أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 6 أغسطس 2026

موقف الإسلاميين من قضية فلسطين جمع وإعداد محمد الحسن بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

موقف الإسلاميين من قضية فلسطين

جمع وإعداد محمد الحسن

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: تحتلُّ القضية الفلسطينية مكانةً محوريةً في فكر جماعة الإخوان المسلمين، إذ تنظر إليها بوصفها قضيةً عربيةً وإسلاميةً كبرى، تمسُّ هوية الأمة ومقدساتها، وليست مجرد نزاعٍ سياسي أو إقليمي، وترى الجماعة أن فلسطين تمثل همَّ كل عربي يعتز بانتمائه إلى أمته، وقضية كل مسلم يستشعر مسؤوليته تجاه دينه ومقدساته، مستندةً في ذلك إلى ما لفلسطين من مكانة دينية وتاريخية وحضارية في الوجدان الإسلامي.

وتؤكد أدبيات الجماعة أن فلسطين تحتضن المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله ﷺ ومعراجه، كما أنها أرض باركها الله تعالى، وشهدت دعوات عدد من الأنبياء والمرسلين، وفي مقدمتهم موسى وعيسى عليهما السلام. وإلى جانب هذه المنزلة الدينية، تعدُّ فلسطين – في نظر الجماعة – جزءًا لا يتجزأ من الوطن العربي، وعنصرًا أساسيًا في وحدة العالم الإسلامي، الأمر الذي يضفي على قضيتها أبعادًا دينية وقومية وحضارية متداخلة.

وانطلاقًا من هذا التصور، ترى جماعة الإخوان المسلمين أن الدفاع عن فلسطين، والعمل على استعادة حقوق شعبها، والسعي إلى تحرير أرضها من الاحتلال، يُعدُّ واجبًا شرعيًا وقوميًا، يستلزم تضافر جهود الشعوب والحكومات والمؤسسات، والتعاون مع جميع القوى المخلصة التي تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، سواء على المستويين العربي والإسلامي أو في المحافل الدولية، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.

ولهذا السبب أولت الجماعة القضية الفلسطينية عنايةً خاصة منذ نشأتها، وجعلتها في مقدمة اهتماماتها الفكرية والدعوية والسياسية، وسعت إلى تعبئة الطاقات والإمكانات المختلفة لخدمتها، وعدَّت ذلك أداءً لواجبها الديني والقومي، ووفاءً بما تراه مسؤوليةً تجاه الأمة ومقدساتها، ابتغاء مرضاة الله تعالى.

ويرى الإخوان المسلمون أن النتائج التي انتهت إليها حرب فلسطين سنة 1948 لم تكن وليدة التفوق العسكري الصهيوني فحسب، وإنما ارتبطت – في تصورهم – بجملة من العوامل السياسية والعسكرية، كان في مقدمتها ارتباط عدد من الأنظمة العربية بالسياسات الاستعمارية الغربية التي دعمت المشروع الصهيوني، وهيأت الظروف لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. 

ومن ثمَّ، تذهب أدبيات الجماعة إلى أن تلك الأنظمة لم تُحسن توظيف الإمكانات العربية والإسلامية المتاحة، بل حالت – في بعض الحالات – دون مشاركة القوى الشعبية والإسلامية في معركة التحرير، وفرضت عليها قيودًا سياسية وأمنية، كما تعرض عدد من المتطوعين والمجاهدين للاعتقال والملاحقة بعد انتهاء الحرب.

وانطلاقًا من هذا الفهم، اعتبرت الجماعة أن هزيمة عام 1948 لم تكن نهاية الصراع، وإنما مثلت مرحلةً من مراحله، وأن الأمة الإسلامية ما تزال تمتلك من المقومات البشرية والعسكرية والاقتصادية والحضارية ما يؤهلها لاستعادة حقوقها إذا توفرت أسباب النهضة ووحدة الصف. ولذلك أكدت في أدبياتها أن تحرير فلسطين يتطلب توحيد جهود الأمة، وتحرير إرادتها السياسية، وتعبئة طاقاتها العلمية والاقتصادية والعسكرية، والتعاون بين الشعوب والحكومات والمؤسسات في إطار مشروع حضاري شامل، يعيد للأمة زمام المبادرة ويمكنها من استرداد أرضها ومقدساتها. 

وتؤكد أدبيات الإخوان المسلمين أن النصر لا يتحقق بالوسائل المادية وحدها، وإنما يقوم – إلى جانب إعداد القوة – على ترسيخ الإيمان، وإصلاح المجتمع، ووحدة الكلمة، والأخذ بأسباب النصر التي قررها القرآن الكريم والسنة النبوية. ومن هذا المنطلق، تربط الجماعة بين مشروع تحرير فلسطين ومشروع النهضة الشاملة للأمة، وترى أن استعادة الأرض جزء من استعادة الأمة لفاعليتها وريادتها الحضارية، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: 4-5]. 

وعلى الرغم من إدراك الإخوان المسلمين لطبيعة المؤامرات الدولية التي أحاطت بالقضية الفلسطينية، وما تعرضت له بعض الأنظمة العربية من ضغوط سياسية حالت – في نظرهم – دون القيام بالدور المنشود في مواجهة المشروع الصهيوني، فإن ذلك لم يثنهم عن أداء ما رأوه واجبًا شرعيًا وقوميًا. فعملوا على توعية المسلمين بخطورة القضية، وتعبئة الجماهير، وإعداد المتطوعين وتدريبهم، ثم شاركوا في ميادين القتال بروح من الإخلاص والتضحية، حتى شهد لهم كثير ممن عاصر تلك الأحداث بالشجاعة وحسن الأداء.

وقد استقطبت معسكرات الإخوان المسلمين أعدادًا كبيرة من المتطوعين القادمين من مختلف الأقطار العربية، ولم يقتصر المنتسبون إليها على أعضاء الجماعة، بل انضم إليها عدد من الإسلاميين وغيرهم ممن وجدوا فيها إطارًا منظمًا للعمل والجهاد. كما تعاونت الجماعة مع الجهات العاملة في الساحة الفلسطينية آنذاك، ومن أبرزها الجامعة العربية، وجيش الإنقاذ، والهيئة العربية العليا، وأسهمت في مجالات التدريب والتسليح، والتوجيه المعنوي، والإعداد العسكري، إلى جانب مشاركتها المباشرة في القتال.

ولأهمية هذا الجانب من تاريخ القضية الفلسطينية، أفردت له مؤلفات ودراسات متعددة، غير أن هذه المادة – في نظر المؤلف – ما تزال في حاجة إلى الجمع والتحقيق وإعادة العرض في صورة علمية موثقة. ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة محاولةً لاستقصاء ما أمكن الوصول إليه من المصادر والوثائق والشهادات المتعلقة بدور الإسلاميين في حرب فلسطين، مع إبراز إسهاماتهم في مختلف الأقطار العربية، وتوثيق جهودهم في ميادين العمل السياسي والدعوي والعسكري.

وقد حرص المؤلف على استكمال الصورة التاريخية من خلال الاستفادة من الكتابات المتخصصة والشهادات المباشرة؛ فضمَّن هذا العمل خلاصة ما كُتب عن أدوار الإخوان المسلمين في عدد من الأقطار، ومن ذلك عرض للدور الدبلوماسي للإخوان المسلمين في سورية، وآخر لجهود الإخوان المسلمين في فلسطين، وذلك بقصد استكمال الجوانب التي لم تحظ بالعناية الكافية في الدراسات السابقة، وتقديم مادة تسهم في توثيق هذا الجانب من تاريخ القضية الفلسطينية.

ويخلص المؤلف إلى أن تحرير الأوطان لا يقوم على الحماسة المجردة، وإنما يحتاج إلى إعداد إيماني وعلمي وعملي، وإلى رجال يجمعون بين صدق العقيدة، وحسن الإعداد، وقوة العزيمة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. ويرى أن الإيمان الصادق كان – ولا يزال – من أهم العوامل المحركة للعطاء والتضحية والثبات في ميادين الجهاد، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

ولإثبات الدور الذي اضطلع به الإسلاميون في حرب فلسطين، استعرض المؤلف شهادات عدد من الشخصيات التي عايشت تلك المرحلة أو أسهمت فيها، فعرض مواقفهم بإيجاز، مستخلصًا منها أبرز ما يتصل بمشاركة الإسلاميين في معركة فلسطين. ومن أبرز هؤلاء: كامل إسماعيل الشريف، وعبد المنعم عبد الرؤوف، والدكتور مصطفى السباعي، ومحمد محمود الصواف، والدكتور محسن محمد صالح، وعوني جدوع العبيدي، وعبد المعز عبد الستار، وعمر بهاء الدين الأميري، ومحمود عبد الحليم، والدكتور عبد الله عزام

وقد تناول المؤلف شهادات هؤلاء باختصار، مبينًا ما قدموه من روايات ومواقف ووثائق تسلط الضوء على جوانب مختلفة من مشاركة الإسلاميين، ولا سيما الإخوان المسلمين، في الجهاد بفلسطين، وما رافق ذلك من جهود عسكرية ودعوية وتنظيمية، بما يسهم في استكمال الصورة التاريخية لتلك المرحلة.

كما حرص المؤلف على تتبع أدوار الإخوان المسلمين في مختلف الأقطار العربية، مبينًا إسهاماتهم السياسية والعسكرية في القضية الفلسطينية. فاستعرض الدور التعبوي والسياسي الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر في تعبئة الرأي العام، وجمع التبرعات، وحشد المتطوعين، والضغط على الحكومة المصرية للمشاركة الفاعلة في الدفاع عن فلسطين، ثم تناول مشاركتهم العسكرية، من خلال تنظيم كتائب المتطوعين، وخوضهم عددًا من المعارك التي برز فيها أداؤهم القتالي.

وأفرد المؤلف جانبًا من حديثه لمعركة عَصْلوج، بوصفها من أبرز المعارك التي شارك فيها متطوعو الإخوان المسلمين، كما عرض لجولات القائد أحمد عبد العزيز، مبينًا تعاون الإخوان المسلمين معه، ومشاركتهم في العمليات العسكرية التي قادها داخل فلسطين. 

ثم تناول موقف الجماعة عقب صدور قرار حلها في مصر سنة 1948، موضحًا أن ذلك لم يحل – في نظره – دون استمرار اهتمامها بالقضية الفلسطينية، كما استعرض مشاركتها في المعارك الأخيرة التي دارت في منطقة النقب.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى أدوار الإخوان المسلمين خارج مصر، فبيّن النشاط السياسي والعسكري للإخوان المسلمين في سورية بقيادة الدكتور مصطفى السباعي، ودورهم في تنظيم المتطوعين والمشاركة في القتال، ثم تناول إسهامات الإخوان المسلمين في العراق، وما قاموا به من جهود سياسية وشعبية وعسكرية دعماً لفلسطين، كما عرض لجهاد الإخوان المسلمين الليبيين، وما قدموه من مشاركة في ميادين الجهاد والتطوع.

ولم يغفل المؤلف الحديث عن دور الإخوان المسلمين في فلسطين والأردن، فاستعرض جهودهم في مقاومة الاحتلال، وتنظيم العمل الدعوي والعسكري، وربط ذلك بما شهدته الساحة الفلسطينية من تطورات لاحقة. كما أورد بعض الذكريات الشخصية للشيخ عبد المعز عبد الستار، التي تناول فيها نشاط الإخوان المسلمين في قطاع غزة قبيل العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وما اتسمت به تلك المرحلة من إعداد وتنظيم واستمرار للعمل الإسلامي.

وتناول المؤلف كذلك مشاركة عدد من شباب الإخوان المسلمين في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وانخراطهم في العمل الفدائي، ثم عرض جانبًا من مذكرات الدكتور عبد الله عزام، وما تضمنته من شهادات حول القضية الفلسطينية والجهاد، قبل أن يختتم حديثه بالإشارة إلى تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مبينًا علاقتها بالفكر الإصلاحي للإخوان المسلمين، ثم عرض موقفه من قضية الصلح مع اليهود، موضحًا الأسس التي بنى عليها رؤيته في هذا الشأن.

وقد استعرض المؤلف جملةً من التصريحات التي ينسبها إلى عدد من الساسة والقادة الغربيين، ويرى أنها تكشف عن طبيعة الموقف الغربي من الإسلام والقضية الفلسطينية. فمن ذلك ما أورده منسوبًا إلى غلادستون في مجلس العموم البريطاني: «لن نستطيع أن نحكم الشرق ما دام القرآن يحكمه»، وإلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج، والرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، وغيرهم من الشخصيات السياسية والعسكرية، كما أشار إلى ما يُروى عن الجنرال الفرنسي غورو، وإلى المقولة المشهورة المنسوبة إلى الجنرال اللنبي عند دخوله القدس سنة 1917، «ها قد عدنا يا صلاح الدين»، والتي عدّها المؤلف تعبيرًا عن الامتداد التاريخي للصراع بين الغرب والعالم الإسلامي.

ثم انتقل إلى بيان الخلفية السياسية للقضية الفلسطينية، فتناول اتفاقية سايكس–بيكو، ووعد بلفور، ومعاهدة لوزان، عارضًا رؤيته لما ترتب عليها من آثار في تفكيك الدولة العثمانية، وإنهاء نظام الخلافة، وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بما يخدم المصالح الاستعمارية. حيث اشترطت فيه بريطانيا على تركيا أنها لن تنسحب من أراضيها حتى تقوم بإلغاء نظام الخلافة، وطرد الخليفة ومصادرة أمواله، وقطع كل علاقة بالإسلام، واختيار دستور مدني بعيد عن الإسلام.

كما استعرض مؤتمر بازل الصهيوني المنعقد في سويسرا سنة 1897، مبينًا دوره في وضع الأسس السياسية للمشروع الصهيوني، وأشار كذلك إلى بعض المؤتمرات والأنشطة الاستشراقية التي يرى المؤلف أنها أسهمت في خدمة ذلك المشروع وتعزيز النفوذ الغربي في العالم الإسلامي، والمتمثل في مؤتمر المستشرقين الذي دعا إليه وايزمان عام 1902، واجتمع له 3000 مستشرق ضد الإسلام

ويختتم المؤلف هذا العرض بالتأكيد على أن تحرير فلسطين لا يتحقق إلا بعودة الأمة إلى دينها، ووحدة صفها، واستعادة عوامل قوتها، مستشهدًا بأبيات شعرية يدعو فيها إلى الإيمان الصادق، والجهاد، والثبات، ويجعل من ذلك الطريق الأقوم لتحرير فلسطين واستعادة مجد الأمة الإسلامية.

يا خطة الإيمان إن جلاءها … بين النزال وبين رأي محكم

شرف الفعال يصان بين أسنة… تجلو عن الميدان نهجا المسلم

يا أمة الإسلام، دربك مقفر … ما بين أوهام تدور ومزعم 

ويتجلى موقف الإسلاميين من قضية فلسطين في النقاط التالية:

  1. يرون أن المبادرات والحلول السلمية التي طُرحت لتسوية القضية الفلسطينية لم تتوافر لها إرادة حقيقية للتنفيذ، وأنها كانت في كثير من الأحيان وسيلة لإدارة الصراع أكثر من كونها سبيلًا لإنهائه، ولم تفضِ إلى استعادة الحقوق الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال.

  2. ويعتقدون أن مسار التسويات السياسية أدى إلى استنزاف طاقات الأمة، وإشغالها عن مشروع التحرير، وإضعاف حركات المقاومة، وإهدار كثير من التضحيات والإنجازات التي تحققت على أرض الواقع.

  3. ويؤكد الإسلاميون أن الحقوق المتعلقة بفلسطين تمثل حقوقًا ثابتة لا تقبل المساومة أو التجزئة، وأنها ترتبط – في نظرهم – بأصول شرعية ووطنية تجعل التنازل عنها أمرًا غير مقبول.

  4. كما يرفضون نظرية التنازلات المرحلية، ويرون أن التفريط بجزء من الحقوق لا يؤدي إلى استعادة ما بقي منها، بل يفتح الباب أمام مزيد من التنازلات، ويؤدي في النهاية إلى خسائر أكبر على المستويين السياسي والوطني.

  5. وينظر الإسلاميون إلى شعار «السلام العادل» على أنه يفتقر إلى مقومات التطبيق ما دامت موازين القوى الدولية – في تقديرهم – لا تقوم على العدل والإنصاف، وما دام الاحتلال مستمرًا في فرض الأمر الواقع.

  6. واستند الإسلاميون في نقدهم لمسار التسوية إلى عدد من القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، فمن ذلك:

-  قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، المعروف بقرار التقسيم، الذي عدُّوه مجحفًا بحق الشعب الفلسطيني؛ لأنه منح الحركة الصهيونية جزءًا كبيرًا من أرض فلسطين دون موافقة سكانها العرب.

- كما استدلوا بقرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، الذي أكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، ورأوا أن عدم تنفيذ هذا القرار يمثل دليلًا على غياب الإرادة الدولية لتطبيق قرارات الأمم المتحدة. 

- كذلك استشهدوا بقرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967، وعدّوا استمرار الاحتلال وعدم تنفيذ القرار شاهدًا آخر على ضعف فاعلية المنظومة الدولية في إلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الصادرة بحقها.

ومن خلال هذه المبادئ، يؤكد الإسلاميون أن معالجة القضية الفلسطينية لا يمكن أن تقوم – في تصورهم – على التسويات السياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى مشروع شامل يجمع بين وحدة الأمة، والإعداد الشامل، والحفاظ على الحقوق، والتمسك بالثوابت، مع الاستفادة من الوسائل السياسية والقانونية التي لا تمس هذه المبادئ.



الحديقة الأنيقة في علمي الشريعة والحقيقة محمد بن عمر بن مبارك الحضرمي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الحديقة الأنيقة في علمي الشريعة والحقيقة

محمد بن عمر بن مبارك الحضرمي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذه قصيدة نفيسة، تضمنت آداباً كريمة، ومواعظ حكيمة، قد صيغت بأسلوب المتون العلمية التي تجمع بين الفقه، والوعظ، والعقيدة، والتزكية، وذلك حتى يسهل حفظها، ويمكن اعتبارها نظماً مختصراً لمهمات كتاب (إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي -رحمه الله-، وقد أشار إلى ذلك بقوله أنه ينقل عن (الإمام المستجاد) أي: الموصوف بالتجويد والإتقان، يعني الإمام الغزالي.

وتدور القصيدة حول إعداد المسلم للحياة الآخرة، وذلك من خلال ترسيخ العقيدة الإسلامية، والتمسك بأركان الإسلام والإيمان، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والتحذير من الرذائل، مع ربط جميع ذلك بالتقوى التي جعلها الناظم أساس النجاة والفلاح.

ومن أهم الموضوعات التربوية التي تضمنتها هذه القصيدة: الحث على اغتنام العمر، وذم التسويف، والتذكير بقصر الأمل، والاستعداد للموت، وضرورة التزود للآخرة، ولم يكتف الناظم بوضع القصيدة، حتى أردف ذلك بشرحٍ تقرُّ به عيون الطالبين والمحبين.

ولعلنا نلمح الطريقة التي شرح بها المؤلف نظمه كما يلي: توضيح غريب الألفاظ أولاً، ثم بيان المعنى الإجمالي ثانياً، ويتبع ذلك بذكر الدليل على كل مسألة (ويُعبّر عنه بقوله "أصل البيت") ثالثاً. ويتبع ذلك ببيان بعض الآداب الظاهرة والباطنة التي أدلى بها البيت، ثم ذكر بعض أسرار الشرع في ذلك، وبعض حكمه المرادة، ثم يورد ما يعنُّ له من أبيات الأدب والحكمة، ومن ذلك قوله في وصف الدنيا:

إذا أقبلت وَلَّتْ وإن هي أحسنتْ … أساءت وإن ضاقت فَثِقْ بالكدورةِ

ولو نلتَ منها مالَ قارونَ لم تنل … سوى لقمةٍ في فيك منها وخِرقةِ

وعيشُك فيها ألفَ عام وينقضي … كعيشك فيها بعضَ يوم وليلةٍ

ولعل أجمل أبيات القصيدة، قوله:

أَعِدَّ الزَّادَ لِلسَّفَرِ الطَّوِيلِ …  فَلَيْسَ إِلَى الإِقَامَةِ مِنْ سَبِيلِ

وتميّز النظم وشرحه بأسلوبه الأدبي المتميز، الذي يسبر أغوار البيان والبديع، فتراه يستخدم (التجريد) مثلاً؛ فيُجرّد نفسه إنساناً يُخاطبه، ويُلقي إليها المواعظ والحكم كأنه غريبٌ عنها، كما امتاز بكثرة إيراده للشواهد من الكتاب والسنة، والآثار عن السلف الصالح، عازياً كل حديث إلى مظانّه، مع ضبط ألفاظ الحديث وذكر اختلافها، وبيان من صححه، مُبيناً غريبها، بأسلوب حديثي دقيق.

وتنتمي هذه القصيدة إلى بحر الوافر، والذي أصل تفعيلاته: (مفاعلتن مفاعلتن فعولن)، كما أن الرويّ فيه هو الدال المكسورة، وهذا يعطي القصيدة امتدادًا صوتيًا لطيفًا يلائم طابع الوعظ، ومن نافلة القول أن هذا البحر بجماله يعتريه من الزحافات والعلل ما هو مألوف فيه، ولعل اختيار هذا البحر بالذات يعود إلى أنه من أكثر البحور استعمالًا في المواعظ والحِكَم والمنظومات التعليمية لما يمتاز به من سلاسة وقوة إيقاع.

وقد جعل الناظم التقوى أساساً لهذا النظم، لأنها أصلٌ لجميع الفضائل، وقد بيّن أن التقوى هي وصية الله لجميع عباده المؤمنين، وأنها طريق الربح الحقيقي في الآخرة، كذلك هي سبيل المجاهدين والصالحين في الدنيا لنيل الدرجات العالية في الجنة. 

ثم اغتنم قصيدته في قسمة الوسائل المعينة على للتقوى إلى أبواب مرتبة بالأعداد (من واحد إلى عشرة) وجعل لكل عددٍ باب، ولكل بابٍ وسيلة على عدده، وهي طريقة تعليمية جميلة ومفيدة.

- ففي باب الواحد -تناول ثلاثة أمور: صلاح القلب، وحفظ البطن، وطلب العلم، وكلها أمرٌ واحد يعود إلى صلاح القلب.

- وفي باب الاثنين -تناول أمرين: اغتنام الصحة والفراغ، الزهد وحسن الخلق، الكرم والسخاء.

- وفي باب الثلاثة - جمع فيه أمهات الأخلاق، من صلة الرحم، والعفو، والصدق، والوفاء، وأداء الأمانة، ومجاهدة الهوى والعجب والشح.

- وفي باب الأربعة -تناول: الإيمان بالقدر، والاعتقاد الصحيح، وفضل الخلفاء الراشدين، والمحافظة على الأذكار.

- وفي باب الخمسة، يربط الرقم خمسة بـ: أركان الإسلام، والصلوات الخمس، والأسئلة الخمسة يوم القيامة.

- وفي باب الستة - ربطه بـ: أصول الإيمان الستة، وحقوق المسلم، وصلة الأقارب والجيران.

- وفي باب السبعة، تناول: شرح حديث: السبعة الذين يظلهم الله في ظله؛ فذكر أصنافهم باختصار.

- وفي باب الثمانية -يربط العدد ثمانية بـ: أبواب الجنة، وحملة العرش، وأصحاب الكهف.

-وفي باب التسعة، يذكر تسع عقوبات للذنوب، كشيوع الفاحشة، أو تطفيف المكاييل، أو الحكم بغير ما أنزل الله.. الخ.

-وفي باب العشرة -يربط العدد عشرة بكتاب إحياء علوم الدين، فذكر: المهلكات العشر، والمنجيات العشر.

وأخيراً عقد أبياتاً ذكر فيها إهداء القصيدة، فيصف قصيدته بأنها: هدية علمية، جامعة للحكم، مشتملة على الأحكام، سهلة الحفظ، ثم يلتمس العذر من النقاد، ويختم أخيراً بالدعاء، الذي اشتمل على طلب المغفرة من الله تعالى، والهداية إلى الصراط المستقيم، وإصلاح أحوال المسلمين، وتحقيق الأمن للبلاد، ثم الصلاة على النبي ﷺ وآله وصحبه، وهو من تقاليد المنظومات الإسلامية.

ويؤخذ على القصيدة وشرحها أن الناظم والشارح سلكا في تقرير مسائل الأسماء والصفات منهج المتكلمين من الأشاعرة، ولا سيما في باب النفي والإثبات، حيث أطالا في تقرير صفات السلب والتنزيه، على خلاف المنهج الذي جرى عليه القرآن الكريم، إذ يكثر فيه إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل، ويأتي نفي النقائص على سبيل الإجمال، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. أما في هذه المنظومة وشرحها، فقد غلب جانب النفي، واتسع الحديث فيه على نحوٍ يوافق الطريقة الأشعرية في تقرير العقيدة، وهو ما يظهر بجلاء في المواضع الممتدة من (ص 146-170). 

__________________________________________________

وأحببت أن اورد شيئاً من الشرح الذي نثره الناظم، فاصطفيت لذلك شيئاً من كلامه في (باب التسعة)، يقول -رحمه الله-:

وأصل الباب كله: ما روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا حدث في الناس تسعة أشياء.. كانت معها تسعة أشياء: إذا كثر الزنا.. كثر موت الفجأة، وإذا منعوا الزكاة.. منعهم الله القَطر، وإذا طففُوا المكيال.. أُخِذوا بالسنين، وإذا جاروا في الحكم.. عمهم الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد.. سلط الله عليهم عدوَّهم، وإذا تركوا الأمر بالمعروف.. اضطربت عليهم أمورهم، وإذا تركوا النهي عن المنكر.. ملَّكهم شرارُهم، وإذا قطعوا الأرحام.. جُعلت الأموال بأيدي الأشرار، وإذا ارتكبوا المحارم.. طرقتهم الآفات)) كذا هو في رواية، وله شواهد ستأتي هنا.

ففي ((المعجم الكبير)) للطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خمس بخمس)) قيل: يا رسول الله؛ ما خمس بخمس؟ قال: ((ما نقض قوم العهد.. إلا سلط الله عليهم عدوَّاً من غيرهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله.. إلا فشا فيهم [الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة.. إلا فشا فيهم] الموت، ولا منعوا الزكاة.. إلا حبس الله عنهم القطر، ولا طففوا المكيال.. إلا مُنعوا النبات وأُخذوا بالسنين)).

و(السنين): جمع سنة، وهي هنا العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئاً، سواء وقع المطر أم لا. وعبّر في النظم عن اضطراب الأمور وولاية الأشرار باختلال الملك؛ لأن كلاَّ منهما خللٌ فيه، ولم يذكر فيه ارتكاب المحارم لضيق النظم.

وقد أشار إلى عدم الحصر بقوله : (كموت فجاءة) مع أن ذكر ارتكاب المحارم بعد ما سبق من باب ذكر العام بعد الخاص، وقد يغني الخاص عن العام، وقد جاء أيضاً في النهي عن التسع الخصال المذكورة أدلة كثيرة. 

وأما منع الزكاة: فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونهَا فِىِ سَبِيلِ اُللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيِمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِیِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوََى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَُظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَنزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُُنتم تَكْنُِزوُنَ﴾.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها.. إلا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فاحمِيَ علیها في نار جهنم، فيُکوَى بها جبهته وجنبه وظهره، كلما بردت.. أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين العباد... )) الحديث، رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله.. إلا مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع حتى يطوَّق به في عنقه))، ثم قرأ علينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اُللّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيرا لَّهُمّ بَلْ هُوَ شَرٌِ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ پِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ رواه ابن ماجه والنسائي بإسناد صحيح، وابن خزيمة في ((صحيحه)).

و(الشجاع الأقرع): الحية السوداء التي ذهب شعر رأسها من شدة سمها.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما خالطت الزكاة مالاً.. إلا أهلكته)) أي: ما تُركت في مال ولم تُخرج منه.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تلف مال في برِّ ولا بحرٍ.. إلا بحبس الزكاة)) رواه الطبراني، والحاكم، وقال: صحيح الإِسناد.

وأما الجور في الحكم: فقال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللّهُ فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و﴿الظّالِمُونَ﴾ و﴿اُلْفَاسِقُونَ﴾.

وأما نقض العهد: فقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ اُلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اَللَّهِ إِذَا عَهَدتُمْ﴾.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جارت الولاة.. قحطت السماء، وإذا مُنِعت الزكاة.. هلكت المواشي، وإذا ظهر الزنا.. ظهر الفقر والمسكنة، وإذا أُخفِرت الذمة.. أُديل الكفار))، أو كلمة نحوها، والإِدالة: الغلبة. و القحط: الجدب واحتباس المطر.

وقال في ((الجامع الصغير)): ((وإذا ظهرت الفاحشة.. كانت الرجفة، وإذا جار الحكام.. قل المطر، وإذا غدر أهل الذمة.. ظهر العدو)).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أَعطَى بي عهداً ثم غدر، ورجل باع حراً ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفِّه أجره)) رواه البخاري.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخِرين.. يُرفَع لكل غادر لواءٌ، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) رواه مسلم. والغدرة: من الغدر وهو ضد الوفاء.

وعن بريدة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما نقض قوم العهد.. إلا كان القتل فيهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم..إلا سلط الله عليهم الموت، ولا مَنَع قوم الزكاة.. إلا حبس الله عنهم القطر)) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

وأما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ يِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اُلْمُنكَرِ وَأُوْلائكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي.. نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم؛ فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم لعنهم الله على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، کانوا لا يتناهون عن منکر فعلوه )) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

ورواه أبو داوود وزاد: ((كلا والله؛ لتأمرُنَّ بالمعروف، وَلَتَنْهُنَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد الظالم ولتقصُرنَّه على الحق قصراً، أو لَيَضرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم)).

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه.. أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقاب من عنده)) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((من رأى منكم منكراً.. فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع..فبلسانه، فإن لم يستطع.. فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان)) رواه مسلم.

وعن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) رواه البخاري ومسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس؛ إن الله تعالى يقول لكم: مُروا بالمعروف وانهَوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا أستجيب لكم، وتسألوا فلا أعطيكم، وتستنصروا فلا أنصركم)) رواه ابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه)).

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً.. لم نؤذ مَنْ فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا.. هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم.. نجوا جميعاً)) رواه البخاري.

وأما قطيعة الرحم: فقد سبق ذكرها في الباب الثالث.

وأما ارتكاب المحرمات على العموم: فقال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْسِبُونَ آَلْإِثْمَ سَيُجْزَونَ بِمَا كَانُوا يَفْسقونَ﴾.

وعن أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتق المحارم.. تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك.. تكن أغنى الناس، وأَحسن إلى جارك.. تكن مؤمناً، وأَحِبَّ للناس ما تحب لنفسك.. تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب)) رواه الترمذي.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خصال خمس أعوذ بالله أن تُدركوهنَّ: لم تظهر الفاحشة فى قوم قط..إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان.. إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم.. إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم.. لم يُمطَروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله.. إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وسُنَّةِ رسوله.. إلا جعل الله بأسهم بينهم )) رواه ابن ماجه والبيهقي والبزار.

واعلم: أن للمعاصي من الآثار القبيحة بمقدار ما للتقوى من الأوصاف الحسنة، وقد سبق في أول الكتاب التنبيه على فضيلة التقوى.

وبالجملة : فكما أنه لا خير في الدنيا والآخرة إلا وسببه التقوى، فكذلك ليس في الدنيا والآخرة شر ولا بلاء ولا محنة إلا وسببه المعاصي، فهي سبب كل فساد في البر والبحر، من هلاك الأديان والأبدان، والأمراض والأسقام، وفساد الزروع والثمار، والقحط والخوف، والغرق في البر والبحر، وهلاك الأموال والأنفس، وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ في اُلْبَرَ وَالْبَحْر بِمَا كَسَبَتْ أيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَهُمْ برْجِعُونَ﴾.

وهي سبب زوال النعم وحلول النقم، والندم حيث لا ينفع الندم؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَ اللَهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا يِأَنفُسِهِمٌّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍِ سُوّءًا فَلَاَ مَرَدَّ لَهم وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَالٍ﴾.

وهي سبب سلب الإِيمان واللعنة وغضب الرحمن، والذلة والمسكنة والهوان؛ قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾.

وهي سبب لعن أهل الكتاب وامتحانهم، أخبر الله تعالى به عنهم مرة بالقتل والسبي وجور الملوك، يسومونهم سوء العذاب، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأخرى بخراب الديار ونهب الأموال؛ كما قال الله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيَكُمْ عِبَادًا لَّنا أُوْلى بَأَسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ اُلدِيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ وتارة بمسخهم قردة وخنازير؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِتِين﴾.

بل هي سبب هلاك الأمم الماضية والقرون الخالية؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا يِذَنِيِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَن أَخَذَتْهُ الضَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقنَأَ وَمَا كَانَ اَللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

ثم حذرنا الله أن يحل بنا ما حل بهم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِيِنَ أُوتُواْ الْكِتابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيَهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَتِيرُ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمِْره أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبهُمْ عَذَابُ أَلِيم﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٍ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيَهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى، وَإِنِى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أهْتَدَى﴾.

عظُمت مصيبة من عصى مولاه …  وخلا بذاك الذنبِ وهو يراهُ

كيف استقر قراره لما عصى … أم كيف لا تجري دَماً عيناهُ

يا مذنباً لم تجر منه دموعه … أسفاً على ما كان من بلواهُ

إِنِّي أظنك مبتلىّ بقساوة … يا من يقِلُّ دموعه وبكاهُ

______________________________________________

ترجَمة المؤلف - رَحمَه الله تعَالى-

(٨٦٩ - ٩٣٠هـ - ١٤٦٥ - ١٥٢٤م)

هو الشَّيخُ العلامةُ المحدِّثُ، الإِمامُ البارعُ، اللُّغويُّ النَّحْويُّ الأَديبُ؛ القاضـي: جمالُ الدّينِ محمَّدُ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُبارك بْنِ عبدِ الله بْنِ عليٍّ. الحميَريُّ، الحضرميّ، الشّافعي. الشَّهير بابَحْرَق.

ولِدَ - رحمَهُ اللهُ تعالى - في ليلة النِّصف من شعبانَ، سنة تسعٍ وستّينَ وثمانٍ بحضرموت.

وطلبه العلم: نشأ - رحمَهُ اللهُ تعالى - على أَحسن الأَوصاف والنُّعوت بحضرموت؛ المشهودِ لها بوفرةِ العلماءِ ورسوخهم في كثيرٍ من فنون العلم، فحفِظَ القرآنَ الكريـمَ و((الجزريّةَ)) ومعظَم (الحاوي الصَّغير)) و((الشّاطبيَّةَ)) و((منظومةَ البرماوي)) الأُصوليّة و(( أَلفيَّةَ أبنِ مالك)) النَّحْوِيَّة. وأَخذ عن الفقيه الشَّبخِ الجليـلِ محمَّدٍ بنِ أحمدَ باجرفيل الفقة.

رحلَ إِلى (الشحر)، فأَخذ عن العلامة الشَّهير عبدِ الله بن عبد الرَّحمن بافضل وقرأ عليه في الفقه وأُصولِهِ. ثمَّ إِلى بندر (عدن)، فأَخذ عن عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ بامخرمة الَّذي لازمه ملازمةً تامَّةً حتّى تخرَّج به، وقرأَ عليه الفقه وأُصولَه والعربيَّة، حتى كان جلُّ انتفاعه به، وقرأَ عليه ((أَلفيَّةَ أبنِ مالك)) وجميع ((سيرةِ أبنِ هشام)) وجملةٌ صالحةً من (الحاوي الصَّغير)) في الفقه، وسمعَ عليه جملةً من علومِ شتّى.

وأَخذ عن الشَّيخ محمَّدٍ بنِ أَحمدَ بافضل، فقرأ عليه أَيضاً الفقة وأُصولَه.

ثمَّ أرتحلَ إِلى (زبيد) وأَخذ عن علمائها. فأَخذ علمَ الحديث عن المحدِّثِ الشَّيخِ زين الدّين محمَّدٍ بنِ عبد اللَّطيف الشرجي، وعلمَ الأُصول عن الفقيه جمالِ الَدّين محمَّدٍ بنِ أَبي بكرِ الصّائغِ، وأَخَذَ عنه التَّفسيرَ والحديثَ والنَّحْوَ، وقرأَ عليه ((شرحَ البهجة الورديَّة)) لأَبي زرعة. وأَخذ أَيضاً عن السَّيِّد الشَّريف الحسينِ بنِ عبد الرَّحمن الأَهدل. وصحبَ الشَّيخَ أَبا بكرٍ العيدروس، وأَخذَ عنه، وأنتفعَ به، وعادت عليه بركَتُهُ.

ثمَّ رحَلَ إِلى (الحرمَيْن) سنة أَربعٍ وتسعينَ وثمانِ مِئةٍ، وأَدَى النُّسكينِ العظيمينِ، واجتمعَ بالحافظ السَّخاويِّ، وسمعَ منه، وأَخذَ عنه علمَ الحدیث والمصطلح.

مكانته وحياته:

كانَ - رحمَهُ اللهُ تعالى - ثقةً، صالحاً، حافِظاً للأَحاديث والآثار، رجّاعاً إِلى الحقِّ، مُحِبّا لأَهل العلم، مُحسِناً إِلى طلبته، غايةً في الكرمِ، مُؤْثِراً.

تولّى القضاءَ (بالشحر)، فكانَ قاضياً عادِلاً تُحْمَدُ أَحكامُهُ. ثمَّ عَزَلَ نفسَهُ، وقصدَ ( عدن) فحصلَ له قبولٌ وجاةٌ عند أَميرها مرجان العامريّ.

ولمّا توفّي الأَميرُ مرجان سنةَ سبعٍ وعشرينَ وتسعِ مئةٍ قصدَ (الهندَ )، فوفدَ على سُلطانها مظفَّر شاه أَحمدٍ بنِ محمود بايقرا (الكَجراتي). فقرَّبَهُ السُّلطانُ وأَكرمَهُ وعظَّمَهُ، وقامَ به وقدَّمَهُ، ووسَّعَ عليه وألتفتَ إِليه، وأَدناهُ منه وأَخذَ عنهُ، فاشتُهِرَ بجاهه. وصنَّفَ للسُّلطان كتاب: ((تَبصرةُ الحضرةِ الشّاهيَّةِ الأَحمديَّةِ بسيرةِ الحضرةِ النَّويَّةِ الأَحمديَّةِ)).

قال السَّخاويُّ في ((الضَّوء اللاَمع)): وصاهرَ صاحبُنا - أَي: بحرق -حمزةَ النّاشريّ على أبنته وأَولَدها، وتولَّعَ بالنَّظم أَيضاً ومدحَ - السُّلطانَ - عامرَ بنَ عبد الوهّاب حينَ شَرَعَ في بناء مدارسِ (زبيد) والنَّظر فيها، فكان من أولها فيما أَنشدنيه حينَ لَقِيْتُهُ (بمكَّة)، وأَخَذ عنّي، وكانَ قدومه لها ليلةَ الصُعود، فحجَّ حجّةَ الإِسلام وأَقامَ قلیلاً، ثمَّ رجعَ - کان الله له -.

فمّما قالَ - مادِحاً السُّلطانَ عامرَ بنَ عبد الوهّاب ۔:

أبىُ اَللهُ إِلّ أَنْ تَحوزَ ألمَفاخِرا... فَسَمّاكَ مِنْ بَيْنِ البَريَّةِ عامِرا

عمـرتَ رُسومَ الدّيْنِ بَعْدَ دُروسِها … وأَحْيَيْتَ أَثارَ الإِلهِ الدَّوائِرا 

فأنتَ صَلاحُ الدِّينِ لا شَكَّ هُذِهِ … شَواهِدُهُ تَبْدو عَلَيْكَ ظَواهِرا

قال - أَي: السَّخاويُّ - وكذا أَنشدني ممّا أُمتدحَ به المُشارَ إِليه بيتاً هو عشرُ كلمات:

يا رَبِّ كُنْ أَبداً مُعيناً ناصِراً … شَمسَ الملوكِ صلاحَ دينكَ عامرا

وضمَّنه في أَربعة أَبياتٍ يستخرجُ منها الضَّمير من العشر؛ فقال:

أيَّدتَ دينَكَ يا رَبَّ العُلا أَبداً … بِناصرٍ لِمُلوكِ الأَرْضِ قَدْ ضَهَدا

أعنـي بِهِ عامِراً شَمْسَ المُلوكِ فَكُنْ … نَصيرَهُ أَبداً في كُلِّ ما قَصَدا

وناصِراً وَمُعيناً فَهُوَ شَمْسُ ضُحىّ … أَخفى نُجومَ مُلوكِ الأَرضِ مُنْذُ بَدا

لَيتَهُ عامِراً لَمّا أَرَدْتَ بِهِ … صَلاحَ دينِكَ إِرغاماً لِمَنْ جَحَدا

انتهى كلام السَّخاويّ.

قال عنه العيدروس في ((النّور السّافر)): (ما رأيتُ أَحداً من علماء حضرموت ) أَحسنَ ولا أَوجزَ عبارةً منهُ، وله نظمٌّ حسنٌ، وهو أَحدُ من جمع ديباجتي النَّظم والنَّثر، فنثرُهُ منثورُ الرّياضِ جادَ بها السَّحائبُ، ونظمُهُ منظومُ العقودِ زانتها النُّحورُ والتَّرائبُ).

وهو الَّذي يقولُ هذه الأَبياتَ مُجيباً لبعض الفضلاء المُمْتحِنین له من اهل زمانه:

يا مَنْ أَجَادَ غَداةَ أَنْشَدَ مِقْوَلا … وَأَفادَ مِنْ إِحسانِهِ وَتَفَضَّلا

إِنْ كُنْتَ مُمْتَحِنِي بِذاكَ فَإِنَّني … لَسْتُ الهَيوبَةَ حَيثُما قيلَ أنْزلا

وَإِذا تَبادَرَتِ الجيادُ بِحَلْبَةٍ … يَوْمَ النِّزالِ رَأَيْتَ طَرْفي أَوَّلا

قَسَماً بِآياتِ البَديعِ وَما حَوى … مِنْ صَنْعَتَيْهِ مُوَشَّحاً وَمُسَلْسَلا

لَو كُنْتُ مُفْتَخِراً بِنَظَّمِ قَصيدةٍ … مِنْ كُلِّ قافيَةٍ يَروقُ سَماعُها

لَبَنَيْتُ في هامِ المَجَرَّةِ مَنْزِلا … وَيُعيدُ سُحبانَ الَفَصاحَةِ باقِلا

وَتَرى لَبيدَكُمُ بَلبيداً قَلْبُهُ … حَصْراً وَيَنْقَلِبُ الفَرَزْدَقُ أَخْطَلا

وَعَلی جَریرٍ بحرُ مِطْرَفِ تیهنا … مُهَلْهَلاً نُبُديهِ نَسْجَ مُهَلْهِلا

وَلَئْنْ تَنَبَّىْ أبْنُ اُلحُسَيْنِ فَإِنَّني … سَأَكونُ في تِلْكَ الصِّناعَةِ مُرْسَلا

أَظَنَنْتَ أَنَّ الشِّعْرَ يَصْعُبُ صَوْغُهُ …عِندي وَقَدْ أَضْحى لَدَيَّ مُذَلَّلا

 أُبدي العجائِبَ إِنْ بَرَزْتُ مُفاخِراً … أَو مادِحاً لِلْقَومِ أَو مُتَغَزِّلا

لَكِتَّني رَجُلٌ أَصونُ بِضاعَتي … عَمَّنْ يُساوِمُ بَخْسَهَا مُتَبَذًلا

وَأَرى مِنَ ألجُرْمِ اُلعَظيمِ خَريدةٌ …  حَسْناءَ تُهْدى لِلَّئيمِ وَتُجْتَلىُ

ما كُنْتُ أَحْسَبُ عَقْرَباً تَحْتَكُ بأل … أَفعی وَلا جَذِعاً یُزاحِمُ بُزّلا

وَأَنا الغَريبُ وَأَنْتَ ذاكَ وَبَيْنَنَا … رَحِمٌ يَحُثُّ لِمِثْلِها أَنْ توصَلا

ولقد أَجادَ فيها كلَّ الإِجادة - ولله درُّهُ - ولا يَبْعُدُ أَنَّ براعته في الشِّعر لمعنى إِرثي من إِمامه الشّافعي رضيَ اللهُ عنهُ. انتهى كلام العيدروس.

وقد ذكر له كرامات ومرائي صالحاتٍ لا نطيل بذكرها.

وله مقاطيعُ شعريَّةٌ حسنةٌ، منها:

أَنا في سَلْوَةٍ عَلی كُلِّ حالٍ … إِنْ أَباني الحَبيبُ أَو إِنْ أَتاني

أَغْنَمُ الوَصْلَ إِنْ دنا في أَمانِ … وَإِذا ما نأَى أَعِشْ بِالأَماني

وله قصيدةٌ عظيمةٌ سمّاها: ((العروة الوثيقة في الجمع بين الشَّريعة والحقيقة))، أَجاد فيها إِلى الغاية، وشرحها شرحاً سمّاهُ: ((الحديقة الأنيقة)).

لقد كانَ - رحمَهُ اللهُ تعالى - العالِمَ الَّذي يمشي تحتَ عَلَمٍ فتياهُ العلماءُ

أعلامُ وحملة الأَقلام، وتخضعُ لفصاحته وبلاغته صيارفَةُ النَّثر والنّظام.

يخَ اللُّغة والنَّحْوِ والإِعراب، وعمدةَ الفقهاء في نصوص الشّافعي

مصنفاته:

صنَّفَ - رحمَهُ اللهُ تعالى - مصنَّفاتٍ عديدةٍ في الأُصول والفروع والحديث والسّيرة والعقيدة والنَّحو وفي أَهل الأَحوال. وقد تلقّاها النّاسُ بالقبول نذكرها:

١ - حدائق الأَنوار ومطالع الأَسرار في سيرة النَبيِّ المختار، المسمَّى ((تبصرة الحضرة الشّاهيَّة الأَحمديَّة بسيرة الحضرة النَّبوية الأَحمديّة)) مطبوع.

٢ - أُرجوزة في علم الحساب.

٣ - أُرجوزة في علم الطِّبِّ، وشرحها شرحاً مفيداً.

٤ - الأَسرار النَّبويَّة في أختصار الأَذكار النَّوويَّة. (مطبوع).

٥ - البهجة في تقويم اللَّهجة.

٦ - ترتيب السُّلوك إِلى ملك الملوك.

٧ - تحفة الأَحباب في شرح ((ملحة الأَعراب))، للحريري. (مطبوع).

٨ - الحديقة الأَنيقة في شرح العُروة الوثيقة. (مطبوع).

٩ - الحسام المسلول على مُنتقصي أَصحاب الرَّسول. (مطبوع).

١٠ - حلية البنات والبنين وزينة الدنيا والدّين. (مطبوع).

١١ - الحواشي المفيدة على أَبيات اليافعي في العقيدة. وذكر في كتابه ((ترتيب الشُّلوك)) أَنَّ له على أَبيات الشَّيخ عبد الله بن أَسعد اليافعي ثلاثة شروح، بسيط ووسيط ووجيز.

١٢ - ذخيرة الإِخوان، (المختصر من كتاب الاستغناء بالقرآن). (مخطوط).

١٣ - رسالة في علم الميقات.

١٤ - رسالة في الفلك.

١٥ - شرح الجزريَّة.

١٦ - شرح على منظومة الشَّيخ أَبي الجبيش الأَندلسي في العروض.

١٧ - شرح لامية آبن مالك في التَّصريف.

١٨ - عقد الدُّرر في الإيمان بالقضاء والقَدر. (مخطوط).

١٩ - العقد الثَّمين في إِبطال القول بالتَّقبيح والتَّحسين. (مخطوط).

٢٠ - فتح الأَقفال شرح أَبنية الأَفعال.

٢١ - فتح الرَّؤوف في معاني الحروف.

٢٢ - مختصر الخلاصة لابن مالك، في عدَّة أهل بدر وشرحه.

٢٣ - مختصر نهاية النّاشري في علم القراءات.

٢٤ - متعة الأَسماع بأَحكام السَّماع، (المختصر من كتاب الإِمتاع).

٢٥ - مختصر التَّرغيب والتَّرهيب، للمنذريّ. (مخطوط).

٢٦ - مختصر شرح لامية العجم، للصَّفدي. (مطبوع).

٢٧ - مختصر المقاصد الحسنة، للسَّخاويّ.

٢٨ - مواهب القدّوس في مناقب العيدروس.

٢٩ - النّبذة المختصرة في معرفة الخصال المكفِّرة للدُّنوب المقدّمة والمؤخرة.

٣٠ - النّبذة المنتخبة من كتاب الأَوائل، للعسكريّ.

لعلّ هُذه المصنّفات هيَ الأَشهر.

وبالجملة: فجميعُ مؤلَّفاته رائقةٌ حسنةٌ، محرَّرةٌ منقَّبةٌ مستحسنةٌ، ولهذا تداولها أَبناء الزَّمان، وتناقلها المشاة والرّكبان، وعُقدت عليها الخناصر، وانَعطفت عليها الأَّواصر.

وفـاته:

قال العيدروس في ((النّور السافر)): حُكي أَنَّه مات بالسّمّ، وسببُ ذلكَ أَنَّهُ حظيَ عند السُّلطان إِلى الغاية، فحسدَهُ الوزراء على ذُلكَ، فوقعَ منهُم ما أَوجبَ لَهُ الشَّهادةَ، وناهيكَ بها من سعادة.

ومِنْ أَحسنٍ ما قیل فیه هذا البیتُ لبعضهم يمدحُهُ:

لأيِّ ألمَعاني زِيدتِ ألقافُ في اسْمِكُمْ … وَما غَيَّرتْ شَيْئاً إِذا هِيَ تُذْكَرُ

لأنَّكَ بَحْرُ العِلْمِ وَالبَخْرُ شَأْنُهُ … إِذا زيدَ فيهِ الشَّيْءُ لا يَتَغَيَّرُ

ومثلُهُ قولُ الآخَرِ فيه أَيضاً:

أَنْتَ بَحْرٌ وَقافٌ ما لَهُ طَرَفٌ … مُحَمَّدٌ اسْمُكَ المَعْروفُ مَوصوفا

سمِيُّ خَيْرِ الأَنامِ الطّهِرِ مِنْ مُضَرٍ … يَهْنَاكَ يَهْنَاكَ هُذا أُلفَخْرُ تَشْريفا

عاشَ - رحمهُ اللهُ تعالى - إِحدى وستّينَ سنةً، وأنتقلَ إِلى جوار ربِّه ليلةً مشرين من شعبانَ سنةَ ثلاثين وتسع مئةٍ ( بكجرات )، فشيَّعَهُ خلقٌ كثيرٌ، ودفِنَ في مدينة ( أَحمد آباد).

تغمَّده اللهُ بالرَّحمة والرِّضوان، وأَسكنَهُ فسيحَ الجِنان.

_________________________________________________

بِسِْم للهِ الرَّحمنِ الرَحيَةم

وَبهِ نستَعِینُ

[مُقدّمَة المؤلّف]

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي خلق الإِنسان من طين، وعدَّله في أحسن تقويم، وفضَّله على سائر الحيوان بالتكريم، ثم منَّ على من سبقت له منه العناية في العلم القديم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وأورث من اصطفاه من عباده حفظ كتابه العظيم، وفهم معاني الآيات والذكر الحكيم، ووفَّق مَنْ أراد به خيراً للتفقه في الدين القويم، ورفع درجة أهل العـلم والتعليم على سائر عباده، وفوق كلِّ ذي علم عليم.

وأشهد أن لا إلله إلّه الله وحده لا شريك له، الفتاح العليم، القائل: ﴿شَهِدَ اَلله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائكَةُ وَأُوْلُوا َلْعِلْمِ قَايِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزيز الحكِيمُ﴾، ﴿هُوَ اَلْأَوَّلُ والآخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِ شَىءٍ عَلِيمُ﴾.

وأشهد أن محمداً عبده الشريف الكريم، ورسوله الرؤوف الرحيم، الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنه لعلى خلق عظيم، المبعوث متمماً لمكارم الأخلاق الحميدة، ناهياً عن كل خلق ذميم، المؤتَى جوامع الكلم الشافية لكل قلب سقيم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه بأفضل الصلاة والتسليم. أما بعد:

فإن الجهل وإن كان قبيحاً.. فهو بولاة الأمر أقبح، والعلم وإن كان حسناً مطـلقاً.. فهو بذوي الرياسات أصلح؛ لأن بهم انتظام الدين والدنيا، وعليهم المـعَوَّل في صلاح أمر الآخرة والأولى، وخيرهم يعم نفعه، ويعظم وقعه، وبالعلم يعرفون منزلة العلم والعلماء، وقيمة الفضل والفضلاء؛ فإنَّ مَنْ جَهِلَ

شيئاً.. عاداه، ولا يَعْرِف الفضلَ لأهل الفضلِ إلا أهلُ الفضل.

فمن سبقت له من الله تعالى عناية الإِسعاد، وجرى له قلم القَدَر السابق بالهداية والإِرشاد.. أيقظه من سِنَة الغفلة والجهالة، وأنقذه من غمرة الحَيْرة والضلالة، فشمَّر في طلب العلم وتحصيله، واستشرف إلى معرفة فروعه وأصوله.

وقد اتفقت أدلة العقل والنقل على أنه لا فضيلة أسنى من العلم، ولا رذيلةَ أدنى من الجهل، فأولى الناس باكتساب الفضائل، واقتناء المكارم والوسائل، واجتناب القبائح والرذائل، أربابُ الولايات والمناصب، وذوو الهيئات والمراتب، فكما رفعهم الله فوق عباده بالأمر والتمكين، ورضي لهم السيادة على كافة الخلق أجمعين.. لا ينبغي لهم أن يرضَوا لأنفسهم بالجهل بعلوم الدين، والردِّ إلى أسفل السافلين.

وكما أن العلم يرفع درجة العبد المملوك إلى مراتب الملوك.. فالجهل یرد الحر النسيب إلى منزلة مَن لا خلاق له ولا نصيب، كما قيل: 

تعلَّم فليس المرءُ يولد عالما … وليس أخو علم كمن هو جاهلُ

وإن كبيرَ القومِ لا علمَ عنده … صغيرٌ إذا التفَّت عليه المحافلُ

ثم إن السبب الذي ألجأ الولاة والرؤساء إلى الرضا بالجهل الذي هو أقبح الأشياء: إهمالهم لطلب العلم في الصغر، وصعوبته عليهم بعد الولاية والكبر، كما قيل:

إذا المرءُ أعيته السيادةُ ناشئاً … فمطلبُها كهلاً عليه عسيرُ

وإذا كان الدين النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، كما قال سيد الأنبياء والمرسلين.. فقد رأيت من النصيحة اقتناص قلوب نجباء الأبناء، من الولاة والمشايخ والرؤساء بنظم قصيدة فريدة، غريبة وحيدة، صغيرة كبيرة، قليلة كثيرة، مشتملة على أصول الحِكَم والأحكام، مشيرة إلى ترتيبها، هادية لمقتفيها مَهْدِيَّة، كما قلت فیها:

حَوَتْ حِكَماً وَأَحْكَاماً وَعِلْمَا … وَمَوْعِظَةً وَآدَاباً وَنَظْمَا

تَرُوقُ السَّمْعَ مِنْ حَضَرٍ وَبَادِي

ثم وضعت عليها هذا الشرح، شارحاً لما صَرَّحَتْ به من العبارات، مصرحاً بما لوَّحَتْ إليه من الإِشارات، مكملاً لما فُصِّل فيها بالحجة والدليل، مفصلاً لما أُجمل فيها بصورة التمثيل، فاتحاً له بالآيات القرآنية، موَشِّحاً له بالأحاديث النبوية، خاتماً له بتهذيب الأخلاق النفسانية، والأسرار اللدنية.

فجاء بحمد الله كتاباً مغنياً عن حمل جُمَلٍ من الأسفار، كافياً لمن عرف قدره في الإِقامة والأسفار، جامعاً لأصول الشريعة والطريقة والحقيقة، ملقًباً بـ:

((الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثيقة))

إنسان، ولم يطمثها إنس قبلي ولا جان، غريبة في أسلوبها، عجيبة في الأحاديث التي عليها مدار الإيمان والإِسلام، لم يسبقني إلى اختراعها منادياً بلسان حاله كلَّ ذي خِيم (أي: طبع) سليم: ﴿اجْعَلْنِى عَلَى خَزَآيِنِ الْأَرْضِِّ إِنِّىِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾، ﴿فَإن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِى اللّهُ لَاَ إِلَهَ إلَّا هُوّ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَهُوَ رَبُ اُلْعَرْشِ اُلْعَظِيمِ﴾.

__________________________________________________

عُنْوانُ الكِتَابِ

إعلم: أن القصيدة المذكورة مبنية على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة.

أما المقدمة.. ففيها فصلان:

فصل في الموعظة، وفصل في الوصية.

وأما الأبواب.. فمُرُتبة على الأعداد العشرة، فنذكر في باب الواحد:

الأمر بخصلة واحدة جامعة، أو النهي عنها، وفي باب الاثنين كذلك… وهكذا..

إلى باب العشرة، ففيه الأمر بعشر خصال، أو النهي عنها.

وأما الخاتمة.. ففيها ثلاثة فصول:

فصلٌ في إهداء القصيدة والحث على التزامها، وفصل في الدعاء.

وفصلٌ في الصلاة على النبي وآله وصحبه، صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين.

وفي كل فصل منها أو باب ثلاثة أبيات لا غير.

وكل بيت مسجَّع ثلاثَ سجعات، فجملة فصولها خمسة، وأبوابها عشرة، وأبياتها خمسة وأربعون بيتاً.

وأما الشرح.. فقد اشتمل من ( علم أصول الدين) على فصول منها:

- فصل في العلم بالله تعالى، وذلك قسمان:

قسم في سلب صفات النقص عن الباري تعالى، وهو تنزيهه سبحانه عن الكيف والزمان والمكان، ومشابهة ما تُصُوَّرَ في البال، وعن الشبيه والشريك والولد والوالد والصاحبة، وعن العرَض والجسم والجوهر، وعن كل نقص مطلقاً.

وقسم في إثبات صفات الكمال له سبحانه وتعالى: من الحياة والعلم والقدرة والإِرادة والسمع والبصر والكلام.

- وفصل في الإِيمان بالملائكة عليهم السلام، والعلم بصفاتهم وطبقاتهم.

- وفصل في الإيمان بكتب الله تعالى إجمالاً وتفصيلاً.

- وفصل في الإِيمان برسل الله تعالى، ومعجزاتهم عليهم السلام.

- وفصل في الإِيمان باليوم الآخر: من القبر والحشر والميزان، والصراط، والحوض، والجنة والنار والرؤية للأبرار والشفاعة بأقسامها.

- وفصل في الإِيمان بالقدَر خيره وشره، وأن جميع الكائنات واقعة بخلق الله وإيجاده وقضائه ومشيئته.

- وفصل في تفضيل الخلفاء الأربعة، وترتيبهم في الفضل، وفضل سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

ومن (علم الأحكام) على فصول: 

في أحكام الوضوء وفضله، وأحكام الصلاة وفضلها والمحافظة عليها، والتحذير من تضييعها.

وأحكام الزكاة، وأحكام الصيام، وأحكام الحج، وفضل الذكر.

وفضل أذكار الصباح والمساء، وفضل العلم وأهله.

وفضل الدعاء، وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن (علم الآداب والمعاشرة) على فصول: 

في ذم البخل وسوء الخلق، ومدحِ السخاء وحسن الخلق، وفضل صلة الرحم وإن قطعت، والإِحسانِ إلى من أَساء، والعفوِ عمن ظلم، ومدحِ الصدق، والوفاءِ بالوعد، وأداءِ الأمانة، وذمّ الكذب، والخُلْفِ والخيانَة، وذمِّ اتباع الهوى، والحثِّ على اتباع السنة.

وفي حقوق المسلم على المسلم: من رد السلام، وإجابة الداعي، وتشميت العاطس، وعيادة المريض واتباع الجنازة، والنصيحة لكل مسلم.

وفي حقوق من يُدلي بسبب زائد على الإِسلام: من ولادة أو قرابة أو نكاح أو ملك يمين أو جوار أو صحبة.

وفي فضل الإِمام العادل، وفي اتخاذ الإِخوان في الله.

وفي التحذير من الزنا وارتكاب المحرمات، وتطفيف الكيل والميزان، والجَور في الأحكام، ونقض العهد، وفضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحذير من تركهما.

ومِن (علم الطريقة) على:

تزكية القلب عن الأخلاق المذمومة: 

من شرَه الطعام، وشره الكلام، والغضب، والحسد، والبخل، وحب الجاه، وحب الدنيا، والكِبْرِ والعجب والرياء.

وتحليته بالأخلاق المحمودة: 

من التوبة، والخوف، والزهد، والصبر، والشكر، والإِخلاص، والتوكل، والمحبة، والرضا، وذكر الموت.

وفيه من (علم الحقيقة):

سرُّ الجوع، وسر الزهد، وسر الذكر، وسر الطهارة، وسر الصلاة، وسر الزكاة، وسر الصوم، وسر الحج، وسر العلم والعمل به، وسر اتباع السنة، وسر الاعتبار بما في القرآن من القصص والأخبار.

وفيه من الحكم والمواعظ والاتعاظ بالموت وبالشَّيب، وفضيلة قصر الأمل، وفضيلة التقوى ومقاماتها، ومراتب الورع، والمبادرة إلى العمل الصالح، والتحذير من تضييع العمر بغير عمل، أو أن يعلمَ ولا يعملَ بعلمه، إلى غير ذلك مما تضمنته القصيدة تصريحاً وتلويحاً.

واعلم: أن القصيدة تضمنت الإِشارة إلى خمس آيات كريمة، وعشرين حديئاً نبوياً غير المقدمة والخاتمة، والاعتبار بقصة أهل الكهف، والعشر الصفات المذمومة، والعشر المحمودة.

ثم اشتمل شرحها على نحو مئتي آية كريمة، ونحو أربع مئة حديث شريف غير ما وراء ذلك من الحِكَم والمواعظ والآداب والأخلاق والأسرار والأشعار، فمن أحاط علماً بما فيه.. كان من العلماء بالله، والعلماء بأحكام الله، والعلماء بالنفس، والعلماء بالخلق، والعلماء بالدنيا، والعلماء بالآخرة.

ومثلُ هذه العلومِ هي العلوم النافعةُ في الدنيا والآخرة. 

واعتمادي فيما أنقله من الأحاديث النبوية على:

((رياض الصالحين))، و ((الأذكار)) للشيخ محيي الدين النوَويّ.

و((الترغيب والترهيب)) للحافظ عبد العظيم المنذري.

و((بلوغ المَرام)) لشهاب الدين ابن حجر العسقلاني، رحمة الله عليهم.

وما عزوته من تصحيح أو تحسين أو تقوية أو جودة ونحوها.. فعنهم أخذته، وما أطلقته عن التقييد بصحة أو حسن أو ضعف؛ فلقصوره عن رتب القوة، وذلك قليل.

وما أوردته من علوم الطريقة وأسرار الحقيقة.. فعمدتي في ذلك كتب الإمام حجة الإِسلام الغزّالي رحمه الله. فتارة أصرح بالعزو إليه، وتارة أترك ذلك لتصرُّفي في كلامه بتقریبه إلى الأفهام، أو تقديم أو تأخير أو أختصار لمناسبة ما أنا بصدده، وليس لي في لك غالباً إلا الوضع والترتيب والتوضيح - على قدر فَهمي - والتقريب، ما أنا إلا كحامل رسالة من قوم إلى قوم، و((رب حامل فقه إلى من هو أفقه مـنه)) وإلى الله سبحانه أرغب، ونتوجه إليه بأوجَهِ الخلق لديه، وأكرم الشفعاء عليه - محمد صلى الله عليه وسلم - أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، مقرِّباً إلى جواره في جنات النعيم، وأن يعم النفع به لي ولإِخواني في الدين، لسائر المسلمين، آمين.. آمين.

________________________________________________

أما القصيدة؛ فهي هذه:

بِسِْم للهِ الرَّحمْنِ الرحيمِ


فَصْل في الوَعْظ

إِلاَمَ وَقَدْ بَدَتْ سُبُْلُ الرَّشَادِ ** وَنَادَى بِالرَّحِيلِ لَكَ الْمُنَادِي

تُسَوِّفُ بِالنُّهُوضِِ مَعَ التمادِي

أَغَيَاً بَعْدَ أَنْ وَخَطَ الْمَشِيبُ ** وَأَخْلَقَ ذَلِكَ الْبُرْدُ الْقَشِيبُ

وَآذَنَ زَادُ عُمْرٍكَ بِألنَّفَادِ ؟

أَعِدَّ الزَّادَ لِلسَّفَرِ اُلطَّوِيلِ ** فَلَيْسَ إِلَى الإِقَامَةِ مِنْ سَبِيلٍ

وَمَا يُغْنِي الْقُدُومُ بِغَيْرِ زادٍ؟

فَصْل في الوَصيَّة

وَخَيْرُ الزَّادِ تَقْوَى اللَّهِ أَوْصَى ** بِهَا أَدْنَى بَرِيَّتِهِ وَأَقْصَى

وَعَمَّ بِحُكْمِهَا كُلَّ الْعِبَادِ

فَتِلْكَ الرِّبْحُ وَألْغُنْمُ اَلْجَسِيْمُ ** وَتِلْكَ الْكَنْرُ وَالْمُلْكُ الْعَظِيمُ

وَتِلْكَ سَبِيلُ أَرْبَابِ الْجِهَادِ

وَهَاكَ إِذَا أَرَدْتَ الإِتِّصَافَا ** بِهَا حِكَماً مُدَوَّنَةً طِرَافَا

فَأَصْغِ لَهَا بِفَهْم وَآرْتِيَادِ

بَابُ الوَاحِدِ

فَأَصْلِحْ مُضْغَةً فِي ألْجِسْمِ تَقْوَى ** عَلَى التَّقْوَى فَفِي الأَخْبَارِ يُرْوَى

صَلَاَحُ ألْكُلِّ فِيهَا كَالْفَسَادِ

وَحَاذِرْ مِنْ دَسائِسِ اَلامْتِلَاَءِ ** فَمَا مَلأَ أبْنُ آدَمَ مِنْ وِعَاءِ

أَشَرَّ عَلَيْهِ مِنْ بَطْنٍ بِزَادِ

وَخُذْ بِالْعِلْمِ مَعْ حِفْظٍ وَدَرْسِ ** وَكُنْ مُتَفَقِّهاً فِي الدِّينِ تُمْسٍِ

عَلَى الشَّيْطَانِ أَعْدَى مَنْ يُعَادِي

بَابُ الاثنَين

وَبَادِرْ صِخَّةً لَكَ وَأَلْفَرَاغَا ** فَكَمْ غُبِنَ آمْرُؤٌ بِهِمَا فَرَاغَا

وَأَصْبَحَ نَادِماً عِنْدَ اُلْحَصَادِ

وَفِي الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ إِنْ زَهِدْنَا ** وَفِيمَا عِنْدَ أَهْلِيهَا ظَفِرْتَا

مِنَ ألْمَوْلَى وَمِنْهُمْ بِاَلْوِدَادِ

وَلاَ تَبَْخَلْ بِهَا وَتَسُوءَ خُلْقَا ** فَمَا أَجْتَمَعَا مَعَ الإِيْمَانِ حَقًّا

وَكُنْ سَمْحاً بِهَا سَلِسَ الْقِيَادِ

بَابُ الثَّلَائَةِ

وَصِلْ وَاَسْمَحْ لِمَنْ أَوْلاَكَ قَطْعَا ** تَفُزْ بِمَكَارِمِ اُلأَخْلاَقِ جَمْعَا

وَثَالِتُهَا اعْفُ عَنْ ظُلْمِ الْمُبَادِي

وَإِنْ حَدَّثْتَ فَأَصْدُقْ أَوْ وَعَدْتَا ** فَلاَّ تُخْلِفْ بِهِ وَإِذَا آتْتُمِتْتَا

فَصُنْ حِفْظَ الأَمَانَةِ بِآفْتِقَادِ

وَعَاص الْمُهْلِكَاتِ أَي أتِّبَاعَا ** هَوىّ وَالْعُجْبَ وَالشُّحَّ الْمُطَاعَا

لِتَنْجُوَ بِالْفَلاَحِ وَبِألرَّشَادِ

بَابُ الأَرْبعَةِ

وَكُنْ بِكِتَابِ عُمْرٍ ثُمَّ رِزْقٍ ** وَسَعْيٍ وَالَّذِي يُدْنِي وَيُشْقِي

عَلِيماً مُوقِناً بِالإِعْتِقَادِ

وَلِلْخُلَفَاءِ فَأعْتَقِدَنَّ فَضْلا ** وَتَرْتِيباً وَعُمَّ الصَّخبَ كُلاَّ

بِحُبٍّ وَأحْتِرَامٍ فِي أقْتِصَادِ

وَوِرْدَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ** فَرِدْ وَالْهَجْ بِهِنَّ إِلَى الْمَمَاتِ

تَرَى اُلرِّيَّ الْهَنِيءَ وَأَنْتَ صَادِي

بَابُ الخمسَةِ

وَخَمْسَ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ فَاَعْلَمْ ** بِهَا وَأعْمَلْ وَكَمِّلْهَا لِتَسْلَمْ

مِنَ اُلنُّقْصَانِ وَارْقَ لِلازْدِیَادِ

وَزِدْ فِي خَمْس أَوْقَاتِ الصَّلَاَةِ ** مُحَافَظَةً لِنَظْفَرَ بِالصِّلاَتِ

إِذَا أَنْفَصَمَتْ عُرَى أَهْلِ الْبِعَادِ

وَأَعْدِدْ يَوْمَ تُسْأَلُ عَنْ شَبَابِ ** وَعَنْ عُمْرٍ وَعِلْمٍ وَاَكْتِسَابِ

وَإِنْفَاقٍ جَوَاباً لِلسَّدَادِ

بَابُ السِّنَّةِ

وَقُلْ آمَنْتُ بِألسَّتِّ الأُصُولِ ** إِلَهِي وَالْمَلاَئِكِ وَاُلرَّسُولِ

وَكُتْبٍ وَاَلْقَضَاءِ وَبِالْمَعَادِ

وَشَمِّتْ عَاِطِساً وَأَنْصَحْ وَسَلِّمْ ** وَعُذْ وَأَتْبَعْ جَنازَةَ كُلِّ مُسْلِمْ

تَقُمْ بِألْحَقِّ وَاسْتَجِبِ اَلْمُنَادِي

وَآتِ ألْحَقَّ ذَا الْقُرْبَى وَأَصْلاَ ** وَجِيْرَاناً وَمَمْلُوْكاً وَأَهْلاَ

وَأَصْحَاباً بِبِشْرٍ وَأنْقِيَادِ

بَابُ السَّبْعَةِ

وَكُنْ مِمَّنْ يُظِلُّهُمُ الإِلَهُ ** بِظِلٌّ يَوْمَ لاَ ظِلٌّ سِوَاهُ

وَقَدْ حَمِيَ الْوَطِيسُ بِاَلاشْتِدَادِ

إِمَامٌ عَادِلُ وَفَتَىَ عَفِيْفُ ** وَمُخْفٍ لِلتَّصَدُّقِ وَالأَلُوفُ

لأَرْجَاءِ الْمَسَاجِدِ ذُو اعْتِیَادِ

وَمَنْ فِي اللَّهِ وَالَى مَنْ يُوالِي ** وَصَدَّ إِذَا دَعَتْ ذَاتُ الْجَمَالِ

وَبَاكٍ لِلْمَخافَةِ فِي أنْفِرَادِ

بَابُ الثَّمَانيَةِ

وَأَبْوَابُ ألْجِنَانِ إِذَا اخْتَتَمْتَا ** بِتَوْحِيْدٍ طَهَارَتَكَ أَفْتَتَحْتَا

وَتُعْلَقُ عَنْكَ أَبْوَابُ اُلنَّكَادِ

وَأَشْهِدْ فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ  ** عَلَىْ تَنْزِيهِ رَبِّ الإِسْتِوَاءِ

ثَمَانِيَةَ اُلْمَلاَئِكَةِ اُلشِّدَادِ

وَأَهْلَ الْكَهْفِ فَاذَّكِرِ اعْتِبَارًا ** بِهِمْ وَبِثَامِنٍ حَازَ أُفْتِخَارَا

بِصُخبَيِهِ لأَهْلِ الإِنْجِرَادِ

بَابُ التِّسْعَةِ

وَخَفْ تِسْعاً تَكُونُ جَزَاءَ تِسْعِ ** كَمَوْتِ فُجَاءَةٍ لِزِناً وَمَنْعِ

زَكاةٍ مَنْعٍ قَطْرٍ فِي الْبَوَادِي

وَمِنْ قَحْطٍ لِتَطْفِيفِ وَظُلْمٍ ** وَعُدْوَاٍ يَعُمُّ لِجَوْرِ حُكْمٍ

وَنَقْضِِ اُلْعَهْدِ تَسْلِيطِ اُلأَعَادِي

وَتَرْكِ الأَمْرِ وَاَلنَّهي اخْتِلاَلِ ** لِمُلْكٍ وَالْقَطِيعَةِ جَعْلٍ مَالٍ

مَعَ الأَشْرَارِ لاَ أَهْلِ الأَيَادِي

بَابُ العَشْرَة

وَزَكٌ الْقَلْبَ عَنْ عَشْرِ صِفَاتِ ** مُفَصَّلَةٍ بِرُبْعِ اَلْمُهْلِكَاتِ

بِتَأْلِيفِ آلإِمَامِ الْمُسْتَجَادِ

وَبِالْمَحْمُودَةِ الْعَشْرِ اللَّوَاتِي ** حَوَاهَا مِنْهُ رُبْعُ اَلْمُنْجِيَاتِ

تَحَلَّ مُشَمِّراً سَاقَ اجْتِهَادِ

هُنَالِكَ تَرْتَقِي كَمْ مِنْ مَقَامٍ ** بِأَحْوَالٍ سَنِيَّاتٍ جِسَامِ

مِنَ التَّقْوَى وَتَحْظَی بِالْمُرَادِ

فَصْل في الإِهْدَاءِ

فَخُذْ غَرَّاءَ مُحْكَمَةَ الْقَوَافِي ** هَدِيَّةَ وَاصِفٍ لاَ ذِي أَتِّصَافِ

وَلَكِنْ يَرْتَجِي فَضْلَ اَلْجَوَادِ

حَوَتْ حِكَماً وَأَحْكَاماً وَعِلْمَا ** وَمَوْعِظَةً وَآدَاباً وَنَظْمَا

تَرُوقُ السَّمْعَ مِنْ حَضَرٍ وَبَادِي

يُؤَمِّلُ مِنْ ذَوِي الشِّيَمِ الْكِرَامِ ** قَبُولاً بِأحْتِشَامِ وَأحْتِرَامِ

وَصَفْحاً عَنْ مُنَاقَشَةِ النُّقَادِ

فَصل في الدُّعَاءِ

فَيَا مَنْ مَنَّ بِالصَّفْحِ الْجَمِيلِ ** أَدِمْ كَرَماً وَسَامِحْ بِالْقَبُولِ

لأَغَمَالٍ رَوَائِحَ أَوْ غَوَادِي

إِلهِي إِغْفِرِ الذَّنْبَ الْعَظِيمَا ** بِفَضْلِكَ وَأَهْدِنا السَّنَنَ اَلْقَوِيمَا

وَلاَ تُشْمِتْ بِنَا يَوْمَ التَنَادِي

وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَا ** وَصَيِّرْ قُطْرَنَا بَلَداً أَمِينَا

وَعُمَّ الأَمْنَ فِي كُلِّ ألْبِلاَدِ

فَصْل في الصَّلَاةِ عَلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم

وَصَلِّ عَلَى الرَّسُولِ بِغَيْرِ لَبْسِ ** إِلَى اُلثَّقَلَيْنِ مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍِ

صَلاَةً لاَ تَؤُولُ إِلَى نَفَادِ

أَجَلِّ الرُّسْلِ مَنْزِلَةً وَقَدْرَا ** وَرَحْمَةِ رَبِّنَا دُنْيًا وَأُحْرَى

لِكُلِّ ألْعالَمِينَ بِلاَ عِنَادِ

وَكُلِّ الآلِ وَالصَّحْبِ الْكِرَامِ ** فَشَرِّفْ بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلاَمِ

وَكُلٌّ مُهْتَدٍ مِنْهُمْ وَهَادِي

_________________________________________________