زعماء الإصلاح في العصر الحديث
أحمد أمين
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: قد يدعو إلى الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة، تعهدها البستاني بكل ما يصلحها، من وضع في المكان المناسب، ومنحها الغذاء الكافي والري المناسب، ولكن أدعى إلى الإعجاب بذرة طرحت حيثما اتفق، فمدت جذورها بنفسها، تجدُّ في حصولها على غذائها، وتعاكسها الطبيعة؛ فتكافحها وتتغلب عليها، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة، وأضخمها وأوفرها إثماراً. كذلك كان هؤلاء النوابغ والزعماء، الذين قادوا عجلة الإصلاح في مجتمعاتهم وأبناء شعوبهم.
وأعظم ما في هؤلاء العظماء هو ثباتهم على مبادئهم؛ فلم يتحولوا عن ذلك على كثرة من تحول في مثل مواقفهم. هؤلاء هم زعماء بلادهم، وقادة الإصلاح فيها، في الوقت الذي أصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخدم الدينية سلعاً تباع وتشترى، وتوهب وتورث.
وتطرق المؤلف إلى أربعة من كبار زعماء الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وهم:
محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ـ - ١٢٠٦ هـ/ ١٧٠٣ - ١٧٩١م)
علي باشا مبارك (١٢٣٩ -ـ١٣١١هـ / ١٨٢٣ -١٨٩٣م)
عبد الله نديم باشا (١٢٦١ - ١٣١٣ هـ / ١٨٤٥ -١٨٩٦ م)
السيد عبد الرحمن الكواكبي (١٢٦٥ - ١٣٢٠ هـ/ ١٨٤٨ - ١٩٠٢م)
وقد ترجم لكل واحد منهم، ترجمةً وافيةً بالمقصد، فذكر أهم المحطات في حياتهم، ودورهم الريادي في النهوض بالأمة من خلال الحركات التي أسسوها، والسياسات التي انتهجوها، وكتاباتهم وخطاباتهم الدينية والأدبية، الأمر الذي يجعل القارئ يُذعن للكاتب في اختياره لها، ويُقدّر لهؤلاء دورهم ويشكره لهم.
محمد بن عبد الوهاب
زعيم الفرقة الوهابية، والتي تعتنق مذهبه الحكومة الحاضرة في الحجاز. نشأ في بلدة تسمى (العيينة) في نجد، وتعلم دروسه الأولى بها على رجال الدين من الحنابلة، وسافر إلى المدينة ليتم تعليمه، ثم طوف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، وخمس سنين في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتين في همذان، ثم رحل إلى أصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراف والتصوف، ثم رحل إلى (قم)، ثم عاد إلى بلده واعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر، ثم خرج عليهم بدعوته الجديدة.
سمي هو وأتباعه أنفسهم (بالموحدين)، لأجل دعوتهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة القبور والأضرحة والأولياء. والتي كانت منتشرة في كثير من أقطار العالم الإسلامي، وعلى سبيل المثال: في مصر شجرة الحنفي، ونعل الكلشني، وبوابة المتولي.
أما شجرة الحنفي: فهي شجرة كانت في الحنفي يتبرك بها، بينما نعل الكلشني: نعل قديمة في تكية الكلشني، يزعمون أن الماء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق، أما بوابة المتولي مملوءة بالمسامير تعلق بها الشعور والخيوط ليذكر بالخير من علقها!
وحارب كذلك عقائد كانت منتشرة بين العامة، مثل: قولهم بأن الزرع ينجح لرضا الولي فلان ويخيب لغضبه، والبقرة تحيا إذا نذرت للسيد البدوي أو مثله، وتموت إذا لم تنذر، وهكذا في الأمراض والعلل والغنى والفقر!
يُضاف إلى ذلك رفضه لبعض الأمور التي كانت مثار جدل واسع بين الفقهاء والمتصوفة وبين أتباع ابن عبد الوهاب، مثل: التوسل، والاستغاثة، والتبرك، والسفر لزيارة القبور!
ويروي المؤرخون للحركة الوهابية: أن جزيرة العرب إبان دعوته كانت أشبه شيء بحالتها في الجاهلية، كل قبيلة تسكن موضعا يرأسها أمير منها. هذا أمير في الإحساء، وهذا أمير في العسير، وهؤلاء أمراء في نجد إلخ، ولا علاقة بين الأمير والأمير إلا علاقة الخصومة غالبًاً. ثم تتوزعها - أيضا - الخصومة بين البدو والحضر، فمن قدر من البدو على خطف شيء من الحضر فعل، ومن قدر من الحضر على التنكيل ببدو فعل، والطرق غير مأمونة، والسلب والنهب على أشدهما، وسلطة الخلافة في الأستانة تكاد تكون سلطة اسمية، ومظهرها تعيين الأشراف في مكة وإمدادهم ببعض الجنود وكفى.
ثم بدأ محمد بن عبد الوهاب ييبث دعوته في لين ورفق بين قومه، ثم أخذ يرسل الدعوة لأمراء الحجاز والعلماء والأقطار الأخرى، حاثًا لهم على استنهاض الهمم في مكافحة البدع والرجوع إلى الإسلام الصحيح. وكان مَثَله في المشرق كمثل الشيخ أبي العباس التيجاني في المغرب، والذي أمر بترك البدع ونهى عن زيارة القبور، وكثرت أتباعه حتى بلغت مئات الألوف، وكذلك الشيخ الشيخ محمد عبده في مصر.
اضُطهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما أظهر دعوته في بلده العيينة، واضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقر آل سعود، وهناك عرض دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها، وتعاهدا على الدفاع عن الدين، إذ ذاك دخلت الدعوة في دور خطير، وهو اجتماع السيف واللسان، وزاد الأمر خطورة نجاح الدعوة شيئًا فشيئًا، ودخول الناس أفواجا فيها، وإخضاع بعض الأمراء بالقوة لحكمها.
ولما مات الأمير ومات الشيخ تعاقد أبناء الأمير وأبناء الشيخ على أن يسيروا سيرة أبويهم في نصرة الدعوة متكاتفين، وظلوا يعملون حتى غلبوا على مكة والمدينة.
وحينما شعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها، وهو موطن الحرمين الشريفين اللذين يجعلان لها مركزا إسلاميًا ممتازا، تفقد الكثير منه إذا فقدتهما.
فأرسل السلطان محمود إلى محمد علي باشا في مصر أن يسير جيوشه لمقاتلة الوهابيين، وكما أرسلت الجيوش لمقاتلتهم أرسلت الدعاية من جميع الأقطار الإسلامية للنيل من هذه الدعوة وتكفير مبتدعيها. وحمل علماء المسلمين عليها حملات منكرة، وألفت الكتب الكثيرة في التخويف منها والتشنيع عليها.
لكنّ الوهابيين انتصروا على حملة محمد علي باشا الأولى بقيادة الأمير طوسون، ثم أعد محمد علي باشا العدة القوية الكبيرة، وسار بنفسه وحاربهم بخير سلاحه، فانتصر عليهم، وأتم النصر ابنه إبراهيم باشا، وانهزمت قوة الوهابيين. ولكن بقيت الدعوة إلى أن هيئ لها في العهد الحاضر المملكة السعودية الحاضرة.
وانتقد الكثيرون على الحركة الوهابية أموراً، منها: أنها حيث استولت على بلد نفذت تعاليمها بالقوة ولم تنتظرها حتى يؤمن الناس بدعوتها، فلما دخلوا مكة هدموا كثير من القباب الأثرية، كقبة السيدة خديجة، وقبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد أبي بكر وعلي، ولما دخلوا المدينة رفعوا بعض الحلي والزينة التي كانت على قبر الرسول، فهذه كلها أثارت غضب كثير من الناس وجرحت عواطفهم، فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ، ومنهم ن حزن على الفن الإسلامي، ومنهم من حزن لأن مقبرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة.
وفي المقابل تأثر الكثيرون في العالم الإسلامي بالوهابية؛ سيما في مواسم الحج، فنرى مثلاً في زنجبار طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب، ويدعون إلى ترك البدع، وعدم التقرب بالأولياء.
وقام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد أحمد. حج سنة ١٨٢٢م. وهناك اعتنق بالمذهب الوهابي، وعاد إلى بلاده، فنشر هذه الدعوة في بنجاب. وأسس فيها شبه دولة وهابية، وأخذ سلطانها يمتد حتى هدد شمال الهند، وأقام حربًا عوانًا. لكن الحكومة البريطانية هناك قمعة أنصاره وحركته.
وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا، وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها، وعاد إلى الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب. وفي اليمن ظهر أعلم علمائه، وإمام أئمته وهو الإمام الشوكاني المولود سنة ١١٧٢هـ. فسار على هذا النهج نفسه.
علي باشا مبارك
وزير المعارف المصرية، ومن المؤرخين العلماء، والعصاميين النوابغ. وُلد في قرية (برنبال) من قرى (الدقهلية) بمصر، وتعرض هو وأسرته إلى الظلم وفق قوانين الباشوات المصري، والذي ينص على مصادرة الأراضي التي يعجز أصحابها عن سداد الضرائب المفروضة عليها، ويتم نقلها إلى غيره، وكانت الغلة المفروضة تساوي الخارج من الأرض، ما يعني أنه ليس للفلاح من نتاج الأرض شيء.
ولذا توجه إلى التعليم بإلحاح من أسرته، حتى يجد له مكاناً في الحياة، وكان متفوقاً في دراسته، فتوجه به أبوه إلى الكُتّاب، ثم عمل كاتباً صغيراً لأحد مأموري السجن، ثم قرر الالتحاق بمدرسة قصر العيني، وهي المدرسة التي تخرج الحكام -إذ ذاك- ولما دخل فيها وجدها مدرسة للأشقياء والمقهورين، ثم من الله عليه فنقل إلى مدرسة الهندسة بأبي زعبل، وفي هذه المدرسة وجد صعوبات في تعلم الهندسة، فلم يكن يفهم منها شيئاً، حتى رزق بمعلم حسن التدريس، جمع التلاميذ المتخلفين في فصل، وشرح لهم الهندسة؛ فانحلت عقدة علي مبارك، وتفوق على سائر التلاميذ في الهندسة، وكان أول فرقته دائماً.
ثم اختاروا من مدرسة أبي زعبل خير التلاميذ وأدخلوهم مدرسة المهندسخانة ببولاق، درس فيها كل فروع الهندسة وما إليها حتى أتمها.. ولما اعتزم محمد علي باشا إرسال بعثة إلى فرنسا اختار المتفوقين من هذه المدرسة، فوقع الاختيار عليه فيمن اختير، فها هو ذا في باريس بعد برنبال والقاهرة، لا يعرف أي كلمة في اللغة الفرنسية، والمدرسون فرنسيون لا يعرفون كلمة عربية، فضاق بالأمر ولم يجد حيلة إلا أن يجمع الكتب الفرنسية الموضوعة للأطفال ويستعين بمن يعرف ً الفرنسية من زملائه، ويسهر على حفظها ليلا، حتى تمكنت منه عادة السهر الطويل والنوم القليل، وهي عادة لازمته طول حياته، وبعد ثلاثة أشهر استطاع أن يتابع الدروس بالفرنسية، وتفوق فيها حتى وصلت سمعته الحسنة إلى أولي الأمر في مصر.
درس علي مبارك سنتين في (باريس) الهندسة المدنية، ودرس سنتين في (متز) الهندسة الحربية، وتمرن في ذلك نحو سنة أخرى، ودرس فن إعداد المفرقعات، فكانت إقامته في فرنسا نحو خمس سنين، رأى المدارس والجامعات ونظم التعليم وحالة البلاد الاجتماعية، وأخذ من كل ذلك على حسب استعداده ودقة نظره.
وعاد في عهد عباس الأول، ليواصل مسيرته في خدمة بلده. فتقلب في الوظائف العسكرية، وبلغ رتبة أمير ألاي، وحضر الحرب (التركية -الروسية) سنة 1270 هـ ثم نُصّب ناظراً للأوقاف المصرية، وأضيفت إليه وزارة المعارف، فأنشأ مدارس كثيرة، ونهض بالمكتبة المصرية، فأنشأ داراً للكتب في القاهرة، جمع فيها الكتب المتفرقة في مكان واحد، ورتبها وسهل الاستفادة منها وجعل لها قاعة مطالعة.
وكان مبدأ علي باشا مبارك في الحياة السياسية: الطاعة التامة لولي الأمر، مهما كان. أطاع عباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق، وخدمهم في إخلاص، ولعله - كبعض المصلحين - يرى أن إصلاح التعليم خير أنواع الإصلاح، بل هو خير من الإصلاح السياسي، ويرى أن الإصلاح السياسي ما لم يرتكز على الإصلاح التعليمي فلا بقاء له ولا قيمة، لذلك لا نرى له إصبعا ما في الثورة العرابية، ولذلك ما حدثت ثورة عرابي باشا؛ استقال مع زملائه في الوزارة.
وكل ما أثر عنه في الثورة العرابية أنه تبرع يوما بشيء من ماله لهذه الحركة، ولكن لعل ذلك كان تحت تأثير ضغط شديد عليه من الشبان المتحمسين. وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر ألفت وزارة مصطفى رياض باشا وعهد فيها إلى علي مبارك في نظارة المعارف.
وقد شغل عدة وظائف في قريته التي لم تتعدى المائتي شخص، فقد كان إمامها وخطيبها، وكان يعقد عقود الزواج، ويسجل صيغ الطلاق، ويستفتي في المسائل الدينية التي تعرض لأهلها، ورث ذلك عن أبيه وجده حتى سميت الأسرة بأسرة (المشايخ) وتزوج الشيخ أكثر من زوجة، رزق منهن أولاداً كثيرين، إحداهن رزقت سبع بنات وواحداً سماه علياً، وكلهم يعيش على الدخل التافه والرزق اليسير.
وآخر أعماله ولايته نظارة المعارف المصرية سنة 1305هـ وأنشأ مجلة سميت (روضة المدارس المصرية)، وكان رأس تحريرها الشيخ رفاعة الطهطاوي، وقد ترك آثارً جمّة، ومؤلفات كبيرة، سيما في مهنته الخاصة، وهي الهندسة، فألف في الثقافة العامة كتباً كثيرة، أهمها خططه لمصر المسماة: ( الخطط التوفيقية)، ووقع ذلك منه في عشرين جزءاً -أو خمسة مجلدات-، وقد حذا فيه حذو المقريز في خططه، وقد وصف فيه القاهرة وحاراتها وشوارعها ومساجدها ومدارسها كما يصف مدن مصر وقرأها مرتبة على حروف الهجاء.
كما ألف قصةً سماها (علم الدين) في ثلاثة مجلدات، ضمنها مباحث دينية واجتماعية، وهي قصة لشيخ تربي في الأزهر وتتلمذ له مستشرق إنجليزي تعلم منه اللغة العربية، ودعاه الإنجليزي أن يزور معه إنجلترا فلبى الدعوة، وكانا كلما مرا على شيء من القاهرة إلى الإسكندرية سأل الإنجليزي الشيخ علم الدين فأجابه، وبعد الإسكندرية انقلب الشيخ تلميذاً والإنجليزي معلماً، يسأل الشيخ عن كل ما يجهل فيجيب الإنجليزي، وملأ الكتاب بمعلومات قيمة عن الشرق والغرب ومظاهر الحضارة الأوروبية، وكان غرضه من هذا الكتاب تفتيح أذهان الشرق لما في الغرب، فالشيخ علم الدين في أول القصة رجل أزهري جامد لا يعرف شيئًا من شئون الدنيا، فلما ساح في أوربا اتسع ذهنه ومرن عقله ورقيت أحكامه على الأشياء، ورأيناه يحضر دار التمثيل وينظر إلى المسرح بالمنظار
ومن طرائف علي مبارك أنه وهو وزير المعارف الخطير لم يستنكف أن ينظر إلى الأطفال في بدء تعلمهم للقراءة والكتابة ولم تعجبه طريقة تعليمهم، فأخذ نفسه بتأليف كتاب من جزأين، يعلم في أولهما حروف الهجاء وكيف تتركب، ويضع ثانيهما للتمرين على المطالعة السهلة في موضوعات مفيدة، إلى غير ذلك من الكتب المدرسية النافعة، أهمها: (حقائق الأخبار في أوصاف البحار) و (خواص الأعداد)، و(نخبة الفكْر المهندسين) و(تقريب الهندسة) و(جغرافية مصر) و(الميزان في الأقيسة والمكاييل والأوزان). كما أشرف على ترجمة (خلاصة تاريخ العرب) للمستشرق الفرنسي سيديو. Louis Pierre Sedillot.
عبد الله مصباح نديم باشا
الكاتب الشريف، والأديب المصري الذي ملأ الدنيا بنثره وشعره وزجله، وقاد الرأي العام في بلاده، حتى كان يُحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه، فلا يدور بخلد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصى.
نبغ عبد الله نديم في دراسته في الكتاب، وظهرت عليه ملامح الذكاء، فأراد أن يستمر في تعليمه ولم يمانعه أبوه، وكانت الطريقة المعّبدة لذلك أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك؟! ولذا قرر أبوه إرساله إلى مسجد الشيخ إبراهيم باشا؛ ليتلقى العلم هناك؛ إذ مواده هي مواد الأزهر، غير أن هذا أقرب وأقل تكلفة من ذاك.
لم يُوفق عبد الله في دراسته هذه؛ إذ لم يكن يصبر على جفافها، ولا يقدر على حل ألغازها، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها، فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتماماً، لكنه هوي الأدب والشعر، وفُتن بمجالسة المهتمين به، فكان يهوى الغناء ويقلد فيه من سبقه من المبدعين فيه.
وكان عبد الله نديم يغشى هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج، فيسمع شعر الشاعرين وزجل الزجالين، ونوادر المتماجنين، وقصائد الراوين، فيصغى إلى كل ذلك في فهم كأنه كله آذان، ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه، ولما علم أبوه طريق ابنه نفض يده منه، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجه للكسب، فاتجه ً اتجاها غريبًا، هو أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه.
ولما انتقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل، عاد إليه شغفه إلى فنون الشعر والغناء، حيث توثقت الصلة بينه وبين كثير من أدباء مصر إذ ذاك، وأخصهم سبعة، أولع بهم واستفاد من معارفهم وأدبهم: شاعر مصر محمود سامي البارودي، وشيخ الأدباء عبد الله باشا فكري والسيد علي أبو النصر البليغ الشهير، ومحمود صفوت الساعاتي، الواسع الاطلاع، الكثير المحفوظ، المتفتن في الطرائف الأدبية، والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب الأديب، ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر الناثر، وعبد العزيز بك حافظ.
عاشر الأدب والأدباء الأدب والأدباء؛ فأتم على هؤلاء وأمثالهم دراسته، وشرب من منهلهم، وارتوى من ينابيعهم، فهو في النهار تلغرافي، يتقبل الإشارات ويرسلها، وبالليل أديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها. ولما غضب عليه خليل أغا (رئيس خدم قصر الخديوي) ضرب وطرد، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وعلى إثر ذلك عمل معلماً لأولاد العمدة في (الدقهلية)، لكن على إثر خلاف بينه وبين العمدة، انفجر المرجل وتدفق عبد الله نديم يصوغ في هجاء العمدة أدبًا لاذعاً، تدفعه عاطفة حادة، فعرف نفسه أديبًا وعرفه من حوله لسنًا يملك ناصية القول!
واتصل أمره بعين من أعيان المنصورة ذي مروءة فاستدعاه وأكرمه، وفتح له دكانًا يبيع فيه المناديل وما إليها، فاتخذ دكانه متجراً للمناديل ومجمعا للأدب، يجتمع فيه بعض أصحابه يتذاكرون الأدب، ويتناشدون الأشعار، ويتبادلون النوادر.
ولما نفدت المناديل من الدكان؛ أغلق عبد الله دكانه وطوف بالبلاد ينزل ضيفا على هواة الأدب، إلى أن نزل بطنطا، وصادف مولد السيد، فكانت له حادثة ظريفة لفتت إليه الأنظار وشهرته بين الناس، وتعرف بعد ذلك على شاهين باشا كنج بطنطا -وهو مفتش الوجه البحري إذا ذاك - فكان موصوفاً بالكرم حاتمي، وذوق أدبي، والظرف النواسي، فتعرف به عبد الله نديم، فوجد فيه شاهين باشا قبح منظر، مع طلاقة لسان، وخفة روح، وسرعة بديهة فغطى ذلك على قبح منظره.
ولما عاد عبد الله نديم إلى الاسكندرية حوّل قلمه في الاتجاه الشعبي، يمد هذه الصحف بمقالاته في مثل هذه الموضوعات؛ فلقي من النجاح ما لفت إليه الأنظار، وكان له فضل كبير في إدراك أن الكتابة في الموضوعات السياسية إنما يتناسبها أسلوب متدفق سريع مرسل لا يقيده السجع إلا قليلا، لينسجم وحركات النفس المتحمسة الثائرة.
وفكّر مع بعض أصحابه من أعضاء جمعية (مصر الفتاة) أن يحولوها من جمعية سرية إلى جمعية علنية، تعمل جهارا في الأعمال المشروعة، وجد هو وصحبه يجمعون المال لها من أعيان الإسكندرية، وسموها (الجمعية الخيرية الإسلامية)، وهي غير الجمعية القائمة الآن بهذا الاسم، وأنشئت المدرسة وجعل عبد الله نديم مديرها، وافتتحها بخطبة رن صداها في الثغر، وكان ذلك في أواخر أيام إسماعيل، وأقبل عليها كثير من أبناء الفقراء والأيتام.
ترك عبد الله نديم آثاراً كبيرة، وكتب مقالات كثيرة في جريدتي (المحروسة) و (العصر الجديد) ثم أصدر جريدة (التنكيت والتبكيت) مدة، واستعاض عنها بجريدة سماها (الطائف) أعلن بها جهاده الوطني. وحدثت في أيامه الثورة العرابية، فكان من كبار خطبائها.
لم يكن في مصر إلى أواخر عهد الخديوي إسماعيل رأي عام يشعر بظلم، وإن شعر فلا ينطق، لأن عنف الاستبداد أزمانًا طويلة أمات الشعور وأخرس الألسن حتى تدخلت الدول الأجنبية في شئون مصر المالية، فبدأ الشعور يتنبه، وغذاه الخديوي إسماعيل نفسه وجرأه، لإحساسه بثقل التدخل وخشيته من عاقبته، فأول معارضة من مجلس شورى النواب للحكومة كانت بإيعاز منه، ولولا ذلك لم يجرؤ ومظاهرة الضباط ومهاجمتهم لنظارة المالية لتأخير رواتبهم كانت بتدبيره ليتخلص من وزارة نوبار التي تمالئ الأجانب في هذا التدخل. وفي هذا الجو عمل عبد الله نديم، واحتضنه العرابيون، فكان خطيب الثورة وكاتبها ومشعلها.
انتهت الثورة العرابية بالإخفاق والهزيمة المنكرة، وكانت الهزيمة الخلقية أقسى من الهزيمة الحربية، فقد ذل أكثر قواد الحركة، وتنكر لهم أكثر من كان يناصرهم، وبدأت السعايات تدب، وكل من كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإ يقاع بخصمه، فطلبته حكومة مصر، 1309 هـ فحبس أياماً، وأطلق على أن يخرج من مصر. فبرحها إلى فلسطين، وأقام في يافا نحو سنة كاملة.
ثم سمح له بالعودة إلى بلاده في عهد عباس باشا، فعاد واستوطن القاهرة. وأنشأ مجلة (الأستاذ) سنة 1310 هـ، وتوسع في مقالات الإصلاحات الاجتماعية، فانتقد علماء الأزهر في انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها، ويضع برنامج ً ا واسعا لإصلاح الأزهر، كما ينقد الزراعة في مصر وتأخرها، ووجوب إصلاحها على أساس علمي صحيح، وفوضى اللغة العربية، ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويكمل نقصها، والخرافات والأوهام، والطرق الصوفية وما يجري فيها من مخاز وعيوب.. إلخ
ثم علت نغمته طبقة أخرى، فأخذ ينقد الإنجليز صراحة في سياستهم في الهند ومصر، ويسب من يلوذ بهم ويهيج الناس على المبشرين وطرق التبشير، حتى نفاه الإنكليز ثانية، فخرج إلى يافا ثم إلى الآستانة، فاستخدم في ديوان المعارف ثم مفتشاً للمطبوعات في (الباب العالي) واستمر كذلك أن توفي فيها.
وكان له كتاب، منها (الساق في مكابدة المشاق) و (كان ويكون) و (النحلة في الرحلة) و (المترادفات) وديوانان، وروايتان تمثيليتان هما (العرب والوطن)، ونُسب إليه (المسامير) الذي هجا فيه أبو الهدى الصيادي -الصوفي المعروف-، وجمعت كتاباته في (سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم)
السيد عبد الرحمن الكواكبي
السيد الفراتي، والأديب الرحالة، والمفكر الإسلامي، وأحد رجالات الإصلاح، والحكيم الجريء، كان يقصده أصحاب الحاجات لقضائها، والمشاكل لحلها، ورجال الحكومة أنفسهم يستشيرونه فيما غمض عليهم، وهو في كل ذلك جريء فيما يقول، لا يقر ظالماً على ظلمه، ولا يسالم جائراً لمنصبه أو جاهه.
ولد الكواكبي وتعلم في حلب، وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) فأقفلتها الحكومة، وجريدة (الاعتدال) فعطلت، وأسندت إليه مناصب عديدة.
عاداه (عارف باشا) والي حلب، وأخذ يعدد سيئاته وينقم عليه تصرفاته، ويحرض الناس على رفع صوتهم معه بالشكوى منه لرؤسائه في الآستانة، فانتقم عارف باشا لنفسه، فزور على الكواكبي أوراقاً، واتهمه بأنه يسعى لتسليم حلب لدولة أجنبية، وحبسه وطلب محاكمته، فبذل الكواكبي ورجاله جهدا كبيرًا ليحاكم في ولاية غير ولاية حلب، وحوكم في بيروت، فحكم ببراءته، وظهرت خيانة الوالي ومكايده فعزل من منصبه.
وكان من أعداء الكواكبي أيضاً (أبو الهدى الصيادي) الذي سبق وصفه في ترجمة (عبد الله نديم)؛ لأن الكواكبي أبى الاعتراف بصحة نسبه. ولاعتداء أبي الهدى على بيتهم، بأخذ نقابة الأشراف لنفسه منهم، فكان أبو الهدى أيضاً يدسُّ له، ويغري ولاة الأمر به.
وكان من نتيجة محاكمته على التهمة التي اتهمه بها عارف باشا، ومن معاكسة أبي الهدى وأعوانه له حتى في تجاربه، أن خسر ألوف الجنيهات من ماله، فاحتمل ذلك بنفس قوية لا تجزع ولا تتحول.و لما حنق عليه أعداء الإصلاح، فسعوا به، فسجن وخسر جميع ماله، فرحل إلى مصر.
عكف على مطالعة تاريخهم في ماضيهم وحاضرهم، وما كتبه الكتاب المحدثون في ذلك في الكتب والمجلات والجرائد، ودرس أحوال المسلمين في المملكة العثمانية. ثم رحلته إلى كثير من بلاد المسلمين، فساح في سواحل إفريقيا الشرقية، وسواحل آسيا الغربية؛ ودخل بلاد العرب وجال فيها، واجتمع برؤساء قبائلها، ونزل بالهند وعرف حالها، وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية، وحالتها الزراعية، ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ذلك، دراسة دقيقة عميقة؛ ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم فيها دراسته. ولكنه عاجلته منيته.
ونشر نتيجة دراسته في مقالات كتبت في المجلات والجرائد، ثم جمعت في كتابين: اسم أحدهما (طبائع الاستبداد)، والآخر (أم القرى): الأول في نقد الحكومات الإسلامية، والثاني أغلبه في نقد الشعوب الإسلامية.
لقد كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها الكواكبي في (طبائع الاستبداد) و(أم القرى) من الموضوعات المحرمة، لأنها تمس نظام الحكم من قريب، وتفهم الشعوب حقوقهم وواجباتهم، وتقفهم على مناحي الظلم والعدل، وتهيئتهم للمطالبة بالحقوق إذا سلبت، والقيام بالواجبات إذا أهملت، وهذا أبغض شيء لدى الحاكم المستبد.
وكان ظهور الكواكبي بكتابيه جرأة كبيرة. لقد استفاد مما نقل عن الغرب، ولم يكن يعرف لغة أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية، فاستفاد مما نقل إليها، ومما كان يترجم له في هذا الباب خاصة. وقد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه (طبائع الاستبداد).
أما كتابه (أم القرى)؛ فبحث مبتكر يدل على كبر عقله، وقوة تفكيره، وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي. وكان لهذين الكتابين عند صدورهما دويّ كبير في العالم العربي والإسلامي. أما كتاب (طبائع الاستبداد)، فقد نشر - أولاً- مقالات في بعض الصحف عندما كان في مصر سنة ١٣١٨هـ، ثم جمعها في كتاب وقال في أوله:
(إني نشرت في بعض أبحاثًا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع ً الاستعباد، منها ما درسته، ومنها ما اقتبسته، غير قاصد بها ظالما بعينه، ولا حكومة مخصصة، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار، ثم أضفت إليها بعض زيادات، وحولتها إلى هيئة هذا الكتاب).
وقد اقتبس فيه كثير من أقوال (الفيري) ولا أعرف كيف وصلت إليه -وألفيري كاتب إيطالي عاش من سنة ١٧٤٩ -١٨٠٣ م من بيت نبيل -وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فولتير وروسو ومنتسكيرو، وتشبع بآرائهم الحرة وتعشق الحرية، وكره الاستبداد أشد الكره، ووجه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته، ويبثه في كتاباته. ولكن الكواكبي هضمها وعدلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها من تجاربه وآرائه.
أما كتابه (طبائع الاستبداد)؛ فيدور حول تعريف الاستبداد بأنه (صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب). ويأتي هذا من كون الحكومة مطلقة التصرف، ولا يقيدها قانون ولا إرادة أمة أو أنها مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوى؛ والحكومة ميالة بطبعها إلى الاستبداد، لا يصدها عنه إلا وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لا تسامح فيها، وإلا قوة الرأي العام وعظمة سلطانه.
والمستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن النطق بالحق ومطالبتها به. والمستبد عدو الحق، وعدو الحرية وقاتلها. والمستبد يود أن تكون رعيته بقرا تحلب، وكلابًا تتذلل وتتملق!.
وقد بحث بحثًاً مستفيضا في علاقة الاستبداد بالدين، ونقل عن الإفرنج رأيهم في أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له. ويرى الكواكبي أن الإسلام مبني على قواعد الحرية السياسية متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية، فهو مؤسس على أصول ديمقراطية (أي المراعاة التامة للمصلحة العامة)، وعلى شورى أرستقراطية، أي شورى الخواص، وهم أهل الحل والعقد، فالقرآن مملوء بتعاليم تقضي بأمانة الاستبداد، والتمسك بالعدل، والخضوع لنظام الشورى، من مثل: {وشاورهم في الأمر}، {وأمرهم شورى بينهم} حتى في القصص، من مثل: {ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون}. ومظهر هذا كان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.
ثم أبان أن الحاكم المستبد يخشى العلم، لأن العلم نور، وهو يريد أن تعيش الرعية في الظلام، لأن الجهل يمكنه من بسط سلطانه، وروي أن حاكماً مستبدا شرقيًا كان له مرب سويسري؛ فقال له يوماً0 بعد أن تأمّر: ليتك تعني بتربية الشعب وتعليمه! فقال الأمير: كلا! إني إن علمته صعب عليَّ حكمه.
ولذلك فإن العلماء الحقيقيين في صراع دائم في الظلمة، فالعلماء يحاولون الإنارة، والمستبد يحاول إطفاءها، وكلاهما يحاول كسب عامة الشعب، فالمستبد يخفيهم ليستسلموا، وهؤلاء العلماء ينيرونهم ليقولوا ويفعلوا.
والحاكم المستبد تسره غفلة الشعب؛ لأنه يتمكن بغفلتهم من الصولة عليهم: يغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويضرب بعضهم ببعض فيصفونه بحسن السياسة والكياسة، ويسرف في أموالهم فيقولون إنه كريم، ويقتلهم ولا يمثل بهم؛ فيقولون: إنه رحيم، وإن نقم عليه بعض الأباة، كاتلهم بهم كأنهم بغاة!!
كما تعرض لعلاقة الاستبداد بالمال، ويعني بذلك الحكومة الاستبدادية وأثرها في الثروة أو الحالة الاقتصادية في البلاد. كذلك اختلال نظام الثروة، الذي يجعل رجال السياسة والدين ومن يلحق بهم يتمتعون بحظ عظيم من مال الدولة. ودور الحكومة المستبدة في تيسير طرق الغنى للسّفلة والغوغاء بالسرقة والتعدي على الحقوق العامة.
ويرى الكواكبي أن الاستبداد لا يقاوم بالقوة، وإنما يقاوم باللين وبالتدريج، ببث الشعور بالظلم، وهذا يكون بالتعليم والتحميس، ذلك لأن الاستبداد محفوف بأنواع القوات: كقوة الجند، وقوة المال، وقوة رجال الدين، وقوة الأغنياء، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس، وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة. والاستبداد مع اعتماده على هذه القوات كلها يضعف أمام الوسائل المحكمة في قلبه، كما قيل: كم من جبار عنيد جدله ملوم صغير.
أما كتابه (أم القرى) فقد وقف فيه من المسلمين موقف الطبيب من المريض، يفحص داءه ويتعرف أسبابه، ويصف علاجه في أسلوب قصصي جذاب، تحدث فيه عن جمعية من المسلمين عقدت في مكة حضرها ممثل أو أكثر لكل قطر إسلامي، فعضو شامي، وعضو سكندري، ومصري ومقدسي ويمني وبصري ونجدي ومدني ومكي وتونسي وفاسي وإنجليزي ورومي وكردي وتبريزي وتتري وقازاني وتركي وأفغاني وهندي وسندي وصيني، وأسندت رياسة الجمعية للعضو المكي، والسكرتارية للسيد الفراتي- وعني به الكواكبي نفسه - واجتمعوا كلهم قبيل الحج في مكان متطرف في مكة يتداولون في حال المسلمين؛ وكان أول اجتماع لهم في ١٥ذي القعدة سنة ١٣١٦ه.
فهل كانت هذه الجمعية حقيقة أو هي من نسيج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلاً من الحقيقة، وإن الخيال تممها، فهل هذا صحيح، أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين؟ أرجح الرأي الثاني.
على كل حال انعقدت الجمعية - فيما يقول - ووضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان، لأنه أدعى إلى إفضاء كل ما في نفسه في صراحة، وتناسى الاختلاف في المذاهب، فلا سني وشيعي، ولا شافعي وحنفي، فالكل مسلم. ثم التحرر من اليأس في الإصلاح، وبالفعل بدأت تظهر أعراض الصحة على المسلمين، ومن أعظم الظواهر انعقاد مثل هذه الجمعية ووضع برنامج المؤتمر، يتلخص في بحث موضع الداء في المسلمين وأعراضه وجراثيمه ودوائه وكيفية استعماله.
وأخذ المجتمعون يبحثون في أسباب ضياع المسلمين وتفرقهم، وذهبوا في ذلك كل مذهب، فالشامي رأى أن سبب الفتور يرجع إلى ما أصاب المسلمين من عقيدة جبرية، فهذه العقيدة في القضاء والقدر على هذا النحو آلت إلى الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالبة النفسية كحب المجد والرياسة، والإقدام على عظائم الأمور، فأصبح المسلم كميت قبل أن يموت. والعقيدة بهذا الشكل مثبطة معطلة لا يرضاها عقل، ولم يأت بها شرع.
بينما يرى المقدسي أن العلة تكمن في تحول نوع السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى استبدادية. أما السبب في نظر التونسي؛ فهو في الأمراء المترفون الذين لم يرعوا للأمة حقوقها. وقال الرومي: السبب هو فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها. ورأى التبريزي: أن السبب ترك المسلمين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال الفاسي: إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين، وأجاب المدني: بأن السبب تدليس رجال الدين وغلاة المتصوفين، الذين لونوا الدين بلون سيئ فأضاعوه وأضاعوا أهله. وأجاب الكردي: بأن السبب هو ما أصاب المسلمين من اقتصارهم على العلوم الدينية وإهمالهم العلوم الدنيوية، كالرياضة والطبيعة والكيمياء. وأجاب الإسكندري: بأن السبب هو نومنا ويأسنا. والأفغاني يرى أن سبب الفتور هو الفقر. ويرى الإنجليزي: أن السبب هو قلة الالتفات إلى حكمة تشريع وقواعد الدين. ويرى الصيني أن السبب هو تكبر الأمراء وميلهم للعلماء المتملقين المنافقين. وقال النجدي: إن سبب فتور المسلمين هو ابتعادهم عن دينهم، وضعف الإيمان في نفوسهم.
هنا أعلن الرئيس أن البحث في أعراض الداء وأسبابه قد نضج أو كاد، فيكتفي فيه بهذا القدر.. بعد هذا انتقل بحث المؤتمر إلى تحديد (الإسلام الصحيح)، ثم دعا الرئيس السيد الفراتي السكرتير، وهو (الكواكبي) لتلخيص المحاضر السابقة للمؤتمر وتعداد أسباب فتور المسلمين، وكلفه أن يزيد عليها من الأسباب ما يراه إن وجد غير ما ذكره الأعضاء، فلخص أسباب فتور المسلمين في:
(١) أسباب دينية: أهمها عقيدة الجبر، ونشر ما يدعو إلى التزهيد في الدنيا، وترك السعي والعمل.
(٢) وأسباب سياسية: أهمها السياسة الخالية من المسئولية، وحرمان الأمة حرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل وفقد العدل والتساوي في الحقوق.
(٣) وأسباب خلقية: من الاستغراق في الجهل والارتياح إليه، واستيلاء اليأس على النفوس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، والنظام المالي.
وقد زاد السكرتير أشياء على ما سبق، أهمها: الغفلة عن تنظيم شئون الحياة، وعدم توزيع الأعمال توزيعاً عادلاً، وعدم العناية بتعليم النساء وتهذيبهن وانتشار داء التواكل. ولم يرض المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها، بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعني بإصلاح المسلمين، ويشرف على تنفيذ برنامجها في الإصلاح. والجمعية لا تكون تابعة لحكومة ما، ولا تتقيد بمذهب طائفي خاص، قد اتفقوا على أن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر، لتقدمها في العلم والحرية، ولأنها أسبق الأمم الإسلامية في ذلك.
وبينما الناس يعجبون بما ينشر الكواكبي من مقالات إصلاحية في المجلات والجرائد، ومجالس الفضلاء في مصر عامرة بحديثه وجدله ودفاعه المؤدب عن آرائه، إذا بالصحف المصرية تطلع بنبأ موته الفجائي يوم ٦من ربيع الأول سنة ١٣٢٠ هـ، فأسف عليه كل من كان محباً لإصلاح المسلمين، وبكاه إخوانه الذين كانوا يرون فيه رجلا نبيل الخلق، سامي المقصد، عفي اللسان، نقي الضمير. فرحمه الله.