طي اللسان عن ذم الطيلسان
لحافظ عصره العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي
رحمه الله ورضي عنه، ونفعنا بعلومه، آمين
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا الجزء النفيس، ألّفه الإمام جلال الدين السيوطي للدفاع عن لبس الطيلسان، والرد على من ذمّه أو عدّه من شعار اليهود، فساق الأدلة اللغوية والشرعية والتاريخية لإثبات مشروعيته، مع بيان أن كثيرًا من الاعتراضات ناشئ عن الخلط بين أنواع الطيالسة المختلفة.
وقد تضمن الكتاب التعريف بالطيلسان وبيان أسمائه، ولغاته، مستشهدًا بأئمة اللغة كالجوهري وثعلب وابن خالويه وغيرهم من العلماء، كما يبين أن الطيلسان لفظ فارسي معرّب، وأن العرب استعملته وأطلقت عليه أسماء متعددة مثل: الرداء، والقناع، واللفاع، والغطاء، والساج، والسدوس وغيرها. وبيّن كذلك أن العرب، وخاصة الفرسان والرؤساء، كانوا يتقنعون في الأسواق والمجامع والحروب؛ لإخفاء شخصياتهم أو اتقاء الأعداء. كما أنهم عدُّوا التقنع من علامات الشرف والهيبة.
وقد وقعت الإشارة إليه في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾، وروي عن سعيد بن جبير أن المراد بها التقنع وتغطية الرأس. كما ورد ذكره في عدد من الأحاديث والآثار؛ فقد دلّت الكثير من الأحاديث اعلى أن النبي ﷺ كان يتقنع بثوبه في مواضع متعددة، كالهجرة، والاستسقاء، وعند المرور بديار ثمود، وغيرها.
كما أورد آثارًا كثيرة عن الصحابة والتابعين والأئمة، مثل عثمان بن عفان، والحسن البصري، وطاووس، ومالك بن أنس، وغيرهم، تبين أنهم كانوا يلبسون الطيلسان أو يتقنعون.
وفي المقابل رد على من أطلق الذم على الطيلسان لبعض الأحاديث الواردة في ذمه؛ فناقش حديث أنس -رضي الله عنه- الذي شبّه فعل التطيلس بيهود خيبر، وحديث أتباع الدجال من يهود أصبهان. وبيّن أن هذه الأحاديث لا تدل على تحريم الطيلسان، وإنما تشير إلى نوع مخصوص كان شعارًا لليهود، أو إلى كثرة استعمالهم له، لا إلى أصل اللباس.
وقد فرّق السيوطي بين نوعين من الطيلسان: (الأول) التقنع: وهو تغطية الرأس والكتفين بالرداء، وهو الذي ثبت عن النبي ﷺ، وهو سنة. أما (الثاني) فهو الطيلسان المقوّر (الطرحة): وهو نوع مخصوص شاع عند اليهود، ويرى أن الذم الوارد في بعض الآثار متعلق بهذا النوع، لا بالتقنع المشروع.
كما ناقش الإمام السيوطي أقوال ابن القيم، وابن حجر، والزركشي، وابن العطار وغيرهم الواردة في ذم الطيلسان، وخلص إلى أن الخلاف سببه اختلاف المقصود بلفظ "الطيلسان"، إذ كان يطلق في القديم على أكثر من هيئة وثوب، وأوضّح أن التقنع وتغطية الرأس بالرداء سنة ثابتة عن النبي ﷺ في مواضع متعددة. وأنه ليس كل ما يسمى طيلسانًا مذمومًا، بل الذم إنما يتعلق بنوع خاص كان شعارًا لليهود. وأن أكثر من ذم الطيلسان لم يفرق بين المعاني اللغوية والاستعمالات التاريخية المختلفة للكلمة.
ولذلك سمّى رسالته "طي اللسان عن ذم الطيلسان"، أي الدعوة إلى الكف عن ذمه بإطلاق، بعد ثبوت استعمال النبي ﷺ والصحابة والتابعين له في صورته المشروعة.
__________________________________________________
[نص المخطوطة]
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذن اصطفى، هذا جزءٌ في الطيلسان سميته (طيُّ اللسان عن ذم الطيلسان)، وبه المستعان.
"ذكر أسمائه وعدتها ولغاتها"
له بضعة عشر اسماً: الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع: الطيلسان -بفح اللام، والطيلسان بكسرها، والطيلسان بضمها، والطالسان بالفتح، والطالسان بالكسر، والطيلس، والطلسن. قال ثعلب في "فصيحه": الطيلسان بفتح اللام، وقال الجوهري في "صحاحه": الطيلسان بفتح اللام، واحد الطيالسة، والهاء في الجمع للعُجمة، لأنه فارسيٌّ مُعرّب، والعامة تقول طِيلسان بكسر، وقال ابن خالويه في "شرح الفصيح": الطيلسان فيه ثلاث لغات طيلسان بفح اللام، وطيلسان بكسرها، والطالسان بالألف، حكاها ابن الأعرابي، والجمع" طيالس وطيالسة، دخلت فيه الهاء للعُجمة.
وقالوا في الفعل منه: تطلّستُ، وتطيلستُ، وأنشد ابن الأعرابي في "نوادره" على الطيلسان:
وليل فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ … بذلك من [خصاصة] طالسان
قال: الطالسان: الطيسان، وهو عجميٌّ مُعرّب.
وقال ابن قرقول في "مطالع الأنوار": الطيلسان بفتح اللام وكسرها، وأنكر الأصمعي الكسر: شبه الأرديةِ، توضع على الكتفين والظهر.
وقال أبو بكر محمد بن خلف، المعروف بوكيع في كتاب "الغرر من الأخبار": قال حدثني [الكراني]، قال حدثني مقدم بن محمد، قال: قال [عرانة]: كان رجل يتكلّف النحو، وكانت له جارية تسمى زهرة، فناداها يا فَعْلة -من زهرت- هاتي فِيعلاني -من طلست - يريد طيلساني.
وقال في "القاموس": الطيلسان مثلث اللام، عن عياض وغيره: مُعرّب، أصله تالسْيَات. قال: والطلس بالفتح الطيلسان الأسود.
والثامن: الرداء، قال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": في حديث عبد الله بن زيد، أنه صلى الله عليه وسلم: حوّل الرداء في الاستسقاء، ما نصُّه: "الرداء": معروف وهو الثوب الذي يطرح على الأكتاف يلقى فوق الثياب، وهو مثل: الطيلسان إلا أن الطيلسان يكون على الرأس والأكتاف، والرداء يكون على الأكتاف وربما ترك في بعض الأوقات على الرأس، وسميت رداء كما يسمى الرداء طيلسانًا. انتهى.
قلتُ: ومما يدل على أن الرداء يُطلق على الطيلسان، ما أنشده الفالي في "أماليه" لبعض العرب يصف آخر ليله:
كأنّ شميط الصبح فِي أخرياتها ... ملاءٌ ينقّي من طيالسةٍ خضر
تخال بقاياها التي أسأر الدجى ... تمدّ وشيعاً فوق أردية الفجر
التاسع: القناع، وهو أكثر وروداً في الأحاديث والآثار.
العاشر: اللفاع بكسر اللام، قال في "الصحاح": اللّفاع: ما يلتفع به.
وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": المتلفع هو أن يُلقي الثوب على رأسه، ثم يلتف به. لا يكون الالتفاع إلا بتغطيته الرأس، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه، وفي "المحكم": الملفّعة ما تلفّع به من رداء ولحاف وقناع.
الحادي عشر: الغطاء.
الثاني عشر: الغشاء، وهو الوارد في القرآن.
الثالث عشر: الطاق، قال ابن فارس في "المجمل": والطاق الطيلسان.
وفي كتاب "الأيام والليالي": يُقال ليلة كالطاق يعني الحاشدة ظُلمها.
والطاق ههنا: الطيسان. قال الشاعر:
وليلةٌ ذات جهامٍ إطباقِ … وذاتُ ألوانٍ كألوان الطاقِ
الرابع عشر: قال الفرا: الساج الطيلسان. قال الشاعر (العشى):
وليلٍ، يقولُ القومُ من ظلماتهِ: … سَوَاءٌ بَصِيرَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا
كَأنّ لَنَا مِنْهُ بُيُوتاً حَصِينَة ً… مُسُوحٌ أعَاليهَا وَسَاجٌ كُسُورُهَا
قال ابن خالويه في "شرح الفصيح": يُقال للطيلسان الأخضر: الساج.
والسادس عشر: السدوس -بفتح أوله -والسدس بضمه.
قال في "الصحاح": سدوس بالضم الطيلسان الأخضر. قال الأفوه الأزدي:
وَاللَيلُ كَالدَأماءِ مُستَشعِرٌ ... مِن دونِهِ لَوناً كَلَونِ السُدوس
وكان الأصمعي يقول: السدوس بالفتح الطيلسان.
السابع عشر: البتُّ، قال الزبيدي في "مختصر العين" البتُّ ضرب من الطيالسة.
"ذكر السبب في اتخاذ العرب الطيلسان"
قال الجاحظ في كتابٍ: كان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع وفي أسواق العرب كأيام عكاظ وذي المحار وما أشبه ذلك التقنُّع، وكانوا يكرهون أن يُعرفوا أو يترسمهم أعداءهم. قال: والقناع من سيما الرؤساء، والدليل على ذلك والشاهد الصدق والحجة القاطعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لا يكاد يُرى -أي: متقنعاً -حتى كان الموضع الذي يُصيب رأسه من ثوبه، ثوب دهان انتهى.
وفي "الموقعيات" للزبير بن بكار: ذكر أبو عبيدة أن فرسان العرب كنت تقنّع في سوق عكاظ، وكان اول من وضع قناعه طريف، وكان فارساً شاعراً، فأتاه حمصيٌّ فجعل يتامله، فقال له طريف: مالك شديد النظر إليّ! قال: إني أرجو أن أسلك -أي: أذهب عنك-؛ فقال: طريف:
أوكلما وَرَدت عكاظُ قبيلة … بعثوا إليَّ عريفها يتبسَّمُ
"ذكر الإشارة إليه في القرآن الكريم"
قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5].
قال الشيخ ابن حيان في "تفسيره": حدثنا أبو بكر مكرّم، ثنا منصور أبي مزاحم، ثنا أبو سعيد بن المؤدب، عن سالم، عن سعيد بن جُبير في قوله تعالى: (يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ)، قال: التقنُّع.
"ذكر الأحاديث الواردة في فضله وإدامة لبس النبيّّ صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين له"
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة في حديث الهجرة، قالت: "فبينما نحن جلوسٌ يوماً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة؛ قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً متقنّعاً".
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": أي طيلساً رأسه، قال: وهو أصلٌ في لبسه.
وأخرج الترمذي وابن سعد والبيهقي في "شعب الإيمانط عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُكثر التقنُّع بثوبه، حتى كان ثوبه ثوب زيّات.
وأخرج ابن سعد في "لطبقات" عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُكثر القناع، ويُكثر دهن رأسه وتسريح لحيته.
وأخرج ابن سعدٍ عن طارق التيمي، قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد وعليه ثوب أصفر، قد قنّع به رأسه.
وأخرج البخاري والنسائي عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالحجر، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين، أن يُصيبكم مثل ما أصابهم، ثم تقنّع بردائه وهو على الرحل".
وأخرج أبو عُبيد في (غريب الحديث): عن يحيى بن أبي كثير، قال: مرّ رسول الله صلى اله عليه وسلم على إبلٍ لحيٍّ يُقال لهم بنو الملوّح أوبنو المصطلق، قد عبست فى أبوالها من السّمن، فتقنّع بثوبه، ثمّ قرأ: {ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدُّنيا}. قال أبو عُبيد: إنما تقنّع بثوبه امتثالاً للآية؛ لئلا ينظر إلى ما مُتّع به الناس.
وأخرج أحمد عن أسامة بن زيد، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَدْخِلْ عَلَيَّ أَصْحَابِي"، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَشَفَ الْقِنَاعَ، ثُمَّ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
وأخرج الطبراني عن ابن عمر، قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: "الارتداء لبسة العرب، والالتفاع لبسة الإيمان".
وقال ابن سعد في "طبقاته": أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ السَّلاَمِ بْنِ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى الْحَارِثِيُّ، قَالَ: وُصِفَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم الطَّيْلَسَانُ، فَقَالَ: "هَذَا ثَوْبٌ لاَ يُؤَدَّى شُكْرُهُ".
وأخرج ابن عدي في "الكامل" من طريق نُعيم بن حماد، حَدثنا بَقية، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صَلى الله عَليه وسلم: تغطية الرأس بالنهار فقة، وبالليل ريبة.
وأخرج الصابوني في "المائتين": عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المعتكف يعود المريض، ويشهد الجمعة، فإذا أخرج من المسجد قنّع رأسه، حتى يرجع". قلتُ: في هذا الحديث إشارة إلى ما قاله بعض الصوفية: أن الطيلسان هو الخلوة الصغرى، فإن المقصود من الاعتكاف هو الخلوة، فإن أخرج من معتكفه لحاجةٍ دينية، شُرع له الطيلسان حرصاً على الخلوة ما أمكن.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن مرة بن كعب، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنةً فقرّبها، فمر به رجل مقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأخرجه أحمد من وجهٍ آخر عن كعب بن عجرة، وقال: "متقنّعٌ من ملحفه".
وأخرج أحمد والحاكم عن عائشة قالت: قدمنا من سفر، فتلقونا بذي الحليفة، فلقوا أسيد بن حضير فنعوا إليه امرأته ، فتقنع يبكي، وهو يسير بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن عدي من طريق مبشّر بن عبيد، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ايتوا المساجد حسراً ومقنعين، فإن ذلك من سيماء المسلمين".
وأخرج عن ابن مسعود، قال: "التقنع من أخلاق الأنبياء".
وأخرج البيهقي في "الشعب" عن أبي بكر الصديق، أنه خطب فقال: "يا معشر المسلمين، استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من الله عز وجل".
وأخرج الشافعي في "الأم": عن عبد الرحمن التيمي، قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، فقمت فإذا برجل يزحمني متقنعا بثوبي؛ استحيا من الله عز وجل، فنظرت، فإذا عثمانبن عفان.
وأخرج سعيد بن منصور في "سننه"، وابن سعد عن أبي الفلّا، قال: رأيتُ الحسن بن علي رضي الله عنها، يُصلي وهو مُقنّعٌ رأسه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد": عن ثابت البُناني، قال: كنا نتبع الجنازة، فما نرى إلا مُتقنّعاً باكياً، أو متقنّعاً متفكّراً.
وأخرج ابن سعد من طريق: حبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنيسة -وكانت قد حجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم-، قالت: كان رجالنا يجيئون الجمعة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأرديتهم على رؤوسهم.
وأخرج ابن سعد: عن مولاة لعمر بن عبد العزيز: أنه كان يُقنّع رأسه.
وأخرج ابن سعد: من طريق الفضل بن دُكين، قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرٌ قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا مِنْ أَكْثَرِهِمْ تَقَنُّعًا فَقُلْتُ لِفِطْرٍ: أَكَانَ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ؟ قَالَ: نعم.
وأخرج ابن سعد: عن هاني بن أيوب الجعفي، قال: كان طاوس يتقنع لا يدع التقنع.
وأخرج ابن سعد: عن يونس بن الحارث، قال: رأيتُ طاوساً يُصلي وهو مقتنع، فإذا كان الليل حسروا.
وأخرج ابن سعد: عن ونس بن الحارث، قال: رأيتُ طاوساً يُصلي، وهو متقنع.
وأخرج البخاري في "تاريخه" عن سُحيم بن هاني، قال: ما رأيتُ طاوساً إلا متقنعاً باكياً، فقلتُ ما يُبكيك؟ فقال: على العلم والعمل.
وأخرج ابن سعد: عن سليمان بن المغيرة، قال: رأيتُ الحسن يلبس الطاليسة.
وأخرج البيهقي في "الشعب: عن خالد بن خداش، قال: قلت لمالك بن أنس "فرأيت عليه طيلسانا وقلنسوة وثيابا مروية خياراً، وفي بيته وسائد وأصحابه عليها قعود"؛ فقلت يا أبا عبد الله: هذا الذي أراك به أشيء أحدثته أو شيء رأيت عليه الناس قال: لا بل شيء رأيت عليه الناس.
وأخرج ابن سعد: عن منصور، أنه رأى على إبراهيم النخعي طيلساناً مدبّجاً.
وأخرج ابن سعد: عن مُحِلٌّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ مِلْحَفَةً مُتَوَشِّحًا بِهَا. وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ مُتَفَضِّلٌ بِهِ. وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ إِمَامٌ.
وأخرج ابن سعد: عن مبارك بن فُضالة، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ يَضَعُ طَيْلَسَانَهُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فِي الصَّلاةِ.
وأخرج ابن سعد: عن عبد المؤمن السّدوسي، قَالَ: كُنْتُ أَرَى عَلَى الْحَسَنِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الطَّيْلَسَانَ الْكُرْدِيَّ الْمُثَنَّى الْغَامِضَ السُّدى.
وأخرج ابن سعد: عن محمد بن راشد، قَالَ: كَانَ مَكْحُولٌ إِذَا صَلَّى يُسْدِلُ عَلَيْهِ الطَّيْلَسَان.
وأخرج ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ قَالَ: وَلِيَ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَاءَ بَعْلَبَكَّ. وَكَانَ مُحْتَاجًا. فَلَقِيَهُ دَاوُدُ بْنُ أبي شَيْبَانَ الدِّمَشْقِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا أبا مُحَمَّدٍ وُلِّيتَ القضاء بعد العلم والحديث؟ قال: نعم. نشدتك اللَّهَ أَتَحْتَ جُبَّتِكَ شِعَارٌ؟ فَقَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ. فَرَفَعَ سُوَيْدٌ جُبَّتَهُ وَقَالَ: لَكِنَّ جُبَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا شِعَارٌ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ هَذَا الطَّيْلَسَانُ لَكَ؟ قَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ. قَالَ سويد: فو الله مَا هَذَا الطَّيْلَسَانُ الَّذِي تَرَى عَلَيَّ لِي وَإِنَّهُ لَعَارِيَةٌ. أَفَلا أَلِي الْقَضَاءَ بَعْدَ هَذَا؟ فو الله لَوْ وَلَّوْنِي بَيْتَ الْمَالِ فَإِنَّهُ شَرٌّ مِنَ الْقَضَاءِ لَوَلِيتُهُ.
وفي كتاب "بهجة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر": عن إبراهيم بن سعد الداري، قال: كان الشيخ عبد القادر يلبس زي العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة.
فائدة: قال البخاري في صحيحه: "باب التقنع"، وأورد فيه حديث عائشة في الهجرة؛ لأجل قوله فيه: "فقال قائل لأبي بكرٍ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعاً"، قال: وقال ابن عباس: خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليه عصابة دسماء، وقال أنس: عصب النبيُّ صلى الله عليه وسلم على رأسه حاشية برد".
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": التقنع تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره، قال: وقال الإسماعيلي: ما ذكره البخاري عن العاصبة لا يدخل في التقنع، فالتقنع تغطية الرأس، والعصابة: شد الخرقة على ما أخاط بالعمامة، قال الحافظ ابن حجر: الجامع بينهما وضع شيء زائد على الرأس فوق العمامة.
تنبيه: تعلق من أنكر الطيلسان بما في صحيح البخاري، عن أنس، أنه نظر إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة، فقال: «كأنهم الساعة يهود خيبر». ولابن خزيمة أن أنساً، قال: ما شبهت الناس في المسجد اليوم وكثرة الطيالسة إلا بيهود خيبر؟
والجواب: ما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر في "شرح البخاري" أن الذي يظهر أن يهود خيبر كانوا يكثرون من لبس الطيالسة، وكان غيره ممن الناس الذين شاهدهم أنس لا يكثرون منها، فلما قدم أنس البصرة، ورآهم يكثرون منها، فشبههم بيهود خيبر. قال: ولا يلزم كراهة لبس الطيلسان. قال: وقيل إنما أنكر ألوانهالأنها كانت صُفراً. وقيل: المراد بالطيالسة الأكسية. انتهى.
وكذا حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة" أخرجه مسلم؟
ولا شك أن الطيلسان مقول بالاشتراك، يُطلق على القياد الآن، وكان الأشهر في الصدر الأول، وهذا عندي هو المرا د بالحديث المتقدم، بأن يُقال فيه التقنع.
ويُطلق على نوع من الثياب النفيسة، ويكون ديباجاً وغيره، وكان إطلاق الطيلسان عليه في الصدر الأول شائعاً، وهذا عندي هو المراد في الحديث المتقدم، أنه وُصِفَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هذا ثوبٌ لا يُؤدَّى شُكره". يدل على أنه تركه لأنه من جملة النعيم؛ فتركه زهداً، وكان اليهود أهل نعيمٍ ومال، فكانوا يلبسونه.
ويحتمل أن يُراد بما في الحديث "التقنع" الذي كان يفعله، ويكون وصف بمعنى ذكر، وقوله: "هذا ثوبٌ لا يُؤدَّى شُكره" أي: لما فيه من نعمة العبادة، وليس المراد نعمة الدنيا.
ونعمة العبادة المشار إليها، هي الخلوة الحافظة للسمع والبصر والجامعة للفكر والرأي.
وقيل: إن المراد في حديث أنس الطيلسان المُقوّر، وهو المسمى الآن بالطرحة، وكان شعار اليهود قديماً، ولم يلبسه صلى الله عليه وسلم قط، ولا أحد من أصحابه، إنما كانوا يلبسون الطيلسان الذي يدور على العنق، وكان إذ ذاك يُسمى "التقنع" لا التطيلس. وكان التطيلس إنما يُطلق على ذاك وهذا.
قال ابن القيم: غن التطيلس غير التقنع، وأشار إلى أن التقنّع هو السُّنة دو التطيلس، أي: لبس الطيلسان المشار إليه، وهو الذي لا يدور على العنق، ولا شك أن أن هذا بدعةٌ، ما لابسه رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، ولا أحدٌ من الخلفاء الأربعة، ولا من أكابر الصحابة، وإنما كان يلبسه اليهود.
وذكر العسكري: أن اول من لبسه في الإسلام من المغرب، واسمه عبد الله بن عامر بن كريز، وقيل: جُبير بن مُطعم، ويؤثر أن هذا هو المراد بما أخرجه أحمد، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه سلم ذكر الدجال، فقال: كأن معه سبعون ألفاً من اليهود، وعلى كُلّ رجلٍ ساجٌ وسيف.
قال ابن الأثير في "النهاية": الساج الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المُقوّر ينسج كذلك.
عودٌ على بدء من إطلاق الطيلسان على غير المعهو د الآن: ما أخرجه مسلم عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة، إلا هكذا»، وقال أبو عثمان: بإصبعيه اللتين تليان الإبهام فرئيتهما أزرار الطيالسة حين رأيت الطيالسة.
قال القرطبي: الأزرار جمع زر، ما يزر به الثوب بعضه على بعض، والطيالسة جمع طيلسان، وهو الثوب الذي له علم، وقد يكون كساءً.
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وقد أغفل صاحب المشارق والنهاية في مادة ط ل س ذكر الطيالسة، وكأنهما تركا ذلك لشهرته، لكن المعهود الآن ليس على الصفة المذكورة هنا.
قال: ووقع في حديث أسماء بنت أبي بكر عند مسلم: أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه جبة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يدل على أن المراد بالطيالسة في هذا الحديث ما يلبس فيشمل الجسد لا المعهود الآن.
وكذا رواه ابن سعد: أن بشر بن البراء أكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة التي سُمّت له يوم خيبر، فلما ازدرد أكلته، لم يَرُم من مكانه عاد لونه كالطيلسان.
وأخرج ابن سعد: من طريق علي بن زيد، عن أبيه، عن عمته، عن أم معبد بنت خالد بن خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر.
وأخرج ابن سعد: من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق قال: رأيت نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - حججن في هوادج زمن معاوية عليها الطيالسة.
وأخرج ابن سعد: من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال:حج نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هوادجهنَّ الطيالسة.
وأخرج ابن سعد: عن إسماعيل بن عمران، قال: كان سعيد بن المسيب يلبس طيلسانا أزراره ديباج. قلتُ: أزرار طيلسانك ديباج؟ قال: وجدناه أبقى.
وأخرج ابن سعد: عن هشام بن عروة: أن عروة كان يلبس الطيلسان المزرور بالديباج-وهو مُحرِمٌ- ولا يزره عليه.
وأخرج ابن سعد، عن الربيع بن صبيح، قال: حدثني من رأى عمر بن عبد العزيز يصلي في جبة طيالسة ليس عليه إزار.
وأخرج ابن سعد،عن أبي إسحاق الصنعاني قال: دخل طاووس ووهب بن منبه على محمد بن يوسف أخي الحجاج. وكان عاملاً علينا. في غداة باردة. قال: فقعد طاووس على الكرسي. فقال محمد: يا غلام هلم ذاك الطيلسان فألقه على أبي عبد الرحمن. فألقوه عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى عنه الطيلسان. وغضب محمد بن يوسف؛ فقال له وهب: والله إن كنت لغنياً أن تغضبه علينا. لو أخذت الطيلسان فبعته وأعطيت ثمنه المساكين. فقال: نعم لولا أن يقال من بعدي أخذه طاووس. فلا يصنع فيه ما أصنع. إذا لفعلت.
فالمراد بالطيلسان في هذه الآثار كلها ما يلبس فيلبس الجسد، لا المعهود الآن.
تتمة: وقد نصّ على ما قلته من الاشتراك: الشيخ بدر الدين الزركشي في "الخادم"؛ فإنه قال: ذكر ابن العطاء في "شرح العمدة": بعد أن نقل عن الأصحاب، أن الإمام يوم الجمعة يزيد في التزن بارداء ونحوه، وليس من زينته الطيلسان، فإنه ليس من شعار الإسلام، بل هو من شعار اليهود، وكما ثبت في صحيح مسلم: أنه شعار السبعين ألف من اليهود التابعين للدجال، وقد نهى االشارع عن الشبُّه بهم، مع أنهم يمنعون من لبسه في بلاد الإسلام، لما فيه من الرفقة به.
قال الزركشي: وفي "المدخل" لابن الحاج نحوه، قال: وقد ذكر في أخبار يهود إنما كانوا يعرفون في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بصفة هذا الطيلسان، فيكون ذلك تشبُّهاً بهم.
قال الزركشي بعد حكاية ذلك، ما نصُّه: "قلتُ": ذكر جماعة من أهل اللغة أن الطيلسان في تعليقه. وقد روى أبو داود في"سننه" عن عائشة، قالت في هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم: وأتانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم في وقتٍ لم يكن عادته أن يأتيان فيه، وهو متقنّعٌ. كلام الزركشي.
قلتُ: وهو كما اقال من أن المراد بالطيلسان في حديث اليهود غير المعروف الآن، لكن اعتراضه على ابن العطار ليس بجيد، فإن ابن العطار لم يقل إنه المعروف الآن شعار اليهود، وإنما قصد الطيلسان المقوّر، وهو الطرحة، فإنه شعارهم، وقد كانت خلفاء بني العباس أحدثوا لبس الطرحة السوداء على العمامة للخطباء، واستمر ذلك إلى زمن ابن العطار وبعده، وكان المتورعون من الخطباء يعدلون عن الطرحة إلى الطيلسان المعهود الآن، وهو المسمى في الصدر الأول بالقناع والرداء.
فبيّن ابن العطاء أن الارتداء هو السنة، وأن الطيلسان هو الطرحة الذي هو شائع للخطباء في عصره وقبله بدهر طويله أنه المذموم؛ لأنه بدعةٌ وشعار اليهود، ولم يكن ابن العطار ممن يخفى عليه الفرق، وإنما تتبع لفظ الحديث في الرداء والطيلسان، وما أُريد منهما في الحديث قصده، وفي ذلك التنفير عما ألفه الخطباء في طول مدة خلافة بني العباس من لبس الطرحة السوداء.
وقد أطبق أئمتنا في كتبهم على أنه يُستحب للإمام يوم الجمعة أن يتعمَّم ويرتدي، وعللوه بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، نصّ عليه بهذا اللفظ، الإمام الشافعي في "المحتصر"، وتبعه جميع الأصحاب كالماوردي في "الحاوي"، وإمام الحرمين في" النهاية"، وابن الصباغ في "الشامل"، ووالمتولي في "التتمة"، والشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، والرافعي في "الشرحين"، والنووي في "الروضة"، و"شرح المهذب"، وابن الرفعة في "الكفاية"، وغيرهم.
وقد قال ابن الرفعة في "كتاب عقد الذمة في الحاوي" حكاية وجهٍ أنه لا يجوز لأهل الذمة لبس الطيلسان؛ لأنه أحلُّ ملابس المسلمين. وحكاية في المطلب عن حكاية الحاوي والبحر معاً.
وقال الرافعي في "الشرح الكبير": وللذمي أن يتعمم ويتطيلس، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد.
وفي "البحر" وجهٌ لمذهبنا: قل الزركشي في "الخادم: هذا النقل عن أحمد ليس على إطلاقه؛ فقد قال أبو يعلى من الحنابلة: لا يُمنعون من الطيلسان. قال: وهو المُقوّر الطرفين، المكفوف الجانبين، الملفّق بعضها إلى بعض، ما كانت العرب تعرفه وهو لباس اليهود قديماً، والعجم أيضاً. والعربُ تُسمّيه "ساجاً"، ويُقال: إن أول من لبسه من العرب جُبير بن مطعم، وكان بن سيرين يكرهه. انتهى كلام أبي يعلى.
ثم ذكر الزركشي: أن هذا هو المراد في لبس اليهود في حديث الدجال، قال: وليس هو المعروف الآن. قال: وممن نص على استحباب الطيلسان المعروف الان: القاضي حُسين في تعليقته. انتهى.
وقال ابن الرفعة في "الكفاية" في "باب الشهادات": قد يكون الشيء مروءٌ لقوم، وتركه مروءةٌ لآخرين، فإن السوفي لو تطيلس كان تاركاً للمروءة، وهو من الفقيه مروءة، والفقيه لو تمنطق وتطيلس يكون تاركاً للمروءة، وذلك من الشرطي مروءة. وذكر الرافعي في "الشرح"، والنووي في "الروضة" نحوه.
وعبارة صاحب "البيان": الكنّاس والشرطي لو تطيلسا؛ كان تركاً لمروءة، والفقيه لو تطيلس كان مروءة.
وعبارة البغوي في "التهذيب": الجمّال إذا لبس العمامة والدراعة الطيلسان نردُّ شهادته؛ لأنه يتمسخر، والفقيه إذا ترك ذلك في موضع يُستنكر تركه منه؛ نردُّ شهادته، وكذا في "النهاية" لإمام الحرمين، ومختصرها لابن عبد السلام، وغيرهما من كتب المذبه.
تنبيه" قلَّ إمام من أئمة الحديث إلا وعقد في كتابه باباً لسُنّة التقنُّع، منهم الإمام البخاري في صحيحه، قال: "باب التقنُّع" كما تقدمت الإشارة إليه، ومنهم: أبو داود في "سننه"، قال: "باب في التقنع"ن وأورد فيه حديث عائشة مختصراً، بلفظ: قالت عائشة بينا نحن جلوسٌ في بيتنا في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له فدخل. ومنهم: الترمذي في "الشمائل"، قال: "باب قناع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأورد فيه حديث أنس السابق. ومنهم: ابن سعد في "الطبقات"، قال: "باب ذكر قناع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأورد فيه حديث أنس من طريقين، ومرسل موسى الحارثي. ومنهم: البيهقي في "شعب الإيمان"، وأورد فيه حديث أنس، وحديث سهل بن سعد.
تنبيهٌ آخر: روى ابن عدي في "الكامل" بسندٍ ضعيف، عن علي رضي اله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التقنع، وقال: هو بالنهار شهرة وبالليل ريبة، ولا يتقنع إلا من قد استكمل الحكمة في قوله وفعله، فإذا كان كذلك فليتقنع. يعني: التطيلس.
وهذا الحديث ليس فيه كراهة التقنُّع مطلقاً، إنما فيه كراهته لغير العلماء؛ لأن الطيلسان من شعار أهل العلم، فينبغي أن لا يشاركهم فيه من ليس في مرتبتهم كما أشار إليه آخرين، بقوله: شُهر بما ليس فيه، وسخر الناس منه.
وقد نصّ العلماء على أنه ينبغي أن يكون للعلماء لباس يختصُّ بهم؛ ليُعرفوا فيُوقّروا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب: 59].
ومنه جُعلت العلامة الخضراء في عمائم الأشراف، ونصّ النووي في "الروضة": على انه ل تطيلس الجمّال، وركب بغلةً، كان ذلك من خوارم المروءة، التي ترد بها شهادته.
وقد نصّ الإسنوي في "طبقاته" وغيره: على أن العلماء فيما مضى كانوا يجيزون لبس الطيلسان كما يجيزون الإفتاء والتدريس ما صوّرته: (وقد أذنتُ له في لبس الطيلسان)، وذلك لأنه من شعار العلماء، فافتقر إلى إذن من المشايخ، ليكون شهادة بالأهلية.
ومن هذا الضرب لبس الصُّوفية الخرقة؛ فإنه يحتاج إلى إذن من شيخ مأذون له في ذلك، وخرقة التصوف نوعٌ من التقنُّع.
فائدة: قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" ذكر الواقدي أن رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في عرض ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، يلبسهما في الجمعة والعيدين.
ووقع في "شرح الأحكام" لابن بزيزة: ذراع الرداء كالذي ذكره الواقدي في ذراع الإزار، قال الحافظ ابن حجر: والأول أولى.
وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي. حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن طول رداء النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع أذرع. وعرضه ذراعان وشبر.
خاتمة: قال ابن سعد: أخبرنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يكره أن يعتم بالعمامة لا يجعل تحت الذقن منها شيئاً.
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" بلفظ: أنه كان يكره أن يعتمَّ إلا أن يجعل تحت لحيته وحلقه من العمامة.
وفي "مصنف عبد الرزاق": عنه أنه كره أن يقتصر على العمامة ولا يجعل تحت حنكه شيئاً. ويقول: تلك لبسة الشيطان.
وقال مالكٌ: ادركتُ في مسجد رسول لله صلى الله عليه وسلم سبعين محنكاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أميناً، وفي لفظٍ: لو استسقي لهم القطر؛ لسُقوا، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئاً كثيراً، وما أخذت عن واحدٍ منهم، وذلك انهم كانوا قد ألزموا انفسهم خف الله والزهد.
قال في "الصحاح": التحنك التلحي، وهو أن يُدير العمامة من تحت الحنك، وفي "الغريب" لأبي عُبيد في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أنه أمر بالتَّلحِّى، ونهى عن الاقتعاط"، يُقال: اقتعطها، فهو المنهيُّ عنه. وإذا أدارها تحت الحنك، قبل: تلحَّاها تلحِّيًا، وهو المأمور به. وكان طاووس يقول: تلك عمة لشيطان -يعني الأولى. انتهى كلام أبي عُبيد.
وقال ابن الأثير في "النهاية" في حرف القاف: في الحديث: «أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الاقتعاط» وهو أن يعتم بالعمامة، ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه. ويقال للعمامة: المقعطة. وقال الزمخشري في "الفائق": «المقعطة والمقعط» : ما تعصب به رأسك.
وقال ابن الأثير في "حرف اللام": «أنه نهى عن الاقتعاط، وأمر بالتلحي» وهو جعل بعض العمامة تحت الحنك، والاقتعاط: ألا يجعل تحت حنكه منها شيئاً.
وقال الجوهري في "الصحاح": الاقْتِعاط: شدُّ العمامةِ على الرأس من غير إدارة تحت الحنك. وفى الحديث " أنه نهى عليه السلام عن الاقتعاط وأمر بالتلحى".
تم كتاب طي اللسان عن ذم الطيلسان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.
_________________________________________________
وفي "أوائل الجلال السيوطي": ما نصُّه: أول ما أحدث التسبيح بالأسحار على المنابر في زمن موسى عليه السلام، حين كان بالتيه، واستمر بعده إلى أن كان زمن داود عليه السلام، وبنى بيت المقدس؛ فرتّب فيه عدة يقومون بذلك ببيت المقدس على الالات (يعني كالأبواق) وبغيره بلا آلات في الثلث الأخير من الليل إلى الفجر، إلى أن خرب بيت المقدس، وقتل يحيى عله السلام، وثار اليهود على عيسى عليه السلام؛ فبطل ذلك في جملة ما بطل من شرائع بني إسرائيل.
واما في هذه الملة المحمدية؛ فكان ابتداء عمله بمصر، وسببه أن مسلمة بن مخلد الصحابي رضي الله عنه بنى وهو أمير مصر، بمناراً جامع عمرو، واعتكف فيه؛ فسمع أصوات النواقيس عاليةً، فشكى ذلك إلى شرحبيل بن عامر -عريف المؤذنين-؛ فقال: إني أمدُّ الأذان من منتصف الليل إلى قرب الفجر؛ فإنهم لا ينقسوا إذا أّنت.
ففعل ثم لما كان أحمد بن طولون؛ رتّب جماعةً نوباً يكبرون ويبحون ويحمدون، ويقولون قصائ زهدية، وجعل لهم أرزاقاً واسعة، ومن ثمَّ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المنابر.
فلما ولي السلطان صلاح الدين بن أيوب، أمر المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية، فواظب المؤذنون على ذكرها كل ليلة إلى وقتنها هذا. انتهى.
وأول ما أحدث التذكير يوم الجمعة لتهيئة الناس لصلاتها بعد السبعمائة من الهجرة في زمن الناصر بن قلاوون، ذكر ذلك كله المقريزي في خططه.
________________________________________________
فائدة:
الطرق إلى الله تعالى خمسة: شريعة، وطريقة، وحقيقة، ومعرفة، ومحبة؛ فالشريعة سبعة أشياء: الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، والذكر، والأوراد، والصدقة، وعدم الغفلة، ووصاحبها: يحصل له من الكرامات الكشف الحسي بالعين، والكشف الخيالي فما يراه غيره في النوم يراه هو في اليقظة، والطريقة سبعة أشياء: التواضع، والنصيحة، والإخلاص، والكرم، والزهد، والورع، والنفس المطمئنة، وصاحبها: يحصل له أربع كرامات: المشي على الماء وعلى متن العواء، ويقطع الأرض في خطوة واحدة، ويأتي إليه الطعام والشراب والذهب والفضة من الغيب، والحقيقي سبعة أشياء: التوبة، والصبر، والشكر، والرضا، ومحاسبة النفس، والمراقبة، والإرادة، وصاحبها: يحصل له أرع كرامات: ينظر الملائكة، وينظر في اللوح المحفوظ، وينظر أولياء الله كلهم، وينظر الأموات في قبورهم، وكيف يُعذّبون ويُنعّمون، كل ذلك في اليقظة. والمعرفة سبعة أشياء: الجوع، والسهر، والصمت، والعزلة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وصابحاه: يحصل له أربع كرامات: ينظر إلى الكرسي، وإلى العرش، وإلى الجنة، وإلى حجب الأنوار، والمحبة سبعة أشياء: الوجد، والتواجد، والعشق، والشوق، والهيبة، والأنس، والحج، وصاحبها: يحصل له أربع كرامات: ينظر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلى حضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وينظر إلى نور الله القديم، ويخرج نصف روحه من جسده، وتتصور على صورة الآدمي، وتصعد إلى حضرة الله عز وجل؛ فيعرف مقامه بين أهل الله في تلك الحضرة، والله سبحانه أعلم.
________________________________________________
ترجمة النجم الخبوشاني المدفون بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنهما
قال ابن الملقن في "طبقات الشافعية": وهو محمد بن الموفق سعيد، نجم الدين، أبو البركات الخبوشاني، بضم الخاء -قرية من قرى نبيسابور، الزاهد. تفه على محمد بن يحيى، وكان يستحضر كتابه "المحيط"؛ حتى قيل إنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره، وله كتاب "تحقيق المحيط" في ستة عشر مجلدة.
قدم مصر واستطونهان وجاوز بتربة الشافعي، وكان السلطان صلاح الدين يُقرّبه ويوقره، وعمل له المدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وكان سليم الباطن، وبه وسوسة، ومن ورعه أنه كانيركب الحمار، ويجعل تحته البسةً لئلا يصل عرقه إليه.
وجاء الملك العزيز بن الناصر صلاح الدين إلى زيارته، وصافحه فاستدعى ماءً وغسل يده به، وقال: يا ولدي إنك تمسُّ القبّان، ولا تتوقّى الغلمان، فوجد عليه؛ فقال: اغسل وجهك فإني بعدُ لمستُ وجهك، وغسل وجهه، وكان الشيخ يقول بلمئ فيه: اصعًدُ إلى مصر وأُزيل ملك بني عُبيد اليهودي، فصعدها، وصرخ يسبُّ أهل العصر، وجاءوا في أسره، وأرسلوا إليه بمالٍ عظيم، فلما وقع بصره على رسولهم وهو بالزي المعروف، أفضى إليه بأشد الغضب، وقال: ويلك ما هذه البدعة! وكان الرجل قد زوّر في نفسه كلاماً يلاطقه، فأعجله عن ذلك، ورمى الذهب بين يدي الشيخ، فضربع على رأسه، وصارت عمامته حلقاً في عنقه، وأنزله من السلم وهو يرمي بالدنانير على رأسه، وسب أهل العصر وعلى يده كان خراب بيت العُبيديين.
وقد كان بدء ملكهم من تسع وتسعين وأربعمئة، واستمروا إلى أربع وستين وخمسمائة، وفعلوا كل قبيح، ولما توفي العاضد، وتهيّب صلاح الدين من الخطبة لبني العباس، خوفاً من عود دولة العبيديين، وحذّرا من الشيعة؛ فوقف الخبوشاني، وأمر الخطيب أن يذكر بني العباس؛ ففعل ولم يكن إلا الخبر. وكتب إلى بغداد وأظهر من الفرح فوق الوصف، وانقطعت تلك الشجرة الخبيثة التي لو لم يكن فيها إلا الحاكم أحد خلفائهم الذي أدّعى الإلهية مرةً، وسوّى بين الأديان أخرى، ثم أخذ الخبوشاني في بناء الضريح الشريف المطلبي على ساكنه أفضل الرضوان.
وَكَانَ ابْن الكيزاني رجل من المشبهة، قال الذهبيُّ: إنه من أهل السنّة، وكان مَدْفُونا عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ؛ فَقَالَ الخبوشاني: لَا يكون صديق وزنديق فِي مَوضِع وَاحِد، وَجعل ينبش وَيَرْمِي عِظَامه وَعِظَام الْمَوْتَى الَّذين حوله من أَتْبَاعه، وتعصبت المشبهة عَلَيْهِ، وَلم يبال بهم، وَمَا زَالَ حَتَّى بنى الْقَبْر والمدرسة ودرس بهَا.
ولما أخرج صلاح الدين إلى الفرنج نوبة الرملة جاء الخبوشاني إلى وداعه، والتمس منه أموراً من المكوس يسقطها عن الناس فلم يفعل، وقال له الشيخ: قم إلى نصرك، ووكزه بعصى فوقعت قلنسوة السلطان من رأسه، فوجم لها ثم نهض متوجهاً إلى الحرب، فكرَّ ثم عاد إلى الشيخ، وقد بان وعرف أن ذلك بسبب دعائه، وكان تقي الدين عمر بن أخي السطان له مواضع يُباع فيها المزر (الخمر)، فكتب الشيخ ورقة إلى السلطان أن هذا عمر لا جبره الله له مواضع يبيع المزر فيه، وما السلطان آل عمر، وقال: لا طاقة لنا بهذا الشيخ فأرضه، فركب إليه؛ فقال حاجبه: قف بباب المدرسة حتى أسبقك إليه، اأوطئ لك، فدخل فقال: إن تقي الدين يُسلم عليك، فقال الشيخ: بل شقي الدين لا سلم الله عليه، فقال: إنه معتذرٌ، ويقول: ليس لي موضعٌ يُباع فيه المزر، فقال: يكذب، قال: إن كان هناك موضع مزر فأرناه، فقال له الشيخ: أدن وأسكَ ذوائبه، وجعل يلطمه على وجهه،ويهزه ويقول: لستُ بزاراً، فأعرف مواضع المزر، فخلّصوه من يده، وخرج إلى تقي الدين، وقال: فديتك بنفسي.
ودخل يوماً القاضي الفاضل وزير السلطان لزيارة الشافعي، فجعل يلقي الدرس على كرسي ؛ فجلس على طرفه وجنبه إلى القبر، فصاح الشيخ فيه: قم، قم، ظهرك إلى الإمام. فقال القاضي: أنا وإن استدبرته بقالبي فإني مستقبله بقلبي، فصاح فيه مرة أخرة، وقال: ما تعبدنا بهذا، فخرج القاضي مدهوشاً.
ولد سنة عشر وخمسمائة، كما قال المنذري، وحدث عن أبي الأسعد القشيري، وكان لا ياكل من مالك الملوك لقمة، ولا يأخذ من ريع المدرسة فلساً، وكان يأخر من مال تاجر من أهل بلده، مات سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وكُفّن في كسائه الذي جاء بها معه من خبوشان. ودُفن في قبة منفردة تحت رجلي الشافعي، وبينهما شباك.