أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 23 أغسطس 2026

أسلحة الخداع الشامل للباحثين شيلدون رامبتون وجون ستوبر بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أسلحة الخداع الشامل

للباحثين شيلدون رامبتون وجون ستوبر

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يقدّم كتاب «أسلحة الخداع الشامل» قراءة نقدية لآليات الدعاية السياسية والإعلامية التي رافقت الحرب الأمريكية على العراق، ولا سيما في عهد إدارة جورج بوش الابن، ولا سيما في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وفي سياق الحرب على العراق التي بدأت مارس/ آذار 2003. 

وينطلق المؤلفان من أن الحرب على العراق وأفغانستان لم تُبنَ على القوة العسكرية وحدها، بل سبقتها حربٌ على الوعي، استهدفت تشكيل الرأي العام وتهيئته لقبول الحرب، من خلال توظيف وسائل الإعلام والخطاب السياسي في تضخيم مصادر التهديد (القاعدة وأخواتها)، وربط الإرهاب بالإسلام، وتصوير العراق بوصفه خطرًا داهمًا على الأمن والسلم الدوليين، بما أسهم في توفير غطاء شعبي وسياسي للتدخل العسكري.

وتم تقديم العراق بوصفه جزءًا من منظومة تهديد عالمية تستوجب المواجهة، حيث جرى الربط في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان والإرهاب الدولي من جهة، وبين العراق ونظام صدام حسين من جهة أخرى، رغم اختلاف طبيعة هذه الأطراف وتباين سياقاتها السياسية والفكرية. 

وأسهم هذا الخلط في توسيع دائرة الخطر في الوعي العام، وإيجاد مناخ سياسي وشعبي مهيأ لقبول الحرب على العراق، من خلال تصويره باعتباره حلقةً من حلقات التهديد الإرهابي العالمي. ومن هنا يلفت الكتاب النظر إلى خطورة الخلط بين خصوم متباينين تحت عنوان واحد هو «الإرهاب»؛ إذ تحولت أحداث 11 سبتمبر وما أعقبها من مواجهة مع القاعدة وطالبان إلى إطار واسع أُدرجت تحته قضايا وخصومات أخرى، بما أتاح للإدارة الأمريكية توظيف الخوف العام في تسويغ سياسات عسكرية وسياسية تجاوزت حدود مواجهة الجهات المسؤولة مباشرة عن الهجمات.

ويعرض الكتاب ما يصفه بلحظات قاتمة في التاريخ الأمريكي عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، حين تصاعدت خطابات التخويف من المسلمين والعرب، وبرزت تصريحات ذات طابع عدائي وعنصري أسهمت في تأجيج الخوف الشعبي. 

ومن ذلك ما صدر عن بعض الشخصيات المحافظة من تشبيهات متطرفة للمسلمين بالنازيين، والتحذير من تزايد أعداد المسلمين الأمريكيين، واتهام الإسلام بأنه دين يقوم على التعصب والإرهاب وإجبار الآخرين على اعتناقه. 

كما ينقل الكتاب تصريحات الصحفية آن كولتر، التي دعت، عقب الهجمات، إلى غزو البلدان الإسلامية وقتل قادتها وتحويل سكانها إلى المسيحية، وهي تصريحات تكشف، في نظر المؤلفين، كيف يمكن للصدمة الأمنية أن تتحول إلى خطاب كراهية يخلط بين الإرهاب بوصفه فعلًا سياسيًا محددًا، وبين المسلمين بوصفهم جماعة دينية واسعة ومتنوعة.

ولا يقف الكتاب عند خطاب التحريض، بل ينتقل إلى بحث العلاقة بين الدعاية والخداع السياسي في صناعة القرار العام. ويستشهد بحوار جرى بين وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد وأحد الصحفيين بعد هجمات سبتمبر، حين سُئل عما إذا كان يمكن لوزارة الدفاع أن تكذب على وسائل الإعلام لتحقيق مكاسب عسكرية، فأجاب بالنفي، مع استحضاره تجربة التضليل التي استخدمها الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لإخفاء موعد ومكان إنزال النورماندي.

 غير أن الكتاب يلفت النظر إلى أن الوقائع اللاحقة كشفت عن إنشاء وزارة الدفاع مكتبًا حمل اسم «مكتب التأثير الاستراتيجي»، كانت مهمته المقترحة استخدام وسائل الإعلام والإنترنت وغيرها من الأدوات للتأثير في الرأي العام الأجنبي، بل وتقديم معلومات يمكن أن تكون ملفقة. وقد أثار ذلك جدلًا واسعًا داخل المؤسسة العسكرية والكونغرس، لما ينطوي عليه من خطر طمس الحدود بين العمل الاستخباري السري والعمل الإعلامي، وإمكانية تسرب المعلومات المضللة إلى الجمهور الأمريكي نفسه.

وتتضح خطورة هذا النهج في مفهوم «الأنباء الانتقائية» التي تم بثها على أنها حقائق لا يمكن ردُّها؛ إذ لا تكمن المشكلة في اختلاق الأكاذيب فحسب، وإنما في اختيار بعض الوقائع وتضخيمها، وإغفال وقائع أخرى، ثم تقديم الصورة المنتقاة بوصفها الحقيقة الكاملة. 

ويكشف الكتاب، في هذا السياق، التناقض بين خطاب إدارة بوش بشأن علاقة العراق بالإرهاب وبين ما ورد في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية نفسها. فقد كان العراق يُقدَّم للرأي العام بوصفه طرفًا رئيسًا في الخطر الإرهابي، في حين أشارت تقارير رسمية إلى أن إيران كانت، في تلك الفترة، الدولة الأكثر نشاطًا في دعم الإرهاب وفق التصنيف الأمريكي، كما تناولت التقارير طبيعة الدعم العراقي لبعض الجماعات في إطار صراعاته الإقليمية وتنافسه مع جيرانه.

ويبرز الكتاب كذلك مفارقة الموقف الأمريكي من المملكة العربية السعودية؛ فبينما كان التركيز شديدًا على البحث عن أي صلة محتملة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة، وكان التعامل مع المعطيات المتعلقة بالسعودية أكثر حذرًا، رغم أن غالبية منفذي هجمات 11 سبتمبر كانوا سعوديين، ورغم ما أورده الكتاب من معلومات عن مصادر تمويل سعودية لبعض الأوساط المرتبطة بالتطرف. 

ولا يعني ذلك، بالضرورة، إثبات مسؤولية الدولة السعودية عن تلك الهجمات، إذ يميّز الكتاب نفسه بين الدعم المالي الذي قد يصل إلى أفراد أو جماعات وبين العلم المسبق بالعمليات، لكنه يستخدم هذه المفارقة لإثارة سؤال جوهري حول انتقائية السياسة الأمريكية في تعريف الإرهاب وتحديد مصادر الخطر.

ومن ثم، فإن القيمة الأساسية للكتاب تكمن في كشفه أن صناعة الحرب لا تبدأ عند ساحات القتال، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بسنوات في غرف الإعلام ومراكز صناعة القرار ومؤسسات العلاقات العامة. فحين يُصوَّر الخصم باعتباره تهديدًا مطلقًا، ويُختزل شعب كامل أو دين بأكمله في صورة الإرهاب، وتُنتقى المعلومات بما يخدم قرارًا سياسيًا مسبقًا، يصبح الرأي العام مهيأً لقبول الحرب قبل أن تبدأ. وهنا تتحول وسائل الإعلام من أداة لنقل الوقائع إلى أداة لصناعة الوقائع في الوعي العام.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة «أسلحة الخداع الشامل» بوصفه تحذيرًا من خطورة تداخل السياسة والإعلام والدعاية في صناعة الحروب؛ إذ إن أخطر الأسلحة ليست دائمًا تلك التي تُطلق في ميادين المعارك، وإنما تلك التي تعيد تشكيل وعي الشعوب، وتمنح الحرب شرعيتها الأخلاقية والسياسية، وتجعل التضليل يبدو حقيقة، والحقيقة تبدو موضع شك. وقد كان العراق نموذجًا صارخًا لهذا النوع من الحروب، حيث سبقت القنابلَ حملةٌ واسعة لإقناع العالم بأن الحرب ضرورة، ثم كشفت الأحداث اللاحقة حجم الفجوة بين المبررات المعلنة والوقائع التي استندت إليها.

وبذلك يضع الكتاب القارئ أمام قضية تتجاوز حرب العراق ذاتها: من يملك القدرة على صناعة الرواية يملك، إلى حد بعيد، القدرة على توجيه الموقف من الحرب والسلم. ولذلك فإن مقاومة التضليل لا تكون بمجرد رفضنا للرواية الرسمية، وإنما بفحصنا عن مصادر المعلومات، ومن ثمَّ مقارنة الخطاب السياسي بالوثائق، والتمييز بين الخبر والدعاية، وبين النقد الموضوعي والتحريض، حتى لا يصبح الوعي العام نفسه ساحةً أخرى من ساحات الحرب.

ومن المفيد، في المرحلة التالية، أن يُربط هذا التحليل بما جرى في تشكيل الصورة الإعلامية عن الفلسطينيين والمقاومة والاحتلال؛ إذ تكشف المقارنة كيف تُستخدم الأدوات نفسها في صناعة الرأي العام وتبرير السياسات العسكرية والسياسية.

ومع أهمية ما يطرحه الكتاب في كشف آليات الدعاية والتضليل التي صاحبت الحرب على العراق، فإن قراءته تقتضي قدرًا من التحفظ النقدي؛ إذ يميل المؤلفان في بعض المواضع إلى التركيز على جوانب الخداع في الخطاب الأمريكي بما قد يدفع القارئ إلى النظر إلى مجمل السياسة الأمريكية من زاوية واحدة. فالدعاية والتضليل عنصران حاضران في صناعة القرار والحروب وهو أمر طبيعي في عالمٍ توجهه الأيدلوجيات والمصالح المادية، لكن تفسير الحرب على العراق لا يمكن اختزاله فيهما وحدهما؛ إذ تداخلت فيها اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية وأمنية وأيديولوجية معقدة.

ومن جهة أخرى، فإن الكشف عن تناقض الموقف الأمريكي تجاه العراق وإيران والسعودية يمثل جانبًا مهمًا من الكتاب ينبغي التنبُّه له، لكنه يحتاج إلى وضعه في سياق أوسع من علاقات القوة والمصالح الدولية. فازدواجية المعايير ليست ظاهرة أمريكية منفردة، بل سمة متكررة في السياسة الدولية (منذ الحروب الصليبية والاحتلال الفرنسي والانجليزي للبلاد العربية)؛ إذ كثيرًا ما تتقدم المصالح الاستراتيجية على المبادئ المعلنة. ولذلك فإن القيمة العلمية الأكبر لهذا النوع من النقد تكمن في كشف آليات تسييس المعايير وتوظيفها بحسب مصلحة الدولة، بدل الاكتفاء بإثبات أن الولايات المتحدة مارست سياسة انتقائية.

ومع ذلك، يبقى للكتاب إسهام مهم في لفت الانتباه إلى أن الحرب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تخاض كذلك في ميدان الإعلام والوعي. وهذه الفكرة تستحق التوسيع؛ لأن صناعة صورة العدو، وإثارة الخوف، وانتقاء المعلومات، وإعادة صياغة الأحداث بما يخدم القرار السياسي، أصبحت جزءًا أساسيًا من الصراعات المعاصرة. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب بوصفه مادةً تساعد على تفكيك الخطاب السياسي والإعلامي، مع ضرورة التعامل معه هو نفسه باعتباره خطابًا نقديًا يحتاج إلى الفحص والمقارنة والتحقق من الأدلة.

وعليه، فإن القراءة المتوازنة للكتاب لا تقتضي رفض أطروحته، ولا التسليم بها كاملة، وإنما الإفادة من وثائقه وتحليلاته مع إخضاعها للنقد المنهجي، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتفسيرات التي يقدمها المؤلفان لها. فالقيمة الحقيقية لأي كتاب نقدي لا تكمن في أن يستبدل روايةً رسمية برواية مضادة، وإنما في أن يعلّم القارئ كيف يسأل عن مصدر المعلومة، وسياقها، والجهة التي أنتجتها، والمصلحة التي قد تكون وراء صياغتها، وما إذا كانت الأدلة المتاحة تكفي للوصول إلى النتيجة التي يطرحها المؤلف.




ستون عامًا من الفشل.. وماذا بعد؟ قراءة نقدية في مسار العلمانيين والحركات الفلسطينية د. عبد العزيز مصطفى كامل بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

ستون عامًا من الفشل.. وماذا بعد؟

قراءة نقدية في مسار العلمانيين والحركات الفلسطينية

د. عبد العزيز مصطفى كامل

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا الكتاب هو قراءة نقديةً لمسار القضية الفلسطينية منذ نكبة العام 1948، وحتى بعد مضي ستة عقود عليها، وقد حاول مؤلفه تفسير أسباب الإخفاق المتكرر في إدارة الصراع العربي–الإسرائيلي، حيث ربط ذلك -بشكل كبير وأساس- بهيمنة التيارات العلمانية على الساحة العربية، كما عزى ذلك إلى وجود الأنظمة ذات المرجعيات القومية والشعوبية والوطنية (أي: غير الإسلامية). 

وحاول المؤلف تفكيك مفهوم العلمانية، وتتبع نشأتها وسياقاتها الفكرية والسياسية، لينتقل بعد ذلك إلى اختبار آثارها في التجربة العربية من خلال محطات كبرى ومفصلية (تمثلت في أحداث عسكرية وسياسية هامة)، ويرى أن هذه المحطات كشفت الفجوة بين الشعارات المرفوعة لدى هذه الأنظمة والتيارات وبين النتائج المتحققة على أرض الواقع؛ وذلك منذ حرب 1948، إلى العدوان الثلاثي عام 1956، ثم نكسة 1967، بالإضافة إلى المسارات السياسية التي انتهت إلى عمليات التسوية والمفاوضات والاتفاقيات التي يرى المؤلف أنها كرّست منطق التنازل والانهزام التدريجي، وأضعفت القدرة على بناء مشروع تحرري صحيح ومستقل.

لكننا عندما نقرأ تجربة الفلسطينيين أنفسهم في هذه المسألة (أي: التيارات والسلطة الحاكمة)، وعند إعمال نقد المرجعيات الفكرية، وآليات اتخاذ القرار الوطني الفلسطيني، وما انبنى عليه من مسارات الفصائل والحركات التي تعاقبت على قيادة المشروع التحرري؛ نجد أن الانقسام اللعين بين أبناء الوطن الواحد، قد أضعف وحدة الصف الفلسطيني، واستنزف طاقاته في صراعات داخلية، وأفسح المجال أمام التدخلات الإقليمية والدولية لتوجيه مسار القضية الفلسطينية، حتى غدت بعض الفصائل أسيرةً لولاءات خارجية تتقدم أحيانًا على المصلحة الوطنية، الأمر الذي أسهم في إرباك المشروع التحرري وإضعاف قدرته على تحقيق أهدافه. 

وكان الأجدر أن تتكامل القوى الفلسطينية، على اختلاف توجهاتها، حول مشروع وطني جامع، يحفظ استقلال القرار الفلسطيني، ويجعل تحرير الأرض وإنهاء الاحتلال فوق كل اعتبار حزبي أو فصائلي أو إقليمي.

ولم يكن هذا الانقسام وليد مرحلة واحدة، بل تكرر في محطات عديدة، إذ بدأ اختلافًا في الاجتهاد والوسائل، ثم تحول في أحيان كثيرة إلى تنازع على الشرعية والزعامة والنفوذ. وأصبح القرار الفلسطيني عرضةً للتجاذبات الإقليمية والدولية، فلم تعد بعض القوى تنظر إلى فلسطين بوصفها قضية وطنية جامعة فحسب، بل غدت جزءًا من حسابات عواصم عربية وشرقية وغربية، تتبدل مواقفها بتبدل مصالحها. 

وهنا تتجلى إحدى أعقد مآسي التجربة الفلسطينية: أن يتحول المشروع التحرري من فعل وطني مستقل إلى ورقة في صراعات الآخرين، وأن تُستبدل التبعية للخصم بالتبعية للحليف، فيبقى القرار مرتهنًا وضائعاً وإن اختلفت جهة الارتهان.

لقد دفعت فصائل فلسطينية- على اختلاف مرجعياتها، أثمانًا باهظة حين ربطت خياراتها السياسية والعسكرية بمحاور إقليمية، سواء في الشرق أو الغرب، أو جعلت الدعم الخارجي شرطًا لبقاء نفوذها.

 وليس المقصود بذلك إنكار أهمية العلاقات العربية والإسلامية والدولية أو رفض الدعم السياسي والمادي، وإنما التمييز بين التحالف الذي يخدم القرار الوطني، والتبعية التي تصادره. فحين يصبح التمويل الخارجي محدِّدًا للموقف، أو تصبح العاصمة الإقليمية مرجعًا للقرار، أو تتحول العلاقة مع قوة دولية إلى التزام سياسي يقيّد حرية الحركة، فإن المشروع الوطني يفقد شيئًا من استقلاله، مهما بقيت شعارات التحرير مرفوعة.

ومن هذه الزاوية، لا يعود الانقسام الفلسطيني مجرد خلاف بين برامج سياسية؛ بل يصبح، في بعض مراحله، انعكاسًا لصراعات المحاور نفسها. فالقومية واليسارية والبعثية والإسلامية والليبرالية، على اختلاف منطلقاتها، لم تنجُ دائمًا من إغراء الاحتماء بالخارج أو استدعاء قوته لحسم صراع الداخل

وقد أدى ذلك إلى استنزاف الطاقة الوطنية في الخصومات البينية، وإلى تراجع مركزية فلسطين لحساب ولاءات أوسع، حتى غدت بعض الفصائل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءًا من منظومات إقليمية تتجاوز القضية الفلسطينية في أهدافها وحساباتها. وهنا ينبغي أن يكون النقد شاملًا: فلا يصح أن تُحمَّل مدرسة فكرية واحدة وحدها مسؤولية الفشل، بينما تُعفى بقية القوى من مساءلة خياراتها وتحالفاتها وأخطائها.

من الهزائم العسكرية إلى أزمة المشروع

ويعرض الكتاب سلسلة من المحطات التي يرى أنها تكشف إخفاق الأنظمة العلمانية في إدارة الصراع، وما صاحبها من انتصارات خطابية لم تصمد أمام الاختبار العملي. غير أن الدرس الأعمق الذي تكشفه التجربة لا يتصل فقط بعلمانية النظام أو إسلاميته، وإنما بطبيعة المشروع السياسي نفسه: هل يمتلك رؤية مستقلة؟ وهل يملك مؤسسات قادرة على تحويل المقاومة إلى مشروع متكامل؟ وهل يوازن بين ضرورات السياسة ومتطلبات التحرر دون أن تتحول السياسة إلى غاية تبتلع أصل القضية؟

لقد أثبت التاريخ أن الشعارات، مهما علت، لا تصنع انتصارًا بذاتها، وأن رفع راية التحرير لا يكفي إذا كان القرار مرتهنًا، والبنية السياسية منقسمة، والاستراتيجية متذبذبة، والعلاقات الخارجية تتحكم في سقف المواقف. كما أن الهزيمة لا تُفسَّر دائمًا بضعف السلاح وحده؛ فقد تكون نتيجة لغياب الرؤية، أو اضطراب الأولويات، أو صراع القيادات، أو الارتهان لمحاور خارجية، أو تحويل القضية إلى أداة في صراعات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الفلسطينية.

ومن هنا فإن نقد تجربة الستين عامًا لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة أيديولوجية مغلقة، بقدر ما ينبغي أن يكون محاكمة للممارسة السياسية. فالحركات التي رفعت لواء القومية مطالبة بمراجعة حدود القومية حين تتحول إلى عصبية حزبية، والتيارات اليسارية مطالبة بمراجعة ارتهانها لبعض النماذج الخارجية، والتيارات الإسلامية مطالبة بمراجعة تجربتها حين تتغلب الحزبية على المصلحة الوطنية، والقوى الليبرالية مطالبة بإثبات أن الانفتاح على العالم لا يعني الارتهان لإرادة القوى الكبرى. أما الفصائل جميعًا، فعليها أن تجيب عن السؤال الأصعب: هل كانت فلسطين هي البوصلة، أم أن فلسطين تحولت أحيانًا إلى جزء من أجندات أوسع؟

«الطائفة المنصورة» بين الرؤية الدينية والواقع الفلسطيني

وفي القسم الذي يتناول «طلائع الطائفة المنصورة في مواجهة طلائع الدجال» ينتقل المؤلف من التحليل التاريخي والسياسي إلى إطار ديني يستند فيه إلى الأحاديث الواردة في بقاء طائفة من الأمة على الحق، وإلى الروايات التي تربط وجودها ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس. ويجعل من هذه النصوص أساسًا لرؤية ترى في المقاومة الفلسطينية والشامية مقدمات لهذه الطائفة، مع التأكيد على أن المقصود ليس الجزم بتعيين جماعة بعينها، وإنما استحضار الصفات الشرعية التي ينبغي أن تتوافر فيمن يتصدى لحمل أعباء التحرير.

ويحدد المؤلف جملة من الخصائص التي يرى أنها أساس هذا الطريق؛ في مقدمتها الاستمساك بالحق، والقيام به، والدفاع عنه، والظهور بالحجة والبيان، والمصابرة عليه، والبقاء ثابتين في وجه المحن. وهذه الصفات، من حيث أصلها الأخلاقي والديني، تتجاوز التنظيمات والأسماء والشعارات؛ فهي ليست ملكًا لفصيل بعينه، ولا حكرًا على جماعة دون أخرى، بل هي معايير تقاس بها الجماعات والأفراد بقدر التزامهم بالعدل والإخلاص والاستقامة وتحمل المسؤولية.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين النص الديني بوصفه معيارًا قيميًا، وبين توظيفه لتزكية تنظيم سياسي بعينه. فادعاء تمثيل «الطائفة المنصورة» ليس أمرًا يسوغ إطلاقه بلا ضوابط، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لمنح فصيل سياسي أو عسكري حصانة نقدية أو قداسة تنظيمية. إن معيار الحق لا يكون بالاسم، ولا بكثرة الأتباع، ولا بوفرة السلاح، ولا بمجرد القدرة على الصمود، وإنما بما يجتمع في العمل من إخلاص وعدل واستقامة ومسؤولية وشورى وصيانة للدماء والحقوق، مع بقاء الاجتهاد البشري عرضةً للنقد والمراجعة.

اختلاف الرايات.. واستنزاف القضية

ومن أكثر القضايا إلحاحًا في التجربة الفلسطينية قضية اختلاف الرايات والزعامات والمناهج. فالمشكلة لم تكن دائمًا في تعدد الاجتهادات؛ إذ إن التعدد السياسي في ذاته يمكن أن يكون مصدر ثراء وقوة إذا أُدير في إطار وطني جامع. وإنما الخطر حين تتحول التعددية إلى انقسام وجودي، ويصبح كل فصيل ممثلًا وحيدًا للحقيقة، ويُنظر إلى الآخر بوصفه خصمًا ينبغي إقصاؤه بدل أن يكون شريكًا في مشروع التحرر.

لقد دفعت فلسطين ثمنًا ثقيلًا لهذا الانقسام؛ فبدل أن تتكامل القوى السياسية والعسكرية في استراتيجية وطنية واحدة، كثيرًا ما تنازعت على الشرعية، وتنافست على النفوذ، وتصارعت على تعريف «المقاومة» و«الشرعية» و«الواقعية» و«الثوابت». وفي لحظات عديدة لم يكن الاحتلال هو المستفيد الوحيد من هذا التمزق، بل استفادت منه أيضًا القوى الإقليمية التي وجدت في الانقسام الفلسطيني مجالًا لتوسيع نفوذها وتوظيف بعض الفصائل ضمن صراعاتها.

إن أخطر أشكال التبعية ليست أن يتلقى الفصيل دعمًا من الخارج فحسب؛ فالسياسة الدولية قائمة على المصالح والتعاون والتحالفات، وإنما أن يتحول الدعم إلى تبعية، والتحالف إلى وصاية، والصداقة إلى ولاء، والتمويل إلى حق في تحديد القرار الوطني. وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، تصبح القضية معرضة لأن تُستخدم في معارك لا علاقة لها مباشرة بتحرير الأرض، وقد يجد الفلسطيني نفسه يدفع ثمن صراع إقليمي لا يملك قرار إشعاله ولا إيقافه.

بين الشرق والغرب.. استقلال القرار أولًا

لقد أخفقت تجارب فلسطينية وعربية متعددة في بناء استراتيجية تحرر مستقلة لأنها بحثت، في أوقات مختلفة، عن «المخلّص الخارجي»: مرة في العواصم العربية، ومرة في المعسكر الشرقي، ومرة في القوى الغربية، ومرة في الإقليم. ولم تكن المشكلة في الاستعانة بالآخر، وإنما في الاعتقاد أن الخارج يمكن أن يحمل عن الفلسطينيين عبء مشروعهم التاريخي.

إن القوى الكبرى لا تتحرك في السياسة بدافع العاطفة، وإنما وفق مصالحها وحساباتها. ولذلك فإن الدولة التي تقدم الدعم اليوم قد تفاوض على القضية غدًا، والحليف الذي يرفع شعار التضامن قد يجعل القضية ورقة في مواجهة خصومه. أما المشروع الوطني الذي لا يمتلك قراره، فإنه يصبح تابعًا لتحولات السياسة الدولية. ولهذا فإن الاستقلال السياسي لا يعني العزلة، وإنما يعني أن تكون العلاقات الخارجية أدوات في خدمة المشروع الوطني، لا أن يكون المشروع الوطني أداة في خدمة العلاقات الخارجية.

ومن هنا ينبغي إعادة النظر في مفهوم «التحالف» نفسه. فالتحالف الناجح هو الذي يوسع هامش الحركة ولا يصادر القرار، ويمنح القضية قوة إضافية ولا يجعلها رهينة لمصلحة الطرف الآخر. أما الارتهان، أيًّا كان مصدره، فيظل ارتهانًا؛ فلا يصبح مقبولًا لمجرد أن صاحبه يرفع شعارات صديقة لفلسطين، ولا يصبح وطنيًا لمجرد أنه يأتي من عاصمة عربية أو إسلامية.

ما بعد ستين عامًا: نحو مشروع وطني جامع

إذا كان الكتاب ينتهي بالدعوة إلى استعادة المرجعية الإسلامية بوصفها الإطار الذي يراه المؤلف قادرًا على إعادة بناء المشروع التحرري، فإن الاستفادة من هذه الدعوة تقتضي توسيع النقاش من مجرد استبدال مرجعية بأخرى إلى البحث عن مشروع وطني قادر على جمع الفلسطينيين حول الغاية الكبرى: تحرير الأرض وصيانة الإنسان وحماية القرار الوطني.

فالمرجعية الإسلامية، في التصور الذي يطرحه المؤلف، ليست مجرد شعار تعبوي، بل منظومة من القيم التي تجعل العدل والشورى والأمانة وحرمة الدماء والمصلحة العامة جزءًا من العمل السياسي. غير أن نجاح أي مشروع ديني أو وطني يظل مرهونًا بقدرته على تحويل المبادئ إلى مؤسسات، والشعارات إلى سياسات، والمقاومة إلى استراتيجية، والوحدة إلى ممارسة. كما أن المرجعية الإسلامية نفسها لا ينبغي أن تتحول إلى أداة حزبية تحتكر الحديث باسم الدين أو تختزل الإسلام في تنظيم سياسي بعينه.

إن فلسطين بحاجة إلى تجاوز ثنائية «العلماني ضد الإسلامي» إذا كان المقصود منها إعادة إنتاج الانقسام نفسه بأسماء جديدة. فالمعيار الأجدر هو: من الذي يحافظ على استقلال القرار الفلسطيني؟ من الذي يضع المصلحة الوطنية فوق مصلحة الحزب والمحور؟ من الذي يقاوم الاحتلال دون أن يجعل الفلسطينيين وقودًا لصراعات الآخرين؟ من الذي يستطيع بناء مؤسسات رشيدة، وصيانة المجتمع، وإدارة الخلاف، وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية حقيقية؟

وهذه الأسئلة لا تعفي التيار العلماني من مسؤوليته التاريخية، ولا تعفي التيار الإسلامي من مسؤولياته الراهنة، ولا تعفي الفصائل الأخرى من أخطائها. بل تجعل الجميع أمام مرآة واحدة: مرآة التجربة الفلسطينية نفسها.

لا تحرير بلا استقلال

إن ستون عامًا من الصراع تكفي لإثبات أن القضية الفلسطينية لم تكن تفتقر إلى التضحيات، ولا إلى الخطب، ولا إلى الشعارات، ولا إلى القوى التي حملت السلاح، وإنما عانت طويلًا من غياب المشروع الوطني الجامع المستقل. فحين تتعدد الولاءات، تتشظى البوصلة؛ وحين يصبح الفصيل أهم من الوطن، يصبح الوطن ضحية؛ وحين تتحول فلسطين إلى ورقة في صراع المحاور، يتراجع التحرير من غاية مركزية إلى وظيفة في أجندات الآخرين.

ولذلك فإن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من التجربة ليس أن فصيلًا واحدًا أخطأ وأن فصيلًا آخر امتلك الحقيقة كاملة، بل أن كل قوة فلسطينية مطالبة بمراجعة ذاتها قبل مراجعة خصومها. فالاحتلال يستفيد من الانقسام، والإقليم يستفيد من التبعية، والقوى الكبرى تستفيد من هشاشة القرار، أما فلسطين فلا تستفيد إلا من مشروع يضعها فوق الأشخاص والتنظيمات والمحاور.

وإذا كان للمقاومة أن تستمر، وللتحرير أن يتحول من حلم إلى مشروع، فلا بد أن تتحرر القضية أولًا من أسر الولاءات المتعددة: لا للشرق حين يريد أن يشتري القرار، ولا للغرب حين يريد أن يفرض شروطه، ولا للإقليم حين يجعل فلسطين جزءًا من معاركه الخاصة. نعم للتعاون والتحالف والدعم، ولكن بشرط واحد لا ينبغي التفريط فيه: أن يبقى القرار فلسطينيًا، وأن تبقى البوصلة فلسطينية، وأن يكون كل تحالف خادمًا للحق الوطني لا بديلًا عنه.

فليس المطلوب بعد ستين عامًا مجرد تغيير الشعارات، وإنما تغيير طريقة التفكير؛ من التبعية إلى الاستقلال، ومن التشرذم إلى الوحدة، ومن صراع الفصائل إلى تكامل الطاقات، ومن انتظار خلاص يأتي من الخارج إلى بناء قدرة وطنية تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه. وعندها فقط يمكن أن تتحول الذاكرة الثقيلة للهزائم إلى خبرة، والتضحيات المتراكمة إلى قوة، وفلسطين من ساحة تتنازعها المشاريع إلى مشروع تحرري مستقل يملك قراره، ويحفظ تعدده، ويجمع أبناءه على أصل القضية: الأرض والإنسان والحرية والكرامة.




عقدك النفسية سجنك الأبدي د. يوسف حسني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

عقدك النفسية سجنك الأبدي

د. يوسف حسني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: يدور هذا الكتاب على فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم سلوكه وعلاقاته فهمًا حقيقيًا ما لم يلتفت إلى ما يختبئ وراءها من دوافع وتجارب وعقد نفسية. ومن الضروري، لذلك، أن يتعرف كل واحد منا على سلوكياته ومواقفه التي قد تكون مرتبطة بعقدة من العقد التي يناقشها الكتاب؛ كعقدة الحب، أو الجنس، أو الذكورية، أو الخضوع، أو الأنوثة، أو العنوسة، أو الطفل، وغيرها. ولا يختص ذلك بالرجل وحده أو المرأة وحداه، بل يشمل الجنسين معاً، فكل إنسان قد يحمل في داخله أنماطًا نفسية أو سلوكية تحتاج إلى الفهم والمراجعة.

والغاية من هذا الوعي ليست تصنيف أنفسنا أو إصدار الأحكام عليها، وإنما اكتشاف موطن الخلل في داخلنا والعمل على إصلاحه. فوجود عقدة أو نمط سلوكي مضطرب في جانب من جوانب الشخصية قد يكون مؤشرًا إلى حاجة الإنسان إلى مزيد من الوعي والنضج في ذلك الجانب، لا حكمًا نهائيًا على شخصيته كلها. وكلما استطاع الإنسان أن يرى دوافعه بصدق، ويفهم جذور سلوكه، أصبح أقدر على تجاوزها وبناء علاقة أكثر اتزانًا مع نفسه ومع الآخرين.

ومع ذلك، فمن المهم التنبيه إلى أن الحالات والعقد التي يذكرها الكتاب إنما تُطرح بوصفها نماذج تحليلية واحتمالات تفسيرية، وليست أحكامًا مطلقة تنطبق على كل إنسان. فالإنسان كائن بالغ التعقيد، تتداخل في تكوينه العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والتجارب الشخصية، وقد يتشابه السلوك بين شخصين بينما تختلف دوافعه وجذوره اختلافًا كبيرًا. ولذلك لا يمكن الجزم بسهولة بأن سلوكًا معينًا يدل بالضرورة على عقدة نفسية بعينها، كما لا يمكن الوصول دائمًا إلى الدافع الحقيقي وراء السلوك من خلال ملاحظته وحدها. ففهم النفس يحتاج إلى التروي، والنظر في السياق، ومراجعة التجربة الشخصية، وتجنب التفسيرات الجاهزة أو إسقاط نموذج واحد على جميع الناس. ومن ثم، فهذه النماذج ليست قوالب نهائية للإنسان، وإنما أدوات للتأمل والفهم وطرح الأسئلة، تحتمل الصواب والخطأ، وتحتاج إلى قدر من الحذر والنقد عند تطبيقها على الواقع.

أما تعريف العقد النفسية؛ فهي ببساطة: أنماط أو مشاعر أو أفكار متجذّرة في النفس، تنشأ غالبًا من تجارب مؤثرة أو صراعات داخلية، ثم تستمر في التأثير في طريقة الإنسان في التفكير والشعور والتصرف، حتى بعد انتهاء التجربة التي ساهمت في تكوينها. 

وقد تظهر هذه العقد في صور متعددة، نذكر منها على سبيل المثال:

  • عقدة النقص: شعور مستمر بعدم الكفاية أو الدونية، ومحاولة تعويضه بإثبات الذات.

  • عقدة الرفض: حساسية شديدة تجاه التجاهل أو النقد، والخوف من أن يتخلى الآخرون عن الشخص.

  • عقدة التقبل: ربط قيمة الإنسان بمدى إعجاب الآخرين به وقبولهم له.

  • عقدة الشكل: الانشغال المفرط بالمظهر ومقارنته بصورة مثالية أو بصورة الآخرين.

  • عقدة الحب: الاعتقاد بأن قيمة الإنسان أو اكتماله متوقفان على وجود علاقة عاطفية.

  • عقدة الخضوع: صعوبة التعبير عن الرأي أو الدفاع عن الحقوق خوفًا من الصدام أو فقدان الآخرين.

  • عقدة السيطرة: الحاجة المستمرة إلى التحكم في الآخرين أو في تفاصيل الحياة لتجنب الشعور بالعجز.

  • عقدة الذنب: شعور مفرط بالمسؤولية واللوم حتى في الأمور التي لا يتحمل الشخص مسؤوليتها كاملة.

  • عقدة النجاح: ربط قيمة الذات بالإنجاز والمكانة، بحيث يشعر الإنسان بأنه لا يساوي شيئًا إذا أخفق.

  • عقدة الفشل: الخوف من المحاولة أصلًا خشية الوقوع في الخطأ أو انكشاف عدم الكفاءة.

من التجربة الشخصية إلى فكرة الكتاب

وتكتسب فكرة هذا الكتاب طابعًا خاصًا؛ لأن المؤلف لا يقدم الحالات النفسية من موقع المراقب الخارجي فحسب، وإنما ينطلق كذلك من تجربة شخصية قادته إلى إعادة اكتشاف ذاته. ففي طفولته، كان همه الوحيد إسعاد أمه وأبيه. كان طفلًا حساسًا هادئًا، جعلته حماية أمه المفرطة يخاف التجارب، بينما جعل عمل أبيه المرهق حضوره محدودًا. وكان يفكر دائمًا في كيفية الحصول على رضاهما، حتى وجد أن أعظم أمنياتهما أن يصبح طبيبًا يفخران به.

انغمس في الدراسة ونسي نفسه فيها، وصار حلم أن يكون الأول هو المحرك الأساسي لحياته. لكنه، من حيث لا يدري، وصل وهو في السنة الخامسة في كلية الطب، وبعد صدمة نفسية وحادث مؤسف، إلى لحظة بدأ فيها يتساءل عن كل شيء. وجد نفسه أمام شخص يسميه «أنا»، لكنه لا يعرفه. بدأ يسترجع طفولته وكيف تمت تنشئته، ويتساءل بألم وحرقة: على أي منعطف في هذا الطريق الوعر خسر نفسه؟

استعاد المؤلف فضوله كطفل، وكيف خسره من خلال تلقينه موروثات فكرية لا تمت إليه بصلة. فالبيت والمدرسة هما العالم المصغر للطفل، ومنهما يستشف رؤيته للواقع والحياة. لكنه ما زال يتذكر كيف كان، حين تعرض للتنمر في طفولته، لا يستطيع الرد خوفًا من خلق المشكلات؛ فقد كانت أمه تحرص على الشكوى إلى المدير ولا تسمح له بالدفاع عن نفسه. ولا ينسى المرات التي ضربه فيها أبوه لأخطاء لا يعتبرها ذات قيمة، لأنه كان يعتقد أن هذه هي الطريقة التي يُصنع بها الرجل. تركت تلك الضربات أثرًا جعلته لا يعرف كيف يواجه أحدًا.

وهكذا تحول إرضاء الأم والأب تدريجيًا إلى إرضاء للمجتمع على حساب الذات. وظلت كلمات مثل: عيب، خطأ، ممنوع، لا يجوز، وماذا سيقول عنا الناس؟ ترن في أذنه باستمرار. حافظ على الدراسة، بل أصبح مهووسًا بها، وصارت مصدرًا يستمد منه قيمته الذاتية. ولم يتساءل يومًا عن معتقداته الخاصة، ولم يفحص عادات مجتمعه وتقاليده، ولم يعرف نداء ذاته الحقيقية وشغفه في الحياة، ولم يتعلم كيفية صناعة علاقات اجتماعية صلبة أو تأسيس أسرة حقيقية.

عاطفيًا، كان يعيش في عالم وردي، بانتظار الحسناء التي ستحبه بلا شروط. كان إلى تلك الفترة طفلًا ساذجًا يحمل عقلًا مكبلًا بالعقد النفسية. انعزل في غرفته، وكان يبكي بغصة قبل النوم، وفقد اكتراثه بكل شيء.

ثم عرف الفرق بين الكآبة والاكتئاب، وعرف كم هي مرعبة نوبات الهلع، وكيف يمكن للوسواس القهري الفكري أن يشتت الإنسان بالتوافه، وكيف للقلق العام أن تكون له أنياب تمتص رحيق الأيام. وعرف مقدار الألم الذي يستشعره من يُتخلى عنه عاطفيًا، والإحساس الذي ينتاب الإنسان حين يحاول إثبات نفسه لكل عابر، وكيف يستمد قيمته من أعين الناس وتصفيقهم، وكيف يبحث عن الانتماء إلى أي جماعة فقط ليشعر بالتقبل.

وعرف أيضًا اللحظات التي يدرك فيها الإنسان يقينًا أنه لا يبحث عن الحب بقدر بحثه عن التقبل؛ حين يكذب فقط ليجمل صورته أمام الآخرين، ثم يأتي يوم يجد فيه صديقًا كان منبهرًا به فينْعته بالكاذب. عندها يشعر بسخافته، وضيق نظرته، وضياعه الداخلي.

وحين نظر إلى المجتمع، وجد تشوهات خفية تعد ولا تحصى، ولا يكترث لها أحد: الإساءات التي يتعرض لها الطفل، وانخفاض الوعي، وغياب التعليم الذي يهيئ الإنسان للحياة. فلم يُعطَ له درس واحد في المدرسة عن أساسيات النضج في الحياة: كيف يتساءل ويكشف ما يعتقد به من خلال تجربته الذاتية؟ ما أساسيات العلاقات الإنسانية السوية غير المبنية على الموروث من الأعراف؟ ما الذي يحتاج إلى معرفته عن الجنس؟ كيف يعرف شغفه ويكون واقعيًا في الوصول إليه؟ كيف يعمل عقله اللاواعي؟ وكيف يفكك عقده ويسحق مخاوفه؟ وكيف يكون مسؤولًا ماديًا؟ وكيف يصنع عادات ونمط حياة يمثلانه؟

ومن هنا جاءت المفارقة التي يلخص بها المؤلف تلك المرحلة من حياته:

«تخرجت من كلية الطب، الأول من حيث الترتيب، والأخير في معرفة نفسي.»

رحلة المؤلف في مواجهة الذات والبحث عن إجابات

عندها قرر أن يتغير كل شيء. كان يقاسي في هذه الفترة وهو يكتشف عقده، وعرف أن لا أحد يحس أو يؤمن أو يقدر أو يتحمل أو يكترث بأحد، إلا ما ندر. وأدرك أن مواجهة الذات هي أصعب رحلة يخوضها الإنسان.

كتب أحد أصدقائه الأطباء تحت صورته يوم التخرج: «أين العظمة في القيام بما قام به الآخرون قبلك؟». وحين قرأها، أدرك أنه لا يريد أن يكون طبيبًا عاديًا يحفظ ما توصل إليه الآخرون ثم يعيد قوله. وتذكر مقولة الأديب الروسي دوستويفسكي: «قليلون أولئك الذين ينتجون لأنفسهم فكرة».

وحين لجأ إلى ما يُدعى علاجًا نفسيًا، لم يعجبه ما واجهه؛ فالاستشاري في الطب النفسي كان ينصح بالدواء، بينما كان هو يرفض الدواء جملة وتفصيلًا. وهو لا يرى عيبًا في الطبيب، لكن الطريقة الدوائية لم تكن مقنعة له، رغم أنه يعرف اليوم أن الدواء قد يكون معينًا على شفاء الإنسان، بل قد يكون ضرورة في بعض الحالات.

ومن ثم توجه إلى أفضل من يقدم العلاج النفسي في الوطن العربي، لكنه صُدم من سطحية التوجه العلاجي. واعتقد، للأسف، أنه لا توجد حلول حقيقية، وأن عليه أن يبحث عن الشفرة بنفسه. ومن هنا أبحر في الجانب التحليلي، ووصل إلى نتائجه الخاصة، وعرف المرشدين المناسبين، وسلك الطريق الأقل ارتيادًا.

وهنا توصل إلى قناعة أساسية: أن وعي الإنسان وإدراكه ونضجه ليس لها بالضرورة علاقة بالشهادات الأكاديمية، وإنما بعمق تجربة الإنسان وخبراته وصراعه الشخصي في البحث عن ذاته، وأن التجربة الذاتية يجب ألا تُهمَل. ولذلك تراه ينقل هذه العبارة: (الشهادة ورقة تُثبت أنك متعلم، ولكنها لا تثبت أنك تفهم) =ماثيو ماكونهي.

ومن هذه التجربة الشخصية انتقل الكتاب إلى تجربة أوسع؛ إذ اختار المؤلف خمس عشرة حالة طبية ونفسية وعاطفية واقعية، ويذكر أن إعداد هذه الحالات اقتضى منه المرور على ما لا يقل عن عشرين ألف حالة من أرض الواقع، خلف أبواب العيادة.

الكتاب والعقد النفسية عند الرجل والمرأة

في هذا الإطار يتناول الكتاب ما قد يعتري الإنسان من عقد وإشكالات نفسية تنعكس على رؤيته لذاته، وعلى علاقاته العاطفية والأسرية، وعلى اختياراته وسلوكياته. ومن بين ما يتناوله: عقدة الحب، والجنس، والذكورية، والخضوع، والأنوثة، والقرار، والشك، والثقافة، والشكل، والطفل، والعنوسة وغيرها من العقد والقضايا التي قد تتحول، حين تتضخم أو تُفهم بصورة مختلة، إلى مصادر اضطراب في حياة الإنسان وعلاقاته.

ويولي الكتاب مساحة ملحوظة للقضايا التي قد تتصل بالمرأة، وما يمكن أن يعتريها من عقد وإشكالات نفسية تنعكس على رؤيتها لذاتها وعلاقاتها العاطفية والأسرية. غير أن تناول هذه القضايا يحتاج إلى قدر من التوازن؛ فلا ينبغي أن تتحول معالجة المشكلات النفسية والاجتماعية إلى نزع للخصائص الفطرية أو الأدوار الأسرية، كما لا ينبغي في المقابل أن تتحول الدعوة إلى الأنوثة والأمومة والاستقرار الأسري إلى إنكار لمعاناة المرأة أو تجاهل للعقد النفسية التي قد تؤثر في حياتها.

ويبدو أن الإشكال، في بعض مواضع الكتاب، يتجاوز مجرد عرض العقد النفسية إلى الإطار الفكري الذي تُطرح من خلاله بعض المفاهيم؛ إذ قد يقود ما يظهر من حياد في تناول مفاهيم مثل التقبل، والحرية الشخصية، والجندر، والنوع الجنسي، والـ«بلاسيبو»، والعقل اللاواعي، والنرجسية، والسيكوباتية، والشخصية المعادية للمجتمع، والعنوسة، وصراع الأنوثة، إلى قدر من التضليل الاجتماعي إذا أُخذت بعض هذه التصورات دون نقد أو توازن.

ويظهر ذلك بصورة أوضح حين تُطرح بعض القضايا المتعلقة بالمرأة بعيدًا عن توازنها الأسري والأخلاقي، بما قد يؤدي إلى إعادة تعريف الأنوثة والأمومة والطاعة والعاطفة باعتبارها قيودًا ينبغي التحرر منها، وتصوير العلاقة بين الرجل والمرأة في صورة صراع ندية مستمر، الأمر الذي قد يسهم، إذا أُخذت هذه التصورات على إطلاقها، في تعميق الاضطراب الأسري بدل معالجته.

ومن هنا فإن قيمة هذا النقاش لا تكون في قبول هذه التصورات جميعًا، وإنما في اختبارها ومناقشتها، والتمييز بين معالجة العقد النفسية الحقيقية وبين إعادة صياغة القيم والعلاقات الإنسانية وفق تصورات أيديولوجية أو ثقافية مسبقة، بحيث تبقى صحة الإنسان النفسية، واستقرار الأسرة، والعلاقة السوية بين الرجل والمرأة، هي الغاية.

حين تتحول الصورة الاجتماعية إلى سجن

ومن الأمثلة التي يطرحها الكتاب على الفجوة بين الصورة الاجتماعية والحقيقة النفسية قضية الزواج؛ فكثير من النساء يحافظن على أسمائهن بعد الزواج، رغبةً في الظهور بصورة مستقرة وسوية أمام المجتمع، ولذلك لا ينبغي أن يكون طول مدة الزواج معيارًا وحيدًا للحكم على نجاحه. فكم من زيجات تستمر سنوات طويلة، لكنها لا تعدو أن تكون صورة اجتماعية ترضي ضغط المجتمع، أو تحقق وهم الاستقرار الظاهري المتمثل في وجود منزل وزوج وطفل، دون أن يتحقق بالضرورة الاستقرار النفسي أو الروحي أو العاطفي الحقيقي.

والمؤلم أننا نعيش في عالم قد تتحول فيه العقد النفسية إلى حاكم خفي يوجه كثيرًا من اختيارات الإنسان وعلاقاته، فينشغل بالمظهر عن الجوهر، وبإرضاء نظرة الآخرين عن فهم ذاته واحتياجاته الحقيقية. وحين تصبح الصورة الاجتماعية أهم من الحقيقة الإنسانية، يجد الإنسان نفسه غريبًا بين أشخاص يعيشون وفق ما يُتوقع منهم، لا وفق ما يؤمنون به ويشعرون به حقًا؛ فيغدو الإنسان الصادق مع ذاته كأنه يعيش في غربة بين أشباه البشر.

وهنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: أن الإنسان قد يعيش سنوات طويلة داخل صورة صنعها له الآخرون، ثم يكتشف أنه لم يكن يعيش حياته هو، وإنما حياة صُممت له منذ طفولته.

بين الواقع النفسي والتفسير الجاهز

لا يقتصر الكتاب على العقد المرتبطة بالعلاقات والأسرة، بل يتطرق إلى بعض الظواهر التي قد تُفسَّر تفسيرًا غير دقيق، ومنها ما يتعلق بالشعوذة والسحر. فالشعوذة أصبحت، بحسب طرح الكتاب، تجارة مدرة للأموال، وقد يعمد بعض ممارسيها إلى ربط ما يقولونه بمفاهيم تتصل بثقافة الشخص، وإقناعه بظواهر ستحدث له، ثم تحدث بالفعل في بعض الأحيان تحت تأثير التوقع والإيحاء.

ويشير الكتاب هنا إلى مفهوم البلاسيبو (Placebo) وإلى أثر الاعتقاد والتوقع في التجربة النفسية والجسدية؛ فقد يقول شخص لآخر، مثلًا، إنه عندما يقرأ بعض الأدعية الدينية سيشعر بالدوار أو سيجد نفسه يرتجف، ثم تحدث هذه الأعراض بالفعل. ويرى الكتاب أن هذا قد يكون من صور التلاعب بالعقول واستثمار قوة العقل اللاواعي في تشكيل التجربة التي يعيشها الإنسان.

ويؤكد المؤلف أن المقصود من هذا الطرح ليس الجزم بأن السحر خرافة أو حقيقة، وإنما تقديم توضيحات ذات طابع تحليلي وعلمي لمن لا ينتبهون إلى أن بعض المشكلات التي تُسقط مباشرة على السحر قد تكون لها تفسيرات نفسية، وأن فهم آليات النفس البشرية قد يساعد على التمييز بين التجربة النفسية والتفسير الذي يُسقط عليها.

نوبة الهلع: حين يصبح الخوف من الخوف

ومن الحالات النفسية التي يتناولها الكتاب نوبة الهلع، وهي نوبة مفاجئة من الخوف الشديد أو القلق الحاد تستثير استجابات جسدية قوية، رغم عدم وجود خطر حقيقي أو سبب واضح يبرر هذا الخوف. وقد تكون النوبة مخيفة إلى درجة تجعل الشخص يعتقد أنه يفقد السيطرة، أو أنه يصاب بنوبة قلبية، أو أنه على وشك الموت.

وقد يمر كثير من الناس بنوبة هلع مرة أو مرتين خلال حياتهم ثم تنتهي المشكلة، خصوصًا إذا ارتبطت بظرف شديد التوتر. لكن عندما تتكرر النوبات بصورة مفاجئة وغير متوقعة، ويظل الشخص لفترات طويلة يعيش في خوف وترقب من حدوث نوبة جديدة، فقد يكون ذلك مؤشرًا على اضطراب الهلع.

وتبدأ النوبة غالبًا بصورة مفاجئة ودون إنذار واضح، وقد تحدث أثناء قيادة السيارة، أو خلال النوم، أو في مركز تجاري، أو وسط اجتماع عمل، أو حتى في مكان يشعر فيه الإنسان بالأمان. وقد تأتي على فترات متباعدة أو تتكرر بصورة أكثر انتظامًا. وعلى الرغم من أن نوبة الهلع نفسها لا تُعد عادةً مهددة للحياة، فإن شدتها الجسدية والنفسية قد تجعلها تجربة مرعبة، وقد تدفع الإنسان إلى تجنب الأماكن والمواقف التي يعتقد أنها قد تستثيرها، فيتحول الخوف من النوبة نفسها إلى قيد يضيق عليه حياته تدريجيًا.

أعراض نوبة الهلع

تختلف نوبات الهلع من شخص إلى آخر، وقد تتباين أعراضها في شدتها وطبيعتها، إلا أن الأعراض عادةً ما تبلغ ذروتها خلال دقائق، ثم تبدأ بالانحسار تدريجيًا. وقد يشعر الشخص بعد انتهاء النوبة بإرهاق شديد وإرهاق جسدي ونفسي.

ومن أبرز الأعراض التي قد تصاحبها:

  • خوف شديد من الموت أو الشعور بقربه.

  • تسارع ضربات القلب.

  • التعرق الشديد.

  • الارتعاش أو الاهتزاز.

  • ضيق التنفس أو الشعور بالاختناق أو ضيق الحلق.

  • الغثيان أو اضطراب المعدة.

  • تقلصات أو آلام في البطن.

  • ألم أو ضغط في الصدر.

  • الدوخة أو الدوار، وقد يصل الأمر إلى الشعور بالإغماء.

  • الخدر أو التنميل أو الإحساس بالوخز.

  • الشعور بالانفصال عن الواقع أو بأن ما يحدث حول الشخص غير حقيقي.

وقد تكون هذه الأعراض شديدة إلى درجة تجعل الشخص يفسرها تفسيرًا كارثيًا؛ فيعتقد أن تسارع قلبه دليل على أزمة قلبية، أو أن ضيق تنفسه يعني أنه سيموت اختناقًا، أو أن شعوره بالانفصال عن الواقع يعني أنه يفقد عقله. وهنا قد يدخل في دائرة الخوف من الأعراض نفسها؛ فكلما شعر بعلامة جسدية ازداد خوفه، وكلما ازداد خوفه اشتدت الاستجابة الجسدية، فتتفاقم النوبة.

تشويه صورة الجسم في عصر الفلاتر

ومن الظواهر الحديثة التي يطرحها الكتاب تشوه صورة الجسم المرتبط بسناب شات (Snapchat Dysmorphia)، وهو ما يرتبط برغبة بعض الأشخاص في إجراء عمليات تجميلية بهدف الوصول إلى الشكل الذي يظهره «الفلتر» المستخدم في تطبيق سناب شات.

وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لتضخيم القلق المتعلق بالمظهر؛ إذ قد يلجأ بعض الأشخاص إلى تجربة أكثر من فلتر، ويجدون صعوبة في نشر صورهم دون تعديل، ولا يشعرون بالارتياح تجاه الظهور على طبيعتهم، بل يسعون إلى اختيار ملامح أو زوايا أو وضعيات معينة تجعل صورتهم أكثر توافقًا مع الصورة التي يرغبون في تقديمها للآخرين.

ولا تكمن المشكلة في استخدام الفلاتر أو الاهتمام بالمظهر في حد ذاته، وإنما حين يتحول الأمر إلى هوس يعيق تقبل الإنسان لشكله الطبيعي، أو حين تصبح الصورة الرقمية المعدلة معيارًا يقيس به الشخص جماله وقيمته ومظهره الواقعي. عندها تنشأ فجوة بين الصورة التي يراها الإنسان على الشاشة وبين صورته الحقيقية، فيبدأ برفض ملامحه الطبيعية والسعي إلى تغييرها باستمرار، وقد يصل الأمر إلى التفكير في إجراءات تجميلية للوصول إلى صورة لا وجود لها إلا في العالم الرقمي.

خاتمة من التشخيص إلى الوعي

وهكذا يتضح أن الكتاب لا يدور حول قائمة من العقد والحالات النفسية بقدر ما يحاول أن يضع القارئ أمام سؤال أعمق: كم من سلوك نمارسه لأننا اخترناه فعلًا، وكم منه هو مجرد استجابة لعقدة أو خوف أو احتياج قديم لم ننتبه إليه؟

فالغاية من التعرف إلى عقدة الحب أو الجنس أو الذكورية أو الخضوع أو الأنوثة أو العنوسة أو الطفل، وغيرها، ليست أن يضع الإنسان نفسه في خانة نفسية جاهزة، وإنما أن يتعلم مراقبة سلوكه وفهم دوافعه. وقد تكون هذه النماذج مفتاحًا لاكتشاف موطن خلل يحتاج إلى النضج والمعالجة، لكنها لا تمثل حقائق مطلقة عن الإنسان، ولا تغني عن النظر في خصوصية كل تجربة وتعقيدها.

ومن هنا يمكن قراءة عنوان الكتاب «عقدك النفسية سجنك الأبدي» بوصفه دعوة إلى اكتشاف السجن قبل محاولة الخروج منه؛ فالإنسان الذي لا يعرف ما الذي يحركه قد يظل أسيرًا لعقده وهو يظن أنه حر، أما الوعي بالذات، مع ما يصاحبه من نقد ومراجعة واستعداد للاعتراف بالخلل، فيفتح الباب أمام إمكانية التغيير.

«أن تخسر شخصًا بالموت أقل إيلامًا من أن تخسره بسبب انعدام الثقة؛ فالموت ينهي المستقبل فحسب، أما الخيانة فتقتل الماضي أيضًا.»
— يوهان دينيه



المنشقون تنقيب عن مفهوم الخوارج بين النص والتاريخ عبد الله بن صالح العجيري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المنشقون

تنقيب عن مفهوم الخوارج بين النص والتاريخ

عبد الله بن صالح العجيري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: من أكثر المفاهيم التي شابها الجدل قديمًا وحديثًا، مفهوم الخروج والخوارج؛ فقد تداخل في تحديده البعد العقدي بالفقهي، والتاريخي بالسياسي، والنظري بالواقعي، حتى غدا من المفاهيم التي يصعب تناولها بمعزل عن حمولة تاريخية كثيفة. وليس البحث فيه بحثًا تجريديًا تدور مسائله في بطون الكتب وحدها، بل إن وراء كثير من تجلياته ونتائجه وقائعَ مؤلمة، سالت فيها الدماء، وتحولت فيها الخلافات حول المفاهيم إلى مواقف وصراعات وأحكام.

ومن هنا يأتي هذا الكتاب «المنشقون» محاولةً لقراءة ظاهرة الخروج قراءةً تتجاوز أسر التصنيفات الموروثة، وتجمع بين أبعادها المعرفية والتاريخية والواقعية. وهو لا يقصد إلى إعادة إنتاج الصورة التي استقرت في مدونات الفرق، ولا إلى إسقاط المصطلح على كل ظاهرة مشابهة في كل زمان، وإنما يسعى إلى تفكيك المفهوم، وردّه إلى أصوله، وتمييز دلالاته المتعددة، واستنطاق الآثار النبوية والتحقيقات التاريخية التي مر بها؛ وصولًا إلى نظرٍ أهدأ وأدق، يحرر المفهوم من أثقال التوظيف والإسقاط، ويعيده إلى سياقه الذي يمكن معه فهمه وتمييزه والحكم عليه بقدر من الإنصاف والدقة.

وقد كان تاريخ الإسلام يقف أمام واحدة من أكثر لحظات الافتراق غرابةً وإثارةً للتساؤل؛ إذ كان كثيرًا ما يتساءل عن الظروف والملابسات التي أفضت إلى ولادة هذا التشكل العقدي العجيب (المُسمّى بالخوارج): كيف استطاعت طائفة تنتسب إلى الإسلام أن تتخذ موقفًا عقديًا بهذه الحدة والعداء من صحابة النبي ﷺ، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ صهر النبي ﷺ، ووالد ريحانتيه، ومن أوائل من أسلم من الغلمان؟ وكيف بلغ بهم الأمر أن يكون موقفهم منه صريحًا مكاشفًا حادًا، وهم يعاصرونه ويعرفون منزلته وسابقته؟

كيف استطاعت نفوسهم أن تمتلئ حقدًا على رجل تربى في بيت النبوة صغيرًا، وصحب النبي ﷺ طفلًا وشابًا، وتزوج ابنته، وكان أبًا لسبطيه، ثم غدا بعد ذلك رابع أربعة في الإسلام؟ لقد بلغ الأمر بهم حد الخروج عليه، ثم تكفيره، واستحلال دمه، ومقاتلته مع أصحابه، حتى انتهى بهم مسار السوء إلى قتله.

وبالطبع؛ فلم تكن ظاهرة الغلو في العصر الحديث حكرًا على تنظيم داعش، وإن كان قد مثّل في بعض تجاربه أكثر صورها دمويةً وفجاجةً؛ فقد ظهرت حركات وجماعات إسلامية متعددة، اختلفت في منطلقاتها ووسائلها ومواقفها من الدولة والمجتمع والعنف. 

فمنها حركات اشتغلت في بادئ أمرها بالدعوة والعمل الاجتماعي والسياسي، مثل الإخوان المسلمين، ومنها تجارب مرت بتحولات ومراجعات، مثل الجماعة الإسلامية في مصر، ومنها جماعات تبنت خطاب المفاصلة والتكفير، مثل جماعة التكفير والهجرة، ثم ظهرت جماعات جهادية مسلحة أكثر تنظيمًا، في مقدمتها تنظيم القاعدة، وصولًا إلى داعش الذي بلغ في تكفير المخالفين واستباحة الدماء والعنف المنظم مرحلة بالغة الخطورة. 

ومع ذلك، فليس من المنهج العلمي وضع هذه التجارب كلها في خانة واحدة؛ إذ تختلف اختلافًا كبيرًا في أفكارها ومناهجها ومواقفها، وإنما المقصود دراسة بعض المسارات التي ظهر فيها الغلو والتكفير، والكشف عن العوامل التي أفضت ببعض الجماعات إلى هذا المنحدر.

وتكتسب هذه النماذج أهميتها من أنها تكشف، بدرجات متفاوتة، عن مسارات يمكن أن ينتقل فيها الخطاب الديني من نقد الواقع إلى المفاصلة معه، ومن المفاصلة إلى تكفير المخالف، ثم إلى استحلال دمه عند بعض الجماعات. و

قد ظهر ذلك بوضوح في تجربة التكفير والهجرة، ثم في بعض التيارات الجهادية التي انتهت إلى العنف المسلح، وتطور بصورة أكثر تركيبًا في القاعدة، حتى بلغ ذروته في داعش، الذي جمع بين القراءة المتشددة للنصوص، واحتكار التفسير، والتوسع في التكفير، والعنف المنظم، واستهداف المسلمين وغيرهم. ومع ذلك، فإن المقارنة بين الخوارج الأوائل وهذه الجماعات الحديثة لا تعني التسوية التاريخية بينها.

ومن هنا فإن السؤال الذي يناقشه الكتاب ليس مجرد البحث عن «خوارج معاصرين»، وإنما الكشف عن المقدمات التي يمكن أن تحول الخلاف إلى إقصاء، والإقصاء إلى تكفير، والتكفير إلى عنف واستباحة للدماء. لا شك أن دراسة الخوارج الأوائل تتيح فحص هذه الآليات في جذورها الأولى، بينما تكشف تجارب التكفير والهجرة والقاعدة وداعش عن إمكان عودتها في سياقات حديثة وصور مختلفة.

وكلما أوغلت في مطالعة تفاصيل تلك السيرة المظلمة (للإرهاب الخارجي)، كانت الأسئلة تتزايد في نفسي وتتوالد؛ فقد كانت سيرة غريبة حقًا، سلسلةً من الجرائم والبشاعات، ومسلسلًا من الزيغ والانحرافات. أقدموا خلالها على أفعال كان العربي في جاهليته يستنكف عن مقاربتها، وهم ينتسبون إلى الإسلام أولًا، بل يزعمون المغالاة في تحقيق أمره وتطبيق أحكامه، إلى الحد الذي يحتقر المرء صلاته إلى جانب صلاتهم، وصيامه إلى جانب صيامهم، ويتخذون من حاكمية الله شعارًا وحجة.

خذ هذه اللقطة من مسلسل الإجرام الخارجي: أقبلوا على عبد الله بن خباب، فروعوه، ثم أمّنوه، ثم طلبوا منه أن يحدثهم، فحدثهم عن رسول الله ﷺ، ثم أخذوه فأضجعوه وذبحوه، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل أقبلوا على زوجه فذبحوها، ثم شقوا بطنها وهي حامل.

أليس الموقف هائلًا؟ أين كان الدين في تلك اللحظة؟ بل أين كانت مروءة العرب وشهامتها؟ وأين ذهبت أخلاقهم التي طالما حالت بينهم وبين مقارفة مثل هذه الأفعال المخزية؟ ألم يكن في تلك القيم رادعٌ لهم عن اقتراف مثل هذا الجرم؟

وهل توقف أمرهم عند هذا الحد؟ كلا. بل أقبلوا بعد ذلك على قرية من قرى المسلمين، فذبحوا أهلها من الرجال والنساء، ثم بلغ بهم الأمر أن غلوا الأطفال في القدور!

من يصدق أن هذا قد وقع فعلًا في تاريخ الأمة؟ وليس في مرحلة متأخرة من تاريخها، حين تضعف حدة التدين وتشيع مظاهر الانحراف، بل في حياة الصدر الأول، وعلى مقربة من زمن النبوة، وفي مجتمع كان لا يزال يتنفس آثارها.

كيف وقع هذا التحول الرهيب؟ وكيف حدث هذا الانقلاب الهائل في موازين التدين والقيم؟ وكيف أمكن أن ينحدر الأمر إلى هذه الحال، مع قرب العهد بالنبي ﷺ، والصحابة متوافرون، بل لا يزال جمع من أهل بدر، ومن العشرة المبشرين بالجنة، أحياء بين الناس؟

كان الأمر بالنسبة لنا لافتًا حقًا، باعثًا على استنفار الأسئلة، ودافعًا إلى التماس أجوبة عنها. وظل كثير من تلك التساؤلات معلقًا في ذهني، حتى عاد ليطفو على السطح من جديد مع موجة أعمال العنف الحديثة، التي تجاوزت في وحشيتها واستفزازها كثيرًا مما كنت قد قرأته في الكتب؛ فلم نعد نطالع أخبار الفظائع في صفحات التاريخ، بل صرنا نشاهدها بالصوت والصورة، ونرى مشاهد القتل المروعة رأي العين.

وكانت أشد اللحظات صدمة، أن تمتد هذه الوحشية إلى الأقربين: فهذا يقتل خاله، وذاك يقتل ابن عمه، وشقيقان يتعاونان على قتل أمهما العجوز! ثم ترى من هؤلاء من يدعو غيره من المغرر بهم إلى أن يبدأوا بقتل أقاربهم، زاعمًا أن الأقربين أولى بالمعروف! إي والله، هكذا قال.

أما تفننهم في الذبح والقتل والتعذيب، فذلك باب آخر من أبواب العجب؛ فمن إحراق ضحية في قفص، إلى إغراق مجموعة في بركة سباحة، إلى تفجير آخرين بالمتفجرات، تتوالى صور الوحشية في مشاهد يصعب على المرء أن يتصور أن الإنسان يمكن أن يبلغ فيها هذا المدى من التجرد عن الرحمة والفطرة.

وهنا يعود السؤال القديم نفسه، ولكن بصورة أشد إلحاحًا: ما الذي تمكن من عقول هؤلاء حتى نقلهم من حال إلى حال، وأوصل بهم الأمر إلى ما وصلوا إليه؟ وكيف استطاع التدين، في وعيهم، أن ينقلب من باعث على الرحمة والإصلاح إلى مبرر للقتل والتنكيل، ومن طريق للعبودية إلى مسوغ لاستباحة الإنسان؟

وقد أبدع الحافظ ابن كثير، رحمه الله، حين لخّص انطباعاته عن الخوارج في عبارة مكثفة نافذة، يقول فيها: «وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوّع خلقه كما أراد، وسبق في قدره ذلك». وهي عبارة تصدر عمّن خبر شأن الخوارج وأحوالهم، وعلم تفاصيل قصصهم وأخبارهم، وأحاط إحاطةً تامة بما ورد فيهم من الآثار والأحاديث، مع ما كان عليه من معرفة عقدية راسخة. ومن ثم فهي عبارة صادقة حين قالها، وظلت صادقة بعد أن قالها، ولا يزال الإنسان اليوم يتلمّس صدقها حين يقف على أحوال الخوارج وطرائق تفكيرهم ومواقفهم.

ولا بد هنا أن يبرز سؤالٌ منهجي هام، ولا زال هذا التساؤل يتردد أمامنا كلما تأملنا ظاهرة العنف والجماعات المسلحة. وهو سؤال لا يلبث أن يعود إلى الواجهة بين طلاب العلم وشيوخه، بل وفي المجال الاجتماعي العام، كلما ظهرت بادرة جديدة من تلك الجماعات، أو تصاعدت موجات العنف، وبرز معها ما يقع من تجاوزات خطيرة في مسائل التكفير والقتال.

هل هؤلاء الذين تجاوزوا في بابي التكفير والقتال يُعدّون من الخوارج؟ وكيف يستقيم وصفهم بذلك وهم لا يكفّرون مرتكب الكبيرة؟ فقد استقر في الوعي العقدي، قديمًا وحديثًا، أن من أبرز ما تُعرف به الخوارج قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة، حتى غدا هذا القول كأنه العلامة الفارقة التي يُستدل بها عليهم؛ فإذا ذُكر الخوارج حضر في الذهن تكفير مرتكب الكبيرة، وإذا ذُكر هذا القول انصرف الذهن إلى الخوارج. وهذا أمر ظاهر في كثير من كتب العقيدة ودروسها ومباحثها، قديمها وحديثها.

وهذا هو السؤال الذي يجعلنا مترددين حيال هؤلاء، متوقفين عند جوابهم، لا لخفاء أصل الإشكال، وإنما لإدراكي أن وراءه قدرًا من التعقيد المنهجي يستدعي إعادة النظر في معيار الانتساب إلى الخوارج، وفي حدود المفهوم ودلالاته، وفي مدى كفاية العلامة المشهورة وحدها للحكم على الظواهر والجماعات المعاصرة.

وزاد المشهد التباسًا، وألقى على السؤال مزيدًا من ظلال الحيرة، ما كان يتردد أحيانًا من دعاوى تجعل الخروج على السلطة السياسية أو النظام الشرعي هو الضابط الجامع لمفهوم الخوارج، الأمر الذي رأيناه واقعاً في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وبصورٍ كثيرة. 

غير أننا نستشعر منذ وقت مبكر فارقًا بيّنًا بين مفهوم البغاة ومفهوم الخوارج، ويبدو أن لهذين الأمرين (استباحة دماء المسلمين، والخروج على نظام الحكم) من المفاهيم والأحكام والاعتبارات التي لا يصح الخلط بينها. وهو معنى وجدناه متكررًا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان هذا الإدراك حائلًا دون الانجراف وراء تلك الدعوى أو التسليم بها. 

ومع ذلك، ظل سلطان المفهوم الشائع للخوارج ضاغطًا، وبقي السؤال مُلحّاً وبقوة: كيف يُقال فيمن هو بريء من تكفير مرتكب الكبيرة إنه من الخوارج؟

وظلت هذه الحيرة قائمة في كثير من أهل التحقيق من المعاصرين -منهم مؤلف الكتاب -يقول المؤلف: وظللت متحيراً في هذا السؤال حتى وقعت على مقال للصديق الشيخ ياسر المطرفي، سلّمه الله، بعنوان: «في معنى الخوارج: قراءة في التطور التاريخي لمسمى الخوارج». وكان المقال من ذلك الضرب من الكتابات التي لا تمر بالقارئ مرورًا عابرًا، بل تهزه هزًّا، وتوقظه من غفلة علمية ربما أقام فيها طويلًا؛ إذ يضع بين يديه معنى قد يبدو، بعد ظهوره، من أبده البديهيات، فلا يكاد يفرغ من قراءته حتى يقول في نفسه: كيف غاب عني هذا المعنى من قبل؟ وكيف مرّ بي كل هذه المدة دون أن أتنبه إليه؟

ويزداد الأمر إثارة حين يتبين للمرء أن طائفة من الأفكار التي بنى عليها تصوره، واستند فيها إلى الكتب والمرويات والاقتباسات، كانت حاضرة في محيط قراءاته العلمية، ومرت عليه في مصادر متعددة، وعلى امتداد زمني واسع؛ غير أن سطوة القول الشائع، وألفة بعض التقارير في الوعي العلمي، قد تحجب أحيانًا وجه الإشكال، وتمنع العقل من مساءلة ما ألفه وتكرر أمامه، حتى يستقر التقرير في النفس استقرار الحقيقة التي لا تحتاج إلى مراجعة.

وقد بدد ذلك المقال وهمًا ظل يثقل السؤال، وهو وهم ارتهان اسم الخوارج بضابط عقدي مخصوص، هو تكفير مرتكب الكبيرة؛ إذ كشف أن هذا الاسم المذموم أوسع من أن يُحبس في هذا القيد وحده، وأن دلالته التاريخية والواقعية امتدت لتشمل أنماطًا من الممارسات والسمات، متى اجتمعت في فصيل أو طائفة، صحّ النظر في وصفها بهذا الاسم، بحسب تحقق مناطاته وضوابطه.

وكان هذا المعنى باعثًا لي على إعادة النظر، ومشجعًا على الكتابة فيه، لا من باب إعادة إنتاج القول الشائع، ولا لمجرد الانتصار لرأي في مقابل رأي، وإنما رغبةً في تحرير المفهوم، وتتبع تشكلاته، وتأصيل دلالاته، والكشف عن بعض جوانبه التي غابت تحت وطأة التداول المألوف.

المشكلات المعرفية والسلوكية التي أوقعت الخوارج في هذه الانحرافات

بينت الشريعة الأسباب المُفْضِية للوقوع في هذا الانحراف العلمي والعملي، والبواعث المحركة صوبهما، والتي يمكن إرجاعها إجمالا إلى مركّبي (الجهل والهوى)

يقول القرطبي، رحمه الله، كاشفًا عن حالة الجهل المزرية عند الخوارج، والتي حملتهم على استباحة دماء المسلمين، بل وعلى اتهام الرسول ﷺ في عدله:

«وذلك أنهم لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كله من آثار عبادات الجهال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق. وكفى بذلك أن مقدَّمهم ردَّ على رسول الله ﷺ أمره، ونسبه إلى الجور، ولو تبصر لأبصر عن قرب أنه لا يتصور الظلم والجور في حق رسول الله ﷺ... ويكفيك من جهلهم، وغلوهم في بدعتهم، حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله ﷺ بصحة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة؛ كعلي، وغيره من صحابة رسول الله ﷺ، مع ما وقع في الشريعة وعُلم على القطع والثبات من شهادات الله ورسوله لهم، وثنائه على علي والصحابة عمومًا وخصوصًا».

والمثير للاستغراب فعلًا أن صلة الخوارج بكتاب الله تعالى كانت صلة عظيمة من جهة كثرة تلاوته والنظر فيه؛ لكنهم لم ينتفعوا من تلك التلاوة، بل كان نظرهم فيه أحد أسباب هلاكهم؛ وذلك لجهلهم، وقلة فقههم، وتأويلهم القرآن على غير مراداته.

وقد أشار النبي ﷺ إلى عظيم صلة الخوارج بالقرآن من جهة كثرة التلاوة، بقوله: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء»، وفي قوله: «يتلون كتاب الله ليِّنًا رطبًا».

لكنها تلاوة لا ينتفعون منها، كما نبّه إليه النبي ﷺ في هذه الرواية: «يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وفي رواية: «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم...».

ويقول النبي ﷺ: «يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم».

ومعنى قوله ﷺ: «يتلون كتاب الله ليِّنًا»، ويروى: «لَيِّنًا»، وهما لغتان، ومعناهما: سهلًا على ألسنتهم. وفي الآخر: «رطبًا»، وهو بمعناه. وعند غير ابن عيسى: «ليًّا» ـ بفتح اللام وتشديد الياء ـ يعني: أنهم يحرفونه ويصرفونه عن ظاهره، ويميلون به إلى هواهم، مأخوذ من اللَّيِّ في الشهادة، وهو: الميل. وكلاهما صفة الخوارج وأهل الأهواء.

واختلف في معنى قول النبي ﷺ: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، فقيل:

1 ـ «معناه: أنهم لما تأولوه على غير تأويله، لم يرتفع إلى الله، ولا أثابهم عليه؛ إذ كانت أعمالهم له مخالفة بسفك دماء من حُرِّم قتلهم، وإخافتهم سُبُلهم. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، فبان أن الكلام الطيب يرتفع إلى الله إذا صحبه عمل صالح يصدقه، ومتى خالفه العمل لم يُعتد بالقول، ولا كان لقائله فيه غير العناء، وهذا يدل أن الإيمان قول وعمل».

2 ـ وقيل: لا يعملون بالقرآن، فلا يُثابون على قراءتهم، فلا يحصل لهم إلا سَرْدُه.

وقال النووي: «المراد أنه ليس لهم منه حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم، فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب».

وقال ابن رشيق: «المعنى: لا ينتفعون بقراءته، كما لا ينتفع الآكل والشارب من المأكول والمشروب إلا بما يجاوز حنجرته».

4 ـ وقيل: «معناه أنهم لم ينتفعوا بقراءته؛ إذ تأولوه على غير سبيل السنة المبينة له، وإنما حملهم على ذلك جهل السنة ومعاداتها، وتكفيرهم السلف ومن سلك سبيلهم، وردّهم لشهاداتهم ورواياتهم. تأولوا القرآن بآرائهم، فضلوا وأضلوا، فلم ينتفعوا به، ولا حصلوا من تلاوته إلا على ما يحصل عليه الماضغ الذي يبلع، ولا يجاوز ما في فيه من الطعام حنجرته».

ومما يساعد على استكشاف معنى هذه الجملة النبوية، ما جاء عن ابن مسعود في الأثر المشهور الذي رواه أبو وائل، قال:

«جاء رجل يقال له: نهيك بن سنان، إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف: ألفًا تجده، أم ياءً: ﴿مِن مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أو ﴿مِن مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ﴾؟ قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذِّ الشعر! إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. إن أفضل الصلاة الركوع والسجود. إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة».

وفي الجملة، فما سبق من المعاني محتمل، ولا تعارض بينها من حيث أصل الدلالة؛ إذ يجتمع أكثرها في بيان صورة من صور القراءة التي تفارق فيها الألفاظُ المعانيَ، والتلاوةُ التدبرَ والعمل.

وقد أبانت الشريعة أن لطبيعة قراءة النص القرآني تأثيرًا هائلًا في تحصيل بركاته وهداياته، وهذا معنى عظيم ينبغي مراعاته وملاحظته أثناء تلاوة القرآن، وتدبره، وتلمس هداياته. يقول الله تعالى مبينًا هذه الطبيعة القرآنية:

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.

فلطبيعة تلاوة الخوارج للقرآن أعظم الأثر في حرمانهم من نيل معارفه، وبركاته، وعلومه. وملاحظة هذا المعنى تقدم نموذجًا تفسيريًا صالحًا لفهم سبب انحراف الخوارج مع كثرة تلاوتهم لكتاب الله، وسبب عدم استقبالهم لهداياته وبركاته.

وقد نبه إلى خصوص هذا المعنى في حق الخوارج الوزير ابن هبيرة، قائلًا:

«وفيه أن قراءة القرآن مع اختلال العقيدة غير زاكية، ولا حامية صاحبها من سخط الله، وأن ذلك قَمِنٌ جدير أن يكون في حدثاء الأسنان، وعند سفهاء الأحلام، وأنه يكثر في آخر الزمان».

بل إن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: يعني: الخوارج.

وقال ابن تيمية، رحمه الله، في تنبيه مهم على هذه الآية الكريمة ودلالتها:

«﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: كل من ضل به فهو فاسق، فهو ذمٌّ لمن يضل به، فإنه فاسق، ليس أنه كان فاسقًا قبل ذلك؛ ولهذا تأولها سعد بن أبي وقاص في الخوارج، وسماهم فاسقين؛ لأنهم ضلوا بالقرآن، فمن ضل بالقرآن فهو فاسق».

والخوارج لم يكونوا يتعمدون معارضة دلائل الوحي، وإنما أتوا من سوء الفهم والجهل؛ قال ابن تيمية، مبينًا وجه الإشكال في تلاوة الخوارج للقرآن:

«وكانت البدع الأولى، مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه».

وقال ابن حجر -رحمه الله-:

«وكان يقال لهم: القراء؛ لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع، وغير ذلك».

فبواعث الوقوع في فخ التكفير بالباطل، واستباحة الدم الحرام، هو الجهل، ونقص العلم، والعجلة، والطيش؛ فتلاوة الجهل التي تسلطوا بها على القرآن استوجبت منهم أن يكفروا مخالفيهم من أهل الإسلام بغير مكفِّر، ثم استباحوا دماء المسلمين بغير حق.

مداخل الجهل الخارجية:

فصّل النبي ﷺ مداخل الجهل والهوى، وبيّن مسبباتها، وذلك في سياق حديثه عن الخوارج، وبيانه لتفاصيل صفاتهم. فمن تلك الصفات التي نبّه إليها:

1 ـ صِغَر السن:

فجمهور الملتحقين بهذه الحالة الدينية هم من الشباب الصغار دون الكبار، وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ»، وفي رواية: «أحداث الأسنان». والمراد بالأسنان: العمر، والحدث هو: الصغير السن، والمراد أنهم شباب، أو كما قال ابن الجوزي، عليه رحمة الله: «يعني به الصبوة»، أي: ميل إلى الهوى.

وصغر السن ليس مذمومًا في حد ذاته، ولكنه يكشف عن أحد مسببات انحراف هذه الطائفة؛ فإن حداثة السن محل للفساد عادة، إضافةً إلى ما يقترن بحال صغر السن في كثير من الأحيان من عجلة، وقلة نضج، وضعف تجربة وخبرة، وهو ما أشار إليه...

يقول الإمام النووي: «يُستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن، وكثرة التجارب، وقوة العقل». والحق أن هذا المعنى ليس مستفادًا من الحديث ضرورةً، كما نبّه إليه الحافظ ابن حجر، وإنما هو واقع مشاهد مدرك؛ ولأجل ذلك وصفهم الشارع بهذا الوصف، لا أنه أنشأ هذه الحقيقة أو كشف عنها هنا.

يقول الحافظ ابن حجر، عليه رحمة الله: «ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة».

2 ـ السَّفَه:

وهذا محدد لطبيعة أخرى من طبائع الخوارج؛ ففيهم سفه وطيش، وخفة واستعجال، وهم بعيدون عن حسن النظر وجودة تقدير الأمور. قال النبي ﷺ: «يأتي في آخر الزمان قوم؛ حُدَثاءُ الأسنان، سُفَهاءُ الأحلام».

والسفهاء: جمع سفيه، وهو خفيف العقل. والسفه في الأصل: الخفة والطيش. وسَفِه فلان رأيه؛ إذا كان مضطربًا لا استقامة فيه. والأحلام: العقول.

فالقصد بيان رداءة عقولهم، كما قال الحافظ ابن حجر، وضعفها كما عبّر العيني. وبهذا أضاف النبي ﷺ إلى ضعف عقولهم باعتبار نقص خبرتهم لشبابهم، ضعفها في نفس الأمر لسفاهتهم؛ إذ من الشباب من يكون عاقلًا وافر العقل، لكنهم ليسوا كذلك.

قال النووي جامعًا بين هذه الصفة والتي قبلها: «صغار الأسنان، صغار العقول».

3 ـ الكِبْر والتعالي

كشفت النصوص الشرعية عن سوءة أخلاقية ودينية شديدة الضرر على دين صاحبها، وهي الكِبْر والتعالي، وامتلاء النفس بالعُجب والغرور. قال النبي ﷺ: «إن فيكم قومًا يعبدون ويدأبون، حتى يعجب بهم الناس، وتعجبهم نفوسهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية».

ومما يحتمل أن يراد به الخوارج ما جاء عن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله ﷺ: «يظهر الدين، حتى يجاوز البحار، وتخاض البحار في سبيل الله، ثم يأتي من بعدكم أقوام يقرؤون القرآن، يقولون: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا؟ ومن أفقه منا؟ أو من أعلم منا؟». ثم التفت إلى أصحابه، فقال: «هل في أولئك من خير؟» قالوا: لا. قال: «أولئك منكم، من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار».

وللكِبْر أثر نفسي مزدوج، كما بيّنه النبي ﷺ في قوله: «الكِبْر بطر الحق، وغَمْط الناس». ومعناه احتقارهم؛ أما بطر الحق، فهو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا.

فهم بدافع كِبْرهم أدعياء علم، وأهل تطاول واحتقار للعلماء، وهذا ما يشكّل حاجزًا نفسيًا شديد العمق يحول دون قبول الحق، ومحركًا من أكثر المحركات التي تدفع صاحبه إلى مزيد من الإيغال في الباطل.

وفي حديث ذي الخويصرة التميمي إشارة إلى أثر الكِبْر في تشكيل مواقف الخوارج؛ فاعتراضه على قسمة النبي ﷺ، وطبيعة اللغة التي استعملها، يكشفان عن تأصل هذه الصفة الذميمة في نفسه، حتى آل به الأمر إلى أن يخاطب النبي ﷺ بذلك الخطاب الجافي المتعالي.

3 ـ الكِبْر والتعالي

كشفت النصوص الشرعية عن سوءة أخلاقية ودينية شديدة الضرر على دين صاحبها، وهي الكِبْر والتعالي، وامتلاء النفس بالعُجب والغرور. قال النبي ﷺ: «إن فيكم قومًا يعبدون ويدأبون، حتى يعجب بهم الناس، وتعجبهم نفوسهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية».

ومما يحتمل أن يراد به الخوارج ما جاء عن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله ﷺ: «يظهر الدين، حتى يجاوز البحار، وتخاض البحار في سبيل الله، ثم يأتي من بعدكم أقوام يقرؤون القرآن، يقولون: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا؟ ومن أفقه منا؟ أو من أعلم منا؟». ثم التفت إلى أصحابه، فقال: «هل في أولئك من خير؟» قالوا: لا. قال: «أولئك منكم، من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار».

وللكِبْر أثر نفسي مزدوج، كما بيّنه النبي ﷺ في قوله: «الكِبْر بطر الحق، وغَمْط الناس». ومعناه احتقارهم؛ أما بطر الحق، فهو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا.

فهم بدافع كِبْرهم أدعياء علم، وأهل تطاول واحتقار للعلماء، وهذا ما يشكّل حاجزًا نفسيًا شديد العمق يحول دون قبول الحق، ومحركًا من أكثر المحركات التي تدفع صاحبه إلى مزيد من الإيغال في الباطل.

وفي حديث ذي الخويصرة التميمي إشارة إلى أثر الكِبْر في تشكيل مواقف الخوارج؛ فاعتراضه على قسمة النبي ﷺ، وطبيعة اللغة التي استعملها، يكشفان عن تأصل هذه الصفة الذميمة في نفسه، حتى آل به الأمر إلى أن يخاطب النبي ﷺ بذلك الخطاب الجافي المتعالي.

ومن الأحاديث العجيبة التي ساقها بعض العلماء عند حديثهم عن شأن الخوارج، ما أورده الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد، في «باب ما جاء في الخوارج»، حيث أورد حديث أبي بكرة رضي الله عنه:

«أن نبي الله ﷺ مر برجل ساجد، وهو ينطلق إلى الصلاة، فقضى الصلاة، ورجع إليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ فقال: «من يقتل هذا؟» فقام رجل، فحسر عن يديه، فاخترط سيفه وهزّه، وقال: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، كيف أقتل رجلًا ساجدًا، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟! ثم قال: «من يقتل هذا؟» فقام رجل، فقال: أنا. فحسر عن ذراعيه، واخترط سيفه، فهزّه حتى أرعدت يده، فقال: يا نبي الله، كيف أقتل رجلًا ساجدًا، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟! فقال النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لو قتلتموه، لكان أول فتنة وآخرها»».

وفي رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه تفاصيل زائدة تكشف عن جانب آخر من المشهد، حيث قال:

«جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشع، حسن الهيئة، يصلي. فقال له النبي ﷺ: «اذهب إليه فاقتله». قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال، كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ. قال: فقال النبي ﷺ لعمر: «اذهب فاقتله». فذهب عمر، فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر، قال: فكره أن يقتله، قال: فرجع، فقال: يا رسول الله، إني رأيته يصلي متخشعًا، فكرهت أن أقتله. قال: «يا علي، اذهب فاقتله». قال: فذهب علي، فلم يره، فرجع علي، فقال: يا رسول الله، إنه لم يره. قال: فقال النبي ﷺ: «إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فُوقه، فاقتلوهم، هم شر البرية»».

وموطن الشاهد، خصوصًا من الرواية الأولى، ما كان فيه الصحابيان رضي الله عنهما من استبعاد قتل رجل قائم بين يدي الله، ساجدٍ خاشع، يشهد الشهادتين، ويظهر عليه سمت العبادة والصلاح؛ إذ تكشف هذه الصورة عن المفارقة العجيبة التي اجتمعت في الخوارج: عبادة ظاهرة، وخلل عميق في الفهم والبصيرة، حتى صار ظاهر التدين عندهم حائلًا دون إدراك حقيقة الانحراف الكامن وراءه.

ويمكن هذا العابد الجاهل من التفريط فيما هو أوجب وأفضل من صلاته، وهو إدراك الصلاة مع النبي ﷺ، وكأنه ظن في نفسه أنه سبق إلى خير حُرِمَه رسول الله ﷺ وبقية الصحابة. وقد ربط الحافظ ابن حجر بين هذا الرجل المذكور في هذه القصة، وبين ذاك المعترض على قسمة النبي ﷺ، وسعى في الجمع بين ظاهر النص هنا، الآمر بالقتل، وظاهر النص هناك، الناهي، بأن يكون هذا الرجل هو الأول، وكانت قصته هذه الثانية متراخية عن الأولى، وأُذِن له في قتله بعد أن مُنِع منه؛ لزوال علة المنع، وهي التألف، فكأنه استُغني عنه بعد انتشار الإسلام، كما نُهي عن الصلاة على من يُنسب إلى النفاق بعد أن كان يُجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك.

وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين، وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي، فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة، أو غلَّبا جانب النهي. ثم وجدت في مغازي الأموي من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة:

ثم دعا رجالًا فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لتقسم وما نرى عدلًا. قال: «إذًا لا يعدل أحد بعدي». ثم دعا أبا بكر، فقال: «اذهب فاقتله». فذهب فلم يجده، فقال: «لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم».

فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته؛ لما يدل عليه «ثم» من التراخي، والله أعلم».

أما ابن تيمية، فحكى عنه، فقال رحمه الله- وجهًا آخر من التوجيه، فقال متكلمًا على رواية الشعبي التي ختم بها الحافظ كلامه، وهي رواية فيها ضعف، كما نبّه الحافظ بذكر الإرسال:

«حديث الشعبي هو أول ظهور هؤلاء، كما تقدم، فالأشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون أمر بقتله أولًا؛ طمعًا في انقطاع أمرهم، وإن كان قد كان يعفو عن أكثر المنافقين؛ لأنه خاف من هذا انتشار الفساد من بعده على الأمة. ولهذا قال: لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم، وكان ما يحصل لقتله من المصلحة العظيمة أعظم مما يُخاف من نفور بعض الناس بقتله، فلما لم يوجد به، وتعذّر قتله، ومع النبي ﷺ من العلم الذي أوحاه الله إليه ما فضّله الله به، فكأنه علم أنه لا بد من خروجهم، وأنه لا مطمع في استئصالهم، كما أنه لما علم أن الدجال خارج لا محالة، نهى عمر عن قتل ابن صياد، وقال: «إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله».

فكان هذا مما أوجب نهيه بعد ذلك عن قتل ذي الخويصرة؛ لما لمزه في غنائم حنين. وكذلك لما قال عمر: ائذن لي فأضرب عنقه، قال: «دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» إلى قوله: «يخرجون على حين فرقة من الناس».

فأمر بتركه لأجل أن له أصحابًا خارجين بعد ذلك، فظهر أن علمه بأنهم لا بد أن يخرجوا منعه من أن يقتل منهم أحدًا، فيتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه الذين يصلون معه، وتنفر بذلك عن الإسلام قلوب كثيرة، من غير مصلحة تغمر هذه المفسدة. هذا مع أنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقًا، بأبي هو وأمي.

وبهذا يتبين سبب كونه في بعض الحديث يعلّل بأنه يصلي، وفي بعضه بأن لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وفي بعضه بأن له أصحابًا سيخرجون».

والمقصود بيان ما ذكره النبي ﷺ من شأن هؤلاء، مما كان سببًا في وقوعهم في جهالاتهم وسفاهاتهم.

=== استكمال الصفات:

إن ما سبق من شأن الخوارج يكشف عن المكونات المركزية لهذه الظاهرة الخطرة، والمسببات التي أفرزت هذه المكونات، وقد أخبر النبي ﷺ ببعض التفاصيل أيضًا المتعلقة بطبيعة التدين الذي يمارسه الخوارج، فمن ذلك:

1 - الغلو في العبادة:

الغلو ـ كما سبق ـ هو أظهر ما تمتاز به هذه الحالة، ومن مظاهر الغلو التي وقع فيها الخوارج أخذهم أنفسهم بمستوى من التعبد كبير؛ فهم ليسوا أهل صلاة وصيام وذكر وتلاوة فحسب، بل عندهم زيادة في هذا وتجاوز. وفي هذا يقول النبي ﷺ، عاقدًا المقارنة بين نمط التعبد عندهم وتعبد صحابته:

«يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء».

بل الأعجب أن يصل مقدار التفاوت ما بين الطرفين إلى الحد الذي يحمل الناظر على احتقار عمله في مقابل عملهم، وعبادته في مقابل عبادتهم، وهو ما نبّه إليه النبي ﷺ في قوله:

«يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم».

واستحضر هنا أن عقد المقارنة جرى بين تعبد الخوارج وتعبد الصحابة، وأن المحتقر لعبادته في مقابل عبادتهم هم الصحابة، فإذا كان الأمر كذلك، فما الظن بغيرهم؟!

ولا يتسرب لوهمك أن مثل هذا التعبد مما يُحمدون عليه، بل هو في حقيقته لون من الغلو والتنطع المذموم، وليس تعبّدًا وفق الهدي النبوي. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا، وبيّن ما أفضى إليه هذا الحال بقوله:

«فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين، حتى يخرجوا منه، كما يخرج السهم من الرمية؛ ينظر في النصل فلا يوجد شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء، ثم في الفوق فلا يوجد شيء، سبق الفرث والدم».

قال ابن تيمية: «ولا ريب أن الخوارج كان فيهم من الاجتهاد في العبادة والورع ما لم يكن في الصحابة، كما ذكره النبي ﷺ، لكن لما كان على غير الوجه المشروع، أفضى بهم إلى المروق».

من الدين؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: «اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة».

وقال الله: «وكان الخوارج ـ أيضًا ـ قد تعمقوا وتنطعوا، كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم».

فهذا الغلو والتنطع هو أول إشكاليات تعبدهم، يتلوه أنه تعبد واقع على غير أصل، كما نبّه إليه الشاطبي رحمه الله قائلًا:

«فأخبر أن لهم عبادة تستعظم، وحالًا يُستحسن ظاهرها، لكنه مبني على غير أصل؛ فلذلك قال فيهم: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأمر عليه الصلاة والسلام بقتلهم، ويوجد في أهل الأهواء من هذا كثير».

وهو أيضًا تعبد مبني على جهل وقلة فقه، وفيه يقول ابن تيمية:

«فمن كان جاهلًا بما أمر الله به وما نهاه عنه، لم يكن من أولياء الله، وإن كان فيه زهادة وعبادة لم يأمر الله بهما ورسوله؛ كالزهد والعبادة التي كانت في الخوارج والرهبان ونحوهم».

ويقول:

«وهؤلاء غلوا في العبادات بلا فقه، فآل الأمر بهم إلى البدع».

ومن تمام الخذلان لأولئك الخوارج أنهم، مع عظيم ما يأتون به في الظاهر من العبادة، قراءةً وصلاةً وصيامًا، لا ينتفعون من ذلك بشيء، كما لم ينتفعوا بقراءتهم علمًا وفقهًا وهداية. وفي هذا يقول النبي ﷺ:

«لا تجاوز صلاتهم تراقيهم».

وقال: 

«لا يجاوز إيمانهم حناجرهم».

والمراد أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله، أو أنها كناية عن أنها لا تُقبل ولا ينتفعون بها، وأن دعاءهم لا يُسمع، كما ذكره السيوطي رحمه الله.

٢ - ظاهر كلامهم الحسن

فهم ـ مع انحرافهم ـ أصحاب منطق حلو وكلام حسن، يوهم الناس أنهم على خير؛ فهم يدعون إلى تحكيم شريعة الله، وأن يكون الحكم لله وحده، وأن يُحارب كل خارج عنه، ولكنهم مخالفون لهذا الأمر على مستوى النظرية والتطبيق.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الصفة العجيبة بقوله: «يقولون من خير قول الناس».

وفي الحديث الآخر: «يقولون من خير قول البرية». واختلف في هذا اللفظ، فقيل:

  • إنه مقلوب، وأن المراد: «من قول خير البرية»، وهو القرآن.

  • ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظاهر، وباطنه على خلاف ذلك؛ كقولهم: «لا حكم إلا الله».

قال النووي رحمه الله: «معناه في ظاهر الأمر؛ كقولهم: لا حكم إلا الله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى».

وجاء عن النبي ﷺ أيضًا قوله: «سيجيء قوم يتكلمون بكلمة الحق، لا يجاوز حلوقهم»، فكلمة الحق التي يقولونها لا تجد تطبيقًا حقيقيًا في الواقع، بل هي لا تتجاوز حناجرهم.

ومع ما يقولونه من كلام حسن، إلا أن أفعالهم ليست بحسنة، وهو أمر صرّح ببيانه النبي ﷺ من أحوالهم، فقال: «قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل».

3- سيماهم التحليق:

فقد أشارت النصوص الشرعية إلى تعمدهم حلق شعورهم، وجعلته من سيماهم؛ قال النبي ﷺ: «سيماهم التحليق» ـ أو قال: «التسبيد».

والتسبيد بمعنى التحليق، وقيل: أبلغ منه، وهو بمعنى الاستئصال، وقيل: إن نبت بعد أيام، وقيل: هو ترك دهن الشعر وغسله.

«وهذه السيما سيما أولهم، كما كان ذو الثُّدَيَّة؛ لأن هذا وصف لازم لهم».

كما سبقت الإشارة إليه. قال الشوكاني: «وقد ثبت أن التحليق سيما الخوارج، ولعلهم يفعلون ذلك معتقدين لمشروعيته».

وقال ابن تيمية: «فإن الخوارج كانوا يحلقون رؤوسهم، وبعض الخوارج يعدون حلق الرأس من تمام التوبة والنسك».

وقال أبو العباس القرطبي: «جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشعارًا ليُعرفوا به؛ كما يفعل البعض من رهبان النصارى، يفحصون عن أوساط رؤوسهم».

فهم يطلبون ما يتميزون به عن غيرهم، ويمكن أن يتجدد طلب هذا التميز في صور أخرى غير التحليق. يقول ابن تيمية رحمه الله:

«كثير من الأفعال قد يكون مباحًا في الشريعة، أو مكروهًا، أو متنازعًا في إباحته وكراهته، وربما كان محرَّمًا أو متنازعًا في تحريمه، فتستحبه طائفة من الناس، يفعلونه على أنه حسن مستحب، ودين وطريق يتقربون به، حتى يعدون من يفعل ذلك أفضل ممن لا يفعله، وربما جعلوا ذلك من لوازم طريقتهم إلى الله، أو جعلوه شعار الصالحين وأولياء الله، ويكون ذلك خطأ وضلالًا، وابتداع دين لم يأذن به الله.

مثال ذلك: حلق الرأس في غير الحج والعمرة لغير عذر، فإن الله قد ذكر في كتابه حلق الرأس وتقصيره في النسك، وذكر حلقه لعذر في قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ...﴾.

وأما حلقه لغير ذلك، فقد تنازع العلماء في إباحته وكراهته نزاعًا معروفًا على قولين؛ هما روايتان عن أحمد. ولا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ذلك لا يُشرع ولا يُستحب، ولا هو من سبيل الله وطريقه، ولا من الزهد المشروع للمسلمين، ولا مما أثنى الله به على أحد من الفقراء.

هذا، فقد اتخذته طوائف من النساك والفقراء والصوفية دينًا، حتى جعلوه شعارًا وعلامة على أهل الدين والنسك والخير والتوبة والسلوك إلى الله، المشير إلى الفقر والصوفية، حتى إن من لم يفعل ذلك يكون منقوصًا عندهم، خارجًا عن الطريقة المفضلة المحمودة عندهم، ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقهم.

وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك دينًا وشعارًا لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، بل جعله علامة على المروق من الدين أقرب؛ فإن الذي يكرهه، وإن فعله صاحبه عادة لا عبادة، يحتج بأنه من سيماء الخوارج المارقين الذين جاءت الأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ بذمهم من غير وجه، وروي عنه: «سيماهم التحليق».

فإذا كان هذا سيماء أولئك المارقين، وفي المسند والسنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، كان هذا ـ على بُعده من شعار أهل الدين ـ أولى من العكس.

ولهذا لما جاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب، وسأله عما سأله من المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وضربه ضربًا عظيمًا، كشف رأسه فوجده ذا ضفيرتين، فقال: «لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك»؛ لأنه لو وجده محلوقًا، استدل بذلك على أنه من الخوارج المارقين، وكان يقتله لأمر النبي ﷺ بقتالهم.

وقد قال النبي ﷺ في صفتهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية...».

ولا ريب أن كثيرًا من النساك والعباد والزهاد قد يكون فيه شعبة من الخوارج، وإن كان مخالفًا لهم في شعب أخرى. فلزوم زي معين من اللباس، سواء كان مباحًا، أو كان مما يقال إنه مكروه، بحيث يجعل ذلك دينًا ومستحبًا وشعارًا لأهل الدين، هو من البدع أيضًا، فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، فلا دين إلا ما شرعه الله».

هذه أهم الصفات الواردة في شأن الخوارج، مما يقبل تكراره، مع عدم لزومه، مع إرجاء ما تناولته النصوص من موضع خروجهم، وزمانهم، وبعض ما يتعلق بشأن من يُقتل منهم إلى الشق التالي من البحث.

وهذه الصفات المذكورة هنا قد تحققت جميعًا واجتمعت في الخوارج الأول، الذين خرجوا على علي رضي الله عنه، وقاتلهم في النهروان، كما تراه بعد قليل إن شاء الله. وبعضها يمكن تحققه في غيرهم وقد يغيب، ولكن المكونات الصميمية للحالة الخارجية ظاهرة مستمرة، وباقية ما بقي الخوارج. وهذه المكونات هي الاشتراطات التي ينبغي ملاحظتها ومراعاتها عند تنزيل هذا الاسم، بمعنى الذم الشرعي، على طائفة معينة مخصوصة، وهي ترجع إلى التكفير بغير حق، واستباحة الدم والقتال بناءً على فعل التكفير.

أربع ملحوظات بخصوص أحاديث الخوارج:

الملحوظة الأولى:

سبق التأكيد على أن الصفة المركزية التي يمكن رد الحالة الخارجية إليها هي الغلو، لكنه نوع من الغلو الخاص؛ فهو غلو في التكفير، وغلو في استباحة الدماء، وهذا المركب أشد قبحًا من كل خطيئة على حدة؛ فصاحبه متوعد بوعيد كل معصية على حدة، مضمومًا إليه ما جاء من الوعيد في حق الخوارج.

والذي يؤكد خطر شأن الخوارج، وعظيم عناية الشريعة بالتحذير منه، أمران خطيران:

الأمر الأول: تشديد الأوصاف

حيث رتّب الشارع على نمط الغلو هذا أوصاف ذم شديدة، لم ترتب على أنماط غلو أخرى. قال ابن الوزير اليماني رحمه الله:

«وقد ورد في الخوارج بسبب تكفير المسلمين من التشديد، ما لم يرد في غيرهم، فنعوذ بالله من غضب الله».

فمن أوصاف الذم الشرعية التي أُلحقت بالخوارج، وصفهم بأنهم «شر الخلق والخليقة»، وهما بمعنى، تكرير للمبالغة في المعنى الذي أراده، وهو استيعاب أصناف الخلق، نحو: «زيد خير الناس والبشر».

وهذا المعنى بات مستقرًا عند الصحابة، فصاروا يذكرون هذا المعنى من معاني الذم مع ظهور الخوارج، ويشيعونه بين الناس. فقد ذُكر الخوارج عند أبي هريرة رضي الله عنه، فقال: «أولئك شر الخلق».

وعن عقبة بن وساج قال: كان صاحب لي يحدثني عن شأن الخوارج، وطعنهم على أمرائهم، فحججت، فلقيت عبد الله بن عمرو، فقلت له: أنت من بقية أصحاب رسول الله ﷺ، وقد جعل الله عندك علمًا، وأناس بهذا العراق يطعنون على أمرائهم، ويشهدون عليهم بالضلالة. فقال لي: «أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

أُتي رسول الله ﷺ بقليد من ذهب وفضة، فجعل يقسمها بين أصحابه، فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل، فما أراك تعدل. فقال: «ويحك! من يعدل عليه بعدي؟!».

فلما ولى قال: «رُدُّوه رويدًا». فقال النبي ﷺ: «إن في أمتي أخًا لهذا، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، خرجوا فاقتلوهم»، ثلاثًا.

ولما أُتي برؤوس الأزارقة فنُصبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة رضي الله عنه، فلما رآهم دمعت عيناه، فقال: «كلاب النار»، ثلاث مرات. «هؤلاء شر قتلى قتلوا أديم السماء، وخير قتلى قتلوا السماء الذين قتلهم هؤلاء».

قال: فقلت: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: «رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام». قال: قلنا: أبرأيك تحت أديم السماء قلت: هؤلاء كلاب النار، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: إني لجريء! بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا اثنتين ولا ثلاثًا. قال: فعد مرارًا.

ومما جاء من الآثار في شأن هذا الوصف القبيح: «كلاب النار»، ما رواه سعيد بن جمهان، قال: كانت الخوارج تدعوني حتى كدت أن أدخل معهم، فرأت أخت أبي بلال في النوم أن أبا بلال كلبٌ أَهْلَبُ أسود، عيناه تذرفان. قال: فقالت: بأبي أنت يا أبا بلال، ما شأنك؟ أراك هكذا. قال: «جعلنا بعدكم كلاب النار»، وكان أبو بلال من رؤوس الخوارج.

فقيل: المقصود بهذا الوصف:

  • «أنهم كلاب أهلها»، و«أخس أهلها وأحقرهم، كما أن الكلاب أخس الحيوانات وأحقرها».

  • أو أنهم على صورة كلاب فيها.

  • أو أنهم يتعاوون فيها عواء الكلاب.

قال المناوي رحمه الله معلّقًا على سبب هذا الوصف وهذه العقوبة:

«الخوارج الذين يزعمون أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدًا، «كلاب» أهل «النار»، هم قوم ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾؛ وذلك لأنهم دأبوا ونصبوا في العبادة وفي قلوبهم زيغ، فمرقوا من الدين بإغواء شيطانهم، حتى كفّروا الموحدين بذنب واحد، وتأولوا التنزيل على غير وجهه، فُخذلوا بعدما أُيّدوا حتى صاروا كلاب النار؛ فالمؤمن يستر ويرحم ويرجو المغفرة والرحمة، والمفتون الخارجي يهتك ويُعيّر ويُقنّط، وهذه أخلاق الكلاب وأفعالهم، فلما كلبوا على عباد الله، ونظروا لهم بعين النقص والعداوة، ودخلوا النار، صاروا في هيئة أعمالهم كلابًا، كما كانوا على أهل السنة في الدنيا كلابًا بالمعنى المذكور».

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخوارج ممن يُذاد عن حوضه يوم القيامة؛ قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله:

«ولا أرى هذا يرجع إلا للذين ارتدوا بعد موت النبي ﷺ، ومنعوا الزكاة، فقاتلهم الصديق على ذلك، وإلى الخوارج الذين رأوا تكفير الصحابة؛ كعثمان وعلي رضي الله عنهما، وهم أهل النهروان ومن شابههم وتابعهم».

ومن أشهر أوصاف الذم التي أُلحقت بالخوارج، وتواتر النقل فيها عن النبي ﷺ، قوله:

«يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق».

فقد شُبّه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه، والحال أنه لسرعة خروجه، من شدة قوة الرامي، لا يعلق من جسد الصيد بشيء.

ينظر الرامي في «النصل»، الذي هو حديد السهم: هل يرى فيه شيئًا من أثر الصيد، دمًا أو نحوه؟ «فلا يرى فيه شيئًا». وينظر في «القدح» ـ بكسر القاف ـ السهم قبل أن يُراش ويُركب، أو ما بين الريش والنصل: هل يرى فيه أثرًا؟ «فلا يرى فيه شيئًا». وينظر في «الريش» الذي على السهم، فلا يرى فيه شيئًا. و«يتمارى» ـ بفتح الياء والتاء والراء ـ أي: يشك الرامي في «الفوق»، وهو مدخل الوتر منه، هل فيه شيء من أثر الصيد؟ يعني: نفذ السهم المرمي بحيث لم يتعلق به شيء، ولم يظهر أثره فيه.

فكذلك قراءتهم، لا يحصل لهم منها فائدة.

ومما يزيد من خطورة هذا الوصف، ويكشف ما فيه من دلالات مكتنزة، جاء في آخرها: «ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه».

والمعنى: ثم لا يعودون فيه؛ أي: في الدين، «حتى يعود السهم إلى فوقه» ـ بضم الفاء ـ وهو موضع الوتر من السهم، وهو لا يعود إلى فوقه قط بنفسه.

ومن عجيب ما ورد عن ابن سيرين في هذا الشأن، ما رواه أيوب عنه، قال: كان رجل يرى رأيًا، فرجع عنه، فأتيت محمدًا فرحًا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: «انظروا إلى ما فيه».

ومثله في المعنى ما جاء عن عبد الله بن القاسم، الذي يقول: «ما كان عبد على هوى فتركه إلا إلى ما هو شر منه». قال: فذكرت هذا الحديث لبعض أصحابنا، فقال: تصديقه في حديث عن النبي ﷺ: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه».

إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: يمرقون من الإسلام ولا يعودون إليه.

وهذا الحديث، وهذه الآثار، في معنى الحديث المروي عن النبي ﷺ: «إن الله حجز ـ أو قال: حجب ـ التوبة عن كل صاحب بدعة».

ومعناه على الصحيح: أنه لا يوفق إلى التوبة والرجوع للحق؛ لأنه يعتقد أن ما هو عليه هدى، وأن التحول عنه ضلال، فمن ماذا يتوب؟! فالحديث يبين طبيعة النفس والواقع في هذا الشأن، لا أنه يصدر حكمًا في عدم قبول توبته؛ بل متى تاب، وصحت توبته، قُبلت.

يقول الشاطبي رحمه الله مبينًا وجه الحديث:

«وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل على العموم العادي؛ إذ لا يبعد أن يتوب بعضهم عما رأى، ويرجع إلى الحق، كما نُقل عن عبيد الله بن الحسن العنبري، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما الحرورية الخارجين على عليّ رضي الله عنه، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم. ولكن الغالب في الواقع الإصرار».

ويقول ابن تيمية في كلام يؤكد هذا، ويدفع وهم من توهّم أنه لا توبة له عند الله:

«وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات، وتكون مما لم يكن علم أنه ذنب، تبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار؛ فإن كثيرًا من الناس إذا ذُكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها، فعلم بالعلم العام أنها قبيحة؛ كالفاحشة والظلم الظاهر. فأما ما قد يتخذ دينًا، فلا يعلم أنه ذنب إلا من علم أنه باطل؛ كدين المشركين وأهل الكتاب المبدل، فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه، وأهله يحسبون أنهم على هدى، وكذلك البدع كلها.

ولهذا قال طائفة من السلف، منهم الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها. وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة، بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى، ولو تاب لتاب عليه كما يتوب على الكافر.

ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا فقد غلط غلطًا منكرًا. ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة، فإنه يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال؛ وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله».

والمقصود بيان خطورة البدعة عمومًا، وبدعة الخوارج خصوصًا، فإن الداخل فيها على هلاك، يصعب نجاته منه إلا بهداية وتوفيق من الله.

وقد فهم بعض أهل العلم من حديث مروق الخوارج من الدين أن الخوارج كفار، وبذلك صرّح القاضي أبو بكر ابن العربي في شرح الترمذي، فقال: «الصحيح أنهم كفار؛ لقوله: يمرقون من الإسلام، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لأقتلنهم قتل عاد»، وفي لفظ: «ثمود»، وكل منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: «هم شر الخلق»، ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: «إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى»، ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار، فكانوا هم أحق بالاسم منهم».

والظاهر أن الخوارج ليسوا كذلك؛ إذ لم يكفّرهم الصحابة، بل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الذي قاتلهم، حكم فيهم بحكمه في المسلمين الجاهلين الظالمين، لا بحكمه في الكافرين المشركين وأهل الكتاب، وكذلك الصحابة؛ كسعد بن أبي وقاص، ذكروا أنهم من المسلمين.

ومن مشهور ما جاء عن علي في هذا الشأن، أنه لما قتل الحرورية، قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفّار هم؟ قال: «من الكفر فرّوا». قيل: فمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا». قيل: فما هم؟ قال: «قوم أصابتهم فتنة، فعموا فيها وصموا».

وفي رواية قال: «قوم بغوا علينا».

قال ابن الوزير رحمه الله: «وهذا غاية الورع والإنصاف من أمير المؤمنين، وكذلك فلتكن المناقب».

ومما يدل على أن الصحابة لم يكفّروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضًا يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم، كما يخاطب المسلم المسلم؛ كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله عن مسائل، وحديثه في البخاري. وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره وما زالت سيرة المسلمين على هذا، في أشياء بالقرآن، كما يتناظر المسلمان، وما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه.

قال الإمام الشاطبي:

«وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر، عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم. ألا ترى إلى صنع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الخوارج؟ وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام، على مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. فإنه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة، لم يهيجهم علي ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم يتركهم؛ لقوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه»، ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم، فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين».

وقد تأول بعض أهل العلم حديث مروق الخوارج من الدين على معانٍ تخرجه عن أن يكون دالًا على الكفر:

  • فقال بعضهم: «يمرقون من الدين»؛ أي: من طاعة الأئمة.

  • ويجوز أن يكون فيه حذف، تقديره: «أحب أعمال الدين».

والأظهر أن المقصود من الدين ظاهره؛ وذلك لوروده صريحًا في غير ما رواية: «يمرقون من الإسلام».

والطريف أن بعض أهل العلم تأوّل هذا اللفظ أيضًا بما يجعله بمعنى القول الأول: «يمرقون من طاعة الأئمة». فقال التيمي:

«فإن قلت: المراد بـ«يمرقون من الدين» من الإيمان؛ لأنه ورد في رواية أخرى: «يمرقون من الإسلام». قلت: الخوارج غير خارجين من الدائرة بالاتفاق، فيُحمل الإسلام على الاستسلام الذي هو الانقياد والطاعة».

ومع التسليم بصحة القول بعدم تكفير الخوارج، فليس هذا موجبًا لفهم الحديث على هذا الوجه؛ فيمكن أن يُفهم الدين على ظاهره، وتكون القرينة الدالة على عدم إرادة التكفير في قوله: «ويتمارى في الفوق»، وفي رواية أبي سعيد الخدري: «فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء».

فهذا التردد يكشف أن هناك ما علق بهم منه، لكنه شيء يسير جدًا يقع التردد فيه. قال القاضي عياض: «ويتمارى في الفوق، وهذا يقتضي التشكيك في حاله».

وقال الشاطبي، موضحًا وجه الدلالة: «ولو كانوا خارجين من الأمة لم يقع تمارٍ في كفرهم، ولقال: إنهم كفروا بعد إسلامهم».

والحق أن القرينة ليست صريحة في المطلوب، لكنها قرينة حديثية تصلح أن تكون مستندًا للإجماع الذي انعقد عند الصحابة على عدم التكفير. والله أعلم.

وذهب بعضهم إلى أن موجب تكفيرهم هو تكفيرهم لصحابة النبي ﷺ، خصوصًا من ثبت بالتواتر فضله، وأنه من أهل الجنة؛ كعثمان وعلي والزبير وطلحة. وممن ذهب إلى هذا تقي الدين السبكي في فتوى طريفة له، يقول فيها:

«واعلم أن سبب كتابتي لهذا، أنني كنت بالجامع الأموي ظهر يوم الاثنين، سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فأحضر إلي شخص شق صفوف المسلمين في الجامع وهم يصلون الظهر، ولم يُصلِّ، وهو يقول: لعن الله من له من ظلم آل محمد، ويكرر ذلك. فسألته: من هو؟ فقال: أبو بكر. قلت: أبو بكر الصديق؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان ويزيد ومعاوية! فأمرت بسجنه وجعل غُلّ في عنقه، ثم أخذه القاضي المالكي فضربه وهو مصر على ذلك، وزاد فقال: إن فلانًا عدو الله، وشهد عندي عليه بذلك شاهدان، وقال: إنه مات على غير الحق، وأنه ظلم فاطمة ميراثها؛ بأن منعه ميراثها، وكرر عليه المالكي أنه ـ يعني: أبا بكر ـ كذّب النبي ﷺ في الضرب يوم الاثنين المذكور، ويوم الأربعاء ثامن عشر الشهر المذكور، وهو مصرّ على ذلك.

ثم أحضروه يوم الخميس، تاسع عشر الشهر، بدار العدل، وشهد عليه في وجهه، فلم ينكر ولم يقل، ولكن صار كلما سُئل يقول: «إن كنت قلت فقد علم الله تعالى». وكرر السؤال عليه مرات، وهو يقول هذا الجواب، ثم أُعذر إليه فلم يُبدِ دافعًا. ثم قيل له: تُبْ! فقال: «تبت عن ذنوبي». وكرر عليه الاستتابة، وهو لا يزيد في الجواب على ذلك.

وبُحث في المجلس في كفره وفي قبول توبته ببعض ما تضمنته هذه الكراسة، فحكم القاضي المالكي بقتله، فقتل.

وسهُل عندي قتله ما ذكرته من هذا الاستدلال، فهو الذي انشرح صدري لكفره بسبّه، ولقتله بعدم توبته. وهو منزع لم أجد غيري سبقني إليه، إلا ما سيأتي في كلام الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله، في الوجه الثالث من الكلام على هذا الحديث، ونقله عن مالك أنه محمول على الخوارج المكفّرين للمؤمنين.

وإن كان النووي قال: إنه ضعيف، وأن الصحيح أن الخوارج لا يكفرون، لكني أنا لا أوافق النووي على ذلك، بل من ثبت عليه منهم أنه يكفّر من شهد له النبي ﷺ بالجنة من العشرة وغيرهم، فهو كافر.

ولا يلزمني طرد ذلك فيمن لم يشهد له النبي ﷺ، من أعلام الأمة الذين قام الإجماع على إمامتهم؛ كعمر بن عبد العزيز، والشافعي، ومالك وأضرابهم، وإن كان القلب يميل إلى إلحاقهم بهم. ولا شك عندنا في إيمانهم، فمن كفّرهم رجع بكفره، لكن نحمد الله لم نعلم أحدًا كفّرهم، وإنما ذكرناهم على سبيل المثال للحاجة إلى بيان الحكم، وهو أجل في أعيننا وأوقر عندنا من كفرهم إلا على سبيل التعظيم عليه.

والصحابة أعظم منهم، والمشهود لهم بالجنة منهم أعظم وأعظم، والشافعي ومالك وأضرابهما، فضلًا عن الصحابة رضي الله عنهم، فهؤلاء إجماع الناس وأعظم. ولا أستبعد أن أقول: الطعن في هؤلاء طعن في الدين؛ أعني أنه يلحقهم بمن ورد الحديث فيهم.

وأما سائر المؤمنين ممن حكم له بالإيمان، فلا يلزمني تكفير من يرمي واحدًا منهم بالكفر؛ لعدم القطع بإيمانه الباطن الذي أُشير إليه بالحديث بقوله: «إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه». وإنما نقطع بكونه ليس كما قال فيمن شهد له النبي ﷺ، ومن أجمع عليه المسلمون. فهذا هو المأخذ الذي ظهر لي في قتل هذا الرافضي، وإن كنت أتقلده لا فتوى ولا حكمًا».

والجواب على ما أورده السبكي هنا أن يقال: «قد عُرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة، ومن بعدهم، واستحلال دمائهم وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم؛ لتأويلهم».

قاله الإمام ابن قدامة رحمه الله. فالتأويل ـ وهو مانع من موانع التكفير ـ هو ما حمل عليًّا رضي الله عنه على ترك تكفيرهم.

وتكميلاً للبحث هنا، أنبه إلى أن بعض أهل العلم ذهب إلى التوقف في شأن الخوارج، فحكم بمروقهم من الدين، وسكت عن مصيرهم. وإلى هذا أشار أبو العباس القرطبي رحمه الله: «وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء».

ومن أولئك الإمام الذهبي؛ حيث قال: «الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء؛ لأنهم مرقوا من الإسلام، ثم لا ندري مصيرهم إلى ماذا؟ ولا نحكم عليهم بخلود النار، بل نقف».

وتحير بعضهم في المسألة، وفي ذلك يقول القاضي عياض رحمه الله:

«وقد كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالًا عند المتكلمين من سائر المسائل، ولقد رأيت أبا المعالي، وقد رغب إليه الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمهما الله في الكلام عليها، فهرب له من ذلك، واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب موقعه؛ لأن إدخال كافر في الملة أو إخراج مسلم منها عظيم في الدين، وقد اضطرب فيها قول القاضي ابن الطيب، وناهيك به في علم الأصول، وأشار أيضًا القاضي المعوصات؛ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إليه.

والمذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع، بل وقع اتفاق الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام، والله أعلم.

ومن أجمل اللفتات التي وقفت عليها، ونبّه إليها القاضي عياض، ما قاله رحمه الله معلّقًا على واقع الخلاف العلمي في حكم الخوارج؛ حيث قال:

«وفي حديث الخوارج من أخباره عن الغيوب ما يعظم موقعه، منها: إشارته ﷺ إلى ما يكون بعده من اختلاف الأمة في تكفيرهم، والتماري في ذلك، بقوله: ويتمارى في الفوق».

فتأمل كيف آل الاختلاف في هذه المسألة إلى أن يكون دليلًا من دلائل صدق النبي ﷺ ونبوته.

ومن المهم هنا التنبيه على أن أصل البحث في حكم الخوارج ينبغي أن يكون مصروفًا إلى القدر المشترك الذي ذُمّت هذه الطائفة لأجله، والذي جعلته الشريعة موجبًا لهذه التسمية، لا إلى قدر زائد يمكن أن يكون كفرًا، أو تعليق حكم الكفر على اصطلاح مذهبي أو تاريخي وضع متأخرًا.

وهذا يؤكد أهمية تحرير مفهوم الخوارج الشرعي، وما هو المناط الذي جعله الشارع مناسبًا لهذا الوصف.

فمأخذ السبكي، مثلًا، في التكفير راجع إلى صورة خاصة من التكفير، وهو تكفير من تواتر النقل بفضله من صحابة النبي ﷺ، وهو أمر غير ملازم للخوارج فقط، بل يشمل غيرهم. بل سياق الفتوى يشير إلى أن أصل البحث هو في الروافض أصلًا، لا أنه هو المعنى الموجب لإعطاء وصف الخوارج.

وهذا المعنى المنحرف، وإن كان متحققًا فيمن يجزم الناظر في دخولهم قطعًا في مسمى الخوارج، وهم الخوارج الأول، المكفّرين لعلي وعثمان وغيرهما، فإن إمكان غيبة هذه الصورة المعينة من التكفير في تحققات خارجية تالية، لا يمنع من إعطاء الاسم متى توفر عند تلك التحققات التالية التكفير والقتال بالباطل، وغيبة هذه الصورة المعينة من التكفير ليست موجبة لنزع الاسم ضرورة.

فإطلاق القول بتكفير الخوارج دون تحقيق مفهوم الخوارج محل البحث، يمكن أن يُربك البحث كثيرًا. وما من شك في أهمية تناول مسألة تكفير الصحابة بالبحث؛ لدخول هذه المادة الفاسدة على الخوارج الأول، وأن مراعاتها في إطلاق وصف الكفر أو نزعه عن الخوارج سيشملهم قطعًا.

ولكن مراعاة صلة هذه المسألة بمسألة التكفير بالمفهوم الشرعي للخوارج أهم؛ فهو المفهوم الذي جاء الشرع بذمّه، والحكم بمروق أهله، واستمراره في جسد الأمة بعد ذلك.

وإلا فإن إمكان دخول مادة من الكفر على طائفة من الخوارج غير ملزم لغيرهم من الخوارج، ونزع اسم الكفر عن الخوارج لا يلزم أن يكون صكّ براءة لمن واقع شيئًا من المكفّرات منهم، وقامت عليه الحجة فيه، وانتفت عنه موانع التكفير.

والذي يؤكد لك ما ذكرت، ما ذكره ابن حزم في بعض شذاذ الخوارج وغلاتهم، فقال:

«وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلمًا؛ مثل طوائف من الخوارج غلوا، فقالوا: إن الصلاة ركعة بالغداة وركعة بالعشي فقط، وآخرون استحلوا نكاح بنات البنين وبنات البنات، وبنات بني الإخوة وبنات بني الأخوات، وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن».

فبحث حكم الخوارج من جهة التكفير وعدمه، يطمع في معرفة حكم الخوارج جميعًا، لا حكم صورة معينة من تحققاته؛ فليس البحث في حكم المحكمة الأول فقط، والذين لم يكفّروا على الصحيح، ولا غلاة الخوارج المذكورين قريبًا ممن كفروا، وإنما في حكم الخوارج بإطلاق، وهو ما لا يمكن بحثه وتحرير القول فيه إلا بتحرير القول في مفهوم الخوارج، والذي هو مورد الذم...

شرعًا، وإذا كان عليّ رضي الله عنه ومن معه من الصحابة لم يكفّروا خوارج زمانهم، مع تحقق مفهوم الخوارج المذموم شرعًا فيهم، ومع اشتمالهم على مادة فساد زائدة على مفهوم الخوارج، وهو خصوص تكفير علي ومعاوية والحكمين وغيرهم، فهذا يؤكد أن من اتصف بهذا المفهوم، وكان خاليًا من مثل هذا الإشكال أو غيره من المكفّرات، أولى ألا يكون كافرًا.

الأمر الثاني: تشديد المواجهة

فمع شدة التحذير من سلوك طريق الخوارج، بتقبيح أفعالهم، وذم هديهم وسنتهم، فقد أمرت الشريعة بمواجهة الخوارج بشكل حاسم، وذلك بأقوى أنواع المواجهة، وهو القتال.

قال الحافظ ابن كثير: «الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله ﷺ؛ لأن ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن».

وقال ابن الوزير اليماني: «ثبت بالتواتر الأمر بحرب الخوارج وذمهم، وتأثيمهم، وتسميتهم موارق من الإسلام».

وقال: «وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة، وذُمّت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين، مع تعظيمهم في ذلك المعاصي، وتعظيمهم الله تعالى بتكفير عاصيه، فلا يأمن المكفّر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خطر في الدين جليل؛ فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل».

ومن أبلغ ما جاء في هذا الشأن، قول النبي ﷺ: «لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»، وفي رواية: «قتل ثمود».

فتأمل هذا التأكيد الصادر منه بقوله: «أنا»، مع كونه بيّنًا من الحديث، لكن ذكره تأكيدًا لخطورة الأمر وأهميته، وتوثيقًا لعزمه ونيته. ومعنى قوله: «لئن أنا أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد»؛ أي: قتلًا عامًا مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾، وفيه الحث على قتالهم، وفضيلة لعلي رضي الله عنه في قتالهم.

وقوله: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله:

«وفي الأخرى: «قتل ثمود»، ووجه الجمع: أن يكون النبي ﷺ قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخر الآخر. ومعنى هذا: أنه كان يقتلهم قتلًا عامًا، بحيث لا يُبقي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض، ولا يقيل أحدًا منهم، كما فعل الله بعاد، حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة».

كما ثبت عنه الأمر بقتالهم، وبيّن ما لمقاتلهم من الأجر والمثوبة عند الله، وبيّن سوء حال الخوارج المقتولين:

قال: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة».

وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: «فمن أدركهم، فليقتلهم، فإن في قتلهم أجرًا عظيمًا عند الله، لمن قتلهم».

وقال: «فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه».

وقال: «طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم».

وقال: «إنهم شرار أمتي، يقتلهم خيار أمتي».

وقال: «لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم، لاتكلوا عن العمل».

ولما أُتي برؤوس الأزارقة فنُصبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة، فلما رآهم دمعت عيناه، فقال: «كلاب النار، ثلاث مرات، هؤلاء شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء».

قال: فقلت: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: «رحمةً لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام». قال: قلنا: أبرأيك قلت: هؤلاء كلاب النار، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: «إني لجريء! بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا اثنتين ولا ثلاثًا». قال: فعد مرارًا.

وعن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: كنت مع الفرزدق في السجن، فقال الفرزدق: لا أنجاه الله من يدي مالك بن المنذر بن الجارود، إن لم أكن انطلقت أمشي بمكة، فلقيت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري، فسألتهما، فقلت: إني من أهل المشرق، وإن قومًا يخرجون علينا، فيقتلون من قال: لا إله إلا الله، ويأمن من سواهم، فقالا لي، وإلا فلا نجاني الله من مالك بن المنذر: سمعنا خليلنا يقول: «من قتلهم فله أجر شهيد أو شهيدين، ومن قتلوه فله أجر شهيد».

قال ابن هبيرة رحمه الله: «فيه من الفقه توفر الثواب في قتل الخوارج، وأنه بلغ إلى أن خاف علي رضي الله عنه أن يبطر أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قتلهم، وإنما ذكر هذه؛ لئلا يرى أحد في وقت ظهور مثلهم أن قتال المشركين أولى من قتالهم، بل قتالهم على هذا الكلام أولى من قتال المشركين؛ لأن في ذلك حفظ رأس مال الإسلام، وقتال المشركين هو طلب ربح في الإسلام».

ويؤكد هذا الفقه قول أبي سعيد الخدري، والذي رواه عنه عاصم بن شميخ، قال: فرأيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه بعدما كبر، ويداه ترتعشان، يقول: «قتالهم أحل عندي من قتال عدتهم من الترك».

ومما جاء عن عمر بن عبد العزيز في رسالة كتبها إلى الخوارج:

«وإني أقسم لكم بالله، لو كنتم أبكاري من ولدي، فوليتم عما أدعوكم إليه من الحق، لدفقت دماءكم، ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة».

الملحوظة الثانية:

من القضايا اللافتة للنظر في أحاديث الخوارج، إضافة إلى ما سبق ذكره من شدة التوصيفات، وشدة المواجهة، كثرتها عددًا؛ فقد جاء في الخوارج أحاديث كثيرة جدًا في الصحيحين وغيرهما.

بل قد استفاض عن النبي ﷺ الأحاديث بقتال الخوارج، وهي متواترة عند أهل العلم بالحديث. قال الإمام أحمد: «صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخاري منها ثلاثة أوجه: حديث علي وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف، وفي السنن والمسانيد طرق أخر متعددة»، كما نبّه ابن تيمية رحمه الله.

بل سعى الحافظ ابن حجر رحمه الله لحصر عدد من روى أحاديث الخوارج من الصحابة، فساق أسماءهم، ثم قال:

«فهؤلاء خمسة وعشرون من الصحابة، والطرق إلى كثرتهم متعددة، كعلي، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمر، وأبي بكرة، وأبي برزة، وأبي ذر، فيفيد مجموع خبرهم القطع بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ».

بل نبّه الحافظ ابن كثير رحمه الله أن المنقول عن بعض الصحابة في هذا الباب منقول نقلًا متواترًا، حيث سرد من روى أحاديث الخوارج عن علي رضي الله عنه، ثم قال:

«فهذه اثنا عشر طريقًا إليه، ستراها بأسانيدها وألفاظها، ومثل هذا يبلغ حد التواتر».

ثم قال بعد أن ساق تلك الطرق:

«والمقصود أن هذه طرق متواترة عن علي، إذ قد رُوي من الروايات جميعًا طرق متعددة، عن جماعة متباينة، لا يمكن تواطؤهم على الكذب».

ومن اللافت للنظر أيضًا، أنه لم يصح حديث أصلًا في طائفة من طوائف أهل البدع إلا الخوارج. فلماذا خص النبي ﷺ الخوارج بالذكر دون غيرهم؟ ولماذا جاءت الأحاديث بهذا العدد الكبير؟

يمكن أن يكون ذلك عائدًا إلى أحد الاعتبارات التالية، أو إليها جميعًا:

1 ـ أن أصلهم، وبذرتهم الأولى، ظهرت في زمن النبي ﷺ:

فبسبب إدراك النبي ﷺ لأصل هذه البدعة، تناولها بالذكر دون غيرها مما لم يدركه أصلًا. قال الإمام ابن القيم رحمه الله مبينًا هذا المأخذ:

«والذي صح عن النبي ﷺ ذمهم من طوائف أهل البدع: الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح؛ لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي ﷺ، وكلّمه رئيسهم. وأما الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول، وغيرها من البدع، فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة. وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها من كان منهم حيًّا؛ كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهم. وأكثر ما يجيء من ذمهم، فإنما هو موقوف على الصحابة قولهم فيه».

2 ـ أنهم أول الطوائف البدعية خروجًا في جسد الأمة:

فانشقاق الخوارج يمثل أول بادرة انشقاق بدعي في حياة الأمة المسلمة، فتناولها النص بالذكر والتحذير. قال ابن تيمية رحمه الله:

«أول البدع ظهورًا في الإسلام، وأظهرها ذمًّا في السنة والآثار: بدعة الحرورية المارقة».

وقال في كلام أوضح وأصرح:

«والنبي ﷺ إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده؛ بل أولهم خرج في حياته. فذكرهم لقربهم من زمانه، كما خص الله ورسوله أشياء بالذكر لوقوعها في ذلك الزمان، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، وقوله: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ونحو ذلك.

ومثل تعيين النبي ﷺ قبائل من الأنصار، وتخصيصه أسلم وغفار وجهينة وتميمًا وأسدًا وغطفان وغيرهم بأحكام؛ لمعانٍ قامت بهم، وكل من وجدت فيه تلك المعاني أُلحق بهم؛ لأن التخصيص بالذكر لم يكن لاختصاصهم بالحكم، بل لحاجة المخاطبين إذ ذاك إلى تعيينهم، هذا إذا لم تكن ألفاظه شاملة لهم.

3 ـ ما في هذه البدعة من الخطورة باستحلال دماء المسلمين:

فبدعة الخوارج، إضافة إلى المكون القولي الاعتقادي، تشتمل على مركب عملي خطير، وهو استباحة الدم المعصوم، بخلاف كثير من البدع الأخرى، والتي لا يصل انحرافها العملي إلى مقارفة هذه الجريمة الكبرى؛ فتناولها الشارع بالذكر دون غيرها لهذا الاعتبار.

قال ابن تيمية رحمه الله:

«الفساد الظاهر كان في الخوارج؛ من سفك الدماء، وأخذ الأموال، والخروج بالسيف؛ فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بقتالهم، والأحاديث في ذمهم والأمر بقتالهم كثيرة جدًا، وهي متواترة عند أهل الحديث».

وقال:

«والأحاديث فيهم كثيرة، وعظم ذنبهم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، وإلا فلو لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة أمثالهم من أهل الخطأ والضلال».

وقال الشاطبي رحمه الله:

«إذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة والفرقة وترك المؤالفة، لزم من ذلك أن يكون منهىًّا عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشة جدًا كبدعة الخوارج، فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين أهلها، كما عيّن رسول الله ﷺ الخوارج وذكرهم بعلامتهم، حتى يُعرفوا ويُحذر منهم».

4-إمكانية الافتتان بالنموذج

ولعل هذا من أخطر القضايا المتعلقة بالخوارج، خصوصًا في تحققهم الأول؛ فنحن أمام بدعة يتسم أصحابها بالغيرة على الدين والحمية لأحكامه، مع عبادة ظاهرة، وحسن قول، فهذه الأمور تجعل من إمكانية الافتتان بهذا النموذج واقعًا حقيقيًا. ولذا راعت الشريعة هذا المعطى، وجاءت النصوص الشرعية الكثيرة لرفع أي توهم أو إشكال يمكن أن يرد في هذا الشأن، وحتى تستبين الأمر وتدرك عظم القضية.

تصور أن الخوارج الأول خرجوا مع عدم ورود نص فيهم، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أهل الأهواء والبدع؛ ما أثر ذلك في احتمالات توسع قاعدة الخوارج وتزايد أعدادهم والمنضمين إليهم؟ وهل مؤشرات الالتحاق بهم والانضمام إليهم ستزداد أم تقل؟ أجزم أن الأولى يقينًا؛ والذي يؤكد هذا أن قدرًا من هذا الإشكال في الإعجاب بالنموذج الخارجي وقع فعلًا، بل أورث نوعًا من التردد في اتخاذ المواقف حيالهم.

ولذا فقد سعى الصحابة، بما لديهم من معرفة وعلم من خبر الصادق ﷺ، إلى حلحلة هذا التصور والسعي إلى زحزحته. فعن عبيد الله بن أبي يزيد، مثلًا، قال: سمعت ابن عباس ـ وذكر الخوارج عنده ـ فقال: «ليسوا بأشد اجتهادًا من اليهود والنصارى، وهم يضلون».

فكأن ابن عباس أراد غلق باب الإعجاب بهم، الناشئ من النظر في تعبدهم.

ومن المواقف التي تؤكد هذا، ما جاء عن نافع، قال: أخبرني ابن عمر، أن نجدة لاقاه، فحلّ شَرْحَ سيفه فأسرحه، قال: ثم مر به فحله أيضًا، فأسرحه، ثم مر به الثالثة، فقال: «من أسرح هذا؟ كأنه ليس في أنفسكم ما في أنفسنا».

وتأمل في طبيعة بعض تساؤلات التابعين، والتي كانوا يقضون بها إلى الصحابة مما يتصل بشأن الخوارج، تكشف لك فعلًا عن مدى الشبهة الواقعة بسبب ما عليه ظاهر هؤلاء من العبادة العظيمة. خذ مثلًا ما ذكره يزيد الفقير إلى الله عن نفسه، قال: قرأت القرآن وأنا غلام شاب، فأتاني نفر من الخوارج يدعونني إلى أمرهم، فقضي أني حججت معهم، فقالوا: هل لك في رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حديثه ينقض بعضه بعضًا؟ فقمت معهم، فإذا أبو سعيد الخدري، فقيل: يا أبا سعيد، إن ههنا رجالًا هم أقرأ بالقرآن، وذُكر من صلاحهم. قال: فبينا هم كذلك، إذ خرجوا علينا بأسيافهم. فقال أبو سعيد: قال رسول الله ﷺ: «يكون في أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية».

وأظهر مما تقدم جميعًا في الكشف عن هذا المعنى وخطورته، ما وقع فعلًا قبيل لحظة اصطدام معسكر علي مع الخوارج في النهروان.

قال جندب: لما فارقت الخوارج عليًّا، خرج في طلبهم، وخرجنا معه، فانتهينا إلى عسكر القوم، فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن، وفيهم أصحاب الثفنات، وأصحاب البرانس. فلما رأيتهم دخلني من ذلك شك، فتنحيت، فركزت رمحي، ونزلت عن فرسي، ووضعت ترسي، فنثرت عليه درعي، وأخذت بمقود فرسي، فقمت أصلي إلى رمحي، وأنا أقول في صلاتي: «اللهم إن كان قتال هؤلاء القوم لك طاعة فأذن فيه، وإن كان معصية فأرني براءتك».

قال: فأنا كذلك، إذ أقبل عليّ على بغلة رسول الله ﷺ، فلما حاذاني قال: «تعوذ بالله يا جندب من الشك». فجئت أسعى إليه، ونزل فقام يصلي.

إذ أقبل رجل على بِرْدَوْن يقرب به، فقال: يا أمير المؤمنين. قال: ما تشاء؟ قال: ألك حاجة في القوم؟ قال: وما ذاك؟ قال: قد قطعوا النهر، فذهبوا. قال: «ما قطعوه». قلت: سبحان الله!

ثم جاء آخر أرفع منه في الجري، فقال: يا أمير المؤمنين. قال: ما تشاء؟ قال: ألك حاجة في القوم؟ قال: وما ذاك؟ قال: قد قطعوا النهر، فذهبوا. قلت: الله أكبر!

فقال علي: «ما قطعوه».

ثم جاء آخر يستحضر بفرسه، فقال: يا أمير المؤمنين. قال: ما تشاء؟ قال: ألك حاجة في القوم؟ قال: وما ذاك؟ قال: قد قطعوا النهر. فقال علي: «ما قطعوه، ولا يقطعوه، وليُقتلنّ دونه عهد...»

من الله ورسوله». قلت: الله أكبر! ثم قمت فأمسكت له بالركاب، فركب فرسه، ثم رجعت إلى درعي فلبستها، وإلى فرسي فعلوته، ثم وضعت رجلي في الركاب، وخرجت أسايره، فقال لي: «يا جندب». قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: «أما أنا فأبعث إليهم رجلًا يقرأ المصحف، ويدعو إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل. يا جندب، إنه لا يُقتل منا عشرة، ولا ينجو منهم عشرة».

فانتهينا إلى القوم، وهم في معسكرهم الذي كانوا فيه لم يبرحوا، فنادى علي في أصحابه فصفهم، ثم أتى الصف من رأسه ذا إلى رأسه ذا مرتين، وهو يقول: «من يأخذ هذا المصحف، فيمشي به إلى هؤلاء، فيدعوهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وهو مقتول، وله الجنة؟» فلم يجبه إلا شاب من بني عامر بن صعصعة. فلما رأى علي حداثة سنه، قال له: «ارجع إلى موقفك». ثم نادى الثانية، فلم يخرج إليه إلا ذلك الشاب، ثم نادى الثالثة، فلم يخرج إليه إلا ذلك الشاب.

فقال له علي: «خذ». فأخذ المصحف. فقال: «أما إنك مقتول، ولست تقبل علينا بوجهك حتى يرشقوك بالنبل». فخرج الشاب يمشي بالمصحف إلى القوم، فلما دنا منهم حيث سمعوا، قاموا ونشبوا القتال قبل أن يرجع. قال: فرماه إنسان بالنبل، فأقبل علينا بوجهه، فقعد. فقال علي: «دونكم القوم».

قال جندب: فقتلت منهم بعد ما دخلني ما كان دخلني ثمانية، قبل أن أصلي الظهر، وما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة، كما قال.

فتأمل أثر عبادة الخوارج وحالهم على بعض أهل الحق، وما أورثه من الشك والتردد، واعتبر بما سبق ذكره في أوائل البحث مما وقع من أبي بكر وعمر حين أمرا بقتل ذاك الرجل المصلي، يستبن لك هذا المعنى. واستحضر أيضًا حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، والذي قال فيه النبي ﷺ: «إن أخوف ما أخاف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رُئيت بهجته عليه، وكان ردئًا للإسلام، غيّره إلى غيره، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك».

فانسلخ جنس بالشرك، فتأمل كيف سأل حذيفة بعدها: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ مع وضوح الأمر، وما سأله إلا استثباتًا، ومحركه مما نحن فيه؛ فذاك رجل قد قرأ القرآن حتى إذا رُئيت بهجته عليه، وكان ردئًا للإسلام، غيّره إلى غيره.

وللآجري كلام مهم، مضمونه التنبيه إلى هذا المعنى، والتحذير من الافتتان بهذا النموذج الخارجي، فقال: «لا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام، عدلًا كان الإمام أو جائرًا، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج، وقد روي عن رسول الله ﷺ فيما قلته أخبار لا أئمة يدفعها كثير من علماء المسلمين، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع المسلمين».

وقال رحمه الله: «لم يختلف العلماء قديمًا وحديثًا، أن الخوارج قوم سوء، عصاة الله تعالى ولرسوله ﷺ، وإن صلوا وصاموا، واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم. نعم، ويُظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذرنا الله تعالى منهم، وحذرنا النبي ﷺ، وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده، وحذرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج، يتوارثون هذا المذهب قديمًا وحديثًا، ويخرجون على الأئمة والأمراء، ويستحلون قتل المسلمين».

والذي يؤكد ما تقدم تنبيه لطيف ذكره الوزير ابن هبيرة رحمه الله في كون حب علي له من الإيمان، قال: ولما كان من مقتضيات الإيمان أنه لما علم رسول الله ﷺ ما سيكون بعده، وما سيقول الخوارج في علي، وما سيُدفع إليه علي، ويُمنى به من الاضطرار، أو إلى أن يرى قتل البعض في مصلحة الكل، وعلم أن هذا مما تتزلزل له قلوب الذين لا يفقهون، فعُلِّق حب علي ركنًا من أركان الإيمان. فهذا الباعث للتأكيد على فضل علي ووجوب حبه، وأنه من الإيمان، هو ذات الباعث في ذكر أحاديث الخوارج. والله أعلم.

وهناك اعتبار آخر يمكن ملاحظته أيضًا، وإن كان أخف من الاعتبار الذي سبق ذكره من مسببات الافتتان بالنموذج الخارجي، وهو خفة هذه البدعة مقارنة بغيرها من البدع القولية التالية، واتكاء أصحابها في مقولاتهم على الكتاب والسنة.

ولابن تيمية تنبيه جميل في أنه إنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة، قويت البدعة. فقال رحمه الله: «وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب؛ فلهذا حدث أولًا بدعة الخوارج والشيعة، ثم بدعة القدرية والمرجئة، وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية».

وقال: «ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف؛ فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية، والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها».

والذي يؤكد ما يمكن أن تفعله هذه البدعة في نفوس بعض أبناء تلك الطبقة من الاشتباه، وتأثير اتكائها على نصوص الوحي، ما جاء من مناظرة عبد الله بن الزبير لهم، حيث قال: «لقيني ناس ممن كان يطعن على عثمان ممن يريد رأي الخوارج، فراجعوني في رأيهم، وحاجوني بالقرآن». قال: فلم أقم معهم، ولم أقعد. فرجعت إلى الزبير منكسِرًا، فذكرت ذلك له، فقال الزبير: «إن القرآن قد...».

تأوّله كل قوم على رأيهم، وحملوه عليه، لَعَمْرُ الله، إن القرآن لمعتدل مستقيم، وما التقصير إلا من قبلهم، ومن طعنوا عليه من الناس فإنهم لا يطعنون على أبي بكر وعمر، فخذهم بسنتهما وسيرتهما. قال عبد الله: فكأنما أيقظني بذلك، فلقيتهم، فحاججتهم بسنة أبي بكر وعمر، فلما أخذتهم بذلك قهرتهم، وضعف قولهم، حتى لكأنهم صبيان يمغثون سُحبهم.

الملحوظة الثالثة:

أن النصوص الشرعية لم تضع عنوانًا ولا اسمًا خاصًّا لهذه الطائفة، بل جاءت التسمية لاحقًا مع لحظة ظهورهم وخروجهم، ثم نُزِّلت النصوص الشرعية عليهم. فقد تناولت النصوص ذكر الخوارج ببيان صفاتهم وسماتهم وأماراتهم الكاشفة عنهم، أما هذا الاسم المعيّن المخصوص، وهو «الخوارج»، فلم يرد في النصوص الشرعية ابتداءً على جهة التسمية لهم.

أما غيره من الأسماء، كالحرورية، فليس له ذكر فيها. وما ورد مما يوهم خلاف هذا من أحاديث فجميعها ضعيف، لا يصح عن النبي ﷺ؛ كالخبر المروي عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله ﷺ: «الخوارج كلاب النار». أو ما جاء عن حميد بن مهران قال: سألت أبا غالب عن هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فقال: حدثني أبو أمامة عن رسول الله ﷺ، قال: «هم الخوارج». وسألته عن هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فقال: حدثني أبو أمامة، عن رسول الله ﷺ، أنهم الخوارج. أو قول عائشة رضي الله عنها: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج فقال: «هم شرار أمتي، يقتلهم خيار أمتي».

فلا يظهر في هذه الأخبار ما يصح، إلا ما يكون من الخبر الأخير المروي عن عائشة، فقد حسّن إسناده الحافظ ابن حجر، فبتقدير قوته يقال: الظاهر أنه من تصرف الراوي؛ لربط الخبر النبوي بواقع مشاهد، دون أن يصرح النبي ﷺ في نفس الأمر باستعمال ذلك الاسم؛ فالمقصود أنه ذكر حديثًا في شأنهم، وهو تنزيل من الراوي لحديث النبي ﷺ على طائفة مخصوصة، لا أنه ذكر اسمهم.

وقريب من هذا الصنيع صنيعُ المحدّثين في تبويباتهم التي عقدوها في شأن الخوارج، كتبويب الإمام البخاري، عليه رحمة الله، في صحيحه: «باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة»، وكالتبويب المعقود في صحيح مسلم: «باب الخوارج شر الخلق والخليقة»؛ فهذا منهم ربط بين النصوص الحديثية والواقع، أما النصوص نفسها فلم تعطِ اسمًا محددًا لهذا الواقع.

والذي يؤكد ما سبق تحفّظ بعض الصحابة من مسألة الأسماء، واعتناؤهم بذكر الصفات؛ كالذي جرى من أبي سعيد الخدري حين سأله أبو سلمة وعطاء بن يسار عن الحرورية: أسمعت النبي ﷺ؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعت النبي ﷺ يقول: «يخرج في هذه الأمة...» الحديث.

ثم وجدت الحافظ ابن حجر، رحمه الله، قد صرّح بهذا المعنى فقال: «مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصًّا بلفظ الحرورية، وإنما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم في الحرورية بأنهم هم».

وهذه ملاحظة مهمة، سيكون لها آثارها العلمية والعملية التي يأتي الحديث عنها لاحقًا عند ذكر نتائج البحث وآثاره، فكن منها على ذكر.

الملحوظة الرابعة

ظهر من جميع الأحاديث والروايات عدم مجيء مسألة تكفير مرتكب الكبيرة كمحدد من محددات الخوارج، ولا صفة من صفاتهم، وإنما الذي ورد تهمة بالتكفير عامة مطلقة عن التقييد بصورة معينة، وهذه قضية في غاية الأهمية، وسيكون لها آثارها المهمة جدًا عند استخلاص نتائج البحث في مفهوم الخوارج، وتطبيقاته المتعلقة بالواقع والتاريخ، فكن منها على ذكر أيضًا.

_________________________________________________

ظهور المكوّن الخارجي في ضوء محدداته

المحدد النظري: التكفير بغير حق

سبق بيان أن السبب الموجب لحالة الانشقاق عن جيش علي من قبل الخوارج كان عائدًا إلى تكفيره، وسبب هذا التكفير ـ كما عبّروا وبحسب دعواهم ـ أنه حكّم الرجال في دين الله تعالى، وأنه «لا حكم إلا لله». وهذه الإشكالية كانت تمثل الإشكالية المركزية التي يمكن ملاحظتها مع لحظة انطلاق القاطرة الخارجية من محطتها الأولى؛ لتستقر بعدها في محطات تاريخية متتابعة. فنقطة الانطلاق كانت من التكفير، ولقد كان تكفيرهم هذا موضع جدل واسع بينهم وبين الصحابة الذين سعوا في مجادلتهم، وكشف ما وقعوا فيه من جهل وضلال.

ومن خلال دراسة أسباب تكفيرهم لعلي وعدد من الصحابة، سنلحظ كيف أن عجلة المقولات الخارجية كانت تدور بسرعة؛ لتتطور مقولاتهم على نحو متسارع، وليسعوا بشكل متلاحق في تطوير بناهم الاستدلالية، ويفتشوا عن مزيد من المستندات التي يبررون من خلالها ما تبنوه من مقولات. وهذه سمة سيدركها المتابع لتاريخ الخوارج ومقولاتهم، وهي أحد المسببات الكبرى في حالة التشظي والافتراق عندهم، وعدم استقرار المذهب على مقولات ثابتة مستقرة.

فسبب انشقاقهم ـ ابتداءً ـ عن جيش علي هو اعتراضهم عليه حين رضي، رضي الله عنه، بتحكيم الرجال في كتاب الله، وكانوا يرون في جيش معاوية وأهل الشام بغاةً يتعين قتالهم؛ لخروجهم على الإمام واجب الطاعة، امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَيْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

فليس من سبيل عندهم للتعامل مع من بغى إلا بالقتال، لا بتحكيم ولا بغيره، حتى يفيء ذلك الباغي إلى أمر الله، وأن ترك القتال في هذا المقام عصيان له تبارك وتعالى يستوجب الإنكار، وهو ما فعلوه مباشرة.

وحين بدأت تتجلّى طبيعة التحكيم، وما وقع من ترشيح الحكمين، وكان الحكمان من خيار الصحابة، وهما: عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري من جهة أهل العراق، رأوا فيه تنازلًا عن حكم الله؛ ليكون الحكم مفوضًا إلى الرجال، وهو كفر، وأن عليًّا ومن معه، ومعاوية ومن معه، برضاهم بهذا التحكيم الباطل، قد لابسوا الكفر وواقعوه.

وأول من قال منهم: «لا حكم إلا الله»: عروة بن حدير، أخو مرداس الخارجي، وقيل: إن أول من قالها يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل: إنه رجل من بني يشكر، كان مع علي رضي الله عنه بصفين، ولما اتفق الفريقان على التحكيم، ركب وحمل على أصحاب علي وقتل منهم واحدًا، ثم حمل على أصحاب معاوية وقتل منهم واحدًا، ثم نادى بين العسكرين أنه بريء من علي ومعاوية، وأنه خرج من حكمهما، فقتله رجل من همدان. ثم إن جماعة ممن كانوا مع علي رضي الله عنه في حرب صفين، استمعوا منه ذلك الكلام، واستقرت في قلوبهم تلك الشبهة، ورجعوا مع علي إلى الكوفة، ثم فارقوه ورجعوا إلى حروراء، وكانوا اثني عشر ألف رجل من المقاتلة، ومن هنا سُمّيت الخوارج: حرورية.

وقد أحسن الذهبي حين بيّن أثر ما جرى على المعسكر العراقي والشامي، فقال: «ورجع علي إلى الكوفة بالدغل من أصحابه والاختلاف، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمه، وقالوا: لا حكم إلا لله. ورجع معاوية بالألفة والاجتماع، وبايعه أهل الشام بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين».

ثم إن الخوارج أخذوا يعزّزون موقفهم هذا بالتكفير ببعض ما جرت عليه وثيقة التحكيم، فحين كانت المفاوضات تجري بين الطرفين على بنود التحكيم وصورته، كُتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه واسم أبيه؛ هو أميركم وليس بأميرنا. فقال الأحنف: لا تكتب إلا أمير المؤمنين. فقال علي: امحه، واكتب: هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب، ثم استشهد علي بقصة الحديبية حين امتنع أهل مكة من قوله: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فامتنع المشركون من ذلك، وقالوا: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فكتب الكاتب: هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فاتخذ مثل هذا ذريعة من الخوارج بعد ذلك إلى تأكيد كفره، كما سيأتي.

بل عادوا بعد ذلك إلى التاريخ، وأخذوا يعضدون موقفهم بما جرى من علي حيال أهل الجمل، من المقاتلة، وترك السبي وأخذ الأموال، كما سيأتي أيضًا. وهذا ما يؤكد فعلًا أننا أمام حالة غير ناضجة عقديًا، ولا مستقرة، بل هي مقولات ودلائل آخذة في التطور بشكل متسارع ومتلاحق؛ لينتشر بعد ذلك ويشيع القول بتكفير عثمان، وطلحة، والزبير، وغيرهم. وهي مقولات، إن قدر وجودها، قد كانت محدودة، لكن أولئك الخوارج فتقوها، وسعوا في التأصيل لها والتنظير عقب هذه الأحداث.

والأصل النظري الذي انطلقوا منه في حملة التكفير هذه دعوى أطلقوها بجهل: «لا حكم إلا لله»، من غير أن يفقهوا حق الفقه مدلول هذا الشعار ومعناه، وصار الخوارج بعد ذلك، وفي عدد غير قليل من المناسبات، يتصايحون أمام علي بوقاحتهم: «لا حكم إلا لله»؛ ليعيدوا إلى الذاكرة تلك الجرأة والوقاحة مع مقام النبي ﷺ، حين تم مواجهته بقول رأسهم الأول: «اعدل يا محمد».

وكان علي يبين لهم خطأهم وقلة فقههم، بل بدأ يحدث ويلمح إلى كون هؤلاء مقصودين بأحاديث الخوارج؛ فمن ذلك:

  • ما أخبر به عبيد الله بن أبي رافع - مولى رسول الله ﷺ - أن الحرورية لما خرجت، وهو مع علي بن أبي طالب، قالوا: لا حكم إلا الله! قال علي: «كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله ﷺ وصف ناسًا، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم» - وأشار إلى حلقه - «من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي».

  • فلما قتلهم علي بن أبي طالب قال: «انظروا»، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال: «ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كُذِّبت»، مرتين أو ثلاثًا. ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم.

  • وعن كثير بن نمر، قال: بينما أنا في الجمعة، وعلي على المنبر، إذ قام رجل فقال: «لا حكم إلا لله»، ثم قام آخر فقال: «لا حكم إلا لله!»، ثم قاموا من نواحي المسجد، فأشار إليهم علي بيده: «اجلسوا، نعم، لا حكم إلا الله، كلمة يبتغى بها باطل، حكم الله ننظر فيكم، ألا إن لكم عندي ثلاث خصال ما كنتم معنا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم فينا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا»، ثم أخذ في خطبته.

  • وعن عاصم بن ضمرة، قال: سمع علي قومًا يقولون: «لا حكم إلا الله». قال: «نعم، لا حكم إلا لله، ولكن لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر، يعمل فيه المؤمن، ويستمتع فيه الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل».

ولما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل، اشتد أمر الخوارج، وبالغوا في النكير على علي، وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا: «لا حكم إلا لله». فقال علي: «لا حكم إلا لله». فقال له حرقوص: «تبب إلى الله من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم، حتى نلقى ربنا.

فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابًا وعهودًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾.

فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. فقال علي: ما هو بذنب، ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه.

فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك، أطلب بذلك وجه الله ورضوانه.

فقال له: تبًّا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تسفي عليك الريح. فقال: وددت أن قد كان ذلك.

فقال له علي: إنك لو كنت محقًّا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم. فخرجا من عنده يحكمان أمرهما.

ومما جرى من هذا أيضًا أن عليًّا قام خطيبًا في بعض الجمع، فذكر أمر الخوارج فذمّه وعابه، فقام إليه جماعة منهم، كل يقول: «لا حكم إلا لله». وقام رجل منهم، وهو واضع أصبعه في أذنيه، يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا، وهو على المنبر، يقول: «حُكم الله ننتظر فيكم». ثم قال: «إن لكم علينا ألا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا».

واستمر إيذاؤهم له بمثل هذه الممارسات الصبيانية، بإعلان كفره بمناسبة وبدون مناسبة، ومن ذلك ما رواه حكيم بن سعد: أن رجلًا من الخوارج قال لعلي: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، وهو راكع.

قال ابن تيمية رحمه الله:

فإن قول علي بن أبي طالب: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ هو كلام الله، ولم يقصد علي أن يقول للخارجي: «ولا يستخفنك الخوارج»؛ وإنما قصد أن يُسمعه الآية، وأنه عامل بها صابر، لا يستخفه الذين لا يوقنون.

فقد ثبت عندنا أن المحدد الأول من محددات الخوارج قد تحقق فعلًا في أولئك الخارجين على علي، وذلك بتكفيرهم له ولمعاوية، وللحكمين، ومن رضي بالتحكيم من صحابة وتابعين؛ ولتوثيق هذه المسألة، وحتى نستكشف شيئًا من طبيعة هذا التكفير ومبرراته ومستنداته، فستكون لنا إطلالة على الجدليات التي وقعت مع أولئك النفر في محاولة لحلحلة تلك الشبهات، وتفكيك ما استندوا إليه من حجج ومبررات، ولندرك من خلال ذلك حجم الانحراف الذي وقع منهم في ممارستهم التكفيرية هذه.

من أهم الوثائق التاريخية التي تنم عن حجم الخوارج، وتكشف عن انحراف مناطات التكفير عندهم:

ما وقع من مناظرات بينهم وبين صحابة النبي ﷺ، خصوصًا مناظرة علي لهم، ومناظرة ابن عباس. وفيهما يقول الإمام الشاطبي: «ومن تأمل كلامهم في مسألة التحكيم مع علي بن أبي طالب وابن عباس، وفي غيرها، ظهر له خروجهم عن القصد، وعدولهم عن الصواب، وهدمهم للقواعد».

وهذه المناظرات تكشف أيضًا عن مدى حرص الصحابة على معالجة الموقف، واستنقاذ من يمكن استنقاذه من هذا الانحراف، وقد تكللت جهودهم بنجاح كبير؛ حيث استطاعوا أن يستعيدوا عددًا غير قليل منهم، وذلك برفع جهلهم، وانتشالهم من مأزقهم بالعلم.

___________________________________________________

مظاهر الخلل المنهجي في الفهم الخارجي

مع بواعث هذا الخطأ والانحراف في مسألة التكفير، وما ترتب عليه تاليًا من استباحة الدم الحرام، هو الجهل والهوى. فمع دعواهم أنهم ملتزمون بدلالة الوحي، لكنه التزام مفتقر إلى الفقه المطلوب؛ ولذا فقد أنزلوا ذلك الوحي في غير منازله، ووضعوه في غير موضعه، وتعلقوا بالمتشابه منه معترضين على محكمه.

ويكفي لإدراك لوازم السوء هذه ما وقع منهم من تكفير أعلام الأمة، ممن دلت النصوص المتواترة على فضلهم، وانعقد الإجماع على جليل قدرهم وعظيم منزلتهم. وهو ما لحظه الصحابة والتابعون وانتقدوه من منهجية الاستدلال المنحرفة، والتي ولدت جهلًا، وولد الجهل جهالةً في الأقوال والأعمال.

عن الحسن قال: «العامل على غير علم كالسائر على غير الطريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح. فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بترك العبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بترك العلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا؛ يعني: الخوارج».

فطلب العبادة بالجهل خطير جدًا، وهو يورد صاحبه المهالك.

وقد سبق ذكر البيان النبوي في أسباب انحراف هؤلاء، وبيَّن أن ما وقع منهم من بدعتي الغلو في التكفير والقتال هو واقع بسبب خلل منهجي عميق في أدوات الفهم عندهم. فجاء ذلك في معرض تبيانه لشيء من صفات الخوارج وشأنهم، وكيف أنهم «حُدَثَاءُ الأسنان، سفهاء الأحلام»، و«يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم»، إلى غير ذلك مما ذكره النبي ﷺ عنهم.

ومن الأحاديث المهمة التي يتأكد إيرادها هنا، والذي يكشف فيه النبي ﷺ عن انتقال مركز الصراع حول الوحي من منطقة التنزيل إلى منطقة التأويل؛ فلئن كان قتال أهل الإسلام مع غيرهم هو قتال على تنزيل الوحي، فالقتال الذي يقع بين أهل الإسلام يمكن أن تدور رحاه على تأويله وفهمه.

وهو الذي أبان النبي ﷺ عن وقوعه، وهو ما وقع فعلًا بانشقاق الخوارج في فهم الكتاب، فكفّروا المسلمين ثم قاتلوهم نصرةً لتأويلهم. وقد أكد الرسول ﷺ هذا بذكره أن عليًّا هو من سيحظى بشرف المقاتلة على التأويل الحق للوحي، وهو قتال يحبه الله ورسوله.

قال أبو سعيد الخدري: كنا جلوسًا ننتظر رسول الله ﷺ، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلف عليها علي يخصفها، فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال: «إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله». فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: «لا، ولكنه خاصف النعل». قال: فجئنا نبشره، قال: وكأنه قد سمعه.

قال ابن تيمية رحمه الله: «أول سيف سُلَّ على الخلاف في القواعد الدينية، سيف الخوارج، وقتالهم من أعظم القتال، وهم الذين ابتدعوا أقوالًا خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، وهم الذين تواترت النصوص بذكرهم».

وأهم ما يمكن رصده من إشكاليات منهجية في الفهم والاستدلال عند أولئك الخوارج، مما تنبه إليه الصحابة ومن بعدهم، ونبهوا إليه، ما يلي:

1- التعلق بمتشابه الوحي

فالله تعالى حين أنزل الوحي، أنزله على طبيعتين: نصوص محكمات لا يختلف في معناها ودلالتها، ونصوص متشابهة قابلة للاختلاف، وجعل ذلك محنةً واختبارًا؛ لينظر من يُقبل على المحكم ويرد المتشابه إليه، ومن يعرض عن المحكم تعلقًا بالمتشابه.

وبيّن أن أمارة العلم والرسوخ فيه سلوك السبيل الأولى، وأن علامة الزيغ والخذلان سلوك الأخرى؛ قال الله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

قال النبي ﷺ معلِّقًا على هذه الآية الكريمة: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله، فاحذروهم».

وقد تحقق هذا الأمر فعلًا، وظهر في الخوارج، وهو ما لاحظه الصحابة والتابعون، فأخذوا حذرهم منهم وحذّروا، وسعوا في بيان هذا الانحراف المنهجي؛ طمعًا في ردهم للإقبال على محكم الوحي.

قال ابن عباس - مثلًا - في أثناء مناظرته للخوارج: «أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه ما لا تنكرون، أترجعون؟». وهو تلميح إلى تصحيح مسالك النظر أولًا؛ طلبًا لتحقيق الصواب في النتائج والأقوال، ويتضمن أيضًا تلميحًا إلى خلل واقع عندهم في هذا الباب، وهو ما صرّح به في مقام آخر؛ حيث ذكر ما يلقى الخوارج عند القرآن، فقال: «يؤمنون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه».

وجاء عن أبي غالب قال: كنت عند أبي أمامة، فقال له رجل: أرأيت قول الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، من هؤلاء؟ قال: «هم الخوارج».

كما صرّح بهذا - أيضًا - سعيد بن جبير رحمه الله فقال: «أما المتشابهات: فهنَّ أي في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن، من أجل ذلك يضلُّ من ضل ممن ادعى هذه الكلمة، كل فرقة يقرؤون آيات من القرآن، ويزعمون أنها لهم، أصابوا بها الهدى، ومما تتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ويقرؤون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية».

2- تنزيل النصوص على غير محالها

من المشكلات الأساسية عند الخوارج، الدالة على عميق جهلهم وقلة فقههم لدلالات الوحي، تنزيل نصوصه على غير مواضعها، وهي مسألة تنبّه لها وأشار إليها عبد الله بن عمر، حيث قال فيهم: «إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين».

فهم - بحكم جهلهم - نزلوا آيات لا تصح إلا في الكفار، فحملوها على المسلمين، وجعلوا ما يتعلق بحكم الكفار منها حكمًا في المسلمين. ولم يكن الأمر منهم مجرد استثمار لدلالة الآية في تقبيح ما قبّح الله من الكفار ليحذره المسلمون، لكنهم نقلوا النص من مجال التفعيل في الكفار، فجعلوه نصًّا فاعلًا في المسلمين، وخرجوا بمقصود الآية عن مقصودها بالكلية. وهي ملاحظة نص عليها غير واحد من السلف؛ فقد قال عيسى بن عبد الرحمن: سألت الشعبي عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، قال: قلت: تزعم الخوارج أنها في الأمراء. قال: كذبوا، إنما أنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: أما ما قتل الله، فلا تأكلون منه - يعني: الميتة - وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون.

وعن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، قال له: أليس ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؟ قال: بلى. قال: وانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إن هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا، إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه عليَّ.

فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حدها.

فتأمل شيوع هذا الأمر في الخوارج شيوعًا حتى صار كالأمارة عليهم، وتأمل كيف يُراد تمرير تكفير المسلمين بمثل هذه الجهالات؟

3- تبعيض الوحي

من الواجبات المنهجية الكبرى في التعامل مع نصوص الوحي، الأخذ بها جميعًا، لا الأخذ ببعضها واطراح بعضها؛ كحال من ذمهم الله تعالى في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.

فـ«كثيرًا ما ترى الجهال يحتجون لأنفسهم بأدلة فاسدة، وبأدلة صحيحة اقتصارًا على دليل ما، واطراحًا للنظر في غيره من الأدلة». ولذا، فقد كان من أعظم أمارات الفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من أهل البدع، هو في مدى استمساكهم بالوحي كله، أو الوقوع في فخ تبعيضه. وقد أشار وكيع بن الجراح إلى هذا في عبارة شديدة التركيز: «أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الأهواء، فلا يذكرون إلا ما لهم».

وهذه الإشكالية تعبر في الحقيقة عن محركات الهوى عندما تتمكن من صاحبه، فيسعى في التقاط ما يناسب هواه من الدلائل، معرضًا عما يعارضها. وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله: «فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها؛ حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة، لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله. وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع... بخلاف غير المبتدع؛ فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه، وأخر هواه - إن كان - فجعله بالتبع».

وغلبة الهوى حالة تعمي، تحمل صاحبها على رد ما لا يوافق مزاجها من الأدلة، وهي حالة حاضرة في الحالة العقدية للزائغين؛ فللهوى تأثير مزدوج خطير في عملية الاستدلال، بالإقبال على الأدلة الموافقة، والإعراض عن الأدلة المخالفة.

فأحد مسببات الضلال الخارجي هو تعلقهم ببعض الآيات ظنًّا منهم أنها تنصر مذهبهم، ولم يعبؤوا بآيات أُخر تنقض هذا المذهب. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «فأهل حروراء وغيرهم من الخوارج، قطعوا قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ عن قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وغيرها».

4- رد السنة التي يتوهمون مخالفتها لظاهر القرآن

الحقيقة أن موقف الخوارج فيما يتعلق بموقفهم من السنة، فيه قدر من الالتباس والارتباك؛ فطبيعة الجدليات المبكرة، والمناظرات، تكشف أنه لم يكن لهم موقف حدي منهجي من السنة النبوية. وليس معنى ذلك عدم وجود مشكلات عندهم في هذا الباب، فما وقع منهم من تكفير الصحابة، ينبغي أن يكون له تأثير كبير في هذا، ولكن يبدو أن تبلور رؤى منهجية محددة، كرد خبر الآحاد مثلًا، والاقتصار في العمل على المتواتر، وغير ذلك، جاء تطويره وتبنيه لاحقًا، وهو أمر طبيعي في ظل تطور المنظومة العقدية الخارجية. وهذه ملحوظة ينبغي إدراكها؛ فليس كل ما يورد هنا يلزم أن يكون ممثلًا للتصور الخارجي، خصوصًا في بدايات التشكل، وإن أفضى بعد ذلك إلى نوع استقرار داخل البيت الخارجي كله، أو أن يكون قولًا لبعضهم.

حتى قال بعضهم برد ما يتوهمونه مخالفًا لظاهر القرآن، ولو ثبت عندهم أن الرسول ﷺ سنَّه. يقول ابن تيمية رحمه الله: «فإن من الخوارج من يرد السنة المخالفة لظاهر القرآن، مع علمه بأن الرسول سنه»؛ وذلك أن الخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن، «مع أنه لم يوجد في ظاهر القرآن ما يخالف السنة».

وقد بيّن ابن تيمية ما يمكن أن يقع بين الخوارج من تباينات منهجية في تعاطيهم مع السنة، وذلك في معرض تحليله لحكاية أرباب المقالات مقالات الخوارج في هذا الباب، قال رحمه الله: «وقد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنهم يجوزون على الأنبياء الكبائر؛ ولهذا لا يلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن وإن كانت متواترة، فلا يرجمون الزاني، ويقطعون يد السارق فيما قل أو كثر؛ زعمًا منهم - على ما قيل - أن لا حجة إلا القرآن، وأن السنة الصادرة عن الرسول ﷺ ليست حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد.

قال من حكى ذلك عنهم: إنهم لا يطعنون في النقل؛ لتواتر ذلك، وإنما يبنونه على هذا الأصل؛ ولهذا قال النبي ﷺ في صفتهم: إنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يتأولونه برأيهم من غير استدلال على معانيه بالسنة، وهم لا يفهمونه بقلوبهم، إنما يتلونه بألسنتهم.

والتحقيق: أنهم أصناف مختلفة؛ فهذا رأي طائفة منهم، وطائفة قد يكذِّبون النقلة، وطائفة لم يسمعوا ذلك ولم يطلبوا علمه، وطائفة يزعمون أن ما ليس له ذكر في القرآن بصريحه ليس حجة على الخلق، إما لكونه منسوخًا، أو مخصوصًا بالرسول، أو غير ذلك. وكذلك ما ذكر من تجويزهم الكبائر، فأظنه - والله أعلم - قول طائفة منهم.

وعلى كل حال، فمن كان يعتقد أن النبي ﷺ جائر في قسمه، ويقول: إنه يفعلها بأمر الله، فهو مكذب له، ومن زعم أنه يجور في حكم أو قسمة، فقد زعم أنه خائن، وأن اتباعه لا يجب، وهو مناقض لما تضمنته الرسالة من أمانته، ووجوب طاعته، وزوال الحرج عن النفس من قضائه بقوله وفعله؛ فإنه قد بلغ عن الله أنه أوجب طاعته، والانقياد لحكمه، ولأنه لا يحيف على أحد.

فمن طعن في هذا فقد طعن في صحة تبليغه، وذلك طعن في نفس الرسالة، وبهذا يتبين صحة رواية من روى الحديث: «ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»؛ لأن هذا الطاعن يقول: إنه رسول الله، وأنه يجب عليه تصديقه وطاعته، فإذا قال: إنه لم يعدل، فقد لزم أنه صدق غير عدل ولا أمين، ومن اتبع مثل ذلك فهو خائب خاسر، كما وصفهم الله بأنهم من الأخسرين أعمالًا، وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعًا.

ولأنه من لم يؤتمن على المال لم يؤتمن على ما هو أعظم منه؛ ولهذا قال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً». وقال ﷺ لما قال له: «اتق الله»: «أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟».

وذلك لأن الله قال فيما بلغه إليهم الرسول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، بعد قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية. فبيّن سبحانه أن ما نهى عنه من مال الفيء، فعلينا أن ننتهي عنه، فيجب أن يكون أحق أهل الأرض أن يتقي الله؛ إذ لولا ذلك لكانت الطاعة له ولغيره إن تساويا، أو لغيره دونه إن كان دونه، وهذا كفر بما جاء به، وهذا ظاهر.

5- عدم قبول خبر الآحاد

سبق بيان أن بعض ما يتعلق بهذه الرؤى الحديثية عند الخوارج قد لا يكون معبّرًا بالضرورة عن رؤية الخوارج في لحظة التأسيس، خصوصًا في البدايات، وإن دخلت في إطار المذهب بعد ذلك. وفي كلمة ابن تيمية السابقة ما يؤكد وجود مسارات متنوعة في التعامل مع السنة عندهم.

لكن من المعاني التي اشتهرت نسبتها للخوارج في صورتها المذهبية: القول بعدم قبول خبر الآحاد حتى في العمليات، لا في العقائد وحدها. ومن ذلك ما قاله السرخسي رحمه الله: «على قول الخوارج، فإنهم ينكرون الرجم؛ لأنهم لا يقبلون الأخبار إذا لم تكن في حد التواتر».

والحقيقة أن بعض إنكارهم قد يقع لمتواتر، لكنه واقع إما جهلًا منهم بكونه متواترًا، وفيه يقول ملا علي القاري: «والحاصل أن إنكاره إنكار دليل قطعي بالاتفاق، فإن الخوارج يوجبون العمل بالمتواتر لفظًا أو معنى كسائر المسلمين، إلا أن انحرافهم عن الاختلاط بالصحابة والتابعين، وترك التردد إلى علماء المسلمين ورواتهم أوقعهم في جهالات كثيرة؛ لخفاء السمع عنهم والشهرة. ولذا، حين عابوا على عمر بن عبد العزيز القول بالرجم؛ لأنه ليس في كتاب الله، ألزمهم بأعداد الركعات، ومقادير الزكوات، فقالوا: ذلك لأنه فعله رسول الله ﷺ والمسلمون، فقال لهم: وهذا أيضًا فعله هو والمسلمون».

وقد يرد بعضهم المتواتر مع علمه بالتواتر؛ للاعتبار الذي سبق ذكره في النقطة السابقة.

6- الإعراض عن تفسير القرآن بالسنة

الخوارج حين تعاملوا مع القرآن طلبًا لتفسيره، لم ينتفعوا بأعظم أدواته، وهي سنة النبي ﷺ؛ إذ هي تأتي مفسرةً وشارحةً للقرآن، والإعراض عنها إعراض عما يتعين إعماله في هذا الباب طلبًا لهدايات القرآن، وإصابة مراداته.

قال ابن حزم رحمه الله في أثناء اعتراضه على من جعل انحراف الخوارج عائدًا إلى أخذهم بظواهر النصوص، فقال: «وأما قول بكر: إن الخوارج إنما ضلت باتباعها الظاهر، فقد كذب وأفك، وافترى وأثم، ما ضلت إلا بمثل ما ضل هو به من تعلقهم بآيات ما وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضًا، وهو رسول الله ﷺ، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها وكلام النبي ﷺ، وجعلوه كله لازمًا، وحكمًا واحدًا، ومتبعًا كله، لاهتدوا».

فسبب ضلال الخوارج تبعيضهم للوحي على ما مر، وإعراضهم عن تفسير القرآن في ضوء السنة. ولو أنهم سلموا من هذا وذاك، لكانوا أقرب إلى الصواب.

يؤكد هذا قول الإمام الخطابي رحمه الله: «يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ، مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا وضلوا».

وقال ابن حزم رحمه الله: «ولكن أسلاف الخوارج كانوا أعرابًا، قرؤوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ. ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء، لا من أصحاب ابن مسعود، ولا أصحاب عمر، ولا أصحاب علي، ولا أصحاب عائشة، ولا أصحاب أبي موسى، ولا أصحاب معاذ بن جبل، ولا أصحاب أبي الدرداء، ولا أصحاب سلمان، ولا أصحاب زيد، وابن عباس، وابن عمر».

7- موقفهم من إجماع الصحابة وفهمهم

حين تشكّل للخوارج موقف سلبي من عدد كبير من الصحابة وبعض ساداتهم، صار عندهم - بطبيعة الحال - موقف مشكل من قضية الإجماع، والاعتماد على فهم الصحابة للنصوص؛ قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله: «فقد ضلت الخوارج وغيرها بسبب جهلهم بالهدي النبوي، واستغنائهم عن الاهتداء بالعارفين به من الصحابة».

فإضافة إلى سوء فهمهم للوحي، وإعراضهم عن السنة، ففي إعراضهم عن العارفين من الصحابة سبب مضاف إلى قائمة أسباب انحرافهم في التأويل.

وقد سعى ابن عباس في مناظرته للخوارج لتذكيرهم بهذا الأصل المنهجي العظيم في فهم النصوص الشرعية، وذلك بقوله: «جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ، عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله».

وفي رواية: «أتيتكم من عند أصحاب النبي ﷺ المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن؛ فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون».

فتأمل تأكيده في تلك المناظرة على هذا الأصل السني العظيم، ضرورة فهم الكتاب بفهم الصحابة.

وجاء عن جندب بن عبد الله ما يدل أيضًا على التذكير بهذا الأصل العظيم، وذلك حين تحدث فرقة دخلت عليه من الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله! فقال: أنتم؟! قالوا: نحن. قال: أنتم؟ قالوا: نحن. فقال: «يا أخابيث خلق الله، في اتباعنا تختارون الضلالة؟! أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟! اخرجوا عني!».

ولو أن أولئك الأشرار كانوا يعقلون، لعلموا أن خلو ساحتهم من وجود صحابي واحد، دع عنك أكابرهم وساداتهم، وكلهم كبير، أعظم دليل على بطلان مسلكهم وما هم عليه، ولكنها العماية والجهل حين تعمل في العقول عملها.

وقد سعى ابن عباس إلى تنبيههم لهذا، وتذكيرهم به، فلعله أثمر في بعضهم، لكنه لم يثمر في البقية الذين اختاروا البقاء في ضلالتهم؛ قال ابن تيمية رحمه الله:

«وأما الخوارج، فلم يكن فيهم أحد من الصحابة، ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة».

ومن لطيف الأخبار المروية في هذا الشأن، ما نقل من قصة المأمون مع أحد الخوارج؛ حيث دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال: ما حملك على الخلاف؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم. قال: ما دليلك؟ قال: إجماع الأمة. قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل، فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين.

8- احتكار حق الفهم

حين خالف الخوارج عليًّا وغيره من الصحابة، وكفروهم، رأوا أنهم الأوصياء دونهم على تفسير الوحي، وأن من لم يأخذ برأيهم ويستمسك بتأويلهم، فضال كافر! وفي ذلك يقول ابن تيمية: «وأول من ضل في ذلك هم الخوارج المارقون؛ حيث حكموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنته، وأن عليًّا ومعاوية والعسكرين هم أهل المعصية والبدعة، فاستحلوا ما استحلوه من المسلمين».

وقال أيضًا: «الخوارج هم مبتدعة مارقون، كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم، وهم إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافرًا؛ لاعتقادهم أنه خالف القرآن».

وقال الحافظ ابن حجر فيهم: «كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم».

9- التعجل في تأويل القرآن دون تعمق أو تمكن من أدواته

الخوارج - كما مر - طائفة حكمت أهواءها، وخالفت جماعة المسلمين، وتعلقت بظاهر الكتاب بزعمها، ونبذت القول بالرأي الذي أمر الله به، وأجمعت الصحابة على صحته، وكان ذلك منهم عن جهل، وعدم تأهل علمي. قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني فيهم: «وتارةً يبتغون تأويله مع عدم تأهلهم لذلك، وعدم رجوعهم إلى الراسخين؛ كما فعل الخوارج في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، ونحو ذلك».

وقال الشاطبي في سياق حديثه عن شيء من صفات الخوارج: «اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول، وهو الذي نبه عليه قوله في الحديث: يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض، ويضاد المشي على الصراط المستقيم».

وقال أيضًا: «فلو نظر الخوارج أن الله تعالى قد حكم الخلق في دينه في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، وقوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾، لعلموا أن قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ غير منافٍ لما فعله علي، وأنه من جملة حكم الله؛ فإن تحكيم الرجال يرجع به الحكم إلى الله وحده، فكذلك ما كان مثله مما فعله علي.

ولو نظروا إلى محو الاسم من أمر لا يقتضي إثباته لضده؛ لما قالوا: إنه أمير الكافرين. وهكذا المشبهة، لو حققت معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في الآيات المذكورة، لفهموا بواطنها، وأن الرب منزه عن سمات المخلوقين.

وعلى الجملة؛ فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما من باطن القرآن فهمًا وعلمًا، وكل من أصاب الحق وصادف الصواب فبمقدار ما حصل له من فهم باطنه».