أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

معركة النص فهد بن صالح العجلان بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

معركة النص

فهد بن صالح العجلان

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: من أكثر القضايا الفكرية حساسيةً في واقعنا المعاصر قضيةُ التعامل مع النصوص الشرعية، ولا سيما حين تتداخل معها التصورات الفكرية الحديثة، فيُستدعى الخلاف الفقهي أو المصلحة أو المقاصد أو تغير الزمان والمكان لتفسير الأحكام أو إعادة النظر فيها. 

ولا تكمن المشكلة في الاجتهاد المعتبر الذي عرفه الفقه الإسلامي عبر عصوره، وإنما في غياب المنهج المنضبط الذي يميز بين الاجتهاد والتوظيف الانتقائي، وبين المقصد الشرعي والرغبة الشخصية، وبين مراعاة الواقع وإخضاع النص له. 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة هذه القضايا بميزان العلم والإنصاف، مع تعظيم الوحي، وفهم مقاصد الشريعة، وإدراك حدود العقل والاجتهاد، حتى يبقى الخلاف الفقهي بابًا للثراء العلمي، لا مدخلًا لتجاوز الثوابت أو إعادة تشكيل الأحكام وفق أهواء العصر، وهو ما يناقشه الشيخ فهد العجلان في كتابه هذا (معركة النص)، حيث تتمثل إحدى أبرز الإشكالات الفكرية المعاصرة في التستر خلف الخلاف الفقهي لتبرير مواقف تتجاوز حدود الخلاف المعتبر..

فمسألة كشف وجه المرأة وكفيها، مثلًا، وإن كانت من مسائل الاجتهاد التي وقع فيها الخلاف، لا تعني الطعن في الحجاب أو السخرية من الملتزمات به، ولا تبرر محاربة الأحكام الشرعية المتعلقة بالحشمة وصيانة المرأة. 

والإشكال ليس في القول الفقهي ذاته، وإنما في توظيفه لخدمة توجه فكري أوسع، يظهر أثره في الانتقائية والمبالغة وإغفال بقية الأحكام المتصلة بالمسألة، ومن أخطر صور هذا التوجه علمنة الأحكام الشرعية، بحصر الدين في دائرة الفرد، بحيث تصبح الصلاة والزكاة وترك المحرمات شؤونًا شخصية لا مجال فيها للإلزام أو المنع، مع أن التصور الإسلامي للشريعة يتوجه إلى الفرد والمجتمع معًا، ويتضمن إلى جانب العبادات أحكامًا عامة وقضائية وعقوبات وتعزيرات، فضلًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

ومن هنا فإن تجريد الشريعة من جانب الإلزام، وفصلها عن الحياة العامة، يمثل تحولًا عميقًا في طبيعة حضورها ووظيفتها، لأن العلمنة لا تأتي دائمًا في صورة رفض الدين صراحة، بل قد تتسلل عبر إعادة تفسير الأحكام الشرعية وفق التصورات المعاصرة، فتبقى أسماء الأحكام حاضرة بينما تُنزع منها دلالاتها الشرعية أو تُربط بظروف تاريخية يُقال إنها انتهت. 

ويظهر ذلك في قضايا الحدود والجهاد والربا والولاية والولاء والبراء وضوابط العلاقة بين الرجل والمرأة وغيرها، كما يظهر في التعامل مع حد الردة، من خلال إنكار الحكم لعدم وروده في القرآن، أو رد بعض الأحاديث، أو وضع شروط معاصرة لقبول السنة، أو الاستناد إلى الخلاف والمصلحة والحريات لتجاوز دلالة النص. 

ويزداد الإشكال حين تصبح إرادة الأكثرية أو الدستور معيارًا نهائيًا لبقاء الأحكام الشرعية أو تعديلها؛ فالشريعة ليست مجرد مواد تستمد قوتها من رضا الناس، وإن كانت القدرة والاستطاعة معتبرتين في التطبيق، وكذلك فإن مقاصد الشريعة لا يصح أن تتحول إلى أداة لتعطيل النصوص الجزئية؛ فمشروع الإمام الشاطبي (صاحب الموافقات) يقوم على الجمع بين الكليات والجزئيات، وتعظيم الأدلة، وتقديم الوحي، والحذر من اتباع الهوى وتتبع الرخص. 

ومن هنا ينبغي التفريق بين المقاصد المستنبطة من مجموع النصوص والأحكام، وبين ما يمكن أن يسمى «مقاصد النفوس» التي تجعل الرغبات والتصورات الحديثة معيارًا لتجاوز الأحكام، ومن المعلوم أن التسليم للوحي يقتضي أن يُقرأ المرءُ النصَّ لمعرفة مراد الله ورسوله، ثم التماس وجه الحكمة والمصلحة لكل حكم، لا أن نفرض تصوراتنا عن المصلحة والحكمة من النص، فنقبل ما يوافق أهواءنا ونؤول أو نرد ما يخالفها. 

ومن هنا لا يصح تحويل الشك والاحتمال إلى دليل على أن الأحكام والمواقف الفقهية نشأت تحت تأثير السياسة؛ فوجود تأثير سياسي في بعض الوقائع لا يعني أن أصول الشريعة وقواعد الفقه وعلوم الرواية والتدوين قامت على دوافع سياسية، كما أن التسامح الفقهي لا يعني إلغاء الفوارق بين آداب الحوار، والحكم على المسألة، والحكم على الشخص، ولا يعني إلغاء الفوارق بين الخلاف الفقهي المعتبر والانحرافات المصادمة لأصول الشريعة؛ لأن المنهج المنضبط يقتضي قبول الاجتهاد المعتبر، وعدم تأثيم المجتهد لمجرد خطئه، وضبط الإنكار، وعدم إلزام الناس بقول واحد، كما يقتضي الحذر من تتبع الأسهل والأهوى.

وفي المقابل، فإن الانخراط الطويل في الجدالات والشبهات دون تأصيل علمي قد يؤدي إلى تبني مقدمات مخالفة للحقائق الذي يراد الدفاع عنها؛ ولذلك لا يكون العلاج بترك الحوار، وإنما بالعلم والرجوع إلى أصول الشريعة والعلماء، كما أن الدعوة لا تقوم على البرهان العقلي وحده، لأن أمراض القلوب كالكبر والحسد والتعصب وحب الدنيا قد تحول دون الانتفاع بالدليل، ومن ثم يجتمع البرهان مع الموعظة الحسنة ومعالجة دوافع النفوس.

ومن هنا تتضح أهمية النظر إلى السلفية باعتبارها منهجًا في فهم الإسلام، لا مجرد جماعة أو حزب؛ فهي تقوم على تعظيم الكتاب والسنة، وفهمهما وفق منهج السلف الصالح، وإخلاص العبادة لله، والاقتداء بالصحابة والتابعين في التلقي والاستدلال والأخلاق والعبادة، مع الإقرار بأن المنتسبين إلى هذا المنهج غير معصومين من الخطأ، وأن الانتساب إليه لا يستلزم الاتفاق في كل الفروع الفقهية أو المواقف السياسية. 

وفي المقابل، ظهرت صورة أخرى يمكن تسميتها «أسلمة العلمانية»، حين تُستدعى النصوص والمقاصد والآراء الفقهية لتقديم تصورات تتلاءم مع الرؤية العلمانية، كحصر النظام السياسي الإسلامي في مبادئ عامة، أو اعتبار الأحكام السياسية مرتبطة بظروف تاريخية انتهت، أو نفي صفة الإلزام عن الأحكام الشرعية، أو ربط تنفيذها بموافقة الناس. 

وهنا يصبح الكتاب والسنة معيارًا ينبغي ألا تزاحمه معايير أخرى، ولا يعني اختلاف الفقهاء في المسائل الظنية سقوط حجيتها أو تحولها إلى اختيارات بلا ضابط، وكذلك لا يصح إطلاق نظرية المصلحة عند الإمام الطوفي لتبرير تجاوز النصوص الشرعية؛ فالمصلحة عنده منضبطة بالشرع وليست -كما يظن البعض- أنها مرادفة لمقتضيات الواقع أو المصالح الدنيوية المجردة. 

أما قضية الثوابت والمتغيرات، فليست كل مسألة ظنية أو مختلف فيها متغيرة أو غير ملزمة، وإنما المتغير ما ارتبط بوصف أو عرف أو مصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان، ولذلك تبقى المنهجية هي الحلقة المفقودة في كثير من النقاشات المعاصرة: كيف نفهم النص؟ وكيف نميز القطعي من الظني؟ وكيف نرجح بين الأقوال؟ وكيف نعرف المتغير من الثابت؟ فبضبط هذه الأصول يظهر الفارق بين الاجتهاد المنضبط والتوظيف الانتقائي للنصوص، وبين احترام الشريعة وإعادة تشكيلها وفق الرغبات والتصورات الطارئة.



سر المعبد ثروت الخرباوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

سر المعبد

ثروت الخرباوي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة





تمهيد: حال البشرية اليوم أن تعيش في طبقة كثيفةٍ من العماء، يفرضها حُب الذات، ووهم التفوق في العنصر واللون واللغة، والفكر، الأمر الذي كرَّسته بعض الجماعات والتيارات والأحزاب بين صفوف أفرادها، وفي أروقة مكاتبها، وفي تراثها الفكري والأدبي، حيث تقود المصلحة، ويغيب المُصلح، ويبقى الإصلاح هو العنوان المفقود في تلك الجماعات والأحزاب، باعتباره برنامج العمل الذي يستهدف الطبقات القوية لتنسجم مع الأضعف منها؛ لتسير بسيرها، وتنصف مظلومها، وترد الحقوق لأهلها، وذلك لا يمكن أن يتم إلا باستئصال كل العناصر السيئة والمخادعة.

وللأسف لم نرّ من تلك الجماعات على تنوعها واختلافها وخلافها، سوى التمرد والتفرد والاستكبار، حيث ينفخ الشيطان في العقول المظلمة، ويُصبح الحكم والسلطة هو الغاية المنشودة والهدف المرصود، ولأجله تهون كل الأسباب والمبادئ والأفكار، لقد خسرنا كثيراً في محاولة الوصول إلى ذات الحقيقة، لكننا كسبنا وعينا وذاتنا ودورنا في النهوض بأمتنا وهذا الجيل الذي يُراد له أن يموت!

وتلك الجماعات- لا ريب- بحاجة إلى مراجعات كبيرة، وقراءات متنوعة، ونقد حقيقي لأفكارها وعقائدها الخاصة وفلسفتها التنظيمية، التي كرّست العداوة والبغضاء والتنافس الغير شريف بين أبناء الوطن الواحد، وخلقت لنفسها أجواء من الشحناء والكراهية، وأحيت نفسها في مدينة التزييف وقلب الحقائق، إلى أن قررت أن تصطدم مع من ليس معها؛ لأنها بحسب زعمها هي الإسلام، وهي الحل! ومن يقف ضدها فهو يقف ضد الإسلام، ويقف ضد الحل أيضاً. 

لقد وظفت تلك الجماعات كل الإمكانات لتصنيف الناس وإذلالهم وتقسيمهم إلى طبقات، على قاعدة [أنا فيها أو أُخفيها].. و[رأيكم لا قيمة له]..و[ما أراه أفرضه]..و[الولاء مُقدَّم على الكفاءة].. وأظن من المفيد للوطن أن يكتب كل إنسان تجربته مع جماعته التي كان ينتمي يوماً إليها، وما له وما عليه، ونشر ذلك على الملأ.

وإذا أردت اختبار جماعةٍ في مدى صدقها وعدالتها وسعيها لإقامة الدين بين الناس، فانظر في أحوال أصحابها، فإذا وجدنا فيهم اعوجاجاً فيما نشدوه لأنفسهم في تراثهم وأدبهم، كان من حقّنا أن ننبّههم على اعوجاجهم فيما طلبوه، ونأمرهم بتطبيق ما نذروا أنفسهم ليجاهدوا من أجله! 

وعندما أعلنوا أن وصولهم للسلطة والحكم سيجعلهم يستوعبون كافة الناس، بآرائهم وأفكارهم واختلافاتهم العرقية والقومية والدينية، كان من المعيب أن تُصاب تلك الجماعات بالجنون والحرج عندما يُخالف أحدٌ رأيهم، أو يضيق صدرهم بمن يخالفهم، أو يُفرض التعتيم على قضية تمسُّ بالكل الوطني، فمن حق الجميع في الدولة أن يعرف ويراقب وينتقد.

فالحق والصواب: أن الأمة بعموم أفرادها وبخصوصهم يجب أن يكونوا رقابةً على كل تلك الجماعات، وأن يواجهوها بأخطائها، وإذا كان الخطأ في العلن؛ فينبغي أن تكون النصيحة في العلن، سيما مع الإصرار والمجاهرة بل واستمراء الخطأ، سيما وأنها تتصدى لمصالح مجتمع بأسره، وليس في أمرٍ من الأمور الشخصية! 

وفي أدب النقد مندوحة، فلماذا تعدُّه تلك الجماعات سبَّاً أو شتماً؛ فما دمت تُبدي قناعاتك؛ فلا بأس أن يمارس الآخرون طموحاتهم.. ولكن ليس بالتضليل السياسي، والكذب الإعلامي، وتمرير الأمور عن خداع وتلفيق، [ما أقسى أن يكون الواعظ لصَّاً، والكذّاب داعيةً]! هكذا قال الخرباوي عن حادثة التزوير التي اكتشفها عاطف عواد. 

لقد كان هذا الكتاب مغامرة خطيرة، تفرَّد بها الأستاذ ثروت الخرباوي، وكان بالإمكان أن تودي بحياته، أو ترديه صريعاً على أيدي أجهزة النظام الخاص، ولا شك فإن للمغامرة أهميتها، فهي تكشف الخطر الذي يواجهنا جميعًا، ذلك الخطر الذي يتسلل برفق إلى حیاتنا وهو يبتسم وكأنه ((داعیة)) يحبب إلینا أخلاق الإسلام ولكنه في ذات الوقت يخفي خلف ظهره نصلًا حادًا يُراد له أن يُغرس في ظهورنا.

ويوضح الأستاذ ثروت الخرباوي سبب وضعه لهذا الكتاب؛ فيقول: [ولكن لماذا أكتب؟.. أكتب كما قال نزار قباني: كي أُفجِّر الأشياء، فالكتابة انفجارٌ، كي ينتصر الضوء على العتمة، فالكتابة انتصار.. حتى أُنقذ العالم من أضراس هولاكو، ومن حكم المليشيات، ومن جنون قائد العصابة، حتى أنقذ الكلمة من محاكم التفتيش، ومن شمشمة الكلاب، ومن مشانق الرقبة]. 

وفي موضع آخر يقول: [لماذا أكتبُ هذهِ الذكرياتِ؟ يَلُومُتي البعضُ عَليها ويقولونَ إنَّك بها تَفُتُ عَضَدَ الجماعةِ التي تَربّيْتَ فيها، ولكنَّهم لا يعلمونَ أنَّ الحكاياتِ التي نَكبِتُها ولا نَكتُبُها تُصبحُ غنيمةً لأعدائِنا، لا يعلمونَ أنّا لا نَرتفعُ إلاّ إذا تعلَّمْنا من تجاريب الحياةِ، ومن يَقُصُّ عَلينا تلكَ التجاريبُ أبدَ الدهر لا أَبالَكَ يَرَفَعُنا وینفعنا]. 

وفي كلمة له يقول: [حيث الوجوه العابسة، والعقول العابثة يكمن الألم]. فليس الألم دائمًا في صخب الشكوى، ولا في ظاهر الأحداث، وإنما قد يتوارى خلف الوجوه التي أرهقها الواقع، والعقول التي أضناها العبث والقلق. ومن هنا تبدو الحاجة إلى الوعي الذي يكشف مواضع الخلل، وإلى الأمل الذي يبعث في النفس قدرتها على تجاوز الألم، وتحويله من عبءٍ يثقلها إلى دافعٍ يدفعها نحو الإصلاح والعمل.

وهذا الكتاب النفيس (سرُّ المعبد) من تأليف الأستاذ الكبير ثروت الخرباوي، وهو نقيب المحامين المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين منذ العام 2002، يقول الخرباوي: 

[تَحكِي أُسطورتي أنَّهَ ذاتَ يومٍ مِنذُ زَمنٍ بِعيدٍ تَسرَّبتْ رُورحي فَدخلْتُ جماعةً الإخوانِ، وذاتَ زمنٍ آخرَ تَسَرَّبتْ روحي فَخرجْتُ من تنَظيم الإخوانِ، وبينَ الزمن وِالزمنٍ كانَتْ لي أيامُ أَبَحثُ فيها عنِ الكنزِ الأُسُطوريِّ، وكلّما ظَننْتُ انني اقتربتُ منه وجدته قدِ ابتعد عنِّي بمقدارِ ما اقتربْتُ منه، تحكي اُسطورتي أنني وأَنَا أبحثُ عن الكنزِ صِرْتُ مِنَ الإخوانِ ... وصَارَ الإخوانُ منّيِ. وفي الإخوانِ نزفْتُ نفِسي. وللإخوانِ سكبتُ نفسي. وفي الإخوانِ نَسيتُ نَفسي ... فَتلاشَيْتُ .. كقطرةِ ماءٍ تَبخَّرَتْ. وحينَ يومٍ وقعَتْ قطرةُ الماءِ من السّحابة .. فَتألَّتْ .. ومن أَلِها سَتَنبُتُ شجرةُ الکنزِ. وذاتَ يومٍ عَرفْتُ قَطرةَ الماءِ أنَّ الضِّياءُ يُثيرُ الطَّريقَ ولكَنَه أحَيانًا يُعْمِي الْبَصَرَ. 

مَرَّتْ سَنَواتٌ وأنَافي قلبِ الإخوانِ، رأيتُ فِيها أفَكارًا تَرتفعُ وأَفكارًا تتَهاوىُ، شَخصياتٍ حَملَتِ اْلجمَاعةَ، وشَخِصيَّاتٍ َملَتْها اْلجماعة،كانَ في ظَتِّي أنَّ التَنظِيمَ ما هُوَ إلَّا وسيلةٌ كِتوجيهِ طاقاتِ الفردِ الإبداعيّةِ وتنميتِها، فَإِذا بهِ وَسيلةٌ لِتكبيلِ الفردِ في سِلسلةٍ بشريةٍ طويلةٍ أشبهُ ما تكونُ بسلسلةٍ العبيدِ التي كانَتْ تُحمَلُ إلى أمريكا من بدايةِ القرنِ السادسَ عشرَ، والفارِقُ أنَّ (كُونتا كِنتي) الشابَ الإفريقيَّ المسكينَ الذي كانَ يَتِمُّ أَسْرُه مِنْ غَرْبِ إفريقيا قَهَرًا وغَصْبًاٍ ليدَخُلَ في سلسلةِ المُستعَبَدِيْنَ، كانَ لا يَنفكُ عَنِ التمرُّد عِلى العبودية إلى أنْ يَستنِيمَ لها مجبرًا، ولكنَّه يَظلُّ أبَدَ الآَبدِيْنَ مُستعَبدَ الجسدِ طليقَ الروحِ والنفسِ، ثم تَخرجُ مِنْ صُلْبهِ بعدَ ذلكَ أجيالٌ لا تَعرِفُ إلَّا العُبودَّيّةَ فَتَظنُّها الحياةَ وحينَها تكونُ هذِهِ الأجيالُ هي أَعدَى أعداءِ الحريةِ، ويكونُ السَّجَّانُ هُو سَيّدَها وقرةَ عينِها! أمَّا الذي يَفتَحُ لها الأبوابَ المغلَّقةَ لِتَنَطلِقَ إلى حُرِّيتِها فَهُو العدوُ الذي يِجِبُ أنْ تُقاوِمَه.

عُبُوديةُ التَّنظيماتِ الحديديةِ هي أشدُ وأَنكى مِنْ عُبُودَّية ((كُونتا كِنتي)) إذْ إِنّهَا عُبُودَيَّةُ الأجسادِ والأرواحِ والأنفسِ،ِ هي أشبهُ ما تكونُ بقِصَّة ((فاوست)) الذي كانَ يَبَحثُ عَنْ ((حَجَر اِلفَلاسفةِ)) فَبَاعَ برغبتِه رُوحَهُ للشَّيطانِ!

ما أَقَسَى أَنَ تَرهِنَ رُوحَكَ ِآخريْنَ حتى ولو كانُوا ملائكةً، وما أَرَوعَ أنْ تكونَ عبدّا للهِ وحدَه، حينَ قرَأْتُ ترَجمةَ الفيلسوفِ المصريِّ عبدِا لرِحمن بِدوي لقصة ((فاوست)) لجوته أدركْتُ أنَّ شَقاءَ الإنسانِ لا يكونُ إلاَّ بفِعْلِهٍ، ولكنْ هل يُدرِكُ الإنسانُ حَجْمَ المأساةِ التي تُنتجُ عَنْ تَفريطِهِ في حرّيتِهِ؟! لا شَكَّ أنَّهَ قَدْ لا يُدركُ عُمقَ المأساةِ وقتَ التفريطِ في الحريةِ، ولكنَّه قَدْ يَعرِفُ فَداحةً فِعْلِهِ بعدَ حينٍ،ٍ وقد يَظلُّ عُمرُهُ كلَّه جاهلا ما وَقَعَ فِيهِ.

انُظُرَوا إلى هَذا الشابٍِ غَض الإهابِ، الذي لم يُعجُمْ عُودُه بعَدُ، والذي تَدفَعُه عاطفتُهُ الدينيةُ إلى الوقوفِ في صفِّ السلسلةِ البشريةِ المستعبَدةِ مُنتظِرًا دَورَهُ في التكبيل التنظيميِّ على أَحرَّ مِنَ الجمرِ وكأنَّه يتعبَّدُ للهِ حينَ يُصبِحُ فردًا يَقَودُه رَاعِي البشرِ.

ما أغبانا! حينَ يَقُودُنا الَرّاعِي بعصا الدينِ والأخلاقِ والشريعةِ، ونحنُ نَبشُّ له، ياللهِ!كَمْ مِنَ العُبوديَّاتِ تُرتَكَبُ باسْمِ اللهِ،! أصابَ طاغورُ الحكيمُ حينَ قالَ: ((تَقيلةُ هِي قُيُودِي والحريةُ هِيَ مُنايَ، ولكننَي لا أَستطيعُ أَنْ أَحبُوَ إِليها؛ فمَنِ اسْتَعَبدُوني رَفَعُوا لافتاتِ الفضيلةِ وجَعلُوها حَائِطًا بَيْنِي وبينَ حُرّيتِي))].

وقد أوضح الخرباوي في صفحات كتابه "علاقة الإخوان المسلمين بالحركة الماسونية"، والتي سماها بعضهم (بالماسوإخواكية)، سيما في الفصل الثاني عشر (12). ويتكون الكتاب من سبعة عشر (17) فصلاً، في (359) صحيفة؛ سجّل فيها مشاهداته وحواراته مع عدد كبير من قادة الإخوان المسلمين في مصر آنذاك.

وقد انتقد الخرباوي الأخلاق الرديئة بين صفوف الجماعة، من الوصولية والانتهازية والانقلابية والعُنف، بالإضافة إلى تبنيها سياسة الاغتيالات، وشرط القسم عند الدخول في الجماعة (البيعة)، والتي يُشترط فيها القسم على المسدس والمصحفة امام شخص مجهول بالولاء الأعمى للجماعة. مع عقدها صفقات مع النظام الذي يعتبرونه كفرياً حسني مبارك، ومع وجود أعضاء من الإخوان في مباحث أمن الدولة، وكونهم يعملون للطرفين، وكيفية تحكم الجماعة بالمنتمين إليها.

وقد حصل الكتاب على جائزة (أفضل كتاب سياسي) خلال مفرض الكتاب بالقاهرة حينها، وحصل على جائزة تُقدر بـعشرة آلاف جنيه مصري، أي: حوالي ألف وخمسمائة دولار في وقتها، وتبنّت نشره دار النهضة المصرية.

تعريف المؤلف بنفسه (الخرباوي)

وبالمناسبة؛ فالخرباوي ينتمي إلى الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي الخرباوي وقد جاء إلى القاهرة من دمشق من قرية ((خربة روحا)) وكان محدثًا وأديبًا وعروضيًّا وله عشرات المؤلفات التي حققها العلماء ومنها تفسيره للقرآن الكريم، وقد كنی نفسه بـ ((الخِرباوي، الدمشقي، البقاعي)) وفي القاهرة تعرف على قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر العسقلاني فصاحبه زمنّا، وكان بطبیعته ناقدًا ساخرًا لا يعجبه حال الحكام، فأحقد ذلك عليه بعض القلوب فوشى به بعضهم عند والي مصر فنفاه إلى بلبيس بسبب قصيدة شعر هجاه فيها، فاستقربه المقام في بلبيس ردحًا من الزمن وتزوج بها وأنجب ثلاثة أبناء ذكور، ومن بعد ذلك كان دائم السفر لتحصيل العلم من بلاد عدة إلى أن توفي في دمشق تاركاً أولاده في بلبیس. وكتابه الأشهر هو ((نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وقد عكفت على دراسته لسنوات!

يقول الأستاذ الخرباوي واصفاً آخر أيامه في تنظيم الإخوان في العام 2002: [كانَتْ آخرُ أيامي في تنظيمِ الإخوانِ هي أسعدَ أيام حِياتي، ويا لها من أيامٍ أَدرَكَ قَلِبي فِيها أنَّ تَنَظيمَ الإخوانِ كانَ سَرابًا يَدَفَعُني نَحو التيهِ، كنْتٌ قد عَقدْتُ العَزْمَ على التخلُّصِ مِن تلكَ القيودِ الثقيلةِ التي أَقَعدَتْنِي وعَرقلَِْي وحاولَتْ تكبيلَ أفكارِي، فالنفسُ السَّوِيَّةُ تَرَفُضُُ الاستبدادَ حتى ولو كانَتْ قُيُودُه مِنْ ذَهَبٍ، أو كانَتْ جُدرانُه قد شُيِّدَتْ من لافتاتِ الفضيلة، ها هي اللحظاتُ الأخيرةُ تُداعبُ خيالي من جديدٍ، تُحُتثٌُُ ذَاكِرتي على العَودةِ إلى لَخَظَاتِ الخروجِ، تلكَ اللحظاتِ التي اعتَبرتُها أزمنةً قُدسيّةً، زمنُ الحصولِ عِلى صَكِّ الحريةِ هو الأعظمُ في تاريخي، قَبَلَها نَشَبَتْ معركةٌ طاحنةٌ بينَ قلبي وعَقلي، هَلْ أَتركُ الجمَاعةَ، أم أظلٌّ فيها حتَّى ولَوْ تَمحّْهَ فيها الاستبدادُ؟ فتَحثُ حِواراتٍ معَ أَصدِقائي عَنْ قيمةِ الحريةِ، قلتُ لِعاطف عوَّاد الذي تَركَ الجماعةَ قُبيِلي: عَظيمةٌ هي قِصَّةُ (وداعًا شاوشنك) تلكَ القصةُ الرائعةُ التي كُتبها ((ستیفن کینج)) ثم تَحوَّلتْ إلى فيلم سینمائي عِبْه بطولة ((تيم روبنز)) و ((مورجان فريمن)) دخلَ روبنز سجنَ شاوشنك، ولكنه ظلَّ عشرينَ عامًا يبَحثُ عن حُرّيتِهِ إلى أنْ حصلَ عليها في الوقتِ الذي أُصبحَ فيهِ هَذا السجنُ هو كلَّ الدنيا لمساجِيْنَ آخرِيْنَ، لا يَعَرفونَ غيرَه ولا يَتَقَبَّلُونَ سِواهُ وكأنَّه هُو الحياةُ.

أظنُّ جماعةَ الإخوانِ تَحُوّلَتْ إلى سجنٍ بَِشَرَيّ لا يَحفَلُ كثيرًا بقيمة الحرية، يَسَتُحِقُونَ الّرِئاءَ، مَنْ عَاشُوا في الظلام وِيَنزعِجُونَ من النورِ، مَنْ يَقبعُونَ في أقَبيتِهِم وسَرادِيِبِهم الضيقةِ وهم يَحسَبونَ أنَّ الطريقَ إلى الدينِ والفضيلةٍ لا يكونُ إلاَّ من خلالِ الأقبيةِ والسراديبِ المغلقةِ.

قالَ عاطف ((الذي أصبحَ فيما بعدُ عُضوًا بالهيئة العُليا لحزب الوسط)): وكأنَّكَ تَسَتَعِيدُ يا صَدِيقي قَولَ لامارتين: ((أيُّ قيمةٍ للفَضِيلةِ إذا لم تُوجُدْ حُرّية!)) تَأمَّلْتُ قَولَهُ وانْتابَتْني لحَظةُ صَمْتٍ وسُرعانَ ما قَطعْتُها قائلًا: أَصْدُقُكَ القول .. لقد كْنْتُ أشعرُ منذً آمادٍ طويلةٍ أنَّ هذِهِ الجماعة سِجنٌ وقيودٌ وأنا السجينُ الذي لا يستطيعُ أنْ يَحبوَ إلى حرّيتهِ .. ثقيلةٌ هي قيودي ... نَدَّتْ عنّي ابتسامةٌ ساخرةٌ وأنا أقولُ: أخشىَ أنْ أكونَ قد أدمنْتُ السجنَ والسَّجَّانَ].

أعود إلى الكتاب، الذي تحدّث باستفاضة عن النظام الخاص الذي أسسه البنّا في العام 1939، وكانت مهمته إنجاز ما لا يمكن إنجازه، من القتل والتزوير والتفجير وفرض الإرادات والقلاقل وإثارة المشاكل والردح الإعلامي.. وكان هذا الجهاز مختصًّا بقيادة تنظيم الإخوان في الجيش والشرطة، ضمن (قسم الوحدات)، وكان قد تم إسناده في أيامه الأولى في زمن حسن البنا للصاغ محمود لبيب، وبعد ذلك تولاه الأستاذ صلاح شادي، ثم أبو المكارم عبدالحي، ثم عادت مسئوليته إلى الأستاذ صلاح شادي مرة أخرى إلى أن توفاه الله، أما حاليًّا فإن مسئولية قسم الوحدات تقع على عاتق الأستاذ إبراهیم شرف الذي کان ضابطًا بالجیش المصري.

يقول الأستاذ ثروت الخرباوي: [كلّنا يَظَنُّ أنَّ أيَّامَ النِّظامِ الخاصّ ولَّتْ ولن تعَودَ ثانيَةً، سنتذكرُ نَدَمَ الإمام الشهيدِ حسن البنا على إنشاءِ النظامِ الخاص، سنسَمَعُ ذكرياتِ الأستاذِ فريد عبد الخالق وهو يَحكِي لنَا أنّ حسنَ البنا قالَ لَهُ وهُما يَتمشَّيانِ لِيلًا على كوبري قَصْر النيل بعدَ اغْتِيالِ النقراشي: لو اسْتَقبلْتُ مِنْ أَمرِي مَا اسْتَدبرْتُ ما أَنَشأْتُ الْتّظامَ الخاصَ، ذلكَ النظامَ الذي مَازالَ مُعظَمُ الإخوانِ يَجهَلُونَ وُجُودَهُ وتَحكُّمَه في مَصِيرِ الجماعةِ حتَّى الآنَ، نعَم تَوقَّفَ بضعُ سنواتٍ ولكنْ بعدَ وفاةِ الأستاذِ عُمر التّلِمساني بَدأَتْ جُيُوشُ النِّظامِ الخاصّ تَعودُ إلى سِیمتها الأُولى، ألَمْ أقلْ: إنَّ إبراهيمَ سعدة كانَ مُحِقًّا عندَما قالَ: إِنَّ عُمرَ التلمساني كانَ صَمَامَ أمانٍ جماعة وشعبٍ ووطن!]

وفي إحدى تصريحات مصطفى مشهور أحد قادة الإخوان يقول: [من يُعادي الإخوان؛ إنما يُعادون الله ورسوله!].

وكان ديدن هذه الجماعات وطريقتها هو العناد والشدة والغلو، فما كادت الجماعة تستقر إلا على أثافي ثلاثة "حسن البنا، وسيد قطب، وشكري مصطفى"، والذي أخذ كل واحدٍ منهم فكرة الذي قبله، وزاد عليها وطوّرها، حتى كان الأخير هو مؤسس جماعة التكفير والهجرة في مصر، وجاء "مصطفى مشهور" ليؤكد أفكار هذه الثلاثة، ورسّخها حسن الهُضيبي المرشد العام بعد موت التلمساني، لتصبح كلماتهم متوهّجة لا يسع أحداً أن يتحدث بغيرها. 

وللأسف فقد وصل الأمر [داخل جماعة الإخوان لدرجة أن بعض قيادات الشباب في الإسكندرية استحلوا الزنا بالأجنبيات وغير المسلمات تطبيقًا لفتاوى كان شكري مصطفى قد أصدرها وهو يقيم الركائز الفكرية لدولته؟!] فبعد أن خرج شكري مصطفى من السجن عام 1971 م أخذ يجوب البلاد بحثًا عن أنصار له ولدعوته، كان شكري يؤمن أنه هو بعينه ((المهدي المنتظر))، وفي إحدى الشقق بمنطقة الإبراهيمية بالإسكندرية جلس شکري مع بعض أنصاره وأخذ يحدثهم عن آخر الزمان والمهدي المنتظر، الذي يعني به نفسه، وأنه أخذ العهد على انصاره بعد أن يخرجوا من السجن، أن يلحقوا به بأرض اليمن.

ما يقوله المرشد يسري على الجميع، بلا نقاش أو حوار أو تشاور، الكل هنا يُطيع ويُنفّذ، الاجتهاد غير مسموح وغير مقبول، 

كما يحكي الكتاب العصبية العميقة والمتأصلة في داخل جماعة الإخوان المسلمين، والتي أفرزت قسوةً قاتلة يتعاملون بها مع من هو خارج التنظيم، الأمر الذي يجعل الإنسان يتوقف أمام جمود العقل وغلظ الطبع، وقلّما يستجيب صاحب هذين. يقول الأستاذ الخرباوي: [تُلخُّ عليَّ أحيانًا الرغبةُ في الصَّمتِ، اُصمُتْ، اِكسِرْ قَلَمَك، إَنَّك لَنْ تُصلحَ الكونَ أبدًا، سيَجهَلُ قَومُكَ مَقصِدَكَ، سيُمزِّقُونَ صُورتَكَ، سَتَّهِمُونَك في وطنّّتِك احیانًا وفي عقیدتك احیانا اخری، كُنْ کباقِي اُصحِابك، أمَسِكِ الْعَصا مِنَ المنْتَصفِ، حَاولْ أَنْ تُرضِيَ الجميعَ، مَا الذي سَترَبَحُه مَنْ کَشَفَ الحقيقةَ؟! هَلْ تَظنُّ أنَّ الحياةَ مثلُ الحَدّوتةِ التي نَقُصُها على الصِغارِ؟! في الحدّوتةِ يَدورُ الصِّراعُ بينَ الخيرِ وِالشرِ، بينَ الحقِ وِالباطل،ٍ وفي النهايةِ يَنْتصِرُ الخيرُ وتَعَلُو رايةُ الحقّ، ولكنّ الدنيا غيرُ ذلك، الخيرُ لا يَنتصِرُ دَائمًا وراية الباطل تَعلُو كَثيرًا، ولكنْ يَهْزَّني ((فِعلُ أمرٍ)) يَصدُر مِنْ أعَماقي، هُو ((اكتُب، اكتبْ)) الكتابةُ تَسبِقُ القِراءة، ولَو لاها مَا قَالَ اللهُ لنَا (اقرَأ)) يَبَدأُاُلإنسانُ طَرَيقَ المعرفةِ بقراءةِ الكتبِ ثم يَرتقِي فَيقرأُ الناسَ ثم يُرتِقِي فَيقرا الحياةَ ثم يرتِقِي، فيَقرأ اُلموتَ، ولكي نَقرأ يجبُ أنْ نكتبَ].

ويرى الخرباوي أن تنظيم الإخوان مليء بالالتواءات والتعقيدات التي تتشعب في كافة الدوائر والنقابات ومكاتب التنظيم، وأن التقيّة التي تسري في جميع الطبقات العليا في الدولة لأبناء التنظيم، [وقد كانت الصوفية غطاءً لأنشطة الإخوان في الجيش! الطرق الصوفية كانت هي الصندوق الذي اختبأ فيه ((قسم الوحدات)) فلم تره الأجهزة المخابراتية !!]. 

ولكن لماذا هذه الرحلة والتنقيب يا أستاذ ثروت؟ يُجيب بقوله: [كانتْ رحلتي نحو الحقیقة قد بدأت مصادفة بغیر ترتیبٍ مُسبقٍ، إذْ لم يَرِدْ في خَاطِرِي أنَّ جماَعة الإخوانِ تُصُمِرُ في نفسِها حقائقَ مُفزِعة، لا يعَرِفُها مُعُظمُ أفرادِها، فالأسَرارُ محَفوُظةٌ عندَ اْلْكَهَنةِ الكبار،ِ في صندوقٍ خَفِيّ لا يَستَطِيعُ أحدٌ أنْ يَطَلعَ على مَا فيهِ، إذْ إِنَّ العَتْمةَ التي يَعِيشُها أفرادُ الجماعةِ تَحجُبُ عنهُم نُورَ الحقيقةِ، وحينَ سِرْتُ وَرَاءَ بصيصِ الضّوءِ أراني الله ما يَعَجَزُ العقلُ عن اسْتِيعابهٍ لأولِ وِهلةٍ، فمَنْ عاشَ في العُتْمةِ زمَنَا يُفاجِتُهُ النورُ فَيُعُشِي بَصرَهُ لِلَحَظاتٍ ويصَعُبُ على حَدقتَيهْ استيعابُ الضِّياء، وقتها قد تُنكِرُ العينُ الضَّوءَ وتستنكِرُه، وما أصعبَ أنْ نَستنكِرَ الحقيقةَ!]

وحينما يترقى في الجماعة من هو أشد صلابةً من الحديد، وقلبه أقسى من الحجر، ومن [سيملأ الدنيا أنهاراً من الدماء]، حينها ينحرف المسار، ونكون قد وصلنا إلى منهية جديدة في التفكير والتكفير، إنها بداية [القطبيين]، أو من يكفرون الناس بالجملة، ومن يؤمنون [بالقوة] وحدها لفرض الرؤى والأفكار والتوجهات، و[بالانقلاب] كوسيلة للوصول إلى سُدة الحكم والزعامة.

يقول الأستاذ ثروت الخرباوي: [كلماتِ سيدٍ قِطب تتردد في أذهان وأسماع كثيرين من أبناء الإخوان: ((لا نَجاةَ للعُصبةِ المسلمةِ في كلِّ أرضٍ مِنْ أنْ يقعَ عليها العَذابَ إلاّ بأنْ تَنفصِلَ عَقَدِيًّا وشُعوريًّا ومنهجَ حياةٍ عن أهل الجاهليةِ من قومِها حَتَّى يَأذَنَ اللهُ لها بقیامِ دار إسلامٍ تِعَتصِمُ بها، وإلاّ أنْ تَشعرُ شُعورًا كاملًا بأنَّهَا هِيَ الأمةُ المسلمةُ وأنَّ ما حولهَا ومَنْ حولهَا ممَّنْ لم يدَخُلُوا فيما دَخلَتْ فيهِ جاهليةٌ وأهلُ جَاهليةٍ؟ ويقولُ قطب: ((إنَّ هذا المجتمعَ الجاهليَّ الذي نَعيشُ فيه ليسَ هو المجتمعَ المسلمَ)) تَتكرَّرُ الكلماتُ! وتتلاحق ((ليسَ هُو المجتمعَ المسلمَ ... ليسَ هوَ المجتمعَ المسلم)). ويقول قطب: ((إنّ المسلمينَ الآنَ لا يُجاِهِدُون، ذلكَ أنَّ المسلمينَ اليومَ لا يُوجَدونَ، إنَّ قضَِيَّة وجُودِ الإسلام ووُجودِ المسلميْنَ هي التي تَحتاجُ اليومَ إلى عِلاجٍ)). لقد صرعت كلمات قطب قلوب كثير ممن آمنوا به، ورضخوا لآرائه وأفكاره، المسلمون الآنَ لا يُجاهِدُون، لا لأنَّهَم نَكصُوا عَلى أعقابِهم، ولكنْ لأنه لا يوجدُ مسلمونَ من الأصلِ!! كلُّ الذينَ يَعيشونَ على البَسيطةِ الآنَ ويقَولُونَ: إنَهَمَ مسلمونَ إِنَّما یتحاكمون إلی الطاغوت وقد أُمرُوا أنْ یكفُروا به؟! فوجود الإسلام توقف، وبالتالي لا المسلمين غير موجودين في هذا العالم].

وتحدث الخرباوي عن علاقة الإخوان بالفكر الخارجي، من خلال الأصول الفكرية التي تتبناها الجماعة وتؤمن بها، والتي أنتجت فيما بعد سلوكيات مضطربة، وأزمات عميقة، وعُقد شكّلت طريقاً وعراً لتحقيق أهدافهم، [يا ثروت، اكتب أننا لكي نستطيع تحليل ظاهرة ما يُسمى بالجماعات الإسلامية تحليلًا علميًّا دقيقًا فإننا يجب أن نعرض تلك الجماعات على الطب النفسي!]

[لا تكونوا كالموات يعبث بعقولكم من يريد]، 

لقد كان الإخوان يخترقون كل شيء، ويتغلغلون في أجهزة الدولة، الأمر الذي لا يكاد يُصدقه عقل، في تنظيم يُكفّر الدولة وكل من يعمل لمصلحتاه. يقول الخرباوي: [نعَرفُ أنَ بَعضَ أعضاءِ الإخوانِ كانوا ضُبَّاطَ مباحثَ سابقيْنَ وهُمْ عَلى صلةٍ قويةٍ بالأمنِ وُيُقدِّمون لِقياداتِ الجماعةِ خِدْماتٍ كِثیرةً من خلالٍ علاقتِهم بالقیادات الأمنية في مصر].

الضعفاء في هذه الأمة كثير، لا يؤبه لها، ولا يُلتفت إليها، ولا يلوي عليها أحد، وكأنها غير موجودةٍ أصلاً، 

وكيف أن الامتيارزات والترقيات والتسهيلات والأموال تُدفع باتجاه واحد، لأشخاص يختارونهم بعناية، بنظام التزكية والفرض، بحسابات مادية بحتة،

ومع ذلك فلم يخلُ الكتاب من تفسير آية، أو نقاش في مسألة فقهية، أو حديث عن قضية عقدية، أو عقدة صوفية، أو شذرة دعويّة، وقد أتفق مع المؤلف في مسألة وأختلف في مسائل (كمسألة الترحم على أهل الكتاب) مثلاً، لكن بالجملة فالأمور التي يثيرها غنيّةن وتحتاج إلى تأمل ونظر.

بين ثروت ومأمون الهضيبي (اللقاء الأخير)

كان هذا اللقاء الذي سجله الأستاذ ثروت الخرباوي هو اللقاء الأخير الذي يجمعه بالهضيبي أحد قادة الجماعة، يقول: [الآنَ وبعدَ سنواتٍ عديدةٍ من يوم اِلخروجِ من الجماعةِ أُجلِسُ في غرفةِ مكتبي وَحيدًا أخَطٌّ هذِهِ الذِّكرياتِ، أذكرُ آخرَ لقاءٍ جمعَنِي بالمستشارِ مأمونِ الهُضَسِي، كانَ ذلكَ في غُضونٍ عام 2002ِ صَدَمَنِي الرجلُ بكلماتِهِ الجافّةِ الخشنةِ، أهَكذا يكونُ الدُّعاة !! 

كان اللقاءُ قد دفعَنِي إليهِ الدكتورُ عبدُالمنعمِ أبو الفتوح من أجلٍ تخفيفٍ حدَّةِ الهجوم ضِدِّي داخلَ الجماعةِ، كانَ من المفترَضِ وُفقًّا لما وَقَّرَ في يقينِي أنَّ لَقائِي بالمستشارِ مأمونِ الهضيبي سيكونُ ثَِريًّا له قيمتُهُ .. فالرجلُ يحملٌ فوقَ كتفيهٍ تاريخًا ويختزنُ في مكنونٍ ذاتِهِ كمّا متنوعًا من المعارفِ القانونيةِ والخِبْراتِ السياسيةِ والتنظيمية .. إلَّا أنني تذكّرتُ عندَ لِقائي الأخيرِ معَه ذلكَ المثَلَ العربيَّ الذي يقولُ: ((أنْ تسَمَعَ بالمُعيَدِيَ خيرُ من أَنْ تراه)) .. وَيَبدُو أنَّ معارفَ الإنسانِ وخِبْراتِهِ قد تكونُ عِبثًا عليهِ أو يكونُ هو عبثًاً عَليها إنْ لم تكنْ له بصيرةٌ وسِعَةُ أفقٍ، كذلكَ الجَواهِرِيُّ الذي وَهَبَهُ اللهُ ذهبًا وجواهرَ نفيسةً فقذقَها في اليمِّ إلى غيرِ رَجْعةٍ!

كانَ لقائي مَعَهُ هو خاتمةَ فِصَتِي معَ الجماعةِ، حينَ تَكلَّمُ ظَهرَتْ عَلى قسَماتٍ وَجْهِي مخايلٌ الدهشةِ حتى إَنَي كِدْتُ أهزُّ رأسِي لِأُعيدَ عَقلي إلى مكانِهِ المعهودِ، هَممْتُ بالوُقوفِ للانصرافِ، فَدَفقَاتُ الكلام الذي خُرَجَ من فَمِهِ يُوحي بأنه كانَ يعيشُ في مَرحلةٍ ذهنیةٍ متاخّرةٍِ أشَارُ لي بيدِه يَأمُرني بالجلوسِ وهو يَقولُ: اُقعُدْ .. اقعدْ .. هَلْ تَظنُّ أنَّ ((دُخولَ الحمام کما اخروجُ منه)).

جَلسْتُ وأنَا أقولُ في نَفَسِي بعدَ أنْ غالبتُ ابتسامةً طَفَتْ على سَطْح وَجْهِي: ((ما دامَ الرِجلُ يَعتِبرُ بيتَهُ حمامًا فكانَ مِنَ المفروض أنْ أدَخلَ بقَدمِي اليُسرى وأقولَ وأنَا داخلٌ: ((اللّهَمَّ إنيّ أعوذُ بكَ مِنَ الحُبثِ والخَبَائث)).

ودونَ تمهيدٍ بادَرني بلهجةٍ يَشُوبُها الاستعلامُ وكانّه رئیسُ مجلس إِدارةِ شَركةٍ يُخاطبُ أحدَ الموظّفينَ عندَه: أنتَ أَخطأْتَ في حقِّ الجماعةِ يا ثروت .. ويبدُو أنَّكَ لم تَعَرِفْ ما قَلَهُ حسنُ البنا .. قالَ نحنُ جماعةٌ انتَظَمْنا في صفٍّ واحدٍ فإذا خرجَ منْاً واحُدٌ، لَنْ يقولَ الناسُ خَرجَ واحدٌ ولكنْ سيقولون صفهُ أعوج. ترَكْتُه يَسترسِلُ في حَديثِهِ إلى أنْ قالَ: نحَنُ نَتحالَفُ معَ مَنْ يَستطِيعُ أَنْ يُقرِّبَنَا مِنْ دَوائِرِ صُنْعِ القَرارِ. نَحنُ تحَالَفْنا فِي الأطبّاءِ معَ حَمدِي السيدِ ومعَ حسب الله الكُفراوي في المهندسِيْنَ لهذا السَّببِ .. وأيٌّ شَخصٍ قريب مِن دوائر السلطةِ العُليا سنتَحالَفُ معَه، ولن نَقَبلَ أنْ يَخَرجَ أيُّ واحدٍ منّا عَلى هَذا القانونِ .. هَذا هُو دُستورُ الجماعةِ .. دستورُ الجماعةِ .. وأنتَ رجلُ قانونٍ.

انتظرْتُ إلى أَنِ اِسْتَكملَ كلامَه ثم قُلتُ: قانونُ التّحَالفِ معَ مَنْ يكونُ قريبًا من السلطةِ أظنُّ أنَّهً مِنَ الممكن أنْ يكونَ وسيلةَ مرحليةً وليسَ دُستورًا دائمًا. ظهرَ الضِّيقُ على وَجههِ ثم قالَ بنَفَادِ صبرٍ: لا تجادلني .. أنتَ رَجلُ قانونٍ :. لماذا وَضَعَتِ الدولةُ قانونًا للمرور؟ طبعًا حتى لا تتَصادَمُ السَّياراتُ .. مَاذا لَوْ خالفَتْ سيارةٌ قانونَ الدولةِ وقَطعَتِ الإشارةَ الحَمراء؟ 

قَطْعًا سَتَفَعُ حوادثُ وستصُطدِمُ السّياراتُ بالمارةِ .. ماذا لو أقامَ أحدُهم بنايةَ دونَ ترخيصٍ من الحيِّ وُفقًا للقانونِ؟ سيُصبحُ الحالُ فَوضى ... هُنَاكَ قانونُ للعُقُوباتِ .. مَنْ يُخالفُهُ يكونُ قدِ ارْتَكب جَريمةَ ألَيسَ كذلكَ؟ 

تَنفّستُ الصُّعَدَاءَ وأنَا أقولُ: لا لَيسَ كذلكَ. مَاذا تَقَصِدُ؟ قَالها مُقاطِعًا وهو يُبدِي اسْتِغرَابهُ!

أكملْتُ كلامي وأنَا أتَناولُ كِتابًا كانَ عَلى المنضدةِ وكأنّهَ لم يُقاطِعني: هُناكَ موادٌّ في القانونِ يتمُّ محاكمةُ الإخوانِ بمُوجَبها مثلُ المادةِ 86 مِن المدوَّنةِ جريمةَ إنشاءِ تنظيمٍ دِونَ أنْ يكون لهذا التنظيمِ رُخصةٌ مِنَ الجهاتِ الرَّسميَّةِ .. العقابيةِ .. وبالمناسبةِ الإخوانُ يُخالِفُونَ هذهِ المادةً ویرتکبون بمخالفتِهم هذه فَإِذا كانَ قانونُ الجماعةِ في رأيِكَ يَجَبُ أنْ يتمَّ احْترامُه كما نَحتِرِمُ قانونَ المرور وقانونَ العقوبات!

فَحينئذٍ يجبُ أنْ نعلنَ عن حَلِّ الجماعةِ لأنها تخالفٌ قوانينِ الدولةِ لِأنهاَ نشأتْ دون رَخصةٍ كما البناياتِ التي تُنشَأُ مِنْ غيرِ رُخصةٍ، وإلاَّ لأدَّتْ هذِهِ المخالفةُ إلى اصْطِدام السياراتِ ووقوع الحوادثِ وإشاعةٍ حالةٍ فوضى .. أليسَ كذلكَ؟

هبَّ الرجلُ واقفاً وهو يقَولُ بعصَّيةٍ وحِدَّةٍ وهو يُشيرُ إلى البابِ: اِتْفضَّلْ يا أستاذ المقابلةُ انْتُهَتْ.

تَجَمَّعْ في ذِهِني في تلكَ اللحظةِ كلُّ العُمر الذي قَضَْتُه في الْجماعةِ وكلٌٌّ ما مرَّبي مِنْ أَحداثٍ ... مَرَّشريطُ الذِكرياتِ وكأنََّ دَهرٌُ ولكنَّه مرَّ في جُزءٍ من الثانية ... رأیتُ أمام عین خیالي تلك المشاهدالرائعةً التي شارکْتُ فِيها أو اقتربْتُ منها أو تفاعَلْتُ معَها ... رأيتُ أشَخاصًا أَفَذاذًا في الفِقْهِ والفُهم وسِعَةِ الأُفْقُ.ِ. رأيتُ عُقُولًا مَوسوعيّةٌ وقلوبًا نُورانيّةَ .. 

والآن وَاحَسْرتاهُ أَرَى جمَاعةً بلا قلبٍ .. هَذا هُو قَلبُ الإخوانِ !! في مكانِهِ فراٌ، فقد تَبخَّرَ القلبُ وتنَاثرُ خَلْفَ مَنْ مَاتُوا ومعَ منَ خرجُوا .. اندثَرَ القلبُ وضَاعَ مِنْ يَدَ مَن قَلَبَ الإخوانَ إلى ناحيةٍ أخرى …

 الآنَ آنَ لِي أنْ أخَتارَ .. آنَ لي أنْ أحسِمَ أمري .. أحببْتُ جماعةَ الإخوانِ ووَهْبْتُها قلبي ومشاعرِي وعقلي .. فَضَّلْتُها.. وحينَ وَطِئَتْ قَدَماي أَرضَ الطريقِ شَعرْتُ بخِفّةٍ في رُوحي، وسَعادةٍ في قَلَبي، حتَّى إنَّني أَخَذْتُ أَنَظرُ في وُجوهِ الناسِ وأَنَا أَبتسِمْ ابتسامةًَ عريضةً،ً سِرْتُ في الطريقِ مُبتَعِدًا عن سَيَّارتقي لا أَلِوي عَلَى شَيءٍ، وكأنني أُجرِّبُ الحّرّيةَ لأولِ مرةٍ فَوَجَدْتُنُي في مَيْدانِ الجامع القريبِ مِن بيتِ مأمونِ الهُضَيْبِي، وأَمامَ جَامعٍ جمالِ الدينِ الأفغاني. تَوقّفتُ، لم أكَنَّ صَلّيتُ العشاءَ بعدُ وكانتَِ الصلاةُ قدِ انْتَهَتْ وخَرجَ المصلّونَ إلى حالٍ سَبيلِهِم، ومعَ ذلكَ خُيِّلَ إليّ أَنَّ المؤذّن يَرفعُ الأَذَانَ، وسَمعْتُهُ بقلبي وهو يختِمُ الأذانَ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبر،لا إلهَ إلّّا الله. 

تَردَّدت الشَّهادةُ في قَلبي حتى ظننْتُ أنّهَا كانَتْ تَرَجُّني رَجًاً، لا إلهَ إلّّ الله. دخلْتُ إلى المسجدِ وكانَ أولُ ما فَعلتُهُ حينَ دَخلْتُ أَنْ سَجدْتُ للهِ ربّ العالمين، كانَتْ هذِهٍ هي سجدةَ الشكر للهِربِّ العالمين، وأَثَناءَ صَلاِتِي شَعرْتُ بمَذَاقٍ رُوحانيّ غِريبٍ لم أَشَعرْ بهِ من قبلُ، كانَ هَذا هُوَ مذاقَ الحريةِ عندَمَا يَخْتِلِطُ بالعِبادةِ، آوِما أروعَ عبادةَالأحرار!

فَرَرْتُ بقلبي مِنْ تَنَظِيم لا يَعَرفُ القلوبَ ولا يَأبهُ لِلمَشاعِرِ، إلّا أنّْني رَأيْتُ وأنَا خارجَ قلبِ الإخوانِ أشياءَ تَحَارُ منها الألبابُ وتَستَعْصِي عَلى التَصدِیقِ].

الإخوان والماسون

يُشير الخرباوي إلى علاقة الإخوان المسلمين بالماسونية، مع أن ذلك يندرج في الشكوك الاستنباطية، وذلك في خضم حديثه مع الأستاذ أحمد إبراهيم أبو غالي -أحد قادة الإخوان سابقاً - الذي نبهه على هذه القضية، وكان الآخر هو احد من تركوا الجماعة وانفصلوا عنها. يقول الأستاذ الخرباوي: [اِنكبيْتُ في فترةٍ مِن حياتي على القراءةِ عن الماسونِ والماسونيّن، وكانَ ممَّا قرأتُهُ أنَّ الأفرادَ العاديّينَ للماسونِ لا يَعَرفُون الأسرارَ العُظمَى لِتنظيمِهم العالميّ، تلكَ الأسرارُ تكونُ مخفيّةَ إلاَّ على الذينَ يُؤتَمنونَ على الحفاظِ على سِرّيتِها، وتكونُ هي الهيكلَ الذي يحَفظ كِيانَ الماسونيةِ، وعندَ بَحثِي في الماسونيةِ استلفَتَ نظرِي أنَّ التّنَظيمَ الماسونيَّ يُشبِهُ من حيثُ البناءُ التنظيميُّ جماعةَ الإخوانِ، حتَى درجاتُ الانتماءِ للجماعةِ وَ جدْتُها واحدةً في التّنظيمَيْن !!.

وعندَما كنْتُ طالبًا في السنةِ النهائيةِ بكليةِ الحقوق وَقعَ تحتَ يدي طبعةٌٌ قديمةٌ لأحدٍ كُتبِ الشيخ محمدِ الغزالي، وإذْ جَرَتْ عيني عَلى سُطور الكتابِ وَجَدْتُه يتَحدَثُ عن أنَّ المرشدَ الثاني حسن الهُضَسِي كانَ ماسونيًّا! لم تَتحمَّلْ عينِي استكمالَ القراءةِ فَأغلقْتُ الكتابَ ووَقعْتُ في حَیرةِ مُرتابةٍِ، کنتُ في هذهِ الفترةِ قد أحبيْتُ الإخوانَ وشُغِفْتُ بتاريخِهم، وكنتُ في ذاتِ الوقتِ مُنشَدِهًا للشيخ محمدِ الغزالي وخُطِبِه وكُتِبِهِ وطَريقتِهِ الثائرةِ، كانَ جيلي كلِّه يَعتبرُ الغزاليَّ إمامَ العصرِ ومُرشِدَ العقل، لذلك کانَتْ کلماتُ الشیخِ محمدٍ الغزالي التي اتَّهمَ فيها المرشدَ الثاني حسن الهضيبي بالماسونیة بمثابة صفعةٍ عَلى مَشاعِري، أَيُهُما أُصَدِّق؟ الإخوانُ الذينَ طَهَّرَهُم اللهُ فأَصبحُوا جماعةً ((رَبّانيةً)) أم اِلشيخَ الإخوانيَّ حتَّى النُّخاع، العالمَ الفقيهَ المجاهدَ الثائرَ المجدِّدَ محمدَ الغزالي؟ هَلِ الغزاليِّ يَكذِب؟! ويَكذِبُ عَلَنَا أمامَ كلِّ الناسِ !! هَلْ كان حَاقِدًا فَأمَسَكَ مِعْولَهُ لِيهدِمَ الإخوانَ؟ أم أنّه كانَ صَادِقًا وكانَ الإخوانُ يُعلِنونَ غيرَ ما يُسِرُّونَ؟  

لم تَنتهِ حَيْرتي ولكنتّنَي وَضَعْتُها في زاويةٍ مهجورةٍ مِن عَقِلي، لا أقَتربُ منها أَبَدًا ولا أَتَطرَّقُ إليها لا معَ نفسِي ولا معَ آخَرِيْنَ، قُرّرتُ ألاَّ أفتحَ هذِهِ القصةَ أبدًا بمجرّدٍ أنْ أغَلقْتُ الكتابَ، بل إنّنَي أصدرْتُ أمرًا لنفسِي ألاَّ أفتحَ هذا الكتابَ أبدًا، وكم كانَ سُرُورِي حينَ وَضعَتْني الأقَدارُ أمامَ هذا الموضوع نفسِه بعدٌ عدةِ أيامٍ مِن إغلاقِي الكتاب، وكأنَّّ الأقدارُ تأبى إلّّا أنْ أُمُعِنَ النّظرَ في ماسونيةِ الإخوانِ، فَقَدْ دَعاني الأخُ خالد بدوي الذي كانَ أميرًا للجماعةِ الإسلامية في كلية الحقوقِ لحضورٍ نَدوةٍ في المدينةِ الجامعيةِ للشيخ ((إبراهيم عزَّت)) الذي كانَ أميرًا لجماعةِ التبليغ والدعوة في مصرَ آنذاكَ، وكانَ في ذاتِ الوقتِ مُقرّبًا مِنَ الإخوانِ بحَسْبٍ كان في إحدَی فَترَاتِ عُمرهِ عُضوًا بالجماعةِ، وبعدَ الندوةِ تلقَّى الشيخُ إبراهيم عزت سؤالا من أحدِ الحاضِريّْنَ عن حقيقةِ اتِهّام الشيخ الغزالي لبعض قِياداتِ الإخوانِ بالماسونية؟ 

وكانَ ردُ الشيخ أنَّ هذَا الكلامَ كتَبهُ الشیخ الغزالي في ثورةِ غَضبٍ بعدَ خلافٍ بينهَ وبينَ الجماعةِ ثم إنَّه بعدَ أنْ هدأتْ ثائرتهُ بعدَ ذلكَ قامَ بحَذْفٍ هذه العباراتِ من الطَّبْعاتِ الجديدةِ للكتابِ، بل إنَّهَ وقبل وفاةِ الأستاذِ حسنِ اِلهُضَيبِي زارَه وسَلَّمَ عليهِ وصَلىّ خُلْفَه، كانتْ إجابةُ الشيخ إِبراهيم عزت مُريحةً لنفسِي إلّا أنهَّا لم تكنْ كافيةً؛َ ذلكَ أنهَّا فَتَحتْ مجَالًا فِي عَقلِي لاتّهام الشيخ الغزالي بالكذِبِ وتَلويثِ سُمعةٍ مَنْ خَالَفَه في الرأي بِغيرٍ حقٍّ! ولكننَي فعلْتُ ما انْتويْتُ عليهٍ وهو أنْ يُغلِقَ عقِلي معَ نفسي بابَ النقاشِ في هذا الموضوع.

ومرَّتْ سنواتٌ وسنواتٌ وهَذا الموضوعُ من المحرَّماتِ التي لا يَجُوزُ أَنْ أقَترب منها أو أبَحثَ فيها، بل إنّنَي كنْتُ أنَظرُ ساخرًا لمن يَفتحُ هذا الموضوعَ وأنا أقولُ لنفسِي كيفَ يَلتقِي الدينُ معَ اللادينِ؟ كيفَ يلتقي الإسلامُ الذي تُعبّرُ عنهُ جماعةٌ ربانيةٌ بالصُّهيونيةِ التي تُحاربُ الإسلام وتحاربُ جمَاعةَ الإخوان؟ إلى أنْ تَداخلَتْ أحداتٌ كثيرةً في حياتي فَأخذْتُ أبحثُ عن الأصولِ الفكريةِ لجماعةِ الإخوانِ، كيفَ فكَّرَ حسنُ البنا في إنشاءِ الجماعةِ؟ ولماذا؟ وما هِي الأدَواتُ التي أمسكَ الإخوانُ بتلابيِها لكي يُقّقُوا هدفَهم الأعظمَ، وقتها وَقعَتْ تحتَ يدي مقالاتٌ كانَ الأستاذُ سيدٌ قطب قد كتبها في جريدةِ ((التاج المصريّ))!

وأثَناءَ بحثي عَرَفْتُ أنَّ هذهِ الجريدةَ كانَتْ لسانَ حالٍِ المحفَل الماسونيّ المصري !! وكانتْ لا تسمحُ لأحدٍ أن یکتب فيها من خارجٍ جمعية الماسون، وهُنا عادَ ما كَتَبهُ الشيخُ الغزاليّ في كتابهِ ((ملامحُ الحق)) إلى بُؤرةِ الاهتمام، خَرج كتابُ الغزالي من الزاويةِ المهجورة داخلَ عقلي إلى أرض المعرفةِ، الإخوانُ والماسونيةُ !! عُدتُ إلى الكتاب الذي كنتُ قد عَزمْتُ عَلى أنْ لا أعودَ إليهِ لأقرأَ ما كتَبهُ الشيخُ فوَجدّتُه يقولُ في كتابهٍ: ((إنَّ سيدَ قطب اِنحرَفَ عن طريقِ البنا وأنه لم يَشعرٌ أحُلٌ بفَرَاغ اِلمَيَدانِ مِنَ الرِّجالاتِ المقتدرةِ في الصفِّ الأولِ من الجماعةِ المسرَّاة الإخوانِ المسلمينَ إلاّ يومَ قتِلَ حسنُ البنا في الأربعين من عُمرهٍ))!

لقد بَدا الأقزامُ على حقيقتِهم بعدَ أنْ ولّی الرجلُ الذي طالما سََّد عَجزَهم، وكانَ في الصفوفِ التاليةِ مَنْ يَصْلُحونَ بلا ريبٍ لقيادة الجماعةِ اليتيمةِ، ولكنَّ المتحاقدين الضعافَ من أعضاءِ مکتب الإرشادِ حُلُوا الأزمة، أو حلَّتْ بأسمائِهم الأزمةَ بأن اسْتَقدمَت الجماعةُ رَجلا غَريبًا عنها لِيتولّىَ قيادتها، وأكادُ أُوقنُ بأنَّ مِنْ وراءِ هذا الاستقدامِ أصابعَ هيئاتٍ سريةٍ عالميةٍ أرَادَتْ تَدويخَ النشاطِ الإسلاميِّ الوليدِ فَتسلَّلتْ من خلالِ الثغراتِ المفتوحةِ في كِيَانٍ جماعةٍ هذهِ حالهًا وصَنَعتْ ما صَنَعَتْ.

ولقد سَمعْنا كلامًا كثيرًا عن انْتْسابٍ عِددٍ مِن الماسون بينهَم الأستاذُ حسنُ الهُضَيبي نفسُه لجماعةِ الإخوانِ ولكتّنَي لا أَعَرفُ بالضبطِ كيفَ اسْتَطاعَتْ هذه الهيئاتُ الكافرةُ بالإسلامِ أن تَختُقَ جماعةً كبيرةً على النحوِ الذي فَعَلَتْه؟ وربما كَشَفَ المستقبلُ أَسَرارَ هذِهِ المأساةِ)).

هذا هو نَُصُّ كلامِ الشيخ محمد الغزالي، لعله لم يَتحسَّسْ كلماتِهِ وهو يَكتُبُ كتابهَ هَذا إلَّا أننَّي وجدْتُني مضطرًّا ونحنُ في هذا الجوّ الاستثنائيِ المشحونِ مِنْ تاريخ مصرَ إلى أنْ أتحسَّسَ الكلماتِ، ولكنْ هَلَّ أنا الذي أَكَتبُ؟ أنا فقط أنقلُ ما كتَبهُ الشيخُ الغزالي، وأكتبُ تاريخَ ما لم يُنكِرْهُ التاريخ، هَلْ قالَ التاريخُ إنَّ حسنَ الهُضَيبي وحدَه هو الذي كانَ مَاسُونيًّا؟ أو إنّ سيدَ قطب ارتبطَ معهم بصِلاتٍ وكُتَبَ في صُحفِهم؟ لا، مُصُطفى السباعي مُراقبُ الإخوانِ المسلمينَ في سوريا كانَ ماسونيًّا هو الآخَر،ُ الموضوعُ جدُّ خطیرٍ لا شَّك في ذلك، لايَجَوزُ الدخولُ فيهِ بمجرَدٍ تِخَميناتٍ أو شُكوكٍ، حتى إنني قرَّرَتُ حقيقةً أنْ لا أخوضَ في هذا الموضوع،ٍ ولكنْ أأتركُ أمَرًا في مثلِ هذه الخُطُورةِ دُونَ أنْ أَفَحَصَهُ وأتبيَّن حقيقتَهُ؟ 

قد تكونُ نتیجةُ البحثِ في غیر  صَالح الإخوان، وقد تَكونُ النتيجةُ في صالِحِهِم، وفي كلتا الحالتينِ يجبُ أنْ يستكشِفَ التاريخُ هذِهِ الفرضيةَ، ما علاقةُ الإخوانِ بِالماسونيةِ؟].

ومن هنا بدأت رحلة بحث الخرباوي عن سر التنظيم السري داخل الجماعة؛ فيقول: [أخذت أبحث بعدها عن كتب الإخوان وحدهم التي تتحدث عن النظام الخاص وتاريخه وفكره، لا أريد أن آخذ رأي غيرهم في تنظيمهم الخاص، ولا أحب أن أسمع من المختلفين معهم عن كيف كان هو النظام الخاص، فقرأت للرجل الذي كان مقربًا من حسن البنا، سكرتيره، ومسئول المعلومات في التنظيم، محمود عساف، الذي أخرجت له المطابع كتابه الشهير ((مع الشهيد حسن البنا)) لتقع عيني على صفحات من الكتاب يقول فيها عساف: 

((في يوم من أيام سنة 1944 م دعيت أنا والمرحوم الدكتور عبدالعزيز كامل لكي نؤدي بيعة النظام الخاص، ذهبنا في بيت في حارة الصليية .. دخلنا غرفة معتمة يجلس فيها شخص غير واضح المعالم يبدو أن صوته معروف وهو صوت صالح عشاوي، وأمامه منضدة منخفضة الأرجل، وهو جالس أمامها متربعًا، وعلى المنضدة مصحف ومسدس، وطلب من كل منا أن يضع يده اليمنى على المصحف والمسدس ويؤدي البيعة بالطاعة للنظام الخاص والعمل على نصرة الدعوة الإسلامية، كان هذا موقفًا عجيبًا يبعث على الرهبة، وخرجنا معًا إلى ضوء الطريق ويكاد كل منا يكتم غيظه)). أوقفتني عبارات ((الجهاد في سبيل الله حتى ينتصر الإسلام أو نهلك دونه))!

وتعجبت من هذه السِّرِّية التي تتم البيعة في أحضانها، إلا أنني مضيت إلى حال طريقي في الحياة إلى أن وقع تحت يدي كتاب عنوانه ((الأسطورة الماسونية)) لكاتب أمريكي اسمه جي كي يحكي تجربته مع المحفل الماسوني حينما كان عضوًا فيه، شيئًا شبيهًا بالذي كان يحدث في النظام الخاص يحكي عنه جي كي، ما هذا التطابق المذهل؟ أهكذا بلا ترتيب وبتصاريف الله يكون الشكل واحدًا، وكأنهما توءم افترقا منذ الولادة واجتمعا الآن، أحدهما في أمریکا والآخر في مصر !! 

یقول الماسوني جي کي عندما ذهب یبایع ويلتحق بالمحفل الماسوني: ((عندما حضرت إليهم وضعوني في غرفة تحضير، والتي كان فيها بعض الملابس التي كان يجب عليّ أن أرتديها، ومن ثم أعطوني عصبة للعينين، ويتم إجراء الالتزام أو ((القَسَم)) عند مذبح في منتصف غرفة المحفل، وهو ببساطة مجرد طاولة موضوع عليها الإنجيل أو أي كتاب مقدس آخر يؤمن به الشخص، وبعد طقس الدخول (القسم) وهو ينطبق على جميع درجات الماسونية، يلقي عليك رئيس المحفل محاضرة حول تاريخ المجموعة ورموزها، والتي يكون قد حفظها حرفيًّا، فهذه الرموز والطقوس لم تتغير منذَ مائتي عام))!

وقعت في فخ ((الألغاز)) وأنا أقرأ النصوص السابقة، فأخذت أضرب أخماسا لأسداس، ولكنني أزعم أن وجهي تغضن من تأثیر الدهشة حینما قرأت عن درجات أعضاء الماسون، فقد كانوا: ((أخ مبتدئ، وأخ زميل من أهل الصنعة، وأخ خبير)) فقد كان في الإخوان مثل هذه الدرجات: ((أخ مبتدئ أو منتسب، أخ وأخ عامل، أخ مجاهد)).

قفزت من مكاني وأنا أقرأ درجات العضوية في الماسون، أعلى درجات الماسونية هي ((الأستاذية)) وحسن البنا نفسه استخدم هذه الكلمة للدلالة على أعلى درجة يريدها لتنظيم الإخوان هي درجة ((أستاذية)) العالم، ولم تكن هذه الكلمة مستخدمة قبل ذلك في هذا السياق، أما المفاجأة التي ألجمتني، فكانت متمثلة في الشعار، هناك صلة قوية من ناحية التشكيل الهندسي بين شعار الإخوان وشعار الماسون، شعار الماسون يطلق عليه من ناحية التشكيل الهندسي ((الخاموس)) وشعار الإخوان ينتمي أيضًا إلى ((الخاموس)) خمس نقاط تتصل ببعض، مدينة واشنطن أقيم تصميمها المعماري وفقًا للرموز الماسونية، إذا أردت أن تستخرج بالقمر الصناعي صورة مدينة واشنطن ستجدها منشأة على شكل الشعار ((الخاموس)) وإذا أردت أن تستخرج الخاموس ستجده في شعار الإخوان، السيفان المتقاطعان، والمصحف وسط السيفين حيث يشكل المركز !! 

خُيِّل لي أن هناك من أراد عند اختيار حسن البنا شعار جماعته أن يضع بصمة الماسون في الشعار، فالماسونية تعيش في ظل الرموز. 

يا الله، هل كل خيوط العالم تتصل ببعض، إخوان، جهاد، خوارج، تكفير، شكري مصطفى، سيد قطب، يهود التلمود، الجيتو، الماسونية، نازية، استعلاء؟!، أين رأسي؟! هل نحن على كوكب الأرض؟ !!!].

ثم يستطرد الأستاذ ثروت نقلاً عن الذي يقول: [- لتريح وتستريح، هناك صلة نسب بين كل الجمعيات السرية في العالم، طريقتها واحدة حتى ولو اختلفت الأفكار والتوجهات، لا تقوم جمعية سرية إلا لأنها تؤمن أنها مختلفة ومتميزة عن باقي مجتمعها، أو أنها مختلفة عن العالم کله، لا تقوم جمعية سرية إلا لتعد نفسها لیوم مشهود تکون فيه في منتهى الجاهزية لفرض أفكارها على العالم، والماسونية من هذه الجمعیات وقد کانت لها هيمنة وتأثير على المجتمع المصري في بدايات القرن العشرين إلى منتصفه، وبعد أن ألغاها عبدالناصر أخذت تظهر في صور أخرى، لذلك كن على يقين أن الماسونية استطاعت دخول جماعة الإخوان، ودخول جمعيات مصرية أخرى.

بل إن الماسونية دخلت إلى القصر الرئاسي في مصر، وقصور رؤساء وملوك عرب، بل إن معظم وزراء مصر ورجالها الكبار ماسون، ولعلك قد قرأت من قبل أن أمريكا بجلالة قدرها تدار من المحفل الماسوني، وخذ عندك هذه واحفظها كما تحفظ اسمك .. الماسون هم الذين أقاموا أمريكا وأنشئوا دولتها، هذه حقيقة يعرفها كل العالم، وما أمريكا إلا قارة ماسونية، ثم ألم تقل لي إن الأمن المصري استطاع تجنيد بعض أفراد من الإخوان؟!

- إذن فلماذا لا تکون اماسونیة قد فعلت ذلك أیضًا؟ وخذبالك یا فتى، جمعية الإخوان جمعية عالمية، والماسونية جمعية عالمية، الماسون أخوية، والإخوان كذلك، ولذلك ليس من المستبعد أبدًا أن تكون الماسونية قد قامت في أمريكا وغيرها من دول الغرب بتجنيد بعض مواطنين مصريين ودفعهم دفعًا لدخول تنظيمات الإخوان في المجتمعات الغربية.

- هذا هو منطق التجنيد لأي منظمة في الكون، الماسون أو أجهزة المخابرات الغربية تتفرس الأشخاص الذين لديهم الاستعداد، وتتأكد من قدراتهم وملكاتهم وإمكاناتهم ثم تخضعهم لاختبارات متعددة، المنطق واحد في كل العالم يا عم ثروت، ومِن هؤلاء المبعوثين من يتم دفعه لدخول الإخوان ومساعدته في ذلك وترقيئه سريعًا في الجماعة، ومنهم من يتم دفعه للالتحاق بالحزب الحاكم، وحين يعود إلى مصر يلتحق بوظيفة مرموقة في الدولة حيث ينتظره دور ما في المستقبل تحدده وقتها هذه الأجهزة، فإذا كان إخوانيًّا يتم وضعه بمكان مميز في الجماعة ويظل تحت الرعاية إلى يوم الوقت المنشود، أجهزة استخبارات أمريكا الماسونية لا تلعب ولا تترك شيئًا للصدفة، والماسونية هي أكبر وأقدم جمعية محترفة في العالم!

- نعم، الذي أقوله هو استنباط على ضوء المعلومات المتاحة، وفي الغالب لن تكون هناك أي أدلة يقينية، بل إن أي باحث سيسعى وراء هذا الخيط لن يصل إلى نتائج إلا من خلال المقاربة والاستنباط والاستقراء، فبالاستنباط نستطيع فك بعض الألغاز].

لماذا لم تؤرخ الإخوان لأنفسهم؟

وجزء كبير الإخوان من تاريخ تكوين الجماعة وأفکارها وتاريخها سري حتى إن الجماعة لم تشكل إلى الآن لجنة لكتابة تاريخها رغم أن مقدمة كتاب ((الإخوان المسلمون .. أحداث صنعت التاريخ)) للأستاذ محمود عبدالحليم، تلك المقدمة التي كتبها الأستاذ مصطفى مشهور رحمة الله عليهم جميعًا قالت: إن الإخوان على وشك عمل لجنة لكتابة تاريخهم الذي سيعتبر التاريخ الرسمي لهم ولكنهم لم يفعلوا، وقد كان ذلك منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا تقريبًا، ولذلك فإن جلساتي معك تدور حول البحث عن الجزء الأكبر من جبل الجماعة الجليدي المختفي تحت الماء والذي لم يره أحد.

 دعوة أصولية أم وصولية (الإصلاح أو السلطة)

في إِحدى الْجَلَساتِ الهامةِ بالمحكمة العسكريةِ التي انْعقَدَتْ لمحاكمةِ النِقابيينَ الإخوانِ تَذكَّرْتُ واقعةَ خطيرة كانَتْ قَدْ حَدثتْ عامَ 1995، كانَ النظامُ قد قَبضَ على عددٍ كبيرٍ مِن الإخوانِ ما بينَ عامَي 1996،1995، وكانَ المقبوضُ عليهم مِنْ أعَلى قِياداتِ الجماعةِ، فمنهُم عِصامُ العَرْيانِ وخَيرتُ الشاطرِ وعبد المنعم أبو الفتوح وعبدُالحميدِ الغزالي ولاشين أبو شنب وجمعة أمين ورشادُ البيومي ومحمدُ حبيب ومحمود عزت ومهدي عاكف وإبراهيمُ الزعفراني وسَعدُ الحُسيني، وحسنُ الجمل والسيدُ النزيلي ومحسنُ راضي ومُحيي الزايط وحِلمي الجزّار وأبو العلا ماضِي وآخرَونَ.

وأخَذَتْ هذِهِ القَضايا أرَقام 11،8 لسنة 1995، 5 لسنة 1996، وكان الدكتورُ محمدُ سليم العوا هو رئيسَ هيئةِ الدفاعِ ومعَه مختارُ نوح الذي كانَ مُسِّقًا لهيئةِ الدفاعِ، وقتهَا قامَ الإخوانُ باسْتقِدام عددٍ من المحامينَ الإنجليز لحضورٍ جَلَساتِ المحاكماتِ بصِفتِهِم مُراقبيْن،َ وكانَ مَنْ حَظِي أنْ كنْتُ مُكلَّفًا مِنَ الإخوانِ معَ بعضِ المحاميْنَ الإخوانِ بمُرافقةِ هَذا الوفدِ.

كانَ الدكتورُ العوا هو الشخصَ الوحيدَ الذي كانَ مؤهَّلا للتَّعامُلِ معَ هَذا الفريقِ، أمَّا نحنُ فَقَدْ كنَّا مجرَّدَ رُفقاءَ طريقٍ، فالدكتورُ العوالَدَيهِ كلُّ تَفْصِيلاتِ القَضايا بحسبٍ مَوقعِه في رئاسةِ فِريق الدّفاعِ كمَا أنَّه يُحِيدُ الإنجليزيةَ إجادتَهُ للعربيةِ، وفي هذه الفترة عَرفْتُ مِنْ خلالِ أحدِ الإخوةِ المقرّبينَ مِنَ الدكتور العوا أنََّ أي الدكتورُ العوا تدخَّلَ سِياسيًّا للصُّلْحِ بِينَ جماعةِ الإخوانِ والنِّظام، كانَ هدفُ الدكتورِ العوامِنَ الوَساطةِ للصُّلْحِ أنْ يُتيحَ للحركةِ الإسلاميةِ مساحةً كبيرةَ في الحركةِ الدَّعَوِيةِ، فالدَعوةُ هي الوسيلةُ الإنسِانيّةُ الرفيعةُ التي مِنْ شَأنِها الارتقاءُ بمَفاهيمٍ وقِيَم الناسِ، وتَرشيدٍ سُلوكيَّاتِهِم، وبالدعوةِ تَقَومُ الحضاراتُ، فما مِنْ حَضَارةٍ إلّا ولهَا دَعَوةٌ ودُعاة.

طَلَبَ الدكتورُ العوا مقابلةَ الّواءِ عُمر سليمان مدير المخابراتِ فِحدَّدَ لَهُ الأخيرُ مَوعِدًا، وفي الاجتماعِ عَرضَ العوا الوَساطةَ في الصُّلّْحِ،ِ فَوَافَقَ عمر سليمان، إلاّ أنّهَ اشْتَرطَ عدةَ شُروطٍ، منها أنْ يَمتنعِ الإخوانُ عَنْ خَوضٍ أيّ انتخاباتٍ نِقابَيّةٍ أو بَرلمانيةٍ لمدةٍ لخَمس سَنوَاتٍ، عَلى أَنْ يُتُيحَ لَهمُ النِظامُ مِساحةَ حركةٍ من خلالِ المساجد، فَإِذا وَافَقَ الإخوانُ على هَذا الشَّرطِ يَتَمُ الإِفراجُ عَن كلِّ المحبوسينَ الإخوانِ، كانَ هذا العَرض مُرُضِيًا للدكتورِ العوا، ظنَّ وقتهَا أنَّ قياداتِ الإخوانِ ستُوافقُ على هَذا العَرْضِ وسَتُرحِّبُ بهِ أيََّا ترَحیبٍ، فَهَي فُرَصةٌ نادرةٌ لا تَتكرَّرُ، وقبلَ أَنْ یُغادِرَ العوا مكتب عمر سلیمان قالَ لهُ هذا الأخيرُ: عَلَى فكرةٍ يا دكتور .. الإخوانُ لَنْ يُوافِقُوا عَلى هَذا الْعَرضِ، مأمونُ الهُضيبي سَيرَفضُ بشِدّةٍ ... ويَبَدُو أنّ الدكتورَ العوا أصابَتْه حالةٌ مِنَ الاندهاش عندَما جَاءَ لَهُ ردُالمستشارِ الهُضَسِي قَاطِعًا برَنْضِ العَرْضِ !! 

کیف يَرَفُضُ الهُضَيبي اتِّفاقًا كَهذا، وأنَّى لِعمر سليمان أَنَّ يَعرِفَ الرَّفضَ مُسَبقًا! إلاَ إِذَا كَانَ صُندوقُ الأَسَرارِ لِا يَزَالُ يَرفضُ البوحَ بأَسرارِهِ].

خيرت الشاطر ومراسلات مع الولايات المتحدة لتمكين الإخوان من الحكم

هكذا كانوا ينعتونه "مستر بي"، اختصاراً لكلمة "بيج" أيك الكبير أو الزعيم، Dear B، وفي سلسلة مراسلاته مع الولايات المتحدة، يأتي الجواب للشاطر -مُعبِّراً عن موقف الإخوان المسلمين مما يجري، في محاولة التقارب مع النظام العالمي الذي تحكمه الإمبريالية الأمريكية، من أجل الوصول إلى الحكم في مصر:

السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ.

تَحِيَّاتي وأشَواِي لجميعِ الإخوقِ أمَّاً بعدُ.

كانَتِ الجهودُ التي بَذَها دكتورُ برونلي أثراً طيباً في تقريبٍ وُجُهاتِ الَنّظَرِ إلى حدّ كبيرٍ إلاّ أنهَ ما زَالَتْ بعضُ الاختلافاتِ في وجُهاتِ النظرِ،ِ وقد ظَهرَ لي أنَّ مستر إيرلي مُتعنّناً إلاّ أنني أوضَحْتُ للأصدقاءِ الآتي: 

1- لنْ نُغيّرَ خريطةَ المنطقةِ السياسية.

2- نَتَعهَّدُ بالحِفاظِ على كلِّ المعاهداتِ والاتفاقيّاتِ (أبَدى الأصدقاءُ سعادتَهم يِتصَرِبحات المرشدِ عَنْ إسرائيلَ وقالوا عنهُ: (He is a respectable man).

3- نقَبل وجودَ إسرائيلَ بالمنطقةِ (وقالوا أنهً ينبغي آلاَّ ننَظَر إلى إسرائيلَ كما تَنَظرُ الحكومةُ إِلينا فلا هِيَ محطورةٌ ولا نَحنُ مَخَظوُرونَ).

4- أوَضحْتُ لهم إصرارَنا عَلَى أنْ تقَومَ الإدارةُ الأمريكيةُ بدعم التحوُّل الدِّيمقراطيٌّ بالمنطقةِ وقَدْ ظَهَرَ لهم مِنٌ نتائجِ المرحلة اِلأوُلى أنّنَا أصحابُ الرصيدِ الْجمَاهيرِيّ.

وقد أوَضحُ الأصَدِقاءُ:

1- سعادتَهم بجُرأتِنا في تناولِ قَضية الحِوارِ مع أمريكا وأنَّ التناولَ كانَ وَاقِعِيَّا إلَّا أنهَم أبدَوا استياءَهم من مسألة أِنَّ الحوارَ ينبغي أنْ يتمَّ عبرَ وزارة الخارجية المِصريةِ، وقالُوا: إنَنا ينبغِي أنْ نتخلَّصَ من هذِهِ النَّغْمةِ.

2- أَوَصَوْا بِطَرْح مِسألة اِلحوارٍ معَ أمريكا عَلى أوسع نطاقٍ حتَّى تُصِبحَ أَمَرًا وَاقِعِيًّا، وقتَهَا لَنْ يَبحَثَ الناسُ عن شَرعيَّةَ الحوارِ ولكنَّهم سيَيبحثُونَ عن نتائج الحِوَارِ.

3- يجبُ أنْ يقدِّمِ الإخوانُ الحِزبَ وأنْ يكونَ هَدا في خِلال عِام، وسيمارِسُ الأصدقاءُ ضُغُوطًا على الحكومةِ للموافقةِ علیهِ.

4- تَدَعيمَ الحوارِ معَ الحزب اِلوطنيٌّ والتنسيقَ معَه في القضايا الكُلِّيةِ، ولا مانعَ مِن الاختلافِ في الفُرعيَّاتِ.

5- ضرَورةَ الحفاظِ على الكِيانِالحاكم وِعَدمَ خُلْخلتهِ دُستورِيًّا أو شَعبيًّا، وعدمَ المساعدةِ في أيٌّ نجمُعُ بِسَعَى إلى إحداثٍ خلخلةٍ للنظام.

ويَنتظِرُ الأصدقاءُ سَفَر د. العريان إلى بيروتَ في النصفِ الأول من ديسمبر/ لإكمالِ الحوارِ وإنّْ لم يَتَمَّ سيحَضُر إليكُم صُحفِيٌّ أمريكيٌّ وسيُقدّمُ نفسَه تحتَ اسم (جون تروتر) بوكالةٍ (m.5.0)، مَطلوبٌ أَنْ يجلِسَ مع الشاطرِ وعزت.

حاملُ الخطابِ الأخُ حُسّانُ وهُو مَن السُّودانِ.

أَرَجُو عَدمَ الثّقةِ بأيٌّ شخصٍ من catr

والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ.

أخوكم H.a

وبعد عامْين من قِصّة هذا الخطاب أدلى عصامُ العریانِ بتصریح لجریدةِ ((الحياة اللّندنية))، قالَ فيهٍ: إنّ الإخوان إنْ وَصَلوا للحكم سيَعترفُون بَإسرائيلَ، وسَيلتِزِمُوُن بَاتفاقياتِ السلام مِعها. 

قالَ العريانُ نفسَ الكلام الذي كانَ مَطلُوبًا منهُ والذي تَلقَّى التّعَليماتِ بشأنِهِ من الخطابِ المجهول الذي وَصَلَ للإخوانِ مِنْ شَخصيَّةٍ إخوانيّةٍ مجَهولةٍ تَعملُ في اْخَفَاءِ معَ الإدارةِ اِلأمريكية؛ ولأنَّ هَذا التّصَريح نشَرتْه الحياةُ في عيد الفطرِ المباركِ فِلمْ يَنتِبهْ لهُ أحدٌ إلّا أنّ عصامَ سلطان نائبَ رئيسٍ حزبِ الوسطِ كَشَفَ عنهُ ونَشرَهُ وهَاجَم العريانُ بسببهِ.

هل كان البنّا تكفيرياً؟

يقول الأستاذ ثروت الخرباوي: [كنت أتعجب من قرار قسم التربية بجعل رسالة التعاليم من ضمن مناهج التربية لكل الإخوان، وهي رسالة كتبها حسن البنا لأفراد النظام الخاص فقط، هي رسالة حربية]!.

وقد قال حسن البنا في البند الخامس والعشرين من الرسالة وهو يوجه تعليماته للإخوان وما يجب أن يفعلوه في حياتهم: (أن تقاطع المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي، والأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة).

يقول الخرباوي:[ العجيب أنني قرأتها ولم أنتبه لمعانيها! لم يكن إذن سيد قطب هو أول من ابتدع جاهلية المجتمع والانعزال عنه، ولم يكن شكري مصطفى منتجًا لأفكار خاصة به وهو يدعو إلى هجرة المجتمع الكافر الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ولكنه استمد بعض أفكاره من رسالة التعاليم هذه، وستجد في التعليمة رقم 37 أيضًا: (أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك وخاصة إذا أمرت بذلك).

 هذه يا بني لمحات تكفيرية واضحة الدلالة وستجد في فكر البنا أشياء كثيرة لن تجد لها إلا تفسيرًا واحدًا، هي أن فکر التکفیر کان مختبئًا في ضمير البنا لم تظهر منه إلا بعض فلتات. لذلك كانت للاغتيالات التي قام بها النظام الخاص تبريرات شرعية عند الإخوان].

جماعة من المسلمين أم جماعة المسلمين (المنطقية أم الشمولية)

يقول الستاذ ثروت الخرباوي: وأنا جالس في مكتبي أقلب الأفكار حملني بساط الزمن إلى عام 1951 م، لأجدف ي قلب القاهرة حوارًا محتدمًا بین الشیخ محمد الغزالي الذي کان في الرابعة والثلاثين من عمره وقتها وبعض شباب الإخوان، وكان الغزالي قد ترك الإخوان وانشق عنهم بعد أن لم يرتض البيعة للمستشار حسن الهضيبي، سأل الغزالي شبابَ الإخوان الذين كانوا يجادلونه: هل نحن جماعة من المسلمين أم جماعة المسلمين؟

قال له بعضهم: بل نحن جماعة المسلمین، وقال آخرون: بل نحن جماعة من المسلمين. رد عليهم بقولہ: إجابتکم هذہ یترتب عليها نتائج ذات بال، بل نتائج ترتبط بها صيانة دماء وأموال! فإن الذين يحسبون أنفسهم جماعة المسلمين يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضربًا من مخالفة الله ورسوله، وطريقًا ممهدة إلی النار وبئس القرار!

خرج الغزالي من هذا اللقاء وهو يتعجب من طريقة تفكیر بعض الإخوان، ولكنه لم يتوقع أن تصبح نغمة ((جماعة الإخوان هي جماعة المسلمين)) نغمة سائدة ومتسيدة عند الشباب، أنظر إلى الغزالي وهو في زمنه من زمني فأجده بعد أن تحاور مع هؤلاء الشباب يصطحب رفيقه وصديقه الشيخ سيد سابق في نزهة سير قريبًا من شعبة الإخوان في المنیل، فمرّ بهما اثنان من شباب الإخوان من أولئك الشبان المفتونين بقيادتهم وأبيا إلا إسماعهما رأيهما فيهما، فقالا لهما بألفاظ صريحة فجة فظة: أنتما من أهل جهنم! 

وصادف ذلك من الشيخين ساعة تبسط وضحك فمضيا في طريقهما وقد سقط طنين الكلمة النابية علی الثری قبل أن یتماسك في آذانهما.

ما زلت في زمني انظر للشيخ الغزالي في زمن فصله من الإخوان، وها هو يستمع إلى خطبة الجمعة في مسجد الروضة بعد قرار فصله من الجماعة فتفجعه كلمات الشيخ الإخواني التي طنت في أذنه طنين الذباب وهو يؤكد أن الولاء لمرشد الإخوان حسن الهضيبي يكفر السيئات، وأن الخروج على الجماعة يمحق الفضائل، وأن الذين نابذوا المرشد عادو اللجاهلية الأولى لأنهم خلعوا البيعة، يخرج الشيخ الغزالي من خطبة الجمعة غاضبًا فيقابله أحد الإخوة من الذين تم فصلهم من الجماعة، فيأسى الشيخ الغزالي أمامه من فكر خطيب الجمعة فيقدم إليه الأخ المفصول خطابًا أرسله له أحد إخوانه من الذين كانوا معه في أسرة إخوانية واحدة وكان من أکثر المقربین إلی نفسه، يقرأ الغزالي الخطاب فيهز رأسه أسفّا، فالأخ الراسل يقول للأخ المفصول وهو يؤنبه ويسخط عليه: هل تظن نفسك مسلمًا بعد ما خرجت من صفوف الجماعة؟]!!

ألقيت قلمي وأنا أتعجب من هذا التطابق الذي بين زمننا وزمن الغزالي حين تم فصله من الإخوان، ما حدث له يحدث الآن حرفيًّا لكل من ترك الإخوان مختلفًا معهم، ولعله حین کتب رأیه و قتها قال الإخوان: إنه غاوي شهرة ويرغب في الانتقام وإنه عميل للبوليس السياسي تم دسه على الجماعة لیخربها وینقض بنيانها.

أخذت أقلب الكتب في مكتبتي كالمحموم، أكان فكر التكفير في الإخوان منذ النشأة وظل في ركابهم حتى بعد مقتل حسن البنا؟ ألم يهذب حسن الهضيبي هذه الأفكار التكفيرية؟ أمسك كفي كتاب المفكر الإخواني سعيد حوي ((المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين)) أقلب في صفحات الكتاب ليقع نظري على عبارة غريبة يقول فيها: ((إننا في هذا المدخل استقرأنا النصوصلنصل إلى مواصفات جماعة المسلمين، وبرهنا على أنها موجودة في دعوة الأستاذ البنا) مواصفات جماعة المسلمين موجودة في جماعة الإخوان، أفر الصفحات لتقع عيني على عبارة أخرى: (إن مواصفات الجماعة التي يصح أن نعتبرها جماعة المسلمين موجودة في جماعة الإخوان كما أقامها البنا). 

إذن جماعة الإخوان بلا مواربة أو تورية هي جماعة المسلمين !! 

ترکت کتاب سعید حوي وأخذت من الرف کتابًا للأستاذ محمد قطب عنوانه ((جاهلية القرن العشرين)) وسبحان الله، كل الكتاب يدور حول تکفیر المجتمعات المسلمة، أما سید قطب فلم یدخر جُهداً في إثبات کفر المجتمعات، كتابه ((في ظلال القرآن)) يصرخ في كل حرف بهذا المعنى، فيقول وهو يفسر آية من آيات القرآن: ((وهنا يرشدنا الله إلى اعتزال معابد الجاهلية التي هي المساجد التي نعبد الله فيها واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي)).

ويقول أيضًا: ((لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن تنفصل عقديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها حتی يأذن الله بقیام دار إسلام تعتصم بها)).

تبًّا للكتب التي شوهت مشاعر المسلمين وقلوبهم، ولكن السر الأول يقترب الآن مني رويدًا رويدًا، الفكرة التي عليها جماعة الإخوان الآن، ولكنني لا أستطيع أن أعوِّل على تلك الشذرات المتفرقة، إذ قد يكون لها أكثر من تأويل، الأمر بالنسبة لي شديد الوضوح، جماعة الإخوان هي جماعة تكفيرية يقينًا، كان التكفير فيها مستترًا مخفيًّا في زمن البنا لا يستطيع أن يعبر عن نفسه، ربما لأشياء كثيرة منها أن حسن البنا نفسه لم تكن لديه فكرة عقائدية واضحة فهو رجل التوفيق بين العقائد، كان يبتغي تجميع الكل في واحد، كان هذا هدفه، لذلك فإنه لم يعلن عن بعض رؤاه بشكل صريح حتى لا يصطدم مع من يريد أن يجعلهم ردءًا له يصدقونه ويدفعون عنه غوائل الأيام، ومن الممكن أن يكون بعض الإخوان على مدار تاريخ الجماعة قد تسرب إلى عقولهم غول التكفير، إلا أن هذا قد لا يعبر بالضرورة عن التوجه العام للجماعة، ولكن ألم تصبح أفكار التكفير غالبة على الجماعة؟! 

لقد صارت جماعة الإخوان ((مدينة التكفير)) في عالم مضطرم بالصراعات الفكرية والعقائدية والسياسية، فقدت وسطيتها التي تزعمها، فكيف أصبحت أمواج التكفير عند الإخوان بهذه القوة الهادرة وهذا العنفوان المتكبر؟ هناك سبب ما، سبب ما زال بعيدًا عن يدي، ولكنني على وشك أن أقع عليه.

خطة التمكين عند الإخوان كما يروها أحمد ربيع

ص 158 مفقودة!

أما خطة التمكين؛ فينقل الخرباوي عن أحد قادة الإخوان المفصولين: هذه ناقشناها مرة، وأنا باعتباري عضوًافي شورى الإخوان اطلعت على بعض بنودها، وهي تقوم على السيطرة على الجيش والإعلام والقضاء، هذه ثلاث ركائز إن سيطرنا عليها كان طريق وصولنا للحكم ميسرا، ولكن القارئ للخطة يظن للوهلة الأولى أنها مجرد أمنيات ويقع في خلده أنها خطة للمستقبل وأن الإخوان يضعون تصورًا لكيفية التمكين، ولكن مع مسار الأحداث التي مرت بنا اتضح أن الإخوان قطعوا أشواطًا في طريق تنفيذ هذه الخطة.

تنظيم العشرات؟!

[الحكومات كافرة، والرؤساء كفار، والمجتمعات كافرة]، والتحاكم إلى غير الله [كفر]، وهذا يعني كفر جميع من يعملون بنظام الدولة المعاصرة، بما فيهم من موظفين ومدراء ورؤساء دوائر وخطباء وأئمة، وقراء وعلماء وغيرهم.

((احذروا تنظيم العشرات فهم لیسوا من الإخوان)). کان هذا هو التحذير الذي كتبه عمر التلمساني وأرسله إلى الشيخ مناع القطان مسئول الإخوان بالمملكة العربية السعودية، وللدكتور يوسف القرضاوي في قطر، ولباقي مسئولي الإخوان في الخليج، وفي الرسالة كتب الأستاذ التلمساني: «هؤلاء هم تنظيم سيد قطب من أصحاب الفكر التكفيري الذي قضى في السجون عشر سنوات وعندما خرجوا أطلقنا عليهم تنظيم العشرات .. هؤلاء يتتمون إلى أفكار غير أفکارنا».

كانت الأحداث التي مرت بها مصر في تلك الآونة ضاغطة على قلب الأستاذ عمر التلمساني، فالإجرام الذي مارسته جماعة التكفير والهجرة التي سمت نفسها ((جماعة المسلمين)) فاق كل تصور، اختطافها للشيخ الذهبي وقتله وتكفيرهم لكل المجتمع، حتى إن شكري مصطفى قال لرئيس المحكمة التي حاكمته: أؤمن أنني سأخرج من محكمتكم هذه منتصرّا، سيرسل الله عليكم ريحًا صرصرّا عاتية تنجيني من كفركم وسجنكم، وسأطلق على عينك اليسرى التي يكمن فيها الشيطان رصاصة ترديك قتيلًا، وسأعيد الإسلام إلی الدنیا مرة أخری.

كان التلمساني منزعجًا من تلك الأحداث حتى إنه قال لبعض المقربين منه: هذه نكبة حلَّت علينا فشكري كان من الإخوان وقد وققنا ضده داخل السجن عندما أعلن عن أفکاره التکفیریة و استطعنا بفضل الله تحجیمه، ولكن للأسف كان هناك من يؤيده ويغذي غروره وجهله وتطرفه.

كان التلمساني يخشى أن یمس أحدهم سمعة جماعة الإخوان فیلصق بها شكري مصطفى وأفعاله، فالجماعة حين عادت وهي لا تألو جهدًا في تطهير نفسها من اغتيالات النظام الخاص، أبعد هذا يقلق شكري مصطفى مضاجعنا؟!

وصل خبر هذه الرسالة إلى الأستاذ مصطفى مشهور، عرف أن الرسالة تضمنت العديد من الأسماء التي تدين له بالولاء والطاعة، والتي كانت تعتبر أنه هو المرشد ولا أحد غيره، كيف يفرط فيهم عمر التلمساني وينهال عليهم برسالته؟! تنظيم العشرات! ما له تنظيم العشرات! بل ما الذي يأخذونه على فكر شكري مصطفى، نعم لم يكن حصيفًا في اغتيال الشيخ الذهبي ولكنه لم يكن مخطئًا، العبرة بفكر شكري لا بفعله، ثم كيف يكتب المرشد أسماء محمود عزت ومحمد بديع وغيرهما من الشباب المخلص في رسالته؟ ولماذا يحذر منهم؟ 

ومع ذلك فإن عزت ويديع لم يسافرا إلى الخارج فكيف يضع التلمساني اسميهما؟ أجمع مصطفى مشهور أمره على أن يسافر إلى دول الخليج في جولة واسعة ليتدارك فيها أثر رسالة التلمساني، ولكن الرسالة كانت قد وصلت وعرف أمرها قادة الإخوان في الخليج وبقي أن يزيل مشهور أثر الرسالة من أذهان من وصلت إليهم.

موقع سيد قطب من جماعة الإخوان المسلمين؟

-التاريخ: قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير بنيف وعام 

-المكان: نقابة الصحفيين بشارع عبدالخالق ثروت.

يجلس الشيخ الكبير الدكتور يوسف القرضاوي على منصة قاعة الندوات يلقي كلمته عن فكر سيد قطب، انتهى القرضاوي في كلمته إلى أن سيد قطب خرج بفكره عن العقيدة التي عليها أهل السنة والجماعة، في اليوم التالي لهذه الندوة قرأ أهل مصر تصريحات أدلى بها محمود عزت بخصوص ندوة الشيخ القرضاوي قال فيها عزت: إن المشكلة ليست في فكر سيد قطب ولكن المشكلة في أن الذي قرأ لسيد قطب - يقصد الشيخ يوسف القرضاوي - لم يفهم ما قرأه، فسيد قطب هو أبرز علماء أهل السنة والجماعة.

بعدها بأيام استضاف الباحث الإعلامي ((ضياء رشوان)) الدكتور يوسف القرضاوي في قناة الفراعين الفضائية ليسأله عن تفصيلات ما قاله في ندوة نقابة الصحفيين وردود فعل قادة جماعة الإخوان عنها، فقال القرضاوي وهو يعرف مدى تأثير الكلمة التي سيقولها: ((سيد قطب انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، وقد كان انضمامه للإخوان بناء على رغبته واقتناعه بالجماعة، ولم تكن أفكاره في أول الأمر تميل إلى التكفير ولكنه أثناء تجربة السجن أخذ يتحدث عن الحاكمية والجاهلية في كثبه خاصة الطبعة الثانية من كتابه في ظلال القرآن)). 

واستطرد القرضاوي في حواره التلفزيوني: ((ولك أن تعتبر يا أخي الكريم أن ما كتبه قطب من أفكار خلال المرحلة الأخيرة من حياته يؤكد خروجه عن أهل السنة والجماعة بوجه ما، فأهل السنة والجماعة يقتصدون في عملية التكفير حتى مع الخوارج ووفقًا لما استقر عليه الفقه في هذا المجال فإنني أستطيع القول بأن الأستاذ قطب في هذا الأمر بعد عن الصراط السوي لأهل السنة والجماعة)).

يُضيف الشيخ القرضاوي: ((انظر يا أخي، منهج سيد قطب ليس هو منهج الإخوان الذي وضع حسن البنا أسسه، فسيد قطب لم يعش في الإخوان ولم يترب على حصيرتها فقد كانت فترة وجوده في الجماعة قليلة، وأنا أرى أن أفكاره لا توافق فكر الإخوان، وأحذر كل الإخوان الذين يقرءون لسيد قطب من أن يقعوا أسرى لأفکاره.

وكأن النار اشتعلت في مقر الإخوان بالمنيل، اجتماعات ولقاءات وتوجيهات للبعض كي يكتب مقالات يهاجم فيها الشيخ القرضاوي ويدافع عن فكر سيد قطب، ثم كانت مكالمة تليفونية بين أحد كبار الإخوان والباحث الإعلامي ضياء رشوان: شوف یا أستاذ ضياء، لقد فتحت مجالا في برنامجك ((منابر ومدافع)) لكل من هاجم فكر الشهيد سيد قطب، ونريد أن تفسح لنا المجال نحن أيضًا لنقول كلمتنا].

كيف ردَّ الإخوان على كلام القرضاوي؟

وكان أن استضافت قناة الفراعين محمود عزت ومحمد مرسي كممثلين لجماعة الإخوان كلها ليردا على الشيخ يوسف القرضاوي، وفي هذه الحلقة التلفزيونية قال محمود عزت ردًّا على سؤال من الباحث ضياء رشوان: أفكار سيد قطب هي أفكار الإخوان، والدليل على ذلك أن عددًا من أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان عندما كانوا في السجن مع سيد قطب انتدبوا من بينهم الأستاذ عمر التلمساني ليناقش الأستاذ سيد قطب في أفكاره فقال له سيد قطب: أنا لا أكفر المسلمين، فخرج عمر التلمساني لأعضاء مكتب الإرشاد وهم: عبد العزيز عطية، أحمد شریت، حامد أبو النصر وقال لهم اتضح أن سید قطب لا يكفر أحدًا.

أما كتاب ((دعاة لا قضاة)) الذي كتبه المرشد حسن الهضيبي فهو ليس كتابًا للرد على أفكار سيد قطب ولكنه كان لوضع معايير وأسس لكيفية فهم أفكار سيد قطب؛ أي إن الأخ من الإخوان قبل أن يقرأ لسيد قطب يجب أن يقرأ كتاب المعايير ((دعاة لا قضاة)) أولا حتى يفهم قصد سيد قطب.

نظر ضياء رشوان ناحية محمد مرسي وسأله: هل كتاب «معالم في الطريق» يا دكتور محمد هو كتاب الإخوان الذي يعبر عن أفكارهم؟ بمعنى: هل أفكار الإخوان المسلمين موجودة في کتب سيد قطب؟

تنحنح الدكتور محمد مرسي وبدأ حديثه بقوله: الحقيقة أنني أتفق مع كلام الدكتور محمود عزت وهو الذي قرأ للأستاذ سيد قطب في حياته، ولكنني قرأت للأستاذ سيد قطب بعد وفاته، وعندما قرأت له عشت في كتاباته فصارت جزءًا مني، والحقيقة أنني عندما قرأت للأستاذ سيد قطب وجدت فيه الإسلام، بما فيه من السعة والرؤية الشاملة للإسلام، وصحيح أن الأستاذ سيد قطب يقول نصوصًا تكفيرية ولكننا لانعتبرها نصوصًا تكفيرية، ولكنها نصوص تحرك الوجدان وتتحدى العقل، ويجب لمن يقرأ لسيد قطب أن يتعلم اللغة العربية أولًا، قلبي على القرضاوي الذي لا يعرف العربية ولا يتقن غير التركستمانية، فإذا عرف العربية؛ سيعرف أن ما يقوله قطب هو الإسلام، وأنا شخصيًّا عندما قرأت لقطب تحريت الدقة، وسألت الكبار حتی أفهم ما کتبه.

أخذ العجب من الدكتور القرضاوي مأخذه عندما شاهد ردود قادة الإخوان على رأيه !! وحين تقابل مع المفكر الكبير الدكتور محمد سليم العوا دار نقاش بينهما عن هذا الأمر، سأله القرضاوي والدهشة تقفز من عیونه: من هؤلاء يا دكتور محمد (يقصد من أي مدرسة فكرية هؤلاء، هل هم إخوان حقًّا ولماذا يدافعون عن قطب)؟

فقال الدكتور سليم العوا: هؤلاء يا مولانا هم تنظيم العشرات .. فرد عليه الشيخ يوسف القرضاوي وقد فغر فاه من الدهشةِ: أهم هم؟!

أهؤلاء من حذَّرنا منهم التلمساني؟ !! آآصبحوا الآن قادة للإخوان! إنا لله وإنا إليه راجعون.

جزع الشيخ يوسف القرضاوي من سيطرة تنظيم العشرات على فكر جماعة الإخوان، أدرك وهو الخبير أن أجيالًا وأجيالًا دخلت جماعة الإخوان وجلست على حصيرة أخرى غير حصيرة الإخوان المسلمين التي يعرفها والتي تربى عليها، نهلت هذه الأجيال من كتاب الظلال ومن ((معالم في الطريق))، كرهت هذه الأجيال المعاني الجميلة التي في الكون، اعتبرت الموسيقى زندقة، والآداب العالمية تحرقة، والفنون شيطنة، تربت هذه الأجيال فكريًّا على أن الديمقراطية حرام، والليبرالية كفر، فتحت هذه الأجيال رءوسها ليتم حشوها بكراهية كل المناهج السياسية والاجتماعية التي ابتدعها الإنسان لنفسه، فهمت أننا نعيش في جاهلية أشد ضراوة من جاهلية القرون الأولى وأن القوانين التي وضعناها لأنفسنا لتنظم معايشنا هي الطاغوت والكفر، فهمت ((إن الحكم إلا لله)) على نحو يخاصم اجتهادات البشر، ليس لنا أن نجتهد لأنفسنا وكيف نجتهد والله هو الحاکم الحکم، فهمت الله علی غیر مراد الله، الله عندهم هو الذي لا يرحم إلا هم، ولا يغفر إلا لهم، ولا يدخل الجنة سواهم، أما النار فقد خلقها الله لغير الإخوان، الإخوان هم شعب الله المختار، ولعلك لا تقرأ هذا في كتاباتهم ولكنك ستراه في أفعالهم. 

آلاف الإخوان الآن من الذين سيقوا إلى الجماعة منذ منتصف التسعينيات يختلفون عن الإخوان الذين يعرفهم الشيخ يوسف، حتى أولتك الذين يرفضون أفكار القطبيين أمسوا يمالئونهم ويصانعونهم، وما صانعوهم إلا ليبحثوا لأنفسهم عن مكان لهم على خريطة الإخوان.

القطبية كانت هي الطريق الثاني الذي سار فيه الإخوان بعد طريق حسن البناء ويغيم الضباب الآن على الطريق الثالث لهم فلا يستبصره من في عينيه قذى، ولكن زرقاء اليمامة تراه فتدرك أنه يجلس في أحضاننا ولا نراه.

الآن بدأت ملامح ((فكرة الإخوان)) تتضح، ولكن ما زال الدليل على وجود هذا الطريق الثالث قابعًا في أغوار الإخوان، وعلى الضفة الأخرى ظللت أبحث عن دليل على ((تنظيم الجيش))، نعم للإخوان تنظيم في الجيش يعمل منذ سنوات طويلة، وصلتُ إلى هذا بالاستقراء دون أن أرى الدليل، وأثناء بحثي عن اليقين أدركت أنني كنت مثل ((سنتياغو)) بطل رواية الخیمیائي لباولو کویلو الذي ظل یبحث عن حلمه، حلم الکنز المدفون عند الأهرامات، فترك شجرته التي كان ينام تحت ظلها في بيته الصغیر بإسبانيا وأخذ يجوب البلاد ويقابل الصعاب حتى وصل إلى الأهرامات فيحفر هناك في المكان الذي تبين أن الكنز تحت ثراه، ليجد أن هذا المكان لا يوجد فيه الكنز، ولكن توجد فيه ورقة صغيرة بها إشارة تدله على المكان الحقيقي للكنز، وكانت مفاجأة سنتياغو أن الكنز، حلمه الوحيد، كان مدفونًا تحت الشجرة التي يضع رأسه فوق حناياها في بلده لينام فيحلم بالكنز، كان حلمه تحت رأسه في بیته بإسبانیا ولکنه لم یکن منتبها لإشارات قلبه، وکذلك کنت أنا، كانت أسرار تنظيم الإخوان في الجيش موجودة على بعد عدة أشبار من عيني ولکنني لم أکن منتبها لإشاراتها.

كيف تنظر الجماعة إلى أبنائها المختلفين معها؟

تفردت الجماعة بصفات الاستعلاء والتفرد وإحساسها بأنها ((حامل أختام الحقيقة))، وأن ما لديها من صواب يجب أن ينتصر على ((أصحاب الضلالة))، وأنه في سبيل الانتصار للحقيقة يحق للجماعة أن تسلك الوسائل التي  ترى أنها قد تحقق لها هذا ((النصر المنشود)) حتى ولو كان هذا الطريق هو بتر أبنائها وتشويه رجالها الذين يختلفون معها في الرأي .. فلا رأي إلا ما يرى القادة .. وهذا هو منطق الطغاة في كل العصور، وهو نفسه منطق الفراعين الذي حدثنا عنه ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَيِلَ الرَّشَادِ﴾ وتبرير كل فرعون لطغيانه، هو أنه صاحب الرأي والُلك والقيادة ﴿أَلَيِسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اَلْأَنْهَارُ تَّجّْرِى مِن تَحِّىِّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ولأن قادة الإخوان مثلهم مثل كل الفراعين الطغاة، فلا اختلاف عندهم في الرأي لأن الاختلاف ینهض بسبب تنوع الأفهام، أما في الإخوان فلا تعدد للأفهام ولكن معظمهم إلا من رحم ربي يتماهى في عقل رجل واحد هو من تحكم في مقاليد أمورهم).

الإخوان والوطنية

الجماعةُ محَضَنٌ كالأمِّ، ولكنَّهَا يَجَبُ أنَّ تَتَصرَّفَ كأم راشدةٍ، الأمِّ الطيبةُ، صَاحِبةُ اُلأمومةِ الخالصةِ لا تُحرِمُ الوطنَ من أبنائِها، ولا تُسيطِرُ عَلى قَراراتِهم، الإخوانُ أحَوَجُ ما يكونونَ إلى الوطنِ، يحَتاجونَ إلى الوقوفِ على أرضِيَّةِ الوطنِ لا على أرضيةِ الجماعةِ، هُمْ في أشدِّ الحاجةِ لحُضْن الوطنِ لا حُضْنِ الجماعةِ، فإذا تَنكبُوا سَبيلَ الوطنيةِ فَيَجبُ أنْ نأخذَ على أيدِيهم ليَعُوُدُوا للصَّفِّ الوطنيِّ. 

هَكذا حَدَّثُتْنِي رُوحي، وهكذا تَحدثْتُ أنا معَ محمد منيب، مَنْ محمد منيب؟ إذنْ اِسمَعُوا قِصَّتَه وقصَّتِي، تلكَ القصةُ التي أماطَتِ اللَّئامَ عن جُزءٍ من أسَرارِ جماعةِ الإخوانِ المخفيَّةِ، أو قُلْ أَمَاطَتِ اللثامَ في المقامِ الأولِ عِن نفسيّةٍ مَنْ يَعيشُ عُمرَه أسيرًا ((تحَتَ التَّوقيفِ)) في جماعةِ الإخوانِ، أو بالأحرى في جماعةٍ سرّيةٍ لا تَعرِفٌ كيفَ تُمارِسُ الاختلافَ في الرأي بِل وتَعتِبِرَه ذَنْبًا كبيرًا؛ الجماعةُ السِّريةُ هي جماعةُ ((إلغاءِ العُقولِ)).

التنظيم الخاص

لقد كان النظام الخاص هو القسم الأخطر في الجماعة، والجزء الذي يشرع فيه السلاح كأداة لتنفيذ مخططات التنظيم السرية، بتصفية المخالفين، وارتكاب الجرائم بحق من يقف عثرة بطريق الجماعة. لقد كان هذا الجهاز القنبلة التي تنفجر في أحضان المصريين والإخوان وكل مُخالفٍ لأهواء القادة، ذلك الجهاز الذي غلَّف الحقد والضغينة والموت بالدين وآيات الكتاب وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وها هو يعود ثانية في العام 2003. 

يقول الأستاذ الخرباوي: [انتقدتُ المستشارَ مأمون الهَضَيبي -يعني في مقال منشور- وقلتُ إنّه قال في مُناظرتهِ بمَعَرِضِ الكتابِ في أوائل التّسعينياتٍِ في مواجهةٍ فرج فودة: ((إنَّ الإخوانَ يَتَعبََّدونَ للهِ بأعمالِ النظام الخاصِّّ قبلَ الثورةِ))، وإنَّ كلماتِه هذهِ كانتْ جارحةً لمدنيّتي وسِلميَّتَي، أنَتعَبَّدُ للهِ بالاغتيالاتِ والتَّفَجِيراتِ؟ !! أيُّ إسلامٍ هذا؟! وما الذي دَعَا المستشارَ الذي يَحترمُ القانونَ إلى أنْ يقولَ قولا لا يَحتِرِمُ القانونَ؟!].

وفي موضعٍ آخر يقول الأستاذ الخرباوي -وهو ينعى على الهضيبي إنكاره لهذا المقطع وإدّعائه لعدم وجوده -وقد وجده بالفعل: [ها هو المقطعُ محَلّ الخِلافِ، مادَتِ الأرضُ تحتَ قدميّ حينَما نَطَقَ المستشارُ مأمونُ الهُضُيبي بالكَلِماتِ التي أَنكرَها: ((نحَنُ نَتَعَبَّدُ للهِ بأعمالِ النظامِ الخاصِ قبلَ الثورة)). قُمتُ بإيقافِ الشريطِ وأعَدْتُ المقَطعَ مِنْ أوَّلِم وتُخيَّلْتُ أنََّّي أَستَمعُ إلى ((بينوكيو)) وكُلَّما نطَقَ بهذهِ العبارة كُبر أنفهُ قَليلًا حتَّى كادَ أنفُه يَخرُجُ مِنْ شاشةِ التلفزيون !!].

ونرى كيف يُبرر الهُضيبي كلماته تلك، التي حاول إخفاءها عن جمهور المصريين، وذكر لذلك عذراً أقبح من ذنب: [استطردَ الهُضيبي وهُوَ يضَعُ تَبرِيرًا لكلماتهِ فِقَالَ: كُنّا نجاهِدُ، والمجاهدُ يُباحُ له ما لا يُباحُ للآخِرِيْن. وضَرب مَثلًا بالاغْتِيالاتِ التي أرتكبهَا الحزبُ الشُّيُوعيُّ اليونانيّ في أربعينيَّاتِ القرنِ العشرين، قال: لماذا لا تَعِيبونَ عَلى الحزبِ الشيوعيِّ اليونانيِ ارتكابَ جرائم اِغتيالاتٍ لمدنيّين مَن بَني وَطِنِهم؟! أَيُباحُ لهم هَذا ولا يباحُ لنَا؟! 

أَحَرامٌ عَلى بَلابلِهِ الدَّوحِ حلالٌ للطير مِن كلِّ جنسٍ؟! 

تَخيّلتُه ساعتهَا وهو يُخُرِجُ لسانهَ لمصرَ كِلِّها وكأَنَّ لَسانَ حالِهِ يقولُ: مُوتوا بغَيظِكُم يا أهلَ مِصْرَ، قَتَلْناكُم لأنّنّا أهلُ الحقِّ وأنتُمُ أهلُ الباطلِ، نحنُ أمة ُلإسلامِ، وأنتُم أمةُ الكُفر وِالُّطغيانِ.

سبحانكَ ربيِّ، لقد وَجُدَ الهُضَيبي للاغتيالاتِ التي قامَ بها الإخوانُ قبلَ الثورة غِطاءً سِياسيًّا شُيوعيًّ، هَلْ نستطيعُ أنَّ نُطلِقَ على مَنَطِقَ الهُضُسِي عبارةَ ((الفِقهِ التَّبريري))؟ إذنْ ما هُوَ الفِقهُ الذي اسْتَندَ إليهٍ وهو يَكذِبُ على مِصْرَ كلِّها حينَ ادَّعَىَ أنََّ لم يُقُلْ هذو العِبارةُ؟ الغايةُ تُبُررُ الوسيلةَ بطبعتها الإخوانيةِ!

التّطَبيقُ المتعسّفُ لقاعدةِ الضَّرِوراتُ تُبيحُ المحَظُوراتِ! الحربُ خُدُعةٌ) على اعتبارِ أنّ الإخوانَ يُحارِبُونَ أُمَّةَ الضَّلالِ لينشرُوا الإسلامَ! اِستَمعْتُ إلى الشريطِ كاملًا!

ثم أَخَذَتْ نَفْسِي دَوْرَ الواعظِ التَقَليدِيِّ. وكأنني كنْتُ أَعِظُ المستبدَ الذي يتدثَّر بالدِّيّنِ ليُحيطَ استبدادَه بقَداسةٍ ما: مَنْ هُو الذي سُيُربَحُُ حينمَا يَكتشِفُ الناسُ أنْك كذّابُ؟ الكذّابُ يَخسَرُ دائمًا، والصَّادِقُ حَتمًا يَرَبح نفسَه وضَميرهُ ودِينَهُ حتّىَ ولو لم يُصدِّقْهُ الناسُ، لا يَهُمُّ أَنْ تُرضِي الناس فِرضاؤُهُم غايةٌ لا تُدرَكُ، ولكنْ يَكِفِيكَ أَنْ تُرضِيَ رَبَّكَ..

لا يوجد أيّ مبررٍ يُعطِي الحق للداعية أن يكذِبَ، الذي يقول الصدق هو الذي يُربحُ، الإسلامُ يقولُ ذلكَ، ليسَ الإسلامُ فحسبٌ بل كلُ الأديانِ تقَولُ ذلكَ، حتىَ عقائدُ أهلِ الهندِ، حتَّى الأساطيرُ التي نَحْكِيْها لأبنائِنا ونحنُ نُعلِّمُهم فَضَيلةَ الصّدِقِ، تَخيلْتي وأنَا أُربِّتُ عَلى كَتِفٍ أَيِّ إِخوانيٌٍ يَكْذِبُ مُتُصِوّرًا أنَّّه يُقِيمُ بكَذِبهِ شَرْعَ اللهِ، ورَأيتُ كأنْنَي جَلسْتُ أَحِكِي لِقادُتِهِم لا لأَطفالهِم قِصَّة مِنْ أساطيرِ الهندِ، شَاشةُ الحياةِ العَريضةُ أَمَامي]!!

يُتابع الأستاذ ثروت الخرباوي انتقاده لمأمون الهضيبي -وما حلَّ بالتنظيم من دخن وسواد، الأمر الذي لا يُقرُّ به أكثرهم، ولا يرتضونه: [لعلَّها آفةٌ أصابَتْ تنظيم الإخوانِ، ثمَّ انتقلَتْ لأفرادِ التنظيم، أَظَنُّكُم تعَرفُونهَا، نعَم هي بعينِها ورَسْمُها آفةُ ((الشِّيفُونيةِ)) والشّوفينيُّ هو الذي يَرى أنَّ قومَّيتَه أو جماعتَه وتَنظيمَه وحِزْبَه هي ((النَّقَاءُ)) المُطلَقُ والحقُّ الذي لا شَكَ فيه والجمالُ السَّرمدِيٌّ، ولأنْهَم يَروْنَ هَذا فإنَهم يَتعصبونَ لجماعتِهم أو قوميَّتهم تَعقُّبًا مَقيتًا غَبيًّا لا عَقلَ فيهٍِ، ولأنَّ التعصُّبَ هو الآخرُ آفةُ؟!

فقدْ أصَبحَ مِنْ بابِ اللُزومِ أنْ تَتحوَّلَ الشِِّيفونيَّةُ مِنْ مشاعرٍ حبٌٍّ إلى مشاعرِ كراهيةٍ، قَطعًا مشاعرٍ كراهيةٍ، فَلأنَّكَ ترَى أنَّ الحقَّ معَكَ وحدَكَ، فَغَيرُكَ هو الباطلُ، ولأنّكَ ترَى أنكَ وَحَدَكَ الصَّوابُ فَغيرُكَ هُو الخَطَاُ، ولأنَكَ تَرى نفسَكَ وحدَكَ الجمالَ فغَيرُكَ هُو القُبْحُ، الشَُّوفينيُّ باختصارِ هِو مَنْ يَنظُرُ للعالم من خلالٍ مرآةٍ فلا يرَى إلّا نفسه وما عَداه باطلٌ، تَمَامًاكما فَعَلَ نرسيسُ وفعلَتِ البحُيرةُ، فلا هُوَ رآهَا ولكنْ رَأَى نفسه جَمیلا بهيًّا على صَفْحتِها، ولا هِيَ رَأتْه فَقَدْ رأتْ نفسَها صافيةً نقيّةً في جلاءِ عينيهِ.

ولعلَّكَ من خلالٍ أسطورةِ نرسيسَ تعَرِفُ كيفَ يفُكِّرُ الإخوانُ، هُمْ لا یُفكرون إلا في انفسِهم وأَولوّيّاتِهم ومصَالِحِهم فَقطْ، كلُّ العالم بِاطلٌ إلّا أنتَ يا (إخوانُ) ولأنَّ هذِهِ الطريقةَ تحكَّمتْ في طريقةِ التفكيرِ الإخوانيةِ لذلكَ انْتَقَلَتْ ((نَفسِيَّا)) إلی کثیرٍ من أفرادِ الإخوانِ، أَنَا لا أَستطِيعُ أنْ أقَولَ هُنّا إنَّها انْتقلَتْ إلى كلِّ الإخوانِ، فالتّعَميمُ يُفقِدُ التَّحليلَ منَطقيَّنَهُ، ولكنَّها أَصبِحتْ طريقةَ تفكيرِ معظم الإخوانِ، فالشيفونيةُ كما قُلتُ آفةٌ ٌُتحكَّمُ في النَفَسِيَّاتِ والمشاعرِ، لذلك لا بَدَأنْ يكونَ لهَا إسقاطاتها، ولا بَدَّ ((إِنسانيًّا)) أنْ تَتَسلَّلَ إلى النفوس بِرفْق، خُطوةً خطوةً، وَيحَكَ أيهُّا الأخُ الذي فَقَدْتَ طَرَيقَ الحبٌّ فَاصبحْتَ لا ترَى الناسَ، لا ترَى مَنْ يُحبُّونَك، ترَى نَفَسَكَ فقَط، ترَى أحبابَكَ لا شَيء، هُمْ مجرَدُ أدواتٍ تُرضِي بهم ذَاتكَ].