أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 30 أغسطس 2026

السير والسلوك إلى ملك الملوك الشيخ قاسم الخاني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 السير والسلوك إلى ملك الملوك

الشيخ قاسم الخاني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

        

 تمهيد: هذا الرسالة النفيسة، في بيان الطريقة الكاملة، والخطة الشاملة في سلوك سبيل الحق عز وجل، والوقوف مع جملةٍ من الآداب الشرعية، الظاهرة والباطنة الموصلة إلى الكمال، والطريقة: هي تتبع أفعال النبيّ صلى الله عليه وسلم والعمل بها ظاهراً وباطناً، الأمر الذي يسّره الله على من أراد به الخير، ولهذا السلوك منازل معلومة، يقطعها السالك واحدةً بعد واحدة، حتى يتم له قصده، ويفوز بالمطلوب.

وتنبع أهمية هذه الرسالة من كونها تقدم تصوراً متكاملاً عند مؤلفها لطريق السلوك الروحي، فلا تقف عند بيان بعض الآداب والأذكار والأعمال، وإنما تحاول رسم طريق متدرج ينتقل فيه السالك من مجاهدة النفس وتخليتها من الصفات المذمومة إلى التحلي بالصفات المحمودة، ثم الترقي في المقامات والأحوال حتى يبلغ ما يسميه المؤلف مقام الكمال. ومن ثم فالكتاب يجمع بين التربية الأخلاقية، ومجاهدة النفس، وتهذيب السلوك، وبين مصطلحات صوفية دقيقة تحتاج إلى معرفة اصطلاح أهل هذا الفن لفهمها على وجهها.

ويظهر من ترتيب الكتاب أن المؤلف أراد أن يجعل السلوك طريقاً عملياً متدرجاً، يبدأ بالنظر في علائق الدنيا وشهواتها، ثم ينتقل إلى التوبة والإنابة ومجاهدة النفس، وينتهي ببيان المرشد والمريد ومداخل الشيطان. وهذا التدرج يكشف عن عناية المؤلف بالجانب التربوي، وعن رغبته في تحويل التصوف من مجرد مفاهيم نظرية إلى برنامج عملي لتقويم النفس وتهذيبها.

يقول المؤلف: وقد بيّنت في هذه الرسالة كيفية السلوك، وأحوال السالكين، والمسلك وما يحتاج إليه السالك في قطع الطريق، والوصول إلى التحقيق، لتنقطع أعذار المقصرين، وتقوى همم الراغبين في السير لرب العالمين.

ويمتاز أسلوب المؤلف بكثافة اصطلاحية واضحة، وبنزعة رمزية وتأملية تظهر خصوصاً في مقدمته، حيث يستخدم ألفاظاً مثل: الحجب، والأنوار، والأسرار، والحضرة، واللطيفة الإنسانية، والخلعة القيومية، وتجليات الأفعال والصفات والأسماء. ولذلك قد يبدو الكتاب عسيراً على القارئ غير المتخصص، لا بسبب تعقيد عبارته اللغوية فحسب، وإنما بسبب اعتماده على منظومة من المصطلحات التي لها دلالات مخصوصة عند أهل التصوف. ومن ثم كانت مقدمة الكتاب ذات أهمية خاصة؛ لأنها تمثل مفتاحاً لفهم كثير من ألفاظه ومقاصده.

وقد أخذ الشيخ في تفصيل هذه المقامات؛ فقال: وهي سبعة. ثم بيّنها بقوله: الأول: مقام ظلمات الأغيار، وتسمى النفس فيه بالأمارة، والثاني: مقام الأنوار، وتسمى النفس فيه باللوامة، والثالث: مقام الأسرار، وتُسمى النفس فيه المُلهمة، والرابع: مقام الكمال، وتُسمى النفس فيه المطمئنة، والخامس: مقام الوصال، وتُسمى النفس فيه بالراضية، والسادس: مقام تجليات الأفعال، وتُسمى النفس فيه بالمرضية، والسابع: مقام تجليات الصفات والأسماء، وتُسمى النفس فيه الكاملة، وكلما كان الإنسان في مقام كان محجوباً عمّا بعده.

المقامات السبعة والمراتب النفسية

أبرز ما يميز الرسالة تقسيمها مراتب السلوك إلى سبعة مقامات، وربط كل مقام بنوع من أنواع النفس: الأمارة، واللوامة، والملهمة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، والكاملة. وهذا التقسيم ينبغي فهمه في سياقه الاصطلاحي؛ فالقرآن الكريم نصّ على النفس الأمارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وعلى النفس اللوامة في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، وعلى النفس المطمئنة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، أما بقية التقسيم المذكور في الرسالة فهو من الاصطلاحات التي جرى عليها بعض أهل التصوف في وصف تطور النفس في طريق التزكية، وليس من الضروري أن تكون هذه المراتب السبع ثابتة بهذا الترتيب والتقسيم بنص شرعي.

وعليه فإن قيمة هذا التقسيم يظهر في كونه محاولة لتصوير التحول الأخلاقي والروحي للإنسان: من غلبة الشهوة والهوى، إلى لوم النفس ومحاسبتها، ثم استقرارها وطمأنينتها، وما يصفه المؤلف بعد ذلك من مراتب الرضا والمرضية والكمال.

كما ذكر المؤلف أن بين العبد وربه سبعين حجاباً من ظلمةٍ ونور، والسلوك هو تمزيقٌ لهذه الحجب، عبر الترقي في المقامات السبع، فالنفس محجوبة في كل مقام بعشر حُجب، وكل حجابٍ أكثف من الذي يليه، ولكل مقام نفسٌ كما ذكرنا، ولكل نفسٍ ستةُ أمور: أوصاف وسيرٌ وعالمٌ ومحل وحالٌ ووارد، واعلم أن النفس الأمارة محجوبةٌ بالحجب الظلماتية، بينما بقية النفوس محجوبةٌ بالحجب النورانية.

تنبيه: ذكر المؤلف أن بين العبد وربه سبعين حجاباً من ظلمة ونور، وجعل لكل مقام عشرة حجب. وهذه الصورة التفصيلية للحجب السبعة والسبعين ليست من الأمور التي ينبغي حملها على أنها تقرير شرعي قطعي، وإنما هي من التصويرات الاصطلاحية في كتب السلوك. وينبغي التثبت من الأحاديث والآثار التي ترد في هذا الباب، وعدم نسبة كل ما اشتهر في كتب التصوف إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد التحقق من ثبوته.

يقول المؤلف: ولكل مقامٍ اسمٌ لله تعالى يُردده السالك في نفسه، حتى يتبين له عيوبه التي انطوى عليها، فيتوب عنها، ويسعى إلى التخلص منها، وكلما ازداد ذكره لذلك الاسم، زاد بُغضه لتلك العيوب ونفرته منها، قال: وهذا مُحقّقٌ لا يُنكره إلا من لم يُجربه.

تنبيه آخر: والحق أن تخصيص كل مقام باسم من أسماء الله تعالى، وربط تكراره بكشف عيب معين من عيوب النفس، فهو من المنهج التربوي الخاص الذي اختاره المؤلف لنفسه، وينبغي التفريق فيه بين مطلق الذكر المشروع، وهو ثابت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وبين تخصيص اسم معين بعدد أو هيئة أو اعتقاد أثر مخصوص؛ إذ لا بد فيه من دليل صحيح. ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين أصل العبادة وبين الطريقة الخاصة في ممارستها.

وهذه النسخة كتبها محمد بن أحمد النبهان، وهو أحد تلامذة المدرسة الخسروية، وذلك في ليلة الاثنين، في 17 من شهر شعبان، سنة 1344 هـ، وذلك بعد وفاة المؤلف -رحمه الله -بأكثر من مائتين وثلاثين سنة.

السلوك في ميزان الشريعة

وينبغي عند قراءة هذه الرسالة التفريق بين أصل السلوك إلى الله تعالى، وهو معنى شرعي، أصيل يقوم على الإيمان والتوبة والعبادة ومجاهدة النفس والتحلي بمكارم الأخلاق، وبين الاصطلاحات الخاصة التي نشأت في كتب التصوف لوصف مراتب السالكين وأحوالهم. فالأصل في تزكية النفس ثابت بالكتاب والسنة، غير أن التفصيلات والمصطلحات التي وضعها بعض أهل التصوف في بيان المقامات والأحوال ليست كلها في مرتبة واحدة من جهة الدليل؛ فمنها ما يرجع إلى معانٍ شرعية صحيحة، ومنها ما هو اصطلاح تربوي، ومنها ما يحتاج إلى نظر وتمييز بحسب موافقته للأصول الشرعية.

ولهذا لا ينبغي أن تُقرأ الرسالة على أن جميع ما ورد فيها من المقامات والأحوال والحجب والأسماء والمصطلحات أحكامٌ شرعية ثابتة بالنص، بل تُقرأ بوصفها تصوراً خاصاً للمؤلف في التربية والسلوك، ثم تُعرض عباراته على الكتاب والسنة وقواعد الاعتقاد والشريعة. وهذا المنهج أدعى إلى الإنصاف؛ فلا يُردّ الكتاب كله بسبب بعض مصطلحاته، ولا تُقبل جميع عباراته لمجرد اشتماله على معانٍ صحيحة في تزكية النفس.

ترجمة المؤلف قاسم الخاني

هو الشيخ الزاهد قاسم بن صلاح الدين الخاني، الحلبي، الحنفي.

ولد في حلب سنة (1028 هـ). وسافر إلى العراق والحجاز وتركيا، ثم عاد إلى حلب سنة (1060 هـ). تزهد وقرأ على بعض المشايخ، ودرّس وولي الإفتاء إلى أن توفي سنة (1109 هـ).

ومن كتبه " السير والسلوك إلى ملك الملوك - ط " في التصوف، وله " شرح على الجزرية - خ " في التجويد، وله "رسالة في المنطق - خ "، وله "التحقيق في الرد على الزنديق -خ"، و"رسالة في مصطلح الحديث -خ".

عودة إلى الكتاب

وجاء في أوله: الحمد لله الذي أهبط بحكمته أسرار ذاته في سماء العمى إلى أرض الطبيعة الكلية، وأودعها بقدرته في صدف النُّطف إظهاراً لخواص الأسماء، فانحجبت بالظلمات النفسانية، حجاباً أنساها ما كانت عليه من الكمالات؛ فمالت إلى الشهوات، وركنت إلى المحسوسات، وألفت العادات، فلم تذكر اوطانها، ولا خطر ببالها مباديها العليّة، ثم أرسل إليها رسلاً على صورتها الظاهرة، ورُسلاً على صورتها الباطنة، أوقدوا في ظلمتها مصابيح ملكوتية، فأدركت ما هي عليه من الخيانات، وما فيها من الاستعداد إلى وصول الكمالات والدرجات العلية، فجدّت واجتهدت، وطلبت من مباديها كشف ما سترها من الحجب النورانية والظلمانية، فتقرّب منها لم تقربت منه بهذا الطلب، وجذبها جذبةً أمستها طباعها، وما كانت عليه من العادات، فوصلت بها إلى الحضرة الأحدية، فاستهلكت صفاتها في صفاته؛ إذ لم يبق فيها ما يُنازعه في ربوبيته؛ لاتصافها بكمال العبودية، فناداها ببعض أسمائها {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية}، وأمرها بالدخول في عباده، تحقيقاً للخلافة الآدميّة، فخلعت عليها الخلعة القيومية، والكمالات الأيدية، والصلاة والسلام على سيد الأنام، ومصباح الظلام، وخير البرية، وعلى آله وصحبه الفائزين ببركة صحبته الأفضلية، ومقام القطبية الخ.

تنبيه: يكثر في كتب التصوف المتقدمة استعمال ألفاظ من قبيل «الفناء» و«استهلاك الصفات في الصفات» و«الحضرة الأحدية» و«الوصال»، وهي ألفاظ اصطلاحية تختلف دلالاتها باختلاف أصحابها ومصنفاتهم. ولا يصح حملها مباشرة على المعنى الحرفي الذي قد يتبادر إلى الذهن، بل ينبغي تفسيرها في ضوء اصطلاح المؤلف وسياق كلامه، مع التأكيد على أصل التوحيد: فالله سبحانه وتعالى خالقٌ غير مخلوق، والعبد عبدٌ لا يتحول إلى شيء من صفات الربوبية، مهما بلغ في العبادة والزهد والتزكية. وإذا أريد بالفناء فناء حظوظ النفس وشهواتها وغلبة محبة الله وطاعته على العبد، فهذا معنى تربوي معروف، أما ما تجاوز ذلك إلى معانٍ تمس التمييز بين الخالق والمخلوق فلا يصح حمله على وجه صحيح.

وقد جعل المؤلف كتابه في مقدمة، وعشرة أبواب وخاتمة، فالمقدمة في تعريف ما يحتاج إلى ذكره هنا من اصطلاحات أهل التحقيق؛ حتى كلما مرت بك كلمة غريبة المعنى ترجع إلى المقدمة، فتراها مُفسرة بكلامٍ تفهمه؛ لن من لم يعرف اصطلاحات القوم لا يفهم كلامهم. (8 -19)

الباب الأول: في ذم الدنيا ولذاتها وبيان حقيقتها. (20 -31)

الباب الثاني: الحث على سلوك هذه الطريقة، وبيان فضلها، وذكر الصفات الذميمة المانعة عن الوصول إلى الكمال، وذكر الأوصاف الحميدة الموصلة للكمال. (31 -41)

الباب الثالث: في بيان الحب التي بين الله والعبد، وما يحتاج إليه في تمزيقها ودفعها عن اللطيفة الإنسانية: من التوبة، والإنابة، والتجرد عن الأسباب، وغير ذلك، مما لا بد منه. (43 -53).

تنبيه: من المصطلحات التي تحتاج إلى قدر من البيان قول المؤلف: «التجرد عن الأسباب»، إذ لا ينبغي أن يفهم منه ترك الأسباب المشروعة أو تعطيل مصالح العباد، فإن الشريعة جاءت بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى. وإنما يحمل هذا المصطلح، في سياقه التربوي، على تخلي القلب عن الاعتماد على الأسباب استقلالاً، وردّ الأمر كله إلى الله تعالى، مع بقاء العبد آخذاً بما أذن الله فيه من الأسباب المشروعة.

الباب الرابع: في بيان النفس الأمارة وسيرها وعالمها، ومحلها وحالها وواردها وصفاتها، وقبائحها، وكيفية الخلاص منها، والترقي عنها إلى المقام الثاني، الذي تكون النفس فيه لوامة. (53 -62)

الباب الخامس: في بيان النفس اللوامة، ومحاسنها، وقبائحها، وصفاتها. (62 -88)

الباب السادس: في بيان النفس الملهمة وما يشتمل عليه من الجمع بين الخير والشر، والصفات الحسنة إلا أنها محل الخطر. (88 -114)

الباب السابع: في بيان النفس المطمئنة، وما فيها من الكمال بالنسبة إلى ما دونها في النفوس. (114 -121)

الباب الثامن: في بيان النفس الراضية، ومحاسنها. (121- 123)

الباب التاسع: في بيان النفس المرضية وعجائبها. (123 -127)

الباب العاشر: في بيان النفس الكاملة، وقربها، وعبوديتها. (127 -129)

والخاتمة في بيان المرشد، وبيان أوصافه، وأحواله، وبها يُعرف من يصلح للإرشاد ومن لا يصلح، وفي بيان صفات المريد القابل للسلوك، والمريد الغير قابل، وفي بيان مداخل الشيطان، وأنواع ظهره، وكيف يظهر لهم في كل مقام؛ ليستعين بهذا على إضلالهم. (129 لآخر الكتاب).

وأختم بتنبيه أيضاً: في هذه الرسالة تتداخل في الرسالة ثلاثة مستويات من الخطاب: مستوى شرعي يعتمد على معاني التوبة والعبادة ومجاهدة النفس والأخلاق، ومستوى تربوي يصف أحوال السالك ومراحل ترقيه، ومستوى صوفي اصطلاحي يستخدم ألفاظاً ومفاهيم تحتاج إلى تفسير خاص. وهذا التداخل هو الذي يمنح الكتاب أهميته من جهة، ويجعل قراءته قراءة نقدية موثقة أمراً ضرورياً من جهة أخرى 

وأختم الحديث في هذه الرسالة بمعجم صغير لبعض المصطلحات الواردة فيه:

السير والسلوك:
السير هو التوجه إلى الله تعالى بالطاعة والعبادة، والسلوك هو سلوك طريق تزكية النفس وتهذيبها ومجاهدتها حتى تستقيم على أمر الله. والمراد به عند المؤلف الانتقال من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، طلباً للكمال الروحي.

السالك:
هو العبد الذي اختار طريق التزكية والمجاهدة، وسعى إلى إصلاح نفسه وترقية أحواله بالطاعة والذكر ومخالفة الهوى، حتى يبلغ الغاية التي رسمها أهل هذا الطريق.

المريد:
هو الطالب الراغب في سلوك طريق التزكية، ويطلق في اصطلاح الصوفية على من أراد الوصول إلى الله تعالى بالسلوك والمجاهدة، ولذلك يحتاج ـ في تصور المؤلف ـ إلى مرشد يوجهه ويعينه على الطريق.

الطريقة:
هي المنهج العملي الذي يسلكه العبد في تزكية نفسه وتقويم سلوكه للوصول إلى مرضاة الله تعالى. وقد يراد بها في اصطلاح المتصوفة منظومة من الآداب والأذكار والمجاهدات التي يتلقاها المريد عن شيخه.

المقام:
هو منزلة روحية يكتسبها السالك بالمجاهدة والعمل، ويستقر فيها بقدر ما يحقق أسبابها. ومن ثم جعل المؤلف للسلوك مقامات متدرجة ينتقل السالك بينها.

الحال:
هو معنى أو وارد روحي يعرض للقلب من غير تكلف من العبد، كالخشوع والمحبة والخوف والرجاء والأنس. ويفرق الصوفية عادةً بين «المقام» الذي يُكتسب بالمجاهدة، و«الحال» الذي يرد على القلب من غير اكتساب مقصود.

الوارد:
هو ما يرد على القلب من معنى أو خاطر أو شعور مؤثر في سير السالك، وقد يكون باعثاً على التوبة أو المحبة أو الخوف أو الرجاء، ويختلف حكمه بحسب مصدره وموافقته للشرع.

النفس الأمارة:
هي النفس التي يغلب عليها اتباع الشهوات والأهواء، وتأمر صاحبها بالسوء. وأصل هذا الوصف قوله تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].

النفس اللوامة:
هي النفس التي تلوم صاحبها على التقصير والمعصية، وتدفعه إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها. وقد ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2].

النفس الملهمة:
يطلقها المؤلف على مرتبة من مراتب النفس بعد النفس اللوامة، وهي النفس التي يشتد فيها تمييز الخير من الشر، ويظهر فيها الميل إلى الطاعة مع بقاء أسباب الصراع والمجاهدة. وهذا التقسيم بهذا التفصيل من الاصطلاحات التربوية عند أهل التصوف، وليس جميعه وارداً في النصوص الشرعية بهذا الترتيب.

النفس المطمئنة:
هي النفس التي سكنت إلى الإيمان والطاعة واطمأن قلبها بذكر الله، وقد وصفها القرآن بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].

النفس الراضية:
هي النفس التي رضيت عن الله تعالى، وعن قضائه وتدبيره، واستقرت على التسليم له. وهي عند المؤلف مرتبة أعلى من النفس المطمئنة.

النفس المرضية:
هي النفس التي رضي الله عنها، وقد جمع القرآن بين الرضا من العبد والرضا من الرب في قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ويجعل المؤلف «المرضية» مقاماً من مقامات الترقي بعد «الراضية».

النفس الكاملة:
هي أعلى مراتب النفس في التقسيم الذي اعتمده المؤلف، وهي النفس التي اكتملت في تصور الكتاب عبوديتها واستقامت أحوالها، وصارت غايتها تحقيق العبودية لله تعالى.

الحجب:
الحجاب في الأصل ما يستر الشيء ويمنع من الوصول إليه. ويستعمله المؤلف استعمالاً روحياً للدلالة على الموانع التي تحول بين العبد وبين كمال معرفته بالله وقربه منه، كالشهوات والغفلة والتعلق بالدنيا. وما ذكره المؤلف من سبعين حجاباً وتقسيمها إلى ظلمات وأنوار هو من اصطلاحه في تصوير مراحل السلوك.

الحجب الظلمانية:
هي الموانع المرتبطة بالشهوات والغفلة والذنوب والتعلق بالمحسوسات وأهواء النفس، وسميت ظلمانية لما فيها من حجب القلب عن الهدى والمعرفة.

الحجب النورانية:
هي ـ في اصطلاح المؤلف ـ حجب دقيقة تعرض للسالك بعد تجاوزه الموانع الظلمانية، وقد تكون متعلقة ببعض المقامات الروحية أو المعاني التي قد ينشغل بها السالك عن الغاية المقصودة.

الظلمات:
يراد بها في لغة المؤلف العوائق التي تحجب النفس عن معرفة الحق والسير إليه، وفي مقدمتها الجهل والغفلة والشهوة والركون إلى الدنيا.

الأنوار:
هي المعاني الروحية التي تظهر للقلب عند الإيمان والطاعة والمجاهدة، كالهداية والبصيرة والخشوع والمعرفة. ويستعملها أهل التصوف غالباً للدلالة على انكشاف بعض المعاني الإيمانية للقلب.

الأسرار:
يطلق «السر» في اصطلاح الصوفية على المعنى الباطن الدقيق الذي يتعلق بالقلب أو الروح، ويقصد به أحياناً ما خفي من المعاني الروحية عن عامة الناس.

تجليات الأفعال:
يقصد بها في الاصطلاح الصوفي ملاحظة آثار أفعال الله تعالى في الكون والنفس، كالخلق والتدبير والإحياء والإماتة والرزق، بحيث يزداد القلب شهوداً لقدرة الله وتدبيره.

تجليات الصفات والأسماء:
يقصد بها ما يصفه أهل التصوف من انكشاف معاني أسماء الله وصفاته وآثارها في قلب السالك، كظهور آثار الرحمة والقدرة والعلم والحكمة في مشاهداته وتأملاته. وهذه تعبيرات اصطلاحية تحتاج إلى حملها على المعنى الذي يريده المؤلف، مع مراعاة أصول العقيدة في باب الأسماء والصفات.

اللطيفة الإنسانية:
من المصطلحات الصوفية التي يراد بها الجانب الباطن من الإنسان المتعلق بالقلب والروح والإدراك والمعرفة، في مقابل الجسد والحواس الظاهرة. وقد تختلف دلالتها وتفصيلاتها من مدرسة صوفية إلى أخرى.

المجاهدة:
هي بذل الجهد في مخالفة النفس والهوى، وحمل النفس على الطاعة وترك المعصية والصبر على العبادة. وهي من المعاني الشرعية الثابتة في تزكية النفس.

التجرد:
هو تخلي القلب عن التعلق المذموم بما سوى الله، ولا يعني بالضرورة ترك الأسباب الدنيوية أو تعطيلها، وإنما المقصود ألا يعتمد القلب عليها استقلالاً عن الله تعالى.

التجرد عن الأسباب:
يقصد به في سياق الرسالة تخلي القلب عن الاعتماد على الأسباب، لا ترك الأسباب المشروعة بالكلية؛ فالشريعة تجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب.

التوبة:
الرجوع عن المعصية إلى طاعة الله، وتكون بالإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، وتضاف إلى ذلك رد الحقوق إلى أهلها إذا تعلقت بحقوق العباد.

الإنابة:
الرجوع إلى الله تعالى بالطاعة والمحبة والخضوع، وهي أخص من مجرد ترك الذنب؛ لأنها تتضمن إقبال القلب على الله تعالى.

الذكر:
هو استحضار عظمة الله تعالى وتعظيمه بالقلب واللسان والجوارح، ويدخل فيه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن والدعاء وسائر ما شرعه الله من الأذكار.

الاسم الإلهي:
هو ما سمى الله تعالى به نفسه في كتابه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم. ويذكر المؤلف تخصيص أسماء معينة بالمقامات، وهذا التخصيص من الأمور الاصطلاحية التي تحتاج إلى دليل عند إرادة جعله عبادة مخصوصة.

الحضرة الأحدية:
تعبير صوفي يشير إلى مقام التوحيد وشهود وحدانية الله تعالى. وهو من الألفاظ الاصطلاحية التي ينبغي تفسيرها وفق مراد المؤلف وعدم حملها على معانٍ تخالف أصل التوحيد.

الفناء:
من أشهر المصطلحات الصوفية، ويقصد به عند كثير منهم فناء تعلق القلب بحظوظ النفس وشهواتها، وغلبة محبة الله وطاعته على القلب. وقد استعمل بعبارات متعددة في كتب التصوف، ولذلك لا بد من النظر في سياق كل مؤلف لتحديد مراده.

الوصال:
يراد به في لغة أهل التصوف بلوغ السالك غاية القرب والمحبة والأنس بالله تعالى، وهو تعبير مجازي اصطلاحي، وليس المقصود به اتحاد العبد بربه أو حلول أحدهما في الآخر.

العبودية:
هي غاية خضوع العبد لله تعالى، وامتثاله أوامره واجتنابه نواهيه، مع كمال المحبة والذل له سبحانه. وهي أشرف مقامات الإنسان؛ لأن الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعلى المقامات.

الكمال:
يراد به في الرسالة بلوغ الإنسان درجة عالية من تزكية النفس واستقامة السلوك وكمال العبودية بحسب التصور الذي يقدمه المؤلف، وليس المقصود كمالاً مطلقاً يساوي كمال الله تعالى؛ فالكمال المطلق لله وحده.

المرشد:
هو الشيخ الذي يتولى توجيه المريد في طريق السلوك، وتعليمه آداب الطريق، وتنبيهه إلى عيوب نفسه ومداخل الشيطان. ويشترط فيمن يتصدر للإرشاد العلم والاستقامة والخبرة بالتربية، ولا يكفي مجرد الانتساب إلى التصوف أو ادعاء الولاية.

المريد القابل للسلوك:
هو من كانت لديه إرادة صادقة في إصلاح نفسه، وقابلية للتعلم والمجاهدة والالتزام بالطاعة وقبول النصح.

مداخل الشيطان:
هي الطرق التي يدخل منها الشيطان إلى الإنسان لإغوائه، كالهوى والشهوة والكبر والحسد والغفلة والعجب والرياء. وقد اعتنى علماء التزكية ببيانها والتحذير منها؛ لأنها من أعظم ما يعوق السالك عن الاستقامة.

القطبية:
من المصطلحات الصوفية التي تطلق عند بعض الطرق على مرتبة روحية عالية، ويقال لصاحبها «القطب». وهذا المصطلح بتفصيلاته وخصائصه من المصطلحات الصوفية، وليس أصلاً من أصول العقيدة الإسلامية.

تنبيه: وينبغي التنبيه إلى أن هذه التعريفات إنما يقصد بها بيان مراد المؤلف ومصطلحات الكتاب، لا الحكم بصحة جميع التصورات التي تتضمنها تلك المصطلحات؛ إذ إن كتب التصوف تختلف في استعمال ألفاظها ودلالاتها، وقد يحمل المصطلح الواحد عند مؤلف معنى يختلف عن معناه عند غيره. ولذلك فالموقف العلمي من الرسالة يقتضي التفريق بين المعاني الشرعية التي دل عليها الكتاب والسنة، وبين الاصطلاحات التربوية التي اصطلح عليها أهل السلوك، وبين العبارات التي تحتاج إلى تأويل أو نقد أو تحقق من موافقتها للأصول الشرعية والعقدية.


القرآن فوق كل شيء محمد بن الحسن الحَجَوي الثعالبي الفاسي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

القرآن فوق كل شيء

محمد بن الحسن الحَجَوي الثعالبي الفاسي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا الكتاب هو ردٌّ للشُّبه المثارة حول القرآن الكريم، والإسلام عموماً للفقيه الأصول المتفنن محمد بن الحسن الحجوي المغربي رحمه الله، ولعلّ السبب المباشر لتأليفه هو ردُّه على من زعم أن صلاة الفاتح أفضل ثواباً من القرآن الكريم، كما هو قول بعض التيجانيين، وإنها تعدل ستة آلاف ختمة للقرآن، بل أضعاف ذلك!

ولم يقتصر المؤلف في نقده على هذه الدعوى، بل تناول جملة من التصورات التي رأى أنها تفضي إلى الغلو في تعظيم الشيوخ والطرق، فانتقد قول بعض المتصوفة بالختمية: والتي تعني أن شيخ طريقةٍ ما هو الختم لكل الشيوخ، والنجاتية: والتي تعني: أن من تمسّك بالشيخ نجان وأمن مكر الله، وضمن حُسن الخاتمة والجنة، والفضليّة: والتي تعني أن ما يُقرره الشيخ من أوراد وصلوات أفضل من القرآن، أو يعدل ثواب سبعين نبياً، أو يضمن دخول الجنة، أو يكون له ثواب 24 مليوناً من الغزوات!

ومع هذه الانتقادات الكثيرة للتيجانية، إلا أن الشيخ -رحمه الله- لم يخرج عن دائرة الأدب في البيان والنُّصح، فنلمس من كلماته أخلاقاً عالية مع خصومه، وتحملًا لأذاهم، ودعاءه الدائم لهم بالتوفيق للهداية. ومن هنا يظهر أن غايته لم تكن مجرد المخالفة أو التشنيع، وإنما كانت – في نظره – حماية جناب القرآن الكريم، وردّ ما رآه مخالفاً لأصول الشريعة وقواعدها.

وفي معرض تحقيقه لهذه المسألة، فقد بيّن أن صلاة الفاتح لما أُغلق هي من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن تأليفه وترتيبه بالطرق الصحيحة عنه، وأما من حيث الطرق الضعيفة فهي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتبين وقفها على عليّ بن أبي طالب، ثم كذّب نسبتها إلى البكري في كتاب "جواهر المعاني"، كما كذّب نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ التيجاني.

ثم انتقل إلى مناقشة ما ورد في الكتاب المذكور، فأسهب في تكذيب ما ورد في "جواهر المعاني"، من فضل هذه الصلاة، وثوابها، ودعوى نزولها من السماء، وبيّن أن الدسائس في ذلك الكتاب هو امتداد للجمعية السرية التي أسسها ابن سبأ اليهودي الصنعاني في عهد عثمان رضي الله عنه.

ولا شك أن هذا الثواب المذكور، والمنسوب إلى الشيخ التجاني في جواهر المعاني، قد تجاوز حد الإفراط بتلك الألفاظ والجمل الكثيرة المجحفة بحق القرآن العظيم، والكتب السماوية أجمعها، والأنبياء كلهم عليهم السلام، يقول الثعالبي: ولست أعني الجواهر التي ألفها الشيخ بيده، بل «جواهر المعاني وبلوغ الأماني من فيض سيدي أحمد التجاني المطبوع الطبعة الثانية بالمطبعة الأزهرية في العدد ١٢٤ إلى عدد ١٢٥ - ج الأول، ناسباً ذلك أنه تلقاه مؤلفه علي حرازم برادة شفاهاً من الشيخ التجاني.

ثم نقل ذلك عن «الجواهر» مؤلفون كثيرون ينتسبون للتجانية يطول بنا سرد أسمائهم، حسنوا ظنهم، فوقعوا في أفحش الأغلاط وحاشا الشيخ التجاني والعلية من أعلام أصحابه أن يقعوا في ذلك، وإنما هذا مدسوس عليه من فئة ضالة، أو جاهلة بقيمة القرآن بقايا الروافض، والجمعيات السرية التي تكيد الإسلام.

ولإيضاح وجه اعتراضه على هذه الدعاوى، يقول الثعالبي في معرض الرد على ثواب الصلاة المنسوبة للتيجاني (ص 42 -43):

آياته على ستة آلاف آية في كفة الميزان مكررة ستة آلاف مرة، وجعلوا في الكفة الأخرى صلاة الفاتح التي هي أقصر من آية واحدة من آياته كآية الربا ثم جعلوا الرجحان لصلاة الفاتح، فهل ثم وقاحة على الله واستخفاف به أكثر من هذا؟ إن هذا لهو البلاء العظيم على كل مسلم وشناعة وجرأة، وامتهان لكلام الله القديم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (

كفااهم مقتاً واستخفافاً بجانب الله، أن جعلوا كتاب الله الذي تنيف آياته على الستة آلاف آية، مثل ذلك الذكر المدعى في الفضل والثواب.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل أُضيفت إلى هذه الدعوى دعاوى أخرى أشد منها، وأيضاً نسبوا إلى الشيخ كما في «الجواهر» أن صلاة الفاتح أفضل من عبادة كل عابد من لدن خلق الله الدنيا إلى الآن بما فيها تلاوة القرآن والتوراة والزبور والإنجيل، ولا شك أنه قد دخلت عبادة النبي، وعبادة النبيين والمرسلين والملائكة المقربين بدليل أنه قال: ثواب أحد الأدعية أنه يعدل ثواب سبعين نبياً كلهم بلغوا الرسالة بل قالوا كما في «الجواهر»: أنها تعدل ثواب أربعة وعشرين مليوناً من الغزوات، فتدخل غزوات بدر وحنين وغيرهما، وكفاهم مقتاً أن القرآن نفسه يصرح برد هذه القولة، قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ [التوبة: ١٩].

ويضيف إلى ذلك ما نسب إلى هذه الصلاة من أجر آخر، إذ قالوا: إنها تعدل عبادة ثمان وعشرين مائة سنة، لقد أشمتوا بنا كل عدو للإسلام، جرؤوهم أن يقولوا لنا: لو كان القرآن كلام الله حقاً في اعتقادكم ما فضلتم عليه كلام مخلوق مثلكم بل ولا سميتموه به ولا زعمتم أنه أكثر ثواباً منه بأضعاف مضاعفة لا حد لها، وكيف تزعمون نزول الوحي، والبطائق من السماء بهذه الدعاوى العريضة؟ ثم بعد هذا ألا زلتم تزعمون أنه كلام ربكم؟

وبعد عرض هذه الدعاوى، أخذ الشيخ يُفنّد هذه الدعاوي، فيقول:

زاد في «الجواهر» أن الشيخ أخبره عن نفسه أنه مهما ذكر ذكراً إلا وذكر معه سبعون ألف ملك، وإن ذكر كل واحد منهم يضاعف سبعين ألف مرة، وثواب أذكارهم كلها لسيدنا الشيخ كرامة من الله، وقد تفضل الشيخ على أصحابه، كل من ذكر منهم إلا ويذكر معه سبعون ألف ملك.

ومن هنا يبين الشيخ وجه اعتراضه، فيقول: وإنما قلت ظناً مني أن هذا مدسوس على الشيخ التجاني من بعض الجهلة والمضللين لأمور:

الأول: إن الثواب والعقاب لا يُدركان بالعقل، خلافاً للمعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وإنما يتلقى النص عليهما من كتاب الله، أو سنة رسول الله المروية بالأسانيد الصحيحة أو الحسنة بالطرق الأثرية المعروفة في الأمة الإسلامية، تلك المزية التي فاقت وفضلت بها كل الأمم، وهي فضيلة لا تزال ولا تنقطع إن شاء الله. لذلك ليس واحد منهما يدرك بالرأي ولا بالذوق سواء عند الصوفية أو غيرهم.

وإنما يدركان بالسمع من الشارع، ودعوى إدراك العقل ثواب الأعمال نزغة من نزغات الشرك، ردها القرآن، قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ الله [التوبة: ١٩]، وهذه الآية أبلغ رد على جواهر المعاني ولذلك نص الله على ثواب الأعمال باختلاف درجاتها (۲)، ولم يكل ذلك لاجتهاد مجتهد.

وبيّن ذلك بالنصوص الشرعية، فقال تعالى: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال في الأعمال ذات المثوبات العظيمة: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقال في الصبر على المشاق، كالجهاد مثلاً والصوم: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠].

ثم جاءت السنة النبوية مبينة لذلك، وكملت السنة ما بقي، فقال له في حق الصلاة على النبي ﷺ: من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً» .

وفي رواية النسائي: من صلى علي صلاة واحدة، صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات.

وأخرج الترمذي مرفوعاً: إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة».

وفي القرآن العظيم: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: ١٦٠].

وبناءً على ذلك، يقول الشيخ: أما يكفي السادة التجانيين الفضل الذي بينته سُنَّة النبي ﷺ من طرق الإسناد المألوفة التي لا دخل للدجل والكذب فيها. وهذه الآية يمكن أن نفسر بها الحديث: صلى الله عليه بها عشراً» لأن الصلاة في معنى الدعاء لا تناسب مقام الربوبية، وإنما معناه الإنعام وهو تضعيف الثواب عشراً، ولا محوج إلى تلك العمليات الحسابية، فصلاة الفاتح كالصلوات الأخرى لها عشر حسنات وحط عشر خطيئات، ورفع عشر درجات حتى تأتوا بدليل الزيادة.

وفي السياق نفسه، يؤكد الشيخ أن باب الفضائل لا يُفتح بالرأي والذوق والكشف، فيقول: ولم نسمع بشيخ من شيوخ الصوفية السالكين مسلك السنة ادعى رأياً أو ذوقاً، أو كشفاً في ثواب الأعمال على سبيل التعيين الذي لم يعينه لا كتاب ولا سنة.

والأمور الشرعية لا تتلقى بالكشف ولا بادعاء لقاء النبي، واله وينية والتلقي منه بعد وفاته، ولم يعهد من مشايخ السُّنّة أن يدعوا دعوى كهذه، ولو فرض أن أحداً ادعاها لما التفت أحد إليه، ولكان قوله من زائف القول، إذ يفتح باب إفساد على الشريعة بالزيادة والنقص لا يمكن سده، ثم الإنكار عليه متعين والسكوت عنه ضلال، وإقرار على ما فيه هلاك الأمة والملة، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥].

ومن ثم، يلخص الشيخ نتيجة هذا المسلك بقوله:

وحاصله أن هذه الدعوى يختل بها نظام الإسلام، وتفسد قواعده، وتنحل انحلالاً، ويصير كل من شاء أن يقول شيئاً عن الرسول قاله.

الثاني: إن وظيفة الشيخ التجاني الإرشاد إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وتخويف التلاميذ من عقاب الله، ودلالتهم على التوبة التي هي أول مقصد من المشيخة، وكل شيخ لا يجعلها أول شرط في طريقة فهو ضال مضل. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: ٣١]. ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِنَايَتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الأنعام: ٥٤]. ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١].

ومن المناسب هنا أن نشير إلى مكانة المؤلف العلمية؛ إذ إن الكلام عن منهجه في النقد والتحقيق يزداد وضوحاً حين نستحضر منزلته العلمية، وما شهد به له علماء عصره ومن جاء بعدهم.

وقال عنه العلامة الأديب عبدالله الجراري: يعد - الحجوي - في علية علماء المغرب الذين تفتخر بهم معلمته الثرية والغنية بالعلوم والفنون.

وقد اخترقت سمعته آفاق الشرق، وكانت أفكاره تلقى صدى طيباً هناك، وربما كان ذلك بسبب سبق المشارقة للنهضة، وقد جعله بعض علماء تونس في مرتبة محمد عبده، بحيث قيل في حقه بعد إلقائه محاضرة هناك في 3 شوال ١٣٥٧ هـ: لا نحتاج إلى أن نبرهن على أن هذا الدرس كان آية قيمة .. وسيحفظها تاريخ هذه الديار في سجل مفاخره بمثل ما حفظ به درس الشيخ عبده المصري في مثل هذا المكان منذ ٣٠ سنة».

وقال عنه عالم الديار التونسية الشيخ طاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: ومن أبهر الكواكب التي أسفر عنها أفقنا الغربي في العصر الحاضر، وكان مصداق قول المثل: كم ترك الأول للآخر الأستاذ الجليل، والعلامة النبيل، وصاحب الرأي الأصيل، الشيخ محمد الحجوي المستشار الوزيري للعلوم الإسلامية بالدولة المغربية، فلقد مد للعلم بيض الأيادي بتأليفه التي سار ذكرها في كل نادي...

ولعل هذه المكانة العلمية تفسر جانباً من معارضيه، لعل أهم الأسباب - في نظري - المعارضة معارضيه وخصومه له، هو: علو شأنه، وجلالة قدره، وبلوغه في العلم مبلغاً عجز عنه علماء عصره، فقد سبق زمانه وفاق بعبقريته وعقليته أقرانه، فكانت لديه مقدرة عجيبة في البحث والتنقيب واستخراج النكات البديعة واستنباط القواعد الدقيقة، وجل كتاباته شاهدة عن بارع علمه ودقة فهمه وكمال غوصه على نادر الدقائق، وعويص المسائل.. فحسدوه وأرادوا الحط من قدره.

وفي عرض هذه القضية، وقد جعله في صورة سؤال وجواب، يقول مثلاً (ص 26):

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره، ومقداره العظيم.

هذه الصلاة من الصلوات المباركات الطيبات المستحسنات. وإني لَجِدُّ آسف لما نشأ حولها من جدال في الأمة المحمدية المسكينة، المحتاجة في زمننا هذا إلى كل هدو وسكينة، كي تُقبل على إصلاح شؤونها الضائعة المختلة دينية، ودنيوية واجتماعية واقتصادية، وإن الله سبحانه يقول: أن أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].

وموضوع الجدال يوجب العجب، هل هذه الصلاة تعدل ستة آلاف سلكة من القرآن العظيم؟ بل أكثر من ذلك بأضعاف لا حد لها ولا حصر.

أو القرآن لا يُعادله شيء، فضلاً عن أن يفوقه لأنه كلام الله، المنزل على خير خلقه اختاره الله له ولأمته للتعبد به والتهذيب بكمالاته، والعمل بما فيه، وفي الصحيح: إن خير الكلام كلام الله».

ولبيان الأسئلة التي أراد المؤلف مناقشتها، جاء الكتاب على صورة أسئلة محددة، ينتقل من خلالها من أصل الدعوى إلى أدلتها ومصادرها، ثم إلى ما يترتب عليها من نتائج، وذلك على النحو الآتي:

السؤال الأول

من الذي ألف هذه الصلاة ورتبها؟
وهل نزلت على الشيخ البكري من السماء؟ وهل هي من القرآن أو من كلام الله؟ وأصل هذه البدعة، وحكم مدعيها.

السؤال الثاني

من الذي ذكر في فضلها أنها تعدل ستة آلاف سلكة من القرآن وأكثر بأضعاف مضاعفة؟ وهل لهذا أصل يرجع إليه من كتاب الله أو سنة رسول الله؟ أو له وجه في التأويل؟ وما هو الصحيح في ثواب هذه الصلاة؟

السؤال الثالث

كيف تُنَوِّهُونَ بالشيخ التجاني وتُدافعون عنه وعن طريقته، مع أن جمهور أصحابه المعاصرين يُقروون بأن الفظائع التي في الجواهر) هي له بل ينسبون نفس الجواهر إليه؟ فنرجو منكم زيادة إيضاح عن برهان.

السؤال الرابع

نرجو منكم أن تحققوا لنا هل ما يزعمه التجانيون عموماً من أن شيخهم يتلقى من النبي الله عليه شفاهاً عياناً الأوراد وفضائل الأعمال، وتصحيح الأحاديث وتضعيفها وغير ذلك: صحيح أم لا؟
وهل هذه الرؤية ممكنة عقلاً، وهل يعتمد عليها شرعاً أم لا؟

السؤال الخامس

هل هناك صلاة أفضل من صلاة الفاتح لما أغلق؟

الدس على الشيوخ قديم - مبحث هام

الدس على الشيوخ قديم

وانتقالاً إلى أصل آخر من أصول المناقشة، لا تعجبوا من قولي إن الدس واقع في «الجواهر» على الشيخ التجاني، فذلك له نظائر سابقة في التاريخ، فكما أن الجمعية السرية تسلطت على الأديان بالإفساد والتبديل ثم التأويل، كذلك تسلطت على الطرق بمثل ذلك.

فقد أخبرنا التاريخ أن يهودياً كان يتستر بالإسلام من أصحاب سيدي أحمد بن يوسف، دفين مَلْيَانَة من أرض الجزائر، ألف كتاباً ونسبه لسيدي أحمد بن يوسف، دس فيه كفراً عظيماً، وبدعاً لا تنطبق على مذهب السنة، وتمسك العامة بذلك أتم تمسك، وقامت قيامة العلماء على ذلك، ونشأت فتن، وأريقت دماء بما هو مبسوط في كتب التاريخ.

وكذلك دسوا على صاحب دلائل الخيرات لسيدي محمد بن سليمان الجزولي، واخترع بعض أصحابه شبه ديانة قامت بشأنها فتن لم يخمدها إلا النار والحديد.

ودسوا على ابن العربي الحاتمي في الفتوحات أشياء، وأنواعاً من الضلال والكفر، قد تكفل الشعراني ببيانها في كتاب (اليواقيت والجواهر) وغيره.

ثم يوسع المؤلف دائرة الاستدلال، فيقول: وأمثال هذا كثير في التاريخ، وكله أو جُله من عمل الجمعيات السرية التي لا هم لها إلا إفساد الديانات ثم الطرق، وإدخال الخلل فيها، وتلك الجمعيات أكثرها يهود، وها هم وصلوا إلى مبتغاهم في الروسيا، إذ كونوا الأفكار البلشفية، وهدموا بها الديانة التي كانت هناك، وخربوا المعابد، وأفسدوا المعتقدات وأوقدوا نار الفتن التي وصلت إلى [إسبانيا] فاشتعلت ثلاث سنين ولا زال أمرهم يدب من أرض إلى أرض بالإفساد والتخريب.

وهم الذين كونوا فكرة الرفض في الإسلام، وأكثروا من الكذب على رسول الله، حتى أدخلوا الخلل على كثير من السنة النبوية، وكم كذبوا على علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وصنعوا كتاباً نسبوه إليه، أتوا فيه بكثير من علمه، ولكن خلطوه بأنواع من الكذب والتغيير، ولما رآه ابن عباس - رضي الله عنه - أخذه الأسف حين قرأه وقال: «قاتلهم الله أي علم أفسدوا»، وبسبب ذلك ضاع كثير من علمه إذ لم تبق ثقة به.

كما كذبوا كثيراً من الأحاديث في نفس فضائل سور القرآن وخواصها. وقد رد أهل السنة والمحدثون كثيراً من تلك الأحاديث وزيفوها.

وخلاصة هذا الاستشهاد عند المؤلف، يقول: بينا لكم هذا تدليلاً على ما هو غالب ظني ورأيي في جواهر المعاني مع احترامي للشيخ التجاني وخليفته علي حرازم برادة، والعلية من أصحابه ولطريقته.

وفي مقابل هذه الدعوى، يستند النص إلى ما ورد في كتب الصلاة على النبي ﷺ، جاء في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص ۱۱۸ - ۱۱۹:

عن سلامة الكندي قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعلم الناس الصلاة على النبي فيقول: اللهم داحي المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمل، فاضطلع بأمرك بطاعتك مستوفزاً في مرضاتك بغير نكل عن قدم، ولا وَهْن في عزم واعياً لوحيك، حافظاً لعهدك، ماضياً على نفاذ أمرك، حتى أورى قبساً لقابس.

آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، وأنهج موضحات الأعلام ومنيرات الإسلام، ودائرات الأحكام، فهو أمينك المأمون، وخزان علمك المخزون وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة.

اللهم افسح له في عدنك واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المضنون، وجزل عطائك المعلول.

اللهم أغل بناء البانين بناءه، وأكرم مثواه لديك، ونُزُله، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة ومرضي المقالة ذا منطق وخطة فصل، وحجة وبرهان عظيم.

و(سلامة الكندي الراوي هذه الصلاة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - ذكره البخاري في تاريخه الكبير ٢٤٦٨/٤ - وقال: يروي عن علي وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ۱۳۰٨/٤ - لكن جعل روايته عن علي مرسلة، أما ابن حبان في الثقات فتبع البخاري في الإشارة إلى اتصال روايته عن علي رضي الله عنه.

يقول الدكتور محمد عوامة في كلامه على هذه الصلاة عند تعليقه على القول البديع» ص ۱۱۸: وينبغي التنبيه إلى ما في شرح الشفا للخفاجي ٤٧٤/٣ - إذ جعل سلامة هذا هو سلامة بن قيصر الحضرمي ونسب ذلك إلى ابن حبان، وهو فيه لكن ترجمه مع الصحابة ١٦٨/٣، فتنبه وراجع الأصول دائماً».

ولتمام الفائدة في شرح ألفاظ الصلاة، وتتميماً للفائدة، أنقل ما ذكره الحافظ السخاوي في ضبطه لحديث علي رضي الله عنه فقال: «الفصل السادس: في ضبط ما في حديث علي الماضي من مشكل:

ف داحي المدحوات) بالمهملة فيهما، أي: باسط المبسوطات، وهي الأرضون ويروى: المدحيات، وكان جل ثناؤه خلقها ربوة ثم بسطها، فقال جل ثناؤه: ﴿وَالْأَرْضَ بعدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا) وكل شيء بسط ووسع فقد دحي، ولذلك قيل لموضع بيض النعامة: أدحي، لأنها تدحي البيض، أي: تبسطه وتوسعه، ويروى: المدحيات. وبارىء المسموكات) أي: خالق المرفوعات، وعنى بها السماوات قال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول ويروى: سامك بدل بارىء، ومعناه: رافع.

و(جبار القلوب على فطرتها) هو من جَبر العظم المكسور، كأنه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والإقرار به شقيها وسعيدها قال القتيبي: لم أجعله من: أجبرت، لأن أفعل لا يقال فيه، فعال وتعقبه في النهاية بأن يكون من اللغة الأخرى، يقال: جبرت وأجبرت، بمعنى: قهرت.

و(أغلق) بضم الهمزة وكسر اللام مبني لما لم يسم فاعله.

و(الدامغ) المهلك يقال: دمغه يدمغه دمغاً، إذا أصاب دماغه فقتله.

و(الجيشات) جمع جيشة، وهي الهرة من جاش: إذا ارتفع.

و(حمل) بضم المهملة وكسر الميم المشددة مبني أيضاً.

وقوله: (مستوفزاً في مرضاتك) أي: ماضياً فيها.

وقوله: (بغير نكل) أي: بغير جبن وإحجام في الإقدام.

(ولا وهن) أي: ولا ضعف في رأي، ويروى: واهياً، بالياء.

و(النفاذ): بالفاء والمعجمة.

و(أورى) في الصحاح: ورى الزند - بالفتح - يَرِي وَرْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى: وَرِي الزند يري - بالكسر فيهما - وأوريته أنا، وكذلك: وريته.

و(القبس): الشعلة من النار، وكل هذا استعارة.

و(آلاء الله) بالمد: نعمه، وهو مبتدأ خبره قوله: تصل بأهله أسبابه وفي واحده خمس لغات:
1 - ألا: بالفتح والتنوين كرحى.
۲ - وبالكسر والتنوين كمعي.

  • وبالكسر وسكون اللام والتنوين كنعي.
    ٤ - وبالكسر بغير تنوين ذكر الأخيرة ابن الأثير في النهاية.
    ه - ومثله، لكن بفتح أوله، كما وجد في بعض نسخ شرح الألفية» للعراقي في الخطبة وقيل: (أَلَوَ)، كـ آمَنَ، أفاده البرهان الحلبي.
    ورأيت بخط شيخنا فيها خمس لغات: إلى: بكسر الهمزة وبفتحها، وبالتنوين فيهما والخامسة: إلي.

و(هديت): بضم الهاء وكسر الدال مبني لما لم يسم فاعله.

و(القلوب) مرفوع نائب مناب الفاعل، ويروى بفتح الهاء والدال، ونصب القلوب.

و (النهج): الطريق المستقيم.

و(موضحات) بكسر التاء مفعول، وكذا نائرات» بكسر التاء معطوف على موضحات، وهو بنون أوله ومثناة تحت بعد الألف.

و(عدنك): بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة، يعني جنتك، وفي الصحاح: عدنت البلد توطنته، وعدنت الإبل بمكان كذا لزمته فلم تبرح ومنه: جنات عدن أي: جنات إقامة.

و(أجزه) بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم زاي مكسورة من الجزاء، هكذا ضبط في عدة نسخ من (الشفا) والصواب فيه كما وجد في بعض الأصول المعتمدة: وصل الهمزة، لأنه ثلاثي، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَيْهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا).

قلت: وقد وجدته في بعض الأصول بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم راء مفتوحة من الأجر، وصحح عليه، وأظنه مما حرف.

وقوله: (ثوابك المضنون) أي: الذي يُضن به لنفاسته والذي في «الشفا»: المحلول، بدل المظنون والمعنى يحل فيه.

و(المعلول) مأخوذ من (العلل) بفتح المهملة واللام، وهو الشرب الثاني بعد النهل -بفتحتين - وهو الشرب الأول، وأراد العطاء بعد العطاء.

و(النزل) الطعام الذي يهيأ للضيف، وهو بضم النون وسكون الزاي، وتضم الزاي أيضاً، وهو المكان الذي يهيأ للنزول فيه، وفي التنزيل: نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ). و(الخطة) الأمر والقصة، و(الفصل) القطع - والله أعلم القول البديع) ص ٢٢١ - ٢٢٤.

ترجمة الشيخ التيجاني

وبعد هذا العرض النقدي، يحسن أن نتوقف عند شخصية الشيخ التيجاني نفسها، إذ إن معرفة ترجمته ومكانته العلمية تساعد على فهم السياق الذي دارت فيه هذه المناقشة.

هو أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد الشريف التجاني أبو العباس، شيخ الطائفة التجانية بالمغرب، كان فقيهاً مالكياً عالماً بالأصول والفروع، ملماً بالأدب.

= ولد في عين ماضي التي كانت تابعة للمغرب الأقصى ضمن الصحراء الشرقية، وانتقل إليها جده الرابع من مراكش، ودخل إلى فاس لأول مرة عام ١١٧١هـ بعدما أزعجه صاحب وهران الباي محمد بن عثمان، ومكث خمس سنوات في البلد الأبيض بالصحراء الشرقية، له استنباطات عميقة وأصيلة من القرآن والحديث نشر بعضها في كل من جواهر المعاني) للشيخ حرازم برادة، و(الجامع) للشيخ محمد بن المشري وقد اشتهر في تلمسان بتدريسه لعلم الحديث والتفسير وهما أهم ما اشتغل به منذ أول أمره، شيخ الطريقة التجانية عالم أصولي، محدث سني، تدل أجوبته حول القرآن والحديث على علو كعبه في الظاهر والباطن له رسائل عديدة منها وصية الجميع الإخوان» مخطوط بالخزانة العامة بالرباط (٢١٠٦د).

ومن مصادر ترجمته وآثاره، راجع: - شجرة النور الزكية: ۳۷۸، والإعلام للمراكشي ۲۳۲/۱، ونيل الابتهاج: ٦٧.

والفيض الرباني في مدح السيد أحمد التجاني للطيب بن أحمد بن هاشم - المطبعة -الحسنية مصر -۱۳۲۷ هـ.

-والمعيار المعرب في فضيحة التخلي بين أهل المشرق والمغرب» (ذكره في كتابه تحلية الآذان والمسامع أحمد بن عبد السلام بناني).

  • و الإفادة الأحمدية لمريد السعادة الأبدية للطيب السفياني جمعها من إملاءات الشيخ -أحمد التجاني.

  • وبلوغ الأماني في مناقب الشيخ أحمد التجاني لأحمد المكي بن عبدالله (مخطوط بالخزانة العامة بالرباط: ٢٤٦٢د).

-و مناقب التجاني» لمحمد بن المشري السائحي السباعي - مخطوط بالخزانة العامة (١٣٥٤).

والجامع لما افترق من العلوم في بحار القطب المكتوم التجاني لابن المشري (مخطوط بالخزانة العامة: ٢٤٤٤د).

والروضة المحب الفاني فيما تلقيناه من أبي العباس التجاني» (مخطوط بالخزانة -العامة: ۲۰۲۸د).

-والصلاة الغيبية في الحقيقة الأحمدية مكتبة تطوان.

و الرسائل موجهة إلى بعض الفقراء والفقهاء (مخطوط) بالخزانة العامة: ٢٤٢٥د).

-ووصية لجميع الإخوان بأداء الفروض وأعمال البر (مخطوط بالخزانة العامة: ٢١٠٦د).

-والغضب اليماني في الرد على الشيخ أحمد التجاني لأحمد الشنقيطي (مخطوط بالخزانة العامة: ٢١٣٥د).

-توفي رحمه الله عام ۱۲۳۰ هـ - موافق ١٨١٥م.

فائدة:

وفي ختام هذا العرض، تأتي هذه الفائدة التي تتصل مباشرة بمنهج نقد الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؛ إذ إن قضية الثواب والفضائل، كما عرضها المؤلف، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بضرورة التثبت في النقل وعدم التساهل في قبول الأخبار.

يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب ظفر الأماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني ص ۲۸۱:

وقد جَرَتْ سُنَّةُ الله تعالى أن يكون في كل صنف من الناس وفي كل صنف من العلماء مرضى ضعفاء بفهمهم ونقدهم وتقويمهم للصحيح والسقيم منه.

ومن مرضى المحدثين: هذا النمط المتبرك بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، أو الأحاديث المنامية تقع لبعض الناس وهذا مُصاب كبير يقع في صفوف بعض المسلمين المضافين للعلم والدين بصدق وإخلاص مع سذاجة، وسببه فيهم فقد العلم المحرر النقي الصحيح، وتعطيل العقل، وتقبل الخرافات والأباطيل جزءاً بعد جزء، بدعوى أن قدرة الله واسعة، حتى يصير قبول تلك الترهات كيفما كانت ولو مثل هذا الحديث شيئاً عادياً تحت عنوان: التسليم للرسول الله وحديثه واجب. ولو كان الكلام من أحاديث الملاحدة أو الشياطين فيجب تصفية ثقافة المسلمين من هذا الداء، والله المستعان.