المنقذ من الضلال
تحقيق أحمد شمس الدين
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يرى أكثر المؤرخين والباحثين أن أصول الفلسفة الإسلامية ترجع في نشأتها وزرع بذورها الأولى إلى فرقة المعتزلة الذين كانوا أول من حاول التوفيق بين الدين والعقل في الإسلام. وقد أداهم بحثهم في العقائد الدينية، وبالتالي مناظرة خصومهم في آرائهم، إلى معالجة بعض المسائل الفلسفية، فرغبوا لذلك في الاطلاع على مذاهب الفلاسفة اليونانيين وغيرهم. وقد أدى ذلك إلى انتعاش حركة الترجمة في العالم الإسلامي فيما بعد، حيث نقلت كتب أرسطو وغيره من فلاسفة الإغريق إلى اللغة العربية مباشرة من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، أو غير مباشرة عبر اللغة السريانية كوسيط بين اللغتين اليونانية والعربية، حيث كان جزء كبير من التراث الفلسفي اليوناني قد نقل إلى اللغة السريانية قبل ازدهار الترجمة إلى اللغة العربية.
وبعد اطلاع المسلمين على الفلسفة الإغريقية، تشعّب الفكر الفلسفي الإسلامي بخطوطه العريضة إلى ثلاث شعب رئيسية، انضم أكثر المفكرين تحت لواء واحدة منها بطريقة أو بأخرى؛ فقد كان هناك اتجاه يرى في الفلسفة اليونانية (وخاصة فلسفة أرسطو) الصورة العليا للحقيقة، فسعى أصحاب هذا الاتجاه إلى إخضاع العقائد الدينية لمباديء هذه الفلسفة، فبرروا العقائد بها، وجعلوا الفلسفة أصلاً والدين تابعاً وفرعاً.
فكان من الطبيعي أن يثير ذلك معارضة شديدة لدى فرقة المتكلمين (وهم يمثلون الاتجاه الثاني) فهبوا يدافعون عن الإسلام وعقائده في وجه الهجمة الأرسطية إذا صح التعبير. ولكن هؤلاء المتكلمين اضطروا في دفاعهم عن عقائدهم للاستعانة بحجج الفلاسفة أنفسهم، من منطق وغيره؛ وكان لاشتغالهم بالفلسفة أثر كبير في إدخال الكثير من النظريات العلمية في علم الكلام، مثل نظرية (الجوهر الفرد)، التي أخذها المتكلمون من الفلسفة الطبيعية اليونانية، ولكنهم توسعوا فيها، وحوّروها لتناسب أغراضهم الدينية. وهكذا وصل الأمر إلى وضع نرى فيه فئة المتفلسفين تحاول إخضاع العقائد الدينية للنظريات الفلسفية، بينما نجد فئة المتكلمين وهي تبدل وتحور النظريات الفلسفية والعلمية لتتناسب والعقائد الدينية. فكان من نتيجة ذلك أن ظهرت الطريقة الصوفية (باعتبارها منهجاً يستند إلى قواعد وأصول)؛ فرأى المتصوفة أن الجدل الفلسفي الكلامي لن يؤدي إلى الوصول إلى المعرفة، فانتهجوا سبيل العبادة العملية والكشف الباطني والمشاهدة المباشرة، وانتبذوا وراء ظهورهم الجدل الكلامي والتنظير الفلسفي.
في خضم هذا النقاش السائد في العالم الإسلامي آنذاك، ظهر الغزالي كمفكر فذ وعالم عظيم من علماء الإسلام، فانتهج طريقاً وسطاً بين الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة؛ فهو لم يعمل كالفلاسفة على إخضاع الدين كلياً لقوانين العقل وأحكامه، ولم يجعل العقل ونظرياته تابعاً ثانوياً يخضع للعقائد الدينية، ولم ينبذ العقل كلياً كما كان سائداً في الطرائق الصوفية المنتشرة في عصره؛ بل اتخذ لنفسه مذهباً صوفياً خاصاً به، يرتكز على العلم والعمل، وعلى الفكر والكشف الباطني في نفس الوقت.
فالغزالي لم ينكر الحقائق العلمية، طبيعية كانت أو رياضية، بل يعترف بصحة براهينها ولا يشك في صحة استنتاجاتها. ولكنه يحُدّ من نطاق العقل، فلا يجعل العقائد الدينية مستندة عليه كلياً، ولا يحصرها في نطاق أحكامه وقواعده؛ كما أنه يرفض بناء صرح العلوم على الاعتقاد وحده.
فهو يجعل لكل من الناحيتين مجالها الخاص: فالعلم يستند إلى العقل، والدين ينبع من القلب. وهكذا تتمثل أمامنا صوفيته الخاصة باعتباره القلب مصدر الإيمان، والعقل أساس العلم، بما يترتب على ذلك ما سبق وذكرناه من ثنائية العلم والعمل لدى هذا المفكر العظيم. هذه الطريقة التي انتهجها الغزالي وتميز بها كانت نتيجة الجهود فكرية هائلة، ومعاناة نفسية وجسدية ألمح إلى بعض منها في كتابه هذا.
والحقيقة أن حياة الغزالي تخللها من الغرائب والعواصف والانقلابات ما جعل لها أثر كبير في تطوره الفكري ونفسيته. ولعل نبذة قصيرة عن حياته تساعدنا على فهم أكمل وأوسع لفكره وفلسفته.
نبذة من حياة الإمام الغزالي -رحمه الله -
ولد الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي (١) سنة ٤٥٠ هـ. (١٠٥٨ م) في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) وكان والده رجلاً فقيراً صالحاً يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس وتوفي والده قبل أن يبلغ سن الرشد؛ وكان قبل وفاته قد أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف ليأدبها ويعلمهما الخط.
تلقى الغزالي مباديء العربية والفقه في بلده على الإمام أحمد بن محمد الراذكاني، ثم انتقل إلى جرجان وهو دون العشرين ودرس على الإمام أبي القاسم إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي. ثم عاد إلى طوس فمكث بها ثلاث سنين، ارتحل بعدها إلى نيسابور حيث لازم إمام الحرمين الجويني، ودرس عليه الفقه والأصول والجدل والمنطق والكلام والفلسفة.
(١) الغزالي: بتشديد الزاي نسبة إلى الغزال على عادة أهل خوارزم وجرجان، فإنهم ينسبون إلى القصار قصاري وإلى العطار عطاري أو بتخفيفها نسبة إلى غزالة من قرى طوس. قال ابن الأثير في اللباب والتخفيف خلاف المشهور.
وتعتبر هذه الفترة -أثناء تواجده بنيسابور -من حياة الغزالي أخصب فترات حياته، ففيها ابتدأ بالتأليف والكتابة، وفيها - كما يرى البعض -ابتدأت الشكوك تتطرق إلى نفسه.
وبعد وفاة إمام الحرمين (سنة ٤٧٨ هـ - ۱۰۸۵ م) خرج الغزالي إلى بلاط الوزير نظام الملك السلجوقي وزير السلطان ملكشاه في ظاهر نيسابور. وقد أعجب الوزير أشد الإعجاب بعلم الغزالي ومقدرته على المناظرة، مما حدا به إلى تعيينه أستاذاً في المدرسة النظامية في بغداد سنة ٤٨٤ هـ - ١٠٩١ م. وقد نال هناك شهرة واسعة حتى صار بعد إمامة خراسان إمام العراق، على حدّ تعبير عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي.
في هذه الفترة من حياته في بغداد، انصرف الغزالي إلى البحث والاستقصاء، فتفرغ لدراسة الفلسفة دراسة عميقة، حيث اطلع على كتب الفلاسفة المتقدمين كالفارابي وابن سينا، ووضع على إثرها كتابه: «مقاصد الفلاسفة»، وألف بعده كتابه المشهور: «تهافت الفلاسفة»، الذي كان الهدف الرئيسي من وراء تأليفه له هو هدم المنهج العقلي الذي استندت إليه آراء الفلاسفة، ولم يكن مقصده في هجومه هدم هذه الآراء في نفسها، إذ كان بعضها موافقٌ للدين؛ فالغزالي مثلاً يهاجم المسلك الذي اتبعه الفلاسفة لإثبات خلود النفس، ولم يهاجم - بالطبع -فكرة خلود النفس ذاتها، فهي من صلب معتقداته وإيمانه. فهو - كما يقول في «التهافت» - لم يلتزم إلا تكدير مذهبهم والتغيير في وجوه أدلتهم بما يبين تهافتهم.
وفي بغداد كانت وطأة الشكوك في نفس الغزالي قد بلغت درجة جعلته يفكر بالتخلي عن التدريس، وكان إذ ذاك منغمساً في المال والجاه والشهرة، فغادر بغداد في سنة ۱۰۹٥ بعد تردد طويل ومجاهدات نفسية عنيفة تمثلت في الصراع بين: شهوات الدنيا، من جانب، وبين دواعي الآخرة، من جانب آخر؛ يقول في وصف حاله: «ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علومٍ غيرُ مهمّةٍ ولا نافعة في طريق الآخرة».
ويقول: «فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة؛ وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفين إلي، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة، ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في لساني حزناً في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروَّح السِّرُّ عن الهم الملم. ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذ دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام، حذراً أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام بالشام».
وخرج الغزالي من بغداد في ذي القعدة من سنة ٤٨٨ هـ قاصداً الحج إلى بيت الله الحرام، ووصل إلى دمشق في مطلع سنة ٤٨٩ هـ. وظل بعدها مدة عشر سنوات ينتقل من دمشق إلى القدس إلى القاهرة إلى الإسكندرية، كان خلالها منشغلاً بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله.
ثم عاد الغزالي إلى بغداد، ولكنه استمر في اعتزاله التدريس إلى أن دعاه الوزير فخر الملك للتدريس في نظامية نيسابور، ولكنه لم يلبث هناك طويلاً، فبعد سنة غادر نيسابور إلى طوس حيث لازم بيته وانقطع إلى الوعظ والعبادة والتدريس، واستمر إلى أن مات سنة ٥٠٥ هـ - ۱۱۱۱ م عن سن بلغت به الخامسة والخمسين.
تدلنا سيرة الغزالي على العلاقة الوثيقة بين حياته وتطوره الفكري؛ فتقلباته النفسية والجسدية، وانتقاله من الانغماس في المال والجاه والشهرة إلى الزهد والتقشف، حددت اتجاه تفكيره وفلسفته. كذلك أثرت رحلته الطويلة واعتكافه وعزلته في توجيه أفكاره وتركيز مذهبه، فاندفع إلى الإصلاح الديني عبر نقده للمذاهب والفلسفات السائدة في عصره، فوضع عدداً ضخماً من المؤلفات، تتميز بمعظمها بوحدة الموضوع والاتجاه، ألا وهي الفكرة الدينية التي شغلت حياته، وتتميز بقوة التعبير في الدفاع عن آرائه، والقدرة الجدلية الهائلة في تأیید مذهبه بأسلوب لغوي سلس، بعيد عن التعقيد والغرابة والصناعة اللفظية.
وقد ألف الغزالي أكثر من مائتي كتاب (۱)، بينها ما هو مشكوك في صحة نسبته إليه. ومن أهم كتبه: (المنقذ من الضلال) الذي نقدم له هنا، و(إحياء علوم الدين)، وهو أكبر مؤلف له، شرح فيه طرق النجاة وتفصيل المعاملات والعبادات، وبين حقيقة العقائد و(مقاصد الفلاسفة) و(تهافت الفلاسفة) و(معيار النظر) في المنطق، وغيرها. وقد جمعت كتبه بين الفلسفة والمنطق والتصوف والعقائد والفقه والأصول وعلم النفس.
يعتبر الغزالي نسيج وحده في تاريخ الفلسفة الإسلامية، فقد كان صاحب نهج ومدرسة انفرد وتميز بها بين أقرانه، فهو ربما كان الوحيد الذي وضع نهجاً كاملاً متكاملاً، فلم يكتف مثل علماء الكلام والفلاسفة الذين سبقوه وعاصروه بانتقاد بعض المسائل الفلسفية التي كانوا يعالجونها، بل إنه بنى صرحاً شامخاً في الفلسفة يرتكز على أساس ينطلق من منهجية صارمة تبدأ بالشك في المناهج والعقائد، وتنتهي بمذهب متكامل في الدين والأخلاق والفلسفة وعلم النفس.
(۱) عد الدكتور جميل صليبا والدكتور كامل عياد ۲۲۸ كتاباً. وعد الزبيدي منها ما يقرب من ثمانين كتاباً ورسالة. وعد السبكي ما يقرب من ستين كتاباً.
يقول عنه المفكر الفرنسي أرنست رينان: (إنه الوحيد بين الفلاسفة المسلمين الذي انتهج لنفسه طريقاً خاصاً في التفكير الفلسفي..) على الرغم من أن رينان هذا هو نفسه الذي يقول: (إن الفلسفة الإسلامية ليست سوى فلسفة اليونان القديمة مكتوبة بحروف عربية)!.
وقد تفوق الغزالي في منهجه وآرائه الفلسفية على معاصريه، بل كانت له آراء مبتكرة سبق بها الفلاسفة المتأخرين في عصر التنوير في أوروبا. فالفيلسوف الفرنسي ديكارت، بنى فلسفته على نفس الأساس الذي انطلق منه الغزالي، وهو الشك في الحسيات والعقليات.
وقد تعرض الغزالي لمسألة مهمة في تاريخ الفلسفة، هي (السببية)، فيقول: إن الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر؛ فليس على ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر؛ مثل الري والشرب والشبع والأكل والشفاء وشرب الدواء، وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب، والنجوم، والصناعات والحرف. وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوي، لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفرق.... ثم يقول: (وليس لهم من دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار؛ والمشاهدة تدل على الحصول عنده، ولا تدل على الحصول به، وأنه لا علة سواه).
نفهم من النصين السابقين إنكار الغزالي لقانون السببية في الطبيعة؛ هذه النتيجة توصل إليها الفيلسوف الانكليزي دافيد هيوم بعد الغزالي بستمائة و خمسين سنة تقريباً، فقال: (لا توجد ضرورة عقلية على وجود علاقة حتمية بين السبب والمسبب، وإنما اعتيادنا مشاهدة التعاقب بين حادثتين بانتظام هو الذي جعلنا ندعي أن الحادثة الأولى علة الحادثة الثانية). ولكن هيوم مع رفضه إرجاع قانون السببية إلى ضرورة العقل، ظل متمسكاً بهذا القانون لاعتماد العلوم بشكل كلي عليه. وهو في الحقيقة لم ينتقد إلا القول بالحتمية العقلية لهذا القانون. وقد سبقه الغزالي في هذه النقطة أيضاً، فقد أدرك أن إنكار السببية ينتهي بنا إلى ارتكاب محالات شنيعة؛ حتى يجوز عندنا انقلاب الكتاب حيواناً، وجرة الماء شجرة تفاح، وغير ذلك. فيجيب عن ذلك قائلاً: (إن الله تعالى خلق لنا علماً بأن هذه الممكنات لم يفعلها؛ ولم ندع أن هذه الأمور واجبة، بل هي ممكنة يجوز أن تقع ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى ترسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسخاً لا تنفك عنه أنه لم ينبت من الشعير حنطة، ولا من بذر الكمثرى تفاح. ولكن من استقرأ عجائب العلوم لم يستبعد من قدرة الله ما يحكى من معجزات الأنبياء).
إذن فالسببية في نظر الغزالي ليس وراءها إلا الإرادة الإلهية، ولا مجال هنا للتكلم عن ضرورة عقلية أو طبيعية لقانون السببية، فالله وحده هو الذي يجري الحوادث بإرادته، وهو الذي - إذا شاء - يقلب الموازين والقوانين؛ ففي قدرته أن يخلق شبعاً من غير أكل، وريا من غير شرب، وشفاء من غير دواء، واحتراقاً من غير نار.
ومن المسائل الفلسفية التي تعرض لها الغزالي، وسبق بالنتائج التي توصل إليها غيره من الفلاسفة، مسألة الزمان والمكان؛ فقد توصل إلى نتيجة مفادها أن الزمان والمكان هما علاقة بين تصوراتنا، فيقول: (كما أن البعد المكاني تابع للجسم، فالبعد الزماني تابع للحركة، فإنه امتداد الحركة، كما أن ذاك امتداد أقطار الجسم. فلا فرق بين البعد الزماني الذي تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى "قبل" و "بعد" وبين البعد المكاني الذي تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى.. "فوق" و "تحت".
هذه النظرية تقترب كثيراً من نظرية الفيلسوف الألماني كانط الذي يقول: إن مقولتي الزمان والمكان هما صورتان قبليتان يخلقهما العقل، سابقتان للتجربة، نستعين بهما على إدراك العالم الخارجي.
بالإضافة إلى ما قدمه الغزالي في ميدان الفلسفة والفقه والتصوف، وقد ذكرنا قسماً منها، فقد كان له باع طويل في ميدان المنطق حيث وضع فيه كتباً أصيلة، مثل «معيار العلم» و «محك النظر» و «القسطاس المستقيم».
وكان له مساهمة كبيرة في الأخلاق، فألف في هذا العلم كتاب «ميزان العمل»، كما خصص لتهذيب الأخلاق صفحات كثيرة من موسوعته و«إحياء علوم الدين». وقد درسه الدكتور زكي مبارك من زاويته الأخلاقية، وتقدم برسالة عنه هي «الأخلاق عند الغزالي»..
ويعتبر الغزالي صاحب نظرية متكاملة في: علم الجمال، وقد أودع نظريته هذه في كتاب: «المحبة والشوق والأنس والرضا، من كتاب الإحياء»..
ويعتبر البعض الغزالي المؤسس الحقيقي لعلم النفس الإسلامي -وانظر مقالة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني والغزالي مؤسس علم النفس الإسلامي، في مجلة العربي الكويتية، العدد ٥٦، كما أنه المؤسس للنظريات المبتكرة التي قدمها في هذا العلم، وخالف فيها المنهج الذي اتبعه في ذلك فلاسفة اليونان.
ونستطيع تلخيص فلسفة الغزالي، في جميع الميادين التي تطرق إليها، بقولنا إنها كانت صورة صادقة عن حياته الشخصية، فلم يفصل بين فكره وحياته اليومية كما فعل غيره من الفلاسفة والمفكرين من المسلمين وغير المسلمين. فكل ما قاله الغزالي، وكل ما كتبه صب في النهاية في مجرى الشريعة والدين، فهدفه الأساسي كان الإصلاح الديني عبر هدم كل ما يناقضه من الآراء السابقة.
وفي دفاعه عن العقيدة، ارتفع عن كل الفلاسفة الذين حاولوا جعل الدين عبارة عن مجموعة من الأحكام العقلية والمنطقية، فكان جل ما وصلوا إليه أن برروا العقيدة بالعقل وجعلوها تابعة له. ولم يتخل في الوقت نفسه عن العقل وأحكامه وقوانينه، ولكن جعل له ميداناً آخر هو ميدان العلم؛ فالعقل في النهاية خادم للدين وليس العكس.
وفي كل ما قاله الغزالي وكتبه كان مجدداً مبتكراً، ولم يكن مقلداً مكرراً؛ حتى في ميدان التصوف الذي اعتنقه بطريقة خاصة، يمكننا تسميتها بالطريقة الغزالية؛ هذه الطريقة الصوفية هي التي اعتنقها وتمذهب بها بعدما قابل الفرق بعضها ببعض، ووضعها في ميزان النقد، في كتابه (المنقذ من الضلال) الذي ألفه في أواخر أيامه بعد عزلة دامت عشر سنوات، سلك فيها طريقة الصوفية. فيمكننا بالتالي أن نعتبر هذا الكتاب خير مؤشر لما انتهى إليه لغزالي من عقيدة ومذهب.
ولا نجد في كتاب المنقذ من الضلال مذهباً فلسفياً مستقلاً، أو نظرية متكاملة مجردة؛ بل هو عبارة عن وصف لحالة المؤلف النفسية، والمعاناة التي كابدها حتى انتقل من مرحلة الشك إلى مرحلة اليقين الذي تمثل بالتصوف مذهباً وطريقة. ونفتقد في هذا الكتاب إلى الحجاج العقلي والبراهين المنطقية التي تحفل بها كتبه الأخرى؛ وتغلب عليه اللهجة الخطابية، إلا في بعض المواضع عند مناقشته لآراء الفرق.
ففلسفة الغزالي نجدها في «مقاصد الفلاسفة» و «تهافت الفلاسفة» و «إحياء علوم الدين» وغيرها من مؤلفاته الأخرى؛ ولا نجد في المنقذ، إلا القليل مما يعبر عن فلسفته وجدله.
يبدأ الغزالي كتابه بجواب أخ له في الدين سأله عن: «غاية العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها»، فيحكي له ما قاساه في سبيل الوصول إلى الحق بين اضطراب الفرق، وتباين المسالك والطرق. ويصف حالة الشك التي انتابته من جراء اختلاف هذه المذاهب وتنوعها، وما أدى إليه هذا الشك من انحلال رابطة التقليد عنده، فيقول: «وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد … وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا؛ إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات».
فيرى الغزالي أن التقليد لا يمكن أن يؤدي إلى اليقين، فالعلم اليقيني لا يمكن أن يحصل إلا إذا انحلت رابطة التقليد، وخضع للبحث الحر المرتبط بالعقل، ولكن ما هو العلم اليقيني الذي يؤدي إلى كشف حقائق الأمور ؟ يحدد أبو حامد شرائط هذا العلم؛ فيقول: (العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك؛ بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلاً من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكا وإنكاراً). بهذه العبارات الواضحة يضع الغزالي معيار العلم وشرطه في اليقين انكشاف المعلوم انكشافاً بديهيا لا يبقى معه ريب. وهذا الشرط مشابه لما سنراه بعد قرون عند ديكارت من وضوح الأفكار وبديهيتها.
وبعد وضع الأسس والشروط، يبدأ الغزالي في البحث عن علم موصوف بهذه الصفة -يعني اليقينيات-؛ ولكنه لا يجد هذا العلم، لأن العلم إما أن يكون بالحسيات، وإما أن يكون بالعقليات والثقة بالمحسوسات معدومة، فأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه واففاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم تكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار الدينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. والثقة بالعقليات معدومة أيضاً، لأن النائم يعتقد في النوم أموراً، ويتخيل أحوالاً، ويعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا يشك في تلك الحالة فيها؛ ثم يستيقظ فيعلم أنه لم يكن الجميع متخيلاته ومعتقداته أصل وطائل؛ فيم يأمن أن يكون جميع ما يعتقده في يقظته بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالته التي هو فيها، لكن يمكن أن تطرأ عليه حالة تكون نسبتها إلى يقظته كنسبة يقظته إلى منامه، وتكون يقظته نوماً بالإضافة إليها ؟! فإذا وردت تلك الحالة تيقن أن جميع ما توهمه بعقله خيالات لا حاصل لها. فالعقل يكذب الإحساس، والإحساس يكذب العقل.
هذه النتيجة التي توصل إليها الغزالي أوقعته في حيرة دام عليها قريباً من شهرين وهو فيهما (على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال). ولم يرجع إلى الإيمان بحكم الضروريات والبديهيات العقلية إلا بمساعدة إلهية خارجية وبنور قذفه الله تعالى في الصدر.
وهذا الكشف والنور الإلهي هو من أهم النقاط التي وردت في كتاب (المنقذ من الضلال)، ونجد آثاره في كل سطر من سطور الكتاب. وهو يمثل الضمانة الوحيدة عند الغزالي للوثوق بالبديهيات العقلية. هذه الضمانة الإلهية هي نفسها التي سنجدها فيما بعد عند ديكارت بعد أزمة الشك التي عصفت به وجعلته يشك حتى بوجوده ذاته. وبالرغم من أن ضمانة ديكارت التي صرح بها هي وجوده ككائن مفكر، وهو ما يتمثل بمقولته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، فإن هذه البديهة نفسها تحتاج عنده إلى ضمان إلهي.. الغزالي.، هو في النهاية نفسه (نور)؛ إذن هذا النور هو مفتاح المعرفة عند الغزالي، ولا يمكننا أن نفهم فلسفته إلا بإدراكنا مدى ما تمثله هذه المسألة من أهمية؛ فالعقل لا يمكن أن يكون مصدراً للعقيدة الدينية، ولا يكون له إلا دور لاحق يتمثل بتحقيق التطور العلمي.
فالعقل لا يفسر الدين ولا يبرره، بل الدين هو الذي يعطي العقل مشروعيته. فعلينا أن نفسر المباديء العقلية انطلاقاً من الدين، لا أن نفسر الدين تبعاً للعقل.
وبعد أن حدد الغزالي شرط اليقين الذي أنقذه من دوامة الشك، انتقل للبحث في آراء الفرق والمذاهب، فحصرها في أربع: فرقة المتكلمين، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية. فاطلع على آراء هذه الفرق واستقصى مذاهبها، متخذاً في البداية موقفاً حيادياً من كل منها حتى يتبين له وجه الحق.
يقول الإمام الغزالي: "فلم أدع باطنيًّا إلا واطلعتُ على بطانته، ولا ظاهريّا إلا وقد علمتُ حاصل ظهارته، ولا فلسفيًّا إلا وقصدتُ الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا واجتهدت في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًّا إلا وحرصتُ على العثور على سر صوفيته، ولا متعبداً إلا وترصّدتُ ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وتحسستُ وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته".
ثم إنه ابتدأ بعلم الكلام، فحصله وعقله، وطالع كتب المحققين منهم. قال: (فصادفته علماً وافياً بمقصوده، غير واف بمقصودي). فمقصود علم الكلام حراسة عقيدة أهل السنة من تشويش أهل البدعة، فقامت طائفة من المتكلمين بالنضال والذب عن العقيدة في وجه المبتدعة؛ (ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها: إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار)، (وهذا قليل النفع في جنب من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً أصلاً).
ثم إنه ابتدأ بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة، فاطلع على كتبهم وعلومهم، فوجدهم على كثرة فرقهم واختلاف مذاهبهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون، والإلهيون، والصنف الثالث منهم، وهم الإلهيون، (ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم)، (ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين رداً لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم؛ إلا أنه استبقى أيضاً من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزع منها).
ثم حصر الغزالي فلسفة أرسطو - حسب نقل ابن سينا والفارابي - في ثلاثة أقسام: قسم يجب التكفير به، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلاً. ومن هذا القسم الأخير الرياضيات والمنطق، فهما لا علاقة لهما بالدين حتى يُجحدا ويُنكرا. ولكن مع ذلك تبقى لها آفات عظيمة يجب لأجلها زجر كل من يخوض فيها من غير المتمكنين.
أما ما كفر به الغزالي الفلاسفة الإلهيين فهو مسائل ثلاث خالفوا فيها كافة المسلمين:
۱- قولهم إن الأجساد لا تحشر، وأن المُثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية (وهذه العقيدة يدين بها كثيرٌ من المسيحيين). ولقد صدقوا في إثبات الروحانية، فإنها كائنة أيضاً، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به.
۲ - وقولهم إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات. وهذا أيضاً كفر صريح، بل الحق أنه: ﴿لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣].
۳ -وقولهم بقدم العالم وأزليته.ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل.
ثم بعد أن فرغ الغزالي من تزييف ما يزيف من علم الفلسفة، انتقل إلى الطريقة التعليمية، فانتقدها وبين غائلتها. ولكنه لم يستطرد كثيراً في انتقادهم في (المنقذ)، فقد سبق له أن وضع كتباً خمسة في الرد على مذهبهم، وهي كتاب (المستظهري)، وكتاب: (حجة الحق)، وكتاب (مفصل الخلاف)، وكتاب (الدرج)، وكتاب (القسطاس المستقيم).
ثم إن الغزالي لما فرغ من هذه الفرق أقبل بهمته على طريق الصوفية، وعلم أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل، فابتدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم، مثل (قوت القلوب لأبي طالب المكي)، وكتب (الحارث المحاسبي)، والمتفرقات المأثورة عن (الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي)، حتى اطلع على كنه مقاصدهم العلمية. ثم ظهر له أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات؛ لذلك أقبل على سلوك أحوالهم بالإعراض عن الدنيا والهرب من علائق الحياة، ولكنه نظر إلى نفسه فوجدها منغمسة في العلائق، ولاحظ أعماله فوجدها غير نافعة في طريق الآخرة، وتفكر في نيته في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، فتيقن أنه على شفا جرف هار، فأصابته أزمة نفسية حادة وصفها وصفاً بليغاً بعيداً عن التكلف والتصنع.
ونحن نرى من خلال انتقاد الغزالي للفرق ما سبق وأشرنا إليه من إيمانه بقصور العقل عن إدراك كنه الحقائق الدينية، فوراء العقل حدس ديني هو وحده المؤهل للمعرفة الإلهية. يقول في معرض الكلام على أصناف الطالبين: (ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله وسعة جوده، انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق المتكلمون والباطنية، والفلاسفة، والصوفية. فقلت في نفسي: الحق لا يعدو عن هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع).
ففي حصره الحق في هذه الأصناف الأربعة إشارة إلى تحديد نطاق العقل وحصر حدود المعرفة. وهو يصرح بهذا في موضع آخر من كتابه فيقول: (ووراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخرى العقل معزول عنها).
وفي الفصل الأخير من كتابه، ينتقل الغزالي إلى الكلام عن حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها؛ فيقرر أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خلق خالياً ساذجاً لا خبر معه عن عوالم الله تعالى، ثم إنه يطلع على هذه العوالم، وهي أجناس الموجودات، بواسطة الإدراك الذي يخلقه الله له. وهناك أربع مراتب للإدراك: أدناها قوة الحس التي تدرك عالم المحسوسات، ثم قوة التمييز التي تدرك أموراً زائدة على الحس، ثم العقل الذي يدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات. ثم أعلاها ما وراء طور العقل، وهو قوة تدرك الغيب وما سيكون في المستقبل، وهذه الأخيرة هي مدركات النبوة؛ والبرهان عليها هو وجود معارف عند الإنسان لا يمكن أن تتم له إلا بهذا النوع من الإدراك، كالطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة الله تعالى.
والنبي لا يعرف إلا بأحواله، وذلك إما بالمشاهدة أو بالتواتر والتسامع. وكما أن الإنسان إذا عرف الطب أمكنه أن يعرف الأطباء بمشاهدة أحوالهم، فكذلك إذا فهم معنى النبوة، أمكنه أن يستدرك بها على شخص معين أنه نبي أم لا، وذلك بمشاهدة أحواله، وتجربة ما قاله في ألف أو ألفين وآلاف من الأحوال، حتى يحصل اليقين القوي والإيمان العلمي.
ويقرر الغزالي بأنه كما أن للبدن دواؤه الخاص وطبيبه، فكذلك القلب له طبيبه الخاص ودواؤه، فالأنبياء أطباء أمراض القلوب، والعبادات أدوية مختلفة في النوع والمقدار. ثم ينظر الغزالي في أسباب فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، وفتور الخلق وضعف إيمانهم، فيرى هذه الأسباب تنحصر في أربعة: الفلسفة والتصوف والتعليم، ومعاملة الموسومين بالعلم بين الناس. فيفند هذه الأسباب واحداً واحداً، وينحى باللائمة على الفلاسفة الإلهيين الذي يسرون غير ما يعلنون كالفارابي وابن سينا، فيرى أن فضحهم أيسر عنده من شربة ماء لكثرة خوضه في علومهم وطرقهم؛ فيرفض العزلة وينصرف إلى إصلاح نفسه وإصلاح غيره وكأنه رسول بعث لإحياء الدين من كبوته.
هذا مختصر لما اشتمل عليه كتاب و المنقذ من الضلال.. وهو بالرغم من قلة عدد صفحاته يعتبر كتاباً فريداً من نوعه بمنحاه وأسلوبه ومنهجه ووحدة غرضه.
نشير هنا إلى أنه زيادة في الفائدة ألحقنا في نهاية كتاب المنقذ مؤلفين للغزالي، أولهما: كتاب (المواعظ في الأحاديث القدسية)، وثانيهما: (قانون التأويل).
أما كتاب المواعظ، فقد أدرجه الدارسون في الثلاثينيات من هذا القرن ضمن مؤلفات الغزالي المفقودة. غير أن بروكلمان تنبه إلى وجود مخطوطة لهذا الكتاب محفوظة في مكتبة غوطا. من هنا عمد الدكتور عبد الحميد صالح حمدان إلى الحصول على ميكروفيلم لهذه المخطوطة، فحققها ونشرها، حيث صدرت عن الدار المصرية اللبنانية في طبعتها الأولى سنة ۱۹۸۸ م.
وقد شكك الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه: مؤلفات الغزالى، في صحة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام، حيث أدرجه ضمن الكتب المرجح أنها ليست للغزالي، ومعظمها في السحر والطلسمات والعلوم المستورة. ولكن الدكتور عبد الحميد صالح حمدان يميل إلى الاعتقاد بصحة نسبة هذا الكتاب إليه، لاعتبارات ذكرها في مقدمته للطبعة الأولى.
وقد مهَّد الإمام الغزالي لهذا الكتاب بتقديم مقتضب جداً يتمشى مع أسلوبه وبلاغته وطريقته في الكتابة، حيث يشير إلى أن قصده من جمعه وترتيبه لهذه الأحاديث القدسية، أن تكون تذكرة للعباد، وتقوية للمتقين من المسلمين إلى العبادة، وهو ما يتفق مع ما أوقف عليه هذا الإمام الجليل جزءاً كبيراً من حياته في الدعوة إليه والمناداة به.
ولن نطيل الكلام عن قصد الإمام وهدفه من إيراد هذه الأحاديث، أو عن أسلوبه في جمعها وترتيبها؛ ففي الصفحات التي بين أيدينا غنى عن ذلك.
أما الكتاب الثالث الذي تضمنه هذا المجموع، فهو «قانون التأويل». وقد وضعه أبو حامد جواباً على سؤال طرح عليه حول بعض الآيات والأحاديث التي غمض معناها، أو تعارض مع المعروف من ظاهر الشرع أو العقل.
والتأويل في أصل اللغة: هو بيان مآل ما يحتاج من القول إلى التدبر والتأمل، وتبيين ما يؤول الكلام إليه وهو الترجيع والتفسير، يقال: أول الكلام، إذا فسره ورده إلى الغاية المرجوة منه. أما معنى التأويل في الشرع، فهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر الى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً بالكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت) إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً.
وقد أراد الغزالي في جوابه على السؤال الذي وجه إليه أن يضع قانوناً عاماً ومنهجاً سليماً يسير عليه الخائضون في مبحث التأويل. فبين أولاً: أن بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر، والخائضين فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلاً والمنقول تابعاً، فلم تشتد عنايتهم بالبحث وإلى من جعل كل واحد أصلاً ويسعى في عنه، التأليف والتوفيق بينهماح فهم إذن خمس فرق.
وقد شرح الإمام الغزالي أحوال هذه الطوائف وأقوالهم، وبين قصور نظر من أفرط منهم ومن فرط. ثم بين أن الفرقة المحقة من بينهم هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منهما أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً.
وهؤلاء نهجوا منهجاً قويماً، إلا أنهم ارتقوا مرتقى صعباً، وطلبوا مطلباً عظيماً، وسلكوا سبيلاً شاقاً؛ فلقد تشوفوا إلى مطمع عصيّ وانتهجوا مسلكاً وعراً، وذلك يسير في بعض الأمور، ولكن شاق عسير في الأكثر.
لذلك يوصي أبو حامد بثلاث وصايا نافعة، تنير طريق السالكين في التأويل، وتبين لهم المنهج القويم للخوض في هذه الأمور، حيث تشكل هذه الوصايا القانون الأسلم في التأويل.
وصفوة القول أن الإمام الغزالي حقق بحث هذه المسألة تحقيقاً شافياً كافياً وافياً، بحيث لم يبق بعد بيانه مطلب لطالب أو حجة المعترض.
ولعل مبنى هذا المؤلف وأصله نابع من قول الإمام الغزالي في تصنيفه هذا: "-اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق، بحرٌ عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون. وكل فريق يزعم أنه الناجي، و﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [الروم: ٣٢] هو الذي وعدنا به سيد المرسلين، صلوات الله عليه، وهو الصادق الصدوق حيث قال: (ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة) فقد كان ما وعد أن یکون".
وبعد أن فرغ الغزالي من انتقاد آراء الفرق الأخرى في الفصول السابقة وفندها رأياً رأياً، أقبل بهمته على طريق الصوفية، فطالع كتبهم، واطلع على أقوالهم، فاطمأن إليهم، ووجدهم أفضل السالكين لطريق الله، حتى قال فيهم (ص٦٢): ((علمت يقيناً أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلاً)) اه.
ولا عجب، فالتصوف الذي يعنيه الغزالي- سواء أكان أخلاقاً، أو معرفة، أو سلوكاً، أو تصويراً لمناجاة، أو تذوقاً لتجليات، أو تحليقاً حول إشراقات، فهي مادة موصولة بالله، قائمة به وله، فانية فيه سبحانه. يقول الصوفي أبو سليان الداراني: (القلب الصوفي قد رأى الله، وكل شيء يرى الله لا يموت، فمن رأى الله فقد خلد)).
ويقول الإمام الجنيد في الغناء الصوفي: ((فتكون كل حركاته في موافقة الحق دون مخالفاته، فيكون فانياً عن المخالفات، باقياً في الموافقات)). فالتصوف عند الغزالي -استبدال خلق بشري بخلق رباني، وذلك ارتفاع بالبشرية لا نعرفه ولا تعرفه الدنيا لغير الصوفية الإسلامية.
وكما أن أول شرط لصحة الصلاة هو طهارة الجسد وموضع السجود، كذلك فإن أول شرط لصحة سلوك طريق التصوف هو طهارة القلب بالكلية عما سوى الله تعالى. وكما أن مفتاح الصلاة هو تكبيرة الإحرام التي يستغرق بعدها المصلي بصلاته، فيمتنع عن كل ما يلهيه عن ذكر الله، فكذلك مفتاح الطريقة هو استغراق القلب بالكلية بذكر الله.
يقول الغزالي: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريق طهارتها - هي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله، وهذا آخرها بالإضافة إلى ما لا يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه.
___________________________________________________
الغزّالي: بتشديد الزاي نسبة إلى الغزّال على عادة أهل خوارزم وجرجان، فإنهم ينسبون إلى القصّار قصاري وإلى العطار عطاري. أو بتخفيفها نسبة إلى غزالة من قرى طوس. قال ابن الأثیر في اللباب: والتخفیف خلاف المشهور.
نيسابور: مدينة كبيرة من أعمال خراسان. فتحها المسلمون أيام عثمان. نبغ منها عدد كبير من أئمة العلم. وقد هاجمها التتر وهدموها عن آخرها. ولا تزال خراباً إلى اليوم. في سنة ٤٩٩ هـ أقنع الوزير فخر الملك ابن نظام الملك الغزالي بالتدريس في نظامية نیسابور، ولكنه لم يلبث طويلاً، فبعد سنة أو نحو ذلك قتل الوزير فخر الملك فغادر الغزالي نيسابور إلى طوس ملازماً بيته حتى مات سنة ٥٠٥ هـ.
مبتدع: معناه لغة مخترع، من البدعة وهي الاختراع، ثم غلب استعماله على المحدث المكروه في الدين، ولا يكاد يستعمل إلا في هذا المعنى.
الزنديق: في لسان العرب: الزنديق القائل ببقاء الدهر، معرب (زندك)) أي يقول ببقاء الدهر.
المعطل: هو الذي ينكر صفات الخالق. فهو يقول مثلاً في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أن لا عرش هناك ولا استواء فعلياً، ويحملون لفظ (استوی) علی معنى (استولى)، وكذلك في سائر الصفات.
علم الكلام: نشأ علم الكلام في الإسلام في وقت متأخر نسبياً وذلك بعد أن شعر العلماء بضرورة الدفاع عن العقائد الدينية بالأدلة العقلية والحجج والمناظرات المنطقية. وكانت أساليب هذا الدفاع في البداية تأخذ شكل الجدل والمناظرات الكلامية فانسحبت التسمية بذلك على العلم كله فدعي باسم ((علم الكلام)) ودعي العلماء الذين يبحثون في العقائد الدينية بحثاً عقلياً منطقياً بـ(المتكلمين). وقد استخدم علم الكلام بشكل واسع في دفاع كل فرقة من الفرق الاسلامية الكلامية عن مذهبها كالمعنزلة والأشاعرة والمرجئة والقدرية وغيرهم من الفرق والمذاهب التي نشأت في هذا الجو. وربما كان من أهم أسباب تسمية علم الكلام أن من أهم المواضيع التي دار حولها الجدل هو إثبات الكلام النفسي. وقد اقتصر هذا العلم أخيراً على العلم الذي يتضمن بشكل رئيسي الرد بالحجج العقلية المنطقية على الخارجين عن مذاهب أهل السنة كما يشير إلى ذلك الغزالي في هذا الكتاب.
الصوفية: أكثر الباحثين يرون أن هذه اللفظة منحوتة من ((صوفيا) وهي الحكمة و(اسطس) وهي المموهة، أي(الحكمة المموهة) ورأي آخر يرى أنها مشتقة من الكلمة اليونانية (سوفيزما) Sophisma، أي المهارة في الأمور، ومنها اشتق (سوفيسطس، (Sophistes) اليوناني، أي الماهر في تدبير أموره. ولكن اللغظ أصبح علماً فيا بعد على الفلاسفة السوفسطائيين الذين اتخذوا التعليم مهنة، وأخذوا يعلمون تلاميذهم كيف ينصرون آراءهم باستعمال الأقاويل الخلابة والمغالطات الكلامية دون أي اعتبار للحق والعدل.
الشّك: طريق الشك التي اتبعها الغزالي ليصل إلى البقين، اتبعها فيا بعد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في القرن السابع عشر الميلادي. والنتيجة التي توصل إليها الغزالي من ضرورة وجود مسلمات عقلية أولية ليست خاضعة للبرهان، هي نفسها النتيجة التي توصل إليها ديكارت بعد شكه بالحسيات والعقليات حتى شكّ بوجوده ذاته. وضمانة الغزالي في وثوقه بهذه المسلمات هي النور الذي قذفه الله في القلب، بينما ضمانة ديكارت هي وجوده ذاته ككائن مفكر، إذ انطلق من مقولته الشهيرة (أنا أفكر إذن أنا موجود) (وهو ما يسمى بالكوجيتو) ليثبت بقية البديهيات الأخرى. ولكن هذه البديهة الأولية محتاجة عند ديكارت نفسه إلى ضمان خارجي (إلهي) فهو يتساءل إن كان هناك شيطان ماكر شرير يعبث بعقله ويريه الباطل حقاً والحق باطلاً، فيصل إلى نتيجة أن ثقته بوجوده لا تكون صادقة إلا إذا ضمنها الله وحده الذي يعصمه من تضليل الشيطان. وهكذا نستطيع أن نقول إن الغزالي وديكارت انفقا في المباديء والنتائج إلا في بعض التفاصيل؛ ولا عجب، إذ إن بعض الباحثين يرى أنه من المحتمل أن يكون ديكارت قد اطلع على بعض مؤلفات الغزالي لاتصاله الوثيق بطبقة الأكليروس في بلاده فرنسا، حيث كانت هذه الطبقة في ذلك العهد هي حاملة لواء الثقافة والعلم، وكان في أديرتها الكثير من المؤلفات العربية المترجمة، فلعل من بينها كان أيضاً كتاب الغزالي هذا.
الجوهر: في اللغة الأصل. واصطلاحاً: ماهية إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع، وهو منحصر في خمسة: هيولى وصورة وجسم ونفس وعقل.
والعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم هو به. والأعراض على نوعين: قارّ الذات، وهو الذي يجتمع أجزاؤه في الوجود كالبياض والسواد؛ وغير قارّ الذات وهو الذي لا يجتمع أجزاؤه في الوجود كالحركة والسكون. (انظر كتاب التعريفات للجرجاني). وقد قسم الأقدمون الأعراض إلى تسعة هي: الكم، والكيف، والإضافة، والأين، والمتى، والملك، والوضع، والفعل، والانفعال. وهي بالإضافة إلى الجوهر تسمى المقولات العشر.
ابن سينا: (٣٧٠ - ٤٢٨ هـ) ويسميه الفرنج Avienne. كان فيلسوفاً عظيماً وطبيباً بارعاً. وقد بقي كتابه (الفنون في الطب) المرجع الرئيسي لدراسة الطب في أوروبا لقرون عديدة. وله من الكتب كـ (النجاة)) و(الشفاء) وغيرها من الكتب والرسائل الفلسفية. وتقرب فلسفته من فلسفة أرسطو، ولكن لما كان العالم عند أرسطو قديماً، وهذه النظرة لا تتفق مع النظرية الإسلامية في حدوث العالم، فلما اضطر ابن سينا إلى القول بقدم العالم حتى يجعل أفعال الله قديمة مثله، رأى أن يجعل الله متقدماً على أفعاله القديمة بالذات لا بالزمان، والزمان نفسه مع أنه قديم مخلوق أيضاً تقدمه الواجب بالذات لا بزمان آخر. وفلسفة ابن سينا تشتمل أيضاً على بعض الأصول الأفلاطونية المحدثة وذلك في نظريته في الفيض فهو يقول إن العالم فاض عن الله بمحض إرادته لا عن حاجة إلى ذلك، فكان عنه أولاً العقل الأول، ومن صفات هذا العقل الأول أنه ممكن في ذاته واجب بعلته، ومن هذين الاعتبارين فيه بدأ التكثر في الوجود ففاض عن العقل الأول عقل ثان ونفس فلكية وجرم سماوي، وعن العقل الثاني فإض عقل ثالث ونفس فلكية وجرم سماوي ... وهكذا حتى ينتهي الصدور إلى العقل العاشر وهو العقل الفعال في عالمنا هذا. ويختلف ابن سينا عن أرسطو في هذا الموضوع بأنه يرى أن العقل الأول هو المحرك الأول لا الله. وأرسطو يرى أن الله لا يعقل إلا ذاته ولا ينشغل بغيرها، وهو يحرك الكائنات بالشوق. أما إله ابن سينا فلا يعقل ذاته فقط بل يعقل الكائنات كما يعقل الجزئيات ويحيط علمه بكل شيء. ومن آراء ابن سينا الفلسفية أنه يرى أن علم الأنبياء أرفع العلوم على عكس الفارابي الذي يرى أن علم الفلاسفة أعلى درجة من علم الأنبياء.
الفارابي: (٢٦٠ - ٣٣٩ هـ) فارسي الأصل، رحل في صباه إلى بغداد، ثم التحق بحاشية سيف الدولة وبقي عنده إلى أن مات. وهو واحد من أكبر شارحي فلسفة أرسطو وناقليها إلى العربية، وسمي لذلك بـ (المعلم الثاني)؛ لأن أرسطو معروف باسم (المعلم الأول). وقد عرف الفاراني باطلاعه الواسع في علم الموسيقى، والمشهور أنه هو الذي أخترع الآلة المعروفة بالقانون. وقد نحا الفارابي في فلسفته منحى التوفيق بين أرسطو وأفلاطون من جهة، والتوفيق بينها وبين العقائد الإسلامية من جهة ثانية. ولكن بالرغم من ذلك كانت له آراء خرجت عن المعتقدات الإسلامية المعروفة، كقوله بارتفاع درجة الفيلسوف عن درجة النبي، وقوله بنظرية الفيض التي اقنبسها من المذهب الأفلاطوني المحدث، وقوله بقدم العالم، وغيرها من النظريات التي لا تتفق مع ما هو معروف من العقيدة الإسلامية. وقد عرض الفارابي فلسفته في قسم من مؤلفاته الخاصة، وأفرد القسم الآخر لشرح فلسفة أرسطو والتوفيق بينه وبين غيره من الفلاسفة. ولكن لم يصل من مؤلفاته إلا القليل. وقد نشر ديترشي (Dieterici) في لندن سنة ١٨٩٠ ثماني رسائل (Al Farabi's Philosophische Abhandlungen)
الدليل: في اللغة هو المرشد وما به الإرشاد، وفي الاصطلاح: هو الذي يلزم العلم به العلم بشيء آخر. وحقيقة الدليل هو ثبوت الأوسط للأصغر، واندراج الأصغر تحت الأوسط. (انظر کتاب التعریفات للجرجاني).
القياس: في اللغة عبارة عن التقدير، وهو عبارة عن رد الشيء إلى نظيره. وفي الاصطلاح المنطقي: قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر. وفي الشريعة: عبارة عن المعنى المستنبط من النص لتعديه الحكم من المنصوص عليه إلى غيره، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم.
البرهان: هو القياس المؤلف من اليقينيات سواء كانت ابتداء وهي الضروريات، أو بواسطة وهي النظريات.
الحد: في اللغة: المنع. وفي الاصطلاح: قول يشتمل على ما به الاشتراك وعلى ما به الامتياز.
التصور: هو إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات.
التصديق: هو التصور الذي معه حكم، وهو إسناد أمر إلى آخر سلباً أو إيجاباً.
القضية: تقسم القضايا المعروف في المنطق الأرسطي. فقد قالوا: القضية قول يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب، وقسموها قسمين: موجبة كقولنا (زيد عالم) وسالبة كقولنا (زيد ليس بعالم). والموجبة تنقسم بدورها إلى جزئية كقولنا (بعض الحيوان إنسان)، وإلى كلية كقولنا (كل إنسان فان). وكذلك السالبة تنقسم إلى جزئية كقولنا (بعض الناس ليس عالمً)، وإلى كلية كقولنا (ليس من إنسان خالد). فعل هذا تكون القضايا أربعة أقسام: ١- قضية موجبة كلية. ٢ - قضية موجبة جزئية. ٣ - قضية سالبة كلية. ٤ - قضية سالبة جزئية.
المعتزلة: من الفرق التي تركت أثراً عظيماً في الإسلام وحياته العقلية والفكرية. وهناك آراء مختلفة في نشأة هذه الفرقة ذكرتها الكتب التي تبحث في الفرق الإسلامية، وتجدها في فجر الإسلام لأحمد أمين. ومن أشهر الآراء في ظهور هذه الفرقة أن واصل بن عطاء كان يجلس في حلقة الحسن البصري، وقد اشترك واصل في النقاش الذي جرى بين الخوارج والجماعة في مسألة مرتكب الكبيرة، فقالت الجماعة بأنه مؤمن ولكنه فاسق، وقالت الخوارج بكفره؛ ولكن واصل خرج عن الفريقين بقوله: (إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، بل له منزلة بين المنزلتين)، فخرج بقوله هذا من حلقة الحسن، واعتزل عنه، فانضم إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعها «معتزلو)». ويمكننا تلخيص تعاليم المعتزلة بما يلي:
١ - القول بالمنزلة بين المنزلتين. ٢ - القول بالقدر وعدم خلق الله لأفعال الناس وإنما هم الذين يخلقون أعمالهم، وهم لذلك يثابون ويعاقبون، ولأجل ذلك يوصف الله بالعدل. ٣ - القول بالتوحيد، فنفوا أن يكون لله تعالى صفات أزلية من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر غير ذاته، بل الله عالم وقادر وحي وسميع وبصير بذاته، وليست هناك صفات زائدة على ذاته. والقول بوجود صفات قديمة قول بالتعدد، ولا كثرة في ذاته البتة. وهو ما أشار إليه الغزالي. ٤ - قولهم بقدرة العقل على التمييز بين الحسن والقبيح، ولو لم يرد بها شرع، والشرع لم يجعل الشيء حسناً بأمره به، ولا القبيح قبيحاً بنهيه عنه، بل الشرع إنما أمر بالشيء الحسن ونهى عن الآخر لقبحه. وقد استفاد المعتزلة كثيراً من الفلسفة اليونانية، وصبغوها بالصبغة الإسلامية، واستعانوا بها في مناظراتهم وجدلهم. وقد كان للمعتزلة دور مهم في عهد المأمون والمعتصم العباسيين اللذين تمذهبا رسمياً بمذهب الاعتزال، وحملا الناس على الأخذ بفكرة خلق القرآن.
إخوان الصفاء وخلان الوفاء: نشأت في القرن الرابع الهجري في البصرة في وقت كانت الفلسفة فيه لا تساوي بمفهومها إلا الزندقة والمروق من الدين. وكانت هذه الجمعية في أصل نشأتها سرية بالغ مؤسسوها في التستر والتخفي حفظاً لحياتهم من أعدائهم. وأساس مذهبهم يقوم على مزج الفلسفة اليونانية بالشريعة الإسلامية ليحصل الكمال. وقد اختلف المؤرخون في أسماء مؤسسي هذه الجماعة وأهدافهم الرئيسية من وراء جمعيتهم هذه. وفلسفة إخوان الصفاء مجموعة في اثنتين وخمسين رسالة تطرقوا فيها لذكر جميع العلوم والمعارف الطبيعية والرياضية والفلسفية والإلهية والعقلية في كل هذه الرسائل، إلا الأخيرة وهي الرسالة الجامعة؛ فقد أجملوا فيها خلاصة فلسفتهم. وقد طبعت هذه الرسائل للمرة الأولى في الهند سنة ١٨١٢ م، ثم طبع المستشرق الألماني ديتريشي خلاصة عنها سنة ١٨٨٦ في برلين، وفي سنة ١٩٢٨ ظهرت لها طبعة تامة في مصر. أما الرسالة الجامعة فقد حققها الدكتور جميل صليبا ونشرها المجمع العلمي العربي بدمشق سنة ١٩٤٨.
الباطنية: قال الشهرستاني في الملل والنحل ما ملخصه أن مذهب التعليم ويدعى الباطنية هو عقيدة فرقة تنسب نفسها إلى إسماعيل بن جعفر الصادق. وقد ظهر هذا المذهب أول الأمر بشكل ديني محض حيث قرر أن لكل ظاهر باطناً ولكل شرع تأويلاً. وعرف بأسماء عديدة منها: القرامطة، والمزدكية، والملحدة. ومن جملة ما قالوه في الله تعالى: (إنا لا نقول هو موجود، ولا لا موجود، ولا عالم، ولا جاهل …) اه ملخصاً. وإذا كان منشأ هذه الفرقة دينياً، إلا أنها نحت بعد ذلك منحى سياسيّاً واضحاً بإشاعتها فكرة الإمام المعصوم، مما دفع نظام الملك، بعد أن رأى خطرها على مركز الخلافة، إلى الاستعانة بالغزالي للرد عليهم. وقد ذكر الغزالي ذلك، ولم يناقشهم في هذا الفصل إلا في فكرة الإمام المعصوم.
الذوق: عرف الجرجاني في (كتاب التعريفات) الذوق في معرفة الله بأنه عبارة عن نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غیره.
الحال: الحال عند أهل المعرفة معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب من طرب أو حزن أو قبض أو بسط أو هيئة، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المثل أو لا، فإذا دام وصار ملكاً يسمى مقاماً. فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود.
الزهد: الزهد لغة: ترك الميل إلى الشيء، وفي اصطلاح أهل الحقيقة: هو بغض الدنيا والإعراض عنها. وقد عرف الزهد عند جميع الأمم، ولكن غايته عندهم الابتعاد عن اللذات. بعكس التصوف الإسلامي الذي له مظاهر ورياضات خاصة به لا يعرفها إلا أهلها. ويظهر الفرق بين الزهد والتصوف في تعريف الجرجاني التالي: (التصوف مذهب كله جدّ فلا يخلطوه بشيء من الهزل، وقيل: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبعية، وإخاد صفات البشرية، وجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، واستعمال ما هو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسوله في الشريعة. وقيل: ترك الاختيار. وقيل: بذل المجهود والأنس بالمعبود. وقيل: حفظ حواسك من مراعاة أنفاسك. وقيل: الإعراض عن الاعتراض. وقيل: هو صفاء المعاملة مع الله تعالى، وأصله التفرغ عن الدنيا. وقيل: الصبر تحت الأمر والنهي. وقيل: خدمة التشرف، وترك التكلف، واستعمال التظرف. وقيل: الأخذ بالحقائق، والكلام بالدقائق، والإياس مما في أيدي الخلائق). اهـ من كتاب التعريفات للجرجاني.
المشاهدة: تطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد، وتطلق بإزائه على رؤية الحق في الأشياء، وذلك هو الوجه الذي له تعالى بحسب ظاهريته في كل شيء.
والمكاشفة: هي حضور لا ينعت بالبيان. (كتاب التعريفات للجرجاني). وقال الكلاباذي (التعرف لمذهب أهل التصوف ص ١٢١): (قال سهل: التجلي على ثلاثة أحوال: تجلي ذات وهي المكاشفة، وتجلي صفات الذات وهي موضع النور، وتجلي حكم الذات وهي الآخرة وما فيها. ومعنى قوله: تجلي ذات، هي المكاشفة، كشوف القلب في الدنيا، كقول عبد الله بن عمر: كنا نتراءى الله في ذلك المكان؛ يعنى في الطواف. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (اعبد الله كأنك تراه). وكشوف العيان في الآخرة اهـ.
الحلول: عرف أبو البقاء في (الكليات) الحلول بقوله: (هو أن يكون الشيء حاصلاً في الشيء ومختصاً به بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر تحقيقاً أو تقديراً).
الاتحاد: هو شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجوداً به، معدوماً بنفسه لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتحد به، فإنه محال. وقيل: الاتحاد امتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئاً واحداً، لاتصال نهايات الاتحاد. وقيل: الاتحاد هو القول من غير روية وفكر. (التعريفات للجرجاني).
جالينوس: ظهر جالينوس في حقبة كان الطب فيها في أيدي السفسطائيين الدجالين، فحاول إحياء طب أبقراط، ونجح بذلك نجاحاً كبيراً، مما أمن له شهرة عظيمة في عصره. وقد اهتم جالينوس -كأكثر الأطباء القدامى - بالفلسفة وتعمق فيها، فشرح كل مؤلفات أرسطو. وكان كاتباً خصباً، ألف في غير الطب ١٢٥ كتاباً، منها ١١٥ في الفلسفة؛ ولكن معظم كتبه لم تصلنا لأنها احترقت في أثناء حياته، ولم يصلنا منها سوى ٧٠ مؤلفاً في جميع الفروع التي صنف فيها.
فيثاغورس: من أكبر فلاسفة اليونان، عاش بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. وقد تركت فلسفته أثراً عظياً في تطور الرياضيات فيا بعد. وترتكز فلسفته - كما عرضها أرسطو - على الأعداد، فالأعداد هي أصل كل شيء، وعن العدد تنشأ جميع الموجودات، فعن العدد (واحد) أي الوحدة تنشأ الاثنينية، وعن الاثنينية ينشأ المثلث، وهكذا حتى تتكون العناصر، ومن العناصر تنشأ موجودات عالمنا. وقد كون الفيثاغوريون جماعة سياسية استلمت السلطة لفترة وجيزة في إحدى المدن اليونانية.
أبو طالب المكي: توفي سنة ٣٨٨ هـ. له مصنفات في التوحيد. قيل: إن رياضته الصوفية كانت عظيمة جداً، إذ أنه هجر الطعام زماناً، واقتصر على أكل الحشائش المباحة، فاخضر جلده من كثرة تناولها! أما كتابه ((قوت القلوب)) فقد قالوا: ((إنه لم يصنف في الإسلام مثله في دقائق الطريقة الصوفية، ولمؤلفه كلام في هذه العلوم لم يسبق إلى مثله)) ويمتاز الكتاب بحرص مؤلفه واحتیاطه فیا يتعلق بمذاهب الصوفية وبجمال لغته.
المحاسبي: أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي. بصري الأصل، مات ببغداد سنة ٢٤٣. قال أبو عبد الله بن خفيف: ((اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي، والجنيد، وأبو محمد رويم، وأبو العباس بن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي، لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق)، ومن أقوال المحاسبي: ((من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة)). أما عن مؤلفاته، فقد ذكر مترجموه أنه ألف في هذه العلوم (الحديث والفقه والكلام والتصوف) نحو مئتي كتاب.
الجُنيد: هو سيد هذه الطائفة وإمامهم حسباً، يرى القشيري أن أصله من نهاوند، ومنشؤه ومولده بالعراق، وأبوه كان يبيع الزجاج فلذلك يقال له القواريري. كان فقيهاً على مذهب أبي ثور، وكان يفتي بحضرته في حلقته وهو ابن عشرين سنة. صحب خاله السري والحارث المحاسبي وحمد بن علي القصاب. مات سنة ٢٩٧ هـ.
أبو بكر الشبلي: بغدادي المولد والمنشأ، وأصله من أشروسنة. صحب الجنيد ومن في عصره، وكان شيخ عصره حالاً وظرفاً وعلماً. مالكي المذهب، عاش سبعاً وثمانين سنة ومات سنة ٣٣٤، وقبره ببغداد. كان الشبلي إذا دخل رمضان جد فوق جد من عاصره ويقول: (هذا شهر عظمه ربي فأنا أول من يعظمه).
البسطامي: أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي، كان جده مجوسياً أسلم. وكانوا ثلاثة إخوة: آدم وطيفور وعلي، وكلهم كانوا زهاداً عباداً، وأبو يزيد كان أجلهم حالاً. قيل مات سنة ٢٦١، وقيل سنة ٠٢٣٤
السالك: هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه وتصوره، فكان العلم الحاصل له عيناً يأبى من ورود الشبهة المضلة له.
الطلسم: في علم السحر: خطوط وأعداد يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السغلية، لجلب محبوب أو دفع أذى. وهو لفظ يوناني لكل ما هو غامض مبهم كالألغاز والأحاجي. والشائع على الألسنة طلْسم كجعفر. (انظر المعجم الوسيط).