفْظُ الْحُرُوفِ، إِنْ أَخْطَأَ فِي حَرْفٍ سَاءَهُ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَنْقُصَ جَاهُهُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ، فَتَنْقُصَ رُتْبَتُهُ عِنْدَهُمْ، فَتَرَاهُ مَحْزُونًا مَغْمُومًا بِذَلِكَ، وَمَا قَدْ ضَيَّعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ الْقُرْآنُ أَوْ نَهَى عَنْهُ، غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِهِ. 

[ذم القارئ الذي يجهل على الناس بأخلاقه]

أَخْلَاقُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِ أَخْلَاقُ الْجُهَّالِ، الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، لَا يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ إِذْ سَمِعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7)، فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ طَلَبَ الْعِلْمِ لِمَعْرِفَةِ مَا نَهَى عَنْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْتَهِيَ عَنْهُ.

[ذم القارئ القليل المعرفة بالله وأحكامه ونعمه]

قَلِيلُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَثِيرُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا لِيُكْرِمُوهُ بِذَلِكَ، قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الَّذِي نَدَبَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَسُولُهُ لِيَأْخُذَ الْحَلَالَ بِعِلْمٍ، وَيَتْرُكَ الْحَرَامَ بِعِلْمٍ.

لَا يَرْغَبُ بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ النِّعَمِ، وَلَا فِي عِلْمِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ، تِلَاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى كِبْرِهِ فِي نَفْسِهِ، وَتَزَيُّنٍ عِنْدَ السَّامِعِينَ مِنْهُ، لَيْسَ لَهُ خُشُوعٌ، فَيَظْهَرَ عَلَى جَوَارِحِهِ، إِذَا دَرَّسَ الْقُرْآنَ، أَوْ دَرَسَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ هِمَّتُهُ مَتَى يَقْطَعُ، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتَى يَفْهَمُ.

[ذم القارئ الذي لا يتدبر تلاوته]

لَا يَتَفَكَّرُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ بِضُرُوبٍ أَمْثَالِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِرِضَا الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا يُبَالِي بِسَخَطِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يُحِبُّ أَنْ يُعْرَفَ بِكَثْرَةِ الدَّرْسِ، وَيُظْهِرُ خَتْمَهُ لِلْقُرْآنِ لِيَحْظَى عِنْدَهُمْ، قَدْ فَتَنَهُ حُسْنُ ثَنَاءِ مَنْ جَهِلَهُ.

[ذم القارئ الذي يُتبع نفسه هواها]

يَفْرَحُ بِمَدْحِ الْبَاطِلِ، وَأَعْمَالُهُ أَعْمَالُ أَهْلِ الْجَهْلِ، يَتَّبِعُ هَوَاهُ فِيمَا تُحِبُّ نَفْسُهُ، غَيْرُ مُتَصَفِّحٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْقُرْآنُ عَنْهُ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْرِئُ، غَضِبَ عَلَى مَنْ قَرَأَ عَلَى غَيْرِهِ إِنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِالصَّلَاحِ كَرِهَ ذَلِكَ، وَإِنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ بِمَكْرُوهٍ سَرَّهُ ذَلِكَ، يَسْخَرُ بِمَنْ دُونَهُ، وَيَهْمِزُ بِمَنْ فَوْقَهُ يَتَتَبَّعُ عُيُوبَ أَهْلِ الْقُرْآنِ؛ لِيَضَعَ مِنْهُمْ، وَيَرْفَعَ مِنْ نَفْسِهِ، يَتَمَنَّى أَنْ يُخْطِئَ غَيْرُهُ وَيَكُونَ هُوَ الْمُصِيبُ

وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ أَظْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ شِعَارَ الصَّالِحِينَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ ضَيَّعَ فِي الْبَاطِنِ مَا يَجِبُ لِلَّهِ، وَرَكِبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ مَوْلَاهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا. 

[ذم القارئ المُعجب بنفسه وعمله]

قَدْ فَتَنَهُ الْعُجْبُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، إِنْ مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْ مُلُوكِهَا، فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ سَارَعَ إِلَيْهِ وَسُرَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَرِضَ الْفَقِيرُ الْمَسْتُورُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَتْلُوهُ بِلِسَانِهِ، وَقَدْ ضَيَّعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَحْكَامِهِ.

أَخْلَاقُهُ أَخْلَاقُ الْجُهَّالِ، إِنْ أَكَلَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ شَرِبَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ لَبِسَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ نَامَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ صَحِبَ أَقْوَامًا أَوْ زَارَهُمْ، أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، أَوِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِمْ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَجْرِي بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْفَظُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ مُطَالِبٌ لِنَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْبَهُ لَهُ وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ. 

[خطر القارئ الجاهل إذا اقتدى به غيره]

قال الإمام الآجري: فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلَاقَهُ صَارَ فِتْنَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالْأَخْلَاقِ الَّتِي لَا تَحْسُنُ بِمِثْلِهِ، اقْتَدَى بِهِ الْجُهَّالُ، فَإِذَا عِيبَ الْجَاهِلُ، قَالَ: فُلَانٌ الْحَامِلُ لِكِتَابِ اللَّهِ فَعَلَ هَذَا، فَنَحْنُ أَوْلَى أَنْ نَفْعَلَهُ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لَعَظِيمٍ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَلَا عُذْرَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ.

وَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ قَبِيحِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ؛ نَصِيحَةً مِنِّي لِأَهْلِ الْقُرْآنِ لِيَتَخَلَّقُوا بِالْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ، وَيَتَجَانَبُوا الْأَخْلَاقَ الدَّنِيئَةَ، وَاللَّهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاهُمْ للِرَّشَادِ وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنِّي قَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا كَرِهْتُهُ لِأَهْلِ الْقُرْآنِ، فَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا حَضَرَنِي؛ لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا يَنْصَحُ نَفْسَهُ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. 

باب أخلاق المقرئ إذا جلس يقرئ ويلقن لله عز وجل

ماذا ينبغي له أن يتخلق به؟

قال محمد بن الحسين: ينبغي لمن علمه الله كتابه، فأحب أن يجلس في المسجد، يقرئ القرآن لله، يغتنم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فينبغي له أن يستعمل من الأخلاق الشريفة ما يدل على فضله وصدقه، وهو أن يتواضع في نفسه إذا جلس في مجلسه، ولا يتعاظم في نفسه.

[ندب استقبال القبلة عند التلاوة]

وأحب أن يستقبل القبلة في مجلسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل المجالس ما استقبل به القبلة». 

[أدب الشيخ مع القارئ]

ويتواضع لمن يلقنه القرآن، ويقبل عليه إقبالاً جميلاً وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه ما يصلح لمثله، إذا كان يتلقن عليه الصغير والكبير والحدث، والغني والفقير، فينبغي له أن يوفي كل ذي حق حقه.

ويعتقد الإنصاف إن كان يريد الله بتلقينه القرآن: فلا ينبغي له أن يقرب الغني ويبعد الفقير، ولا ينبغي له أن يرفق بالغني ويحذق بالفقير، فإن فعل هذا فقد جار في فعله، فحكمه أن يعدل بينهما، ثم ينبغي له أن يحذر على نفسه التواضع للغني والتكبر على الفقير، بل يكون متواضعا للفقير، مقربا لمجلسه متعطفا عليه، يتحبب إلى الله بذلك.

[مراعاة الشيخ لأحوال القراء]

قال محمد بن الحسين: وأحبُّ له إذا جاء من يريد أن يقرأ عليه من صغير أو حدث أو كبير أن يعتبر كل واحد منهم قبل أن يلقنه من سورة البقرة، يعتبره بأن يعرف ما معه من الحمد، إلى مقدار ربع سبع أو أكثر مما يؤدي به صلاته، ويصلح أن يؤم به في الصلوات إذا احتاج إليه، فإن كان يحسنه وكان تعلمه في الكتاب أصلح من لسانه وقومه، حتى يصلح أن يؤدي به فرائضه ثم يبتدئ فيلقنه من سورة البقرة.

 وأحبُّ لمن يُلَقِّن إذا قرئ عليه أن يحسن الاستماع إلى من يقرأ عليه، ولا يشتغل عنه بحديث ولا غيره، فبالحري أن ينتفع به من يقرأ عليه، وكذلك ينتفع هو أيضاً، ويتدبر ما يسمع من غيره، وربما كان سماعه للقرآن من غيره له فيه زيادة منفعة وأجر عظيم، ويتناول قول الله عز وجل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} (الأعراف: 204). فإذا لم يتحدث مع غيره وأنصت إليه أدركته الرحمة من الله، وكان أنفع للقارئ عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «اقرأ علي»، قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري».

[استحباب الإقراء للواحد، والتلقين للجماعة]

قال محمد بن الحسين الآجري: وأحب لمن كان يقرئ أن لا يدرس عليه وقت الدرس إلا واحد، ولا يكون ثانياً معه فهو أنفع للجميع. وأما التلقين: فلا بأس أن يلقن الجماعة، وينبغي لمن قرأ عليه القرآن فأخطأ عليه أو غلط: أن لا يعنفه وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، ويصبر عليه، فإني لا آمن أن يجفو عليه فينفر عنه، وبالحري أن لا يعود إلى المسجد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»

[ذم الشيخ الذي يطلب قضاء حوائجه ممن يقرأ عليه]

وقال: إنه ينبغي لمن كان يقرئ القرآن لله أن يصون نفسه عن استقضاء الحوائج ممن يقرأ عليه القرآن، وأن لا يستخدمه ولا يكلفه حاجة يقوم بها، وأختار له إذا عرضت له حاجة أن يكلفها لمن لا يقرأ عليه وأحب أن يصون القرآن على أن يقضى له به الحوائج، فإن عرضت له حاجة سأل مولاه الكريم قضاءها، فإذا ابتدأه أحد من إخوانه من غير مسألة منه فقضاها، شكر الله؛ إذ صانه عن المسألة والتذلل لأهل الدنيا، وإذ سهل الله له قضاءها، ثم يشكر من أجرى ذلك على يديه؛ فإن هذا واجب عليه.

قال: … ومرادي من هذا نصيحة لأهل القرآن لئلا يبطل سعيهم، إن هم طلبوا به شرف الدنيا حُرموا شرف الآخرة، إذ يتلونه لأهل الدنيا طمعاً في دنياهم، أعاذ الله حملة القرآن من ذلك. 

فينبغي لمن يجلس يقرئ المسلمين أن يتأدب بأدب القرآن يقتضي ثوابه من الله عز وجل، يستغني بالقرآن عن كل أحد من الخلق، متواضع في نفسه ليكون رفيعا عند الله.

باب ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ

 قال محمد بن الحسين الآجري: من كان يقرأ على غيره ويتلقن فينبغي له أن يحسن الأدب في جلوسه بين يديه، ويتواضع في جلوسه، ويكون مقبلاً عليه، فإن ضجر عليه احتمله، وإن زبره احتمله ورفق به، واعتقد له الهيبة، والاستحياء منه.

وأحب أن يتلقن ما يعلم أنه يضبط، هو أعلم بنفسه، إن كان يعلم أنه لا يحتمل في التلقين أكثر من خمس خمس، فلا ينبغي أن يسأل الزيادة، وإن كان يعلم أنه لا يحتمل أن يتلقن إلا ثلاث آيات، لم يسأل أن يلقنه خمساً، فإن لقنه الأستاذ ثلاثاًلم يزده عليها، وعلم هو من نفسه أنه يحتمل خمساً سأله أن يزيده، على أرفق ما يكون، فإن أبى لم يزده بالطلب، وصبر على مراد الأستاذ منه، فإنه إذا فعل ذلك، كان هذا الفعل منه داعياً للزيادة له ممن يلقنه إن شاء الله.

[أدب القارئ مع شيخه]

ولا ينبغي له أن يُضجِرَ ممن يلقنه فيزهد فيه، وإذا لقنه شكر له ذلك، ودعا له، وعظم قدره، ولا يجفو عليه إن جفا عليه، ويكرم من يلقنه إن هو لم يكرم، وتستحي منه إن كان هو لا يستحي منك، تلزم أنت نفسك واجب حقه عليك، فبالحري أن يعرف حقك؛ لأن أهل القرآن أهل خير وتيقظ وأدب يعرفون الحق على أنفسهم، فإن غفل عن واجب حقك، فلا تغفل عن واجب حقه، فإن الله عز وجل قد أمرك أن تعرف حق العالم وأمرك بطاعة العلماء، وكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال محمد بن الحسين: ثم ينبغي لمن لقنه الأستاذ [القرآن] أن لا يجاوز ما لقنه، إذا كان ممن قد أحب أن يتلقن عليه، وإذا جلس بين يدي غيره لم يتلقن منه إلا ما لقنه الأستاذ، أعني بغير الحرف الذي قد تلقنه من الأستاذ، فإنه أعود عليه، وأصح لقراءته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا كما عُلّمتم».

[المواظبة على القراءة والتمكن منها]

قال محمد بن الحسين: من قنع بتلقين الأستاذ ولم يجاوزه فبالحري أن يواظب عليه، وأحب ذلك منه، وإذا أراه قد التقن ما لم يلقنه زهد في تلقينه وثقل عليه، ولم يحمد عواقبه.

وأحب له إذا قرأ عليه أن لا يقطع حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه، فإن بدت له حاجته وقد كان الأستاذ مراده أن يأخذ عليه مائة آية، فاختار هو أن يقطع القراءة في خمسين آية، فليخبره قبل ذلك بعذره، حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه.

وينبغي له أن يقبل على من يلقنه، ويأخذ عليه، ولا يقبل على غيره، فإن شغل عنه بكلام لا بد له في الوقت من كلامه، قطع القراءة حتى يعود إلى الاستماع إليه، وأحب له إذا انقضت قراءته عن الأستاذ، وكان في المسجد، فإن أحب أن ينصرف انصرف وعليه وقار ودرس في طريقه ما قد التقن، وإن أحب أن يجلس ليأخذ على غيره فعل، وإن جلس في المسجد وليس بالحضرة من يأخذ عليه، فإما أن يركع فيكتسب خيرًا، وإما أن يكون ذاكراً لله شاكراً له على ما علمه من كتابه، وإما جالس يحبس نفسه في المسجد، يكره الخروج منه خشية أن يقع بصره على ما لا يحل، أو معاشرة من لم يحسن معاشرته في المسجد، فحكمه أن يأخذ نفسه في جلوسه في المسجد ألا يخوض فيما لا يعنيه، ويحذر الوقيعة في أعراض الناس، ويحذر أن يخوض في حديث الدنيا وفضول الكلام، فإنه ربما استراحت النفوس إلى ما ذكرت مما لا يعود نفعه، وله عاقبة لا تحمد، ويستعمل من الأخلاق الشريفة في حضوره وفي انصرافه ما يشبه أهل القرآن، والله الموفق لذلك.

باب أدب القراء عند تلاوتهم القرآن مما لا ينبغي لهم جهله

 قال محمد بن الحسين: وأحب لمن أراد قراءة القرآن، من ليل أو نهار أن يتطهر، وأن يستاك وذلك تعظيم للقرآن؛ لأنه يتلو كلام الرب عز وجل؛ وذلك أن الملائكة تدنوا منه عند تلاوته للقرآن، ويدنو منه الملك، فإن كان متسوكاً وضع فاه على فيه، فكلما قرأ آية أخذها الملك بفيه، وإن لم يكن تسوك تباعد منه فلا ينبغي لكم يا أهل القرآن أن تباعدوا منكم الملك، استعملوا الأدب، فما منكم من أحد إلا وهو يكره إذا لم يتسوك أن يجالس إخوانه.

وأحب أن يكثر القراءة في المصحف لفضل من قرأ في المصحف، ولا ينبغي له أن يحمل المصحف إلا وهو طاهر؛ فإن أحبَّ أن يقرأ في المصحف على غير طهارة فلا بأس، ولكن لا يمسه، ولكن يصفح المصحف بشيء، ولا يمسه إلا طاهراً. 

[استحباب الطهارة عند التلاوة]

وينبغي للقارئ إذا كان يقرأ فخرجت منه ريح أمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح. ثم إن أحب أن يتوضأ ثم يقرأ طاهراً فهو أفضل، وإن قرأ غير طاهر فلا بأس منه، وإذا تثاءب وهو يقرأ، أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب.

ولا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن، ولا آية، ولا حرفا واحدا، , وإن سبح أو حمد أو كبر وأذن فلا بأس بذلك وأحب للقارئ أن يأخذ نفسه بسجود القرآن كلما مر بسجدة سجد فيها، وفي القرآن خمس عشرة سجدة، وقد قيل: أربع عشرة، وقد قيل: إحدى عشرة سجدة، والذي أختار له أن يسجد كلما مرت به سجدة؛ فإنه يرضي ربه عز وجل ويغيظ عدوه الشيطان

  روي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".

[سجود التلاوة في موضعها]

  وأحب لمن كان يدرس وهو ماش في طريق، فمرت به سجدة أن يستقبل القبلة ويومي برأسه بالسجود، وهكذا إن كان راكبا، فدرس فمرت به سجدة، سجد يومي نحو القبلة إذا أمكنه. 

وأحب لمن كان جالسا يقرأ أن يستقبل بوجهه القبلة، إذا أمكن؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة». 

وأحب لمن تلا القرآن أن يقرأه بحزن، ويبكي إن قدر، فإن لم يقدر تباكى، وأحب له أن يتفكر في تلاوته، ويتدبر ما يتلوه، ويستعمل غض الطرف عما يلهي القلوب، ولو ترك كل شيء حتى ينقضي درسه كان أحب إلي؛ ليحضر فهمه، فلا يشتغل بغير كلام مولاه. 

[سؤال الله الرحمة ودفع العذاب، في مواضعها]

وأحب إذا درس فمرت به آية رحمة سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله عز وجل من النار، وإذا مر بآية تنزيه لله عز وجل عما قال أهل الكنز سبح الله وعظمه، وإذا كان يقرأ فأدركه النعاس، فحكمه أن يقطع القرآن حتى يرقد، حتى يقرأه وهو يعقل ما يتلو. قال محمد بن الحسين: جميع ما أمرت به التالي للقرآن موافق للسنة وأقاويل العلماء.

[محاسبة القارئ نفسه، وكثرة استغفاره]

قال محمد بن الحسين: جميع ما ذكرته ينبغي لأهل القرآن أن يتأدبوا به ولا يغفلوا عنه، فإذا انصرفوا عن تلاوة القرآن اعتبروا نفوسهم بالمحاسبة لها، فإن تبينوا منه قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه، واجتناب محارمه، فحمدوه في ذلك وشكروا الله على ما وفقهم له، وإن علموا أن النفوس معرضة عما ندبهم إليه مولاهم الكريم، قليلة الاكتراث به، استغفروا الله من تقصيرهم، وسألوه النقلة من هذا الحال الذي لا يحسن بأهل القرآن، ولا يرضاها لهم مولاهم إلى حالة يرضاها، فإنه لا يقطع من لجأ إليه، ومن كانت هذه حاله وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره، وعاد عليه من بركة القرآن كل ما يحب في الدنيا والآخرة إن شاء الله

باب في حسن الصوت بالقرآن

قال محمد بن الحسين: ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، والصلاة بالملوك دون الصلاة بعوام الناس.

فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفته أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية، وكان مراده أن يستمع منه القرآن؛ لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل وينتهوا عما نهاهم، فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس.

قال محمد بن الحسين: فأحب لمن يقرأ القرآن أن يتحزن عند قراءته، ويتباكى ويخشع قلبه، ويتفكر في الوعد والوعيد ليستجلب بذلك الحزن.

ألم تسمع إلى ما نعت الله عز وجل من هو بهذه الصفة؟، وأخبرنا بفضلهم، فقال عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر: 23) الآية.

ثم ذم قوماً استمعوا القرآن فلم تخشع له قلوبهم، فقال عز وجل: {أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} (النجم: 60).

[استحباب الترتيل والتؤدة]

ثم ينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتل كما قال الله عز وجل: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل: 4) قيل في التفسير: تبينه تبيينا، واعلم أنه إذا رتله وبينه انتفع به من يسمعه منه، وانتفع هو بذلك؛ لأنه قرأه كما أمر الله عز وجل في قوله تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} (الإسراء: 106) على تؤدة.

قال محمد بن الحسين: والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إلي من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر، ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة وقول أئمة المسلمين.

قال محمد بن الحسين: جميع ما قلته ينبغي لأهل القرآن أن يتخلقوا بجميع ما حثثتهم عليه من جميع الأخلاق وينزجروا عما كرهته لهم من دناءة الأخلاق , والله الكريم يهدينا وإياهم إلى سبيل الرشاد.

انتهى.



أنجح المساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي فالح بن محمد الظاهري المدني (ت 1289 هـ) بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أنجح المساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي

فالح بن محمد الظاهري المدني (ت 1289 هـ)

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة




تمهيد:  صنف العلماء قديما وحديثاً كتباً في الأحكام الفقهية بأدلتها التفصيلية. ومنها كتاب (المنتقى) للمجد ابن تيمية، و (المحرر) لابن عبد الهادي، وكتاب (عمدة الأحكام) لابن دقيق العيد، و(بلوغ المرام) لابن حجر العسقلاني.. ومن أحسن الكتب التي جمعت أصول ما في الكتب المتقدمة، كتاب الشيخ العلامة المحدث فالح بن محمد الظاهري المدني، المسمى: (أنجح المساعي)، وهو كتاب جمع أحادیث الأحکام التي لا يخلو منها كتاب فقهي، وهو يُعد بذلك أحد المراجع الفقهية والحديثية التي يرجع إليها الباحث.

وقد تناول العلماء المتأخرون هذا الكتاب بالشرح والتعليق والتخريج، سييما تخريج الشيخ إبراهيم بن عبد الله الحازمي، المسمى (إفادة القاري بتخريج أحاديث أنجح المساعي)، وقد طُبع مع الكتاب، فجاء في أحسن صورة، وقد أتم المؤلف وضعه بمصر سنة 1331 هـ، وقد أودع فيه ما يربو على الثمانمئة وعشرة أحاديث.

أما منهج الشيخ فالح في كتابه فهو إيراد متن الحديث مُصدراً إياه بروى فلان، مع ذكر الراوي الأعلى غالباً، ثم ذكر من أخرجه من الأئمة -سوى المذكور غالباً- على الطريقة التي وضعها الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام"، مع عنايته التامة باختلاف الروايات، وزيادات الألفاظ، وعود الضمائر المؤثرة في الأحكام، كما يعتني بذكر الراجح من الرفع والوقف، وعلل الحديث، وقد ناقش الحافظ ابن حجر في مواطن وغلّطه فيها، كما لع عناية بمعاني غريب الحديث.

وقد يتطرق إلى بعض الأحكام الفقهية، وأقوال أئمة المذاهب إجمالاً مشيراً إلى ذلك بقوله (الأكثر والأقل) مع الترجيح بقوله (الأصوب كذا)، وقد ينقل بعض آراء المحدثين في توجيه الحديث؛ كنقله عن الإمام ابن العربي، لأنه كثيراً ما يُرجح المذهب المالكي ويُصرّح بالاعتزاء إليه، كما قد ينقل عن الإمام البيهقي، والقاضي عياض، وابن قدامة، وابن بطال.

وقد انفرد الشيخ فالح ببعض التراجم التي لم يُسبق إليها مما يندرج في باب الفوائد والنكات؛ كقوله (كنا نفعل ونحوه مما أضيف إلى العصر النبوي)، وكـ (الحث على الخشوع في الصلاة)، وكـ (أحكام المساجد)، كما أن له عناية بذكر الإجماع في بعض المسائل، ويختم كل باب بقوله (والله الموفق).

مقدمة المؤلف

يقول عبيد ربه، المتعرض لنفحة من نفحاته تسعده بقربه: فالح بن محمد بن عبد الله الظاهري، حامداً الله تعالى لذاته، ومصلياً ومسلماً على أشرف مخلوقاته، محمد المبعوث بدين الفطرة، وعلى آله وأصحابه القائمين له بالمحبة والنصرة، في حالتي المنشط والمكره، بدون توان ولا فترة.

أما بعد: فإن المصيب في العقليات واحد، والمخطىء آثم بل كافر، إن نفي الإِسلام، وهو التصديق بوجود إله واحد متصف بصفات الكمال، والإيمان برسله الصادقين في المقال، والاعتراف بوعد بثواب، ووعيد بعقاب، لهذا الهيكل الإنساني في المآل، والقيام بعبادات يمجد الله تعالى فيها بنعوت الجلال، والانقياد للقوانين الشرعية الحافظة للأمور المدنية، من طوارق الاختلال، وهذا إجمال تفصيله ما أودعته في هذا المؤلف الذي جمعته وسميته:

(أنجح المساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي)

وما هو إلا أحاديث نبوية، وحكم مصطفوية، ليس لي فيها إلا زيادة الترصيف إجادة، وإيضاح المغنى لتتم الإفادة.

والذي حداني على ذلك أن فن الحديث في هذه القرون الثلاثة الأخيرة قد قويت شوكته، وعلت في الخافقين رتبته، وارتفع له أعلى منار، وتبين أن زمنه قد استدار، والسبب في ذلك بديارنا الحجازية وجود مسانيد الحجاز السبعة:

أولهم الحافظ الفقيه العلامة أبو مهدي عيسى الثعالبي الجعفري المتوفى سنة اثنتين وثمانين وألف.

ويليه الإمام المسند العلامة محمد بن محمد بن سليمان الروداني.

ويليه الإمام المسند العلامة أبو إسحاق الكوراني السُّهراني، بضم السين المهملة فالهاء فالراء فالألف فالنون.

ويليه الفقيهة المسندة قريش الطبرية آخر فقهاء الطبريين، تروى عالياً عن الإمام عبد الواحد بن إبراهيم الحصارى المكي عن السيوطي وزكريا، وبيني وبينها واسطتان، ووفاتها سنة سبع ومائة وألف.

ويليها أبو البقاء وأبو الأسرار حسن بن علي العجيمي الأنصاري.

ويليه الشمس محمد بن أحمد النخلي.

ويليه الإمام المسند عبدالله بن سالم البصري المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، وهو آخرهم وفاة، وأسانيدي المتصلة بهم مبينة في ثبتي الذي عنوانه: (ما تشتد إليه في الحال، حاجة الطالب الرحال)، كأصله (شيم البارق، من ديم المهارق).

وإذا جعلت أيها الموفق هذا المجموع سميرك، بل أميرك، فأنت المدني الماهر، بل الرباني الذي لم يزل على الحق ظاهر، أنشدنا شيخنا الأستاذ أبو عبد الله محمد بن علي السنوسي الحسني الشريف المغربي، أخبرنا أبو سليمان العجيمي حفيد المسند المذكور، أنشدنا الإمام المسند الشيخ محمد سعيد صفر المدني، المحدث الحنفي نظمه رسالة الهدى ومنها:

وقول أعلام الهدى لا يعمل … يقولنا بدون نص يقبل

فيه دليل الأخذ بالحديث … وذاك في القديم والحديث

قال أبو حنيفة الإمام … لا ينبغي لمن له إسلام

أخذ بأقوالي حتى تعرضا … على الكتاب والحديث المرتضى

ومالك إمام دار الهجرة … قال وقد أشار نحو الحجرة

كل كلام منه ذو قبول … ومنه مردود سوى الرسول

والشافعي قال إن رأيتم … قولي مخالفاً لما رويتم

من الحديث فاضربوا الجدارا … بقولي المخالف الأخبارا

وأحمد قال لهم لا تكتبوا … ما قلته بل أصل ذلك اطلبوا

فاسمع مقالات الهداة الأربعة … واعمل بها فإن فيها منفعه

لقمعها لكل ذي تعصب … والمنصفون يكتفون بالنبي

إلى أن قال:

وقال بعض لو أتتني مائة … من الأحاديث رواها الثقة

وجاءني قول عن الإمام … قدمته! يا قبح ذا الكلام

من استخف عامداً بنص ما .. عن النبي جا كفرته العلما

فليحذر المغرور بالتعصب … من فتنة برده قول النبي

إلى أن قال في رد قولهم: "إن الاجتهاد انقطع":

إن قيل بالعجز مع المخالفه … قال النبي لا تزال طائفه

أو قيل بالعجز عن التحديث … فعصرنا أكثر للحدیث

كم ترك الأول للأخير …  وذاك فضل الواسع القدير

واعجب لما قالوا من التعصب … أن المسيح حنفي المذهب

والحاصل أنه قد جرب على ممر الأعصار، أن محلاً تكثر فيه مقلدة المذاهب، لا بد أن يؤول أمره إلى البدع والدمار، ووقوعه بأخرة في قبضة الفجرة الكفار، فالواجب على المسلمين، وأهل حلف الفضول، أن تكون الصولة دائماً فیهم لأقوال الرسول صلی الله علیه وعلى آله وصحبه وسلم.

المصطلح

اعلم أن الحديث محصور في أمرين: السند، والمتن.

والبحث في الأول من ثلاثة أوجه: من جهة كثرة طرقه وقلتها، ومن جهة اشتماله على أوصاف القبول أولا، ومن جهة إثبات کل رجاله او بعضهم.

الأول إن کثرت الطرق بلا حصر فمتواتر، أو بحصر فآحاد، فإن زادت عن اثنين فمشهور، أو بهما فعزيز، أو بواحد فغريب، وهو المسمى في المتن فرداً، إن سميت الرجال، وإلا فمبهم، وعدلت وإلا فمنكر، ولم يجمع على ضعف بعضهم وإلا فمتروك.

الوجه الثاني إن اشتمل على أعلا أوصاف القبول، وهي الاتصال، والعدالة والضبط، وانتفاء الشذوذ، والعلة، فصحيح، أو أدناها فحسن، أو على بعضها فضعيف، فإن خولف بأعدل فشاذ، فإن كان للنقد فيه مساغ فمعلل.

الوجه الثالث إن اتصل سنده من أوله إلى منتهاه فمتصل إلى الرسول مرفوع، وإلى الصحابي فموقوف، وإلى التابعي مقطوع، فإن رفعه فمرسل، وإن لم يتصل فإن حذف السند كله فمعلق، أو واحد من وسطه فمنقطع، أو أكثر فمعضل، وما حذفه احتمالي مدلس، والمتن إن زيد عليه غيره فمدرج.

والمروى بلفظه إن كان له موافق فمحکم، والموافق لفظاً تابع، ومعنی شاهد، وإن کان له مناف، فإن أمكن الجمع فمختلف مؤتلف، وإلا فناسخ ومنسوخ أولا، وإلا ففرد، وما صرح راويه بافترائه فموضوع، كحديث فضائل السور، صرح أبو عصمة نوح الجامع بوضعه، وصلی الله وسلم علی محمد وآله وصحبه.

الاعتقاد

ورد في متواتر الخبر عن الفاروق عمر رضي الله عنه قال سيدنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم العربي جيلا، القرشي قبيلا، الحجازي إقليماً، المكي ولادة وبعثة، المدني نصرة وتعظيماً الكائن لأرجائها المشرفة به ضجيعاً، الوارد في حقه قول الله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾. وقوله جل شأنه: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [وسورة النجم]، (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه). 

وسئل صلى الله عليه وسلم والسائل جبريل كما في الصحيحين عن الإيمان والإِسلام والإحسان، فقال: (الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله. والإِسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاعه. والإحسان أن تعبد الله کأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). اهـ ومجموعها الدين الخالص.

-بعض فصول الكتاب-

كنا نفعل ونحوه مما أضيف إلى العصر النبوي

قال البخاري وعلماء الحديث: هو حجة، قال ابن الحاجب: وهو قول الأکثر. وروی مسلم، عن أنس رفعه: کان الیهود لا یؤاكلون الحائض، فقال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وروى الخمسة عن ابن عباس في من يأتي امرأته وهي حائض: انه يتصدق بدينار أو نصفه وصحح الحاكم وابن القطان رفعه. وروى الشيخان عن أبي سعيد رفعه: أليس إذا حاضت المرأة لم تصل، ولم تصم. ورويا عن عائشة رفعته: (وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)، وروى أحمد وأبو داود والترمذي. عن أم سلمة: كانت النفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً. زاد أبو داود: ولم يأمرها صلى الله علیه وسلم بقضاء صلاة النفاس. وصححه احاکم. وللحاکم عن عثمان بن أبي العاص: وقت صلى الله عليه وسلم في نفاسهن أربعين يوماً. والله الموفق المعين.

الحث على الخشوع في الصلاة

الخشوع في الصوت والبصر، والخضوع في البدن، والجمهور على عدم وجوبه، وقد أطال في الإحياء في ذكر أدلة وجوبه، روى الشيخان، عن أبي هريرة رفعه: نهى أن يصلي الرجل مختصراً، وهو جعل اليد على الخاصرة، وفي البخاري، عن عائشة: أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم؛ وهو أيضاً من أفعال الرواقص، وروى الشيخان، عن أنس، رفعه: (إذا قدم العشاء، فابدؤا به قبل أن تصلوا المغرب)، حمله الجمهور على الندب، والوقت متسع؛ فإن ضاق قالوا: تقدم الصلاة. 

وروى الخمسة، عن أبي ذر: (إذا قام أحدكم من الصلاة فلا يمسح الحصي، فإن الرحمة تواجهه)، زاد أحمد قال: (واحدة أو دَعْ)، وفي الصحيح، عن معيقيب: (إن كنت فاعلا فواحدة)، وروى البخاري، عن عائشة رفعته: (الالتفات اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، وروى الشيخان، عن أنس رفعه: (إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبصق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله، أو تحت قدمه)، زاد مسلم وأحمد: ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه. ورد بعضه على بعض؛ ثم قال: أو يفعل هكذا. ثم البصاق إلى القبلة حرام مطلقاً، كما وردت به عدة أحاديث، وفي الطبراني، عن أبي أمامة: فإنه يقوم بین یدي الله، وملك عن یمینه، وقرینه عن یساره.

وروى البخاري، عن أنس رفعه: (أزيلي عنا قرامك هذا، لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)، وروی مسلم عن جابر بن سمرة رفعه: (لينتهين قوم عن رفع أبصارهم في الصلاة إلى السماء أو لا ترجع إليهم)، قال عياض: وجوزه الأكثر في الدعاء في غير الصلاة، وله، عن عائشة رفعته: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)، وروی مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رفعه: (التثاؤب من الشيطان. فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)، وروى أحمد: (فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب)، والله الموفق المعين، وصلى الله علی محمد وآله وصحبه وسلم.

أحكام المساجد

روى أحمد وأبو داود والترمذي، عن عائشة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تطیب، وتنظف، قال سفیان: في الدور يعني القبائل. وروی الشیخان، عن أبي هریرة رفعه: (قاتل الله الیهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والمراد الصلاة إليها أو عليها. وفي مسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها، ولا إليها)، ولهما، عن عائشة: (كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً أولئك شرار الخلق)، وروى الأربعة عن ابن عباس: لعن صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين علیها المساجد والسرج. فيحرم ذلك كالبناء عليها افتخاراً لا لمقاصد صالحة؛ فإن الأمور بمقاصدها. قال بن قدامة في المغني: ويباح التوسل بالأولياء والصالحين أحياء وأمواتاً باتفاق المذاهب الأربعة.

(أقول): فالواجب أن تزجر الناس عن المناكر، وتتعلم العقائد الصحيحة، فإن الناس قد کثرت مفاسدها حتی في مساجد الله، أفنقول بهدمها لذلك، هذا محال. وروى الشيخان، عن أبي هريرة: بعث صلى الله عليه وسلم خيلاً، فجاءت برجل، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فيه جواز دخول المشرك المسجد لحاجة، قال الشافعي: إلا المسجد الحرام. ورويا عنه: مر عمر بحسان وهو ینشد في المسجد، فلحظ إلیه، فقال حسان: قد کنت أنشد وفیه من هو خیر منك. فيجوز أن ينشد فيه أشعار غير أهل البطالة وما تمس الحاجة إليه من ذلك من شاهد على لغة أو إعراب. 

وروى مسلم عنه رفعه: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد؛ فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا). وروى الترمذي والنسائي عنه: (إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)، قال الماوردي: وإذا وقع انعقد اتفاقاً. وروى أحمد وأبو داود بإسناد لا بأس به، عن حكيم بن حزام، رفعه: (لا تقام الحدود في المساجد، ولا یستقاد فیها)، وروی الشیخان، عن عائشة، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد بن معاذ خيمة في المسجد، ليزوره من قریب. وروبا عنها: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، فيجوز للمرأة النظر إلى الهيئة المجتمعة من دون تخصيص بعض الأفراد، ورويا عنها: أن وليدة سوداء كانت لها خباء في المسجد، تأتيني تحدث عندي. ورويا عن أنس- رفعه: (البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)، 

والجمهور أن المراد دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاه، والأولى التفل في طرف الثوب والمنديل للحديث المار في الصلاة.

وروى أبو داود عن ابن عباس رفعه: (ما أمرت بتشييد المساجد) وصححه ابن حبان. وشاد الحائط طلاه بالشيد بعض الأطلية. وقال الحسن: قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [سورة النور]. أي: بالتعظيم لا البناء. قال ابن بطال المالكي: أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك في آخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم خوفاً من الفتنة، أو نظراً لحسن قصده، فإنه كان متواضعاً لا بأس به. 

وروى أبو داود والترمذي، عن أنس رفعه: (عرضت علي أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) وصححه ابن خزيمة. وروى الشيخان، عن أبي قتادة رفعه: (إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) أي لا في وقت كراهة على الأصوب، وندباً عند الجمهور، وصلی الله وسلم علی محمد وآله وصحبه.

-ترجمة المؤلف-بقلم المحقق (إبراهيم الحازمي)

هو محدث المدينة المنورة ومسندها وبقية ذوي الإِسناد العالي فيها المتبحر في علوم الأدب واللغة والتصوف، المعتقد في طريق أهله، العارف بفقه الحديث وفنه، الداعي إلى السنة والأثر قولا وعملا واعتقاداً.

أبو اليسر فالح بن محمد بن عبدالله بن فالح الظاهري نسبة إلى عرب الظواهر، قبيلة في الحجاز، ويكتب في نسبه المهنوي نسبة إلى بني مهنى منهم. 

ووجدت بخطه مكتوباً وجهه لبعض أصحابنا المكيين في نسبه ما نصه: (وأما بنو مهنى ابن ظاهر فهم الشعبة الذين منهم الفقير، وهم من بني جعفر بن الحجة قطعاً، وأما بنو مهنى بن داوود، ففي نسبهم اختلاف، وعلى كل حال فمنهم الأمراء المشاهير والناس لا يعرفون سواهم، اهـ.

صرح المترجم في كتابه: (أنجح المساعي): في كتاب الصيام بأنه كان في سنة ١٩٧١م دون سن البلوغ، ودخل المدينة فاجتمع فيها بعمدته وسنده الأستاذ العارف الشيخ السنوسي نزيل جغبوب، وذلك في ٢٥ ذي القعدة عام ١٢٦٨هـ، وكان حينئذ قد جمع القرآن، واستظهر بعض المنظوم الوجيز، فلما مثل قائماً بين يديه أقبل عليه ولازمه من ذلك الوقت سفراً وحضراً سبع سنوات، وحج معه ثلاث مرات، وألبسه الخرق، وسمع عليه الكتب الستة ونصف ابن ماجه، وسمع عليه الحديث المسلسل بالأولية والعيد والصف وأضافه على الأسودين وصافحه وشابکه ولقنه، وخاطب جماعة هو فیهم بقوله:

أجزتكمُ مروّينا كلَّه … وما سيؤثر عني راجياً لدعائي

ولازم أيضاً مدة طويلة المعمر أبا موسى عمران الياصلي الحسني، والعابد الناسك محمد الطاهر الغاتي وأبا الحلم عبد الرحيم بن أحمد الزموري البرقي، وبالأخير تخرج في قرض الشعر.

ولقي بمكة المكرمة عام ١٢٦٩هـ العلامة المحدث المعمر أبا الحسن علي بن عبد الحق القوصي الأثري، وأجازه إجازة عامة، وبالمدينة المنورة محدثها الشیخ عبد الغني بن أبي سعید الدهلوي العمري، وبمصر الشمس عليش، والنور حسن العدوي الحمزاوي، وأجازه جميع هؤلاء جميع ما لهم عن مشايخهم وتدبج- مع أحد من تدبجت معه، وهو مسند دمياط الشمس محمد الشريف بن عوض الدمياطي.

ويروي بالإجازة العامة عن الوجيه الأهدل بإجازته لمعارفه ومن يولد لهم، وكان والده من معارفه، ودخل مصر مراراً أولها عام 69 وآخرها عام 1271 هـ، وفيها تدبج مع من ذكر، ودخل الاستانة وعين فيها لقراءة الحديث بالقصر السلطاني، وله حواشٍ على الصحيح والموطأ في عدة أسفار رأيتهما عنده، ومنظومة في الاصطلاح أولها:

خيرُ الأمورِ الوسَطُ الوسيطُ … وشرّها الإِفراطُ والتفريطُ

وهذه منظومةٌ في المصطلهْ … ذكرتُ فيها كلُّ حدٍِّ جيدٍ

يقبلها كلّ فؤادٍ قد صلحْ … بحمدني عليه كلّ سيدٍ

وشرحها، ومدون في الفقه على مذهب الأثر كبير وصغير، الكبير اسمه (أنجح المساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي) [وهو الكتاب الذي بين يديك]

والثاني اسمه: (صحائف العامل بالشرع الكامل) (في ٤٢ صحيفة) قال في أوله:

(وضعت هذه الصحائف عبارة عن معنى الأحاديث الشفوية، والأفعال المصطفوية، وأضفت إليها بعض الإِفهام، لأيمة السلف الأعلام، فمن جعلها سميره بل أميره فهو المدني الماهر، والبقية الذي لم يزل على الحق ظاهره) اهـ. 

وكلاهما طبع بمصر، والثبت الكبير والصغير والوسط، فاسم الكبير (شيم البارق من ديم المهارق)، والوسط (ما تُشَدّ إليه في الحال حاجة الطالب الرحال) والصغير هو المطبوع اسمه (حسن الوفا لاخوان الصفا)، وهذب وعلّق على كتاب (المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب) وهو مطبوع فيها.

ومن غرائبه روايته عن الشيخ السنوسي والشيخ أبي موسی عمران الیاصلي، كلاهما عن الشهاب الطبولي الطرابلسي، وروايته أيضاً عن الطاهر الغاتي عن مصطفى البولاقي، عن الأمير وطبقته، ويروي الغاتي أيضاً عن البرهان الرياحي التونسي، ويروي شيخه الزموري عن أستاذهما السنوسي وعلي بن عبد الحق وعبدالله سراج المكي وغيرهم.

أجازني المترجم كتابةً من المدينة على ظهر ثبته، ثم لقيته بالمدينة المنورة مراراً وسمعت عليه جميع مسلسلات ثبته، ولقني وألبسني وسمعت عليه بعض الصحيح وناولني جميعه وأجازني بكل ما عنده إجازة عامة لي ولأولادي وهو ممن يحصل الفخر بلقائه لعلو إسناده.

وروايتنا عنه عن الحافظ أبي عبدالله محمد بن علي السنوسي عن الحافظ ابن عبد السلام الناصري عن الحافظ أبي العلاء العراقي الفاسي والحافظ أبي الفيض مرتضي الزبيدي بأسانيدهما من أعلى الأسانيد وأفخمها. وقال مرة لأمير من أمراء العرب وقد وجدته عنده: (أنت أمير السيف وهذا - وأشار إليّ - أمير القلم).

وأجازني بعد ذلك بالحديث المسلسل بيوم عاشوراء حسب استدعاء صاحبنا الشهاب العطار منه يومها بعد رجوعي للمغرب، وراجعته لما كنت أسمع عليه ثبته المطبوع في بعض أوهامه فيه فلم أجد فيه قابلية للمباحثة لکبره وضعف قواه، وقد ذكرتها في غير هذا الموضع. مات في ٩ شوال عام ١٣٢٨ هـ بالمدينة المنورة رحمه الله رحمة واسعة.


ترجمة المؤلف الشيخ فالح الظاهري من كتاب (أعلام من أرض النبوة)

هو محمد فالح بن محمد بن عبدا لله بن فالح الظاهري المهنوي.

ولد رحمه الله في بادية المدينة المنورة في السابع من رجب الفرد الحرام عام ١٢٥٨ هـ.

وأصل المترجم له من عرب الظواهر إحدى قبائل الحجاز، وقد اطلعت على مخطوطة ترفع نسبهم إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما والله أعلم.

أما عن صفاته وأخلاقه؛ فقد كان -رحمه الله- قمحي اللون، مدور الوجه، خفيف اللحية، أشهل العينين، مربوع القامة إلى القصر أقرب، له وجه تظهر عليه السمات العربية. 

وكان رحمه الله واسع الإدراك، مشتغلاً بالعلم، طيب النفس، كبير الهمة، متواضعًا لله، فيه زهد عن الدنيا، محبًا لطلاب العلم، كثير العبادة، ملازمًا للجماعة وتلاوة القرآن، لا يمنع سائلاً، كثير الرحلات، حلو الحديث، أسانيده عالية، بلغ صيته الآفاق.

نشأته ودخوله المدینة: فكان والد الشيخ الظاهري يتعاطى مهنة "الفلتية" وهي معاملة الواردين من البادية إلى المدينة، وكان رحمه الله يسكن في حوش مناع وكان على جانب من الصلاح والتقوى، وكان حريصًا على تعليم ابنه، فعندما بلغ الشيخ فالح سن التعليم أرسله والده إلى زاوية الستوسي برابغ، وهناك حفظ القرآن الكريم ودرس مباديء العلوم، وهذا يدل على أن بادية الشيخ قريبة من مدينة رابغ.

 وفي ٢٥ ذي القعدة سنة ١٢٦٨هـ، انتقل إلى المدينة المنورة، وشد على ساعده، فأخذ العلوم عن كبار علماء المسجد النبوي الشريف، وفي المدينة المنورة التقى بأستاذه العلامة العارف بالله الإمام الكبير أبي عبدالله محمد بن علي السنوسي نزيل واجه جفنوني وكان حينئذ قد استظهر بعض المنظومات في العلوم، ومن ذلك الوقت لازمه حضرًا وسفرًا سبع سنوات وحج معه ثلاث مرات، وأخذ عنه رواية ودراية وسمع عليه الكثير كالموطأ والكتب الستة ونصف سنن ابن ماجه وسمع عليه الحديث المسلسل بالأولية والعيد وقراءة سورة الصف والضيافة على الأسودين، وتلقى منه الأوراد وألبسه المخرق وصافحه وشابكه ولقنه.

قال المترجم له: قال لنا الشيخ في أواخر أمرنا معه: أجزتكم مروينا كله وما سيؤثر عنا راجيًا لدعائي.

وممن درس الشيخ على يديه وأخذ عنه مدة طويلة:

المعمر أبا موسى عمر الياصلي، ودرس الشعر على يد الشيخ أبي الحلم عبدالرحيم بن أحمد الزموري البرقي، وأخذ عن الشيخ العابد الناسك محمد الطاهر الغاتي، وفي عام ١٢٦٩هـ التقى بأبي الحسن علي الحسن بن عبد الحق القوصي وأجازه إجازة عامة.

ومن شيوخه في المدنية المنورة الشيخ عبدالغني بن أبي سعيد الدهلوي صاحب اليانع الجني، ومن شيوخه السيد عبدالرحمن الأهدل اليمني، وأجازه إجازة عامة.

وقد رحل الشيخ الظاهري إلى بلاد شتى ودخل مصر مرارًا أولها سنة ١٢٧١هـ، وآخرها سنة ١٣١٣هـ وهناك درس على يد علماء الأزهر، فمن شيوخه هناك: الشيخ عليش والشيخ العدوي ومسند دمياط الشيخ الشمس محمد الشريف بن عوض الدمياطي. 

لقد درس الشيخ الظاهري على يد علماء أعلام فنال من العلوم القسط الوفير، وأخذ الإجازات الضخام، فأصبح إمامًا شهيرًا حافظًا كبيرًا، مشاركًا في كثير من العلوم، متبحرًا في علم الحديث وفقه معاني الآثار، عاملاً بالحديث قولاً واعتقادًا، ريانًا من العلوم الأدبية واللغوية، صوفيًا حسن الاعتقاد، فبذلك أصبح عالم المدينة ومحدثها ومسندها، وبقية ذوي الإسناد العالي فيها.

دروسه بالأستانة وعودته إلي المدينة:

وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد رحمه الله، دخل الشيخ الظاهري الأستانة سنة ١٣٠٩هـ وعين بأمر من السلطان مدرسًا بالقصر السلطاني لقراءة الحديث الشريف، ولكنه ضاق من حياة القصور وما فيها من ترف ونعيم وهذا يخالف ما ألفه الشيخ من حياة الانطلاق والحرية التي ربي عليها في بادية الحجاز، فمازال يتوسط لدى شيخ الإسلام والسيد أحمد أسعد حتى أعفي من التدريس هناك، وعاد إلى المدينة يحمل مرسومًا "فرمان" بتدريس علوم الحديث في المسجد النبوي الشريف، وخصص له السلطان جزاه الله خيرًا مرتبًا يصل إليه، كما أمر له بمقدار من الحنطة يصرف له سنويًا من الخيرات التي تعم البلاد.

دخوله المدينة:

وعندما وصل الشيخ فالح إلى المدينة أوائل عام ١٣١٤هـ أقام له الشيخ عبد الجليل برادة حفلاً كريمًا ودعا إليه بعض علماء المدينة وأعيانها وهناه بسلامة الوصول بهذه القطعة الشعرية الجميلة:

يوم لطيبة من أيام ماضيها … لما حدا بورود البشر حاديها

قد فوه السعد والإقبال مرتجلاً … بعودة العالم النحرير تنويها

قدوم يمن على دار الرسول بدا … بفالخ الظاهري الفذ يرضيها

وروضة المصطفى طابت وما برحت … تضوع من نفحات العلم زاكيها

راو الحديث أبو اليسر الذي نضحت … أقلامه بحديث المصطفى فيها

تباشرت حلقات العلم مذ علمت … بمقدم الشيخ قاصيها ودانيها

لم تلهه متع الدنيا وسؤددها … عن واجبات لوجه الله يعطيها

أبى على نفسه النعماء ضافية … یجدها في قصور الملك حاويها

وطيب العيش لا يحلو لذي ولع … فالعلم خير من الدنيا وما فيها

لاسيما مأرز الإيمان إن لها … في كل نفس جمالاً في مغانيها

أهلا بمقدومك الميمون طالعه … قد طالعتنا بك الآمال دانيها

نزلت كالغيث لما انهل وابله … على المدينة حتى سال واديها

إليك طلاب علم الشرع قد ظمئوا … قم يا مهنا بسجل العلم ساقيها

وامنح نوادينا ما شئت من ملح … من القريض فأنت اليوم راويها

ذکراك کانت حدیث الناس مذ قدمو … أیامك الغر لا غابت معانيها

والحمد لله حمدًا لا كفاء له … زلت في حلل النعمى وضافيها

فأجابه الشيخ فالح ارتجالاً بما يأتي:

ماذا أقول ورب القول شاديها … ضيافة جمعت أرواح شاديها

ملكت كل معاني الشعر من حبست … عني موارده من ذا بدانيها

عبد الجليل وهذا الفضل مجتمع …. بردتيك إذا ما شئت تسديها

من قولك الشعر فاعتاصت قوافيه … وقد أطاعك وفق القول عاصيها

فلست أزعم أني شاعر أبدًا … لکن شعري بنعمی لآنت موليها

مكارم منك لا أستطيع أنكرها … وقد تقصيت عذري من تساميها

شعري سلكت به نهجّا يحّتمُني … فوق الذي حاولت نفس مراميها

فاصفح إذا كان قولي دون مكرمة … من مكرم بك لو أني أدانيها

وليصفح الجمع عني حين أشكرهم … ومن عذري أن جفت مراعيها

لازال للفضل أهلاً أنت مالكه … تتيه في حلل النعمى وضافيها

وندوة أنت بالتبيان شاعرها … یأوي إليها من السادات عالیها

حبي لطيبة حب ليس يعدله … حب القصور ولا الدنيا وما فيها

فلست أبغي بها دار السعادة إذ … كل السعادة في أکناف واديها

هذا اعترافي بما أوليتني مننا … يضيق طريق بياني عن معانيها

دروسه بالمسجد النبوي:

وعندما استقر الشيخ الظاهري بالمدينة المنورة هرع إليه طلاب العلم، والتفوا حوله، وآثروه على غيره؛ لأن علمه وصيته قد بلغ الآفاق، فدرس بالمسجد النبوي الشريف، وكانت حلقته من أكبر حلقات المسجد النبوي يقصدها كبار طلاب العلم وصغارهم.

ولا يمكن حصر عدد تلاميذه فقد كان طلاب العلم يأتونه من مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنه كان صاحب السند العالي في ذلك الوقت فهو مسند المدينة ومحدثها الفرد

فتلاميذه كثر، تلقوا عنه الحديث رواية ودراية، نذكر منهم الشيخ ابراهيم بري، والشيخ أحمد مرشد والشيخ زين بري،والشيخ أحمد بساطي، والشيخ زكي برزنجي، والشيخ محمد العمري، والشيخ حسن الدفتردار، والشيخ أحمد كايد، والشيخ عبدالحي أبو خضير والشيخ عمر بري والشيخ عمر حمدان، والشيخ خليفة بن حمد النبهاني، والشيخ محمد عبد الباقي الأيوبي اللكنوي، والشيخ عبدالقادر الشلبي، والشيخ عباس رضوان، والشيخ عبدالحفيظ الفاسي، وغيرهم.

مؤلفات الشيخ الظاهري:

• حواش على صحيح البخاري وموطا مالك في عدة أسفار.

• منظومة في مصطلح الحديث وشرحها.

• أنجح المساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي، طبع سنة ١٣٣١هـ بالمطبعة الحسینیة مصر في ٥٨٢ صفحة.

• صحائف العامل بالشرع الكامل. مطبوع بمصر أيضًا، في ٤٢ صحيفة.

• شيم البارق من ديم المهارق: مخطوط.

• حسن الوفا لإخوان الصفا. مطبوع.

• دیوان شعر.

• تعليقات على المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب. مطبوع.

وفاة الشيخ فالح الظاهري:

وبعد حياة مليئة بالجهاد في سبيل خدمة الدين والعلم، أذنت روح الشيخ فالح الظاهري بالرحيل، إلى بارئها عن عمر يناهز السبعين عامًا قضاها في التدريس وبث العلم، وكانت وفاته في التاسع من شوال سنة 1289 هـ، ودفن في بقيع الغرقد. رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. آمين.

فهرس موضوعات الكتاب

مقدمة المؤلف ٩

المصطلح ١٢

الاعتقاد ١٣

أبواب العبادات والمعاملات ١٥

باب المياه ١٥

باب الآنية ١٧

إزالة النجاسة وبيانها ١٨

باب الوضوء ١٩

المسح على الخفين ٢١

نواقض الوضوء ٢٢

آداب قضاء الحاجة ٢٤

الغسل ٢٦

التیمم ٢٩

الحیض ٣١

كنا نفعل ونحوه في العصر النبوي ٣٢

كتاب الصلاة ٣٣

باب الأذان ٣٦

شروط الصلاة ٣٩

سترة المصلى ٤٣

الحث على الخشوع في الصلاة ٤٥

أحكام المساجد ٤٧

باب صفة الصلاة ٥٠

سجود السهو والتلاوة والشکر ٦٠

صلاة التطوع ٦٤

صلاة الجماعة والإمامة ٦٨

صلاة المسافر والمريض ٧٤

أبواب الجمعة ٧٦

صلاة الخوف ٨٢

صلاة العيدين ٨٤

صلاة الكسوف ٨٧

صلاة الاستسقاء ٨٩

باب اللباس ٩١

احکام الجنائز ٩٣

كتاب الزكاة ١٠٤

صدقة الفطر ١١٠

باب قسم الصدقات ١١٢

كتاب الصيام ١١٣

صوم التطوع ١١٩

الاعتكاف ١٢١

كتاب الحج  ١٢٢

المواقيت ١٢٤

وجوه الإِحرام وصفته ١٢٥

صفة الحج وبيان المناسك ١٢٧

الأطعمة ١٣٤

الأضحية ١٣٦

العقيقة ١٣٨

الأيمان والنذور ١٣٩

الجهاد ١٤٢

الجزية والهدنة ١٤٨

السبق والرمي ١٥٠

كتاب النكاح ١٥١

الكفاءة والخيار ١٥٦

عشرة النساء ١٥٩

باب الصداق ١٦٢

الوليمة ١٦٤

القسم بين الزوجات ١٦٦

الخلع ١٦٨

الطلاق ١٦٩

الرجعة ١٧٣

الإيلاء والظهار والكفارة ١٧٤

اللعان ١٧٦

العدة والأحداد ١٧٩

الرضاع ١٨٤

النفقات ١٨٦

الحضانة ١٨٨

البيوع ١٨٩

الخیار ١٩٩

باب الربا ٢٠٠

العرايا وبيع الأصول والثمار ٢٠٣

السلم والقرض والرهن ٢٠٥

التفليس والحجر ٢٠٧

الصلح ٢٠٩

الحوالة والضمان ٢١٠

الشركة والوكالة ٢١١

الإقرار ٢١٢

العارية ٢١٣

الودیعة ٢١٤

الغصب ٢١٥ 

الشفعة ٢١٧ 

القراض (المضاربة) ٢١٨

المساقاة والإجارة ٢١٩

إحياء الموات ٢٢٠

الوقف ٢٢١

الهبة ٢٢٢

اللقطة ٢٢٤

الأقضية ٢٢٥

الشهادات ٢٢٩

الدعاوى والبينات ٢٣١

الجنایات والحدود ٢٣٣

الديات ٢٣٧

القسامة ٢٤٠

البغي ٢٤١

قتل الصائل ٢٤٢

الزنا ٢٤٤

القذف ٢٤٨

السرقة ٢٤٩

حد الشرب وبيان المسكر ٢٥٢

التعزير ٢٥٥

العتق ٢٥٦

التدبير والكتابة والاستيلاد ٢٥٨

الوصایا ٢٥٩

الفرائض ٢٦١