أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 12 مايو 2026

نزهة الجلساء في أشعار النساء جلال الدين السيوطي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

نزهة الجلساء في أشعار النساء

جلال الدين السيوطي

تحقيق ودراسة: د. محمد بدر معبدي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: العرب أمة شاعرة، تعتزُ به، وتعدُّه جزءاً من مآثرها القديمة، وآثارها المشيدة التي وضعت فيه كل ثقافتها وتجربتها وتاريخها وحياتها وبيئاتها وأعمالها، وليس لغواً أن نقول: إن العرب قرضوا وحدهم من الشعر - في الجاهلية والاسلام -أكثر مما قرضته شعراء العالم مجتمعين، 

وقد ترك العرب ثروة كبيرة من الشعر والأدب، وكان في جُلّه منسوباً الى الرجال، أما شعر المرأة فظل مهضوم الحق مهيض الجناح، بل مهجوراً متروكاً، لا يجد من يشجعه أو يأخذ بيده، ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة البيئة العربية وثقافتها المحافظة، والتي لا تسمح للمرأة بقرض الشعر أو روايته، وإذا ورد فنادرٌ قليلٌ بالنسبة إلى قرض الرجال ومروياتهم.

كما أن أشعار النساء العربيات بقيت مظلومة من حيث التصنيف والجمع والعناية حتى وقتٍ متأخر من تاريخ التصنيف، فما تكاد ترى بحثاً في شاعرة أو تحقيقا في أديبة، فقد أهمل ذلك الأولون وتبعهم في ذلك المتأخرون؛ فأنت اذا تصفحت مختارات الشعراء كحماسة البحتري وأبي تمام وغيرهما من أشعار المتقدمين أو محتارات البارودى وأمثاله من المتأخرين، لا تجد فيها شعراً نسائيا الا ما ندر. 

والمرأة بلا ريب أرق عاطفة وشعوراً من الرجل -ولكنه هو أوفر علماً بما يتاح له من الوقت والوسائل، كما أنه أوعب وأنضج فكراً وأسلوباً، وإذا طالعنا صفحات التاريخ نجد أن المؤرخين قد ظلموا المرأة أييضاً، ولم يسجلوا لها نشاطاتها المختلفة، أو الدور الذي قامت به -كما ينبغى، على الرغم من عظيم أثرها في حياة الأمم كافة -كمربية ومعلمة وحاضنة وطبيبة وفقيهة ومحدثة ومفسرة وسياسية ومحاربة، فالمرأة عاشت جبجوار الرجل وشاركته في شتى الميادين.

 ولو أننا اهتممنا بتراث المرأة وأدبها، وأبرزناه إلى عالم القراء والمثقفين لأضفنا الى تراث الانسانية تراثاً عظيماً خالداً، لا يقل عن تراث الرجل، ويُعدُّ كتاب (نزهة الجلساء في أشعار النساء) للإمام عبد الرحمن ابن أبى بكر السيوطى (ت ۹۱۱ هـ) جزءٌ من هذه القروة الفكرية والثقافية.

وهو كما قال مؤلفه: "جزء لطيف في النساء الشاعرات المحدثات، دون المتقدمات من الجاهليات والصحابيات والمخضرمات؛ فأولئك لا يُحصَين كثرة، بحيث إن الطرماح جمع كتاباً في أخبار النساء الشواعر العربيات، اللاتي يُستشهد بشعرهنّ في العربية؛ فجاء في عدة مجلدات، رأيت منه المجلد السادس". وقد تضمن هذا الجزء جُل أبواب المشعر المعروفة في ذلك المزمن من مدح ورثاء وحكمة وغزل وهجاء .. الخ.

________________________________________________

نبذة عن بعض شاعرات هذا العصر- بقلم: د / محمد بدر معبدي

من شاعرات هذا العصر من امتزن بجودة الشعر، ومسايرة كبار الشعراء في المتانة وصحة اللغة كـ (ولادة بنت المستكفى)، فإنها كانت بالمغرب كـ (عليّة بنت المهدى) في المشرق ، وهي كما وصفها صاحب كتاب "نفح الطيب": واحدة زمانها، المشار اليها بالبنان، حسنة المحاضرة مشكورة المذاكرة. 

يقول ابن بسام فيها: «كانت ولادة أديبة شاعرة، جزلة القول، حسنة المشعر، وكان مجلسها منتدى لأهل المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، حتى خلع ابن زيدون فيها عذاره، وهام فيها وغرد حتى ألهمته غرر قصائده ودرة فرائده:

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا … والأفق طلق ووجه الارض قد راقا

وللنسيم اعتــــــــــــــــلالٌ في أصـــــائله … كأنمـــــــــــــــــا رق لي فاعتل اشفاقا

والروض عن مائة الفضي مبتسم … كما حللت عن اللبات أطواقه

وقد أجابته عند الوداع بأبلغ شعر قيل في الوداع:

يا أخـــــــا البدر سناء وسنى … حفظ الله زمــــــــــــانا أطلعك

إن يطُل بعدك ليلي فلكم … بت أشكو قصر الليل معك

ثم (علية بنت المهدى) وكانت من ظريفات الدهر ذكاءً وجمالاً وغناءً وشعراً، وفي شعرها دعابة وحرية متطرفة في القول، على عفاف وشرف مقام، وكانت تستخدم (الرمزية) في شعرها؛ لأنها كانت تخاطب خادمَين، يُقال لأحدهما "طل" وتكنّي عنه بظل، والآخر "رشا" وتكنى عنه بزينب، وكانت تضمّن شعرها المثل والحكمة، كقولها:

إنى كثرت عليه في زيارته … فَملَّ والشيء مملول اذا كثرا

وقولها:

قيس خطب الهوى بخطب يسير … ليس ينيبك عنه مثل خبير

وقولها:

الحب أولٌ ما يكون مجانةً … فإذا تحكم صار شغلا شاغلاً

ثم (حمدونة أو حمدة بنت زياد)، وكانوا يلقبونها بخنساء المغرب وشاعرة الاندلس، وان لم يكن لها إلا قولها -تصف وادي الرملة لكفى دليلاًٍ على عذوبة شعرها.

وقانا لفحة الرمضاء واد … سقاه مضاعف الغيث العميم

حللنا دوحة فحنا علينا … حنو المرضـــــــــعات على الفطيم

وأرشفــــــــــــــــنا على ظـــمأ زلالا … ألـــذ من الــــمدامــــــــــة للنديم

ومن استاذات هذا العصر في الشعر (مريم ينت يعقوب الأنصارى)، وكانت تغدو على بيوت أشبيلية فتعلم نساءها الشعر والأدب ولها بينهن منزلة محمودة؛ لسمو أدبها، وفرط حشمتها، وكان عظماء البلد يجلونها ويدنونها لعراقة أثرها ونبالة خلقها وحسن بديهتها، وما أرق قولها في مدح المهدى صاحب إشبيلية:

لله أخــــــــــــــــــــلاقك الغُرّ التى سقيت … مـــــــــــاء الفرات فرقت رقة الغـــــــــزل

من كان والده العضب المهند لم … يلد من النسل غير البيض والأسل

وكان نساء غرناطة أعرف بالشعر ومعانيه وصوغه وصقله من غيرهن، وقد ذكر صاحب "نفح الطيب" أنهن كن يُدعَين العربيات؛ لسيرهن على سنن العرب في صفاء الشعر وفصاحة المعانى فبدل أن يقال هذه غرناطية كان يقال: هذه عربية.

ومن شواعرها الصادحات (نزهون) الغرناطية، وكانت من أعذب النساء طبعا وأروحهن نفساً، وأرفقهن بالشعر، وأضربهن للأمثال، ولها في مجالس الوزراء والأمراء آثر منزلة وأعز مكان، وكانت فوق ما عرفت به من رقة الطبع وسماحة الذوق: من أحسن الناس بديهة، وأحضرهم جواباً.

وما أحسن قولها حينها كانت تقرأ ذات مرة على أبى بكر المخزومى الأعمى؛ فدخل عليهما أبو بكر الكتندى، فقال يخاطب المخزومى: لو كنت تبصر من تجالسه ؟! وأفحم فلم يستطع أن يتم البيت الذى بدأه، فقالت نزهون: لغدوت أخرس من خلاخله !!

ثم (الشلبية) قال ابن الأبّار: ولم أقف على اسمها وكتبت إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلدها وصاحب خراجه:

قد آن أن تبكى العيون الآبية … ولقد أرى أن الحجارة باكية

يا قاصد المصر الذى يرجى به … إن قدر الرحمن رفع كراهية

نـــــــــــاد الأمير إذا وقفـــــــــــت ببابه … يا راعــــــــــيــــــــــاً إن الرعية فـــــانية

فيقال: إنها ألقيت يوم الجمعة على مصلى المنصور، فلما قضي الصلاة وتصفحها بحث عن صاحبة القصة فوقف على حقيقتها وأمر لها بصلة.

وحكى أن بعض قضاة (لوشة) كانت له زوجة فاقت العلماء في معرفة الاحكام والنوازل، وكان قبل أن يتزوجها ذكر له وصفها فتزوجها، وكان في قضائه تنزل به النوازل فيقوم إليها فتشير عليه بما يحكم به، فكتب اليه بعض أصحابه مداعبا؟

(بلوشة ) قاضي له زوجة … وأحكامها في الورى ماضية

فيا ليته لم يكن قاضيا … وياليتها كانت القاضية

فأطلع زوجته عليه حين قرأه؛ فقالت: ناولنى القلم، فناولها ،فكتبت بديهةً:

 هو شيخ سوء مزدري … له شيوب عاصية

كـــــــــــــــــلا لـــــــــــئن لم ينته … لنسـفــعن بالناصية

ثم (حسانة التميمية)، وكانت قد تأدبت وتعلمت الشعر، فلما مات أبوها (أبو المخشي) كتبت الى الحكم:

إنى ألينك أبا العاصي موجعة … أبا المخشي سقته الواكف الديم

قد كنت ارتع في نعماه عاكفة … فاليوم آوى إلى نعماك يا حكم

أنت الامام الذى انقاد الأنام له … وملكته مقاليدَ النُّـــــــهى الامم

فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه، وأمر لها باجراء مرتب، وكتب إلى عامله على المبيرة فجهزها بجهاز حسن، ويحكى أنها وفدت على ابنه عبد الرحمن بشكية من عاملة جابر بن لييد والى البيرة وكان الحكم قد وقّع لها بخط يده تحرير أملاكها، وحملها في ذلك على البر والإكرام، فتوسلت إلى جابر بخط الحكم فلم يفدها، فدخلت إلى الامام عبد الرحمن فأقامت بفنائه وتلطفت مع بعض نسائه حتى أوصلتها إليه وهو في حال طرب وسرور، فانتسبت إليه فعرفها وعرف أباها ثم أنشدته:

إلى ذي الندى والمجد سارت ركائبى … على شحط تصلى بنار الهواجر

ليجبر كسرى إنه خــــــــــــــــــير جابر … ويمنــــــــــــــــعني من ذى الظلامة جابر

فإنى وأيتامى بقبضة كفه … كذى ريش أضحى في مخــــــــــــــــــالب كاسر

ولما فرغت رفعت اليه خط والده، وحكت جميع أمرها فرقّ لها، وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينيه، وقال: تعدى ابن لبيد طوره حين رام نقض رأى الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده، ونحفظ بعد موته عهده، انصرفى يا حسانة فقد عزلته لك، ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم؛ فقبّلت يده وأمر لها بجائزة فانصرفت، وبعثت اليه بقصيدة:

ابن الهشامين خير الناس مأثرةً … وخــــــــــــــير منتجع يومــــــــــــــــاً لرواد

إن هز يوم الوغى أثناء صعدته… روى أنابيبها من صرف فرصاد

قل للإمام أيــــــــــــــــــــــــا خير الورى نسباً … مقـــــــابلا بين أباء وأجدادٍ

والفرصاد: هو صبغ أحمر.

وما أحسن قول (أم السعد بنت عصام الحميرى) التى تعرف بسـعدونة:

آخ الرجال من الأباعد والأقارب لا تقارب .. إن الاقارب كالعقارب أو أشد من العقارب

ومما يستحسن قول (أم العلاء الحجازية):

الشيب لا يخدع فيه الصبا … بحيلة فاسمع الى نصحى

وقد اشتهر - غير ذلك - من شاعرات الاندلس عدد كبير ما بين حرائر واماء، وكثير منهن كن يجمعن بين الشعر والغناء، وتحذقن ضروب اللهو والدلال، فحفلت بهن نوادى الشعر ومجالس الادب والفكر، فمنهن: (قلم) الرومية الاصل، حملت الى المشرق صغيرة وتعلمت بالمدينة ثم اشتريت للأمير عبد الرحمن بن الحكم، وكانت أديبة حافظة للأخبار راوية للشعر. 

ومنهن: (فضل، وعلم) المدنيتان و(منفعة) تلميذة زرياب المغنى - و(قمر) جارية إبراهيم بن حجاج اللخمى صاحب أشبيلية، وقد تعلمت ببغداد ثم نقلت إلى الأندلس ، ومن شعرها تمدح مولاها:

ما فى المغارب من كريم يرتجى … إلا حليف الجود ابراهيم

إنى حللت لديه منزل نعمة … كل المنازل ما عداه ذميم

ومن شهيرات الشاعرات بالأندلس أيضاً (لبنى) كاتبة المستنصر، وقد كانت من أعاجيب زمانها شعراً وأدبًا وعلماً وجودة خط، وقد نبغت في النحو والصرف والعروض والرياضة وسائرعلوم اللغة العربية. 

وفي هذا العصر ذاع الشعر النسوى القصصي، فكان مما يألفه النساء أن يبسطن حديثهن شعراً، وقد يكون ذلك في حفل حاشد، أو بين يدى ملك أو فى رسالة إلى أب أو صديق، ومن أمثلة ذلك:

رسالة (بثينة بنت المعتمد) الى أبيها، وحديث ذلك: أن المعتمد ابن عباد بعد أن دفع به القضاء من قصره الأغن في أشبيلية إلی سجن ابن تاشفين في أغمات - من أعمال فاس - سُبيت ابنته (بثينة) فيمن سبى من الجوارى، وبيعت من أحد تجار (أشبيلية) على أنها جارية، فوهبها التاجر ابنه فلما رأت الجد من الأمر كشفت القناع عن نسبها الملكى، وقالت لولد التاجر: لا أحل لك إلا بعقد يُجيزه أبى، وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها الى أبيها وانتظار جوابه، فكان الذى كتبته هذه الأبيات:

أسمع كلامى واستمع لمقالتى … فهى السلوك بدت من الاجياد

لا تنكـــــــــــروا أنى سبــــــــــــــــتيت وأننى … بنت لملك من بنى عـــــــــــــباد

فلما وصل شعرها لابيها وهو بأغمات، واقعٌ في شرك الكروب والأزمات، سُرّ هو وأمها بحياتها، ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها؛ إذ علما مآل أمرها، وجبر كسرها إذ ذلك أخف الضررين، وإن كان الكرب قد ستر منه القلب حجاب رين، وأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الصبى المذكور، وكتب اليها اثناء كتابه مما يدل على حسن صبره المشكور.

بنيتى كونى به برَّة … فقد قضي الدهر باسعافه

ولقد يمتد بنا الطريق اذا استوفينا جانب الأدب من حياة المرأة الأندلسية أو المرأة العباسية. فبحسبنا أن ندل عليه بما قدمناه من هذه اللمحات الخاطفة، حتى لا تطغى مقدمة الكتاب على الكتاب المحقق (نزهة الجلساء في أشعار النساء).

ولا أعلم كيف غفل متأدبو المحدثين وبخاصة في الاندلس عن استقصاء شعر نسائهم والعناية بتقييده؛ فهم يسمون (ولادة) بنت المستكفى (علية الاندلس) ويدعون (حمدة) بنت زياد بخنساء المغرب، وهم مع ذلك لا يذكرون لكليهما إلا القليل المحدود من الشعر، الذى أثارته مناسبة أو قيدته حادثة، وقد لايكون هذا من أفضل ما قالت الشاعرة، بل قد يكون فوق ذلك فنّاً تافها لا شأن له، في حين أنهم حين دعوا ابن هانى المغربى (متنبى المغرب ) وابن خفاجة الأندلسي (صوبرى الأندلسي)، وذكروا لهما ما جل ودق من شعرهما حتى لم يعد شيء منه خافياً على أحد. والعجب أن هذا القليل المحدود الذى نقل عن شعر النساء؛ الذي كان يتناوله مؤلفو القوم بعضهم عن بعض، فليس هناك تبسط في النقل ولا استفاضة في البحث عن شعر النساء؛ فهل لم تأت خنساء المغرب بأكثر من بضعة عشر بيتاً من الشعر أكثرها مداعبات ومطارحات؟ وهل لم تأت (علية الاندلس) بأكثر من عشرين بيتاً بعضها منسوب لغيرها ؟ 

ولعل ذلك لأن أكثر الكتب التى وصلتنا عن حياة الأندلس أُلّفت بعد سقوط ذلك البلد العظيم. ونرجو في المستقبل أن نوفق الى كشف الذخائر الأدبية والشعرية للمرأة كما نرجو أن يكون تقديم عذا الكتاب (نزهة الجلساء في شعر النساء) لجلال الدين السيوطى، فيه براعة استهلال، وباكورة طيبة وقطرة غيث من ورائها البحر الزاخر. وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

ولعل الباحثين يجدون البحث في اكتشاف تلك الكنوز الموجودة في قصر (الاسكوريال) وبذلك يتحقق الأمل الذى يراودنا منذ حقبة طويلة، ونكون قد سددنا ثغرة من الأدب العربى الهام، ونقيم أولى صرح الشعر النسائى، والله من وراء القصد.

__________________________________________________

طابع الشعر فى هذا العصر- بقلم: د / محمد بدر معبدي

ويجدر بنا في هذا المقام -ما دام هذا الكتاب (نزهة الجلساء في أشعار النساء) جزءا من شعر المحدثين (العباسيين والاندلسيين) - أن نسوق نبذة عن حالة الشعر في هذا العصر، وأن نلم بطرف موجز عن الطابع الذى يميزه دون غيره من سائر العصور؛ فنقول: أن الأدب الذى ساد هذه الحقبة يسمى الأدب (المحدث أو المولد)؛ لأن معظم الأدباء، في ذلك العصر كانوا مولدين -أى: مولودين من أبوين أحدهما عربى والآخر غير عربى-، وكانوا أيضاً محدثين (بالنسبة لى أدباء الجاهلية وأدباء العصر الاموى)، لمجيئهم بعدهم وتأخيرهم عنهم.

 فالمولد اسم لكل من نشأ غير خالص العربية، ثم صار في اصطلاح الأدب كل من قال الشعر من أهل العصر الذى كئر فيه المولدون فى الأنساب -ولو كان عربيا قحاً-، وكلمة محدث قريبة المعنى من هذا؛ لأن معناها الذى حدث وُوجد بعد الأصل.

والأدب في هذه الفترة لم يكن عربياً خالصاً في معانيه وأسلوبه، وهو يختلف اختلافا بيّناً عن الشعر فى صدر الإسلام وبني أمية، فقد كان في ظلهما ينبع من المعين الفياض الذى نهل منه أئمة العربية وفحول القصاحة وكان يتمثل هذا المعين في الجزيرة العربية -مهد الفصاحة الأصيلة، والبلاغة العريقة، فلما قرّت دولة العرب في العراق والأندلس أصبحت بغداد (١) وقرطبة (٢) قبلة الشعراء ومنتدى الادباء، وصارتا عُشّين للأدب وميدانين لتسابق جياد الفحول من الشعراء والأدباء؛ فقد كان للادب والشعر عند الخلفاء والوزراء والولاة منزلة عظيمة، ومكانة سامقة لا تدانى، حتى تكلّف من لم يكن الأدب أو الشعر سليقةً فيه، أن يعالج الادب، بل وينبغ فيه.

 وأغرت هذه المنافسة أناساً كثيرون أن يدخلوا حلبة السباق وأن يتفننوا في الشعر ويبدعوا فيه، ويجددوا فيه أغراضاً ومعانى لم تكن مألوفةً من قبل، فقد دخلت الشعر - بالإضافة الى الفنون المعروفة - فنون أخرى لم تكن معهودة عند الشعراء ولم يألفها الأدب العربى من قبل، كالمبالغة في وصف الطبيعة، وفن الخمريات، وميل بعض الشعراء إلى التهتك والخلاعة والزندقة، وتأثر الاندلسيون بالمشارقة تأثراً كبيراً في حياتهم ولغتهم وأسماء بلادهم وألقاب خلفائهم وأدبائهم، فسموا بلادهم باسم دمشق وحمص وفلسطين، وتلقب خلفاؤهم بالرشيد والمأمون والمتوكل والمعتمد والمعتضد والمستعين والناصر.

وأطلقوا على ابن هانىء متنبى الغرب، وابن زيدون بحترى المغرب، وجاروا المشارقة في الفناء والترف ومجالس الشراب واللهوَ وفنون الشعر وسماته والتوفر على الأوصاف الحضرية وترك النسيب في مطلع القصائد، وكثيراً ما كان يحل محله ذكر القصور ونعيم العيش وصحبة الإخوان وغناء القيان.

ولا ينازع أحدٌ في أن الاندلسيين ولوا وجوههم شطر المشرق، واتخذوا من شعرائه نوراً يهتدون به ويمشون في ضيائه، وأن المشارقة كانوا الاساتذة للاندلسيين، فهم الذين وضعوا الأسس، ورسموا المناهج وتركوا أثاراً علمية وأدبية خالدة على مر الزمان، ولكن أدباء الاندلس نافسوهم بقوة في هذه الميادين، وظهر فيهم عباقرة طاولوا المشارقة واحتذوا بهم -خصوصاً في القرنين الرابع والخامس الهجريين؛ كابن حزم وابن زيدون وابن هانىء وابن دراج والغزال والإوافي وابن عطية وابن سيدة وابن بسام وغير ذلك.

وكما انتفع الأندلسيون بعلوم الشرق ومنتجاته انتفع الشرق أيضاً بعلوم الاندلس، فكم انتفع الشرق بالعقد وظرفه والمخصص والمحكم ومنهجيهما العلمى واللغوى، وابن رشد في فلسفته والموشحات ومكانتها، ولو لم تقم الحضارة الاندلسية بعلومها وفتونها وأدابها ثمانية قرون قضتها في خدمة العلم والأدب لتغير وجه التاريخ.

___________________________________________________

(١) لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة علمائها وأعلامها وتميز خواصها وعوامها، وسعة أطرارها (أي: أطراقها) وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشعوبها ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ومساجدها وحماماتها وطيب هوائها، وعذوبة مائها وبرد ظلااها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها. انظر تاريخ بغداد جـ ١ ص ١١٩، وأبو الفرج الاصفهانى وكتابه الاغانى ص ٠٢٤ وقد تغنى بها الشعراء وامتدح ذكرها الادباء. يقول إسحق الموصلى -حين خرج مع الوائق بالله إلى النجف- فقال متشوقاً اليها وإلى حنينه إلى ولده: 

أتبكى على بغداد وهى قريبة … فكيف اذا ما ازددت منها غدًا بُعدا * لعمرك ما فارقت بغداد عن قلىً … لو أنّا وجدنا من فراق لها بدا * إذا ذكرت بغداد نفسى تقطعت … من الشوق أو كادت تموت لها وجدا * كفى حزنا إن رحت لم تستطع لها … وداعا ولم تحدث لساكنها عهدا. انظر الأغانى جـ ٩ ص ٢٨٥ دار الكتب المصرية اننظر أبو الفرج وكتابه الاغانى ص ٠٢٥

(٢) أما قرطبة فلم تقل شأنا عن شقيقتها بغداد؛ فقد كانت منتجعا للادباء والشعراء، وكانت جنة الدنيا، قرة عين وقرارة نفس، وجداول فياضة، وطيورا مترنحة صادحة، وقد تغنى بها الشعراء وخلدوا ذكرها على مر الأيام، يقول أبو بكر المخزومى متغنياً بقرطبة: أقرطبة الغراء هل لى أوبة … إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد * سقى الجانب الغربى منك غمامة .. وقعقع في ساحات روضتك الرعد * لياليك أسحار وأرضك جنة … وتربك في استنشاقه عنبر ورد.

ويقول ابن مالك الرعينى: رعى الله بالحمراء عيشا قطعته … ذهبت به للانس والليل قذ ذهب * ترى الارض منها فضة فاذا اكتست … بشمس الضحى عادت سبيكتها ذهب. انظر: الأدب في الاندلس ١٩، للدكتور عبد الحسيب طه، مطبعة المنار بالرياض.

___________________________________________________

صور من أوجه الالتقاء بين الاندلسيين والعباسيين

نلاحظ أنه كان هناك تبادل قبسات واقتباسات بين المشارقة والمغاربة كما أسلفنا، وأن المشارقة كانوا بمثابة المعلمين والموجهين الذين يضيئون الطريق. وكنت ترى الرواة ينقلون شعر المشارقة وأدبهم الى الأندلسيين لينهلوا من رحيقه، ويرتشفوا من كوثره ويمشوا على سننه وهديه، كما نزح عدد كبير من الأدباء إلى المشرق ثم عادوا الى قرطبة - وقرطبة -إذ ذاك موئل الأدباء وملاذ الشعراء - يدرسون الأدب وينقدون الشعر.

ولقد راج - حينئذ شعر أبى تمام ولقى من الاندلسيين تهافتاً شديداً، وتوفر على نقله اثنان من المؤدبين الاندلسيين هاجرا الى المشرق وروياه عن صاحبه وهما: عثمان بن المثنى النحوى، ومؤمن بن سعيد.

وقد أمر عبد الرحمن الناصر بنسخ شعر أبى تمام، وجمع لذلك طائفة من أدباء الاندلس ومع الفُتُون بأبى تمام وجد فتوناً بالبحترى وتفضيل لطريقته، ولم يمض وقتٌ طويل حتى كان الذوق الاندلسي قد تجاوب مع هذا الشعر، وجعله مقياساً للجودة والحسن، وأصبح المتأدبون هناك يضعون حداً فاصلاً بين طريقتين في الشعر، طريقة العرب وطريقة المحدثين، فيقولون: إن فلاناً كان أكثر أشعاره على مذهب العرب وكانوا أميل الى تفضيل ما جرى على مثال الشعر المحدث، حتى أن الرياحى الشاعر المتوفي سنة ٣٥٨ هـ حين نظم قصيدة في الرثاء، وبناها على مذاهب العرب، وخرج فيها على مذاهب المحدثين؛ لم يرضها العامة ولم يجد من يعجب بها الا (أبا على القالي)، ومن يذهب في طريقته.

ويقول الدكتور محمد كامل الفقى:وكان الذوق في البيئة الأندلسية يجنح الى أن الشعر إنما يتقدم لغرابته وحسن معناه، وأن من خير الشعر وصف أبى تمام للقلم لما فيه من غرابة، وذلك في قصيدة يمدح بها عبد الملك ابن الزيات:

لك القلم الاعلى الذى بسنانه (١) … يصــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب من الأمر الكلى والمفاصل (٢)

لعاب (٣) الأفاعــــــــــــــــــــــــي القــــــــــــــــــــــاتلات لعابه … وأرى (٤) الجنى اشارته ايد عواسل (٥)

له ريقة طــــــــــــــــــــــــــــــــل (٦) ولكن وقعــــــــــــــــها … بـــــــــآثاـــــــــــــــــــــــــــره في الشرق والغرب وابل (٧)

فصيح اذا استنطقته وهو راكب (٨) … وأعــــــــــــــجم (٩) ان خاطبته وهو راحل (١٠)

إذا ما امتطى الخمس (١١) اللطاف وأفرغت … عليه شعاب (١٢) الفكر وهو حوافل (١٣)

أطاعته أطراف القنا (١٤) وتقوضت (١٥) … لنجواه (١٦) تقويض الخيام الجحافل (١٧).

اذا استغزر (١٨) الذهن الجلى وأقبلت (١٩) … أعاليه في القرطـــــــــــاس وهى أسافل (٢٠)

وقد رفدته (٢١) الخنــــــــــــــــــــصران وسددت … ثلاث نواحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيه الثلاث الانامل (٢٢)

رأيت جلـــــــــــــــــــــيلا شأنه وهو مرهف (٢٣) … أضنى (٢٤) وسمينا خطـــــــــــــــــــــــبه وهو ناحل (٢٥)

(١) نصل الرمح شبه به القلم. (٢) الكلى: جمع كلية. (٣) اللعاب ما سال من الفم يعنى أنهاذا جرى مداده بالمكروه

لأن مداده كسم الافاعى. (٤) أرى الجنى: العسل المجنى. (٥) اشارته: استخرجته للعسل أى أنه اذا جرى للشيء المحبوب. (٦) عواسل  المراد به الريق شبه به المداد الذى في سن القلم (٧) طل: أى قليل الماء وابل: غزير والمعنى أن ريقه وهو الحبر ليل ولكن تأثيره في الدنيا عظيم٠ (٨) استنطاق القلم أى: الكتابة (٨) وركوبه - وضعه في الايدى - يعنى أنك اذا استعملته كان مركوباً (٩) أعجم: لا يبين (١٠) وراجل: أى لم يكتب به. والمعنى لا يظهر له أثر اذا كان راجلا . (١١) الاصابع.(١٢) عاب: طرق. (١٣) حوافل: مجتمعة (١٤) القنا: الرحاح. (١٥) تهدمت. (١٦) سره ٠ (١٧) الجيوش الكثيرة والمعنى إذا: عملته اليد وتفجرت عليه ينابيع المعانى عملت لأمره الحراب وانهزمت لاشارته الجيوش. (١٨) استغزر: استكثر (١٩) الجلى: الواضع (٢٠) أعاليه: جهة برية. (٢١) رفدته: أعانته (٢٢) وسددت ثلاث نواحيه أحاطت به من الجهات الثلاث (٢٣) الأنامل: الأصابع وهذا أعظم تصوير لهيئة القلم في حال الكتابة بأحسن ما اتفق عليه علماء الخط (٢٤) مرهف: أى رقيق. (٢٥) الضنى: المرض المخامر الذى كلما ظن برؤه نكس، وذلك أن القلم كلما حفيت بريته أعيدت فهو كالمريض من الضنى ومع ذلك فهو جليل الشأن عظيم الفائدة

__________________________________________

وقد أولع كثير من مشاهير الشعراء في الاندلس بمحاذاة النابهين من شعراء المشرق، وكانوا يمشون على هديهم ويقتبسون من مشكاتهم حتى تسموا بأسمائهم وتلقبوا بألقابهم، فقد لقب الأدباء ابن هانىء بمتنبى المغرب، وكما لقبوا ابن زيدون ببحترى المغرب، لأن ابن زيدون يحرص كل الحرص على تقليد البحترى. ويذكر ابن بسام عن بعضهم أنهم يقولون أن ابن زيدون بحترى زماننا، ثم قال: وصدقوا؛ لأنه حذا حذو الوليد في بعض قصائده، وقد أيد الأدباء المتأخرون هذه التسمية للتشابه الكبير بينهما في براعة التصوير والبيان والرقة والعذوبة مع القوة والجزالة وروعة الخيال. 

ومن يقس شعره بشعر البحترى؛ يجد شعره صدى لشعر البحترى في المذهب الشعرى وطريقة نظم القصائد، وأنه أحياناً ما يسطو على جانب من المعانى البحترية، فيتصرف فيه تصرفا متفاوتاً، قد يكون فيه تبرير وتفوق على صاحبه، كما ذكر ابن بسام في "الذخيرة": إن ابن زيدون في قوله يهنىء المعتضد بن عباد بعيد الاضحى سنة ٤٤٥ هـ في قصيدته: -

فلما قضينا ما عنانا أداؤه … وكل بما يرضيك داع فماحف

قرنا بحمد الله حمدك إنه … لأوكد ما يحظى لديه ويزلف

وعدنا إلى القصر الذى هو كعبة … يفاديه منا ناظر أو مطرف (١)

فاذا نحن طالعناه والأفق لابس … عجاحته والأرض بالخيل ترجف (٢)

رأيناك في أعلى المصلى كأنما … تطلع من محراب داود يوسف

(١) المطرف: أهو الذى يديم النظر في لاشيء اعجابا له (٢) عجاجته: عبارة، ترجف نهتز.

وقد احتذى حذو البحترى حين مدح الفتح بن خاقان بقوله:

ولما حضرنا سدة (١) الاذن أخرت … رجال عن الباب الذى أنا داخله

فأفضيت (٢) من قرب الى ذى مهابة … أقابل بدر الافق حين أقابله

إلى مشرف في الجود لو أن حاتما … لديه لامس حاتما وهو عاذله

كما انتصب الرمح الردینى (٣) ثقفت … أنابيبه للطعن واهتز عامله

(١) السدة: الباب. (٢) أفضيت: وصلت (٣) الردينى نسبة الى ردينة وهي امرأة في خط هجر كانت هى وزوجها سمهو يقومان الرماح فنسبت اليهما، ثقفت: سويت أنانبية - قنواته.

ولا شك أن البحترى قد برع في إبراز هيبة الممدوح في بيته الثاني؛ حيث قال: "فأفضيت"، ثم تحدث عن هيبته منه في موضع أخر، وأنه لم يأنس إلا عـندما تأمل طلاقته وبشره، وقد كشف البحترى في البيت الأول عن احتفاء الممدوح به، وأنه أذن له وآثره فأخّر رجالاً دونه. ولم تحو قصيدة ابن زيدون شيئاً من هذه، ولعل مكانة ابن زيدون تنأى به عن مهابة الممدوح.

ولم يكتف ابن زيدون بالأخذ من معانى البحتري، بل ردد بعض ألفاظه كقوله (ولما حضرنا الإذن) فهو من قول الاول (ولما حضرنا سـدة الإذن) وهو أبلغ من التعبير الناس، ومع هذا فالبحترى له فضل السبق في تجلية هذه المعانى ووضعها أمام ابن زيدون يأخذ منها ويدع؛ فجرى شعره كما جرى شعر البحترى مستوياً عذباً رائعاً مطبوعاً، خالياً من التكلف مما ألحقه به؛ فلقب بالبحترى.

 أما ابن دراج القسطلى؛ فقد كان شديد الميل والمتابعة للمتنبى، حتى قال ابن حزم وهو تلميذه (إنه في المغرب كالمتنبى فى المشرق)، اشتهرت هذه الجملة فكانت على لسان كل من ترجم له ووصل شعره إلى المشرق؛ فقال فيه الثعالبي مادحاً: (ابن القسطلى عند أهل الأندلس مثل المتنبى بالشام)، ومن شدة متابعته للمتنبى أنه رأى المتنبى يمدح العميد فيقول:

من مبلغ الاعراب أني بعدها … جالست أرسطاليس والاسكندرا

ومللت نحو عشارها فأضافني … من ينحر البدر النضار لمن قرى

ولقيت بطليموس دارس كتبه … متبديا في ملكه متحضرا

فقال دراج يمدح المنصور بن يحيى من قصيدة طويلة:

أبُنيَّ لا تذهب بنفسك حَسرةً … عن غول رحلى منجدا أو مغبرا

فلئن تركت الليل فوقى داجيا … فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا

وحللت أرضاً بدلت حصباؤها … ذهبا يرف لناظريَّ وجوهرا

ولتعلم الأمـلاك أنى بعدها … ألفيت كلّ الصيد في جوف الفرا

ورمى عليَّ رداءه من دونهم … ملك تخاير للعلا فتخيرا

فأنت ترى أن ابن دراج يحاكى المتنبي في الوزن والقافية، ويُضاهيه في أسلوبه ومعناه،.وليس ذلك وحده يقال في مشرقية ابن دراج بل إنهم قالوا: إنه انتهت إليه الطريقة التى اختارها الأندلـسيون، وبلغت عنده آخر الشوظ في تطورها وتعقدها والتوائها؛ لأنه جمع بين أبى تمام والبحتري، وحاول أن يفوق كل من تقدمه في المـعانى والصياغة، مازجاً ذلك بجلبة ابن هانىء، مطيلاً إطالة ابن الرومى، وهناك عامل كان من أهم العوامل التى مكنت لارتقاء الشعر عند الاندلسيين -وهو الغناء، فلقد كان اعتماد الأندلسيين على التلحين المشرقى شديداً ومُلحاً.

وقد كان في المشرق نساءٌ أديبات وشاعرات سبقت الإشارة اليهن في مقدمة الكتاب هؤلاء وأمثالهن أتقنَّ فن الغناء والتلحين والأدب في الأندلس، مما جعل أدب المحدثين يزدهر ويتألق ويرقى ويرق - وقد حفل (نزهة الجلساء) بشعرهن، ولا أريد أن أطيل في وصف طابع الشعر عند الشعراء المحدثين والشاعرات المحدثات حتى لا يطفى التمهيد - والمقدمة على الكتاب المحقق، والله من وراء القصد.

___________________________________________________

نماذج للشعراء المولدين

لقد مثلنا في المقدمة بنماذح مختلفة للشاعرات المولدات والمحدثات في هذه الفترة، وتكملة للباب فإننا سنأتى بنماذج للشعراء المولدين في أغراضهم الشعرية المختلفة:

أولاً: الوصف:

يقول محمد بن سفر المرينى الاندلسي يصف الاندلس ويهيم بها ويراها روضة الدنيا وما سواها صحراء، ويرى أن كل ما فيها جميل مطرب، وأن الطرب في سواها غير ممكن، وأنها حسناء، وما حولها من مبدعات الطبيعة هائم بها، ومغرم بمحاسنها: 

في أرض أندلس تلتذ نعماء .. ولا يفارق فيها القلب سراء

وكيف لا يبهج الابصار رؤيتها … وكل روض بها في الوشي صنعاء

أنهارها فضة والمسك تربتها … والخز روضتها والدر بحصباء

وللهواء بها لطف يرق به … من لا يرق وتبدو فيه أهواء

ليس النسيم الذى يهفو بها سحرا … ولا انتثار لال الدُّر أنداء

ويقول البحترى في وصف بركة المتوكل:

يامن رأى البركة الحسناء رؤيتها … والغانيات اذا لاحت مفانيها

بحسبها أنها في فضل رتبتها  … تعد واحدة والبحر ثانيها 

كأن جن سليمان الذين ولوا …  ابداعها فأدقوا في معانيها

فلو تمر بها بلقيس عن عرض … قالت هى الصرح تمثيلا وتشبيها

ثانياً: الحكمة والمثل:

قال أبو الطيب المتنبى:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة … فلا تظنن أن الليث يبتسم

أُعيذها نظرات منك صادقة … أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع أخى الدنيا بناظره … ‘ذا استوت عنده الانوار والظلم

يا مَن يعز عليننا أن نفارقهم … وجداننا كلِ شيء بعدكم عدم

وقال ابن هاذىء الأندلسي:

وهب الدهر نفيساً فاسترد … ربما جاد بخيل فحسد

كلمـا أعطى فوفى حاجة …   بيد شيئا تلقاه بيد

من يرجو زمانا دائماً … تعرف البأسـاء منه والنكد

فإذا ما كدر العيش نما … وإذا ما طيب الزاد نفد

فلقـد أذكر من كان سها … ولقد نبه من كان رقد

وقال صالح بن عبد القدوس:

وأن من أدبته في الصبا … كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مونقاً ناضراً … بعد الذى أبصرت من يبسه

والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعوى عاد إلى غيه … كذى الضنا عاد الى نكسه

ثالثاً: الاجنماعیات:

قال ابن الرومي يعاتب صديقاً له:

أخى أين عهد ذاك الإخاء … أين ما كان بيننا من صفاء

كشفت منك حاجتى هنوات … غُطيت برهة بحسن اللقاء

أفلا كان منك رد جميل … فيه للنفس راحة من عناء

يا أبـا القاسم الذى كنت أرجوه … لدهرى قطعت منك الرجاء

وقال شبل بن عبد الله مولى بنى هاشم لعبد الله عم السفاح -يغريه بالأمويين وقد حضروا لديه ووضعت لهم الكراسي والنمارق:

أصبح الملك ثابت الأساس … بالبهاليل من بنى العباس

طلـبوا وتر (هاشم) فشفوها … بعد ميل من الزمان وياس

لا تقيلن عبد شمس عثاراً … واقطعن كل رقلة وغراس (١)

ذلها أظهر التودد منها … وبها منكم كحد المواسي

(١) الرقلة: النخلة.

وقال ابن زيدون يخاطب أبا حفص بن برد وقد حار ولم يجد هادياً، وصار رهيناً ولم يجد فادياً، وعلم أن الناس متقلبون، وعلى من انفلب الدهر منقلبون، لا يدنيهم في الشدة إخاء، وهم إخوان عند الرخاء، ومنصرفون عنك يوم الابتلاء:

ما على ظنى باس … يجرح الدهر وياسو

ربما أشرف بالمر … ء عني الآمال يأس

ولقد ينجيك أغفال … له ويرديك احتراس

ولكم اجدى قعود … ولكم أكدى التماس

رابعاً: المدح:

قال أبو تمام يمدح المعتصم ويهنئه بفتح (عمورية)، ويتهكم بأقوال المنجمين:

السيف أصدق إنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لاسود الصحائف … في متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الارماح لامعة … بين الخميسين لا في السبعة الشهب

أين الرواية بلّ أين النجوم وما … صاغوه من زحرف فيها ومن كذب

تخرصا وأحاديثا ملفقة … ليست بنبع اذ أعدت ولا غرب 

عجائبا زعموا الايام مجفلة … عنهن في صفر الاصفار أو رجب

وخوفوا الناس من دهياء مظلمة … إذ بدا الكوكب الغربى ذو الذنب

وقال ابن هانىء:

امسحوا عن ناظرى كحل السهاد … وانفضوا عن مضجعى شوك القتاد

وخذوا منى ما أبقيتم … لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد

هل تجيرون محبا من هوى … أو تفكون أسيرا من صفاد

أسلو عنكم من هجركم … قلما يسلو عن الماء الصواد

يا أميرى أمراء الناس من … هاشمٍ في الراد منها والمصاد

وسليلي ليثها المنصور في … غيلها من مرهفات وصفاد

يا شبيهـه ندى يوم الندى … وجلادا صادقا يوم الجلاد

أنتما عودتما في ذا الورى … عادة الأنواء في الارض المهاد

خامسأ: الرثاء:

قال أبو العلاء المعري:

غير مجد في ملتي واعتقادى … نوح باك ولا ترنم شاد

أبكت تلكم الحمامة أم غنت … على فرع غصنها المياد

صاحِ هذى قبورنا تملا الرح … ب فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم الأر … ض إلا من هذه الاجساد

سر إن اسطعت في الهواء رويدا … لا اختيالاً على رفات العباد

تعبٌ كلها الحياة فما أعـ … ـجب الا لراغب في ازدياد

إن حـزناً في ساعة الموت أضـ … ــعاف سرور في ساعة الميلاد

خلق الناس للبقاء فضلت … أمة يحسبونهم للنفاد

وأبكى ما في هذا الباب وآلمه قصيدة أبى البقاء صالح بن شريف الرندى التى رواها له المقرى في رثاء الأندلس وهى حديث نفسٍ ذهبت حسرات على ما حل بالأندلس، وما أصاب الإسلام في مقل من أعز معاقله، ولقد تقرأ هذه القصيدة فترى الروعة والتأثـير وامتلاك القلب، واستلاب الدمع ، وقد بلغت هذه القصيدة القمة في موضوعها وعجز كثيرٌ من شعراء المشارقة عن إدراك غايتها إاليك بعضاً منها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان … فلا يغر بطيب العيش إنسان

هى الأمور كما شاهدتها دول … من سرّه زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقى على أحد … ولا يدوم على حالٍ لها شان

أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ … وأين منهم أكاليل وتيجان

وأين ما شاده شداد في إرمٍ … وأين ماساسه في الفرس ساسان

وأين ما حازه قارون من ذهب … وأين عاد وشداد وقحطان

أتى على الكل أمر لا مرد له … حتى قضوا فكأن الكل ما كانوا

فجائع الدهر أنواع منوعة … وللزمان مسرات وأحزان

وللحوادث سلوان يسهلها … وما لما حل بالإسلام سلوان

دهى الجزيرة أمر لا عزاء له …هوى له أحدٌ وانهدَّ ثهلان

أصابها العين- في الإسلام فارتزأت … حتى خلت منه اقطار وبلدان

__________________________________________________

ترجمة الإمام السيوطي

نسبه:

جده الاعلى، همام الدين، كان من أهل الحقيقة، ومن مشايـخ الطرق الصوفية، أما باقى الاسرة، فقد كانوا من أهل الوجاهة والرياسة، فمنهم من ولى الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها ، ومنهم من كان تاجراً في صحبة الامير شيخون. وقد بنى جده مدرسة بأسيوط، ووقف عليها أوقافاً.

أما والده فهو الامام العلامة أبو بكر محمد الخضيرى السيوطي، ولد بمدينة أسيوط بعد سنة ثمانمائة تقريباً، واشتغـل ببلده، وتولى بها القضاء قبل قدومه الى القاهرة ، ثم قدمها فلازم العلامة القاياتى، وأخذ عنه الكثير من الفقه، والأصول، والكلام، والنحو، وما اليها. كما تلقى الكثير من العلوم والمعارف على شيوخ عصره، فبرع في كل الفنون، وحصل على أجازة التدريس سنة تسع وعشرين وثمانمائة.

وتولى تدريس الفقه في الجامع الشيخونى، وأقر له كل من رآه بالبراعـة في الانشاء ، وألف كتابا في الخط المنسوب سماه (نوع مـن الخطوط التى تكتب في ديوان الانشاء)،كما خطب في الجامع الشيخوني، وكان يخطب من إنشائه. 

وبلغ من براعته في الإنشاء أن قاضـي القضاة، شرف الدين المناوى، كان يسأله في أوقات الحوادث ، في إنشاء خطبة تليق بذلك ليخطب بها في القلعة (أي: أمام السلطان)، وكان يؤم الصلاة بالخليفة المستكفى بالله، الذى كان يُجله ويعظمه. وكان عزيز النفس، لا يتردد على أحد من الأكابر.

يخبر جلال الدين السيوطى عن والده فيقول: (أخبرني بعض القضاة، أن الوالد دار يوماً على الأكابر ليهنئهم بالشهر، فرجع أخر النهار عطشان، فقال له: قد درنا في هذا اليوم، ولم تحصل لنا شربة ماء، ولو ضيعنا هذا الوقت في العبادة، لحصل لنا خير كثير. ولم يهنىء أحداً بعد ذلك اليوم بشهر ولا بغيره .

وكان على جانب عظيم من الدين، والتحرى في الاحكام، وعزة النفس، والصيانة، يغلب عليه حب الانفراد ، وعدم الاجتماع بالناس ، صبورا على كثرة أذاهم له، مواظبا على قراءة القرآن، يختم كل جمعة بختمة.

ويرجح جلال الدين أن يكون جده الاعلى أعجمياً أو من المشرق، ومن هنا جاءت نسبتهم بالخضيرية والخضيرية محلة ببغداد، فالظاهر أن النسبة الى المحلة المذكورة.

مولده:

ولد جلال الدين السيوطى في مستهل شهر رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، فحمله والده الى الشيخ محمدا لمجذوب. وكان من كبار أولياء عصره، يسكن بجوار المشهد النفيسي، فبارك عليه وسرعان ما توفي والده فنشا يتيما وحفظ القرأن وهو دون الثامنة من عمره كما حفظ العمدة ومنهاج الفقه والاصول وألفية ابن مالك.

اشتغاله بالعلم:

ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره، شرع في الاشتغال بالعلم، وكان ذلك سنة ٨٦٤ م، وأجيز بتدريس العربية في مستهل سنة ٨٦٦ هـ٠ وقد ألف في تلك السنة أول مؤلفاته في شرح الاستعاذة والبسملة، فلما أطلع عليه شيخ الاسلام علي الدين البلقينى، كتب عليه تقريظاً، وضم جلال الدين الى مجلسه، فلازمه في دراسة الفقه حتى مات. فلازم ولده من بعده، الذى أجازه بالتدريس والإفتاء من سنة ٨٧٦ هـ ، وحضر تصديره.

تنقلاته في طلب العلم:

لم يكتف عالمنا الجليل بما حصل عليه من علوم وثقافات من مصر، بل ارتحل الى كثير من البلاد والاقطار طلبا في المزيد، فسافر الى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند ، والمغرب، والتكرور (غرب السودان). ويقول جلال الدين (لما حججت شربت من ماء زمزم لامور، منها أن أصل في الفقه الى رتبة الشيخ البلقينى. وفي الحديث الى رتبة الحافظ بن حجر. ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب البلغاء، لا على طريقـة العجم وأهل الفلسفة). 

ويضيف جلال الدين فيقول: (والذي أعتقده أن الذى وصلت اليه من هذه العلوم السبعة، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخى، فضلاً عمن هو دونهم).

مؤلفاته:

تدارس العلماء كتبه في كل مكان، فعمرت بها المدارس، والمعاهـد، ودور الكتب مما أثار عليه فريقاً من أقرانه ومعاصريه من العلماء، فتحاملوا عليه رموه بما هو منه براء، وكان من أشد الناس خصومة عليه، وأكثرهم تجريحا له، وتشهيرًا به، الحافظ شمس الدين السخاوى صاحب كتاب (الضوء اللامع). فقد ترجم له في هذا الكتاب، ونال من علمه وخلقه، مما يقـع مثله بين النظراء والانداد. غير أن السيوطى انتصر لنفسه في مقامة أسماها (الكاوى، على تاريخ السخاوى).

مما يذكر بالفخر والسبق للسيوطى في ميدان التأليف، ذكره، وخاصة في كتبه المطولة، المصادر التى اعتمد عليها، وأسماء مؤلفيها.

حياته الخاصة:

كان السيوطى على أحسن ما يكون عليه العلماء ورجال الفضل والدين، عفيفا كريما، غنى النفس، مبتعداً عن ذي الجاه والسلطان، لا يقف بباب أمير أو وزير، قانعاً برزقه من خانقاه شيخو، لا يطمع فيما سواه، وكان الوزراء والامراء يأتون لزيارته، ويعرضون عليه أعطياتهم فيردها. 

وقد حدث أن أرسل السلطان الغورى إليه مرة هدية من خصي وألف دينار، فرد شيخنا السيوطى الدنانير، وأخذ الخصي ثم أعتقه، وجعله حارساً في الحجرة التى كانت بها المخلفات النبوية بقبة الغوري (في ذلك الوقت)، وقال لرسول السلطان: (لا تعد تأتينا قط بهدية، فان الله أغنانا عن ذلك).

كان السيوطى كثيراً ما يردد شكره لله عز وجل على نعمة العـلم والمعرفة. وقد سجل ذلك في ترجمته لنفسه فقال: (وقد كمل عنـدى الآن الجهاد بحمد الله تعالى، وأقول ذلك تحدثا بنعمة الله علي لا فخرا، وأى شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر وقد أزف الرحيلَ، وبدأ الشيب، وذهب أطيب العمر).

 وقد توفي السيوطى سنة تسعمئة وأحد عشر من الهجرة. ودفن بجوار خانقاة قوصون خارج باب القرافة، وتعرف المنطقة ال’ن باسم جبانة سيدى جلال، نسـبةً إليه.

________________________________________________

الطرماح بن حكيم بن الحكم من طيء:

من فحول الشعراء الإسلاميين وفصائحهم، نشأ في الشام وانتقل إلى الكوفة بعد ذلك، مع ما وردها من جيوش أهل الشام وكان يدين بمذهب الشُّراة والأزارقة، وكان صديقاً للكميت على ما كان بينهما من التباعد في النسب والبلاد وقد سئل الكميت مرة (لاشيء أعجب من صفاء ما بينك وبين الطرماح على تباعد ما بينكما من النسب والمذهب والبلاد؛ فهو شامى قحطاني وأنت كوفي نزارى شيعي، فكيف اتفقتما مع تباين المذهب وشدة العصبية)؟! فقال: (اتفقنا على بغض العامة).

واتصل الطرماح بخالد بن عبد الله القسري، فكان يكرمه، ويستجيد شعره وله قصائد كثيرة في هجاء بني تميم، ومن لطيف قوله فيهم : -

تهيم بطرق اللؤم أهدى من القطا … ولو أن برغوثا على ظهر قملة

ولو سلكت سبل المكارم ضلت … يكر على صفى تميم لولت

ومن قوله ويدل على مذهبه في الشراة: -

لقد شقيت شقاء لا انقطاع له … إن لم أفز فوزة تنجى من النار

والنارُ لم ينجُ من لوعها أحدٌ … إلا المُنيب بقلب المخلص الشاري

أو الذي سبقت من قبل مولده … له السعادة من خلاقها البارى

قال بعض العلماء: لو تقدمت أيامه قليلاً لفضل على الفرزدق وجرير.

ومن عجيب ما روي من حديثه أنه قعد للناس وقال اسألونى عن الغريب وقد أحكمته كله؛ فقال له رجل: ما معنى الطرماح، فلم يعرفه !

أم الكرام بنت المعتصم بالله أبى يحيى محمد بن معن بن أبى يحيى التجيبى:

 قال الأديب أبو الحسن على بن موسي بن سعيد في المغرب: كانت تنظم الشعر وعشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية المعروف بالسمار، وعملت فيه الموشحات! والموشحات: أو الموشح أو التوشيح اسم لنوع من الشعر استحدثه الاندلسيون، وهو كلام منظوم على وزن مخصوص؛ فالموشحات جمع موتشحة، والموشحة قطعة شعرية تتألف في الغالب من مقاطع ترتب فيها القوافي على نسق مخصوص فإذا اختار الوشاح نسقاً معيناً في موشحة له؛ وجب أن يلتزم ذلك النسق في جميع مقاطع تلك الموشحة وتكون الموشحة من بحر أحد البحور أو بحور مختلفة، وأشهر الموشحات هى الموشحة التي مدح بها لسان الدين بن الخطيب السلطان محمدا (الخامس)، الـغنى بالله ونسوق بعضا منها : -

جادك الغيث اذا الغيث همى … يا زمان الوصل بالاندلس

لم يكن وصلك إلا حُلُما .. في الكرى أو خلسة المختلس

زمـرا بين فرادى وثنا … مثلما يدعو الوفود الموسم

والحيا قد جلل الروض سنا … فتغور الروض عنه تبسم

وروى النعمان عن ماء السما … كيف يروى مالك عن أنس

فكساه الحسن ثوبا معلما … يزدهى منه بأبهى ملبس

ولما بلغ المعتصم خبر ذلك (السمار) اختفى من حينه، ولها اخوة ثلاثة شعراء: الواثق عز الدولة أبو محمد عبد الله، ورفيع الدولة الحاجب أبو زكريا يحيى، وأبو جعفر أولاد المعتصم بن صماح وأبوهم ملك المرية وأعمالها شاعر أيضاً من أهل المائة الخامسة.

أم العلاء بنت يوسف بن حرز المجلسي الحجارية:

ذكرها صاحب المغرب، وقال: من أهل المائة الخامسة ومن شعرها: -

كلما يصدر عنكم حسن … وبعلياكم يحلى الزمن

عطف العين على منظركم … وبذكراكم تلذ الاذن

أمة العزيز:

قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتاب المطرب من المغرب: أنشدتنى اخت جدى الشريفة الفاضلة أمة العزيز بن موسي بن عبد الله بن أبى الحسن بن جعفر الزكي ابن الهادى بن محمد بن على الرضي بن موسي الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب : -

لحاظكم تجرحنا في الحشا … ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا … فما الذى أوجب جرح الصدود

أم السعد بنت عصام بن أحمد بن محمد بن ابراهيم بن يحيى الحميري:

من أهل قرطبة وتعرف بسعدونة؛ قال البدر النابلسي في التذبيل: لها رواية عن أبيها وجدها وغيرهما من أهل بيتها، أنشدت لنفسها في تمثال نعل النبى صلى الله عليه وسلم تكملة لقول من قال : -

سألثم التمثال اذ لم أجد … للثم نعل المصطفى من سبيل

فقالت : -

لعلنى أحظى بتقبيله … في جنة الفردوس أسنى مقيل.

في ظل طوبى ساكنا أمنا … نسفى بأكياس من السلسبيل

وامسح القلب به علّه … يسكن ما جاش به من غليل

بدر التمام بنت الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الدباس:

يُعرف والدها بالبارع، ذكرها الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخ بغداد، وقال: كانت شاعرة رقيقة الشعر محسن،ة ثم قال: أنبأنا يوسف بن المبارك بن كامل بن أبى طالب الخفانى قال: أنشدنى عبد الباقى بن عبد الواحد المقرى قال أنشدتنى بدر التمام بنت أبى عبد الله الدباس لنفسها: -

يبدو وعيدك قبل وعدك … ويحول منعك دون رفدك

ويزور طيفك في الكرى … فبحمد طيفك لا بحمدك

بوران بنت الحسن بن سهل -وزير المأمون-:

تزوجها المأمون وأخبارها في ذلك مشهورة، روى ابن النجار بسند عن أبى الفضل الربعي عن أبيه، قال: لما تزوج المامون بوران بنت الحسن بى سهل أراد أن يفتضها؛ فلما كاد حاضت، فقالت: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)! ففهم المأمون قولها؛ فوثب عنها. قال ابن النجار وذكر الجهشبارى أن أبا عبد الله بن حمدون ذكر أن بوران بنت الحسن بن سهل، قالت ترثي المأمون:

أسعدانني على البكا معلنينا … صرت بعد الامام للهم قينا

كنت اسطو على الزمان فلما … مات صار الزمان يسطو علينا

ولدت بوران ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة إثنين وتسعين، ومائة وماتت ببغداد أول يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الاول سنة احدى وسبعين ومائتين.

تقية أم على بنت أبى الفرج غيث بن على بن عبد السلام ابن محمد عبد الفرج السلمى الصورى:

قال الصلاح الصفدى: كانت فاضلة، ولها شعر وقصائد ومقاطيع، ذكرها السلفي في بعض تعاليقه وأثنى عليها، وقال عثرت مرة فانجرح اخمصاى فشقت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبته، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها : -

لو وجدت السبيل جدت بخدى … عوضا عن خمار تلك الوليدة

كيف لى أن أقبل رجلاً … سلكت دهرها الطريق الحميدة

ثواب بنت عبد الله الحنظلية الهمدانية:

قال ابن الطرماح: شاعرة ماجنة ظريفة، ثم روى عن بعض الشيوخ، قال: كانت ثواب  بنت عبد الله من أشعر النساء وأظرفهن، وكانت من ساكني همدان؛ فنظرت يوما إلى فتى من أولاد النجار له رواء ومنظر ورد همدان في تجارة له فأعجبها ووقع بقلبها فتزوجته؛ فلما دخل بها لم يقع منها بحيث تريد فتركته، وأبغضها هو ولم يستمر بينهما وفاق ، فقالت تهجوه : -

إني تزوجت من أهل العراق فتى … ما غرني منه الا حسن طرته 

يقول لما خلا بى ٠٠٠٠ ؟!!

الحجناء بنت نصيب الشاعر الأصغر الحبشي مولى المهدى:

قال النجار: لها مدائج في المهدى قد جُمعت فمنها قوله: -

أمـير المؤمنين وأنت غيث … يعم الناس وابله الغزير

أمــير المؤمنين ألا ترانا … كأنا من سواد الليل قير


حفصة بنت الركوني:

من أهل غرناطة، قال ابن سعيد في كتاب الغراميات: كانت أديبة شاعرة جميلة مشهورة بالحسب والمال. اتفق أن بات أبو جعفر عبد الملك بن سعيد هو وإياها في بستان وكان يهواها فقالت: -

رعى الله ليلاً لم يرح بمذمم … عشية وأرانا بجسود مؤمل

وقد خفقت من نحو نجد روايح … إذا نفحت هبت بريا القرنفل

وقال أبو جعفر بن سعيد: أقسم ما رأيت ولا سمعت مثل حفصة. قال ابن سعيد فى كتابه المسمى بالطالع السعيد: كتبت حفصة بنت الحاج الركونى المشهورة بالأدب والكمال إلى بعض أصحابها :-

أزورك أم تزور فإن قلبى … الى ماشئته ابدا يميل

فثغرى مورد عذب زلال … وفرع ذوابتى ظلِ ظليل

وقد أملت أن تظما وتضحى … إذا وافى إليك بى المقيل

فعجل بالجواب فما جميلٌ … إباؤك عن بثينة يا جميل

حفصة بنت حمدون:

من وادى الحجارة، ذكرها في المغرب، وقال: هي من أهل المائة الرابعة من شعرها :-

رأى ابن جميل أن يرى الدهر مجملا … فكل الورى قد عمهم صيب نعمته

له خلق كالخمر بعد مزاجها … وأحسن من أخلاقه حسن خلقته

حمدة بنت زياد من بنى الغيث المؤدب:

 من أهل وادى أش، قالْ ابن الابار في تحفه القادم: إحدى المتأدبات المتصرفات المتغزلات المتعففات حدثت عن أبى !لكرم جودى بن عبدا لرحمن الأديب، قال: أنشدنى أبو القاسم بن البراق، قال: أنشدتنى حميدة بنت زياد العوفية، قال ابن الابار: وأنشدنى الكاتبان أبو جعفر بن عبيد الاركشي وأبو اسحق بن الفقير الحمانى قالا أنشدت القاضي أبو يحي عتبة بن محمد بن عتبه الجرادى لحمدة هذه:

ولما أبى الواشون الا فراقنا … وما لهم عندى وعندك من ثار

وشنوا على اسماعنا كل غارة … وقل حماتى عند ذاك وأنصارى

غزوتهم من مقلتيك وأدمعى … ومن نفسي بالسيف والسيل والنار

خديجة بنت أمير المؤمنين عبد الله المأمون بن هارون الرشيد العباسي:

قال ابن النجار كانت أديبة شاعرة ظريفة من شعرها :-

تالله قولوا لمن ذا الرشا … المثقل الردف الهضيم الحشا

أظرف ما كان اذا ما صحا … وأملح الناس اذا ما انتشا

وقد بنى برج حمام له … أرسل فيه طائرا مرعشا

خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافرى وتعرف بخدوج:

قال ابن رشيق في الأنموذج: هذه المرأة من أهل رصفة بساحل البحر، شاعرة حاذقة مشهورة بذلك، ومن شعرها : -

جمعوا بيننا فلما اجتمعنا … فرقونا بالزور والبهتان

ما أرى فعلهم بنا اليوم إلا … مثل فعل الشيطان بالانسان

لهف نفسي علام لهفة نفسي … منك أن بنت يا أبا مروان

سلمى البغدادية الشاعرة:

 قال ابن النجار: ذكرها القاضي أبو العلا محمد بن محمود النيسابورى في كتاب سر السرور الذى جمعه في شعراء عصره وأورد لها هذه الابيات:-

عيون مها الصريم فداء عينى … وأجياد الظباء فداء جيدى

ازين بالعقود وإن نحرى … لازين للعقود من العقود

ولا أشكو من الأرداف ثقلاً … وتشكو قامتى ثقل النهود

شمسة الموصلية:

قال أبو حيان شيخة عالمة من شعرها:

وتميس بين معصفر ومزعفر … ومكفر ومعنبر ومصندل

كبهارة في روضة أو وردة … في جونة أو صورة في هيكل

هيفان ان قال الزمان لها انهضي … قالت روادفها اقعدى وتمهلى

شهدة بنت أبى نصر أحمد بن أبى الفرج بن عمر الدينورى ثم البغدادى الأبرى الكاتبة:

فخر النساء ومسندة العراق، كانت ذات دين وورع وعبادة، سمعت الكثير وكتبت الخط المنسوب على طريقة الكاتبة بنت الاقرع وما كان من زمانها من يكتب مثلها وكان لها الاسناد العالى ألحقت الاصاغر بالاكابر سمعت من أبى الخطاب بن نصر بن البطراني، والحسين بن أحمد بن طلحة النقالي وطراز الزينبي، وفخر الاسلام أبى بكر الشاشي، وغيرهم، واشتهر ذكرها وبعد صيتها، واحتفت بالخليفة المقتفى وقاربت المائة وماتت سنة أربع وسبعين وخمسمائة. قال الصلاح الصفدى رأيت بحظ بعض الافاضل قال نقلت من مجموع بخط الصاحب صلاح الدين بن النديم لشهدة بنت الابرى الكاتبة .. ومن شعرها:

مل بي إلى نحو النسيم العالي … واجعل مقيلك دوحتى نعمان

واذا العيون شنن غاره سحرها … ورمين عن حضن المنون جفاني

فاحفظ فؤادك أن يضار بنظرة … عرضا فينهى قبلك العينان

صفية البغدادية الشاعرة:

 قال ابن النجار: ذكرها أبوالعلاء محمد بن محمود النيسابورى قاضي غزنة في كتابه سر السرور الذى جمع في أضابير شعراء عصره وأورد لها:

أنا فتنة الدنيا التى فتنت حجا … كلّ القلوب فكلها بى: مغرم

أترى محياى البديع جماله … وتظن يا هذا بأنك تسلم

صفية بنت عبد الرحمن بن محمد بن علي بن يعيش:

قال ابن النجار: كانت واعظة أديبة فاضلة، أنشدتنى لنفسها مجيزة هذا البيت : -

إذا ما خلت منَ أرض كلَّ أحبتى … فلا سال واديها ولا اخضر عودها

فقال : -

ولا نطقت في الربع بعدك غادة … يلذ بسمعى شدوها ونشيدها

وإنى لابكى الربع مذ بان بأهله … وأنشدت ليال مضت من يعيدها

ماتت يوم الجمعة لأربع خلون من ذى الحجة سنة عشرين وستمائة اهـ.

طيف البغدادية الشاعرة:

 كذا ذكرها ابن النجار، وقال: قرأت في كتاب صاعد بن فارس بن -سلطان اللسان -بخطه، قال لبعض نساء بغداد واسمها طيف : -

وظبية من بنات الروم قلت لها… لما التقينا وقلبى عندها علق

هل في زيارة صب عاشق دنف … أجرٌ فقالت ودمع العين يستبق

لولا الوشاةُ وأن الخوف يقلقنى … لهان ذاك وعني الأمر يتفق

عائشة بنت الخليفة المعتصم محمد بن هارون الرشيد العباسي:

قال ابن النجار: كانت أديبة شاعرة كتب إليها عيسي بن القاسم بن محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس أن توجه اليه بجاريتها وكان يهواها: -

كتبت إليك ولم أحتشم … وشوق المحبين لا ينكتم

صبوحى في البيت من عادتى .. على رغم أنف الذى قد رغم

وعيشي يتم بمن تعلمين … وإن غاب عن خاطري لم يتم

عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم القرطبية:

قال أبو حيان في المقتبس: لم يكن في زماننا في جزائر الأندلس من يعدلها علما وفهما، وأدبا وشعرا وفصاحة تمدح ملوك الاندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة، وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف، ماتت عذراء لم تنكح سنة أربعمائة. وقال في المغرب: من عجائب زمانها، وغرائب أوانها وأبو عبد الله الطبيب عمها، ولو قيل أنها أشعر منه لجاز، دخلت على المظفر بن منصور بن أبي عامر وبين يديه ولد له فارتجلت : -

أراك الله فيه ما تريد … ولا برحت معاليه تزيد

تشوقت الجياد له وهذا ا… لحسام هوى وأشرقت البنود

فسوف تراه بدرا في سماء … من العليا كواكبه الجنود

عائشة الاسكندرانية المعروفة بزهرة الأدب:

قال ابن سعيد: كان مجلسها يعرف بالروض، قالت تخاطب من بعث إليها بشعر، ذكر فيه أن قلبه من الحب يتقلب في جمر الغضا: -

اذا كان قلبك ذا حاجما … فلا تبعثن لى بأسراره

فإنى لأشفق من ناره … على الروض أو بعض أزهاره

عابدة بنت محمد الجهنية امرأة عمر بن محمد الحسن بـن محمد المهلبى الوزير:

قال ابن النجار: كانت أديبة شاعرة فصيحـة فاضلة، روى عنها القاضي أبو على المحسن بن على بن محمـد التنوخي، قال التنوخي: حضرت ببغداد في مجلس الملك عضـد الدولة في يوم عيد الفطر سنة سبع وستين وثلاثمائة والشعراء ينشدونه التهاني؛ فحضرت عابدة الجهنية امرأة عمر بن محمـد المهلبي- فأنشدت قصيدة لم أظفر منها بشيء مثلها -قال التنوخى أنشدتنى عابدة لنفسها، وهى امرأة فاضلة كانت تهجو أبا جعفر بن محمد بن القاسم الكرخي: -

يشاورنى الكرخيُّ لما … دنا النيرور والسن له ضاحكة

فقال ما تهدى لسلطاننا … من خير ما الكف له مالكة

فقالت له: كل الهدايا سوى … مشورتي ضائقة هالكة

أهدى له نفسي حتى اذا … أشعل ناراً كنت (ذو باركة)

عاتكة بنت محمد بن القاسم بن محمد بن يحيى بن حليس ابن عبد الله بن الحرث بن عبد الله بن  الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومية -أم أبى الحسن محمد بن عبيد الله السلامى، الشاعرة:

قال ابن النجار: كانت شاعرة مدحت عضد الدولة ببغداد روى عنها القاضي أبو على التنوخي، وحضرت مجلس عضد الدولة ببغداد في يوم الفطر سنة سبع وستين وثلاثمائة وحضر الشعراء فأنشدوا التهانى، وحضرت أم أبي الحسن البغدادى السلامى فأنشدته قصيدة طويلة بعبارة فصيحة وانشاد صيت مستقيم ولسان سليم من اللحن، لم أصل لجميعها، تقول فيها عند ذكرها للحسان: -

شتان بين مدبر ومدبر … صيد الليوث حصائد العزلان

روعته من بعد دهر راعنى … وسقيته ما كان قبل سقانى

فلقد سهرت لياليا ولياليا … حتى رأيتك يا هلال زمانى

العباسة بنت الخليفة المهدى أخت هارون الرشيد -أمها أم ولد واسمها (رخيم):

قال ابن النجار: كانت العباسة بديعة الجمال، فاضلة جليلة، قال الحافظ: كتبت إلى وكيل لها يقال له سباع وقد بلغها أنه يجتاح مالها ويبنى به المساجد والحياض:

ألا أيهذاً المعمل العيسَ بَلّغنْ … سباعاً وقل إن ضم إياكما السَّفرُ

أتظلمنى مالى وإن جاء سائل … رفضت له أن حطه نحوك الفقر

كشافية المرضي بفائدة الرقى … تؤمله أجرا وليس له أجر 

ماتت سنة اثنين وثمانين ومائة ودفنت بالرقة.

علية بنت الخليفة المهدي:

قال ابن النجار: أمها (مكنونة)؛ اشتريت للمهدى بمائة ألف درهم، وكانت عليه من أحسن النساء وأظرفهن وأعقلهن ذات صيانة وأدب بارع تقول الشعر الجيد، وتصوغ فيه الألحان الحسنة، ولها ديوان شعر معروف بين الأدباء، وكان أخوها الرشيد يبالغ في إكرامها واحترامها، وكانت من أعف الناس، اذا طهرت لزمت المحراب، واذا لم تكن طاهراً غنت، وتزوجت موسي بن عيسي بن موسي بن محمد العباسي ولدت سنة ستين ومائة وتوفيت سنة عشر ومائتين، ومن شعرها : -

أهلى سلوا الله لى العافية … .فقد دهتنى بعدكم داهية

مالي أرى الابصار بى جافية … لم تلتفت منى الى ناحية

ومنه:

ما ينظر الناس الى المبتلى … وإنما الناس مع العافية

ومنه:

ألبس الماء مدامى … واسقنى حتى أناما

قسمونة بنت اسماعيل بن بعذالة اليهودي:

قال في المغرب: من أهل المائة السادسة، كان أبوها قد اعتنى بتأديبها، وكان أبوها إذا صنع القسيم من الموشحة أتمها بتقسيم آخر، وقال لها أبوها أجيزي:

لى صاحب ذو بهجة قد قابلت … نفعا بضر واستحلت جرمها

ففكرت غير كثير وقالت:

كالشمس منها البدر يقبس نوره … أبدا ويكسف بعد ذلك جرجها

فقام كالمختبل وضمها اليه، وجعلَ يقبل رأسها -ويقول:

أنت - والشعر كلمات - أشعر منى، ونظرت في المرأة؛ فنظرت جمالها وقد بلغت أوان التزويج ولم تتزوج فقالت:

أرى روضة قد حان منها قطافها … ولست أرى الجانى يمد لها يدا

فواسفى يمضي الشباب مضيعا … ويبقى الذي ما أن أسميه مفردا

فسمعها أبوها فنظر في تزويجها.

لبابة بنت المهدى العباسي:

قال ابن النجار: كانت جميلة فاضلة، تزوجها الامين بن الرشيد؛ فقتل قبل أن يدخل بها، فقالت ترثيه:-

أبكيك لا للنعيم والأنس … بل للمعالى والرمح والفرس

أبكى على فارس فجعت به … أرملني قبل ليلة العرس

ولما قتل المأمون مرادا شاعر على بن هشام قالت ترثيه:

هل مسعد لبكائي … بعبرة ودماء

وذاك منى قليل… على سادة نجباء 

مريم بنت أبى يعقوب القيصونى الشبلي:

ذكرها ابن دحية في كتاب المطرب من أشعار أهل المغرب، وقال: أديبة شاعرة جزلة مشهورة تعلم النساء الادب وتحتشم لدينها وفضلها، وعمرت عمرا طويلا، سكنت أشبيلية وشهرت بها بعدالأربعمائة، ذكرها الحميدي، وقال أنشدنى لها أصبغ بن سيد الاشبيلى، وأخبر أن المهدي بعث اليها بدنانير وكتب إليها:

مالى بشكر الذى أوليت من قبل … لو أنني حزت نطق الأنس والخبل

فريدة الظرف في هذا الزمان ويا … فريدة العصر في الإخلاص والعمل

أشبهت مريما العذراء في ورع … وفقت خنساء في الأشعار والمثل

فكتبت اليه : -

من ذا يحاذيك في قول وفي عمل … وقد بدرت إلى فضل ولم تسل

مالى بشكر الذى نظمت في عنقى … من الآلئ وما أوليت من قبل

مهجة بنت التيانى القرطبية:

قال في المغرب: من أهل المائة الخامسة، كان أبوها يبيع التين، وكانت من أجمل نساء زمانها، وعلقت بها ولادة ومن شعرها في ولادة: -

ولادة قد صرت ولادة … من غير بعل فضح الكاتم

حكت لنا مريم لكنه … كلمة زهد وزيدٌ قائم 

ومن أشعارها : -

لئن قد حمت عن ثغرها كل حائم … فما زال يحمى عن مطالعها الثغر

نجيبة القحطانية:

قال ابن النجار: كانت شاعرة حسنة الشعر وضحيته، ومن شعرها : -

إذا المرء أصبح في عيشه … من المال والأمن في سربه

أتى عرضٌ جِد في موته … فصاح الفتى به سُرّ به 

نضار بنت الآمر أثير الدين أبى حيان محمد بن يوسف الأندلسي:

كانت كاتبة قارئة، تنظم الشعر، وخرجت لنفسها جزءاً حديثياً، وكان والدها يثني عليها كثيراً، ويقول: ليت أخاها حيان كان مثلها، ماتت سنة ثلاثين وسبعمائة ووجد عليها والدها وجدا عظيماً. وقال الصلاح الصفدى يرثيها: -

بكينا بالملجين على نضار … فسيل الدمع بالخدين جار

فيالله جارية تولت … فنبكيها بأدمعنا الجواري

نزهون بنت القلاعى الغرناطية:

قال في المغرب من أهل المائة الخامسة، ذكرها الحجارى في المسهب، ووصفها بخفة الروح والطباع النادرة والحلاوة وحفظ الشعر والمعرفة بتعريف الأمثال مع جمال فائق وحسن رائق، وكان الوزير أبو بكر بن سعيد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها؛ فكتب إليها مرة هذين البيتين: -

يا من له ألف خل .. من عاشق وصديق

أراك خليت للناس … بعد ذلك الطريق

فأجابته : -

حللت أبا بكر محلا منعته … سواك وهل غير الحبيب له صدرى

وان كان لى كم من حبيب فإنما … يقدم أهل الحق حب أبى بكر

ولادة بنت المستكفى بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر بن عبد الرحمن بن محمد المرواني:

كانت واحدة زمانها المشار إليها في أوانها، حسنة المحاضرة مشكورة المذاكرة، كتبت بالذهب على طراز لها الأيمن:

أنا والله أصلح للمعالى … وأمشي مشيتى وأتيه تيها

وكتبت على الطراز الايسر:

وأمكن عاشقى من صحن خدي … وأعطى قبلتى من يشتهيها

وكانت مع ذلك مشهورة بالصيانة والعفاف وفيها خلع ابن زيدون عذاره وله فيها القصائد والمقطعات.

الشاعرة الغسانية البجائية:

كذا ذكرها في المغرب، وقال من أهل المائة الرابعة ومن شعرها قولها من أبيات:

عهدتهم والعيش في ظل وصلهم … أنيق وروض الوصل أخضر فينان

ليالي سعد لا يخاف على الهوى … عتاب ولا يخشي على الوصل هجران

عمة السلامى الشاعرة:

وهى ابنة محمد بن محمد بن يحيى- كذا ذكره ابن النجار، ثم روى بسنده عن الخسنبن على الجوهرى، قال: أنشدنا السلامى لعمته، قال وكنت ألعب في أيام الحراثة مع بعض جوارينا فعضت خدي فازرق موضع العضة فقالت عمتى:

ماذا صنعت بنا يا عاشقا عبثا … في صحن خد بهيج الشعر وهاج

ذرعت إذ عضتيه غير مشفقة … روض البنفسج في روض من الزاج

المخزومية ابنة خال السلامي الشاعر:

كذا في تاريخ ابن النجار، ثم روى عن أبى على التنوخى قال أخبرنى محمد بن عبيد السلامي: أنه كانت له ابنة خال بغدادية مخزومية تقول الشعر، وأنشدنى- قال: أنشدتنى لنفسها من قصيدة لها إلى سيف الدولة، وأنها توفيت سنة سبع وستين وثلاثمائة: -

لولا حذارى من أن ألام على … عتاب يوم منه وأعتابه

لسرت والليل له جودجي … وذباب السيف في نحرى إلى بابه