رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية
د. قاسم عبده قاسم
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يناقش هذا الكتاب فكرة محورية، مفادها أن التحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ إلا حين تدرك الجماهير فداحة الخطر المحدق بها، ويتزامن ذلك مع صدق القيادات في تشخيص الواقع، وامتلاكها إرادة التغيير. ومن هذا المنطلق يسعى الكتاب إلى قراءة التجربة الصليبية بوصفها نموذجًا تاريخيًا استثمرته الحركة الصهيونية في بناء خطابها السياسي والفكري، من خلال توظيف التاريخ والرواية الدينية لخدمة أهدافها الاستراتيجية، وإضفاء الشرعية على مشروعها الإحلالي الاستيطاني.
وفي هذا السياق، يستعرض المؤلف الجذور الفكرية للحركة الصليبية، مبينًا أنها قامت على ركيزتين أساسيتين، هما: الحج إلى الأرض المقدسة واستعادتها، وما ارتبط بذلك من تعاظم مكانة البابوية وهيمنتها على العالم الكاثوليكي الغربي. كما يتناول نشأة حركة "هدنة الرب" (Peace of God) أو "سلام الرب" (Truce of God)، ودورهما في توجيه العنف الداخلي الأوروبي نحو الخارج، ثم يعرض للصراع الذي دار بين البابا "جريجوري السابع" والإمبراطور "هنري الرابع" فيما عُرف بقضية التقليد العلماني، وما أسفر عنه من تعزيز سلطة البابوية.
ويربط المؤلف بين هذه التطورات وبين الهزيمة البيزنطية في معركة "ملاذكرد" سنة 1071م أمام السلاجقة، التي فتحت الباب أمام الدعوة إلى استعادة النفوذ المسيحي في المشرق. كما يبين أن من أبرز أهداف الحروب الصليبية: إخضاع الكنائس الشرقية وإعادة توحيد العالم المسيحي تحت زعامة بابا روما، بعد الانشقاق الكبير بين الكنيستين الشرقية والغربية سنة 1054م.
وفي هذا الإطار يبرز دور البابا "أوربان الثاني"، الذي أعلن الدعوة إلى الحملة الصليبية الأولى في خطابه الشهير بمدينة "كليرمون" الفرنسية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1095م، مستنهضًا الفرسان الغربيين للمشاركة فيما سُمِّي آنذاك بـ"الحرب المقدسة"، مستفيدًا من الدوافع الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت آلاف المقاتلين إلى الانضمام إلى تلك الحملات.
ويناقش المؤلف الكيفية التي تناولت بها الكتابات اليهودية الحديثة الحروب الصليبية، ويرى أنها دارت حول ثلاثة محاور رئيسة:
أولها: تصوير تلك الحملات باعتبارها نموذجًا لمعاداة اليهود واضطهادهم، إلى جانب اضطهاد المسلمين.
وثانيها: محاولة اختلاق دور تاريخي لليهود في مقاومة الغزو الصليبي والدفاع عن بلادهم، على غرار ما قام به المسلمون.
وثالثها: دراسة الكيان الصليبي وأسباب نجاحه وإخفاقه، للاستفادة من تجربته في تأسيس الكيان الصهيوني.
ويشير إلى أن المؤلف اعتمد في مناقشة هذه القضايا على مؤلفات المؤرخ الإسرائيلي "يوشع براور" (Joshua Prawer)، الذي يعد من أبرز المتخصصين في تاريخ الحروب الصليبية.
كما يوضح المؤلف كيف استند الفكر الاستيطاني الصهيوني إلى قراءة إسقاطية لتلك التجربة، حيث نظرت الحركة الصهيونية إلى "مملكة بيت المقدس الصليبية" باعتبارها سلفًا تاريخيًا مبكرًا لتجربتهم في المنطقة، مما جعل دراسة أسباب سقوط تلك المملكة ورقة بحثية بالغة الأهمية بالنسبة لخبراء التخطيط الإستراتيجي الصهيوني. ويرى المؤلف أن المشروع الصليبي لم يكن مجرد حملة دينية، بل كان مشروعًا استعماريًا استيطانيًا امتد قرابة قرنين من الزمان، من 1096م حتى 1291م.
ويشير إلى أن أولى الإمارات الصليبية في المشرق كانت إمارة "الرها" التي أسسها "بلدوين" في المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات، ثم تمكن الصليبيون سنة 1098م من الاستيلاء على "أنطاكية"، قبل أن يسيطروا على بيت المقدس سنة 1099م بعد مجزرة واسعة ارتكبت بحق سكانها، رغم منح الحامية المصرية الأمان مقابل تسليم المدينة.
أوجه التشابه والاختلاف بين الحركة الصليبية والحركة الصهيونية
الحملات الصليبية السبع
ويجدر بالتنبيه إلى أن بعض المؤرخين يعدّ الحملة الصليبية الثامنة (1270م) ضمن الحملات الرئيسة، بينما يقتصر آخرون على سبع حملات كبرى؛ وقد التزمت هنا بالتقسيم الذي طلبته، مع الإشارة إلى أن سقوط عكا سنة 1291م مثّل النهاية الفعلية للوجود الصليبي في المشرق.
ويخلص الكتاب إلى أن استيعاب التاريخ الصليبي لا يقتصر على مجرد سرد الأحداث الماضية، بل يمثل مفتاحًا أساسيًا لفهم آليات عمل المشاريع الاستعمارية الاستيطانية المعاصرة، وكيفية تفكيك خطابها الذي يعتمد على الأدلجة الدينية والتاريخية لتبرير الاغتصاب المكاني والتهجير البشري