أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

ملخص كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس د. ماجد عرسان الكيلاني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

ملخص كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس

د. ماجد عرسان الكيلاني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يُعد الدكتور ماجد عرسان الكيلاني من أبرز المفكرين المعاصرين الذين عنوا بدراسة سنن النهوض الحضاري في التاريخ الإسلامي، وربط الوقائع التاريخية بالقوانين الاجتماعية والتربوية الحاكمة لحركة الأمم. وقد تميزت كتاباته بالنظر إلى التاريخ بوصفه مختبراً لاستخراج قوانين التغيير، لا مجرد سرد للأحداث والوقائع. 

وهذا الكتاب النفيس، والذي تجاوزت صفحاته الخمسمائة صفحة، يُحدثنا عن الطريقة التي استطاع القائد الأيوبي صلاح الدين من استعادة القدس، وطرد الفرنجة منها، والذي كان ثمرة مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح داخل الدولة الإسلامية، ليمثل الرافعة التي تنشل الجيل من حلقات اليأس، وإدمان الكسل، ودعوة ضرورية إلى إيجاد (فقهاء اجتماعين) يحسنون قراءة المجتمعات المسلمة، ويضعون القوانين التي تصلح لهم وتُصلحهم، وسبل ترجمة ذلك عملياً في حياتهم، ذلك أن "صلاح الدين" الذي نسعى إلى تطبيقه، سيتحقق واقعاً إذا صحّت الإرادة، وكان العمل متواصلاً وصادقاً.

إنه دعوةٌ إلى إعادة قراءة التاريخ بتفاصيله الدقيقة، وعناوينه الغائبة عن الكثيرين، إنه دعوة لفقه سنن التغيير، ومراتبها، وارتباطاتها، فلم يكن "صلاح الدين" ظاهرة خارقة للسُّنن الكونية، ولا رجلاً عابراً لا يتكرر، بل كان عزيمةً صادقة، وفكراً واعباً، وفقهاً دقيقاً جامعاً، وجهاداً عالياً في أرقى مستوياته، حيث جمع بين العدل في سياسة الناس، والمسؤولية في الحكم والولاية، والديانة الحقيقية النابعة من القلب، بناءً على التربية التي استمرت عشرات السنوات، والتي تفيض بالإخلاص، والإعداد، والتطوير الاقتصادي والعسكري والتقني -إن صحّ التعبير-.

ونحن نطرق أبواب هذا الكتاب نرى في حواشيه عبارات تنطق فحواها، بأن القراءة ثورةُ أخرى يجب أن يُنتبه لها، وأن يد الله مع الجماعة، وأن ما نحتاجه اليوم هو قائد مسلم يستلهم روح الجهاد ويعبئ الصفوف، وأن بداية التغيير يبدأ من الداخل، على صعيد الأنفس، والمجتمع ككل، ونظام إدارة الدولة. 

فيكون التغيير في الأنفس شاملاً لكل من: • الأفكار • القيم • الثقافة • الاتجاهات • العادات، بينما التغيير في المجتمع ككل، فيشمل الجوانب: • التربوية • الفكرية • القيم والعادات • النظام والقوانين • العدالة • التكافل الاجتماعي. أما على صعيد إدارة الدولة؛ فيكون التغيير: • السياسية • الاجتماعية • الاقتصادية • العسكرية. ولا بد عند التعامل مع هذه العناوين من فهم راسخ للتفاصيل والممارسات التغييرية، كما أنه لا بد من مراعاة المجتمع بأعرافه وتقاليده وطرق التأثير فيه؛ إذ وجود القائد لا يكفي.

ومن الجدير بالذكر أن التلفاز الإسرائيلي ناقش محتويات الكتاب باللغة العبرية لمدة ساعة كاملة، استخلصوا منه خطورة انبعاث الروح الإسلامية، وأهمية التصدي ليقظة العالم الإسلامي كله- تحت ذرائع – الإرهاب – وغيره من الذرائع.. الأمر الذي لا نراه في إذاعاتنا على كثرتها ولا في قنواتنا الإعلامية.

كما ناقش الكتاب الصراع المذهبي في العالم الإسلامي، والذي قد يمثل عقبةً أمام أي عمل تحرري أو يؤثر على اجتماع المسلمين حول بوتقة موحدة، ولعل أبرز المخاوف التي طرحها الكتاب، والتي تمثل تحديات أيضاً: تحول المذاهب لأحزاب متنافرة كل يرى نفسه الوصي على المسلمين والأحق بقيادتهم دينياً ودنيوياً، بالإضافة إلى البعد عن المشكلات المعاصرة المتعلقة بالأمة، بسبب انشغالهم بالخصومات فيما بينهم حول بعض القضايا السياسية القديمة، أو الفروع المذهبية التي يمكن تجاوزها، كذلك تحويل الحكم الإسلامي في اعتقاد تلك المذاهب إلى حكم جبري مذهبي، يتبع للطائفة الحاكمة، الأمر الذي يرفضه المتمذهبون المخالفون لهم.

وناقش أيضاً أوضاع الدولة الإسلامية عموماً، والتي كانت مُقسّمةً إلى خمسة ممالك مستقلة ومتنافسة، فكانت وفاة السلطان ملكشاه 486هـ بداية لتفكك دولة السلاجقة، ثم ظهرت فرقة الحشاشين الباطنية على يد ابن صباح 463 هـ، واستولى الصليبين على أنطاكية عام 491 هـ، وأثناء ذلك كانت هناك محاولاتان لاغتيال صلاح الدين الأيوبي.

فالكتاب يقوم على فرضية رئيسية: مؤداها أن تحرير القدس لم يكن ثمرة عبقرية عسكرية فردية لصلاح الدين، وإنما كان النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الإصلاح الفكري والتربوي والاجتماعي والسياسي، استغرق قرابة قرن كامل، اشترك فيه العلماء والمربون والدعاة والقادة والمؤسسات التعليمية، حتى ظهر الجيل القادر على حمل مشروع التحرير. 

ولعل من نافلة القول أن المؤلف من أنصار نظرية أن المعركة القادمة ستكون معركة في ميدان التربية والتعليم وستكون الغلبة للقيم والثقافة على الفكر المادي الذي يحكم العالم الآن. ولذلك عندما تحدث عن الإصلاحات السياسية، أشار إلى أن أولى محاولات الإصلاح كانت على يد السلاجقة ببغداد، حيث عملوا على إقامة الجامعات والمدارس في المدن والقرى (والتي عرفت بالمدارس النظامية) نسبة إلى الوزير نظام الملك الذي شغل منصبه لمده ثلاثين عاماً، وهي الفترة التي لمع فيها اسم الإمام الغزالي، الذي أسند إليه التدريس في المدرسة النظامية عام 484هـ، حتى لقبه بعضهم بشرف الأئمة.

وكانت الغاية من هذه الإشارة هو دور الغزالي الكبير في تخريج جيل جديد من العلماء والمربين والقادة العاملين الذين تتوحد أفكارهم وتتكامل جهودهم وتخلص غاياتهم لله وفقا للمنهج النبوي، ولذلك ألّف كتابه الموسوعي (إحياء علوم الدين).

وضع الغزالي لكل فئة من المجتمع حلول لمشكلاتهم ومن ذلك، أنه فضّل سد حاجات الفقراء على بناء المساجد، وعلى الحج، وعلى النفل من الصلاة والصيام، كما أنه انتقد الفقراء لتقاعسهم عن العمل ورضاهم بالعجز والكسل، ثم حثَّ على تكثيف الطبقة الوسطى في المجتمعات المسلمة.

كذلك فإنه وضع منهجاً ينسحب على ميادين الحياة والقتال، وهو: • بناء العقيدة الاسلامية الصحيحة. • تهذيب النفس والإرادة من خلال تجربة تربوية صارمة. • دراسة العلوم الفقهية التي تصحح السلوك والعبادة. • العناية بالحكمة أو الاعداد الوظيفي. • الجهاد التربوي، والتنظيمي، والعسكري.

يُضاف إلى المدرسة الغزالية مدرسة كبرى أشد ارتباطاً بالمجتمع والعامة، وهي المدرسة القادرية، التي أسسها الإمام عبد القادر الجيلاني، والتي استمرت ثلاثة وثلاثين عامااًن ابتداءً من 528ه وحتى وفاة إمامها سنة 561هــ، وكان من أبرز أنشطتها: • تخريج القيادات اللازمة للعمل الإسلامي, ونشر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. • وضع مناهج واضحة للعمل التربوي والدعوي ورسم خططه وبرامجه. 

وبالفعل فقد تخرج من المدرسة الجيلانية عدد من القيادات ممن اصبحوا مستشارين لصلاح الدين، بالإضافة إلى مئات المدارس والمعاهد ودور التعليم الموزعة على أقطار العالم الإسلامي.

ولم يكتفي المؤلف بسرد الوقائع التاريخية، بل يحاول استخراج جملة من السنن والقوانين التي تحكم صعود الأمم وهبوطها، ولذلك جعل الباب السادس خاتمة لكتابه، وعدّه خلاصة البحث ونتيجته النهائية. 

فالكتاب في جوهره دراسة في فقه السنن الاجتماعية والتاريخية أكثر من كونه دراسة في تاريخ الحروب الصليبية أو سيرة صلاح الدين.

ولعل أبرز الاستفادات في هذا الكتاب في العناوين التالية:

  • أثر الفكر العميق في صحة المجتمعات ومرضها، ونهضتها وسقوطها.

  • عند فشل محاولات الإصلاح لابد من المراجعة التربوية الشاملة والصريحة والجريئة والفاعلة.

  • الأثر الكبير لأصحاب العقول النيرة والإرادات العازمة النبيلة في فقه الإصلاح.

  • إحكام خطوات عرض الاسلام وتطبيقه حسب نظام خاص ومنهجية معينة.

  • تتحقق قوة المجتمعات من خلال: نضج وتكامل عناصر القوة كلها، في دائرة فاعلة وتناسق صحيح، وهذه العناصر هي: المعرفة والثروة والتطوير العسكري.

  • النجاح عند تزاوج الإخلاص مع الاستراتيجية الصائبة في تعبئة الموارد والقوى البشرية.

  • الإصلاح منبعه التدرج والتخصص وتوزيع الأدوار.

  • إذا لم تترجم (أفكار) الإصلاح والوحدة إلى أعمال وتطبيقات صائبة فسوف تعمل هذه الأفكار على زيادة ضعف المجتمع وتعميق التخريب فيه بتسارع كتسارع الانشطارات النووية التي لا تتوقف عند حد.

  • لا تكون أفكار التجديد والاصلاح فاعلة مؤثرة إلا إذا جسدها في واقع الحياة الجارية، من خلال مؤسسات: أصيلة الغايات، صائبة الوسائل والممارسات.

  • في فترات الازدهار أو الانحطاط التي تمر بها الأمم - تتساوى مستويات الأداء والإنجاز عند الأفراد والجماعات في ميادين الحياة.

  • تتحدد فاعلية دعوات الإصلاح والتجديد طبقاً لمنزلة كل من (المقاصد الدنيوية) و(المقاصد الأخروية) في برامجها ومؤسساتها.

  • لن يبرز السلوك القويم الذي يحقق التجديد والاصلاح إلا إذا تكاملت وتأصلت الحلقات الخمس المكونة للسلوك المذكور: تبدأ بالخاطرة وتنتنهي بالتطبيق العملي.

  • في استراتيجيات الإصلاح والتجديد: يتناسب مقدار النجاح بقدر مراعاة قوانين الأمن الجغرافي.

وعلى الرغم من القيمة العلمية الكبيرة للكتاب، فإن بعض الباحثين يرون أن المؤلف بالغ أحياناً في ربط الأحداث التاريخية بعوامل تربوية وفكرية، مع تقليل أثر بعض العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية الأخرى. كما أن عدداً من النتائج التي انتهى إليها تحتاج إلى مزيد من الدراسات المقارنة لإثبات عموميتها بوصفها قوانين تاريخية مطردة. غير أن هذه الملاحظات لا تنقص من أهمية الكتاب وريادته في ميدان الدراسات الحضارية الإسلامية 

ويمكن القول إن كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس ليس كتاباً في التاريخ فحسب، بل مشروع فكري متكامل لفهم أسباب النهوض الحضاري وأدوات الإصلاح الاجتماعي. ولذلك ظل الكتاب حاضراً في الوعي الإسلامي المعاصر، لأنه يحوّل سؤال: "كيف حرر صلاح الدين القدس؟" إلى سؤال أعمق وأبقى: "كيف يُبنى الجيل القادر على تحرير القدس وصناعة النهضة؟"

___________________________________________________

تواريخ مهمة

موت ابن سينا = 428 ………………  ظهور دولة الحشاشين = 463

وفاة نظام الملك = 485 ……………… وفاة السلطان ملكشاه = 496

سقوط القدس للصليبيين = 492 ………………… وفاة الغزالي = 505

وفاة الجيلاني = 561 ………………… وفاة نور الدين زنكي = 569

عودة القدس = 583 …………………. وفاة صلاح الدين = 589

___________________________________________________

هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس

مقدمة الطبعة الثانية = ـ1430 هـ.

الفصل التمهيدي: • أهمية البحث وأسئلته  • فلسفة التاريخ.

الباب الأول والثاني: • وضع الأمة ما قبل الهجمات الصليبية.

الباب الثالث والرابع والخامس: • حركة التجديد والإصلاح.

وهذه الأبواب التي خازت على أكثر من نصف الكتاب.

الباب السادس: • قوانين تاريخية - وتطبيقات معاصرة. • 13 قانوناً. 

ويُعد من أهم أبواب الكتاب ولبه وخلاصته.

___________________________________________

لماذا نجح مشروع التجديد؟

ويمكن تلخيص عناصر النجاح التي يكررها الكيلاني:

  • وضوح العقيدة والغاية.

  • وجود مؤسسات تعليمية مستقرة.

  • إعداد العلماء والمربين.

  • التكامل بين التربية والسياسة.

  • وحدة المشروع الحضاري.

  • تحويل الأفكار إلى مؤسسات.

  • استمرار العمل الإصلاحي عبر أجيال متتابعة.

____________________________________________

س1: ما هي المفاهيم والتصورات والقيم السلبية التي كانت تسود الأمة؟

قبل ظهور جيل الصلاح والتحرير، كانت الأمة الإسلامية تعيش في القرن الخامس الهجري حالة من "الغيبوبة الحضارية"، وسادتها مفاهيم وقيم سلبية قاتلة، أبرزها:

  • القدرية السلبية (الجبرية): 

شاع بين الناس فهم مغلوط للقضاء والقدر، فاعتبروا الاحتلال الصليبي والمآسي "غضباً إلهياً مكتوباً لا مفر منه"، وصار الاستسلام لواقع الهزيمة يُفسَّر على أنه زهد ورضا بالقدر، فتعطلت فريضة الجهاد والأخذ بالأسباب.

  • الانفصام بين العلم والعمل: 

تحول العلم الشرعي في المدارس والمساجد إلى مناظرات كلامية، وجدل فقهي عقيم، وصراعات مذهبية وتكفيرية (بين الأشاعرة والحنابلة، والسنة والشيعة)، وانشغل العلماء بالترف الفكري عن فقه الواقع ومواجهة التحديات.

  • الأنانية والانتهازية السياسية: 

غابت قيمة "الأمة الواحدة" وحلت محلها التبعية للمصالح الشخصية. فكان الملوك والأمراء يتقاتلون على الغنائم والمناصب، بل وصل الأمر ببعضهم إلى التحالف مع الصليبيين ضد إخوانهم المسلمين للحفاظ على كراسيهم.

  • التصوف المنحرف (الهروب من الواقع):

 انتشر نمط من التدين السلبي الذي يدعو إلى الانعزال في التكايا والزوايا وترك شؤون الدنيا والسياسة بالكلية، بدلاً من التصوف السلوكي الإيجابي الذي يربط بين طهارة النفس والجهاد.

_______________________________________

س 2: ما هو التغيير الذي حدث في نصف قرن بين المذابح وظهور صلاح الدين؟

الفترة بين سقوط القدس الشنيع ومذابح المسلمين في المسجد الأقصى (عام 492 هـ / 1099م) وبين معركة حطين وظهور صلاح الدين (عام 583 هـ / 1187م) تقارب الـ 90 عاماً، شهد نصف القرن الأخير منها تغييراً جذرياً شاملاً تمثل في:

  • الانتقال من "الإحباط" إلى "الأمل":

 تبدلت النفسية الانهزامية للمسلمين، وآمنوا مجدداً بقدرتهم على المواجهة وتحقيق النصر.

  • التغيير التعليمي والتربوي: 

أُغلقت المدارس التي تثير الفتن، وحلت محلها "المدارس النظامية" ومراكز التربية الإصلاحية، التي وحّدت الفكر الإسلامي على عقيدة صافية، وركزت على فقه الجهاد وبناء الإنسان.

  • الوحدة السياسية والجغرافية: 

تحللت الدويلات والإمارات الصغيرة المتناحرة، واندمجت جبهة الشام ومصر والعراق لأول مرة تحت راية واحدة (بدأها عماد الدين زنكي، ثم رسخها ابنه نور الدين محمود، وتوجها صلاح الدين).

  • تطهير الجبهة الداخلية:

تم القضاء على الحركات الباطنية والمتطرفة التي كانت تغتال القادة وتشغل الأمة بمعارك داخلية، وصُفيت الجيوب الفاسدة لتصبح الجبهة مؤهلة لمواجهة العدو الخارجي.

____________________________________________

س 3: من هم الذين حملوا مسؤولية هذا التغيير الإيجابي؟

صلاح الدين لم يجد أرضاً قاحلة فينتصر، بل وجد تياراً إصلاحياً هائلاً شارك فيه المئات. الذين حملوا مسؤولية التغيير انقسموا إلى ثلاثة طوائف تآزرت معاً:

  1. العلماء والمصلحون (رواد الفكر): 

وعلى رأسهم الإمام أبو حامد الغزالي (الذي شخص أمراض الأمة في كتابه إحياء علوم الدين)، والشيخ عبد القادر الجيلاني، وابن عساكر، والقاضي الفاضل، والعماد الأصفهاني. هؤلاء قادوا "الثورة البيضاء" لتصحيح المفاهيم وتجهيز القيادات الروحية.

  1. القادة والرجال العسكريون (رواد التمكين): 

وهم آل زنكي؛ عماد الدين زنكي الذي بدأ المشروع وحرر إمارة الرها، وابنه نور الدين محمود زَكِيّ الدين، وهو الباني الحقيقي لجيل صلاح الدين، حيث بنى المستشفيات، والمدارس، وحرر معظم بلاد الشام، وربى صلاح الدين في مدرسته.

  1. الشعوب والحاضنة الشعبية: 

آلاف المعلمين، والوعاظ، والتجار الذين مولوا المدارس، والأمهات اللواتي يربين أبناءهن على عشق الأقصى والأنفة من الذل.

__________________________________________

س 4: هل كان صلاح الدين ظاهرة فردية، أم كان عيّنة لجيل مثله؟

بناءً على الحقائق التاريخية، لم يكن صلاح الدين الأيوبي ظاهرة فردية طفرت فجأة من العدم، بل كان "عيّنة ناضجة" وثمرة طبيعية لجيل رُبّي على عينه وصُنِع على مدار عقود.

  • صلاح الدين كان القائد الفذ، لكنه لم يكن يتحرك في فراغ؛ فجيشه كان مليئاً بالقادة والعلماء والجنود الذين يملكون نفس العقيدة، والوعي، والزهد، والالتزام الأخلاقي.

  • لو كان صلاح الدين ظاهرة فردية، لانهارت دولته بموته، ولكنه ترك وراءه أمة حية، وجيشاً مؤسساً، ورجالاً واصلوا حماية الثغور وصناعة التاريخ.

  • هو "قمة جبل الجليد" الناصعة، لكن تحت هذه القمة قاعدة ضخمة صلبة من جيل كامل تم إصلاحه وتغيير ما بأنفسهم، فغير الله ما بواقعهم، مصداقاً للسنن الإلهية.






المتن الشريف أو فتح اللطيف تأليف العلامة الشيخ محمد خليل بن عبد اللطيف بالبنكلاني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المتن الشريف أو فتح اللطيف

تأليف العلامة الشيخ محمد خليل بن عبد اللطيف بالبنكلاني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الفقه من أجلِّ العلوم الشرعية وأعظمها أثراً في حياة المسلم؛ إذ به يعرف العبد أحكام عباداته ومعاملاته وأخلاقه وسائر شؤون حياته. وقد اعتنى العلماء عبر القرون بتقريبه للمتعلمين، فوضعوا المطولات للمتمكنين، والمختصرات للمبتدئين، والمتون للحفظ والضبط. 

وهذا المتن الفقهي الصغير هو مَعْلمة فقهية متميزة، تنتمي إلى مدرسة علماء إندونيسيا (جاوة) الذين ملأ صيتهم الآفاق في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، وتحديداً من منطقة مادورا (Madura) -والتي تُنسب إليها "اللغة المدوّرية" أو التراث المادوري-.

ويمثل أيضاً نموذجاً للمدرسة الشافعية في جنوب شرق آسيا، تلك المدرسة التي حافظت على تراث المذهب الشافعي قروناً طويلة، وربطت بين الفقه والتربية والتصوف. 

وقد صيغ المتن بأسلوب تعليمي مختصر يجعله صالحاً للحفظ والتدريس في المراحل الأولى من الطلب، شأنه في ذلك شأن كثير من المختصرات التي اعتمدتها المعاهد الإسلامية التقليدية في جاوة ومادورا وسائر الأرخبيل الإندونيسي. 

ومن الخصائص التي تزيد هذا المتن أهمية أنه كُتب باللغة المادورية (المدوّرية)، وهي إحدى اللغات المحلية الكبرى في جزيرة مادورا الإندونيسية، وقد استُعملت في تدريس العلوم الشرعية ونشر المذهب الشافعي بين عامة المسلمين. وهذا يعكس اهتمام علماء الأرخبيل الإندونيسي بتقريب العلوم الشرعية إلى الناس بلغاتهم المحلية، مع المحافظة على ارتباطها بالمصادر العربية الأصيلة. 

وتظهر أهمية هذه المتون المختصرة في كونها: تجمع مسائل الباب الواحد في موضع واحد، كما أنها تسهيل الحفظ والاستحضار، وتضبط المصطلحات الفقهية. وتسير على قانون التدرج في طلب العلم قبل الانتقال إلى المطولات. ثم تحافظ على المذهب الفقهي وأصوله وقواعده.

وعلى الرغم من القيمة العلمية للمتن، إلا أن المؤلف -رحمه الله- اقتصر على أبواب العبادات، ولم يتطرق إلى شيء من المعاملات والأيمان والنذور وغيرها من الأبواب الهامة في الفقه الإسلامي. ويبدو أن ذلك كان مقصوداً؛ لأن غرض المؤلف هو وضع مختصر تعليمي للمبتدئين، لا تأليف متن جامع لجميع أبواب الفقه. 

وقد قمتُ بشرح هذا المتن في كتاب سميته بـ(السهل اللطيف)، وهو شرح قصدتُ منه بيان ألفاظ المتن، وتوضيح مسائله، وذكر أدلته، وبيان ما يحتاج إليه طالب العلم من الفوائد والتنبيهات، ولعلي أنشره قريباً بإذن الله تعالى.

التعريف بالمؤلف الشيخ البنكلاني

والشيخ المؤلف (محمد خليل البنكلاني) هو هو العلامة الفقيه، والولي الصالح الشيخ محمد خليل بن عبد اللطيف البنكلاني الجاوي الشافعي (المعروف في إندونيسيا بلقب Syaona Kholil Bangkalan أو كياهي خليل بنكلان).

مولده ونشأته: 

وُلد الشيخ البنكلاني في جزيرة مادورا (بلدة بنكلان) بإندونيسيا لأسرة علمية عريقة يتصل نسبها بالشريف الهداية الله (أحد الأولياء التسعة الذين نشروا الإسلام في جاوة).

نشأته  العلمية: 

تلقى الشيخ البنكلاني علومه الأولى في جاوة ومادورا، ثم رحل إلى مكة المكرمة (مأرز علم الشافعية في ذلك الوقت) واستقر بها سنوات طوال، حيث أخذ عن كبار علماء الحرم المكي الشريف، وصار متمكناً في الفقه الشافعي، والتصوف، وعلوم الآلة.

مكانته وآثاره: 

يُعتبر الشيخ محمد خليل "شيخ مشايخ جاوه" وعرّاب النهضة العلمية هناك؛ فمن عباءته ومدرسته تخرج كبار العلماء والشهداء الذين أسسوا جمعية نهضة العلماء (أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا)، وعلى رأسهم تلميذه البار الشيخ هاشم أشعري.

وفاته: 

توفي رحمه الله في عام 1343 هـ (الموافق 1925 م) تقريباً، وتخليداً لإرثه منحه رئيس الجمهورية الإندونيسية لقب "بطل قومي" نظراً لدوره العلمي والوطني في مقاومة الاستعمار الهولندي.

الرواية عن الشيخ البنكلاني

يروي عن الشيخ البنكلاني كثيرين من الشيوخ الأندنوسيين، أبرزهم الشيخ عبد القادر بقره توها، وعنه أخذ الشيخ عبد الكريم عبد الله جعفر التمباني الكافواس، وعنه أخذ الشيخ الدكتور أغوس حسن بصري.

خاتمة المتن

 وقال الشيخ البنكلاني -رحمه الله - في خاتمة المتن: (قد تم تأليف هذا المتن الشريف على يد مؤلفه محمد خليل بن عبد اللطيف، ليلة الأربعاء، لسبعة عشر خلت من شهر رجب، سنة تسعٍ وتسعين بعد المائتين والألف، من هجرة من هو أكملُ ذاتٍ ووصفٍ، وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأكمل السّلام. نسأله تعالى بجاههم حُسنُ الختام)

موضوعات الكتاب

يظهر من استقراء أبواب المتن أن المؤلف اعتمد منهج الاختصار الشديد والتركيز على ما يحتاج إليه المكلَّف في عباداته اليومية، فابتدأ بمقدمة عقدية مختصرة، ثم انتقل إلى أبواب الطهارة والصلاة وما يتصل بهما، ثم الزكاة والصيام والحج، وهي الأبواب التي تمثل أركان الإسلام العملية. 

كما حرص على تقسيم المسائل إلى فصول قصيرة متتابعة، مع تعداد الشروط والأركان والسنن والمبطلات، مما يجعل المتن أقرب إلى الكتب التعليمية المهيأة للحفظ والاستظهار. وإليك موضوعات المتن كما فصّلناها في الشرح (السهل اللطيف):

مقدمة وجيزة في العقيدة

وأركان الإيمان ستّ: 

فصلٌ [في المياه التي يجوز التطهُّر بها]

فصلٌ: [في الاستنجاء] 

[شروط الاستنجاء بالحجر] 

[آداب قضاء الحاجة ] 

فصلٌ: [في فروض الوضوء ] 

[سُنَنُ الوضوء] 

ومكروهاته سبعٌ: 

[نواقض الوضوء ] 

[ما يحرم بالحدث] 

[شروط الوضوء] 

ويزيد وضوء دائم الحدث باشتراط : 

فصلٌ: [في موجبات الغُسُل] 

[فروض الغُسل] 

[سُنن الغُسل] 

[الأغسال المسنونة] 

[ما يحرم بالجنابة] 

[ما يحرم بالحيض والنفاس] 

[ما يجب على الحائض والنفساء] 

فصلٌ: [في التيمُّم ] 

[الحيوان غير المحترم] 

[شروط صحّة التيمم] 

[فروض التيمُّم] 

[سنن التيمم] 

[مبطلات التيمُّم] 

فصلٌ: [في النجاسات ] 

[ما يطهُر من النجاسات] 

[أقسام النجاسات] 

[إزالة النجاسات] 

فصلٌ: [في الحيض والنفاس والحمل ] 

[أقلُّ سنّ الحيض وزمن الحمل] 

[الاستحاضة ] 

فصلٌ: [شروط وجوب الصلاة ] 

[علامات البلوغ] 

[شروط صحة الصلاة] 

[عورة الرجل والمرأة] 

فصلُ: [مواقيت الصلاة ] 

[طروُّ المانع وزواله] 

[أعذار تأخير الصلاة عن وقتها ] 

[ندبُ المبادرة بالصلاة] 

[الأوقات التي يحرم فيها الصلاة] 

فصلٌ: [في فروض الصلاة ] 

[الأركان التي يجب فيها الطمأنينة] 

[شروط تكبيرة الإحرام] 

[شروط صحة الفاتحة] 

[شروط صحة السجود] 102

[أعضاء السجود السَّبعة] 

[شروط صحة التشهد] 

[سُنن الصلاة ] 

[أبعاض الصلاة] 

[هيئات الصلاة] 

[السكتات المسنونة في الصلاة] 

[أسباب سجود السهو] 

[كيفية سجود السهو] 

فصلٌ: [مكروهات الصلاة] 

[مبطلات الصلاة] 

فصلٌ: [في صلاة الجماعة] 

[شروط القدوة في الصلاة] 

[وجوب نيّة الإمامة] 

[صور القدوة في الصلاة] 

فصلٌ: [قصر الصلاة وجمعها ] 

[شروط قصر الصلاة الرباعية] 

[شروط جمع التقديم] 

[شروط جمع التأخير] 

فصلٌ: [في صلاة الجمعة ] 

[شروط صحة الجمعة] 

[إدراك الجمعة] 

[ما يُشترط في الخطبتين] 

[سُنن الجُمُعة] 

[وجوب الإنصات للخطبة يوم الجمعة] 

[ما يُسنُّ يوم الجمعة وليلتها] 

فصلٌ: [فيما يحرم على الرجال لبسه] 

فصلٌ: [فيما يجب للميت] 

[غُسل الميّت] 

[تكفين الميّت] 

[صلاة الجنازة] 

[ما يُسنُّ في صلاة الجنازة] 

[شروط صلاة الجنازة] 

[ما يُكره فعله في الميّت] 

[دفن الميّت] 

[حالات نبش الميّت] 

[تلقين الميّت بعد دفنه] 

فصلٌ: [في الزكاة ] 

[مصارف الزكاة] 

[زكاة الفطر ] 

[وقت إخراجها] 

[جواز إخراج القيمة] 

فصلٌ: [في الصوم ] 

[شروط وجوب الصوم] 

[شروط صحة الصوم] 

[أركان الصيام] 

[مبطلات الصوم] 

[ما يُستحبُّ في الصيام] 

[مكروهات الصيام] 

[أنواع الصيام] 

[قضاء الصيام والكفارة] 

فصلٌ: [في الاعتكاف] 

[شروط صحة الاعتكاف] 

فصلٌ: [في الحجّ والعمرة ] 



زعماء الإصلاح في العصر الحديث أحمد أمين بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

زعماء الإصلاح في العصر الحديث

أحمد أمين

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: قد يدعو إلى الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة، تعهدها البستاني بكل ما يصلحها، من وضع في المكان المناسب، ومنحها الغذاء الكافي والري المناسب، ولكن أدعى إلى الإعجاب بذرة طرحت حيثما اتفق، فمدت جذورها بنفسها، تجدُّ في حصولها على غذائها، وتعاكسها الطبيعة؛ فتكافحها وتتغلب عليها، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة، وأضخمها وأوفرها إثماراً. كذلك كان هؤلاء النوابغ والزعماء، الذين قادوا عجلة الإصلاح في مجتمعاتهم وأبناء شعوبهم.

وأعظم ما في هؤلاء العظماء هو ثباتهم على مبادئهم؛ فلم يتحولوا عن ذلك على كثرة من تحول في مثل مواقفهم. هؤلاء هم زعماء بلادهم، وقادة الإصلاح فيها، في الوقت الذي أصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخدم الدينية سلعاً تباع وتشترى، وتوهب وتورث.

وتطرق المؤلف إلى أربعة من كبار زعماء الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وهم:

محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ـ - ١٢٠٦ هـ/ ١٧٠٣ - ١٧٩١م)

علي باشا مبارك (١٢٣٩ -ـ١٣١١هـ / ١٨٢٣ -١٨٩٣م)

عبد الله نديم باشا (١٢٦١ - ١٣١٣ هـ / ١٨٤٥ -١٨٩٦ م)

السيد عبد الرحمن الكواكبي (١٢٦٥ - ١٣٢٠ هـ/ ١٨٤٨ - ١٩٠٢م)

وقد ترجم لكل واحد منهم، ترجمةً وافيةً بالمقصد، فذكر أهم المحطات في حياتهم، ودورهم الريادي في النهوض بالأمة من خلال الحركات التي أسسوها، والسياسات التي انتهجوها، وكتاباتهم وخطاباتهم الدينية والأدبية، الأمر الذي يجعل القارئ يُذعن للكاتب في اختياره لها، ويُقدّر لهؤلاء دورهم ويشكره لهم.

محمد بن عبد الوهاب

زعيم الفرقة الوهابية، والتي تعتنق مذهبه الحكومة الحاضرة في الحجاز. نشأ في بلدة تسمى (العيينة) في نجد، وتعلم دروسه الأولى بها على رجال الدين من الحنابلة، وسافر إلى المدينة ليتم تعليمه، ثم طوف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، وخمس سنين في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتين في همذان، ثم رحل إلى أصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراف والتصوف، ثم رحل إلى (قم)، ثم عاد إلى بلده واعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر، ثم خرج عليهم بدعوته الجديدة.

سمي هو وأتباعه أنفسهم (بالموحدين)، لأجل دعوتهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة القبور والأضرحة والأولياء. والتي كانت منتشرة في كثير من أقطار العالم الإسلامي، وعلى سبيل المثال: في مصر شجرة الحنفي، ونعل الكلشني، وبوابة المتولي.

أما شجرة الحنفي: فهي شجرة كانت في الحنفي يتبرك بها، بينما نعل الكلشني: نعل قديمة في تكية الكلشني، يزعمون أن الماء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق، أما بوابة المتولي مملوءة بالمسامير تعلق بها الشعور والخيوط ليذكر بالخير من علقها!

وحارب كذلك عقائد كانت منتشرة بين العامة، مثل: قولهم بأن الزرع ينجح لرضا الولي فلان ويخيب لغضبه، والبقرة تحيا إذا نذرت للسيد البدوي أو مثله، وتموت إذا لم تنذر، وهكذا في الأمراض والعلل والغنى والفقر!

يُضاف إلى ذلك رفضه لبعض الأمور التي كانت مثار جدل واسع بين الفقهاء والمتصوفة وبين أتباع ابن عبد الوهاب، مثل: التوسل، والاستغاثة، والتبرك، والسفر لزيارة القبور!

ويروي المؤرخون للحركة الوهابية: أن جزيرة العرب إبان دعوته كانت أشبه شيء بحالتها في الجاهلية، كل قبيلة تسكن موضعا يرأسها أمير منها. هذا أمير في الإحساء، وهذا أمير في العسير، وهؤلاء أمراء في نجد إلخ، ولا علاقة بين الأمير والأمير إلا علاقة الخصومة غالبًاً. ثم تتوزعها - أيضا - الخصومة بين البدو والحضر، فمن قدر من البدو على خطف شيء من الحضر فعل، ومن قدر من الحضر على التنكيل ببدو فعل، والطرق غير مأمونة، والسلب والنهب على أشدهما، وسلطة الخلافة في الأستانة تكاد تكون سلطة اسمية، ومظهرها تعيين الأشراف في مكة وإمدادهم ببعض الجنود وكفى.

ثم بدأ محمد بن عبد الوهاب ييبث دعوته في لين ورفق بين قومه، ثم أخذ يرسل الدعوة لأمراء الحجاز والعلماء والأقطار الأخرى، حاثًا لهم على استنهاض الهمم في مكافحة البدع والرجوع إلى الإسلام الصحيح. وكان مَثَله في المشرق كمثل الشيخ أبي العباس التيجاني في المغرب، والذي أمر بترك البدع ونهى عن زيارة القبور، وكثرت أتباعه حتى بلغت مئات الألوف، وكذلك الشيخ الشيخ محمد عبده في مصر.

اضُطهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما أظهر دعوته في بلده العيينة، واضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقر آل سعود، وهناك عرض دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها، وتعاهدا على الدفاع عن الدين، إذ ذاك دخلت الدعوة في دور خطير، وهو اجتماع السيف واللسان، وزاد الأمر خطورة نجاح الدعوة شيئًا فشيئًا، ودخول الناس أفواجا فيها، وإخضاع بعض الأمراء بالقوة لحكمها.

ولما مات الأمير ومات الشيخ تعاقد أبناء الأمير وأبناء الشيخ على أن يسيروا سيرة أبويهم في نصرة الدعوة متكاتفين، وظلوا يعملون حتى غلبوا على مكة والمدينة.

وحينما شعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها، وهو موطن الحرمين الشريفين اللذين يجعلان لها مركزا إسلاميًا ممتازا، تفقد الكثير منه إذا فقدتهما.

فأرسل السلطان محمود إلى محمد علي باشا في مصر أن يسير جيوشه لمقاتلة الوهابيين، وكما أرسلت الجيوش لمقاتلتهم أرسلت الدعاية من جميع الأقطار الإسلامية للنيل من هذه الدعوة وتكفير مبتدعيها. وحمل علماء المسلمين عليها حملات منكرة، وألفت الكتب الكثيرة في التخويف منها والتشنيع عليها.

لكنّ الوهابيين انتصروا على حملة محمد علي باشا الأولى بقيادة الأمير طوسون، ثم أعد محمد علي باشا العدة القوية الكبيرة، وسار بنفسه وحاربهم بخير سلاحه، فانتصر عليهم، وأتم النصر ابنه إبراهيم باشا، وانهزمت قوة الوهابيين. ولكن بقيت الدعوة إلى أن هيئ لها في العهد الحاضر المملكة السعودية الحاضرة.

وانتقد الكثيرون على الحركة الوهابية أموراً، منها: أنها حيث استولت على بلد نفذت تعاليمها بالقوة ولم تنتظرها حتى يؤمن الناس بدعوتها، فلما دخلوا مكة هدموا كثير من القباب الأثرية، كقبة السيدة خديجة، وقبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد أبي بكر وعلي، ولما دخلوا المدينة رفعوا بعض الحلي والزينة التي كانت على قبر الرسول، فهذه كلها أثارت غضب كثير من الناس وجرحت عواطفهم، فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ، ومنهم ن حزن على الفن الإسلامي، ومنهم من حزن لأن مقبرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة.

وفي المقابل تأثر الكثيرون في العالم الإسلامي بالوهابية؛ سيما في مواسم الحج، فنرى مثلاً في زنجبار طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب، ويدعون إلى ترك البدع، وعدم التقرب بالأولياء. 

وقام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد أحمد. حج سنة ١٨٢٢م. وهناك اعتنق بالمذهب الوهابي، وعاد إلى بلاده، فنشر هذه الدعوة في بنجاب. وأسس فيها شبه دولة وهابية، وأخذ سلطانها يمتد حتى هدد شمال الهند، وأقام حربًا عوانًا. لكن الحكومة البريطانية هناك قمعة أنصاره وحركته.

وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا، وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها، وعاد إلى الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب. وفي اليمن ظهر أعلم علمائه، وإمام أئمته وهو الإمام الشوكاني المولود سنة ١١٧٢هـ. فسار على هذا النهج نفسه.

علي باشا مبارك

وزير المعارف المصرية، ومن المؤرخين العلماء، والعصاميين النوابغ. وُلد في قرية (برنبال) من قرى (الدقهلية) بمصر، وتعرض هو وأسرته إلى الظلم وفق قوانين الباشوات المصري، والذي ينص على مصادرة الأراضي التي يعجز أصحابها عن سداد الضرائب المفروضة عليها، ويتم نقلها إلى غيره، وكانت الغلة المفروضة تساوي الخارج من الأرض، ما يعني أنه ليس للفلاح من نتاج الأرض شيء.

ولذا توجه إلى التعليم بإلحاح من أسرته، حتى يجد له مكاناً في الحياة، وكان متفوقاً في دراسته، فتوجه به أبوه إلى الكُتّاب، ثم عمل كاتباً صغيراً لأحد مأموري السجن، ثم قرر الالتحاق بمدرسة قصر العيني، وهي المدرسة التي تخرج الحكام -إذ ذاك- ولما دخل فيها وجدها مدرسة للأشقياء والمقهورين، ثم من الله عليه فنقل إلى مدرسة الهندسة بأبي زعبل، وفي هذه المدرسة وجد صعوبات في تعلم الهندسة، فلم يكن يفهم منها شيئاً، حتى رزق بمعلم حسن التدريس، جمع التلاميذ المتخلفين في فصل، وشرح لهم الهندسة؛ فانحلت عقدة علي مبارك، وتفوق على سائر التلاميذ في الهندسة، وكان أول فرقته دائماً.

ثم اختاروا من مدرسة أبي زعبل خير التلاميذ وأدخلوهم مدرسة المهندسخانة ببولاق، درس فيها كل فروع الهندسة وما إليها حتى أتمها.. ولما اعتزم محمد علي باشا إرسال بعثة إلى فرنسا اختار المتفوقين من هذه المدرسة، فوقع الاختيار عليه فيمن اختير، فها هو ذا في باريس بعد برنبال والقاهرة، لا يعرف أي كلمة في اللغة الفرنسية، والمدرسون فرنسيون لا يعرفون كلمة عربية، فضاق بالأمر ولم يجد حيلة إلا أن يجمع الكتب الفرنسية الموضوعة للأطفال ويستعين بمن يعرف ً الفرنسية من زملائه، ويسهر على حفظها ليلا، حتى تمكنت منه عادة السهر الطويل والنوم القليل، وهي عادة لازمته طول حياته، وبعد ثلاثة أشهر استطاع أن يتابع الدروس بالفرنسية، وتفوق فيها حتى وصلت سمعته الحسنة إلى أولي الأمر في مصر.

درس علي مبارك  سنتين في (باريس) الهندسة المدنية، ودرس سنتين في (متز) الهندسة الحربية، وتمرن في ذلك نحو سنة أخرى، ودرس فن إعداد المفرقعات، فكانت إقامته في فرنسا نحو خمس سنين، رأى المدارس والجامعات ونظم التعليم وحالة البلاد الاجتماعية، وأخذ من كل ذلك على حسب استعداده ودقة نظره. 

وعاد في عهد عباس الأول، ليواصل مسيرته في خدمة بلده. فتقلب في الوظائف العسكرية، وبلغ رتبة أمير ألاي، وحضر الحرب (التركية -الروسية) سنة 1270 هـ ثم نُصّب ناظراً للأوقاف المصرية، وأضيفت إليه وزارة المعارف، فأنشأ مدارس كثيرة، ونهض بالمكتبة المصرية، فأنشأ داراً للكتب في القاهرة، جمع فيها الكتب المتفرقة في مكان واحد، ورتبها وسهل الاستفادة منها وجعل لها قاعة مطالعة.

وكان مبدأ علي باشا مبارك في الحياة السياسية: الطاعة التامة لولي الأمر، مهما كان. أطاع عباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق، وخدمهم في إخلاص، ولعله - كبعض المصلحين - يرى أن إصلاح التعليم خير أنواع الإصلاح، بل هو خير من الإصلاح السياسي، ويرى أن الإصلاح السياسي ما لم يرتكز على الإصلاح التعليمي فلا بقاء له ولا قيمة،  لذلك لا نرى له إصبعا ما في الثورة العرابية، ولذلك ما حدثت ثورة عرابي باشا؛ استقال مع زملائه في الوزارة. 

وكل ما أثر عنه في الثورة العرابية أنه تبرع يوما بشيء من ماله لهذه الحركة، ولكن لعل ذلك كان تحت تأثير ضغط شديد عليه من الشبان المتحمسين. وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر ألفت وزارة مصطفى رياض باشا وعهد فيها إلى علي مبارك في نظارة المعارف.

وقد شغل عدة وظائف في قريته التي لم تتعدى المائتي شخص، فقد كان إمامها وخطيبها، وكان يعقد عقود الزواج، ويسجل صيغ الطلاق، ويستفتي في المسائل الدينية التي تعرض لأهلها، ورث ذلك عن أبيه وجده حتى سميت الأسرة بأسرة (المشايخ) وتزوج الشيخ أكثر من زوجة، رزق منهن أولاداً كثيرين، إحداهن رزقت سبع بنات وواحداً سماه علياً، وكلهم يعيش على الدخل التافه والرزق اليسير.

وآخر أعماله ولايته نظارة المعارف المصرية سنة 1305هـ  وأنشأ مجلة سميت (روضة المدارس المصرية)، وكان رأس تحريرها الشيخ رفاعة الطهطاوي، وقد ترك آثارً جمّة، ومؤلفات كبيرة، سيما في مهنته الخاصة، وهي الهندسة، فألف في الثقافة العامة كتباً كثيرة، أهمها خططه لمصر المسماة: ( الخطط التوفيقية)، ووقع ذلك منه في عشرين جزءاً -أو خمسة مجلدات-، وقد حذا فيه حذو المقريز في خططه، وقد وصف فيه القاهرة وحاراتها وشوارعها ومساجدها ومدارسها كما يصف مدن مصر وقرأها مرتبة على حروف الهجاء.

كما ألف قصةً سماها (علم الدين) في ثلاثة مجلدات، ضمنها مباحث دينية واجتماعية، وهي قصة لشيخ تربي في الأزهر وتتلمذ له مستشرق إنجليزي تعلم منه اللغة العربية، ودعاه الإنجليزي أن يزور معه إنجلترا فلبى الدعوة، وكانا كلما مرا على شيء من القاهرة إلى الإسكندرية سأل الإنجليزي الشيخ علم الدين فأجابه، وبعد الإسكندرية انقلب الشيخ تلميذاً والإنجليزي معلماً، يسأل الشيخ عن كل ما يجهل فيجيب الإنجليزي، وملأ الكتاب بمعلومات قيمة عن الشرق والغرب ومظاهر الحضارة الأوروبية، وكان غرضه من هذا الكتاب تفتيح أذهان الشرق لما في الغرب، فالشيخ علم الدين في أول القصة رجل أزهري جامد لا يعرف شيئًا من شئون الدنيا، فلما ساح في أوربا اتسع ذهنه ومرن عقله ورقيت أحكامه على الأشياء، ورأيناه يحضر دار التمثيل وينظر إلى المسرح بالمنظار

ومن طرائف علي مبارك أنه وهو وزير المعارف الخطير لم يستنكف أن ينظر إلى الأطفال في بدء تعلمهم للقراءة والكتابة ولم تعجبه طريقة تعليمهم، فأخذ نفسه بتأليف كتاب من جزأين، يعلم في أولهما حروف الهجاء وكيف تتركب، ويضع ثانيهما للتمرين على المطالعة السهلة في موضوعات مفيدة، إلى غير ذلك من الكتب المدرسية النافعة، أهمها: (حقائق الأخبار في أوصاف البحار) و (خواص الأعداد)، و(نخبة الفكْر المهندسين) و(تقريب الهندسة) و(جغرافية مصر) و(الميزان في الأقيسة والمكاييل والأوزان). كما أشرف على ترجمة (خلاصة تاريخ العرب) للمستشرق الفرنسي سيديو. Louis Pierre Sedillot.

عبد الله مصباح نديم باشا 

الكاتب الشريف، والأديب المصري الذي ملأ الدنيا بنثره وشعره وزجله، وقاد الرأي العام في بلاده، حتى كان يُحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه، فلا يدور بخلد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصى.

نبغ عبد الله نديم في دراسته في الكتاب، وظهرت عليه ملامح الذكاء، فأراد أن يستمر في تعليمه ولم يمانعه أبوه، وكانت الطريقة المعّبدة لذلك أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك؟! ولذا قرر أبوه إرساله إلى مسجد الشيخ إبراهيم باشا؛ ليتلقى العلم هناك؛ إذ مواده هي مواد الأزهر، غير أن هذا أقرب وأقل تكلفة من ذاك.

لم يُوفق عبد الله في دراسته هذه؛ إذ لم يكن يصبر على جفافها، ولا يقدر على حل ألغازها، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها، فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتماماً، لكنه هوي الأدب والشعر، وفُتن بمجالسة المهتمين به، فكان يهوى الغناء ويقلد فيه من سبقه من المبدعين فيه.

وكان عبد الله نديم يغشى هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج، فيسمع شعر الشاعرين وزجل الزجالين، ونوادر المتماجنين، وقصائد الراوين، فيصغى إلى كل ذلك في فهم كأنه كله آذان، ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه، ولما علم أبوه طريق ابنه نفض يده منه، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجه للكسب، فاتجه ً اتجاها غريبًا، هو أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه.

ولما انتقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل، عاد إليه شغفه إلى فنون الشعر والغناء، حيث توثقت الصلة بينه وبين كثير من أدباء مصر إذ ذاك، وأخصهم سبعة، أولع بهم واستفاد من معارفهم وأدبهم: شاعر مصر محمود سامي البارودي، وشيخ الأدباء عبد الله باشا فكري والسيد علي أبو النصر البليغ الشهير، ومحمود صفوت الساعاتي، الواسع الاطلاع، الكثير المحفوظ، المتفتن في الطرائف الأدبية، والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب الأديب، ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر الناثر، وعبد العزيز بك حافظ.

عاشر الأدب والأدباء الأدب والأدباء؛ فأتم على هؤلاء وأمثالهم دراسته، وشرب من منهلهم، وارتوى من ينابيعهم، فهو في النهار تلغرافي، يتقبل الإشارات ويرسلها، وبالليل أديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها. ولما غضب عليه خليل أغا (رئيس خدم قصر الخديوي) ضرب وطرد، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وعلى إثر ذلك عمل معلماً لأولاد العمدة في (الدقهلية)، لكن على إثر خلاف بينه وبين العمدة، انفجر المرجل وتدفق عبد الله نديم يصوغ في هجاء العمدة أدبًا لاذعاً، تدفعه عاطفة حادة، فعرف نفسه أديبًا وعرفه من حوله لسنًا يملك ناصية القول!

واتصل أمره بعين من أعيان المنصورة ذي مروءة فاستدعاه وأكرمه، وفتح له دكانًا يبيع فيه المناديل وما إليها، فاتخذ دكانه متجراً للمناديل ومجمعا للأدب، يجتمع فيه بعض أصحابه يتذاكرون الأدب، ويتناشدون الأشعار، ويتبادلون النوادر. 

ولما نفدت المناديل من الدكان؛ أغلق عبد الله دكانه وطوف بالبلاد ينزل ضيفا على هواة الأدب، إلى أن نزل بطنطا، وصادف مولد السيد، فكانت له حادثة ظريفة لفتت إليه الأنظار وشهرته بين الناس، وتعرف بعد ذلك على شاهين باشا كنج بطنطا -وهو مفتش الوجه البحري إذا ذاك - فكان موصوفاً بالكرم حاتمي، وذوق أدبي، والظرف النواسي، فتعرف به عبد الله نديم، فوجد فيه شاهين باشا قبح منظر، مع طلاقة لسان، وخفة روح، وسرعة بديهة فغطى ذلك على قبح منظره.

ولما عاد عبد الله نديم إلى الاسكندرية حوّل قلمه في الاتجاه الشعبي، يمد هذه الصحف بمقالاته في مثل هذه الموضوعات؛ فلقي من النجاح ما لفت إليه الأنظار، وكان له فضل كبير في إدراك أن الكتابة في الموضوعات السياسية إنما يتناسبها أسلوب متدفق سريع مرسل لا يقيده السجع إلا قليلا، لينسجم وحركات النفس المتحمسة الثائرة.

وفكّر مع بعض أصحابه من أعضاء جمعية (مصر الفتاة) أن يحولوها من جمعية سرية إلى جمعية علنية، تعمل جهارا في الأعمال المشروعة، وجد هو وصحبه يجمعون المال لها من أعيان الإسكندرية، وسموها (الجمعية الخيرية الإسلامية)، وهي غير الجمعية القائمة الآن بهذا الاسم، وأنشئت المدرسة وجعل عبد الله نديم مديرها، وافتتحها بخطبة رن صداها في الثغر، وكان ذلك في أواخر أيام إسماعيل، وأقبل عليها كثير من أبناء الفقراء والأيتام.

ترك عبد الله نديم آثاراً كبيرة، وكتب مقالات كثيرة في جريدتي (المحروسة) و (العصر الجديد) ثم أصدر جريدة (التنكيت والتبكيت) مدة، واستعاض عنها بجريدة سماها (الطائف) أعلن بها جهاده الوطني. وحدثت في أيامه الثورة العرابية، فكان من كبار خطبائها. 

لم يكن في مصر إلى أواخر عهد الخديوي إسماعيل رأي عام يشعر بظلم، وإن شعر فلا ينطق، لأن عنف الاستبداد أزمانًا طويلة أمات الشعور وأخرس الألسن حتى تدخلت الدول الأجنبية في شئون مصر المالية، فبدأ الشعور يتنبه، وغذاه الخديوي إسماعيل نفسه وجرأه، لإحساسه بثقل التدخل وخشيته من عاقبته، فأول معارضة من مجلس شورى النواب للحكومة كانت بإيعاز منه، ولولا ذلك لم يجرؤ ومظاهرة الضباط ومهاجمتهم لنظارة المالية لتأخير رواتبهم كانت بتدبيره ليتخلص من وزارة نوبار التي تمالئ الأجانب في هذا التدخل. وفي هذا الجو عمل عبد الله نديم، واحتضنه العرابيون، فكان خطيب الثورة وكاتبها ومشعلها.

انتهت الثورة العرابية بالإخفاق والهزيمة المنكرة، وكانت الهزيمة الخلقية أقسى من الهزيمة الحربية، فقد ذل أكثر قواد الحركة، وتنكر لهم أكثر من كان يناصرهم، وبدأت السعايات تدب، وكل من كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإ يقاع بخصمه، فطلبته حكومة مصر، 1309 هـ فحبس أياماً، وأطلق على أن يخرج من مصر. فبرحها إلى فلسطين، وأقام في يافا نحو سنة كاملة.

ثم سمح له بالعودة إلى بلاده في عهد عباس باشا، فعاد واستوطن القاهرة. وأنشأ مجلة (الأستاذ) سنة 1310 هـ، وتوسع في مقالات الإصلاحات الاجتماعية، فانتقد علماء الأزهر في انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها، ويضع برنامج ً ا واسعا لإصلاح الأزهر، كما ينقد الزراعة في مصر وتأخرها، ووجوب إصلاحها على أساس علمي صحيح، وفوضى اللغة العربية، ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويكمل نقصها، والخرافات والأوهام، والطرق الصوفية وما يجري فيها من مخاز وعيوب.. إلخ

ثم علت نغمته طبقة أخرى، فأخذ ينقد الإنجليز صراحة في سياستهم في الهند ومصر، ويسب من يلوذ بهم ويهيج الناس على المبشرين وطرق التبشير، حتى نفاه الإنكليز ثانية، فخرج إلى يافا ثم إلى الآستانة، فاستخدم في ديوان المعارف ثم مفتشاً للمطبوعات في (الباب العالي) واستمر كذلك أن توفي فيها. 

وكان له كتاب، منها (الساق في مكابدة المشاق) و (كان ويكون) و (النحلة في الرحلة) و (المترادفات) وديوانان، وروايتان تمثيليتان هما (العرب والوطن)، ونُسب إليه (المسامير) الذي هجا فيه أبو الهدى الصيادي -الصوفي المعروف-، وجمعت كتاباته في (سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم)

السيد عبد الرحمن الكواكبي

السيد الفراتي، والأديب الرحالة، والمفكر الإسلامي، وأحد رجالات الإصلاح، والحكيم الجريء، كان يقصده أصحاب الحاجات لقضائها، والمشاكل لحلها، ورجال الحكومة أنفسهم يستشيرونه فيما غمض عليهم، وهو في كل ذلك جريء فيما يقول، لا يقر ظالماً على ظلمه، ولا يسالم جائراً لمنصبه أو جاهه.

ولد الكواكبي وتعلم في حلب، وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) فأقفلتها الحكومة، وجريدة (الاعتدال) فعطلت، وأسندت إليه مناصب عديدة. 

عاداه (عارف باشا) والي حلب، وأخذ يعدد سيئاته وينقم عليه تصرفاته، ويحرض الناس على رفع صوتهم معه بالشكوى منه لرؤسائه في الآستانة، فانتقم عارف باشا لنفسه، فزور على الكواكبي أوراقاً، واتهمه بأنه يسعى لتسليم حلب لدولة أجنبية، وحبسه وطلب محاكمته، فبذل الكواكبي ورجاله جهدا كبيرًا ليحاكم في ولاية غير ولاية حلب، وحوكم في بيروت، فحكم ببراءته، وظهرت خيانة الوالي ومكايده فعزل من منصبه.

وكان من أعداء الكواكبي أيضاً (أبو الهدى الصيادي) الذي سبق وصفه في ترجمة (عبد الله نديم)؛ لأن الكواكبي أبى الاعتراف بصحة نسبه. ولاعتداء أبي الهدى على بيتهم، بأخذ نقابة الأشراف لنفسه منهم، فكان أبو الهدى أيضاً يدسُّ له، ويغري ولاة الأمر به.

وكان من نتيجة محاكمته على التهمة التي اتهمه بها عارف باشا، ومن معاكسة أبي الهدى وأعوانه له حتى في تجاربه، أن خسر ألوف الجنيهات من ماله، فاحتمل ذلك بنفس قوية لا تجزع ولا تتحول.و لما حنق عليه أعداء الإصلاح، فسعوا به، فسجن وخسر جميع ماله، فرحل إلى مصر. 

عكف على مطالعة تاريخهم في ماضيهم وحاضرهم، وما كتبه الكتاب المحدثون في ذلك في الكتب والمجلات والجرائد، ودرس أحوال المسلمين في المملكة العثمانية. ثم رحلته إلى كثير من بلاد المسلمين، فساح في سواحل إفريقيا الشرقية، وسواحل آسيا الغربية؛ ودخل بلاد العرب وجال فيها، واجتمع برؤساء قبائلها، ونزل بالهند وعرف حالها، وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية، وحالتها الزراعية، ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ذلك، دراسة دقيقة عميقة؛ ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم فيها دراسته. ولكنه عاجلته منيته.

ونشر نتيجة دراسته في مقالات كتبت في المجلات والجرائد، ثم جمعت في كتابين: اسم أحدهما (طبائع الاستبداد)، والآخر (أم القرى): الأول في نقد الحكومات الإسلامية، والثاني أغلبه في نقد الشعوب الإسلامية.

لقد كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها الكواكبي في (طبائع الاستبداد) و(أم القرى) من الموضوعات المحرمة، لأنها تمس نظام الحكم من قريب، وتفهم الشعوب حقوقهم وواجباتهم، وتقفهم على مناحي الظلم والعدل، وتهيئتهم للمطالبة بالحقوق إذا سلبت، والقيام بالواجبات إذا أهملت، وهذا أبغض شيء لدى الحاكم المستبد.

وكان ظهور الكواكبي بكتابيه جرأة كبيرة. لقد استفاد مما نقل عن الغرب، ولم يكن يعرف لغة أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية، فاستفاد مما نقل إليها، ومما كان يترجم له في هذا الباب خاصة. وقد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه (طبائع الاستبداد). 

أما كتابه (أم القرى)؛ فبحث مبتكر يدل على كبر عقله، وقوة تفكيره، وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي. وكان لهذين الكتابين عند صدورهما دويّ كبير في العالم العربي والإسلامي.  أما كتاب (طبائع الاستبداد)، فقد نشر - أولاً- مقالات في بعض الصحف عندما كان في مصر سنة ١٣١٨هـ، ثم جمعها في كتاب وقال في أوله:

(إني نشرت في بعض أبحاثًا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع ً الاستعباد، منها ما درسته، ومنها ما اقتبسته، غير قاصد بها ظالما بعينه، ولا حكومة مخصصة، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار، ثم أضفت إليها بعض زيادات، وحولتها إلى هيئة هذا الكتاب).

وقد اقتبس فيه كثير من أقوال (الفيري) ولا أعرف كيف وصلت إليه -وألفيري كاتب إيطالي عاش من سنة ١٧٤٩  -١٨٠٣ م من بيت نبيل -وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فولتير وروسو ومنتسكيرو، وتشبع بآرائهم الحرة وتعشق الحرية، وكره الاستبداد أشد الكره، ووجه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته، ويبثه في كتاباته. ولكن الكواكبي هضمها وعدلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها من تجاربه وآرائه.

أما كتابه (طبائع الاستبداد)؛ فيدور حول تعريف الاستبداد بأنه (صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب). ويأتي هذا من كون الحكومة مطلقة التصرف، ولا يقيدها قانون ولا إرادة أمة أو أنها مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوى؛ والحكومة ميالة بطبعها إلى الاستبداد، لا يصدها عنه إلا وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لا تسامح فيها، وإلا قوة الرأي العام وعظمة سلطانه.

والمستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن النطق بالحق ومطالبتها به. والمستبد عدو الحق، وعدو الحرية وقاتلها. والمستبد يود أن تكون رعيته بقرا تحلب، وكلابًا تتذلل وتتملق!.

وقد بحث بحثًاً مستفيضا في علاقة الاستبداد بالدين، ونقل عن الإفرنج رأيهم في أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له. ويرى الكواكبي أن الإسلام مبني على قواعد الحرية السياسية متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية، فهو مؤسس على أصول ديمقراطية (أي المراعاة التامة للمصلحة العامة)، وعلى شورى أرستقراطية، أي شورى الخواص، وهم أهل الحل والعقد، فالقرآن مملوء بتعاليم تقضي بأمانة الاستبداد، والتمسك بالعدل، والخضوع لنظام الشورى، من مثل: {وشاورهم في الأمر}، {وأمرهم شورى بينهم} حتى في القصص، من مثل: {ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون}. ومظهر هذا كان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.

ثم أبان أن الحاكم المستبد يخشى العلم، لأن العلم نور، وهو يريد أن تعيش الرعية في الظلام، لأن الجهل يمكنه من بسط سلطانه، وروي أن حاكماً مستبدا شرقيًا كان له مرب سويسري؛ فقال له يوماً0 بعد أن تأمّر: ليتك تعني بتربية الشعب وتعليمه! فقال الأمير: كلا! إني إن علمته صعب عليَّ حكمه.

ولذلك فإن العلماء الحقيقيين في صراع دائم في الظلمة، فالعلماء يحاولون الإنارة، والمستبد يحاول إطفاءها، وكلاهما يحاول كسب عامة الشعب، فالمستبد يخفيهم ليستسلموا، وهؤلاء العلماء ينيرونهم ليقولوا ويفعلوا.

والحاكم المستبد تسره غفلة الشعب؛ لأنه يتمكن بغفلتهم من الصولة عليهم: يغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويضرب بعضهم ببعض فيصفونه بحسن السياسة والكياسة، ويسرف في أموالهم فيقولون إنه كريم، ويقتلهم ولا يمثل بهم؛ فيقولون: إنه رحيم، وإن نقم عليه بعض الأباة، كاتلهم بهم كأنهم بغاة!!

كما تعرض لعلاقة الاستبداد بالمال، ويعني بذلك الحكومة الاستبدادية وأثرها في الثروة أو الحالة الاقتصادية في البلاد. كذلك اختلال نظام الثروة، الذي يجعل رجال السياسة والدين ومن يلحق بهم يتمتعون بحظ عظيم من مال الدولة. ودور الحكومة المستبدة في تيسير طرق الغنى للسّفلة والغوغاء بالسرقة والتعدي على الحقوق العامة.

ويرى الكواكبي أن الاستبداد لا يقاوم بالقوة، وإنما يقاوم باللين وبالتدريج، ببث الشعور بالظلم، وهذا يكون بالتعليم والتحميس، ذلك لأن الاستبداد محفوف بأنواع القوات: كقوة الجند، وقوة المال، وقوة رجال الدين، وقوة الأغنياء، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس، وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة. والاستبداد مع اعتماده على هذه القوات كلها يضعف أمام الوسائل المحكمة في قلبه، كما قيل: كم من جبار عنيد جدله ملوم صغير.

أما كتابه (أم القرى) فقد وقف فيه من المسلمين موقف الطبيب من المريض، يفحص داءه ويتعرف أسبابه، ويصف علاجه في أسلوب قصصي جذاب، تحدث فيه عن جمعية من المسلمين عقدت في مكة حضرها ممثل أو أكثر لكل قطر إسلامي، فعضو شامي، وعضو سكندري، ومصري ومقدسي ويمني وبصري ونجدي ومدني ومكي وتونسي وفاسي وإنجليزي ورومي وكردي وتبريزي وتتري وقازاني وتركي وأفغاني وهندي وسندي وصيني، وأسندت رياسة الجمعية للعضو المكي، والسكرتارية للسيد الفراتي- وعني به الكواكبي نفسه - واجتمعوا كلهم قبيل الحج في مكان متطرف في مكة يتداولون في حال المسلمين؛ وكان أول اجتماع لهم في ١٥ذي القعدة سنة ١٣١٦ه.

فهل كانت هذه الجمعية حقيقة أو هي من نسيج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلاً من الحقيقة، وإن الخيال تممها، فهل هذا صحيح، أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين؟ أرجح الرأي الثاني.

على كل حال انعقدت الجمعية - فيما يقول - ووضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان، لأنه أدعى إلى إفضاء كل ما في نفسه في صراحة، وتناسى الاختلاف في المذاهب، فلا سني وشيعي، ولا شافعي وحنفي، فالكل مسلم. ثم التحرر من اليأس في الإصلاح، وبالفعل بدأت تظهر أعراض الصحة على المسلمين، ومن أعظم الظواهر انعقاد مثل هذه الجمعية ووضع برنامج المؤتمر، يتلخص في بحث موضع الداء في المسلمين وأعراضه وجراثيمه ودوائه وكيفية استعماله.

وأخذ المجتمعون يبحثون في أسباب ضياع المسلمين وتفرقهم، وذهبوا في ذلك كل مذهب، فالشامي رأى أن سبب الفتور يرجع إلى ما أصاب المسلمين من عقيدة جبرية، فهذه العقيدة في القضاء والقدر على هذا النحو آلت إلى الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالبة النفسية كحب المجد والرياسة، والإقدام على عظائم الأمور، فأصبح المسلم كميت قبل أن يموت. والعقيدة بهذا الشكل مثبطة معطلة لا يرضاها عقل، ولم يأت بها شرع.

بينما يرى المقدسي أن العلة تكمن في تحول نوع السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى استبدادية. أما السبب في نظر التونسي؛ فهو في الأمراء المترفون الذين لم يرعوا للأمة حقوقها. وقال الرومي: السبب هو فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها. ورأى التبريزي: أن السبب ترك المسلمين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقال الفاسي: إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين، وأجاب المدني: بأن السبب تدليس رجال الدين وغلاة المتصوفين، الذين لونوا الدين بلون سيئ فأضاعوه وأضاعوا أهله. وأجاب الكردي: بأن السبب هو ما أصاب المسلمين من اقتصارهم على العلوم الدينية وإهمالهم العلوم الدنيوية، كالرياضة والطبيعة والكيمياء. وأجاب الإسكندري: بأن السبب هو نومنا ويأسنا. والأفغاني يرى أن سبب الفتور هو الفقر. ويرى الإنجليزي: أن السبب هو قلة الالتفات إلى حكمة تشريع وقواعد الدين. ويرى الصيني أن السبب هو تكبر الأمراء وميلهم للعلماء المتملقين المنافقين. وقال النجدي: إن سبب فتور المسلمين هو ابتعادهم عن دينهم، وضعف الإيمان في نفوسهم.

هنا أعلن الرئيس أن البحث في أعراض الداء وأسبابه قد نضج أو كاد، فيكتفي فيه بهذا القدر.. بعد هذا انتقل بحث المؤتمر إلى تحديد (الإسلام الصحيح)، ثم دعا الرئيس السيد الفراتي السكرتير، وهو (الكواكبي) لتلخيص المحاضر السابقة للمؤتمر وتعداد أسباب فتور المسلمين، وكلفه أن يزيد عليها من الأسباب ما يراه إن وجد غير ما ذكره الأعضاء، فلخص أسباب فتور المسلمين في:

 (١) أسباب دينية: أهمها عقيدة الجبر، ونشر ما يدعو إلى التزهيد في الدنيا، وترك السعي والعمل.

(٢) وأسباب سياسية: أهمها السياسة الخالية من المسئولية، وحرمان الأمة حرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل وفقد العدل والتساوي في الحقوق.

(٣) وأسباب خلقية: من الاستغراق في الجهل والارتياح إليه، واستيلاء اليأس على النفوس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، والنظام المالي.

وقد زاد السكرتير أشياء على ما سبق، أهمها: الغفلة عن تنظيم شئون الحياة، وعدم توزيع الأعمال توزيعاً عادلاً، وعدم العناية بتعليم النساء وتهذيبهن وانتشار داء التواكل. ولم يرض المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها، بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعني بإصلاح المسلمين، ويشرف على تنفيذ برنامجها في الإصلاح. والجمعية لا تكون تابعة لحكومة ما، ولا تتقيد بمذهب طائفي خاص، قد اتفقوا على أن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر، لتقدمها في العلم والحرية، ولأنها أسبق الأمم الإسلامية في ذلك.

وبينما الناس يعجبون بما ينشر الكواكبي من مقالات إصلاحية في المجلات والجرائد، ومجالس الفضلاء في مصر عامرة بحديثه وجدله ودفاعه المؤدب عن آرائه، إذا بالصحف المصرية تطلع بنبأ موته الفجائي يوم ٦من ربيع الأول سنة ١٣٢٠ هـ، فأسف عليه كل من كان محباً لإصلاح المسلمين، وبكاه إخوانه الذين كانوا يرون فيه رجلا نبيل الخلق، سامي المقصد، عفي اللسان، نقي الضمير. فرحمه الله.