أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 31 أكتوبر 2026

دراسات حول قضايا الشعب وأسباب العنف المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

دراسات حول قضايا الشعب وأسباب العنف

المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: ظاهرة الشغب والاضطرابات الجماهيرية من القضايا التي تحظى باهتمام المؤسسات الأمنية والاجتماعية؛ لما قد يترتب عليها من آثار تمس أمن المجتمع واستقراره، وتؤثر في حياة الأفراد ومصالحهم العامة. ولا تنشأ هذه الظاهرة بمعزل عن الظروف المحيطة بها، بل قد ترتبط بجملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية، كالتفاوت بين الفئات الاجتماعية، وتعارض المصالح، والشعور بالظلم والإحباط، وما قد ينتج عن ذلك من احتجاجات تتطور أحيانًا إلى ممارسات عنيفة تهدد النظام العام.

وتبرز أهمية دراسة هذه الظاهرة في ضرورة فهم أسبابها ومظاهرها ومراحل تطورها، والتعرّف إلى طبيعة الحشود التي قد تشارك فيها، والعوامل النفسية والاجتماعية المؤثرة في سلوكها، فضلًا عن دور القيادات والعناصر المحرّكة في توجيه الأحداث وتصعيدها. كما أن الوقوف على الآثار المترتبة على الشغب، سواء على المجتمع أو الحياة السياسية أو النشاط الاقتصادي، يساعد على إدراك خطورة هذه الظاهرة، وتحديد السبل المناسبة لمعالجتها والحد من تداعياتها.

وفي هذا الإطار، يتناول هذا الكتاب موضوع الشغب من جوانبه المختلفة، بدءًا من تعريفه وبيان آثاره وأسبابه، مرورًا بمظاهره ومراحله والمجموعات المحتمل مشاركتها فيه، وصولًا إلى الأساليب والوسائل المقترحة لمنعه والسيطرة على أحداثه. كما يستعرض بعض الإجراءات التنظيمية والتدريبية والفنية المرتبطة بعمل أجهزة مكافحة الشغب، بما يتيح تكوين تصور شامل عن هذه القضية، مع التأكيد على أهمية معالجة أسبابها الجذرية، وتحقيق التوازن بين المحافظة على الأمن والنظام العام واحترام الحقوق والحريات التي يكفلها القانون.

_______________________________________________________

تعريف الشغب:

إن جميع الدول الحرة الديمقراطية في العالم اليوم تؤمن بالمبدأ العظيم القائل بأن الناس يولدون أحرارًا وسواسية، ففي كل قطر تناضل الحكومة في سبيل تحسين رفاهية وخير الشعب، ولكن لا يعني هذا أن تتوفر لكل مواطن الحرية والمساواة بقدر يقوم على أساس توازن حسابي كامل، فأحيانًا لا تستطيع الحكومة إرضاء بعض مجموعات من الناس الذين تتعارض مصالحهم مع مصالح مجموعة أخرى، وهنا تكمن المشكلة، ففي كوريا مثل سائر يقول: «قبضة اليد أقوى من القانون»، وهذا يعني أن حل مشكلة ما عن طريق القوة البدنية أسهل من حلها عن طريق القانون المسنون بطريقة شرعية من قبل الدولة، وفي حياتنا الحديثة نجد أنه متى ما أثر العمل الحكومي تأثيرًا عكسيًا في مصلحة أية طبقة اجتماعية فإنه ينشأ لدى المواطنين ميل إلى اللجوء إلى استعمال القوة البدنية كنوع من الضغط على الحكومة للدفاع عن مطلب طبقتهم الخاصة، وبفعلهم هذا إنما يتغاضون عن المصلحة العامة والتوازن الشامل لبلدهم، واليوم يضمن الدستور والقوانين الأخرى في كافة الدول الحرة الديمقراطية أقصى قدر من الحقوق والحريات للشعب، كما توضع أيضًا القيود اللازمة للحفاظ على النظام والسلم العالميين، وتعرف النشاطات التي ترتكز على القوة العددية للقائمين بها من الشعب أو للنشاطات التي تتسم بالعنف المخالفة لتلك القيود المشار إليها، والرامية إلى الحفاظ على النظام الذي هو ضرورة في الدولة (بالشغب)، والذي يسمى في كوريا الجرم الجماعي، وهذا الجرم الجماعي يمكن أن يطيح بحكومة شرعية ويحدث حالة من الفوضى وأن يعرض سلامة البلد للخطر.

آثار الشغب

آثاره على المجتمع:

إن نشوء الشغب يقود المنطقة المتأثرة إلى حالة من الارتباك والفوضى الناتجة عن غياب القانون، فتزداد جرائم القتل والسلب ويسود المنطقة جو من الإرهاب، وتتعرض حياة المواطنين الوادعة الآمنة إلى المخاطر حين يسود العنف.

كما أن استنفار شرطة طوارئ ضخمة العدد إلى منطقة الشغب يحدث فراغًا في المهام العادية التي تقوم بها الشرطة، وبالتالي يؤدي هذا إلى تفاقم مشكلة الحفاظ على النظام العام بأكمله.

آثاره على الشؤون السياسية:

يتحول القائمون بالشغب إلى مجموعات تمارس ضغطًا سياسيًا فتعرض - حينئذ - العمل السياسي الشرعي للخطر، فعندما تقوم أحزاب الأقليات السياسية المعارضة بمساندة الشغب أو تحاول الاستفادة من قوى المجموعة المشاغبة التي تعمل على التخريب والمقاومة، في هذه الحالة يصعب على الحكومة أن تمارس عملها، ومن ثم يختفي النظام من تلك الأنظمة الديمقراطية.

آثاره على الاقتصاد:

يعرقل القائمون بالشغب نشاط الإنتاج ويتسببون في ارتفاع الأسعار، وعندئذ ينهار نظام تداول السلع مما يؤثر على تعاطف الجمهور مع الحكومة، ويتأثر النمو الاقتصادي في البلاد النامية بصفة خاصة من جراء ذلك الوضع الداخلي المضطرب؛ لأنه يعمل على عدم تشجيع الاستثمارات الأجنبية، مما ينتج عنه جمود في نشاط الصادرات. وكمثال لذلك نجد أن عناصر الاضطراب الاجتماعي في كوريا قد نشأت نتيجة للجرائم الجماعية التي قام بها الطلاب خلال الفترة الممتدة من ٢٦ / ١٠ / ١٩٧٩م إلى ١٩٨٠/١٠/٣٠م، حيث هبط معدل النمو الاقتصادي بنسبة ٪٤ عن معدل النمو الإيجابي السنوي للسنوات العشر الماضية.

أسباب الشغب ومظاهره

أولًا: أسباب الشغب:

تنشأ حوادث الشغب عن عدة أسباب تعتمد على ظروف وأحوال وعوامل معينة غالبًا ما تسبب الشغب، وهي:

١- انفجار العداوة المتطرفة بين الفئات أو الطبقات الاجتماعية المتعارضة، فعندما يتكون سكان قطر ما من عناصر عرقية أو قبائل متعددة، فإن التمييز العنصري أو القبلي يخلق احتكاكات ونزاعات عنصرية، كما أن اختلاف المعتقدات الدينية بينهم يحدث العداء والخصومة، وأن أيًا من هذه العوامل يمكن أن يتطور إلى شغب ضد الحكومة أو إلى موقف عنف من شأنه أن يهدد أمن كافة القطر أو جزء منه.

٢- عنف انفجار غضب الجمهور، ومن أمثلة هذا النوع من الشغب ردة فعل جمهور الرياضة عند اتخاذ حكم المباراة قرارًا غير منصف، أو عندما يحتج حشد من الناس ضد ظلم الحكومة أو دائرة عامة فيتحول الاحتجاج فجأة إلى عنف.

٣- الإحباط: ومن أمثلة هذا النوع أحداث الشغب العنيفة.

٤- مثال واضح على ذلك ما يحدث للمسلمين في الفلبين لكونهم أقلية وسط المسيحيين، التي تندلع في حالات نضال الاتحادات العالمية التي تتسم بالسخط، والسلوك العنيف الذي يتسم به الفقراء المعدمون من الشغب في مطالبتهم للحكومة بالإعانات.

٥- اشتراك طلاب الجامعات في الشؤون السياسية: ويحدث هذا عندما يقوم طلاب الجامعات المعارضون لسياسة الحكومة باستثارة زملائهم الطلاب ويقودون مظاهرات أو مظاهر شغب معادية للحكومة.

وأخيرًا، العصيان أو التمرد الذي يستغله العملاء المعادون، ومن أمثلة ذلك أن يقوم العملاء المعادون أو الذين ضد الحكومة والمنشقون عليها باحتلال منطقة محدودة وحث سكان تلك المنطقة على القيام بمظاهر العنف أو الاحتجاج المسلح ضد الحكومة.

ثانيًا: المجموعات والحشود المرتقب حدوث شغب منها هي:

١- زمرة الأقلية العنصرية أو الجماعات التي تعاني الفقر المدقع وتعيش في منطقة معينة.

٢- المجموعات العمالية التي تعمل وفق شروط دون المتوسط.

٣- طلاب الجامعات المجندين من قبل العناصر الهدامة.

٤- المنظمات السياسية اليسارية المتطرفة.

٥- الشيوعيون والراديكاليون المتطرفون.

مثلما تقوم به نقابات التضامن العمالية في بولندا حاليًا.

الاتجاهات النفسية لدى الحشود المحتمل أن تكون مصدرًا للشغب:

١- كونها تتعاطف معًا في مسائل صغيرة.

٢- كونها تصدق الشائعات دون أن تتحقق من صحتها.

٣- كونها تقوم بنقل الأنباء والمعلومات بمبالغة.

٤- اتخاذها موقفًا سلبيًا نحو كل شيء.

ثالثًا: مراحل الشغب ومظاهره:

باستثناء أحداث الشغب التي تنشأ خلال المباريات الرياضية، فإن معظم حوادث الشغب الأخرى تدار من قبل أيدٍ خفية تعمل من خلف الستار، وتمر حوادث الشغب المخططة بأطوار مختلفة تبدأ من الفكرة وتنتهي إلى العمل:

١- المرحلة التمهيدية:

ينتهز مثيرو الشغب الحالة النفسية لدى الغوغاء، فيرسمون أولًا هدفًا براقًا لاستمالة الجماهير، ثم يضعون خطة تفصيلية لكسب التجمعات الجماهيرية لصالحهم، وعلى أساسها يبثون الدعاية ويعملون على إهاجة الجموع، وبعبارة أخرى، تقوم فئة من مثيري الشغب بالتآمر ورسم هدفها النضالي ووضع مخطط عملي إرشادي، ثم القيام بإعداد الوثائق وبث الدعاية الخفية ونشر الشائعات ضد الحكومة.

٢- مرحلة اكتمال حركة الشغب:

بعد تحريك عواطف الجمهور لصالح الحركة في المرحلة التمهيدية، يقوم مدبرو الشغب بدعوة المزيد من المتعاطفين إلى الانضمام لهم، وبسرعة فائقة تتسع دائرة الدعاة والمحركين من الداخل حتى يحين الوقت الذي يتحقق فيه جو مناوئ للحكومة، ويمكن أن يطلق على هذه المرحلة مرحلة نضج الحركة أو اكتمالها.

٣- مرحلة المناضلة العنيفة:

عقب مرحلة النضج يقوم مدبرو الشغب بوضع أتباعهم الذين يتسمون بالجرأة والاندفاع في تصرفاتهم - في الشارع للقيام بمظاهرات غير مصرح بها، وعندما تزداد مظاهراتهم حدة يتصدى لهم رجال الشرطة الذين يعملون على السيطرة على الشغب، فيجابهونهم بالعصي والحجارة وأنواع قنابل المولوتوف والمتفجرات في سبيل إدراك هدفهم بأية وسيلة عدلًا أم جورًا، وبهذا فهم يشلون الأمن الوطني ككل في سائر القطر أو في منطقة محدودة منه.

رابعًا: مجموعة الرؤوس المديرة:

إن العناصر الأساسية المحركة لحركة الشغب تتحدد في الجماعة المدبرة والتجمعات الجماهيرية والجهة المستهدفة بالشغب. ولقد قدمنا نبذة مختصرة عن الجماعات المحتمل أن تصبح مثار شغب والاتجاهات النفسية عند هذه الجماعات، أما هذا القسم فيتعلق بالمجموعة التي تمثل الأيدي المحركة للشغب، وكما هو شائع في أي تنظيم فإن حوادث الشغب لها قادتها الذين يتحكمون فيها ويديرونها من خلف الستار.

ويكون قائد حركة الشغب ضمن إحدى الفئات التالية:

١- أن يكون منشقًا على حكومة بلاده معارضًا لها أو عميلًا لبلد معادٍ أو أجيرًا لأحد تلك العناصر.

٢- فردًا لا يحمل الولاء لبلاده أو فردًا خارجًا على القانون.

٣- فردًا تدفعه رغبة مفرطة في النجاح.

٤- فردًا ذا نزعة متطرفة في طبيعته.

٥- فردًا متفوقًا وبارعًا في الدعاية والإثارة.

ويمكن لقادة حوادث الشغب الذين أوردنا خصائصهم فيما سبق أن يظلوا ظاهرين للعيان أو أن يخفوا هوياتهم، وأن يديروا عمليات الشغب بواسطة أشخاص جندوهم لذلك. وفي حالات الطوارئ فإنهم يختفون بسرعة دون أن يتركوا خلفهم أثرًا، مما يجعل القبض عليهم أمرًا صعبًا.

أساليب ووسائل منع الشغب

حفاظًا على أمن وأمان المجتمع فإنه ينبغي منع حوادث الشغب بشكل فعال، وذلك بتطبيق الأساليب التالية:

١- طريقة إزالة الأسباب: وهي طريقة للإقلال من سخط المجموعة المنشقة، وذلك بإزالة الأسباب الجوهرية لاستيائهم.

٢- طريقة التأخير: وهي طريقة تعتمد على جعل مطالب جماعة المنشقين تتلاشى من تلقاء نفسها، وذلك بإطالة المباحثات والمفاوضات وترك حل المشكلة للأيام ومرور الزمن.

٣- طريقة التحييد: وهذه أكثر الطرق ديمقراطية، وتعتمد على تحييد المجموعة الساخطة من الداخل، وذلك بغرس عناصر معارضة في المجموعة.

٤- طريقة الاستجابة السريعة: وهي طريقة تستهدف محو السبب الأساسي للقضية، وذلك بالاستجابة السريعة لمطالب المجموعة المنشقة.

٥- طريقة اتخاذ الخطوات المضادة: وهذه طريقة تفوق كافة الأساليب الأخرى في قوتها، وهي تعتمد على استغلال مجموعة معارضة في الرأي تكون أكبر حجمًا من المجموعة المنشقة لإخضاعها وكبحها، أي ضرب جماعات بأخرى بأسلوب يبدو ديمقراطيًا.

وسائل منع الشغب

لتطبيق الطرق والأساليب المبينة سابقًا ينبغي توفر الخبرة الفنية في المجالات التالية:

١- العمليات الفعالة لنشاط جمع المعلومات:

ينبغي أن تكون هناك نشاطات مباحثية عالية الكفاءة تجند للمراقبة السرية للأفراد والمنظمات المشبوهة على مدى ٢٤ ساعة لتحديد أية حركة شغب يمكن حدوثها، كما يجب تحليل المعلومات التي يتم جمعها تحليلًا دقيقًا، ثم إبلاغ الجهات والمنظمات المختصة بأية حالة شغب ليتم تسهيل الجهود المتعاونة من أجل تحييد العمليات.

٢- القضاء على الأسباب المؤدية إلى احتمال حدوث الشغب:

عندما تتحدد من واقع المعلومات التي تم الحصول عليها الأسباب المؤدية إلى قيام الشغب فإنه يجب العمل على إزالتها بسرعة، وذلك بتطبيق أسلوب الاستجابة السريعة المذكورة سابقًا، وإذا استحال تنفيذ ذلك الأسلوب لتعارضه مع سياسة الحكومة فإنه يجب في هذه الحالة إقناع الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام بالامتناع عن الاشتراك في أية حركة شغب؛ إذ إنه في معظم الحالات لا يمكن أن تغيّر الحكومة قرارًا اتخذته للمصلحة العامة لمجرد أن مجموعة ما تحاول فرض مطالبها، وبالتالي يواجه المسؤولون القائمون بمهام منع الشغب صعوبات جمّة، ومع ذلك فإنهم مطالبون ببذل قصارى جهدهم للقضاء على الأسباب التي تكمن فيها بذور شغب محتمل الوقوع.

القضاء على المشتبه فيهم بإثارة الشغب سلفًا:

إن التجمعات الجماهيرية التي تشترك في حوادث الشغب ليست عناصر مدرّبة أو منظّمة، وتفقد فعاليتها بالضرورة بمجرد أن تصبح في معزل عن القيادة المنظّمة المحرّكة، ولذا فمن الممكن منع حدوث الشغب إذا أُلقي القبض سلفًا على تلك العناصر المحرّكة من وراء الستار، وتم احتجازهم من قبل الحكومة.

كيفية السيطرة على حوادث الشغب:

كما سبق أن ذكرنا، فإن كافة مصالح الدولة تتأثر بصورة كبيرة بحدوث الشغب، لذا ينبغي اتخاذ الخطوات المشدّدة لمنعه. وكما يقول المثل: «أينما وجد مجتمع وجدت جرائم»، فلا توجد دولة ديمقراطية حديثة في العالم اليوم تخلو من الجرائم.

وبالتالي تقع حوادث الشغب رغم كل الجهود الوقائية، على اختلاف أحجامها وخطورتها، لذا يجب قمع الشغب بسرعة وفعالية في أولى مراحله وقبل أن يتسع ويعم. ولكي تتوفر المقدرة على السيطرة الفعّالة، يتطلب الأمر تدريب شرطة مكافحة الشغب بصفة مستمرة، وأن تكون معدات وأجهزة مكافحة الشغب على أهبة الاستعداد، وأن يتم التدريب على هذه الأجهزة والمعدات بصفة دورية.

أولًا: تنظيم وتدريب عناصر مكافحة الشغب:

نورد هنا فكرة موجزة عن التنظيم والتدريب والأجهزة الخاصة بعناصر مكافحة الشغب في كوريا.

١- التنظيم:

تتكون العناصر الأساسية لمكافحة الشغب من وحدة في حجم فرقة من رجال الشرطة، قوامها 183 رجلًا، مجهّزون بالغازات والعربات والشاحنات والقنابل الكيميائية، وتُزوّد هذه الفرق أيضًا بأجهزة الاتصال الخاصة بها.

٢- التدريب على مكافحة الشغب:

تشمل أنواع وموضوعات التدريب الذي يتلقاه رجال مكافحة الشغب ما يلي:

أ- المحاضرات التي تهدف إلى التوجيه المعنوي للموظفين فيما يتعلق بالمعنى الصحيح للواجب والنظرة السليمة للأمة.

ب- الممارسة العملية للوسائل الفنية، مثل إجادة التايكوندو والجودو ووضع الأسوار للدفاع ضد المشاغبين.

ج- استعمال هراوات الشرطة.

د- سرعة الاستجابة لما يحدث في الشارع من شغب، واستعمال الوسائل الفنية لمجابهته.

هـ- إلقاء القبض على المجرمين لاستجوابهم.

ز- تشكيل قوة القمع الأساسية على هيئة وحدات وفصائل وجماعات وفرق.

ح- استخدام مختلف المعدات التي تُستعمل في هذا الشأن.

ويتم التدريب على الموضوعات السابقة لفترة ثماني ساعات يوميًا بالنسبة للفرق الحديثة التكوين من رجال الشرطة، وبالنسبة للفرق القائمة فعلًا لمدة ساعتين في اليوم، ولفترة تدريبية تبلغ 30 يومًا لكليهما، وسيتم إيجاز هذا التدريب بصورة منفصلة.

ثانيًا: الإجراءات الفنية لمكافحة الشغب:

خطوات عمل المكافحة:

يجب أن تكون قوات السيطرة على الشغب مدرّبة تدريبًا كافيًا - كما ذكرنا - في الأوقات العادية، وبذلك نضمن الاستفادة منهم بصورة فعّالة، كما نضمن مرونة استعداداتهم وإجادتهم للجوانب المتعددة الواجب توافرها في عناصر مكافحة الشغب لمواجهة أشكال وأحجام حوادث الشغب المختلفة. ويتطلب الأمر من القيادات في مختلف المستويات أن تعمل على تحسين قدراتها القيادية، وعلى الإلمام التام بعمليات المكافحة. ونوضح هنا ردود الفعل الأولية في الشارع وعمليات المكافحة المركبة.

٢- الخطوات التي تُتخذ عند حدوث الشغب:

وهذه نبذة عن الخطوات الأساسية التي يجب اتخاذها للسيطرة على الشغب:

أ- بث الإذاعات المهدئة:

في المرحلة الأولى، تقوم قوات مكافحة الشغب باستعراض قوتها لفرض نوع من الضغط النفسي على نفوس المشاهدين المتفرجين والمشتركين الأبرياء، حتى يتجنبوا الانضمام إلى حركات غير قانونية، وفي الوقت نفسه تُوجَّه إذاعة إلى المشتركين حتى ينصرفوا طواعية.

ب- الهجوم في تشكيلات (باستخدام الهراوات):

في حالة عدم انصياع المشاغبين لأوامر الانصراف المتكررة، تقوم قوات المكافحة بمحاولة الهجوم في تشكيلات باستخدام الهراوات كخطوة أولى.

ج- الهجوم بالغازات:

في الحالات التي يستمر فيها المشاغبون في شغبهم أو يقاومون الشرطة مستعملين السلاح أو الحجارة، على قوات المكافحة استعمال قنابل الغاز أو عربات الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين أو السيطرة عليهم.

د- استعمال الأسلحة:

في حالة مقاومة المشاغبين للشرطة بالسلاح الذي يستولون عليه من الجيش أو الشرطة عن طريق الإغارات، تلجأ قوات المكافحة إلى استخدام السلاح كخطوة أخيرة، في إطار حق الدفاع عن النفس، للقضاء على قادة الشغب والسيطرة عليه.

ثالثًا: الأساليب الأساسية في مكافحة الشغب:

يتم تطبيق الأساليب الأساسية التالية في الإجراءات الآتية لتحقيق السيطرة الفعّالة على حوادث الشغب:

١- رد الفعل السريع:

يجب منع مجموعات الأبرياء من الانضمام إلى المشتركين في حوادث الشغب. كما يجب محاولة تركيز الهجوم على المشتركين في حوادث الشغب حتى يتفرقوا بأية وسيلة، على أن يتم تفادي وقوع أي ضرر على الفريقين.

٢- إلقاء القبض على زعماء حوادث الشغب:

يجب إلقاء القبض على زعماء حوادث الشغب أو تحييدهم، بما في ذلك الأشخاص الذين يحملون الإعلانات أو يهتفون بالشعارات أو يوزعون المنشورات، أو القادة الذين يتبعهم المشاغبون في أفعالهم.

ويعود هذا إلى أن المشاغبين في أغلب الأحيان لا يتلقون تدريبًا على ذلك، وأن القضاء عليهم من شأنه أن يبعث الخوف في الآخرين ويجعلهم يفقدون شجاعتهم.

٣- منع التجمع مرة ثانية:

يوزّع أفراد الشرطة سلفًا على المواقع التي يُعتقد بأنه من المحتمل أن يتجمع فيها المشاغبون مرة أخرى، وذلك للقيام بعمليات الضبط واستجواب الأشخاص الموجودين في تلك الأماكن، وإلقاء القبض على المشتبه فيهم، وإضعاف المشاغبين أو اتخاذ وسيلة أخرى في العمل قبل أن يجتمعوا أو يتجمهروا مرة أخرى.

رابعًا: أساليب العمل الرئيسية للسيطرة على الشغب:

فيما يلي أساليب العمل الرئيسية الخمسة الواجب ملاحظتها:

١- إقرار النظام والضبط.

٢- تفريق المتظاهرين أو المشاغبين على وجه السرعة عن مجموعات الناس الأبرياء.

٣- اتخاذ الإجراءات الحازمة.

٤- تفادي الإدلاء بملاحظات أو اتخاذ إجراءات متطرفة.

٥- ينبغي عدم اتخاذ إجراءات فردية مستقلة عن الأجهزة المختلفة.

خامسًا: المتطلبات الضرورية لقوة السيطرة على الشغب:

ننتقل الآن إلى ما يمثل المتطلبات الضرورية اللازمة لقوى السيطرة على الشغب وتوفيرها حتى تتمكن من إنجاز الواجبات الملقاة عليها بنجاح، وهي:

١- القادة الأكفاء.

٢- وسائل النقل السريعة.

٣- وسائل الاتصالات.

٤- إمدادات الأطعمة.

٥- الحد الكافي من القوى الاحتياطية والمعدات.

الإجراءات الهامة التي يجب أن يقوم بها القادة:

في حالة حدوث شغب، فإنه على القادة اتخاذ الإجراءات التالية على وجه الخصوص:

١- أن يتم تحديد قوة المشاغبين وحالتهم والتغيرات المتوقعة في موقفهم.

٢- إنشاء رئاسة للقيادة في مسرح الحادث، ووضع خطط للسيطرة على الشغب بالتنسيق مع الهيئات المختصة الأخرى.

٣- استطلاع طبيعة الأرض في المنطقة، وتحديد عدد أفراد القوى المطلوبة وطرق الوصول إلى مسرح الأحداث، والتجهيز واختيار الأماكن التي تقف عليها قوى السيطرة في انتظار الأوامر.

٤- عقد اجتماع يدور حول طبيعة العمليات، يتم فيه توضيح الموقف وإسناد الواجبات لمختلف وحدات السيطرة المجتمعة في مسرح الأحداث.

٥- إصدار التعليمات لاستعمال وسائل الاتصال وتيسير الاتصال مع القيادة ورفع التقارير إليها، والتأكد في الوقت نفسه من الاستعداد الكامل للعناصر المتوفرة التي سيجري توزيعها على عمليات السيطرة على الشغب، وفي هذا الاجتماع يتم تحديد قيادة موحدة للوحدات.




قلوبهم معنا وقنابلهم علينا أحلام مستغانمي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

قلوبهم معنا وقنابلهم علينا

أحلام مستغانمي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الحروب هي أكثر الظواهر الإنسانية قساوةً وتدميراً، لما تخلّفه من مآسٍ تتجاوز حدود الخسائر المادية والبشرية، لتطال كرامة الإنسان وأمنه واستقراره وهويته. وتزداد هذه المأساة حدةً حين تُشنّ الحروب تحت شعارات التحرير والديمقراطية وإحلال السلام، بينما تكشف الممارسات على أرض الواقع عن وجوه أخرى من الهيمنة والاستغلال والقتل والتدمير. 

والحرب ليست إلا الوجه الأكثر بشاعة للظلم حين يتزيّن بالقوة، وهي الجريمة التي يدفع الأبرياء والمساكين ثمنها من دمائهم وأموالهم وأمنهم ووجودهم. فما أبشع أن تُرفع رايات الحرية والديمقراطية فوق أنقاض البيوت، وأن يُبشَّر الشعوب بالخلاص عبر القصف والتدمير، وأن تُقاس الانجازات بعدد القتلى وحجم الخراب! 

وفي مختلف مناطق العالم؛ خلّفت الحروب جراحاً لا تندمل، وأيتاماً لا تعوّضهم الخطب، وأوطاناً تحتاج عقوداً لتنهض من ركامها. وما من قضية عادلة يمكن أن تبرّر قتل الأطفال والنساء وتشريد الآمنين، ولا من قوة عسكرية تستطيع أن تمنح القاتل والمتسبب صكّ البراءة. 

وبعبارة أخصر: [إن العدل أقل تكلفة من الحرب، ومحاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب.. وإن إهانة الإنسان العربي، وإذلاله بذريعة تحريره، هما إعلان احتقار و كراهية له. وفي تفقيره، بحجة "تطويره"، نهب لا غيرة على مصيره. وإن الانتصار المبني على فضيحة أخلاقية هو هزيمة، حتى إن كان المنتصر أعظم قوةً في العالم].

وفي هذا الكتاب تتناول أحلام مستغانمي في كتابها «قلوبهم معنا وقنابلهم علينا» لتتناول تداعيات الحرب الأميركية على العراق، مسلطةً الضوء على التناقض بين الخطاب السياسي الأميركي وممارساته العسكرية، وما صاحب ذلك من استهداف للمدنيين، وإسكات للشهود، وترويع للشعوب، فضلاً عن المفارقات التي أفرزتها الحرب في الحياة الاجتماعية والنفسية للإنسان.

وقد اعتمدت الكاتبة في عرض أفكارها على السخرية السياسية والمفارقة الأدبية، مستحضرةً نماذج وأحداثاً من الواقع العربي والأميركي، لتعرية الخطاب الذي يبرر العدوان باسم الإنسانية، ويصور القصف والدمار وسيلةً لتحقيق الحرية والتقدم. 

ولم تغفل مستغانمي عن الإشارة إلى مسؤولية الأنظمة العربية عن واقع شعوبها، وما تعانيه من استبداد وتهميش، في ظل صمت دولي وتخاذل عربي يزيدان من عمق المأساة. ومن أبرز الأفكار التي تؤكدها الكاتبة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تمنح أصحابها الحق في انتهاك كرامة الشعوب، وأن الانتصار الذي يقوم على الظلم والفضائح الأخلاقية لا يمكن اعتباره انتصاراً حقيقياً.

ويُبرز الكتاب القيمة الفكرية والإنسانية للمواطن العربي، ودور الكُتّاب والمفكرين في كشف ازدواجية المعايير السياسية والدولية، والتنبيه إلى خطورة توظيف الشعارات الإنسانية لتبرير الحروب ومشروعات الهيمنة، والتأكيد على أن العدل والتنمية وصون كرامة الإنسان أجدى من الحروب وسياسات الإخضاع. 

ويمكن تلخيص أبرز الأفكار التي تناولتها مستغانمي؛ فيما يلي:

  1. ازدواجية الخطاب السياسي: التناقض بين ادعاء تحرير الشعوب وممارسة القتل والتدمير بحقها.

  2. السخرية من القوة العسكرية: توظيف الكاتبة للمفارقات الساخرة في وصف الأسلحة الذكية والحروب التي توصف بالنظيفة.

  3. استهداف الحقيقة والإعلام: إبراز خطورة استهداف الصحفيين والمراسلين، باعتبارهم شهوداً على الجرائم والانتهاكات.

  4. مسؤولية الأنظمة العربية: نقد الاستبداد السياسي وتوظيف معاناة العراق لتوجيه رسائل تحذيرية إلى بقية الأنظمة.

  5. البعد الإنساني للحرب: تصوير آثار الخوف والدمار في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات.

  6. المفارقة بين الشعارات والواقع: إبراز التناقض بين الحديث عن الديمقراطية والحرية وبين انتهاك حقوق الإنسان وكرامته.

_________________________________________________

فياغرا.. أم المعارك

قد لا يكون الوقت مناسبًا، ونحن نعيش على أهبة حرب والكرة الأرضية تقف على قرن الثور الأميركي، متوجسة الكارثة المواصلة الحديث عن صعوبة الانضباط العاطفي بالنسبة إلى الرجل، وعن تاريخ الرجال الحافل بالخيانات عبر العصور.

غير أن الأجواء السياسية المشحونة، التي تعيشها البشرية هذه الأيام، والكوارث والحروب التي عرفتها بعض البلدان، تركت آثارها في سلوك الرجل من منطلق نظرته الجديدة إلى نفسه وإلى العالم، في محاولة إمساكه بحياة أصبحت تبدو سريعة العطب، قد تفلت من بين أصابعه في أية لحظة .

لأن المرء في أوقات الخوف والحذر يبالغ في ردود الفعل، فقد شاهدنا تطرفا رجاليا هذه الأيام، في الالتزام بالقيم الأسرية في نيويورك، إذ غدت مصائب البرجين المنهارين فوائد على الزوجات، بعد أن صار رجال نيويورك أكثر وفاء لزوجاتهم بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر). وأعلن بعضهم لمجلة «لوبوان» الفرنسية أنه يفضّل الاستمرار في علاقة مع امرأة واحدة، ولا يرغب في خيانة شريكة حياته، بعد أن صار يشعر بأهمية الإخلاص.

الخوف الذي أطاح ببورصة شركات الطيران، والمنتجعات السياحية، هو نفسه الذي حجز الأزواج في البيوت، ورفع أسهم شركات الأدوية، وأسهم المؤسسة الزوجية، في عالم صنع الخوف وعلبه للبشرية، ثم ما عاد قادرًا على صنع الطمأنينة، بعد أن أصبح رجاله لا يجدون سكينتهم إلا في العودة باكرا إلى البيت، لتناول جرعة الحب الزوجي، ولو على مضض.

أميركا التي ابتكرت لنا الأمن الوقائي» و«الضربة الوقائية واستراتيجية الحرب الاستباقية، استبق رجالها الكارثة متحصنين بالحبّ الوقائي، مُفضّلين على الإرهاب البيولوجي الإرهاب الزوجي واجدين في رئيسهم نموذجا للزوج الصالح ولفاعل الخير المثالي، الذي من حسن حظ البشرية أن يكون انتصر على آل غور بفارق حفنة من الأصوات، فبعث به الله لهداية من ضل منا سواء السبيل.

لأن الكوارث تقود الناس إلى إعادة تقييم أولوياتهم، واتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بمصيرهم، فقد جاء في استطلاع أجرته مجلة «نيويورك ماغازين تحت عنوان «الحب بعد 11 أيلول»، أن ٣٦ في المئة من العازبين في نيويورك باتوا يسعون إلى الزواج والاستقرار الأسري. وهم بالمناسبة لا يختلفون كثيرا عن ضحاياهم الأفغانيين، الذين قرأنا أنهم كانوا يحتفلون بالزواج تحت القصف الأميركي، بينما كانت الخاطبات، حسب أحد العناوين، يبحثن عن العرسان بين الأنقاض!

فالبعض، في مواجهة القصف العشوائي للحياة، يفضل أن يفتك به الحب على أن تفتك به الطائرات الحربية، وأن يحترق بجمر الأشواق بدل الاحتراق بالقنابل الانشطارية، والموت بنيران الحب بدل الموت متفحما تحت أنقاض برج التهمته النيران .

كل هذا يشرح النتائج التي توصلت إليها مؤخرا باحثة أميركية، إذ توقعت أن تشهد نيويورك إقبالاً على الزواج وعلى الإنجاب، وعودة إلى القيم الأسرية، كما يحدث دائما في المدن التي تعرف الحروب والكوارث.

استوقفني هذا الخبر، إذ وجدت فيه بشرى لأمتنا، المقبلة حتما على أكثر من كارثة، فلا أرى خارج الحرب وسيلة ردع تعيد الزوج العربي إلى صوابه، فيتعلم الاكتفاء بامرأة واحدة، والإخلاص لها . كما أننا نحتاج إلى كارثة قومية شاملة قدر الإمكان، كي تنهار إثرها، بمعجزة بورصة المهر التعجيزي وترتفع أسهم الزواج لدى شبابنا، عسى أن يفتحها الله في وجوه ملايين العوانس من بناتنا في العالم العربي.

عند تأملنا الحرب القادمة من هذه الزاوية، ندرك أنها ستحسم في الأسرة وليس في أروقة الأمم المتحدة، أو في مكاتب البنتاغون، ولا بأس أن نخسر فيها وطننا .. إن كنا سنفوز به سرير.

وهنا تكمن حكمة العراقيين الذين فاجأونا بانهماكهم، منذ سنوات في أبحاث متطورة لإنتاج فياغرا أم المعارك»، أثناء اعتقاد الأميركيين عن غباء، أنهم منشغلون بتطوير سلاحهم النووي لا المنوي !

العراق الذي يصنع دائما الحدث فاجأ العالم في عزّ الاستعداد للحرب، بإعلانه بعناوين كبرى في الصحف العراقية، عن إنتاج فياغرا أم المعارك بخبرات محلية في مختبرات عراقية. وكان في الضجة التي صحبت هذا الاختراع تصرف لا يخلو من التهور، بعد أن بدت الفياغرا جزءا من أسلحة الدمار الشامل التي ينوي العراق إشهارها في وجه أميركا، ما قد يستدعي عودة فريق المفتشين مجددا لتفتيش، هذه المرة، غرف نوم العراقيين

ليس في وسعنا، والحرب آتية لا ريب فيها، إلا أن نصلي كي تمهلنا قليلاً، حتى يستطيع إخواننا في العراق استهلاك ما أنتجوا من تلك الحبة الزرقاء اللعينة، تحسبا لأم المعارك .. أو بالأحرى لأم أمها !

٢٠٠٣/٣/٧

__________________________________________________

اضرب القطوسة.. تفهم العروسة

أصبح التلفزيون عدة الألم الضرورية، التي تلزمنا لمتابعة الفيلم الأميركي الطويل، الذي لا ندري متى ينتهي .. وأين؟

بل لفرط إدمانه، ما عدنا ندري أين نسكن بعدما أصبحنا نقيم في مدن العراق جميعها ، ونركض لاهثين مع المراسلين من موقع إلى آخر، ومن قناة فضائية إلى أخرى .

المراسلون غدوا أهلنا الذين يقيمون في بيوتنا، وعيوننا التي بعيون القلب تنقل لنا أخبار العراق، والملامح التي تشي كل صباح بمزاج الحرب، والصوت الذي نحتضنه ونعتذر له كل مساء قبل النوم، ونبدأ نهارنا بالاطمئنان عليه.

ولذا، الدبابة الأميركية التي صوّبت نارها نحوهم ما كانت تقصد سوانا، نحن ملايين المشاهدين العرب الذين رأينا دمنا يتدفق في كل مكان في فندق فلسطين. والنار التي استهدفتهم،

بذريعة الخطأ، ما انهالت عليهم سوى لتشرع الحرب المعلنة على الحقيقة، حيث سقوط المدن يعني سقوط الشهود العيان.

وحيث، في خندق الحقيقة المحاصرة، لا مكان إلا للشاهد الشهيد، الذي بموته تموت الجرائم الموثقة.

أجل .. يحدث للأسلحة الأميركية أن تكون ذكية !

حتما، كان ثمة استخفاف بذكاء سكان الكرة الأرضية، عندما صرح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، بما عُرف عنه من عنجهية، وهو يُبشِّر العالم ببدء الحرب على العراق، أنها ستكون حربا قصيرة ونظيفة، تتم بأسلحة دمار رحيمة»، بحكم الذكاء المتقد لقنابلها، والفطنة غير العادية للعقل الإلكتروني، الذي يوجه ترسانتها .

كلام جاء ليؤكد آنذاك تصريح رئيس الأركان المشتركة، الذي سبقه إلى إثارة فضولنا عندما قال: إنها أسلحة لم يكن يحلم بها أحد نظرا لدقتها .. أسلحة تثير الإعجاب .. ثمة إنسانية في اختيار أهدافها، حتى كاد بعضنا في لحظة انبهار تكنولوجي أن يتمنى لو كان له شرف اختبار هذه القنابل بنفسه، كي يكون شاهدًا على ميلاد عصر الحروب النظيفة والجيوش الطاهرة، وتكذيب قول أندريه مالرو ثمة حروب عادلة، ولا وجود الجيوش بريئة .

هو قول لا يُصدق الأميركيون إلا نصفه، لا لكرههم الفرنسيين وما يأتي منهم، بل لاعتقادهم الراسخ بعدالة كل حرب يخوضونها، حتى إن لا حاجة بهم إلى أي قرار أممي، يأذن لهم باجتياح أي بلد في العالم، بل فقط إلى بركات الرب وصلوات ملايين الأميركيين الخيرين الطيبين .

اليوم، ما عاد أحد منا يشك في الذكاء المتقد لهذه القنابل، المصابة بزهو يعمي عن الرؤية. حتى إنها في مداهمة ودية»، وفي لحظة انجراف عاطفي، قد تطلق وابل نيرانها على حلفائها ، ما جعل صحيفة إنكليزية تعلق متهكمة، أمام تزايد كثافة النيران الصديقة»: لا ندري لماذا اختار بوش العراق ليحارب فيه بريطانيا ؟! .

في الواقع، اختار بوش العراق للعبرة، ليُحارب فيه جميع الأنظمة العربية على طريقة المثل التونسي القائل اضرب القطوسة .. تفهم العروسة». وفي انتظار أن يكون السادة العرسان، الذين تزوجوا شعوبهم القاصرة عنوة، وزفت إليهم مكرهة في أعراس الدم والسطو قد فهموا الدرس جيدا، وبدأوا في إخفاء الجماجم التي صنعوا منها كراسيهم، في إمكان أميركا أن تواصل ضرب القطط العراقية البائسة والجائعة، والهائمة على وجهها في رحاب العراق. فالمعروف في الأعراس أن العريس وحده يدلل ويُبجل، وأن العريس يعرس والمشوم يتهرس، وهو مثل تونسي آخر .

صدام الذي نجا من أكثر من محاولة اغتيال، سبق له أن قال، مدعيا استخفافه بحياته، إنه يعيش بالعمر الفائض. وكان يعني بـ «الفائض فائض الدم العراقي، فلم يحدث له أن استخف إلا بحياة الآخرين. ولذا، لم يكن في هذه الحرب معنيا بذكاء أو غباء الأسلحة الأميركية، التي كانت في جميع الحالات تخدم لعبة حاكم يحتاج إلى مزيد من الموتى، لاستدراج مزيد من التضامن ؛ فقد اعتاد ألا يرى اسمه مكتوبا إلا بدم الآخرين .

٢٠٠٣/٤/١٩

________________________________________________

(عواطف ثورية) لبقرة مجنونة

لكأن تلك البقرة التي بدت عليها أعراض الجنون، وقد تتسبب للاقتصاد الأميركي، بخسارة تفوق الأربعين مليار دولار، كانت هدية صدام إلى بوش في أعياد الميلاد. وربما تكشف تحقيقات وكالة الاستخبارات الأميركية مستقبلاً، أنها منخرطة في جيش فدائيي صدام، وكانت تنتظر الوقت المناسب لتباشر مهمتها التاريخية، في إلحاق أكبر الخسائر بـ معسكر الشر»، انتقاما للقائد الراعي، الذي كان يسوق القطيع إلى المراعي، حين ساقه جنونه إلى تلك الحفرة. ونظرًا إلى كون الرجل من برج الثور، أتوقع أن يأتي من البيطريين الأميركيين، من يقول إن البقرة جنت بصدام .. أو جنت بسببه. فلولا جنون البشر، ما كان لجنون البقر أن يوجد بعد أن أراد البعض معاكسة الطبيعة وإجبار المواشي على أكل اللحوم، تماشيا مع نزعاته الافتراسية.

وليس عجبا أن تقع البقرة في حب الرجل. وقد قرأت مرة أن مزارعا من جنوب أفريقيا عانى الغيرة الشديدة، التي تتملك إحدى بقرات مزرعته ما كاد يؤدي إلى انهيار حياته الزوجية بسبب إعجاب البقرة به منذ أعوام، وتتبعها له كظله أينما ذهب .

وعندما تزوج المسكين قبل عامين، ظلت البقرة مصرة على إعجابها وتعلقها به وكانت تستشيط غيظًا، كلما رأته يداعب زوجته أو يمسك بيدها. وقد حاولت البقرة مرارا قتل الزوجة بأن تطاردها وتحاول نطحها، لتوقعها في بئر المزرعة. ومنذ سنتين والرجل حائر بين بقرته وزوجته، لا يطاوعه قلبه على بيع الأولى، ولا على تطليق الثانية، ولسان حاله مع البقرة المخدوعة أخونك آه .. أبيعك لا».

ووقوع بقرة في حب رجل ليس أعجب من وقوع ملكة في حب ثور. ففي الجنون ما فيش حد أحسن من حد.. ولا بقرة أجن من مرا»، كما جاء في فن الهوى» لـ «أوفيد»، الذي يحكي لنا أسطورة الملكة باسيفاي، التي وقعت في حب ثور، وراحت المسكينة تتجمل له كل يوم، وتأتيه في كل زينتها وهو غير آبه لها، مشغول عنها بمعاشرة البقرات، حتى تمنت لو نبت لها قرنان فوق جبينها، عساها تلفت انتباهه

ويبدو أن باسيفاي»، كانت أول كائن أصيب بجنون البقر . فما لبثت أن هجرت قصرها إلى الغابات والوديان، لتحملق في كل بقرة، تقع عليها عيناها ، مُشتبهة في كل بقرة حلوب لعوب، تتمرغ على العشب الناعم، تحت بصر حبيبها الثور، عساها تسرق لبه. وذهبت الغيرة بالملكة حد الفتك بغريماتها من الأبقار، بإرسالها إلى الحقول لإنهاكها بجر المحراث، أو إلى المذبح بذريعة نحرها قربانا للآلهة.

لذا، أنصح النساء بأن يأخذن، بعد الآن، مأخذ الجد وجود البقرة كغريمة للمرأة، ومنافسة يُحسب لها ألف حساب، خاصة من نزلت الأبقار إلى ساحة الجمال وإعلان جائزة أفضل تسريحة شعر للبقر في ألمانيا، واستعانة أصحاب الأبقار المتسابقة، بكل عدة التجميل النسائي من سيشوارات وبودرة وجلاتين ومثبتات شعر. وإن كنت لا أذكر اسم البقرة الفائزة، فأتوقع أن تكون بقرة رأسمالية شبعانة كسولاً ومغناجا ، لا تشبه في شيء بقرة حاحا النطاحة»، التي وصفها لنا أحمد فؤاد نجم، في إحدى قصائده الشهيرة، بعد حرب ٦٧ وأودع بسببها السجن.

الأمر على ما هو عليه من العجب، لربما أصبح لزاما على المرأة أن تطالب زوجها بأن يناديها بعد الآن يا بقرة» لا يا قمر»، خاصة بعدما كشف لنا رجال الفضاء الوجه البشع للقمر، وبعد إعلان النجم راسل كرو أنه انفصل عن صديقته الفاتنة، ليستطيع تمضية وقت أكبر مع الأبقار في مزرعته. لم نتوقع أن يأتي يوم تسرق فيه الأبقار منا الرجال الأكثر وسامة، وتصبح خطرا على الأنوثة والسياسة الكونية. وإن كان اعتراف الرئيس بوش، في بداية حكمه بالتواصل مع الأبقار، اعترافًا يشهد بأخلاقيات الرجل الذي يفضّل على معاشرة المتدربات في البيت الأبيض، عشرة الأبقار. فعندما لا يكون رئيس الولايات مع زوجته، أو مع والدته بربارا، يكون مأخوذا المتحدة بالاستماع إلى كونداليزا رايس، أو إلى الأبقار. فقد قال في تصريح، ما زلت أحتفظ به : أتطلع إلى مشاهدة الأبقار، التي تتحدث معي، لأنني مستمع جيد.

ماذا لو كان جنون بوش الذي يحكم به العالم، قد انتقل إليه من إحدى الأبقار التي يستمع إليها (كاوبوي أميركا) في الويك أند؟

___________________________________________________

انزل يا جميل ع الساحة

داخلي كم من المرارة، يجعلني أمام خيارين : إما أن لا أكتب بعد اليوم إلا عن العراق، فعندي من الخيبات والقصص ما يملأ هذه الصفحة لسنوات، وإما أن أكتب لكم عن أي شيء، عدا هذه الحرب التي لن تكون عاقرا، وستنجب لنا بعد أم المعارك» و«أم المهالك» و«أم الحواسم».. حروبا ننقرض بعدها عن بكرة أمنا وأبينا، بعد أن يتم التطهير القومي للجنس العربي.

وكنت حسمت أمري بمناسبة عيد ميلادي، وقررت رفقا بما بقي من صحتي وأعصابي، أن أقلع عن مشاهدة التلفزيون، وأقاطع نشرات الأخبار، وذهبت حتى إلقاء ما جمعت من أرشيف عن حرب العراق، بعدما أصبح منظر الملفات يُسبب لي دوارا حقيقيا، وغدا مكتبي، لأسابيع، مغلقا في وجه الشغالة، بسبب الجرائد التي يأتيني بها زوجي يوميا أكواما، فتفرش المكتب وتفيض حتى الشرفة .

حدث أن خفت أن أفقد عقلي، أو أفقد قدرتي على صياغة فكرة، بعدما وجدتني كلما ازددت مطالعة للصحف أزداد عجزاً عن الكتابة، حتى إنني أصبحت لا أرسل هذا المقال إلى رئيس التحرير، إلا في اللحظة الأخيرة.

زوجي الذي لاحظ علي بوادر اكتئاب، لعدم مغادرتي مكتبي لأيام، نصحني بمزاولة الرياضة، وزيارة النادي المجاور تماما لبيتي، وهو ناد يقع ضمن مشروع سياحي، ضخم وفخم وباذخ، إلى حد لم أجرؤ يوما على ارتياده، واجتياز بوابته الحديدية المذهبة، والمرور بمحاذاة تماثيله الإيطالية، ونوافيره الإسبانية. فبطبعي أهرب من البذاخة، حتى عندما تكون في متناول جيبي، لاعتقادي أنها تصيب النفس البشرية بتشوهات وتؤذي شيئًا نقيا فينا، إن هي تجاوزت حدها .

لكنني تجرأت، مستعينة بفضول سلفتي وسيارتها الفخمة، على اجتياز ذلك الباب، الذي أصبحت لاحقا أعبره مشيا كل يوم.

تصوروا، منذ ۱۳ نيسان (أبريل)، وأنا طالعة من بيت أبوها رايحة بيت الجيران، ما سأل عني زوجي إلا ووجدني في النادي، الذي كثيرا ما أجدني فيه وحدي لساعات، إذ لا أحد يأتي ظهرا .. عندما يبدأ نهاري .

وهكذا اكتشفت أن الفردوس يقع إلى جانب الرصيف المقابل لبيتي، ورحت أترحم على حماي، الذي يوم اشترى، منذ أكثر من ثلاثين سنة البناية التي نسكنها من ثري عراقي (يوم كان العراقيون هم أثرياء الخليج ! ما توقع أن تصبح برمانا أهم منتجع صيفي في لبنان. فقد كانت مجرد جبل خلاب بهوائه وأشجاره، لم يهجم عليه، بعد، الإسمنت المسلح ليلتهم غاباته، ولا غزاه الدولار، والزوار الذين صاروا يأتونه في مواكب الرولز رويس .

ولأنني لا أحب اقتسام الجنّة مع أناس لا يشبهونني، فقد أصبحت أكتفي بشتاء برمانا القارس، سعيدة بانفرادي بثلجها وعواصفها، ثم أتركها لهم كل صيف، هربا إلى جنوب فرنسا، حيث يوجد بيتي الصغير في منطقة لم يصلها «العلوج» بعد.

أعترف بأنني مدينة لـ تحرير العراق»، بتحريري من عقدة الرياضة، التي كنت أعاديها، مقتنعة بقول ساخر لبرنارد شو: لقد قضيت حياتي أشيع أصدقائي الذين يمارسون الرياضة»!

غير أن هذا النادي لم يشفني من عُقدي الأخرى، وأولاها التلفزيون، فقد وجدتني أنا الهاربة منه، محجوزة مع أربع شاشات تلفزيون في قاعة الآلات الرياضية، وبين ما وجد أصلاً للاسترخاء وليمارس الزائر رياضته على إيقاع القنوات الموسيقية التي يختارها أصبحت ما أكاد أنفرد به، حتى أشرع بمطاردة الأخبار على كل القنوات السياسية، فأمارس ركوب الدراجة وأنا أشاهد على «المنار» بنا حيا من كربلاء»، وأمشي على السجاد الكهربائي، وأنا أتابع نقاشا حاميا على «الجزيرة»،

وأتوقف عند العربية لمتابعة مأساة المتطوعين العرب وموتهم العبثي في معركة تحرير العراق. لكأن نحس العراق يطاردني أينما حللت، أو كما تقول حماتي المنحوس منحوس ولو علقولو في ... (قفاه) فانوس»!

أما المصيبة الثانية، فتصادف وجودي في النادي مع إقامة المتنافسات على لقب ملكة جمال لبنان، في الفندق نفسه.

و انزل يا جميل ع الساحة، وقومي يا أحلام، إن كنت فحلة وانزلي ع المسبح.. فهنا، أيتها الحمقاء التي لا تسبح إلا في مستنقع الخيبات العربية، لا تنزل الملكات إلى المسبح، قبل أن يكن قد استعددن للحدث طوال سنتين ... في ناد آخر !





مصاعفة الحسنات في السنة النبوية - دراسة موضوعية تأليف الدكتور محمّد خالد كُلاب بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مضاعفة الحسنات في السنة النبوية - دراسة موضوعية

تأليف الدكتور محمّد خالد كُلاب

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: تُعدّ مضاعفة الحسنات والأجور من مظاهر فضل الله تعالى ورحمته بعباده، ومن وجوه التكريم التي خصّ الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ فتح لها أبواباً واسعة لتحصيل الثواب الجزيل بالأعمال اليسيرة، وجعل لبعض الطاعات والعبادات أجوراً مضاعفة تتجاوز مقدار العمل والجهد المبذول فيه؛ تفضلاً منه سبحانه، ورفعاً لدرجات عباده، وتعويضاً لهذه الأمة عن قِصَر أعمارها مقارنة بالأمم السابقة. 

وقد تنوعت صور هذه المضاعفة في السنة النبوية، فشملت العبادات والمعاملات والآداب والفضائل، وقد تفاوتت مقاديرها بين الضعف والعشرة والسبعمائة، بل بلغت في بعض الأعمال أضعافاً عظيمة، كما وردت نصوص في أعمال يكون ثوابها مغفرة الذنوب، أو نيل أجر عبادات أخرى، أو استمرار الأجر بعد الموت.

وتبرز أهمية هذا الموضوع في بيان سعة فضل الله تعالى، وتيسير سبل الخير لعباده، وحث المسلمين على اغتنام الأعمال التي تعظم بها أجورهم، مع الوقوف على أسباب مضاعفة الثواب والحِكَم الشرعية من ورائها، وما يتصل بذلك من مسائل وأحكام. 

وتأتي هذه الدراسة النفيسة للشيخ الدكتور محمد خالد كُلّاب، والمعنونة بـ«مضاعفة الحسنات في السنة النبوية: دراسة موضوعية»، لتجمع الأحاديث النبوية الواردة في مضاعفة الحسنات والأجور، وتصنيفها بحسب مقادير الثواب وأنواع الأعمال، ودراستها في ضوء السنة النبوية، من خلال بيان المفاهيم المتعلقة بمضاعفة الأجور، وخصوصية الأمة المحمدية بها، وأسبابها وحِكَمها، ثم استعراض صورها المتنوعة في العبادات والمعاملات والآداب والفضائل.

ويمكن تعزيز التمهيد بإضافة ثناء علمي مناسب على الباحث، يُبرز جهده ومنهجه في تناول الموضوع، دون مبالغة أو خروج عن طبيعة الكتابة الأكاديمية، وذلك على النحو الآتي:

ويُحسب للباحث الدكتور محمد كلاب جهده العلمي المتميز في اختيار هذا الموضوع، لما له من أهمية في بيان سعة فضل الله تعالى على عباده، وما يترتب عليه من حثّهم على المسارعة إلى الخيرات واغتنام مواسم الطاعات. 

كما يظهر اجتهاده وجهده في العناية الدقيقة بجمع الأحاديث النبوية المتفرقة في هذا الباب، وتصنيفها ودراستها دراسة موضوعية، وربط النصوص بمقاصدها ودلالاتها، مع ما أبداه من عناية بتحرير المسائل ومناقشة القضايا ذات الصلة، الأمر الذي أسهم في إبراز جوانب هذا الموضوع وتيسير الإفادة منه. ويظهر من خلال عمله حرصه على خدمة السنة النبوية وإبراز ما اشتملت عليه من أبواب الخير ووجوه الفضل، سائلين الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجعل جهده في ميزان حسناته، وأن ينفع بعلمه وعمله.

يمكن إعادة صياغة الفقرة بأسلوب أكاديمي أكثر تماسكاً، مع المحافظة على أقوال الباحث ونصوصه، وإبراز الجوانب التي تميز بها اجتهاده العلمي، على النحو الآتي:

وقد أبدى الباحث اجتهادات علمية كريمة في ترجيح بعض الأقوال وتصحيحها، وإن كانت هذه الاجتهادات محدودة، لا تتجاوز سبعة مواضع تقريباً، إلا أنها تكشف عن عنايته بتحرير المسائل، وعدم الاقتصار على مجرد جمع الأحاديث وعرض أقوال العلماء، بل إبداء النظر فيها ومناقشتها، وله في بعض هذه المسائل كلام حسن يستحق التنويه، ومن أبرزها:

أولاً: مسألة ارتداد سلاح المجاهد على نفسه فيُقتل بسببه، وأن له أجره مرتين. فقد ناقش الباحث احتمال حمل الحديث على القتل في ساحة المعركة دون غيرها، فقال: «ولقائل يقول: إن هذا محمول على القتل في ساحة المعركة، والجواب: إن بقاء اللفظ على عمومه أولى، ولا دليل على تقييده، فكل من قتل بسبب خطأ في استعمال السلاح سواء في التدريب العسكري أو أثناء أداء مهامه الجهادية فإنه يحصل هذه المضاعفة المباركة». ويظهر في هذا الترجيح عناية الباحث بدلالة العموم، وتمسكه بإبقاء النص على إطلاقه ما لم يرد دليل يقتضي تخصيصه أو تقييده.

ثانياً: مسألة تحريض المجاهدين وتثبيتهم. وقد وسّع الباحث دائرة هذه المسألة لتشمل صوراً متعددة من جهاد الكلمة والتأثير المعنوي، فقال: «وكل من حرّض المجاهدين بشعره وكلامه وعباراته ونشيده الحماسي المؤثر، سواء على المنابر أو القنوات الإعلامية المرئية والمسموعة أو شبكات التواصل الاجتماعي أو أي مكان آخر، وتسبب في تثبيتهم في المعركة، ثم مات في سبيل الله، كان ممن يكتب له الأجر مرتين؛ لاعتبار جمعه بين جهاد الكلمة والسيف!». وتبرز أهمية هذا الكلام في تنبّه الباحث إلى تنوع وسائل التأثير والتثبيت، وعدم حصرها في وسيلة بعينها، وإشارته إلى أثر الكلمة في مساندة المجاهدين ورفع معنوياتهم.

ثالثاً: مسألة عزوف كثير من العلماء عن عبادة الأذان، مع ثبوت فضلها وعظيم أجرها. فقد أشار الباحث إلى هذه الظاهرة، ونقل كلام الشيخ الألباني رحمه الله في التنبيه عليها، حيث قال: «وإن مما يؤسف له حقاً أن هذه العبادة العظيمة، والشعيرة الإسلامية، قد انصرف أكثر علماء المسلمين عنها في بلادنا، فلا تكاد ترى أحداً منهم يؤذن في مسجد ما إلا ما شاء الله، بل ربما خجلوا من القيام بها، بينما تراهم يتهافتون على الإمامة، بل ويتخاصمون! فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان». وتكمن أهمية إيراد هذه المسألة في لفت الانتباه إلى منزلة الأذان، والتنبيه على ضرورة عناية أهل العلم بالسنن والشعائر التي ثبت فضلها، وعدم الانصراف عنها إلى ما قد يكون أقل فضلاً منها.

رابعاً: مسألة العناية بالمسجد الأقصى والدفاع عنه. وقد ظهر اهتمام الباحث بهذه القضية في تعليقه على فضل العناية بالمسجد الأقصى، حيث قال: «وهذا الاهتمام يتعين في حق المسجد الأقصى هذه الأيام أكثر من سابقتها؛ لما يتعرض له الأقصى من اغتصاب وتهويد وتدنيس لم يعهد من قبل، ولا حول ولا قوة إلا بالله». ويُلحظ في هذا التعليق استحضار الباحث للواقع المعاصر، وربطه بين الأحكام والفضائل الواردة في السنة النبوية وما يستجد من قضايا تمس الأمة ومقدساتها، مما يضفي على البحث بعداً واقعياً يتجاوز حدود العرض النظري.

خامساً: مطلب المحافظة على شيبة الشعر. ومن الجوانب التي يظهر فيها التجديد وحسن التبويب أن الباحث أفرد مطلباً خاصاً بعنوان (المحافظة على شيبة الشعر)، متناولاً ما ورد في فضل إبقاء الشيب والنهي عن نتفه، ومبيناً ما يحمله من معانٍ تربوية وإيمانية، حيث يقول: «جعل الله للإنسان هيبة في شيب شعره، ونهى المسلمين عن نتفه؛ لأنه نور المؤمن»، ثم يبين أثر الشيب في تهذيب النفس بقوله: «يمنع الإنسان عن الغرور والخفة والطيش، ويميله إلى الطاعة، وتنكسر به نفسه عن الشهوات، وكل ذلك موجب للثواب يوم المآب»، ويضيف في بيان فضله: «وذلك يجلب النور»، وفي تشبيهه بالنور «ترغيب بليغ في إبقائه، وترك التعرض لإزالته وتعقيبه». ثم يشير إلى ما يترتب على المحافظة عليه من مضاعفة الأجر، حيث يُكتب لمن فعل ذلك بكل شيبة حسنة، ويُرفع بها درجة، وتُحط عنه خطيئة.

وهذه المسائل، على قلتها، تكشف عن جوانب مهمة من عناية الباحث بالجانب الاجتهادي والتطبيقي في دراسته، وتبرز حرصه على وصل النصوص النبوية بواقع الناس وقضاياهم، إلى جانب حسن اختياره لبعض المسائل التي قد لا تحظى بالقدر الكافي من العناية في الدراسات المعتادة. كما يظهر فيها تنوع معالجته بين الترجيح الفقهي، والاستنباط، والتنبيه على بعض الظواهر، واستحضار القضايا المعاصرة، وهو ما يضيف إلى البحث قيمة علمية وتربوية.

___________________________________________

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

فقد أكرم الله أمّة نبيّه صلى الله عليه وسلم -بنعمِ عظيمةٍ، وعطايا جسيمةٍ، أعظمها مضاعفة الحسنات والأجور، وخصّها بالأجور الكبيرة لأعمالٍ صغيرة لا تستغرق وقتًا طويلًا، أو جهدًا كبيرًا؛ رفعةٌ لها في الآخرة، وتعويضًا لها عن قِصَرِ أعمارها بالنسبة للأمم السابقة، فخصّها بليلةٍ خير من ألف شهر، وصيام يومٍ يكفّر ذنوب سنةٍ سابقةٍ وقادمةٍ، وغير ذلك من المواسم الرحمانية والنفحات الربانية التي مَنّحّها لهذه الأمّة دون غيرها من الأمم.

وقد حاولنا في هذه الأوراق جمْع الأحاديث التي دلّت بمنطوقها ومفهومها على مضاعفة الحسنات والأجور للعاملين من المؤمنين، ورُتّبت حسب الأجور المترتّبة عليها، ودراستها دراسة موضوعية في ضوء السنة النبوية، حسْب الخطّة الآتي ذكرها:

الجهود والدراسات السابقة

لم أجد بعد بحثٍ وتفتيشٍ من أفْرد هذا الموضوع برسالةٍ مستقلّةٍ استوفى جميع مباحث الموضوع كله، سوى رسالةٍ صغيرة الحجم لم يقصد فيها الاستيعاب لجميع قضايا الدراسة التي نقوم بها، إضافةً إلى دراسات خاصة لبعض مواضيع الرسالة مثل: مبحث من يُؤتى أجرهم مرّتين، أو مضاعفة الأجور في العبادات داخل المساجد الثلاثة التي يُشدّ إليها الرحال، وهذه الجهود والدراسات على النحو التالي:

١ - ((الأسباب والأعمال التي يُضاعف بها الثواب)) 

للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ه)، وهي رسالةٌ صغيرة الحجم، تكلّم فيها المؤلف عن أسباب مضاعفة الأجور على وجه العموم دون تفصيلٍ في المباحث، وهو في الأصل جواب لسؤالٍ وُجّه إليه، فأجاب عليه بهذه الرسالة، ومن الأمور التي ذكرها: 

الإخلاص، وصحة العقيدة، وأن تكون الأعمال التي نفعها للإسلام والمسلمين له وقعٌ وأثرٌ وعناءٌ، والعمل الذي إذا قام به العبد شاركه فيه غيره، وإذا كان العمل له وقعٌ عظيمٌ، وأن يكون العبدُ حَسَن الإسلام، ورفعة العامل عند الله، إلى آخر ما ذكره في هذه الرسالة.

٢ - ((مسألة مضاعفة الصلوات في المساجد الثلاثة هل تقع في النوافل أم لا؟)) 

للحافظ أبي سعيد خليل بن كيُكلدي العلائي (ت ٧٦١ه). ذكر فيها المؤلف مسألة التطوع بالصلاة في أحد المساجد الثلاثة هل فعلها فيها أفضل من فعلها في البيوت؟ أو العكس؟ وهل المضاعفة شاملة للفرض والنفل؟ أم هي خاصة بالفرض؟ وذكر فيها أقوال أهل العلم في المسألة ونقلها من مصادر شتى، وتكلّم على أدلتها، وصخَّح وضعّف، وحقّق ودقّق، وقد توصل فيها إلى أنَّ المضاعفة شاملة للفرائض، وكذا للنوافل التي تشرع لها الجماعة كالتراويح والعيدين والكسوف، أو يختص فعلها في المسجد كتحية المسجد وركعتي الطواف، وما عدا ذلك ففعله في البيت أفضل من المسجد. وهذا الذي اختاره العلائي هو الذي رجحه جمع من المحققين، كما ذکره هو عن بعضهم وغیرهم ممن أتی بعده.

وقد نُشر هذا التحقيق في بحثٍ محكّمٍ في مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، (ص ١١ - ٤٩).

٣- ((مطلع البَدْرَيْن فيمن يُؤتی أجره مرّتيْن))

للحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ه). ذكر فيها جملةً من الأحاديث الدالة على مضاعفة الأجر إلى ضعفين، من هؤلاء: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ومؤمن أهل الكتاب، والعبد المملوك الذي أطاع الله وأطاع سيده، ومن كانت عنده أمة فأدبها ثم أعتقها وتزوجها، وقارئ القرآن وهو عليه شاقٌّ، والحاكم إذا اجتهد فأصاب، والمتصدق على الأقارب، والذي يتوضأ مرّتيْن مرّتيْن، ومن عمّر ميسرة المسجد، ومن ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي الناس، ومن سنّ سنةً حسنةً، والإمام والمؤذّن، والذي توضأ بعد أن تيمم وأعاد الصلاة، ومن طلب علمًا فأدركه، ومن أسبغ الوضوء في البرد الشديد، والجبان، ومن دنا من الإمام واستمع وأنصت، ومن قتله أهل الكتاب، شهيد البحر، وغزو البحر، ومن يمشي حافي القدمين، ومن يجامع زوجته في كلّ جمعة، والمستمع للقرآن، والسرية إذا أخفقت، والمحافظة على صلاة العصر، والغني التقي، والجاهد المجاهد، والوضوء قبل الطعام وبعده، ومن أسرّ عمله فظهر ففرح، والماشي في الجنازة، والصدقة يوم الجمعة، وقراءة القرآن في المصحف، والحج من أرض عُمان.

ثم ختم كتابه بقصيدةٍ تتكون من (١٦) بيتًا، جمع فيها ما نثره في الرسالة السابقة، وقد حقق هذه الرسالة: سليم الهلالي، في (٨٠) صفحة، ونشرها في دار الهجرة بالدمام، عام ١٤١٠ه، الموافق ١٩٨٩م. وقد عيب على السيوطي ما يلي:

- ذِكْره للأحاديث الضعيفة والموضوعة، وعدم اقتصاره على الصحيح.

- فاته ذِكر بعض الأحاديث التي هي على شرطه - حتى ولو كانت ضعيفة - مثل: من أخذ القذاة من المسجد بقدر قذاة العين، ومن شارك في فتح بلاد الروم آخر الزمان.

٤ - ((الصحيح ممّن يُؤتون الأجر مرّتين))

للدكتور محب الدين عبد السبحان نور الدين واعظ، المحاضر في قسم الكتاب والسنة، بكلّية الدعوة وأصول الدين، بجامعة أم القری.

وقد بنى بحثه على كتاب السيوطي السابق الذكْر، واقتصر على الصحيح من الأحاديث فقط، ونشره في مجلة جامعة أم القرى بمكة.

ومما ألف في هذا لكنني لم أقف عليه:

- ((جزء في المضاعفة)) 

للشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل اليمني، المعروف بابن أبي الصيف، (ت ٦٠٩ه)، ذكره له الإمام الزركشي في كتابه ((إعلام الساجد)) ص (١٢٤،١٢٢)، وهو في عداد المفقود، ولم أقف له على أثر.

- ((أزهار الروضتين فيمن يُؤتى أجره مرتين))

للشيخ أحمد بن الصديق الغماري، وهو مخطوط، منه نسخةٌ في دار الكتب المصرية، لم أتمكن من الحصول على نسخة منها بعد.

خطة البحث:

يشتمل البحث على تمهيد وأربعة فصول وخاتمة.

التمهيد - وفیه ثمانیة مباحث:

المبحث الأول: تعريف مضاعفة الأجور لغة واصطلاحًا.

المبحث الثاني: أنواع مضاعفة الأجور.

المبحث الثالث: خصوصية الأمة المحمدية بمضاعفة الأجور.

المبحث الرابع: الآيات القرآنية الواردة في مضاعفة الأجور.

المبحث الخامس: موقف المخالفين في مضاعفة الأجور.

المبحث السادس: أسباب مضاعفة الأجور.

المبحث السابع: الحكمة الشرعية من مضاعفة الأجور.

المبحث الثامن: المسائل والأحكام الشرعية المتعلّقة بمضاعفة الأجور.

الفصل الأول: المضاعفة العامة في كل الأعمال

وفیه مبحثان:

المبحث الأول: المضاعفة العامة في أبواب العبادات والمعاملات.

المبحث الثاني: المضاعفة العامة في أبواب الآداب والفضائل.

الفصل الثاني: المضاعفة بأعمالٍ خاصةٍ وبأجور محدّدة ومتنوعة

وفیه خمسة مباحث:

المبحث الأول: المضاعفة مرتین:

المطلب الأول: النبوة.

المطلب الثاني: مؤمن أهل الكتاب.

المطلب الثالث: العبد المملوك الذي أسلم وأطاع سيده.

المطلب الرابع: من أعتق أَمَةً بعد أن رباها ثم تزوجها.

المطلب الخامس: قارئ القرآن وهو يشتد عليه يتتعتع فيه.

المطلب السادس: الصدقة على الفقراء والمحتاجين من الأرحام والأقارب.

المطلب السابع: الجاهد المجاهد.

المطلب الثامن: المحافظ على صلاة العصر.

المطلب التاسع: من تيمم ثم أعاد الصلاة بعد أن وجد الماء.

المطلب العاشر: الحاكم والقاضي إذا اجتهد وأصاب الحكم.

المطلب الحادي عشر: الغريق في البحر.

المطلب الثاني عشر: اتّباع الجنازة وانتظار الميت حتى يوضع في القبر.

المطلب الثالث عشر: من جهّز غازیًا.

المبحث الثاني: المضاعفة عشر مرات:

المطلب الأول: الصلوات الخمس.

المطلب الثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

المطلب الثالث: إلقاء السلام بلفظ: ((السلام عليكم)).

المطلب الرابع: النفقة على النفس والأهل.

المطلب الخامس: إماطة الأذى عن الطريق.

المطلب السادس: ذكْر الله.

المبحث الثالث: المضاعفة من عشرين مرة إلى ستين مرة.

المطلب الأول: ردّ السلام بلفظ: (السلام علیكم ورحمة الله)).

المطلب الثاني: قول المؤمن: ((سبحان الله))، و((لا إله إلا الله))، و((الله أكبر)).

المطلب الثالث: شاهد الصلاة عند الأذان.

المطلب الرابع: صلاة الجماعة.

المطلب الخامس: صلاة النافلة في السرّ دون أن يراه أحدٌ.

المطلب السادس: من داوم على الأذان اثنتي عشرة سنة.

المطلب السابع: ردّ السلام بلفظ: ((السلام عليكم ورحمة الله وبرکاته)).

المطلب الثامن: قول المؤمن: («الحمد لله رب العالمين».

المطلب التاسع: صلاة الرجل في الفلاة.

المطلب العاشر: المتمسك بالدين آخر الزمان.

المبحث الرابع: المضاعفة من سبعين مرّة إلى سبعمائة مرّة:

المطلب الأول: قتل الوزغ من أول ضربة.

المطلب الثاني: المجاهد في سبيل الله.

المطلب الثالث: الصلاة في المسجد الأقصى.

المطلب الرابع: النفقة في الجهاد في سبيل الله.

المطلب الخامس: النفقة في الحج.

المبحث الخامس: المضاعفة من ألف مرّة إلى ألف ألف مرة:

المطلب الأول: الصلاة في المسجد النبوي.

المطلب الثاني: الصلاة في المسجد الأقصى.

المطلب الثالث: الصلاة في المسجد الحرام.

المطلب الرابع: دعاء دخول السوق.

الفصل الثالث: المضاعفة بأجور عبادات أخرى

وفیه خمسة مباحث:

المبحث الأول: المضاعفة بأجر حجة:

المطلب الأول: الخروج من البيت متطهرًا إلى صلاة مكتوبة.

المطلب الثاني: العمرة في رمضان.

المبحث الثاني: المضاعفة بأجر عمرة، أو حجة وعمرة:

المطلب الأول: صلاة تسبيح الضحى.

المطلب الثاني: المشي إلى صلاة تطوع.

المطلب الثالث: الصلاة في مسجد قباء.

المطلب الرابع: صلاة الإشراق بعد صلاة الفجر والمكث في المسجد.

المبحث الثالث: المضاعفة بأجر قيام وصيام سنةٍ كاملةٍ، أو ألف ليلةٍ:

المطلب الأول: الغسل والتبكير والمشي والدنوّ من الإمام والاستماع لخطبة الجمعة.

المطلب الثاني: الرباط في سبيل الله.

المبحث الرابع: المضاعفة بأجر قیام لیلة:

المطلب الأول: صلاة الفجر والعشاء في جماعة.

المطلب الثاني: صلاة القيام مع الإمام حتى ينصرف.

المبحث الخامس: المضاعفة بأجر صيام الدهر:

المطلب الأول: صوم ثلاثة أيامٍ من كلّ شهر.

المطلب الثاني: صيام شهر رمضان وستٍّ من شوال.

الفصل الرابع: المضاعفة بأعمالٍ خاصةٍ وبأجورٍ مطلقة

وفیه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مضاعفة الأجر بمغفرة الذنوب:

المطلب الأول: مغفرة الذنوب المتقدمة:

أولًا: الحج دون رفث ولا فسوق، والمسح على ركنيْ الكعبة.

ثانيًا: قيام رمضان وصيامه، وقيام ليلة القدر، وصيام عاشوراء.

ثالثًا: المحافظة على الصلوات الخمس، وموافقة تأمين المؤمّن تأمين الملائكة في سورة الفاتحة.

رابعًا: قراءة سورة الملك، وصلاة التسابيح.

خامسًا: النطق بالشهادتين بعد الأذان، والوضوء بمثل وضوء النبي عليه السلام وصلاة ركعتين بعده

سادسًا: مصافحة المؤمن لأخيه المؤمن.

سابعًا: صلاة مائةٍ أو أربعين من المسلمين على الميت.

ثامنا: سقيا البهائم والرحمة بالحيوان.

تاسعًا: من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث.

عاشرًا: قول سبحان الله والحمد لله والله أكبر عقب الصلاة.

المطلب الثاني: مغفرة الذنوب المتقدّمة والمتأخرة:

- صوم يوم عرفة.

المبحث الثاني: مضاعفة الأجور باستمرار عمله بعد الموت وعدم انقطاعه:

المطلب الأول: الرباط في سبيل الله والموت فيه.

المطلب الثاني: العلم النافع، والصدقة الجارية، والولد الصالح يدعو لوالديه.

المبحث الثالث: مضاعفة الأجور بالثواب العام غير المقيد:

المطلب الأول: من حبّس فرسًا في سبيل الله، والرّمي في سبيل الله.

المطلب الثاني: الطواف بالبيت سبعًا.

المطلب الثالث: المشي إلى الصلاة في المسجد، وسدّ الفُرَج في الصلاة، وكثرة الركوع والسجود.

المطلب الرابع: حَسَنُ العبادة إذا مرض أو سافر، والابتلاء بالمرض.

المطلب الخامس: التصدق بالناقة، وإنظار المعسر.

المطلب السادس: المحافظة على شيبة الشعر.

المطلب السابع: إحياء السنة الحسنة والدلالة على الخير.

المطلب الثامن: العفو في القصاص والجراحات.

المطلب التاسع: عتق العبد المؤمن والأمة المؤمنة.

المطلب العاشر: تفطير الصائم.

المطلب الحادي عشر: تجهيز الغازي والإنفاق على أهله.

_____________________________________________

المبحث الأول: تعريف مضاعفة الأجور لغۀ واصطلاحًا

أولاً: تعريف المضاعفة لغة:

أصلها مأخوذ من مادة: ((ضَعَفَ))، فالضاد والعين والفاء: أصلان متباینان، يدل أحدهما على ضدِّ القوة، والصحة، ومنه: الضَّعْف، والضُّعْف. يقال: ضَعُف يَضْعُف، ورجل ضَعِيف، والجمع: ضِعَاف، وضُعَفاء، وضَعَفَةِ، وضَعْفَى.

والأصل الآخر: يدل على زيادة الشيء مثلَه، وأضْعَفْتُ الشيء إِضْعافاً، وضاعفْتُه مُضَاعَفة، وضَعَّفْته تَضْعِيفاً، إذا زِدْتَ على أصله، فجعلْتَه مِثْلَيْن أو أكثر، وضَعَفْتُ القوم أَضْعُفُهُمْ ضَعْفاً: كَثَرْتُهُم، فصار لِيَ الضِّعْفُ عليهم، وضِعْف الشيء: مثلُه، وضِعْفَاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، أي مرَّتَيْن. 

وقال تعالى: ﴿إِذَّا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]، والمقصود: ضِعْف العذاب، حيًّا ومَيْتًا، وأُضْعِف القوم إذا ضوعف لهم، ووقَّع فلان في أضعاف كتابه: أي توقيعه في أثناء سطوره، أو حاشيته.

وأصل الضِّعْف في كلام العرب: المِثْل، ثم استعمل في المِثْل وفیما زاد علیه، دون أن یکون للزیادة حد، حتی جاز في كلامهم أن يقال: ضِعْفُه، أي: مثلاه، وثلاثة أمثاله؛ لأن الضِّعْفَ زيادة غيرُ محصورة، فلو قيل في الوصية: أَعطُوهُ ضِعْف نصیب ولدي، أُعْطِي مِثْلَيْه، ولو قيل: ضِعْفَيْه، أُعْطِي ثلاثة أمثاله، على ما جرى به عُرْفُ الناس واصطلاحُهُم. 

قال تعالى: ﴿فَأُؤلئكَ لَهُمْ جَزَّاء الضِّْعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧]، لم يُرِد به مِثْلًا، ولا مِثْلَيْن، بل أراد بالضِّعْف الأضعافَ، وأولى الأشياء به أن يُجْعَلَ عشْرةَ أمثاله، فأقلُّ الضِّعْف محصور وهو المِثْل، وأكثره لا حصر له. 

وقال تعالى:  ﴿فَأُؤلئكَ هُمُ الُْمضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وأَضْعَفْتُ الثوابَ للقوم وأَضْعَفُوا هم: حصل لهم التضعيف، ومنه المَضْعُوف: الشيء المُضَاعَف، وما أُضْعِفَ من شيء، وأُضْعِف القوم: إذا ضُوعِف لهم، والضِّعْف: الكِفْل. 

قال تعالى: ﴿يُؤْتكُمْ كفلين مِن رَّحْمَتَه﴾ [الحديد: ٢٨]، وهو هنا في الأجر، ويأتي في الإثم أيضًا.

ثانيًا: تعریف المضاعفة اصطلاحًا:

أما المضاعفة اصطلاحًا فهي: تثنية الشيء بمثله مرة أو مرَّات.

وقيل: الزيادة على المقدار، بمثلها أو أكثر.

الخلاصة: يتبين للباحث بالنظر في الكلام السابق أمران:

الأول: أن التعريف الاصطلاحي للمضاعفة مستقىٌ من التعريف اللغوي.

الثاني: لا فرق بين التعريفين الاصطلاحيَّين المذكورَيْن في المعنى المراد منهما، وإنما الخلاف لفظي فقط، والله أعلم.

وعليه؛ فالمضاعفة هي زيادة مثلية أو أكثر في الأجور.

ثالثًا: تعريف الأجور لغة:

الأجور في اللغة: أصلها مأخوذ من مادة ((أَجَرَ))، فالهمزة والجيم والراء أصلان؛ الأول منهما: الكِرَاء على العمل، كالأجر، والأُجْرة، من أَجَرَ یأجُرُ، واسم المفعول: مأجور، والأجير: المستأجَر، والأُجَارة: ما أعطيْتَ من أجر في عمل، ومنه: مَهْرُ المرأة. 

قال تعالى: ﴿فآتوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، والأُجْرَة، والأُجَارة، والأَجَارة، والإِجَارة بمعنى، وهي: ما أعطيت من أَجْر على عمل، والأخيرة منهما: بمعنى الحماية، والأجر على المصيبة.

والأجر: الثواب، وآجره الله: يأْجُرُه أَجْرًا، إذا أثابه.

وفي قوله تعالى: ﴿يَأَبَتِ استئجره إِن خَيرَ مَنِ استئجرتَ الْقَوِىُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، أي: انَّخِذْه أجيرًا، فخير مّن استعملت على عملك مَنْ قَوِي عليه، وأدَّى الأمانة فيه.

وقوله: ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَج﴾ [القصص: ٢٧]، أي: تكون أجيرًا لي. 

والجوّار والإِجارة: الحلف. 

والثاني: جَبْر العَظْم الكَسير، ويقال فيه: أُجِرَت يدُه، وأَجَرَت يدُه، تأْجُر أجْراً وأُجُوراً، وذلك إذا جُبِرت على غير استواء، وبَرِقَت على اعوجاج.

ويمكن الجمع بين الأصلين: بكون أجرة العامل شيئًا يُجْبَر به حاله فيما لحقه من گَدِّ فیما عمله.

رابعًا: تعریف الأجور اصطلاحًا:

ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأجر هو الثواب، فيقولون: أجر العبادة، ويقصدون: ثوابها.

يقول البعلي: ((سُمّي الثواب أجرًا؛ لأنّ الله تعالى يعوّض العبد على طاعته، ويصبّره على مصيبته)). 

لذلك عرّفه الشنقيطي بقوله: ((هو جزاء العمل)).

وقال أبو حيان: ((هو ما يترتب على عمل الطاعة)).

وقال الراغب الأصفهاني: ((الأجر والأجرة: ما يعود من ثواب العمل، دنيویًّا كان أو أخرویًّا)).

وبناءً على ما سبق، يمكن صياغة تعريف الأجور، بأنها:

ثواب من الله تعالى، دنيويٌّ أو أخرويٌّ، على عملٍ هو قربةٌ لله تعالى، أمر به سبحانه أمرًا واجبًا، أو مندوبًا، ووعد عليه بالجزاء النافع، ماديًا كان أو معنويًّا .

خامسًا: تعریف مضاعفة الأجور:

من خلال ما سبق يمكن القول بأنّ المراد بمضاعفة الأجور هو:

تكثير ثواب الأعمال بأجورٍ عامةٍ وخاصّةٍ، لعملٍ واجبٍ أو مندوبٍ إليه شرعًا، تختلف باختلاف الزمان، والمكان، وقصْد الفاعل ونيّته. 

________________________________________________

المبحث الثاني - أنواع مضاعفة الأجور

لمضاعفة الأجور أنواعٌ عدّةٌ موزّعة على النحو التالي:

١ - مضاعفة عامة في جميع الأعمال:

تبدأ بعشر حسناتٍ، وتزداد بفضل الله إلى ما يشاء الله لأسبابٍ واعتباراتٍ عدّةٍ یآتي بیانها.

٢ - مضاعفة خاصة لأعمال خاصة وبأجورٍ محدّدة ومتنوّعة:

تبدأ من مضاعفة الأجر مرتين حتى تصل مليون حسنة، والله يضاعف لمن يشاء، وهذه المضاعفة زائدة عن المضاعفة العامة السابقة، وهي من تمام رحمة الله وتفضّله علی عباده.

٣ - المضاعفة بأجور عباداتٍ أخرى:

كالمضاعفة بأجر حجةٍ، أو عمرةٍ، أو حجّةٍ وعمرةٍ معًا، وأجر قيام وصيام سنةٍ کاملةٍ معًا، وأجر صيام الدهر، وأجر قیام ليلة.

٤ - المضاعفة بأعمالٍ خاصّةٍ وبأجورٍ مطلقةٍ:

كمضاعفة الأجر بمغفرة الذنوب المتقدّمة، أو المتقدمة والمتأخرة، ومضاعفة الأجر باستمرار عمله بعد الموت وعدم انقطاعه، ومضاعفة الأجور بالثواب العام غير المقيّد.

__________________________________________________

المبحث الثالث - خصوصية الأمة المحمدية بهذه المضاعفة

خصّ الله تعالى الأمة المحمدية بخصائص عظيمة وميزات جسيمة، منها مضاعفة الأجور والحسنات على الطاعات والأعمال الصالحات، سواء مضاعفة عامة أو خاصة؛ إكرامًا لهم، ورحمة بهم.

يقول تعالى: ﴿وَمَا أَمَوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُم بِالَّتِى تُقرِبكُمْ يعِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُؤلئكَ لَهُمْ جَزَّاةُ الضِِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِىِ الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].

قال القُشَيري: أي: ((يُضَاعَفُ على ما كان لمن تقدّمهم من الأمم)).

وقال البقاعي: أي: ((مضاعفًا بالنسبة إلى جزاء من تقدّمهم من الأمم)).

ولما عدّ العز بن عبد السلام خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: ((منها أنّ أمّته أقلّ عملًا ممن قبلهم وأكثر أجرًا)).

ومن الأدلة الصريحة على هذه الخصوصية ما رواه عبد الله بن عمر رَضَي اللَّهُ عَنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلا مِنَ الأُمَمِ، مَا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ اليُّهُودِ وَالنَّصَارَى، كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطِ قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، أَلا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، عَلَى قِيرَاطَئْنِ قِيرَاطَيْنِ، أَلا لَكُمُ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، فَغَضِبَتِ اليُهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ اللهُ: هَلْ ظَلَمْنُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْت)).

قال ابن بطال: ((لما كان المسلمون أكثر أجرًا من أهل التوراة وأهل الإنجيل؛ دلّ ذلك على فضل القرآن على التوراة والإنجيل؛ لأن المسلمين إنما استحقوا هذه الفضيلة بالقرآن الذي فضلهم الله به، وجعل فيه للحسنة عشر أمثالها وللسيئة واحدة، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته لكل حرف عشر حسنات)).

وقال ابن كثير: ((المراد من هذا التّشبيه بالعمّال: تفاوت أجورهم، وأنّ ذلك ليس منوطًا بكثرة العمل وقلّته، بل بأمورٍ أُخَر معتبرة عند الله تعالى، وكم من عملٍ قليلٍ أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهرٍ سواها، وهؤلاء أصحاب محمّد أنفقوا في أوقاتٍ لو أنفق غيرهم من الذّهب مثل أحدٍ ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه من تمرٍ، وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه الله على رأس أربعين سنةٌ من عمره، وقبضه وهو ابن ثلاثٍ وستّين على المشهور، وقد برّز في هذه المدّة التي هي ثلاثٌ وعشرون سنة في العلوم النّافعة والأعمال الصّالحة على سائر الأنبياء قبله، حتّى على نوحٍ الذي لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويعمل بطاعة الله ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين)).

وقال ابن حجر: ((في الحديث تفضيل هذه الأمة، وتوفير أجْرِها، مع قلَّة عمَلِها)).

زاد العيني: ((وَإِنَّمَا فضلت بِقُوَّة يقينها ومراعاة أصل دينهَا، فَإِن زلت فَأكْثر زللها فِي الْفُرُوع، بِخِلَاف من كَانَ قبلهم كَقَوْلِهِم: ﴿اجْعَل لَّناَ إِلَها﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وكامتناعهم من أَخْذ الكتاب حَتَّى نتق الْجَبل فَوْقهم، و: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتلاً﴾ [المائدة: ٢٤])).

ويقول ابن كثير: ((هذه الأمة إنما شَرُفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيّها، وشرفه، وعظمته)).

يقول الشيخ محمد أنور شاه الكشميري: ((ضابطة الحسنة بعشرة أمثالها من خصوص الأمة المرحومة، أهدي به النبي -صلى الله عليه وسلم - في ليلة الإسراء)).

_______________________________________________

المبحث الرابع -الآيات القرآنية الواردة في المضاعفة

جاءت الآيات القرآنية مؤكّدة للأصل العظيم، ومعضّدة للفضل الجسيم الذي ورد في تضاعيف أحاديث المضاعفة، وهي موزّعة - على سبيل المثال لا الحصر - على النحو التالي:

المطلب الأول: الآيات الواردة في مضاعفة الأجر مطلقًا.

وهي أنواع:

أوّلًا: الآيات التي جاءت بلفظ مضاعفة الأجر:

١ - قال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ,أَضْعَافًا كَثِيرَة وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُّطُ وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥].

قال الطبري: ((إنه عِدَةٌ من الله تعالى ذِكْرُه مُقْرضه ومُنْفق ماله في سبيل الله من إضعافِ الجزاء له على قرضه ونفقته، ما لا حَدّ له ولا نهاية)).

٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِم مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُوْتٍ مِن لَّدُنهُ أَجْرًّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].

٣ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِى تُفَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُؤلئكَ لَهُمْ جَزَّاء الضِّعْفِ بِمَا عَملُواْ وَهُمْ فِيِ الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبا: ٣٧].

قال ابن جرير الطبري: ((هؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة الضعف من الثواب، بالواحدة عشرٌ، وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل)).

وقال الثعلبي: ((لهم جزاء الضعف بما عملوا من الثواب بالواحد عشرة)).

وقال الواحدي: ((يضاعف الله لهم حسناتهم، فيجزي بالواحدة عشرًا، إلى سبعمائة إلى ما زاد)).

وقال البغوي: ((أي: يضعّف الله لهم حسناتهم، فيجزي بالحسنة الواحدة عشرًا إلى سبعمائة)).

وقال الزمخشري: ((أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرًا)).

وقال ابن عطية: ((الضّعْف هنا: اسم جنسٍ، أي: بالتضعيف، إذ بعضهم يجازى إلى عشرة، وبعضهم أكثر من سبعمائة بحسب الأعمال ومشيئة الله تعالى فيها)).

وبنحوه قال ابن الجوزي في ((زاد المسير))، والرازي في ((مفاتيح الغيب)).

٤ - قال تعالى: ﴿وَمَآءَاتَيْتُم مِّن رِبًّاِ لِيرْبُواْ فىَ أَموَالِ النَّاسِ فَلَاَ يَرْبُواْ عِندَ اللّهِّ وَمَآءَتيْتُم مِّن زكاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَهِ فأولئك هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].

قال النَّسَفِيّ: أي: ((ذوو الأضعاف في الحسنات)).

ثانيًا: الآيات التي جاءت بلفظ زيادة الأجر:

١ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].

قال ابن كثير: ((أي: يتقبّل منهم الحسن ويضاعفه لهم)).

٢ - قال تعالى: ﴿ليَجِْزيهمُ اللّهُ أَحسَنَ مَا عَملُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهُ وَاللهُ يَرزقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨].

قال السمعاني: ((أي: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن)).

قال الشنقيطي: ((الظاهر أن هذه الزيادة من فضله هي مضاعفة الحسنات)).

٣ - قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَِرِفْ حَسَنَةُ نزِدِ لَهُ فِيَهَا حُسْنَّاً إِنَّ اللَّه غَفُورٌ شَكُور﴾ [الشورى: ٢٣].

قال ابن عطيّة: ((زيادة الحُسْن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به مؤمني عباده)).

ثالثًا: الآيات التي أفادت بأن جزاء الحسنة خیرٌ منها:

١ - قال تعالى: ﴿مَن جَآءَ يِاَلْحَسَنَةِ فَلَهُ, خََِيرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَزع يَوْمَئدٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].

٢ - قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ يِاَلْحَسَنَةِ فَلَهُ، خيرٌ منْها وَمَن جَآءَ بِالسَّيِئةِ فَلَا يُحْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤].

قال ابن الجوزي في بيان معنى ﴿فَلَهُ، خَيِرٌ مِنْهَا﴾: ((فيه قولان: أحدهما: فله خيرٌ منها يصل إليه، وهو الثواب، والثاني: فله أفضل منها؛ لأنه يأتي بحسنةٍ فيُعطى عشر أمثالها))، و((كلا المعنيين حقٌّ، ولا مانع من أن يكونا مرادفين جميعًا)).

رابعًا: الآيات التي وردت بتعظيم الأجر:

١ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكاة وَمَا تقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهّ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].

٢ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكاة وَأَقرِضُوا اللَّهَ قرضاً حَسَنَاً وَمَا نُقَدِموا لِأَنفُسِكُم من خيرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرًاً وَأَعْظَمَ أَجْرَاَ وَاَسْتَغْفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ زَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠].

قال السعدي في تفسيرها: ((الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ)).

خامسًا: الآيات التي وردت بلفظ العطاء:

- قال تعالى: ﴿جَزَّآءُ مِّن ربِكَ عَطَآءَ حِسَابًا﴾ [النباأ: ٣٦].

قال الطبري: ((عطاءً: تفضّلا من الله عليهم بذلك الجزاء، وذلك أنه جزاهم بالواحد عشرًا في بعضٍ، وفي بعضٍ بالواحد سبعمائة، فهذه الزيادة وإن كانت جزاءً فعطاء من الله)).

سادسًا: بعض الآيات التي وردت بأن الأجر بغير حسابٍ:

- قال تعالى: ﴿قُلْ يا عبادي الذين ءَامَنُوا اتقوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هَذِهِ الدنيا حَسَنَةُ وَأَرْضُ اللّهِ وَسِعَةُ إنما يُوفّى الصابرون أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

المطلب الثاني: الآيات الواردة في تعيين قدر المضاعفة.

١ - قال تعالى: ﴿مَن جَآّءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِئةِ فَلَا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].

قال ابن كثير: ((هذه الآية الكريمة مفصّلةٌ لما أُجمل في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿مَن جَآء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ, خَيِْرٌ مِنْها﴾ [النمل: ٨٩]، وقد وردت الأحاديث مطابقةٌ لهذه الآية)).

ولعل قول ابن كثير السابق يحمل على أقلّ المضاعفة والحدّ الأدنى منها، وإلا فالآية تحتمل المضاعفة لأكثر من عشرة.

٢ - قال تعالى: ﴿اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابلَ فى كُلِّ سنبلة مائةُ حَبَّةٌ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦١].

________________________________________________

المبحث الخامس - موقف المخالفين في مضاعفة الأجور

رغم توافر الآيات الصريحة، وتضافر الأحاديث الصحيحة التي تثبت مضاعفة الأجور، إلا أن هناك فريقًا - وهو نادرٌ بفضل الله - يذهب إلى عدم مضاعفة الأجور في الشريعة الإسلامية، وقد كفانا الردّ عليه الإمام القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّها اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتقوا اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولهِ، يُؤْتكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتَهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].

قال رَحِمَةُ اللّهُ: ((وقد استدلّ بعض العلماء بهذه الآية على أنّ الحسنة إنما لها من الأجر مثل واحدٍ، فقال: الحسنة اسمٌ عامٌّ ينطلق على كلّ نوعٍ من الإيمان، وينطلق على عمومه، فإذا انطلقت الحسنة على نوعٍ واحدٍ فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحدٍ. وإن انطلقت على حسنةٍ تشتمل على نوعيْن كان الثواب عليها مثليْن؛ بدليل هذه الآية، فإنه قال: ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَيَهِ.﴾ والكفل: النصيب كـ ((المثل))، فجعل لمن اتقى الله وآمن برسوله نصيبين، نصيبًا لتقوى الله، ونصيبًا لإيمانه برسوله، فدلّ على أنّ الحسنة التي جعل لها عشرٌ هي التي جمعت عشرة أنواعٍ من الحسنات، وهو الإيمان الذي جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية بكمالها. 

فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها فيكون لكل نوعٍ منها مثلٌ. وهذا تأويلٌ فاسدٌ؛ لخروجه عن عموم الظاهر، في قوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ بما لا يحتمله تخصيص العموم؛ لأنّ ما جمع عشر حسنات فليس يجزى عن كل حسنةٍ إلا بمثلها. وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها والأخبار دالَة عليه، ولو كان كما ذُكِر لما كان بين الحسنة والسيئة فرقٌ)).

______________________________________________

المبحث السادس - أسباب مضاعفة الأجور

لمضاعفة الأجور أسبابٌ عدّة، من أهمها:

١ - حُسْنُ إسلام المؤمن وفضْله وقوّة إيمانه وإخلاصه:

لحديث أبي هريرة رَضَي الله عَنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعٍ مِائَةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا)).

قال ابن رجب: ((جاءت الأحاديث بفضل من حَسُن إسلامه، وأنه تضاعف حسناته وتكفّر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حُسن الإسلام))، ثم قال: ((فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لا بُدّ منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام)).

ومما يشهد لهذا الأصل العظيم المتمثل في أن فضل المؤمن وقوة إيمانه سببٌ عظيم لمضاعفة أجره: ((ما خصّ الله سبحانه أفضل البشر بعد الأنبياء إيمانًا، وأبرّهم قلوبًا بمزيد فضله؛ فضاعف حسناتهم، وكثّر أجورهم بما لا يدركهم فيه أحدٌ بعدهم)).

والدليل: حديث أبي سعيدِ الخدري رَضَي الله عَنهُ قال: قَالَ النَِّيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَهُ)).

فهذا دليلٌ صريحٌ على أنّ ((العمل القليل من أحد الصحابة يفضل العمل الكثير من غيرهم؛ وذلك لكمال إخلاصهم، وصادق إيمانهم)).

وقال ابن رجب أيضًا: ((ويشهد لهذا المعنى: ما ذكره الله عزّ وجلّ في حقّ أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لََها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، فدلّ على أنّ من عظمت منزلته ودرجته عند الله فإن عمله يضاعف له أجره. وقد تأول بعض السلف من بني هاشم دخول آل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى لدخول أزواجه؛ فلذلك من حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله الصالح فإنه يضاعف له أجر عمله بحسب حسن إسلامه وتحقيق إيمانه وتقواه والله أعلم. 

ويشهد لذلك: أن الله ضاعف لهذه الأمة؛ لكونها خير أمّةٍ أخرجت للناس أجرها مرّتين، قال الله تعالى ﴿يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتقوا الله وءامنوا بِرَسُولهِ، يُؤْتكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتَهِ، وَبَجْعَل لَّكُمُ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨])).

وقال في موطنٍ آخر: ((وأما من أحسن عمله وأتقنه، وعمله على الحضور والمراقبة، فلا ريب أنه يضاعف بذلك أجره وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك بعينه على وجه السهو والغفلة)).

وقال ابن هُبَيرة: ((ثم ضوعفت - أي الحسنة -، يعني: إنما يكون ذلك على مقدار خلوص النية وإيقاعها في مواضعها)).

لذلك فسّر ابن كثير قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] بقوله: ((أي: بحسب إخلاصه في عمله)).

وقال ابن القيم: ((والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك بحسب حال المنْفِق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند النفقة)).

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: ((أما الحسنة، فأقلّ التضعيف أنّ الواحدة بعشرٍ، وقد تزيد على ذلك بأسبابٍ، منها: قوة إيمان العامل، وكمال إخلاصه، فكلّما قوي الإيمان والإخلاص تضاعف ثواب العمل)).

٢ - نفْع الحسنة والحاجة إليها:

قال ابن رجب أثناء حديثه عن أسباب المضاعفة: ((الحاجة إلى ذلك العمل وفضلِهِ، كالنفقة في الجهاد، وفي الحجّ، وفي الأقارب، وفي اليتامى والمساكين، وأوقات الحاجة إلى النفقة)).

ويقول ابن القيم: ((والله يضاعف فوق ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإحسانه، ونفْع نفقته وقدرها، ووقوعها موقعها؛ فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه، وبحسب طيب المنفّق وزكاته)).

لذلك ضوعف أجر الصحابة رضوان الله عليهم، وأصبح القليل الذي ينفقه أحدهم أكثر ثوابًا من الكثير الذي ينفقه غيرهم.

قال النووي: ((وسبب تفضيل نفقتهم: أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال؛ بخلاف غيرهم؛ ولأنّ إنفاقهم كان في نصرته صلى الله عليه وسلم- وحمايته، وذلك معدومٌ بعده، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم، هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة، والتودّد، والخشوع، والتواضع، والإيثار، والجهاد في الله حق جهاده، وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عملٌ، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياسٍ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)).

٣- مشقة الحسنة الحاصلة بأدائها:

قال ابن دقيق العيد: ((الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة المشقات، لاسيما ما كان أجره بحسب مشقّته، إذا لمشقّته دَخْلٌ في الأجر)).

ومن الأدلة النبوية عليه: حديث أبي هريرة رَضَي اللَّهُ عَنهُ، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِیحٌ شَجِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ)).

قال ابن بطال: ((فيه أنّ أعمال البرّ كلّما صَعُبَت كان أجرها أعظم؛ لأنّ الصحيح الشحيح إذا خشي الفقر وأمّل الغنى صَعُبت عليه النفقة، وسوّل له الشيطان طول العمر وحلول الفقر به؛ فمن تصدّق في هذه الحال فهو مؤثرٌ لشواب الله على هوى نفسه)).

وقال النووي: ((هذا ظاهرٌ في أنّ الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة، والمراد: النصب الذي لا يذمه الشرع، وكذا النفقة)).

ولعلّ كلام النووي محمولٌ على الغالب، وإلا فهناك عباداتٌ تكون أكثر أجرًا على سهولتها؛ لشرف الزمان والمكان مثلًاً، وسيأتي ذكرهما بعد قليلٍ. 

٤ - التحويل وتعدّي النفع:

ومعناه أن يتكرّر فعل الطاعة من شخص يكون سببًا في تعليم غيره، فيفعلها غيره، فيكتب له أجرها. وقد ذكر ابن حجر بعض أسباب المضاعفة، وقال: منها ((تعدّي النفع كالصدقة الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة))، وكذلك ذكر السّعْديّ قال: ((ومثل العمل الذي يثمر أعمالًا أُخَر، ويقتدي به غيره، أو يشاركه فيه مشاركٌ)).

٥ - شرف الزمان:

مثل: العمرة في رمضان، وقيام ليلة القدر التي قال الله فيها: ﴿لَيلَةُ اُلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، قال السعدي في تفسيره: ((أي: تعادل من فضلها ألف شهرٍ، فالعمل الذي يقع فيها، خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ خالية منها، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول؛ حيث منَّ تَبَّاركَ وَتَعَالَى على هذه الأمة الضعيفة القوّة والقُوّى بليلةٍ يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر؛ عمر رجل معمَّر عمرًا طويلًا نيّفًا وثمانين سنة)).

٦ - شرف المكان:

كالصلاة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وسيأتي ذكرها بالتفصيل.

٧ - شرف العمل:

أشار إلى شرف العمل ابنُ حجر في ((الفتح))، ومن الأدلة علیه: حدیث أبي هريرة رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -قَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا تَلَقَّاِي عَبْدِي بِشِبْرٍ، تَلَقَّيتُهُ بِذِرَاعٍ، وَإِذَا َلَقَّانِي بِذِرَاعٍ، تَلَقَّيُهُ بِبَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ أَتَينُهُ بِأَسْرَعَ)).

قال الخطابي: ((هذا مَثَلٌ، ومعناه: حُسْن القَبول، ومضاعفة الثواب على قدر العمل الذي يتقرب به العبد إلى ربه، حتى يكون ذلك ممثلًا بفعْل من أقبل نحو صاحبه قَدْر شبرٍ، فاستقبله صاحبه ذراعًا، وكمن مشى إليه، فهرول إليه صاحبه قبولًا له وزيادةً في إكرامه)).

٨- قوة دفع العمل للمعارضات:

فمن رحمة الله بعبده أن يرزقه من العمل ما يكون سببًا في دفع المعارضات وما يتعرض له في حياته، يقول السّعديّ معدّدًا بعض أسباب المضاعفات: ((وكالعمل الذي قوي بحسنه وقوّته ودفعه المعارضات كما ذكره و لا في قصة أصحاب الغار، وقصة البغيّ التي سقت الكلب)).

ويقصد بـ ((حديث أصحاب الغار)):

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((بَيْتَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ، إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرّ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: إِنَّهُ وَاللهِ يَا هَؤُلاءٍ، لا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزِّ، فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ، وَأَنَّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بقَرًا، وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: اعمِدْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ فَسُقْهَا، فَقَالَ لِي: إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌّ مِنْ أَرُزِّ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ، فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الفَرَقِ فَسَاقَهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ.

فَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانٍ، فَكُنْتُ آتِيِهِمَا كُلَّ لَيْلَةِ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي، فَأَبْظَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً، فَجِنْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الجُوعِ، فَكُنْتُ لا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا، فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَيِكَ فَفَرَّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ.

فَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمَّ ، مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ، إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِانَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ، فَأَتَيْنُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَنْنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَقَالَتْ: اتَّقِ اللهَ وَلا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ المِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرَّجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا)).

و((حدیث البَغِيّ)) التي سقت الكلب:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً رضي الله عَنهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((غُفِرَ لِامرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُر، فنزعت خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتُهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ)).

_______________________________________________

المبحث السابع - الحِكْمَة الشرعية من المضاعفة

لمضاعفة الأجور حِكَمٌ جليلةٌ، تتمثل في النقاط التالية:

١ - تعويض الأمة عن قِصَرِ أعمارها بالنسبة لأعمار الأمم السابقة:

قال ابن هُبيرة: ((إن الله تعالى لما صرم هذه الأمة أخلفها على ما قصر من أعمارها بتضعيف أعمالها فمن هم بحسنة احتسب له بتلك الهمة حسنة كاملة لأجل أنها همة مفردة وجعلها كاملة لئلا يظن ظان أن كونها مجرد همة تنقص الحسنة أو تهضمها فبين ذلك، بأن قال حسنة كاملة وإن هم بالحسنة وعملها فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل وكتب له بالهمة حسنة ثم ضوعفت)).

وأكّد هذا النيسابوري بقوله: ((كان للأمم أعمارٌ طويلةٌ، وطاعاتٌ كثيرةٌ، فَوَضَع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأضعاف الأعمال: كقوله تعالى: ﴿مَن جَآّءَ بِالْحسَنَةِ فَلَّهُ عَشْرُ أَمْثَالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَل حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِ سُنبلة مائة حَبَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوفّى الصابرون أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠])).

٢ - رحمة الله بالعبد حتى لا يهلك في الآخرة؛ لکثرة سیئاته:

يقول النيسابوري: ((لو أنّ الخصماء يتعلّقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقّى الإضعاف، فيقول الله: أضعافهم ليست من فعلهم، هي من رحمتي فلا أقتصّ منهم أبدا)).

وأكد الألوسي هذا الأمر بقوله: ((حكمة التضعيف: لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في طاعته، فيُدْفع إليهم واحدة، ويُبقى له تسعٌّ، فمظالم العباد تُوَفّى من التضعيفات، لا من أصل حسناته؛ لأنّ التضعيف فضلٌ من الله تعالى، وأصل الحسنة الواحدة عدلٌ منه، واحدةٌ بواحدةٍ))، وللطحاوي كلامٌ نحوه.

ومن الأدلة على ذلك: حديث عبد الله بن عباس رضي الله عَنْهَما، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم- فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَاركَ وَتَعَالَى، قَالَ: ((إنّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ))، وفيه: ((وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَبِّئَةً وَاحِدَةً، وَمَحَاهَا اللهُ وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّاّ هَالِكٌ)).

قال القاضي عياض: ((قوله: (وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِإِلَّا هَالِكٌ): أي: من حُتّم عليه الهلاك، وَسُدَّ عليه أبواب الهدى؛ لسعة رحمة الله تعالى وكرمه إذ جعل السيئة حسنة ولم يكتبها حتى يُعمل بها، فإذا عُملت كتبت واحدةً، وكتب الهمّ بالحسنة حسنةً، وكتبها إذا عملها عشرًا إلى سبعمائة وأضعافًا كثيرة، وكلّ هذا فضلٌ من الله، إذ ضاعف حتى تكثر وتزيد على السيئات؛ لكثرة سيئات بنى آدم، فمن محُرِم هذه السعة، وضُيِّق عليه رَحْبها حتى غلبت عليه سيئاتُهُ مع إفرادها حسناته مع تضعيفها، فهو الهالك الذى سبق عليه ذلك في أمّ الكتاب))، وبنحوه قال المناوي.

وقال النووي: ((في أحاديث الباب - يعني: المضاعفة - بيان ما أكرم الله تعالى به هذه الأمة - زادها الله شرفًا - وخفّفه عنهم مما كان على غيرهم من الإصر وهو: الثقل والمشاقّ)).

٣ - زيادة الثواب والكرامة:

قال الله تعالى في معرض الامتنان على المسلمين: ﴿وَمَن يُطِع اللهَ وَالرَّسُولَ فأولئك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيِهِم مِنَ النبيين وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أؤلئك رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِّ وَكَفَى بالله عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ -٧٠].

وقال أيضًا: ﴿يَاأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتقوا اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمِتَهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لئلا يعلم أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْء مِن فَضْلِ اللهِ وَأَنَ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يؤتيه مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ [الحديد: ٢٨-٢٩].

قال ابن تيمية: ((إرساله أعظم نعمةٍ أنعم الله بها على عباده، يجمع الله لأمّته بخاتم المرسلين، وإمام المتقين، وسيد ولد آدم أجمعين، ما فرّقه في غيرهم من الفضائل، وزادهم من فضله أنواع الفواضل، بل أتاهم كفلين من رحمته)).

وقال الكرماني: ((من فضل الله وسعة رحمته، حيث جعل الحسنة كالعشر، والسيئة كما هي بلا زيادةٍ)).

٤ - التّخْفِيف على العَبْدِ في الحساب:

قال ابن دقيق العيد: ((إنّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذا حاسب عبده المسلم يوم القيامة، وكانت حسناته متفاوتة، فيهنّ الرفيعة المقدار، وفيهنّ دون ذلك، فإنه سبحانه بجوده وفضله يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا؛ لأن جوده جل جلاله أعظم من أن يناقش من رضي عنه في تفاوت سعرٍ بين حسنتين، وقد قال جلّ جلاله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَاكَانُوأ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧])).

______________________________________________

المبحث الثامن - المسائل والأحكام الشرعية المتعلّقة بالمضاعفة

للمضاعفة أحكامٌ عدّةٌ، ومسائل مهمّةٌ، ينبغي التعريف بها، والإشارة إليها، منها:

المسألة الأولى: وجْه إدخال مغفرة الذنوب في المضاعفة:

دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِئاتِ﴾ [هود: ١١٤] على أنّ الحسنة تذهب السيئة، فما وجْه إدخال هذه المغفرة بالمضاعفة؟

والجواب عن ذلك، قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَاً صَالِحًا فأولئك يُبدّل اَللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُورَا رحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].

((فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية آنّهم إن أسلموا وتابوا من ذنوبهم، وعملوا الأعمال الصالحة، كفّر الله عنهم سيئاتهم، وأبدلها حسناتٍ، وغفر لهم ما سلف منهم في جاهليتهم)).

قال ابن كثير: ((في معنى قوله: ﴿يُبدِّلُ اللهُ﴾ [الفرقان: ٧٠] قولان:

أحدهما: أنهم بدّلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. 

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رَضَِي للّه عَنْهمَا في قوله تعالى: ﴿فَأُؤلََئكَ يُبدِّلُ اللهُ﴾ [الفرقان: ٧٠] قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.

والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه ((كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته)).

يقول الشيخ محمد آدم الأثيوبي - حفظه الله -: ((لا تنافي بين القولين، فالآية عامّة لكليهما، ولا داعي لقصرها على أحد المعنيين؛ مع صحّة الدليل على أنّ كلًّا من التبديلين مقصودٌ بالآية، فتبديل الله تعالى أحوالهم السيّئة بعد التوبة النصوح إلى الأحوال الحسنة مما لا نقاش فيه، وتبديل الله تعالى لهم ذنوبهم بالحسنات، يعطيهم مكان كلّ سيئةٍ حسنة، ثابتٌ في الحديث الصحيح، فاتّضح أن التبديل الدنيويّ والأخرويّ معًا ثابتٌ لهم، والآية الكريمة دالَةٌ عليه دلالة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب)).

ومن الأدلة النبوية على ذلك: ما رواه أَبو ذَرَّ رَضَي لِلّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

((إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَّا وَكَذَا كَذَّا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذًا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِيَارِ ذُنُوِبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيَِّةٍ حَسَنَّةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا)). فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لّضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.

المسألة الثانية: الأعداد الواردة في المضاعفة، هل هي مقصودة، أم لا مفهوم للعدد، وهي كناية عن المضاعفة؟

يقول الرازي في تفسيره: ((قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد، بل أراد الأضعاف مطلقًا، كقول القائل: لئن أسديْت إليّ معروفًا لأكافئنَك بعشرة أمثاله، وفي الوعيد: يُقال: لئن كلّمتني واحدةٌ لأكلمنّك عشرًا، ولا يريد التّحديد، فكذا ها هنا، والدليل على أنه لا يمكن حمله على التحديد: قوله تعالى: ﴿الَِّذينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنبتت سَبْعَ سَنَاِبلَ فِى كُلِّ سُنبلة مِّاْئَةُ حَبَّةٌ وَالله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦١])).

لذلك قال السُّدِّيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ, أَضْعَافَا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]: ((هذا التَّضْعيف لا يعلم أحدٌ ما هو)).

قال ابن قُرقول: ((كلّ ما جاء في الحديث من ذِكْر الأسباع، قيل: هو على ظاهره وحصر عدده، وقيل: هو بمعنى التكثير والتضعيف لا يُحصر عدده))، ثم نقل عن الهروي قوله: ((العرب تضع التسبيع موضع التكثير والتضعيف وإن جاوز عددە)).

والصحيح عدم التقييد، وتحمل الأجور الواردة في هذه الأحاديث على أقلّ الموعود من الله، وهو قابل للزيادة بفضل الله وسعة رحمته.

المسألة الثالثة: مضاعفة الأجر لعبادة معينةٍ لا تعني أنها أفضل من غيرها من الفرائض.

يقول الألوسي: ((اعلم أن الشارع قد يرتّب الثواب للعمل؛ لئلّا يُترك، بل يرغّب فيه، فلا يكون ذلك العمل أفضل من العمل المؤكّد عليه الذي لم يترتّب عليه ذلك الثواب، فمن ذلك صلاة الضحى، مع أن الراتبة لفرض الظهر أفضل من الضحى، وإنما رتّب الثواب على ذلك؛ لكثرة الغفلة فيه، وأمثال ذلك كثيرةٌ في الأخبار، فلا يفضل على الراتب المؤكّد وإن لم يعيّن أجره غير الراتب من النوافل وإن رتب أجره، وقد اتّفق أهل العلم أنه لا يبلغ مرتبة الراتبة نفلٌ من الأحكام وإن لم يتعيّن قدر أجرها، فإن السنن شرعت لتتميم نقائص الفرائض، والنوافل غير الراتبة لتتميم نقائص السنن الراتبة، فلا ينوب نفلٌ مناب فرضٍ يجب قضاؤه، فقضاء فرضٍ لا يسقط بالنوافل))، وبنحوه قال السيوطي في ((قوت المغتذي)).

_______________________________________________

المضاعفة العامة في كل الأعمال

تجلّت حكمة الله في التشريع، ورحمته في المكلَّفين، أن ضاعف لهم الحسنة الواحدة إلى عشر حسناتٍ في جميع الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه، وقد وردت هذه المضاعفة في أحاديث كثيرة سيأتي ذكرها بعد قليل، وهذه المضاعفة عامّة في جميع الأعمال، وتختلف عن المضاعفة المخصوصة التي ستأتي في الفصول القادمة.

وقد نصّ على هذه المضاعفة جمْعٌ من أهل العلم، منهم:

١ - جمال الدين ابن الجوزي: قال: ((اعلم أنّ هذا الثواب على الحسنة أمرٌ معلومٌ عند الله عزّ وجلّ، وقد جعل لنا على الحسنة من تلك المقادير عشرًا، فهذا الرّسْم الرّاتب، وقد يُضَاعف ذلك للمؤمن على قدر إخلاصه ورضاه عنه إلى سبعمائة، وإلى سبعين ألفًا وأكثر)).

٢ -محيي الدين النووي: قال: («إنّ التضعيف بعشرة أمثالها لا بُدّ بفضل الله ورحمته ووعْده الذى لا يخلف، والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعفٍ وإلى أضعافٍ كثيرةٍ يحصل لبعض الناس دون بعضٍ على حسب مشيئته سُبْحَانَةُ وَتَعَالَى)).

٣ -زين الدين ابن رجب الحنبلي: قال: ((المضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لا بُدّ منه)).

٤ - ابن رسلان الشافعي: قال: ((إن أقلّ ما وَعد الله به من الأضعاف أن الحسنة بعشر أمثالها، وقد وعد بالواحدة سبعمائة، ووعد ثوابًا بغير حساب)).

٥ - شهاب الدين ابن حجر: قال: ((تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزومٌ به، وما زاد عليها جائزٌ وقوعه بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب)).

٦ - عز الدين الشهير بالأمير الصنعاني: قال ((ثبت بإخباره و ل ل أن الحسنة بعشر أمثالها حتمًا من فضله تعالى، فالتضعيف إلى أكثر منها فضل من الله لمن أراده تعالى)).

٧ - الشيخ عبد الرحمن السعدي: قال: ((أقلّ التضعيف أن الواحدة بعشرٍ، وقد تزيد على ذلك بأسبابٍ)).

وتحمل هذه المضاعفة العامة على أقلّ ما يكتبه الله للعبد، وهو الحدّ الأدنى الذي يستحقه، ثم يضاعفه الله إلى سبعمائة ضعفٍ، إلى أضعاف كثيرة، ولأسباب عدة سبق ذکرها.

يقول الملّا علي القاري: ((مضاعفة العشر هو أقل التضاعف الموعود بقوله تعالى ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، والله يضاعف لمن يشاء)).

قال القرطبي في تفسير الآية السابقة: ((والتقدير: فَلَهُ عشر حسناتٍ أمثالها؛ أي: له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له، ويجوز أن يكون له مثلٌ، ويضاعف المثل فيصير عشرة)).

_______________________________________________

خاتمة البحث

هاهو البحث قد انتهى أجله، ووصل للحد الذي قدر له، وها هو الباحث قد ألقى عصا التسيار بعد ترحال مع أحاديث مضاعفة الأجور الواردة في السنة النبوية، وبعد دراسة هذه الأحاديث دراسة موضوعية يمكن للباحث أن يسجل أبرز النتائج التي توصل إليها من خلال هذه الدراسة، وأبرز التوصيات التي يوصي بها طلبة العلم من خلال النقاط التالية:

أولاً: النتائج التي توصل إليها الباحث من خلال الدراسة:

1-تُعد مضاعفة الأجور في الشريعة الإسلا مية من أجل النعم على هذه الأمة المحمدية، ومن أعظم خصائصها التي تميزت بها على سائر الأمم السابقة.

2-ـ التعريف الجامع لمضاعفة الأجور هو: تكثير ثواب الأعمال بأجور عامة وخاصة، لعمل واجب أو مندوب إليه شرعا، تختلف باختلاف الزمان، والمكان، وقصد الفاعل ونيته.

3ـ يكاد ينعقد الإجماع عند علماء الأمة على إثبات هذه المضاعفة للأجر، ولم يخالف في ذلك إلا قلة قليلة رد عليهم القرطبي في تفسيره ولم يذكرهم؛ لعدم اعتبار قولهم في هذا الباب.

4- أول أنـواع المضاعفـة هـي المضاعفـة العامـة فـي جميـع الأعمـال وهي مضاعفـة الحسـنة إلـى عشـر حسـنات، وهي أقـل الموعود مـن الله كما دلـت عليه نصـوص الكتاب والسـنة.

5- يأتي بعد المضاعفة العامة المضاعفة الخاصة، وهي مضاعفة زائدة على المضاعفة العامة، وتأتي على أنواع:

ـ مضاعفة خاصة لأعمال خاصة وبأجور محددة ومتنوعة: تبدأ هذه المضاعفة من مضاعفة الأجر مرتين حتى تصل مليون حسنة، والله يضاعف لمن يشاء.

 ـ المضاعفة بأجور عبادات أخرى: كالمضاعفة بأجر حجة، أو عمرة، أو حجة وعمرة معاً، وأجر قيام وصيام سنة كاملة معا، وأجر صيام الدهر، وأجر قيام ليلة.

 ـ المضاعفة بأعمال خاصة وبأجور مطلقة: كمضاعفة الأجر بمغفرة الذنوب المتقدمة، أو المتقدمة والمتأخرة، ومضاعفة الأجر باستمرار عمله بعد الموت وعدم انقطاعه، ومضاعفة الأجور بالثواب العام غير المقيد.

6- من أسباب المضاعفة التي نص عليها العلماء:

ـ حسن إسلام المؤمن وفضله وقوة إيمانه وإخلاصه.

 ـ نفع الحسنة والحاجة إليها.

ـ مشقة الحسنة الحاصلة بأدائها.

 ـ التحويل وتعدي النّفع إلى الغير.

ـ شرف الزمان كشهر رمضان.

ـ شرف المكان كمكة والمدينة والقدس.

ـ شرف العمل ومكانته

ـ قوة دفع العمل للمعارضات.

7- الحكمة الشرعية من المضاعفة:

ِ ـ تعويض الأمة عن قصر أعمارها بالنسبة لأعمار الأمم السابقة.

ـ رحمة الله بالعبد حتى لا يهلك في الآخرة؛ لكثرة سيئاته.

ـ زيادة الثواب والكرامة.

 ـ التخفيف على العبد في الحساب.

8-ـ وجه إدخال مغفرة الذنوب في المضاعفة هو تبديل الله ذنوب العبد إلى حسنات بعد توبته وإسلامه، وهو تبديل على الحقيقة كما نص على ذلك علماء أهل السنة، ودل عليه ظواهر النصوص في الكتاب والسنة.

9- الأعداد الواردة في مضاعفة الأجور لا مفهوم لها أمام سعة رحمة الله وعظيم فضله، وتحمل هذه الأعداد على أقل الموعود بعد المضاعفة العامة، والله يضاعف لمن يشاء.

ثانيا: التوصيات:

1ـ يوصي الباحث المشتغلين بالسنة وعلومها الاهتمام بالدراسات الموضوعية ذات الصلة بحاجات الناس وعرضها بأسلوب يرغب الناس بالعمل بها.

2ـ كما ويوصي طلبة العلم بالتوسع في مباحث هذه الأطروحة، وإفراد بعض ٍ مباحثها في دراسات مستقلة متوسعة تخدم السنة وعلومها من جهة، وتقرب فوائدها للناس من جهة أخرى

_______________________________________________

فوائد من الكتاب:

1- استْشكل حديث: (من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإذا همَّ بها فعملها؛ كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)  بأنه: إذا كان كذلك، فكيف لا يُضاعف ذلك الهم بالحسنة؛ لعموم قوله ﴿من جاء بالحسنة فله خيرٌ منها﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟ 

وأجيب: بحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على الهم المجر.

2- واستشكل أيضاً: بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة في قوله: (فإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة) ؟ 

وأجيب: بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها؛ لأنه قد نسخ قصده السيئة وخالف هواه، ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجياً مع بقاء قصد الذي همّ بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هم ِ من قبل نفسه فهي دون ذلك، إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها ولا سيما إن وقع العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلاً فصرفه بعينه في معصية.

3-قوله في حديث الهمّ بالحسنة (إلى أضعاف كثيرة) قال النووي -رحمه الله- فيه: تصريح بالمذهب الصحيح المختار عند العلماء أن ٍ التضعيف لا يقف على سبعمائة ضعف، وحكى أبو الحسن أقضى القضاة الماوردي عن بعض العلماء: أن ٍ التضعيف لا يتجاوز سبعمائة ضعف، وهو غلط لهذا الحديث، والله أعلم.

4-وفيه حديث أبي هريرة مرفوعاً: (كل عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا وأجزي به) رواه مسلم.

قال البيضاوي: والموجب لاختصاص الصوم بهذا الفضل أمران:

أحدهمـا: أن سـائر العبـادات ممـا يطلـع عليـه العبـاد، والصـوم سـر بينـه وبيـن الله تعالـى، يفعلـه خالصـاً لوجـه الله، ويعاملـه بـه طالبا لرضـاه، وإليه أشـار بقوله: «فإِنـه لِي».

وثانيهما: أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال، واشتغال البدن بما فيه  رضاه، والصوم يتضم ن كسر النّفس، وتعريض البدن للنقصان والنحول، مع ما فيه من الصبر على مضض الجوع وحرقة العطش، فبينه وبينها أمد بعيد، وإليه أشار بقوله: «يدع طعامه وشرابه من أجلي».

5- واعلم أن أهل الكتاب على أقسام: قسم غيروا وبدلوا وماتوا على ذلك، فهؤلاء كفرة.  وقسم لم يبدلوا ولم يغيروا وماتوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء مؤمنون، ولهم أجر واحد. وقسم أدركوا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاهم فلم يؤمنوا به، فهؤلاء كفرة أيضا. وقسم آمنوا به وصدقوا ما جاء به، فهؤلاء لهم أجران، والحديث فيهم. ويرجع سبب المضاعفة لأمرين:

إما لإيمانه بنبيه أولاً، ثم لإيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فلا يلحق به الكافر المشرك إذا أسلم.

وإما لاحتمال أن يكون تعدد أجره؛ لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم، فحصل له الأجر الثاني بمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره.

6-الصدقـة علـى الأقـارب أفضـل مـن الأجانـب إذا كانوا محتاجين.

7-قال العلامة ابن حجر العسقلاني -رحمه الله -في "الفتح": «وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد» وبهذه الزيادة يظهر السر في قول الرجل: «لولا أمتعتنا به».

8-يقول الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في "فيض الباري": «تحصل لي أن كل عملٍ عرض على بني إسرائيل فقصروا فيه، فإن حافظنَا عليه فلنا فيه الأجران»، ومن ذلك: صلاة العصر.

9-حديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)

يقول ابن عليش المالكي في كتابه "فتح الملك العلي" في حديث: (إذا اجتهد الحاكم؛ فله أجران): وأما الخطأ الوارد في الحديث (أي عند قوله: وإن أخطأ فله أجرٌ واحد)؛ فهو «خطأ المجتهد في عدم مصادفة الدليل في تلك المسألة، لا الخطأ الذي يخرج به عن الشريعة؛ لأنه إذا خرج عن الشريعة فلا أجر له». ويقـول الإمام الخطابـي -رحمه الله-: «إنمـا يؤجـر المخطـئ علـى اجتهاده فـي طلب الحـق؛ لأن اجتهـاده عبـادة ولا يؤجـر علـى الخطأ بل يوضـع عنه الإثـم فقط. وهـذا فيمن كان مـن المجتهديـن جامعـاً لآلة الاجتهـاد عارفـا بالأصول وبوجـوه القيـاس. فأما من لـم يكـن محلاً للاجتهـاد فهـو متكلـف ولا يعـذر بالخطـأ فـي الحكـم بـل يخاف عليـه أعظم الـوزر». وقال الإمام النووي -رحمه الله -: «فأما من ليس بأهلٍ للحكم؛ فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي؛ فهو عاصٍ في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك». وقال ابن الجوزي رحمه الله-: «المجتهد المخطئ وإن كان مجتهداً؛ ففي اجتهاده تقصير، فلو أمعن في طلب الأدلة لوقع بالصواب، فلما قصر في اجتهاده نقص أجره لتقصيره في الطلب»

10-(هو الذي يُصلي عليكم وملائكته)

واختلف العلماء في تفسير المراد بصلاة الله على عباده -على أقوال:

الأول: صلاة الله بمعنى الرحمة:

يقول القاضي عياض: «معنى: صلاة اللهِ عليه»: رحمته له وتضعيف أجره على الصلاة عشرا، كقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠]». زاد القاري: «والظاهر أنه أقل المضاعفة» وقال الترمذي: روي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم، قالوا: «صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار». وممن ذهب إلى هذا: العيني، والسيوطي، والمناوي، والسندي.

الثاني: إقبال الله عليه بعطفه:

قال الشـوكاني: «وقيـل: المراد بصلاته عليهم: إقباله عليهـم بعطفه، وإخراجهم مـن ظلمـة إلـى رفعـة ونـور كمـا قـال سـبحانه: ﴿هو الذي يُصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ [الأحـزاب: ٤٣]».

الثالث: صلاة الله بمعنى ذكره بين الملائكة:

يقول الإمام أبو العالية- كما نقله عنه البخاري في صحيحه: «صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء».

11-حديث ثواب إلقاء السلام: عشر، عشرون، ثلاثون.

 ومضاعفة إلقاء السلام، كما يلي:

«السلام عليكم» عشر حسنات؛ لأنه دعا بالسلام فقط.

«السلام عليكم ورحمة الله» عشرون حسنة؛ لأنه دعا بالسلام والرحمة.

ـ «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ثلاثون حسنة؛ لأنه دعا بالسلام والرحمة والبركة.

وقـد تقـرر أن الحسـنة بعشـر أمثالها، «وذلـك بناء علـى أن كل من «السلام» و«رحمـة الله» و«بركاتـه» حسـنة مسـتقلة، فـإذا أتـى بواحـدة منهـا حصل له عشـر حسـنات، وإن أتـى بهـا كلهـا حصل لـه ثلاثون حسـنة».

12- في حديث: (من أنفق على نفسه وأهله … فالحسنة بعشر أمثالها).

قـال القاضـي عيـاض: «قال بعـض أهل العلـم: إنفاق المـال في حقه ينقسـم ثلاثة أقسـام:

فالأول: أن ينفق على نفسه، وأهله، ومن تلزمه نفقته غير مقتِر عما يجب لهم، ولا مسرف في ذلك. وهذه النفقة أفضل من الصدقة، ومن جميع النفقات.

وقسم ثان: وهو أداء الزكاة، وإخراج حق الله تعالى لمن وجب له. وقد قيل: من أدى الزكاة فقد سقط عنه اسم البخل.

وقسم ثالث: وهو صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق، وإطعام الجائع، وصدقة التطوع كلها، فهذه نفقة مندوب إليها مأجور عليها، فمن أنفق في هذه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال في موضعه، وأنفقه في حقه».

13- في حديث: (وشاهد الصلاة يُكتب له خمس وعشرون حسنة).

قال العيني: «فإن قيل: ما الحكمة في تعيين الخمس والعشرين؟ قلت: الذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، والعنايات المحمدية: أن كل حسنة بعشر أمثالها بالنّص، وأنه لو صلى في ب يته كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سوقه كان يحصل له ثواب عشر صلوات، كل صلاة بعشر أمثالها، ثم إنه لو صلى بالجماعة يحصل له ما كان يحصل له من الصلاة في بيته وفي سوقه، ويضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاة. وأما زيادة الخمسة؛ فلكونه أدى فرضا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة، زيادة على العشرين، إنعاماً وفضلاً منه عليه، فيصير الجملة خمسة وعشرين.

 وجواب آخر: أن مراتب الأعداد: آحاد وعشرات ومئات وألوف، والمائة من الأوساط، وخير الأمور: أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المائة، وللربع حكم الكل.

14-في حديث صهيب الرومي قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل َتطوعاً َحيث َلا يراه النَّاس: تعدل صلاته على أعين الناس خمسا وعشرين». 

وفي رواية أخرى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تطوع الرجل فِي بيتِه يزيد على تطوعه ِعنْد النَّاس، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده».

وهـذا يبيـن بوضـوح أن صلاة النافلـة فـي السـر تعـادل أجـر صلاة العبد في جماعـة المسـجد، وقـد نقـل البغـوي في «شـرح السـنة» عـن القاسـم بـن محمد،ـ وهـو: ابـن أبي بكـر الصديق قولـه: «إن صلاة النافلـة تفضل في السـر على العلانية كفضـل الفريضـة في الجماعـة».

15-(أمر النبيُّ صلى اله عليه وسلم بقتل الوزغ).

وللعلماء في سبب ندب قتل الوزغ أقوال، من أهمها: أنه من الحشرات المؤذيات، ومن ذوات السموم، وقد عده الأطباء فيما يؤذي أو يقتل نهشه. ويقال: إنه يسقي الحيات ويمج في الإناء. زاد الدميري: «ومن شأن هذا الحيوان أنه إذا تمكن من الملح تمرغ فيه، فيصير مادةً لتولد البرص». وقيل: كان ينفخ النار على إبراهيم لما ألقاه قومه في النار. قال ابن الملك: «ومن شغفها إفساد الطعام خصوصا الملح، فإنها إذا لم تجد طريقاً إلى إفساده ارتقت السقف، وألقت خرأها في موضع يحاذيه، وفي الحديث بيان أن جبلتها على الإساءة». 

16-صحت الأحاديث في أجر الصلاة في المسجد الأقصى، على تفاوت بينها:

ففي رواية: الصلاة فيه بـ(250) صلاة. وفي ثانية: الصلاة فيه بـ(500)، وفي ثالثة: بـ (1000) صلاة، وفي رابعة: بـ(50 ألف) صلاة. ولا تناقض بين الحديثين، إذ يجمع بينهما أن يكون رتب الأجر عليه أولاً (250) صلاة، ثم ضاعفها الله إلى (ألف) فأكثر، ففضل الله واسع، ورحمته وسعت كل شيء.

يقول المناوي: «لا تنافي في الروايات المختلفة في التضعيف؛ لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شيء، ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال».

17-في حديث: (لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منه).

قالوا: وجه تسمية مكان البيع بالسوق، أمران: الأول: لأن الناس يسوقون أنفسهم وأمتعتهم إليه. الثاني: لأنه محل السوقة وهي الرعية. وخص هذا المكان بهذا الذكر لأمرين: الأول: قال الطيبي: «لأنه مكان الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة فهو موضع سلطنة الشيطان ومجمع جنوده فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده فهو خليق بما ذكر من الثواب». الثاني: قال القاري: «لأن الله ينظر إلى عباده نظر الرحمة في كل لحظة ولمحة فيحرم منها أهل الغفلة وينالها أهل الحضرة».

18-في حديث: (حجة في رمضان تعدل حجة معي).

قال ابن العربي: «وعدل العمرة في رمضان بحجة يكون لأسباب: أحدهـا: أن ينسـحب فضـل رمضـان علـى العمـرة فيجتمـع مـن الوجهين ما يعـادل الحج. ثانيهمـا: إن المعتمـر فـي رمضـان أجـاب داعـي الحـج، وهو قوله: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً}، ومن أجاب هذا الدعاء، تعيـن عليـه ثوابه.

19- في حديث يوم الجمعة: (من غسّل واغتسل، وبكّر وابتكر…) الخ.

نقل الترمذي على هذه الجملة تفسيرين: الأول: عن وكيع بن الجراح: أنه اغتسل هو وغسّل امرأته ،والثاني: عن ابن المبارك: أنه غسل رأسه، ثم اغتسل. قال ابن حبّان: ذلك أن القوم كانت لهم جُممٌ؛ فكانوا ينقضونها ليغسلوها ثم يغتسلون. والثاني هو قول مكحول، وسعيد بن عبد العزيز الشامي، وصرّحت به رواية أبي هريرة وابن عباس، وأيّد البيهقي القول الثاني، وقال: وإنما أفرد الرأس بالذكر؛ لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن أو الخطمي وغيرها، وكانوا يغسلونه أولاً ثم يغتسلون. ورجّحه النووي، والملا علي القاري، وهذا على رواية "غسل" بالتخفيف. وقيل: "غسّل واغتسل" كلاهما بمعنى، نقله البغوي.

20- حديث: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد)

وإنما خص الحديد وبدأ به مع كونه أشد المنطبعات صلابة، وأكثرها خبثاً، إشارة إلى أن الفقر وإن اشتد، والذنوب وإن خبثت وعظمت، يزيلهما المداومة على النسكين، قاله المناوي. وفيه أنه لا بأس أن يقصد بالعبادة ويطلب الرزق كالأجر لقوله (ينفي الفقر)؛ قاله الصنعاني.

21- في الحديث: (إن مسحهما -يعني الركنين- كفارةٌ للخطايا).

ولاستلام أركان الكعبة مذهبان عند الصحابة: الأول: اسـتلام جميـع الأركان الأربعـة، وهـو مذهـب: معاويـة بـن أبـي سـفيان، وعبـد الله بـن الزبيـر، وأنـس بـن مالـك، وغيرهـم. الثاني: لا يستلم إلا الركن الأسود والركن اليماني، وهما المقصودان في حديث الباب، وهو مذهب: ابن عباس وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر؛ لأنهما على قواعد إبراهيم. يقول الطحاوي: «إنما لم يستلم إلا اليمانيين؛ لأنهما مبنيان على منتهى البيت مما يليهما بخلاف الآخرين؛ لأن الحجر وراءهما وهو من البيت، وقام الإجماع على الأولين، وقد اعتذر ابن التين لأصحاب القول الأول بقوله: «إنما كان ابن الزبير يستلمهن كلهن؛ لأنه استوفى القواعد»، وقال الداودي: «جعلهما عوضا من الركنين الذين بقيا في الحجر» ثم قال: وظن معاوية أنهما هما ركنا البيت الذي وضع عليه من أول.

22-قوله في الحديث: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة).

قال الباجي: من الإخلاص والخشوع وحضور النية والسلامة من الغفلة، وقيل: معنى ذلك أن يكون دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم، فمن كان دعاؤه على ذلك فقد وافق دعاءهم، وقيل: إن الملائكة الحفظة المتعاقبين يشهدون الصلاة مع المؤمنين فيؤمنون إذا أمن الإمام، فمن فعل مثل فعلهم في حضورهم الصلاة وقولهم آمين عند تأمين الإمام غفر له، وقال بعض الناس: معنى الموافقة الإجابة، فمن استجيب له كما يستجاب للملائكة غفر له ذنبه. وهذه تأويلات فيها تعسف لا يحتاج إليه، ولا يدل على شيء منها دليل. والأولى حمل الحديث على ظاهره ما لم يمنع من ذلك مانع، ومعناه: أن من قال آمين عند قول الملائكة آمين غفر له، وإلى هذا ذهب الداودي، ولا يمتنع أن يكون الباري تعالى يفعل ذلك بمن وافق قوله آمين قول الملائكة آمين.

23-قوله في صيام يوم عرفة (إنه يُكفر سنة قبله وسنة بعده):

وقد استشكل بعض أهل العلم مسألة تكفير يوم عرفة لِسنَة لم تأت بعد؛ لأن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر، وقد أجاب العلماء عليه بأقوال، منها:

- حمله ابن العربي على أن المراد بالحديث تكفيره لسنة ماضية ومستقبلية إذا لم يجد قبله ذنوب عامين، فإن وجد قبله ذنوب عامين كان هما العامين اللذين يكفران، وظاهر حديث أبي قتادة يرده.

-  وقال الماوردي: فيه تأويلان: أحدهما: إن الله يغفر له ذنوب سنتين، ثانيهما: إن الله تعالى يعصمه في هاتين السنتين فلا يعصي فيهما.

- وقال مظهر الدين الزيداني: قيل: تكفير السنة الآتية أن يحفظه من الذنوب فيها، وقيل: أن يعطيه من الرحمة والثواب قدراً يكون كفارة للسنة الماضية، والقابلة إذا جاءت واتفقت له ذنوب

وقال العراقي: «مغفرة ما تأخر من الذنوب: إما أن يراد بها العصمة من الذنوب حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها ولو وقع فيها، ويكون المكفر متقدماً على المكفر».

- وقـال الصنعانـي: إن تكفيـره للسـنة المسـتقبلية هـو التجنّـب عـن المعاصي.

- وقـال المباركفـوري: هـو كنايـة عـن عـدم الوقـوع، يعنـي: يحفظهم الله فـي المسـتقبل عـن الكبائـر، فلا تقـع منهـم كبيـرة، وقيـل: معنـاه أن ذنوبهـم تقع مغفـورة.

24-قوله في الحديث: (أو علمٌ يُنتفع به).

قـال ابـن الجـوزي: «رأيت من الـرأي القويـم أن نفـع التصانيف أكثـر من نفع التعليـم بالمشـافهة؛ لأني أشـافه فـي عمري عـددا مـن المتعلمين، وأشـافه بتصنيفي خلقـاً لا تحصـى ما خلقوا بعـد، ودليل هذا أن انتفاع النـاس بتصانيف المتقدمين أكثر مـن انتفاعهم بما يسـتفيدونه من مشـايخهم، فينبغـي للعالم أن يتوفر علـى التصانيف إن وفـق للتصنيـف المفيـد؛ فإنه ليـس كل من صنّف صنّـف، وليـس المقصود جمع شـيء كيـف كان، وإنمـا هـي أسـرار يطلـع الله عـز وجـل عليهـا من شـاء مـن عباده، ويوفقـه لكشـفها، فيجمـع مـا فـرق، أو يرتب ما شـتت، أو يشـرح ما أهمـل، هذا هو التصنيـف المفيد» كما في صيد الخاطر. ويقول النووي: فيه بيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع.