زوجةٌ واحدةٌ لا تكفي .. الثانية لا الزانية
عماد الدين حسين
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لم يكن تعدد الزوجات في زمن البعثة النبوية أمراً مستحدثاً، ولا ظاهرةً استثنائية تستوقف الأنظار أو تثير الاستغراب، بل كان نظاماً اجتماعياً معروفاً في أمم كثيرة قبل ظهور الإسلام؛ ولذلك لم يكن موضع جدلٍ خاصٍّ بين خصوم الإسلام وغيرهم، كما صار في عصور لاحقة.
وقد أشار الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي، في كتابه حقوق الإنسان في الإسلام، إلى أن تعدد الزوجات كان معروفاً لدى شعوب متعددة، منها العبرانيون والعرب في الجاهلية، وشعوب الصقالبة أو السلافيين، الذين ينتمي إليهم معظم سكان بلدان كروسيا وليتوانيا وإستونيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، وكذلك لدى بعض الشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها سكان بلدان كالنمسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا وهولندا والدانمارك والسويد والنرويج وإنجلترا. ومن ثم، فإن نسبة ابتكار هذا النظام إلى الإسلام لا تستقيم مع الشواهد التاريخية التي تدل على وجوده قبل البعثة النبوية بقرون طويلة.
ولم يقتصر تعدد الزوجات على الأمم التي تدين بالإسلام، بل عُرف كذلك في مجتمعات غير إسلامية، ولا سيما في بعض المجتمعات الأفريقية والآسيوية. وهذا يدل على أن الظاهرة لا ترتبط بدين واحد، ولا يصح تفسير وجودها أو غيابها بمجرد الانتماء الديني؛ إذ تتداخل في نشأتها واستمرارها عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وتاريخية متعددة.
ومن المسائل التي ينبغي التنبه إليها أن تحريم تعدد الزوجات لا يستند إلى نص صريح في الأناجيل المعتمدة ينص على تحريمه تحريماً عاماً، وإن كانت التقاليد الكنسية والتفسيرات المسيحية قد استقرت في معظم الكنائس على نظام الزواج الأحادي. ولذلك ينبغي التمييز بين ما تنص عليه الكتب المقدسة صراحةً، وما استقر عليه الفقه والتقليد الديني في مراحل تاريخية لاحقة.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد ناقش علماء الاجتماع ومؤرخو الحضارات، ومنهم إدوارد ألكسندر وسترمارك، وليونارد هوبهوس، وغيرهما، أشكال الزواج وأنماطه في المجتمعات البشرية، وعلاقتها بالظروف الاقتصادية والاجتماعية ومراحل التطور الحضاري. وقد حاول بعض الباحثين تفسير اختلاف أنماط الزواج بين المجتمعات بالنظر إلى طبيعة معاشها، وطرق كسبها للعيش، وتنظيمها الأسري والاجتماعي.
غير أن هذه المسألة لا يصح اختزالها في قاعدة مطلقة تزعم أن تعدد الزوجات لا يظهر إلا في المجتمعات المتقدمة حضارياً، أو أنه يزداد بالضرورة كلما تقدمت المدنية؛ فالتنوع التاريخي والأنثروبولوجي أوسع من أن تحكمه علاقة واحدة ثابتة.
وليس المقصود من استحضار هذه الشواهد تبرير تعدد الزوجات لمجرد أن أمماً أخرى عرفته، وإنما المقصود وضع المسألة في سياقها التاريخي الصحيح، وتحريرها من الأحكام المسبقة التي تنسب إلى الإسلام ما لم ينشئه ابتداءً، أو تصوّر ما أقره من أحكام وكأنه ظاهرة لا نظير لها في تاريخ المجتمعات البشرية. فقد جاء الإسلام إلى واقع كان التعدد معروفاً فيه، فلم يتركه بلا ضوابط، بل قيّده بالعدل، وحدد الحد الأقصى للزوجات بأربع، وربط الإباحة بالقدرة على القيام بالحقوق، وحذّر من الظلم والجور. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
وفي هذا السياق، أورد ألفونس إتيان دينيه في كتابه (محمد رسول الله)، بترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، تساؤلاً عن الفائدة الأخلاقية المترتبة على زوال تعدد الزوجات، وأشار إلى أن المسألة ليست بهذه البساطة التي يتصورها بعض الناس؛ إذ قد تترتب على حصر الزواج في امرأة واحدة مشكلات اجتماعية وأخلاقية أخرى، من بينها تفشي العلاقات غير المشروعة، أو بقاء عدد من النساء دون زواج، ولا سيما في المجتمعات التي تتأثر اختلالاتها السكانية بالحروب. وهذه الآراء، وإن كانت جديرة بالمناقشة، لا ينبغي التعامل معها بوصفها نتائج اجتماعية حتمية؛ فأثار أنظمة الزواج تختلف باختلاف المجتمعات والظروف التي تحكمها.
ومن هنا، فإن النقاش المنصف في قضية تعدد الزوجات لا ينبغي أن ينطلق من الأحكام المسبقة، ولا من المقارنة السطحية بين المجتمعات، بل من النظر في مقاصد الزواج وحقوق الزوجين، ومصالح الأسرة، والآثار الاجتماعية المترتبة على كل نظام. فليس كل تعدد عدلاً، كما أن مجرد الاقتصار على زوجة واحدة لا يضمن وحده تحقق العدل أو الاستقرار؛ وإنما العبرة بحسن التطبيق، وصيانة الحقوق، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالأحكام الشرعية والأخلاقية.
ولقد أسهم سوء تطبيق بعض أحكام الإسلام، والتقصير في رعاية حقوق الزوجات، في تقوية حجج المطالبين بتقييد تعدد الزوجات، حتى ذهب بعضهم إلى اشتراط عرض حالة الرجل على القاضي، والتحقق من قدرته المالية وأحواله الأسرية قبل الإذن له بالزواج بأخرى. ومهما يكن الموقف من هذه المقترحات من الناحية الفقهية والقانونية، فإن من الواجب التأكيد أن إباحة التعدد ليست ترخيصاً بالإضرار بالمرأة أو الانتقاص من حقوقها، بل هي حكم تحيط به مسؤوليات وشروط، ويظل العدل وحسن المعاشرة والقيام بالنفقة والحقوق من أعظم مقتضياته.
ومن جهة أخرى، فإن النظرة إلى تعدد الزوجات تتأثر أحياناً بالتصورات الاجتماعية السائدة، حتى قد يتبنى بعض المسلمين أحكاماً مسبقة تجاهه متأثرين بالثقافة المحيطة، دون تمييز بين الحكم الشرعي من حيث أصله، وبين التجارب الإنسانية المتباينة في تطبيقه. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نجعل الاختلاف الثقافي وحده دليلاً على فساد نظام أو صلاحه، بل نزن الممارسات بميزان العدل والحقوق والمصلحة، وننظر في أحوال النساء والرجال على السواء.
وقد يكون التعدد، في بعض الظروف، خياراً مشروعاً يحقق مصالح لأطرافه، وقد يكون في ظروف أخرى سبباً للضرر والنزاع إذا غابت المسؤولية والقدرة على أداء الحقوق. كما أن بقاء بعض النساء دون زواج قد يمثل مشكلة اجتماعية حقيقية، لكنه لا يبيح التعامل مع المرأة وكأنها مجرد حلٍّ لمشكلة عددية؛ فلها إرادتها وكرامتها وحقوقها، ولا بد أن يكون الزواج قائماً على الرضا والاحترام وحسن الاختيار.
والمطلوب، إذن، ليس أن يتحول تعدد الزوجات إلى أمر يُفرض على الناس أو يُمدح في جميع الأحوال، ولا أن يُصوَّر باعتباره شراً محضاً في كل صورة، وإنما أن يُنظر إليه باعتباره حكماً شرعياً له مجاله وضوابطه، وأن يُراعى فيه اختلاف الأحوال والمصالح، مع رفض الظلم والإكراه والإضرار، وصيانة كرامة المرأة وحقوقها.
ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب «زوجة واحدة لا تكفي.. الثانية لا الزانية» لتفتح باب النقاش حول قضية طالما أحاطت بها الأحكام المسبقة، ولتسلط الضوء على المفارقة بين الموقف من الزواج الثاني والموقف من العلاقات المحرمة، وعلى ما يثيره ذلك من أسئلة دينية واجتماعية وأخلاقية. فليس المقصود تمجيد التعدد في كل الأحوال، ولا إدانته في جميع الصور، وإنما تحرير النقاش من الانتقائية، والنظر في المسألة بميزان الشرع والعدل والكرامة الإنسانية؛ إذ لا يكون الإصلاح بتجريم الحلال لمجرد سوء استخدامه، ولا بالتساهل مع الحرام، بل بإقامة العلاقات على الوضوح والمسؤولية وصيانة الحقوق.
______________________________________________
الزواج على الطريقة الجاهلية
البشرية، هناك وقائع كثيرة، تاريخية ومعاصرة، يُستدل بها على ما يراه بعض الباحثين من انحراف الإنسان عن فطرته الأولى في تصوّراته وممارساته المتعلقة بالرجل والمرأة والزواج. وتبدأ هذه الشواهد بمقولة مفادها أن الحيوانات التي تعيش في جماعات، كالقردة والفيلة وغيرها، تتقاتل ذكورها على الإناث، وأن الإنسان قد يسلك سلوكًا مشابهًا.
ومن الوقائع التي أُوردت في هذا السياق ما نُقل عن قبائل الشيبيوبان البدائية، من أن الرجل إذا رغب في امرأة متزوجة قاتل زوجها، فإن غلبه انتزعها منه عنوة. ونُقل كذلك عن قبائل البوشيمان في أفريقيا أن الرجل الأقوى كان يعتدي على الأضعف ويسلبه زوجته رغمًا عنه.
ولم يقتصر هذا الصراع، بحسب تلك الروايات، على الرجال في التنافس على النساء، بل امتد إلى النساء أنفسهن؛ إذ ذُكر أن الرجل في بعض قبائل أستراليا كان يتزوج خمس نساء، فتجتمع زوجاته ويتقاتلن بالعصي الغليظة، ولا يتوقفن حتى تسيل الدماء، وتكون الغالبة منهن صاحبة الحظوة لديه.
كما أوردت بعض الكتابات أوصافًا لعادات نُسبت إلى جماعات أسترالية بدائية، مفادها أن النساء في القبيلة المغلوبة كن ينتقلن إلى رجال القبيلة الغالبة دون مقاومة تُذكر. وتضمنت تلك الكتابات أيضًا روايات عن جماعات في جنوب كاليفورنيا بأمريكا لا تُولي الزواج احتفالًا أو مكانة اجتماعية واضحة، وهو ما فُسِّر بأنه انعكاس لنظرة عابرة إلى العلاقة بين الرجل والمرأة؛ إذ قد تنتقل المرأة، وفقًا لتلك الروايات، من رجل إلى آخر تبعًا للغلبة والقوة.
وفي بعض الحالات، قيل إن الزواج كان يتم عن طريق الخطف، بحيث تصبح المرأة زوجة للرجل الذي اختطفها. وتُساق هذه الروايات مجتمعةً لتصوير أنماط من العلاقات الإنسانية التي تغيب فيها حرية الاختيار، وتُستبدل فيها رابطة الزواج بالتسلط والقوة والصراع.
وفي بعض القبائل البدائية، كانت المرأة تنتقل إلى رجل آخر إذا تمكن من خطفها، سواء رضيت بذلك أم لم ترضَ. أما الاحتفال بالزواج، فكان يتخذ صورًا شديدة البساطة عند بعض الجماعات؛ إذ ينحصر في إضرام الزوجين نارًا والجلوس بجانبها، بينما يتم الزواج عند جماعات أخرى بمجرد أن تؤدي المرأة بعض الخدمات المنزلية لزوجها.
ونُقل عن بعض قبائل غينيا الجديدة أن الزواج يتم عندما تقدم المرأة لزوجها قليلًا من التبغ، كما قيل إن الزواج عند قبائل التفاجوس ينعقد بمجرد جلوس الرجل والمرأة إلى وعاء كبير يشبه القصعة، وأكلهما معًا من الطعام الموضوع فيه.
وكما كان الزواج بسيطًا في بعض هذه المجتمعات، كان الطلاق كذلك؛ فقد ورد في بعض الروايات أن الرجل من قبيلة الشيبيوبية في أمريكا الشمالية كان يضرب زوجته ويخرجها من بيته إذا أراد طلاقها. ونُقل عن التسمانيين في أستراليا أن الرجل إذا رغب في مفارقة زوجته وهبها لرجل آخر، وكأن الأمر لا يعدو انتقالًا من علاقة إلى أخرى.
ومن العادات التي أوردتها بعض الكتابات عن مجتمعات مختلفة تقديم الزوجة للضيف، والسماح له بمعاشرتها مدة إقامته عند مضيفه. وقد نُسبت هذه العادة إلى بعض جماعات الإسكيمو وهنود أمريكا وبولينيزيا والحبشة والكفرة، كما وردت روايات عن المرأة البوشيمانية، تفيد بأنها كانت تستطيع، بإذن زوجها، أن تقيم علاقة مع رجل آخر ثم تعود إلى زوجها. وشبّهت تلك الكتابات هذه الممارسات ببعض العادات التي نُسبت إلى العرب في الجاهلية، حين كان الرجل يأذن لزوجته بالذهاب إلى رجل معين ثم تعود إليه.
وتذكر بعض الروايات التاريخية أن تبادل الزوجات أو إعارتهن كان معروفًا في بعض المجتمعات القديمة؛ فقد نُسب إلى بعض رجال أثينا إتاحة زوجاتهم لرجال آخرين، وورد في هذا السياق اسم الفيلسوف سقراط وزوجته زانتيبي، مع رجل يُعرف في بعض النقل باسم البسياب. كما أشارت بعض الكتابات إلى وجود تقاليد مشابهة لدى شعوب سامية وغيرها.
وفي سياق آخر، أوردت بعض الروايات عن مناطق من الكونغو في أفريقيا أن رجالًا كانوا يستغلون بناتهم في أعمال الدعارة طلبًا للكسب المالي. كما وصفت عادةً نُسبت إلى بعض المكسيكيين، تقضي بأن تخرج الفتاة عند بلوغها سن الزواج لتجمع مهرها بنفسها من خلال علاقات غير مشروعة، ثم تعود إلى أهلها بعد جمع المبلغ المطلوب لتتزوج.
وتسوق هذه الروايات، على اختلاف المجتمعات التي تنسب إليها، صورًا متعددة من العادات التي تناولت الزواج والطلاق والعلاقات بين الجنسين، وتكشف عن التباين الكبير في الأعراف الاجتماعية عبر التاريخ. غير أن توثيق هذه الأخبار يقتضي الرجوع إلى مصادرها الأصلية، والتحقق من أسماء الجماعات وصحة الروايات المنقولة عنها، تجنبًا لتعميم أحكام على شعوب بأكملها استنادًا إلى أخبار متفرقة أو أوصاف قديمة متأثرة بأحكام أصحابها المسبقة.
ينظرون إلى الفسق بعين المقت، وكان الزنا من الأمور التي لا تؤثر عندهم أي تأثير، حتى عُرف عن نسائهم ونساء كبرائهم أنهن كن يعلنَّ أن من أخلاق السفلة من النساء أن ترد إحداهن طلب رجل، مثلما يقضي (الإيتيكيت) الغربي الحديث عندما يطلب الرجل امرأة للرقص في الحفلات وأماكن اللهو، حتى وإن كانت تجلس بجوار زوجها؛ فإذا ثار هذا الأخير وأخذته الغيرة، اعتبره الناس، ومن بينهم زوجته، متخلفًا!!
ولم تزل نساء (الأندمان) ـ من آسيا ـ يعتقدن أن من سفالة المرأة أن ترد يد لامس. ورُوي عن أقوام (الشيبشاس) ـ من أمريكا الوسطى ـ أن الرجل يعتبر مغازلة الرجال لزوجته، بل ومباضعتهم لها، من موجبات السرور والفخر له، وإذا تزوج أحدهم بفتاة فوجدها بكرًا حقّرها، واعتبرها نكرة؛ لأنها لم تُثر شهوة رجل قبلَه!!! وهذا، وتسود هذه النظرة الفاسدة كثيرًا من المجتمعات الحديثة في الغرب الآن.
هكذا كان للمرأة مطلق الحرية لدى الشعوب البدائية، وهكذا ارتد الغرب إلى عهود الجاهلية الأولى.
وفي كثير من المناطق الواقعة جنوب الهند، وعلى حدودها الشمالية، كان يُباح للإخوة أن يشتركوا في زوجة واحدة، ولا يزال هذا النظام متبعًا إلى الوقت الحاضر لدى كثير من القبائل الجبلية على حدود الهند الشمالية، وخاصة لدى قبائل (جوانسو أريس). ويبلغ عدد أفراد هذه القبائل الآن نحو مائة ألف، وقد جرت العادة أن يتزوج الأخ الأكبر، فتصبح زوجته زوجة جميع إخوته. وإذا لم يكن للشاب إخوة، فإنه قلما يجد زوجة. وتتمتع المرأة بإخلاص أزواجها جميعًا، ويُنسب إليهم جميع الأولاد، ولكل منهم وظيفة، فيقول الابن: أبي الذي يدير شؤون البيت، وأبي الذي يرعى الغنم، وهكذا.
وفي عشائر (النير)، وهي التي تتألف منها الطبقة الراقية من عشائر (الملابار) في الهند، يكون للمرأة عادة خمسة أزواج أو ستة، وقد يصل العدد أحيانًا إلى عشرة أو اثني عشر، بل قد يُباح لها أحيانًا أن تقترن بأي عدد تشاء من الرجال، ولكن يُشترط في الأزواج أن يكونوا أقرباء بعضهم.
لبعضهم ينتمون إلى عشيرة واحدة، وقد جرت العادة أن تبيت مع كل واحد منهم نحو عشر ليالٍ، نقلًا عن ليترنو (Letourneau, Sociologie)، نقلًا عن الدكتور علي عبد الواحد وافي (D’après l’Ethnographie).
وفي بعض المناطق التابعة لروسيا، كان رب العائلة يزوّج أبناءه، وهم بين الثامنة والعاشرة من أعمارهم، لفتيات في الخامسة والعشرين أو الثلاثين، على أن يكون الغلام هو الزوج الرسمي، والأب نفسه هو الزوج الفعلي!!!
وفي جزر المركيز، في بولينيزيا، كان يُباح أحيانًا للمرأة أن يكون لها أكثر من زوج واحد، دون تقيّد بوجود رابطة قرابة بين الأزواج، ولم يكن هذا مقصورًا على طبقة دون أخرى (المصدر السابق).
وفي بعض المجتمعات البدائية، كان يُباح للمرأة، في حالة غيبة زوجها، أن تعيش مع رجل تختاره لتجد في كنفه ما يلزمها من رعاية وحماية، غير أنها لم تكن تُعدّ زوجة له، وإنما كانت تبقى، من الناحية الرسمية، على ذمّة زوجها الغائب. وقد وجد علماء الإثنوغرافيا هذا النظام عند الشعوب البدائية، وخاصة عند بعض عشائر سكان أستراليا الأصليين، نقلًا عن وسترمارك، المصدر السابق للدكتور علي عبد الواحد وافي.
ورُوي عن قبائل الشيبموبان في أمريكا أن الرجل منهم يتزوج أمه، وأنهم يُكثرون الزواج بأخواتهم وبناتهم، وأن ملوك رأس جونس وقبائل الجابون في أفريقيا يتزوجون بناتهم من أجل الحفاظ على نقاء الدم الملكي. وقد أثبت التاريخ أن عددًا كبيرًا من أفراد البطالسة الذين حكموا مصر تزوجوا أخواتهم.
اختلاف الأدوار:
كانت بعض القبائل البدائية تُكلّف النساء بإنجاز الأعمال كافة، حتى جلب الغذاء. فقد كان لدى التسمانيين ـ الذين انقرضوا ـ أن الرجل ليس عليه من غذاء الأسرة إلا الصيد، أما المرأة فكان عليها أن تتسلق الأشجار لقطف الثمار، وتشق الأرض لاستخراج الجذور النباتية منها، وتزحف على الأرض لاصطياد القواقع، وتقتحم البحر لتصيد الحيوانات الرخوة. وعلى كان على الرجل عند أهل فوجي والأنْدَمانيين والأستراليين أن يصطاد، وعلى المرأة أن تحمل له الفريسة. وكان الرجل من الإسكيمو يعتبر حمل الفريسة عارًا، وكذلك حمل الأمتعة أو أي شيء غير السلاح. وعندهم أيضًا، تقوم المرأة ببناء البيت ونصب الخيام.
ومن المتناقضات ما يوجد عند قبائل الكوروادوس، إذ إن الرجل هو الذي يتولى الطبخ وإيقاد النار، وكذلك عند قبائل ساموا، ولا يُستثنى من ذلك الرؤساء أنفسهم.
ومن ذلك أن النساء في جاوا هن اللاتي يذهبن إلى السوق للبيع والشراء، ورُوي مثل ذلك عن قبائل أنجولا، أما الرجال فيجلسون في البيت يغزلون القطن ويعملون أعمالًا هي عندنا نسوية بحتة.
وعند أهل بيرو القديمة بأمريكا، كان على النساء أن يشتغلن في الخارج، وعلى الرجال حفظ البيت. أما عند الأحباش، فمن العار أن يذهب الرجل إلى السوق ليشتري ولو أصغر الأشياء، أو أن يحمل الماء، بل عليه أن يجلس في البيت لغسل ملابس الأسرة، وليس على المرأة أن تشاركه في هذا العمل.
ومما أُسند إلى النساء من وظائف الرجال في بعض البلاد حمل السلاح؛ فقد كان لدى ملك داهومي ـ وهي من ممالك أفريقيا التي احتلتها فرنسا سنوات طويلة ـ جيش مكوّن من النساء الشابات. وكان لدى ملوك رَدّ ـ وهي قطر من الهند ـ حرس من النساء خاص بخدمة القصر. وروى الأمير سولينكوف الروسي أنه في قصور ملوك الدكن بالهند كانت توجد فصيلة من الحرس النسائي المسلّح، وعلى رؤوسهن قبعات حمراء عليها ريشة خضراء، وعلى أجسادهن حُلَل حمراء. فإذا استعرض الإنسان هذا الجيش، تخيّل أنه فصيلة من الشبان المُرْد، لولا الضفائر الملقاة على ظهورهن.
ومما يشبه ذلك الحرس الملكي الخاص بملك سيام، وهي قطر من آسيا؛ إذ تعاهد هؤلاء النسوة أنفسهن على الترهب، إلا إذا دعا إحداهن الإمبراطور لنفسه، فتكون عنده محظية.
وبينما نجد ظاهرة الانحراف في الإفراط بتكليف المرأة، في بعض المجتمعات الجاهلية، بأعمال هي من صميم اختصاص الرجل، حتى اختلطت الأدوار ويُفضي الاعتداء على الفطرة السليمة إلى ظهور إفراطٍ من نوع آخر، يتمثل في إذلال المرأة، سواء أكانت زوجة أم أمًّا أم ابنة أم أختًا، ونبذها وإهمالها واحتقارها، وإدانة فكرة الزواج والارتباط بها.
ومن الملاحظات التي رصدها علماء الاجتماع في هذا المجال، ويجدر الإشارة إليها، أنه ثبت لديهم أن حالة المرأة في المجتمع تتبع، من بعض الوجوه، شكل الحكم السائد؛ فإذا كان الحكم استبداديًّا مطلقًا، كانت المرأة في أشد حالات العبودية لزوجها أو لأفراد أسرتها، وإذا كان الحكم شورويًّا، كان للمرأة شيء من الحقوق. ومن الأمثلة على ذلك حال المرأة لدى الرومان القدماء؛ فقد كانت حكومتهم استبدادية، وكان للأب سيطرة مطلقة على زوجته وبناته، بحيث يستطيع أن يبيعهن أو يقتلهن.
وعند أهل الصين، الذين ترجع مدنيتهم إلى ألفي سنة قبل الميلاد، نجد أن سلطة الأب على زوجته لا حدود لها، تمامًا كما كانت سلطة الإمبراطور على شعبه لا حدود لها أيضًا. ولولا أن الصناعة هذّبت قليلًا من سلوك الصينيين، لكانت معاملتهم للمرأة لا تختلف عن معاملة البدائيين المتوحشين لها.
على أن الرجل الصيني، إلى وقت قريب، كان يشتري المرأة ويتسرّى بها كما يشاء، وله أن يبيع زوجة ابنه المتوفى. وكان على النساء عندهم أن يشتغلن أقسى الأعمال، حتى إنهم كانوا يربطنهن بالمحراث لحرث الأرض، ولكن العرف الحديث قضى على هذه الوحشيات.
وكان الحال على هذا النحو لدى اليابانيين واليونانيين القدماء، في جاهليتهم وفي عهد مدنيتهم؛ فقد كانوا يعاملون المرأة أقسى معاملة، ولم يكن لها حق التصرف في شيء من مالها إلا بإذن الرجل. وكانت نظرة الفلاسفة إليها نظرة دونية مملوءة بالاحتقار، فقد قال أرسطو في كتابه «السياسة»: «ليس للعبد إرادة، وللطفل إرادة ولكن ضعيفة، وللمرأة إرادة ولكن عاجزة».
قوانين الكنيسة وقبائل الجرمانيين:
استمرت أوروبا في تقاليدها وشرائعها، على ما كان عليه شعوبها المختلفة من أحوال بدائية، تحت سيطرة الرومانيين، حتى جاءت المسيحية. فلم يكن حظ المرأة من آباء الكنيسة مرضيًّا؛ إذ لم يعتبرها بعض أولئك الآباء إلا آلةً للفتنة وسببًا للخطيئة، وقرروا في قوانين الكنيسة سموَّ الرجل على المرأة من كل الوجوه، وكانوا يعتبرون الزواج شرًّا ضروريًّا، وأنه تابع لخطيئة آدم، وأنه لولا تلك الخطيئة لكان الله قد عمد إلى طريقة أخرى لاستدامة النوع الإنساني. (نستغفر الله).
ولم تكن هذه الآراء مما يلائم روح الإنجيل الداعية إلى المساواة والعدالة، ولكن حدث في أوروبا حدث هائل كان في مصلحة المرأة من حيث لا تدري، ذلك الحادث هو إغارة المتوحشين على أوروبا في القرن الخامس، وهم من قبائل الجرمانيين.
أما كيف كان هذا الحادث في مصلحة النساء في أوروبا، فقد كانت هذه القبائل، على الرغم من وحشيتها، ذات غرام فطري باحترام المرأة لذاتها، لا لصفاتها كأم أو زوجة. فلما اختلطت هذه الشعوب بالإمبراطورية الرومانية، وتوزعت في بلادها، وسادت عليها أحكامها وأخلاقها، ارتفع شأن المرأة في أوروبا، وصارت لها في نظر الرجل منزلة.
واستمر ذلك إلى ما قبل الثورة الفرنسية سنة 1789، حيث كانت المرأة تُعتبر مساوية للرجل في الحقوق، ولكنها كانت قانونيًّا دونه في جميع الحقوق. فلما حدثت الثورة الفرنسية، اعترفت بمساواتها للرجل شكليًّا، خارج الزواج، ولكنها متى تزوجت أصبحت تحت وصاية الرجل، فلا تتصرف في مالها إلا بعد إذنه. ثم إن القانون الفرنسي، الذي يُعتبر أكثر القوانين الأوروبية عطفًا على المرأة، حرم عليها أن تكون ذات وظيفة في الهيئة الاجتماعية، فلا تستطيع أن تكون شاهدة في قضية عامة، ولا حكمًا، ولا من أهل الخبرة.
تحرير أم عبودية؟
وعلى الجانب الآخر، تستمر موجة الانحراف إلى الآن، فنرى أن الرواد الأوائل لحركة تحرير المرأة المعاصرة وإفسادها، ماركس وإنجلز، قد أفتيا في الوثيقة الرسمية للبيان الشيوعي سنة 1848م بأن الزواج والبيت والأسرة لم تكن في الماضي سوى لعنة أدت إلى وضع النساء في رقٍّ دائم. لذلك أصرّا على تحرير المرأة من «العبودية المنزلية»، كي تشارك الرجال عن طريق استقلالها الاقتصادي التام، من خلال وظيفتها واشتغالها في المصانع يومًا كاملًا.
وأصرّ رواد الحركات النسائية بعد ذلك على وجوب منح المرأة الحرية الكاملة في الفسق والجنس الحرام (Illicit Sex)، من خلال التعليم المختلط في المدارس والجامعات، وخروجها للعمل مع الرجال والسهر معهم في أماكن مغلقة في الحفلات، ومعاشرة الرجال معاشرة الأزواج على سبيل التجربة قبل الزواج، لانتقاء الزوج المثالي، وإشاعة الفتنة والرذيلة في المجتمع بالخروج شبه عارية بملابس آخر موضة، بل ومشاركة الرجال في العادات السيئة، كشرب الخمر والتدخين.
وبذلك يدمّر الانحراف الحديث المرأة بيدها، من خلال تعاطي المخدرات، وحبوب منع الحمل، وتعريض نفسها للموت بالإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه، فضاعت الأنساب، وظهرت بكثرة دور الرعاية الاجتماعية لرعاية اللقطاء.
هذا هو جوهر المفهوم الحديث الذي ترقى إليه حقوق المرأة: تعدد العلاقات الجنسية المحرمة بين الرجال والنساء في فوضى عارمة وصارخة، وفي سقوط أخلاقي صريح ووضيع وغير مسبوق.
يقول المؤرخ والكاتب الصحفي الأمريكي ماكس ليرنر: «ونحن نعيش في مجتمع بابلي، فالتأكيد على الملذات الحسية والإباحية الجنسية هو ما نراه الآن...».
ويقول رجل الدين اليسوعي (ولتر ج. أونج): «كل ما لدينا يضيع... فإلى أين يمضي مجتمعنا؟».
مجلة ريدرز دايجست، أبريل 1968م.
الوجه الآخر للانحراف
تعدد الزوجات موجود الآن في كل قارات العالم ولدى جميع الأجناس البشرية؛ فهو موجود عند الفويجيين بأمريكا، والأستراليين، والتسمانيين، وفي كاليدونيا الجديدة، وتاناوفات، وإيروانجا، وتاهيتي، وجزر ساندويتش، وجزر تونجا، وليفو، ولدى قبائل الملايو، وبولينيزيا، وزيلاندة الجديدة، ومدغشقر، وسومطرة. كما أنه منتشر في قبائل أمريكا الجنوبية، وهو أمر عام عند الأفريقيين كافة، وعند معظم أهل آسيا.
وباختصار، فإن تعدد الزوجات يُعتبر أمرًا شائعًا عامًّا في كل قارات العالم. وعدد الشعوب التي تعترف بتعدد الزوجات كنظام طبيعي في حياتها الاجتماعية يفوق بكثير عدد الشعوب التي يرتبط فيها الرجل بزوجة واحدة.
وقد كان من الطبيعي أن يصير نظام تعدد الزوجات أعمّ مما هو عليه الآن، لولا أن بعض الأحوال القسرية تحول دونه. ودليل ذلك أنه توجد أمم كثيرة تحترم مبدأ تعدد الزوجات وتقرّه، ولكن يندر فيها الرجل الذي يطبق ذلك المبدأ بسبب فقرهم المدقع، كما هو شأن البوشيمان في أفريقيا، ولدى قبائل الجوندس؛ حيث من النادر أن تجد من يتزوج بأكثر من زوجة واحدة، لأن ثمن المرأة لديهم مرتفع جدًّا. وكذلك الحال عند قبائل الأوستياك والفيداه بالهند. وقد شوهد عند بعض الأستراليين والفويجيين أن الفقر لا يمنعهم من تعدد الزوجات، حيث يمكن للمرأة هناك أن تتكفل بتغذية نفسها.
ويذكر علماء الاجتماع أن عادة تعدد الزوجات قد نشأت من أسباب طبيعية؛ ذلك أن بعض الأفراد امتازوا في قبائلهم بدرجة مفرطة من القوة الجسدية والعقلية، فصاروا من كبار المحاربين أو عظام الرؤساء. وهذه المميزات نفسها مكّنتهم من اختطاف جملة من النساء، سواء من قبائل أجنبية أو من قبيلتهم ذاتها؛ ولهذا اعتُبر اختطاف المرأة وحيازتها علامة من علامات الفخار والمجد، وكلما تعددت النساء عند الرجل كان فخاره أعظم، وشجاعته أدعى للإعجاب.
وقد نقل الرحالة كلافيجير أن خلفاء ملوك المكسيك كانوا يعتقدون أنهم لا يستطيعون أن يحفظوا مكانتهم أمام الناس إلا إذا أكثروا من النساء والسراري.
وقد روى الجغرافي «وليس» أن في جزيرة مدغشقر، حيث تعدد الزوجات شائع قانونًا، يُحظر على الرجال، إلا الملوك، أن يقتني أحدهم اثنتي عشرة زوجة. وروى الجغرافي «بورتون» أنه كان لدى بعض أهل أفريقيا الوسطى عادة الفخر باقتناء الزوجات، حتى إن أحدهم ليختار لنفسه من اثنتي عشرة إلى ثلاثمائة زوجة، حيث يفوق عدد النساء عدد الرجال في القبائل المحاربة.
وقد روى المشرّع الفرنسي «مونتسكيو»، المتوفى سنة 1755م، أن الملوك الميروفنجيين، الذين حكموا فرنسا من القرن الخامس إلى سنة 1752، كانوا يعددون الزوجات، وكان ذلك عندهم من أسباب الفخار.
ويرى بعض علماء الاجتماع أن هناك أسبابًا اقتصادية وراء تعدد الزوجات في بعض المجتمعات، حيث كانت المرأة تُقتنى للعمل في الحقل أو في البيت. وقد اعتاد رؤساء كاليدونيا الجديدة في أوقيانوسيا أن يتزوج الرجل من عشر إلى ثلاثين امرأة، بقصد تشغيلهن في الحرث والسقاية، والخروج إلى مسافات شاسعة لجلب الخشب والماء.
وبناءً على ذلك، فإن كثرة الزوجات عند هؤلاء الأقوام بمثابة كثرة الأُجراء والخدم.
الزواج الثاني.. أفكار وآراء:
أما عند قدماء المصريين، فإن تعدد الزوجات لم يكن متعارضًا مع الأخلاق الفاضلة، ومما يدل على ذلك أن قوانينهم لا تخلو من نصوص تقول إن الإله بارك في الرجال لأن لهم أزواجًا عدة وسراري كثيرة.
والملاحظة الجديرة بالتأمل هنا، من الناحية الإنسانية، أن الاعتبار لمبدأ تعدد الزوجات ليس خاصًّا بالرجال فحسب، بل بالنساء أيضًا؛ فقد شوهد أن نساء قبائل الكوش في أمريكا الشمالية لا ينظرن إلى تعدد الزوجات نظرة كراهية، بل يعتبرنه أمرًا حسنًا. وقد روى الرحالة الإنجليزي «لفنجستون» أن نساء قبائل الماكولوس في أفريقيا، عندما سمعن أن الإنجليز لا يعددون الزوجات، صحن قائلَاتٍ: إنهن لا يستطعن أن يفهمن كيف أن الإنجليزيات يرضين بهذه العادة. ويذكر لفنجستون أن نظام تعدد الزوجات سائد لدى القبائل المستقرة على طول ضفاف نهر الزمبيزي في أفريقيا الجنوبية.
أما الزواج عند اليونانيين، فكان الرجل يتزوج امرأة واحدة، ولكنهم كانوا يبيحون التسري بالنساء الحرائر والأسيرات. وكان الزواج الأول زواجًا دينيًّا، أما الثاني فزواج مدني للنسل، وقد سمحت شرائعهم بأن يتزوج الرجل من أهله وأقاربه وأخواته بلا قيود، لحفظ الدم نقيًّا.
وعند الرومان، كان الزواج على نوعين: الزواج الأول زواج بـ«مانوس»، وفيه تندمج المرأة في أسرة زوجها، وتكون له عليها كل سلطة، وتخرج تمامًا من أسرة أبيها، ولا تبقى لها به أي علاقة. والنوع الثاني زواج «بغير مانوس»، حيث تحتفظ المرأة بمكانها في أسرة أبيها، ولا تتصل بأسرة زوجها بأي سبب.
ومع ذلك، فقد كانت شرائعهم تبيح المتعة والتسري.
أما عند اليهود، فقد أباحت التوراة المحرّفة للرجل، بعد الزوجة الأولى، أن يتسرّى من سبايا الحروب بما شاء، وأن يتركهن متى شاء.
وفي المسيحية، يُعتبر الزواج أدنى درجة من العزوبة، وقد جاء في قوانين الكاثوليكية أنه يُعتبر محرومًا كل من قال إن حالة الزواج أفضل من حالة العزوبة، أو إن الإنسان يكون أسعد حالًا إذا كان متزوجًا مما إذا كان أعزبًا.
وقد حكموا عليه بهذا الحكم، باعتبار أن الزواج من الشهوات البهيمية الجسدية، وأن الإنسان الكامل لديهم يجب ألا يفكر في الشهوة، بل ينقطع للعبادة ليتصل بعالم الكمال الأقدس!
ضد الفطرة
وبسبب هذا التصادم الواضح مع الفطرة السليمة، والتطرف الشديد ضدها، حفل التاريخ الكنسي بفضائح كثيرة، عُرف بعضها، ولم يُعرف عددها الأكبر منها، وكلها عبارة عن إفراز طبيعي لقوانين غير طبيعية، وثمرة شاذة لأفكار أكثر شذوذًا؛ فقد انتشر الفساد في دول الغرب، ربما دون استثناء.
وأصبح الأزواج والزوجات الذين فقدوا الانسجام والرغبة المشتركة يعيشون تحت سقف واحد، مظهرًا لا حقيقة، ولكل منهم صولاته وجولاته، بالاتفاق فيما بين الطرفين ـ في معظم الأحوال ـ فرارًا من تعسف الكنيسة وقسوة القوانين؛ فضاعت الأنساب، وضاعت الطمأنينة، وتبدد السكن والمودة اللذان تقوم عليهما الحياة الزوجية الآمنة.
أما عن رجال الكنيسة أنفسهم، فنذكر هنا بعض الحوادث الثابتة التي وقعت في وقت متأخر، حتى لا نُجهد ذاكرة القارئ، وذلك بإيجاز:
- ذكرت الإذاعة البريطانية، في 19 يونيو 1992، خلال أحد برامجها الدينية، أن الأسقف الإنجليكاني «أندرسون»، وهو أحد كبار الكهنة الإنجليز المنادين بتعيين النساء قسيسات في الكنيسة، قد استقال لأسباب وُصفت بأنها صحية، بعد أن أُلقي القبض عليه في شهر مايو، بتهمة التعرض لرجل في ميدان عام، وطلب ممارسة الشذوذ الجنسي معه، لما رآه منه من قابلية لذلك.
- وفي شهر مايو نفسه، تفجرت فضيحة معروفة عندما استقال أحد كبار أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا الشمالية. وملخصها أن الأسقف أقام علاقة زنا مع سيدة أمريكية كاثوليكية استمرت أعوامًا طويلة، وأثمرت ولدًا بلغ من العمر سبعة عشر عامًا. وكان الأسقف ينكر بنوته، وتبيّن أنه أنفق عشرات الألوف من أموال الكنيسة على هذه السيدة، وأخيرًا اعترف ببنوّة الولد، ثم استقال من منصبه في الكنيسة.
- وكلنا يذكر القس جيمي سواغرت، والمناظرة الدينية المشهورة التي جرت بينه وبين الداعية الشيخ أحمد ديدات، وهزمه الشيخ فيها وأفحمه، على الرغم من السمعة غير الحميدة التي اكتسبها سواغرت بتطاوله المستمر على القرآن الكريم وعلى شخص الرسول ﷺ، ودعايته المغرضة ضد الإسلام. وكان يُعتبر الوحيد من بين رجال الدين المسيحيين الأمريكيين الذي لا يتورع عن مهاجمة الديانات الأخرى، وحتى زملاء عقيدته. وهذا القس فضح زميله القس مارفن غورمان، من مدينة نيو أورليانز بولاية لويزيانا، بارتكابه «لعمل غير أخلاقية مع امرأة سنة 1986، واتهمه بقضايا أخلاقية لا تُحصى، قام على أثرها القس غورمان برفع دعوى قضائية ضد القس سواغرت، مطالبًا فيها بتعويض قدره 90 مليون دولار، ولكن القضية شُطبت في وقت لاحق، ويبدو أن السبب يرجع إلى صحة الاتهامات.
ثم دارت الأيام، وإذا بالخصم القديم، القس مارفن غورمان، يضع يده على سانحة للثأر، بعد أن تجمعت لديه المعلومات والصور والبراهين عن ممارسات القس سواغرت اللاأخلاقية، فقدمها إلى مجلس جمعيات الرب، التي يرأسها القس سواغرت نفسه. وتوضح المعلومات أن سواغرت كان على علاقة بعدد من النساء الساقطات، وقد التُقطت له صور وهو يتردد على فنادق نيو أورليانز لهذا الغرض، وأنفق أموالًا على هؤلاء النساء للقيام بأعمال داعرة لإشباع رغبة نشأ عليها ولم يستطع التخلص منها، رغم وضعه الديني وتقدمه في السن.
وقد أجهش بالبكاء، وهو يقدم اعترافاته في مركز الإيمان العالمي بمدينة باتون روج، بولاية لويزيانا، واتجه نحو زوجته فرانسيس وقال: «أوه... لقد ارتكبت الخطيئة ضدك!».
ثم هذه هي الأم تيريزا الشهيرة، التي تحاط بدعاية واسعة في الإعلام العالمي، كجزء من النشاطات التبشيرية للكنيسة الكاثوليكية في روما. فهذه الأم والطبيبة! لم تكن بعيدة عن فضيحة بيع فتيات هنديات للكنيسة الكاثوليكية في أوروبا منذ سنوات، لإدخالهن في الأديرة كراهبات، بعد خلو هذه الأديرة من المتقدمات الأوروبيات بسبب تعارض قوانين الأديرة مع الفطرة الإنسانية.
أهداف القوانين الوضعية:
إن تخلّصنا من أحكام الشريعة الإسلامية، واقتباس قوانين الأسرة الوضعية على النسق الغربي، يؤدي بمجتمعاتنا إلى النتائج نفسها التي نلمسها في المجتمعات الغربية. وهذه القوانين الوضعية تهتم اهتمامًا بالغًا، على سبيل المثال، بتحديد السن الأدنى للفتاة عند الزواج، وساعدت الأزمات الاقتصادية على أن يصل متوسط سن الفتاة عند الزواج إلى 29 سنة (من دراسة نُشرت في مجلة روز اليوسف، يناير 1994م).
وتقيّد القوانين الوضعية، التي صيغت على النسق الغربي، شرع الله في تعدد الزوجات، بل يهاجمه دعاة التحديث في كثير من الأحيان، ويطالبون بإلغائه.
وفي تونس، يجرّم القانون الوضعي واقعة الزواج الثاني، وقد نشرت الصحف هناك وقائع القبض على زوج متهم بتهمة زواجه من امرأة ثانية، وُجدت معه في شقة الزوجية. وأثناء المحاكمة، خطر للمحامي المجتهد أن ينفي تهمة الزواج الثاني بالإيعاز إلى المتهم (الزوج) بأن يعترف بأن المرأة التي كانت معه هي في الحقيقة عشيقته وليست زوجته، فحكمت المحكمة بالبراءة!
التنوير والإظلام:
والحقيقة أنه لا يوجد حكم من أحكام الشريعة الإسلامية تعرّض للهجوم الظالم العنيف أكثر من شرع الله في مسألة تعدد الزوجات، الذي يُستخدم دليلًا على الحط من قدر المرأة المسلمة، ويُفسَّر على أنه قانون شهواني. وأقل ما يقوله دعاة التحديث عن «تعدد الزوجات» أنه نظام متخلف، لا يصلح إلا للمجتمعات المتخلفة.
وفي الواقع، فإن الذين يروّجون لهذه الافتراءات يعلمون أن عدم تعدد الزوجات هو الذي أدى إلى تخلف المجتمعات في العصر الحديث وفسادها وانحطاطها؛ حيث زاد عدد النساء على عدد الرجال بسبب الحروب، فزاد الفساد واللقطاء، وانتشرت الأمراض، وعمّت الفوضى الجنسية. ويعلم هؤلاء أيضًا أنهم يخالفون أسمى منطق عقلاني رحيم أقرّته الحكمة الإلهية، وأنهم يعادون بذلك دينهم، لتعارض ما يطالبون به مع القرآن والسنة. لكنها العبودية ومركّبات النقص تجاه قيم الحضارة الغربية.
أما العالم الغربي نفسه، فإن الانزعاج الذي يُظهره تجاه تعدد الزوجات يرجع إلى التأكيد المفرط على الفردية والحرية الشخصية، إلى درجة الفوضى التي تهيمن على المجتمع الحديث، حتى اعتُبر الزنا شيئًا عاديًّا مقبولًا، والخيانة الزوجية حرية شخصية.
وحول قضية تعدد الزوجات، كتب واحد من أكثر الكتّاب معرفة بالمجتمعات الغربية، وهو الأستاذ أنور علي خان، في مجلة «الضياء» التي تصدر في نيودلهي بالهند، يقول:
«إن حكم تعدد الزوجات لم يقرره الإسلام لكبح جماح الرجال غير العاديين فقط، ولكن أيضًا لإنقاذ المرأة المسلمة من أن تكون نهبًا للذئاب البشرية. فالمعروف أن الزوج الذي قرر أن يتزوج امرأة أخرى سيفعل ذلك في كل الأحوال وفي أي مكان، وتحت أي أحكام؛ فالأفضل للمرأة الثانية ـ والأولى في المقام الأول ـ أن يكون زوجها مسؤولًا عنهما في هذه الحالة، والذين يطالبون بإلغاء تعدد الزوجات:
يقولون، عن وعي أو بدون وعي: إن تعدد الزوجات الواجب إلغاؤه عمل متخلف وغير إنساني، تمامًا مثل الطلاق؛ فلا بد أيضًا من أن يُرغم الرجل على البقاء مع المرأة التي ارتبط بها، وألا يطلقها بأي حال من الأحوال. وهذا الأمر هو ما شرعته المسيحية قبل هجمة الثورة الجنسية الفاجرة في المجتمعات المسيحية الغربية في الحقبة الحديثة.
إن من يعترض على تعدد الزوجات أو الطلاق هو، في الواقع، إما أنه من النوع الذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، أو سليم الطوية لكنه غبي شديد الغباء؛ لأنه لا يدري ما ينتج عن إيقاف العمل بهذا القانون الإلهي من كوارث مهلكة لا تخفى على أحد اليوم.
ومن المخزي والمؤسف حقًّا أن قوانين الأسرة والأحوال الشخصية الإسلامية قد بُترت بعنف في معظم البلدان الإسلامية، لدرجة أن دعاة التحديث الذين يسمون أنفسهم دعاة التنوير ـ وهم في الواقع دعاة التخريب والإظلام ـ يعتبرون الرجل الذي يأخذ بتعدد الزوجات مجرمًا شاذًّا؛ مما يعني أن هذا الحكم يسري على رسول الله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، وهو الاتهام الشنيع نفسه الذي يردده مع هؤلاء أولئك الذين يدّعون أنهم مسلمون، وهم في الواقع أعداء للإسلام.
خطوة بخطوة... وراء الغرب:
كان قاسم أمين، أشهر مسلم في تاريخ العالم الإسلامي الحديث، يدعو للفحشاء ويشن حملة مسعورة ضد الحجاب (1865–1908). كان قاضيًا (مستشار المحكمة الأهلية بالقاهرة)، تربّى على الطريقة الغربية وتلقّى تعليمًا فرنسيًّا في مدارس التنصير، وأوهمته الشعارات التبشيرية التخريبية بأن الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق هي السبب في تأخر المسلمين.
وكان عداؤه للإسلام يشتد كلما شعر بحقارة نفسه تجاه معلميه الغربيين؛ فقد كانت عقدة النقص شديدة بداخله، وكان إحساسه بأنه ذليل وضيع أمام من يعتبرهم سادته الغربيين من أهم الأسباب وراء هجومه على الإسلام ـ كمسلم ـ ووراء دعوته لتدمير المرأة المسلمة، حيث كتب يقول:
«ومن الغريب أن المسلمين في جميع أزمان تمدنهم لم يبلغوا مبلغ الأمة اليونانية، ولم يتوصلوا إلى ما وصلت إليه الأمة الرومانية من جهة وضع النظم «اللازمة لحفظ مصالح الأمة وحريتها، فقد كانت لتلك الأمم جمعيات نيابية ومجالس سياسية تشترك بها مع الحاكم في إدارة شؤونها. وأغرب من هذا أن أمراء المسلمين وفقهاءهم لم يفكروا في وضع قانون يبين الأعمال التي وجدوا أنها تستحق العقاب (!!!)».
ثم يصل الأمر به إلى انتقاد الزواج الإسلامي، فيقول:
«كذلك إن نظرنا إلى حالة المسلمين العائلية، نجد أنها مجردة من كل نظام، حيث يكتفي الرجل في عقد زواجه أن يكون أمام شاهدين...».
ويضيف:
«ومسألة حقوق المرأة هذه وتربيتها، فقد أجهدت كثيرًا في أن أقف على رأي علماء المسلمين فيها، من المتقدمين أو المتأخرين، فما وجدت شيئًا... فالدين بالنسبة لموضوع المرأة خليط مشوش مانع من الرقي».
(من كتابه المرأة الجديدة).
ثم يواصل قاسم أمين افتراءاته على الإسلام والمسلمين لصالح شعار تحرير المرأة المسلمة ودفعها للحياة على النمط الغربي، فيقول:
«أوروبا تسبقنا في كل شيء... وبالرغم من أننا اعتدنا أن ننظر إليهم بوصفهم متفوقين علينا ماديًّا، ونحن أفضل منهم أخلاقيًّا؛ فهذا ليس صحيحًا... فالأوروبيون متفوقون أخلاقيًّا... إن حرية النساء في أوروبا لم تقم على العادات والعاطفة، وإنما على المبادئ والأسس العقلانية والعلمية. فمن العقيم أن يتصور الأخذ بعلوم أوروبا بدون تبني أخلاقياتها؛ لأنهما شيئان متصلان في وحدة واحدة... ومن ثم لا بد أن نتهيأ للتغيير في كل نواحي حياتنا».
ويريد قاسم أمين للمرأة المسلمة، التي حفظ لها الإسلام مكانتها ووقارها، وحماها من الشرور التي تكتنفها في عالم الطبيعة البشرية، أن تكون كالمرأة الغربية في تحررها الذي تخطى مرحلة العهد العلني، إذ يقول:
«وصل احترام الرجل الغربي لحرية المرأة إلى أن الأب لا يفتح الخطابات التي ترد لابنته، وكذلك الزوج. وهذه المسألة الأخيرة كانت موضوع بحث مهم بين أعضاء جمعية المحامين الفرنسيين، وتقرر فيها أن سلطة الزوج لا تتيح له «أن يطلع على أسرار زوجته؛ لأن هذا العمل يُعدّ تجسسًا مهينًا لحرية المرأة وشرفها» (المرأة الجديدة، ص ٦٧).
ويضيف:
«ووصل احترام الرجل الغربي لحرية المرأة إلى أن بناتًا في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن، ويقضين الشهور والأعوام متغيبات... ولم يخطر على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن هذه تعرضهن للخطر» (المصدر السابق).
بل يتمادى قاسم أمين في الدعوة إلى تغيير نظام الأسرة المسلمة على هذا النحو، فيقول:
«كان من حرية المرأة الغربية أن يكون لها أصحاب غير أصحاب الزوج... والرجل في كل ذلك يرى أن زوجته لها الحق في أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها، وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها... ومع كل ذلك نرى نظام بيوت هؤلاء الغربيين قائمًا على قواعد متينة (!) ونرى هذه الأمم في نمو مستمر، ولم يحلّ بهم شيء من المصائب التي يهددنا بها أولئك الكُتّاب والفقهاء من قومنا، الذين أطالوا الكلام في شرح المضار التي تنتج عن إطلاق حرية النساء. فكثيرًا ما سمعنا منهم أن اختلاط الرجال بالنساء يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وأنه متى اختلطت الأنساب وقعت الأمة في الهلاك، فهذه ممالك أوروبا جميعها مختلطة في كل أطوار الحياة وفي كل...».
ثم يضرب للمسلمين الأمثلة، في وقاحة بالغة، حتى يجعلهم يحتذون حذو النصارى واليهود، ويحكم على ما جاء في الإسلام من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية بأنه نظريات خيالية لا قيمة لها، فيقول:
«وها هم إخواننا أبناء وطننا المسيحيون واليهود، الذين تركوا عادة الحجاب من عهد قريب، وربّوا نساءهم على كشف وجوههن ومعاملة الرجال، فأين هم من الاختلال والهلاك؟ لنترك هذه النظريات الخيالية التي لا قيمة لها أمام الوقائع...».
إن الإسلام لا يعترف بمثل هذه الفوضى المتمثلة في المفهوم الغربي عن مساواة المرأة بالرجل، والتي تعني، كما هو ظاهر للعيان، فوضى جنسية بين الإناث والذكور الذين ينغمسون في الجنس الحرام، كما كان الحال في عهود الجاهلية.
الأولى. لذلك، فإن قوانين الشريعة الإسلامية في هذا الشأن إنما هي في صالح المرأة ولفائدتها أولًا وأخيرًا؛ فهي تحجبها عن عبودية الرجل لها، واسترقاق الجميع لأنوثتها وكرامتها وكيانها كإنسانة. إن الإسلام هو الديانة الوحيدة الفريدة بين أديان العالم التي لا تنهى عن الفحشاء فحسب، ولكنها تحرّم على المؤمنين القيام بأي أنشطة اجتماعية من شأنها أن تؤدي إليها.
ومن الواضح هنا أن كل «أبطال» حركات تحرير المرأة لا يعملون إلا لتدمير المرأة. وتشير إلى ذلك إحدى السيدات المناصرات لجمعية «كل نساء باكستان»، في ندوة لها بمدينة لاهور، وهي السيدة سانتام محمود، إذ تقول:
«إن النساء الغربيات، بعد حصولهن على حريات زوجية وتحرر اجتماعي ومساواة بالرجل، وجدن أنفسهن ضائعات، ويعشن الآن العذاب بدلًا من السعادة التي يتوهمنها. لقد فقدن السعادة الحقيقية بفقدان كرامتهن وحقوقهن الأساسية لهذه الحرية وتلك المساواة المزعومة، وفوق ذلك يقعن صرعى الحياة اليومية، بعد أن ضاعت راحة البال من عقولهن، وسكينة النفس من أرواحهن».
أما السيدة قيصرة أنور علي، فقد أصابت كبد الحقيقة في كلمتها بالندوة نفسها، وهي تقول:
«إن حركة تحرير المرأة وتدميرها بدعاوى المساواة مع الرجل وتركها بيتها، ومن ثم تدميرها بالفاحشة، وقطع نسلها بوسائل تنظيم الأسرة من أجل تقدم المجتمع، ليست سوى نوايا تبشيرية وصهيونية مدعومة لتدمير المجتمع المسلم. فتلك الأنشطة ستؤدي في العالم الإسلامي إلى مزيد من الخراب والتفسخ والقذارة والأمراض، بالانغماس المادي في الملذات على نحو فوضوي شامل، في علاقات محرمة لا تؤدي إلا إلى ظهور الجرائم والأمراض (الإيدز على سبيل المثال)، واللقطاء، وانعدام الثقة، والأنانية، والفردية المهلكة، وتجعل المجتمع ينتكس بشدة إلى عهود الجاهلية الأولى».
إن تاريخ الأمم والممالك والإمبراطوريات يقول لنا، على نحو وثائقي مثبت: كيف تنهار الأمم بانهيار الأخلاق؟!
الطريق إلى الانهيار:
بدأت الحركات النسائية، في العصر الحديث، تقلب موازين المجتمعات الإنسانية، وأخذت تُحدث خللًا في الأسس الفطرية السليمة التي تقوم عليها الأسرة، وكان الزواج أكثر هذه الأسس إصابةً وتدميرًا، وكذلك الأطفال.
وقد قام الاشتراكي الألماني فريدريش إنجلز بكتابة أطروحته المعنونة «قهر النساء» عام ١٨٦٩، ووضع فيها قواعد ما سُمّي بالحركة النسائية. وفي عام ١٨٨٤، أعلن إنجلز رسميًّا أن «الزواج صورة تحولية كثيفة من العبودية»، وصاح مطالبًا بإلغاء الزواج، واقترح أن تلعب الدولة دور الوالدين في تربية الأطفال وإعالتهم.
وكان أهم حدث في مسيرة الحركة النسائية في أمريكا هو توقيع ميثاق سينيكا فولز سنة ١٨٤٨، الذي أقر حق المرأة في تطليق زوجها، وأخذ العصمة الزوجية بيدها، ووصايتها على الأولاد، وإلغاء التمييز على أساس الجنس في وظائف الرجال، وأخيرًا تحرير المرأة من أي قيود اجتماعية يفرضها الزوج.
ثم أصبحت الحركة أكثر تمردًا؛ ففي عام ١٩٧٠، تجمعت ألوف النسوة في مسيرة صاخبة بالشارع الخامس في نيويورك، وهن يحملن لافتات تقول:
ربات البيوت إماء بالسخرة!
لن نطبخ بعد اليوم!
الليلة انتهى عهد القرابين البشرية!
لا تتزوجي أيتها الفتاة!
فليُبَح الإجهاض!
الاعتماد على الزوج في العيش حياة غير كريمة!
واليوم، تعارض الحركات النسائية التمييز بين الأدوار الاجتماعية على أساس الجنس (المرأة أو الرجل)، فهي تنكر الفروق البيولوجية التركيبية الظاهرة بين المرأة والرجل، وتطالب بإلغاء قانون الزواج ونظام الأسرة والبيت، وتؤكد التمتع بحرية جنسية كاملة.
وتطالب الآن بأن يكون للمرأة الحق في تقرير الحمل والإنجاب وحدها، كما تطالب بحق المرأة في اتخاذ ما تراه من وسائل منع الحمل، سواء بموافقة الزوج أو بمشاركة أصدقاء الزوجة. وتطالب الدولة بالتراجع عن القوانين المجرِّمة لعملية الإجهاض، وتعتبره حقًّا قانونيًّا للمرأة وحدها في جميع مراحل نمو الجنين، كما تطالب بتوفير خدمة الإجهاض المجاني في المستشفيات تحت رعاية الدولة، خاصةً للنساء الفقيرات.
وفي مجال الاختلاط، تعمل الحركات النسائية على إلغاء العزل بين البنات والبنين في ساحات الألعاب الرياضية المغلقة (الجمنزيوم)، وفي دروس التربية الرياضية.
ومن أغرب أعمال الحركة النسائية العمل على تغيير الإعلام الجماهيري كليًّا، وذلك لوقف تصويره للأدوار النمطية المخصصة للجنسين، وجعله يصوّر النساء كأنداد للرجال في كافة المجالات. ويشمل ذلك تغيير كتب الأطفال التي تظهر في قصصها صورة للأبوين معًا، وجعلها تظهر صورة لأحدهما فقط، وصورًا لأمهات مطلقات وأمهات بلا أزواج، بوصفها نماذج مألوفة للأطفال!
كما تقترح زعيمات هذه الحركة النسائية تغيير المؤسسات التقليدية (١) المتمثلة في الزواج والبيت والأسرة، وتحويلها إلى مجتمع يعيش فيه الرجال والنساء في شيوعية اجتماعية كبيرة، تتولى الدولة فيه رعاية الأطفال والاهتمام بهم.
ومن بين الخيارات البديلة التي تدفع زعيمات الحركات النسائية النساء إلى اتخاذها وجعلها مقبولة اجتماعيًّا: السحاق (أو الجنسية المثلية الأنثوية)، لدرجة أنه توجد فروع عديدة لمنظمة تُسمّى «بنات بيلتيس»، تتبع رسميًّا جمعيات الحركة النسائية، وهدفها الترويج للشذوذ الجنسي بين الأنثى والأنثى ضمن إطار حركتها المجنونة.
وهكذا ترتد نساء أمريكا إلى المجتمع البدائي المتخلف. وقد كتب جوان كوك وتشارلوت بنتش، في كتابهما المرأة وبعض الجديدة: مقتطفات نشطة عن تحرير النساء، نيويورك، ١٩٧٠، ملاحظات واقعية مريرة حول النظام الذي يعيش فيه الرجال والنساء في شيوعية اجتماعية كبيرة، فقالا:
«لقد لقّن مجتمعنا الامتناع والترفع التام عن الجنس، ثم لقّن مجتمعنا الوفاء لشريك حياة طيلة العمر... ومع هذا كله، يفعل المجتمع ما في وسعه للإبقاء علينا جهلاء ومرتبكين بشأن ما يمكن التحصل عليه من حياة جنسية كاملة».
ويضيفان:
«ماذا عن وفاء أحد الزوجين للآخر؟ يبدو لمعظم البالغين ضرورة التمسك بعلاقة أساسية تأتي في المقام الأول، ولكن إذا وُجدت مشكلة ما في العلاقة الأساسية بين الزوجين، فإنها تجعلنا نحاول الهرب من خلال سلوكيات لعوبة أو الاتصال بعشيق. ولأن ذلك يمثل هروبًا، لذلك تبقى المشكلة بدون حل...».
ولكن هل يؤدي هذا النوع من تحرر الرجال والنساء إلى تدمير الأسرة الأمريكية التقليدية؟
«نعم، سيدمرها... فهي مؤسسة ذات مشكلات كثيرة... وإن اعتبارات القدرة الذاتية والكفاءة، وقوة الاقتصاد في مواجهة المصاعب، والفرص الموجودة داخل المجموعات الأكبر حجمًا التي تحيا وتعمل جماعيًّا، تجعل من الأمر فكرة طيبة أن نختبر بعض أنماط النظام المشاع...».
ولحسن الحظ، لم تصل زعيمات الحركة النسائية في البلدان الإسلامية إلى مثل هذا الحد من التطرف المجنون.
الأركان الأربعة:
وفي كتابه مثاليات وواقعيات الإسلام، يقول مؤلفه الأستاذ سيد حسنين نصر (لندن، ١٩٦٦):
«إن الأسرة الإسلامية التقليدية هي وحدة من لبنات الاستقرار في المجتمع، ولذلك فإن الزوجات الأربع اللاتي أُبيح للمسلم أن يتزوج بهن، هن في الحقيقة بناء أسري من أربعة أركان؛ فهو إجراء لثبات دعائم المجتمع وتوطيدها.
والكثيرون لا يفهمون لماذا أقر الإسلام هذا النوع من البناء الأسري، ويهاجمون الإسلام وكأن تعدد الزوجات أمر يتعلق بالإسلام وحده. فنجد دعاة التحديث من المسلمين يتحاملون بفكر صليبي على الإسلام لإقراره تعدد الزوجات، لدرجة أنهم يتطاولون عليه بوصفه باللاأخلاقية، ويفضلون الاتصال الجنسي الحرام غير الشرعي على هذا النموذج الاجتماعي المخلص النبيل، الذي يحمي المجتمع من الهزات والخلل، ويحميه من الفوضى والزنا والأمراض والشرور المصاحبة للجنس الحرام.
والمشكلة هنا لا تكمن في رأي الحاقدين الغربيين، لكن في ذلك القطاع المتفرنج المتشدق بالعصرية والتحديث من المسلمين، الذين يجهلون تمامًا تعاليم الإسلام، دينهم السمح. والسبب بسيط؛ هو أنهم في حالة اغتراب كامل، ويقيسون الأمور بمقياس التغريب وينظرون إليها بمنظاره...».
لقد اشتغل الناس بأمر التعدد، فشُغلوا بذلك عن الزناة والمنحرفين، حتى أصبحت حوادث الزنا وجرائم الاغتصاب لا تحرك أحاسيس الناس ولا تدفعهم إلى التفكير في العلاج. وانشغل رجال القانون بتقييد التعدد أكثر من انشغالهم بمحاربة جرائم الزنا في كثير من الأحيان.
فهل وصل التعدد إلى هذه الدرجة من الخطورة؟!
وإذا كان التعدد من حق الرجل، لصالح المجتمع، ثم حُرم منه، بينما هو مضطر إليه في حالات كثيرة، في زمن تحرير المرأة، فهل لنا أن نطالب اليوم بحقوق الرجل؟!
أصوات من الغرب:
ويجدر بنا في هذا المجال أن ننصت لبعض الأصوات التي تعلن تأييدها لتعدد الزوجات. وقد جاءت هذه الأصوات من الغرب عن طريق التفكير العقلاني المجرد، بعيدًا عن تأثير العقيدة الإسلامية، بل على العكس، فهي شديدة التأثر بقوانين تُجرّم التعدد.
يقول المؤرخ جوستاف لوبون:
«إن مبدأ تعدد الزوجات (الشرقي!) نظام طيب لرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تأخذ به، ويزيد الأسرة ارتباطًا، ويمنح المرأة احترامًا وسعادة لا تراها المرأة في أوروبا، حيث تتزوج زواجًا شرعيًّا ولا تقع في علاقات آثمة...».
ويضيف قائلًا:
«ولست أدري على أي أساس يبني الأوروبيون حكمهم بانحطاط ذلك النظام، نظام تعدد الزوجات، بل إنني أرى أن هناك أسبابًا تحملني على إيثار نظام التعدد على ما سواه...».
ويقول الاجتماعي الفرنسي إتيين دينيه:
«إن نظرية عدم تعدد الزوجات، وهي مأخوذة عن المسيحية، ظاهرة تنطوي على سيئات عديدة، وقد ظهرت هذه السيئات بوضوح في نتائج واقعية شديدة الخطر، وهي: انتشار الدعارة، وتفشي العنوسة بين النساء، وظهور الأبناء غير الشرعيين بكثرة كبيرة».
ويضيف دينيه:
«إن الواقع يشهد بأن تعدد الزوجات قائم في أرجاء العالم، وسيظل موجودًا مهما تشددت القوانين في تجريمه، ولكن المهم هنا هو معرفة ما إذا كان من الأفضل أن يصدر به تشريع، أم يظل نوعًا من النفاق المستتر...».
ثم يوضح أسباب ظهور الأمراض الاجتماعية في البلدان الإسلامية، فيقول:
«إن هذه الأمراض الاجتماعية ذات الجذور الأخلاقية لم تكن معروفة في البلدان التي طُبقت فيها الشريعة الإسلامية تمام التطبيق، وإنما دخلتها هذه الأمراض وانتشرت بها بعد الاحتكاك بالمدنية الغربية...».
ومن الأمثلة على ذلك ما كان من أمر منطقة وادي ميزاب بالجزائر، حيث تسكن القبيلة المعروفة بهذا الاسم، إذ لم تُعرف الدعارة فيها إلا بعد أن ضُمّت إلى فرنسا عام ١٨٨٣م.
ونشرت جريدة «لاغوس ويكلي» مقالًا لإحدى السيدات البريطانيات، نقلًا عن جريدة «لندن تروث»، جاء فيه:
«لقد كثرت الفتيات الشاردات من بناتنا، ولم يعد أحد من الباحثين يهتم بالوقوف على أسباب ذلك. إن قلبي يتقطع عليهن شفقةً وحزنًا، ولكن ماذا عسى أن يفيدهن ذلك، حتى لو شاركني فيه الناس جميعًا؟».
وهذا عالم الاجتماع البريطاني توماس يحلل أسباب المأساة التي تعيشها المرأة في الغرب، فيقول:
«إن تحديد زواج الرجل بواحدة هو الذي جعل بناتنا شاردات، وسوف يتفاقم الشر ما لم نُقرّ نظام زواج الرجل بأكثر من واحدة. وبهذا النظام تصبح بناتنا ربات بيوت؛ فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بزوجة واحدة (!!)».
واستطرد يقول:
«ما أكثر الشكوك التي تحيط اليوم بعدد كبير من الرجال المتزوجين الذين لديهم أبناء غير شرعيين، أصبحوا عالةً وعارًا على المجتمع. فإذا كان تعدد الزوجات مباحًا، لما حاق بأولئك الأبناء وأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان، ولسَلِم عرضهن وعرض أبنائهن. إن إباحة تعدد الزوجات تجعل من كل امرأة ربة بيت وأمًّا لأولاد شرعيين».
ويقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور:
«إن قوانين الزواج في أوروبا قوانين فاسدة بمساواتها المرأة بالرجل، فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة، فأفقدت الرجال نصف حقوقهم، وضاعفت على النساء واجباتهن. وإذا كانت هذه القوانين قد منحت المرأة حقوقًا مثل الرجل، فعليها أيضًا أن تمنحها عقلًا مثل عقله...».
ويضيف قائلًا:
«إن المرأة، في الأمم التي تجيز تعدد الزوجات، لا تعدم زوجًا يتكفل بشؤونها. إن المتزوجات من بناتنا عددهن قليل، أما غير المتزوجات فلا يُحصى عددهن؛ تراهن هنا وهناك بغير كفيل، بين فتاة بكر من الطبقات العليا قد هرمت وشاخت، تهيم على وجهها متحسِّرة، ومخلَّفات أخرى ضعيفة وفقيرة من الطبقات الأدنى. يتجشَّمن الصعاب، ويتحمَّلن مشاقَّ الأعمال، وربما اضطررن إلى الابتذال، فيعشن تعيسات، متلبِّسات بالخزي والعار... ففي مدينة لندن وحدها آلاف الفتيات اللاتي فقدن شرفهن ضحية نظام الاقتصار على زوجة واحدة...
ويقول الدكتور نظمي لوقا، وصوته هنا يأتي من الشرق وليس من الغرب، إلا أنه على غير دين الإسلام: «... وما من شك في أن نظام الزوجة الواحدة الدائمة نظام مثالي... ولكن إذا نظرنا إلى الواقع، واقع الحياة البشرية، في تاريخ مجتمعاتها الغابرة والحاضرة، لوجدنا أن تعدد الزوجات موجود وقائم في حياة الرجل الواحد، سواء جهرًا أو سرًّا، وسواء برخصة من القانون أو بغير رخصة، وعندئذ لا حيلة إلا في التعدد؛ لأنه الحل الوحيد لأساس الجماعة...».
القانون المعاصر ومعركة التعدد
من المعروف أنه إذا انتشرت ظاهرة ما في المجتمع، وكان لها من الأخطار والآثار السيئة ما يؤدي إلى زيادة حجم الجريمة والخروج على القانون، قام رجال القانون بواجبهم في حماية المجتمع، فيسنّون من القوانين ما يكفل الحماية لهذا المجتمع...
فما هي الأخطار التي يمكن أن تحدث من ظاهرة تعدد الزوجات، بفرض انتشاره إلى درجة أنه أصبح ظاهرة؟ فحسب علمنا، وبناءً على الإحصائيات الرسمية (١٩٤٧م)، فإن نسبته ٣,٥٪ (من كتاب الحركات النسائية في مصر)، ولابد أن هذه النسبة قد تقلصت كثيرًا على ضوء الظروف الاقتصادية، وعجز الرجال الصالحين للزواج عن الإقدام على الزواج الأول!
يقول الدكتور زكريا البري في كتابه بداية المجتهد (ص ٨٦): «على أن تعدد الزوجات في تناقص مستمر، كما تدل الإحصاءات».
وجاء في كتاب دراسات دينية: «... على أن تعدد الزوجات قد تقلص في المجتمعات الحديثة إلى نسبة تكاد تقصره على الضرورات الملحة...».
ونقول إنه حتى في حالة الضرورات الملحة، فإن التعدد لم يعد علاجًا لمعظمها؛ فكثيرًا ما يؤثر الرجل الصبر والتضحية — بزعمه — من أجل الزوجة الواحدة، التي اعتبر المجتمع المعاصر أن الارتباط بها وحدها، حتى وإن كانت مريضة أو عاقرًا، نوعًا من الوفاء!
وجاء في المصدر السابق نفسه: «... فمحاولة خلق مشكلة تدور رحاها حول تعدد الزوجات هي محاولة مغرضة، تجعل من الحبة قبة؛ لأن الواقع قد حصر إباحة التعدد في أضيق نطاق، والنسبة التي تمارس الآن تعدد الزوجات لا تكاد تتجاوز نصفًا في الألف، ولها قطعًا من المبررات ما يفرض عليها أن تلجأ إليه، ومحاولة تقييد حرية هذه القلة ليست في مصلحة المجتمع، بل هي من أسوأ ما يضر المرأة في مجتمعنا المعاصر؛ لاستحالة السيطرة على تصرفات الأفراد الذين يواجهون هذه الضرورات، ولأن سلوك الأفراد في هذا المجال يتسم غالبًا بالتعقيد والسرية، وتنوع الذرائع، ومن العسير أن نسيطر عليه بالقانون...
التقييد بالقانون:
وعلى الرغم مما تقدم، فإن محاولات تقييد تعدد الزوجات قائمة من قبل رجال القانون، فقد أخذ المشرّع السوري — على سبيل المثال — بمبدأ تقييد تعدد الزوجات في المرسوم التشريعي رقم ٥٩، الصادر في ١٧/٩/١٩٥٣، حيث تنص المادة (١٧) منه على أن القاضي لا يأذن للمتزوج بأن يتزوج على امرأته إذا تحقق أنه غير قادر على نفقتها (وهذا شرط مرن ونسبي، ولا يمكن التحقق منه في كل الأحوال).
وفي مصر، سبق أن أُعِدَّ مشروع قانون ينص على أنه: «لا يجوز للمتزوج أن يعقد قرانه بأخرى، ولا يجوز لأحد أن يتولى عقد هذا الزواج أو يسجله إلا بإذن القاضي الذي في دائرة اختصاصه مكان العقد.
ولا يأذن القاضي بزواج متزوج إلا بعد التحري وظهور قدرته على القيام بحسن المعاشرة والإنفاق على أكثر ممن في عصمته، ومن تجب نفقتهم عليه من أصوله وفروعه».
وفي مشروع القانون الموحَّد، أُعطي للزوجة الأولى حق طلب فسخ عقد الزواج بينها وبين زوجها إذا تزوج عليها دون رضاها، وأُعطيت الزوجة الثانية حق الفسخ أيضًا إذا لم تكن عالمة بزواجه بالأولى.
وقد أقرت لجنة المراجعة هذا المبدأ، مع تعديل جزئي في بعض الأحكام وفي الصياغة القانونية.
وأوجبت المادة ١١ مكرر من القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥، والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ ٤/٧/١٩٨٥: «على الزوج أن يقر في وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية، فإذا كان متزوجًا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته ومحال إقامتهن، وعلى الموثق أن يخطرهن بالزواج الجديد بكتاب مسجل مقرون بعلم الوصول، ويجوز للزوجة التي تزوج عليها زوجها أن تطلب الطلاق منه إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما، ولو لم تكن قد اشترطت عليه في العقد ألا يتزوج عليها، فإذا عجز القاضي عن الإصلاح بينهما، طلَّقها منه طلقة بائنة...
واعتبرت المادة ٦ مكرر أن: «اقتران الزوج بأخرى بغير رضا زوجته إضرار بالزوجة، ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد زواجها عدم التزوج عليها».
ثم تقول المذكرة الإيضاحية: «الطلاق للضرر، وهو ثابت بالقانون، فأدخل القانون الجديد في مشكلة الجمع بين أكثر من زوجة، واعتبره إيذاءً للزوجة السابقة، فأعطاها الحق في طلب التفريق».
ويقول الدكتور زكريا البري في التعليق على القوانين السابقة:
«ونلاحظ على هذا أولًا، أنه لا توجد في مصر مشكلة تعدد زوجات حتى نحتاج إلى علاجها، كما قرر ذلك الجهاز المركزي للإحصاء. وإنما وجدت هذه المشكلة في أذهان خصوم الإسلام الذين يفضلون تعدد الخليلات، أي العشيقات، على تعدد الحليلات، أي الزوجات؛ هؤلاء الذين لا يجدون حرجًا في العلاقة الحرام، ولا يحرمونها قانونًا إلا إذا كانت بطريق الاغتصاب لغير المتزوجة، أما المتزوجة فلها ذلك أيضًا إذا رضي زوجها!!».
ويقول: «إن هذه النصوص اعتبرت أن تعدد الزوجات الذي شرعه الإسلام ضرر بالزوجة الأخرى يستوجب الطلاق!».
مقدمات ونتائج:
يتضح من القوانين السابقة أنها تحرص على التضييق على الرجل في مجال التعدد، ونعلم جميعًا أن التضييق في هذا المجال يؤدي إلى نتائج وآثار على الفرد والمجتمع تتجاوز حدود تصور واضعي هذه القوانين.
لقد جعل الله تعالى للرجل حق الاختيار بين التعدد والارتباط بزوجة واحدة، وهو سبحانه أعلم بحاجاته وإمكاناته. والرجل هنا يتحمل مسؤولية تتعلق بأسراره وخصوصياته التي لا ينبغي أن تكون معلنة ومباحة لجميع الآذان والألسن، وسوف تكشف القوانين المقيِّدة هذه الأسرار في المحاكم وأمام الناس، وتجعل سلطان القاضي يتجاوز الحدود التي رسمها الشارع الحكيم له، حيث يطغى هنا على سلطان الزوج وخصوصياته.
عند دخول القضاء والقاضي بين الزوجين في مسألة لا ينبغي الدخول فيها، تُعطى الفرصة للصفات الذميمة أن تكون أسلحة في الحرب التي قامت بين الزوجين، كشهادة الزور والكذب والنفاق والرشوة... وغير ذلك، الأمر الذي يزيد العلاقة فسادًا وسوءًا بين الزوجين، ويغلق أمامهما أبواب الصلح، والصلح خير.
يعطي القانون للزوجة حق الفسخ، وفي معظم الأحوال لا تريد الزوجة ذلك، ولكنها تُدفع إليه دفعًا لتثأر لكرامتها — فقط — أمام الناس، بعد أن اعتبر القانون أن اقتران زوجها بالثانية إضرار بها. ولا شك أن ذلك سيؤدي إلى هدم الأسرة وتشريد الأبناء!
فأي إضرار بالمرأة أكبر من ذلك وأعمق وأبعد أثرًا؟ فيا ليتهم تركوا المرأة وزوجها، ينفق عليها ويحمي شرفها.
إن هذا الأثر الذي يمكن أن تحدثه القوانين الوضعية، إنما هو صورة عملية لبيان جانب من الفرق بين القانون الإلهي المعصوم، والقانون الوضعي الملغوم بهوى المقنِّن، أو عجزه وضعفه البشري وقصور علمه.
لقد وضع الله سبحانه وتعالى للبشر حدودهم، ومنعهم من التجاوز إلى أشياء فوق طاقتهم، ولم يُكلَّفوا بها، ومن هذه الأشياء ما نحن بصدده. وتعبّر عن ذلك فقرة من كتاب دراسات دينية، تقول:
«ومما يؤكد أن العدل قيمة مرنة ذات درجات أن القرآن وكَلَ إلى الرجل أمر تقدير العدالة في موقفه، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. فليس هناك أحكام صارمة، وحدود دقيقة بين العدل وعدمه، وإنما يقود الرجل إحساسه بالخوف من ألّا يعدل، وليس كالضمير قوة تحكم تصرفات الإنسان، ولا سيما في أمور الحياة الزوجية. فقد استبعد القرآن بهذا النص تدخل المشرِّع لتوصيف العدل المطلوب».
إن المعنى الوحيد لهذا: وجوب التسليم المطلق لأمر الله تعالى، والعمل بشرعه سبحانه؛ فلا تضييق لما وسَّعه، ولا توسيع لما حدَّده:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
إن وجود بعض الذين يستخدمون حقهم استخدامًا خاطئًا لا يعني أن هناك عيبًا في القانون الإلهي، إنما هو خلل وعيب في الناس أنفسهم، الذين لا يهذبون أنفسهم بالإسلام، ولا يطبقون شرع الله حق التطبيق، ولم تستيقظ ضمائرهم بخشية الله والخوف منه سبحانه. وأول من يعلم ذلك هم رجال القانون أنفسهم، وليس هناك من علاج لهذا التفريط إلا بالعودة إلى قيم الإسلام، شعوبًا وحكومات، حتى يصبح المجتمع مجتمعًا صالحًا، يتقي الله ويطبق شرعه.
أما ما يعيشه الناس من اضطراب، فهو النتيجة الطبيعية للمقدمات القائمة من الخلل في المعايير؛ إذ كيف نقارن بين الضرر الواقع من الزوج على زوجته الأولى إذا هي رضيت بالزوجة الثانية، وعاشت في كنف زوجها يرعاها ويرعى أبناءه منها، وبين الضرر الذي يقع عليها من كل اتجاه حين تصر على فسخ عقد زواجها؟ فسوف تفقد زوجها، وهذه وحدها أكبر مصيبة، ثم تفقد مالها ومن يعولها، وتضيع نفسها وأبناءها، وتهدم أسرتها، وتفسد بذلك لبنة من لبنات المجتمع.
لقد دفع القانون ضررًا أقل بضرر أكبر، استهدف حياة المرأة كلها، فضيعها، ثم تجاوزها إلى الأسرة والمجتمع.
وكيف نحاسب فئة من الناس على خروجهم عن حدود الشرع في سلوكهم، ثم نتجاوز نحن الحدود، فنضيّق على الناس بما لم يأذن به الله، ونوقعهم في الحرج والمحرمات، ثم نأخذهم بجرائمهم؟!
حكمة التعدد في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم
جمع رسول الله ﷺ بين زوجاته قبل نزول سورة النساء التي حددت عدد الزوجات بأربع، وقد اختص الله سبحانه وتعالى النبي الكريم بالاستثناء من تحديد العدد بأربع، مع تخيير نسائه إن أردن طلاقًا، فاخترن البقاء معه، ففزن بلقب أمهات المؤمنين، وحُرِّم الزواج منهن بعد وفاة النبي ﷺ، فقال تعالى مخاطبًا رسوله الكريم:
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
وقال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
ومن قراءة قصة زواج النبي ﷺ من أمهات المؤمنين، نتبين بجلاء أن الزواج لم تحكمه دوافع النزوة، ومن أبرز القرائن على ذلك قناعته بحياة زوجية طويلة مع زوجة واحدة، هي أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، حتى توفاها الله، وكان النبي ﷺ قد دخل في عمر الكهولة، حيث تجاوز الثالثة والخمسين من عمره الشريف.
وكانت غاية الرسول الكريم من بقية الزيجات هي بلوغ حكمة التشريع، وتأليف قلوب المسلمين، ونشر الدعوة، وإنقاذ بعض زوجات شهداء الصحابة من مأزق الترمل واضطهاد الأهل الكافرين، وقد تم ذلك في فترة كثرت فيها الحروب والشهداء والمترمّلات.
ولعل قراءة يوم وليلة من حياة النبي ﷺ توضح مدى انشغاله المتواصل بأمور الجهاد والدولة والأمة، وبشأن العبادة وصلته بالسماء. وقد جاء في الحديث أنه كان يقضي نصف الليل، بل أكثر من نصفه، في الصلاة وتلاوة القرآن وقيام الليل، حتى تتورم قدماه. كما كانت حياته مع زوجاته حياة تتسم بالبساطة والتقشف، وكانت هؤلاء الزوجات سندًا للدعوة، يشاركن في الحروب، ويعلمن نساء المسلمين، وما كانت سيدة واحدة تستطيع القيام بهذا العبء.
وكان لكل زيجة من زيجات النبي ﷺ سبب وحكمة:
فالسيدة خديجة رضي الله عنها، أول الزوجات، تزوجها رسول الله ﷺ في ريعان الشباب، بينما هي تدق باب عقدها الخامس، حيث تقل الشهوة وتنقطع القدرة على الإنجاب، وكان في ذلك أكبر دليل على أنه لا ينظر إلى المرأة بعين الاشتهاء. وكان النبي ﷺ يريد الكنف الآمن، والأم الحانية قبل الزوجة المتعطشة للاستمتاع بملذات الحياة، فوجد ضالته في خديجة بنت خويلد. وليس دليل أكبر على عزوفه عن رغبات الجسد سوى أنه لم يتزوج أية امرأة وخديجة تحته، فلم يتزوج ﷺ إلا بعد وفاتها، وكان وقتها على أبواب العقد السادس، حيث تقل الشهوة وتنقطع الرغبة الجسدية الملحة، أضف إلى ذلك أعباء الرسالة والجهاد. حتى إن نزول جبريل بالوحي كان له أثر في بدن رسول الله ﷺ.
وتزوج ﷺ عائشة وحفصة رضي الله عنهما، ابنتي وزيريه الصديق وابن الخطاب، نوعًا من تقريبهما ورفع مكانتهما، وتقديرًا لما قدماه للإسلام.
وكانت السيدة سودة رضي الله عنها كثيرة الصبيان، فضرب الرسول الكريم المثل في أن من مات عنها زوجها لها أن تتزوج بآخر، وحتى يتولى أحد رعاية أولادها، ضمانًا لصلاح المجتمع واستقامة مساره.
والسيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، زوجها أحد ممن شهدوا بدرًا واستشهدوا فيها. إن من يرعى دين الله ويسعى إلى إعلاء كلمته ونشر رايته لن يخذله الله في أهله وولده. وفي هذا ضرب من فتح النفس للجهاد والترغيب فيه، دون خوف على تشريد بيت أو ضياع أسرة؛ فليس الزوج هو العائل، إنما هو الله صاحب الأمر والتدبير.
واعتذرت أم سلمة رضي الله عنها لرسول الله ﷺ بأنها قد كبرت سنها، ولم تعد بها حاجة إلى المعاشرة، فيرد عليها أسعد الخلق قائلًا: «لقد أصابني ما أصابك». فالهدف من الزواج لم يكن إشباع رغبات تتأجج في الصدر دون أن تجد سبيلًا لإخمادها، وإنما الغرض هو الإحصان والكنف والمودة. فأم سلمة كانت زوجة لأحد شهداء أُحد، ولم يكن أحد من أهلها حاضرًا، أي إنها كانت بلا عائل. والرسول الكريم، صلوات ربي وسلامه عليه كان المولى عز وجل يضرب به المثل، ويحمله بشخصه مؤنة التبعة وتبليغ الرسالة، حتى يكون علامة لغيره يهتدي بها من أراد الاهتداء والاقتداء.
★ وزينب بنت جحش رضي الله عنها تختلف عن بقية أمهات المؤمنين؛ فقد زوجها الله لنبيه بأمر منه، ونزل فيها قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار. أراد الله أن يقرر أمرًا، وهو أن محمدًا لم يكن أبًا لأحد من رجال قريش، وهو بالتالي في حلٍّ لأن يتزوج بزوجة زيد، ويرد بذلك على كل من قال: تزوج بحليلة ابنه.
فالابن الشرعي هو من خرج من الصلب واعتنت به رحم الزوجة.
★ أما السيدة جويرية رضي الله عنها، فهي بما لها من سمعة وقيمة في قومها أقرب إلى دفع قومها للدخول في الإسلام.
★ وأم حبيبة رضي الله عنها، ابنة أحد قادة الشرك في مكة، وهو أبو سفيان قبل إسلامه، تحملت الكثير، ووجدت نفسها وحيدة في بلاد غريبة عندما ارتد زوجها إلى النصرانية. ومع ذلك، فهي لم تتزعزع، وبقيت ثابتة على عقيدتها.
★ أما السيدة صفية رضي الله عنها، فشأنها شأن السيدة جويرية رضي الله عنها، ومقامها لا يخفى، وهي بنت سيد بني النضير.
★ وأما السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، فيقول ابن شهاب: هي التي وهبت نفسها للنبي، كذلك قال قتادة. وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
حكايات كل يوم
نعرض هذه الحوادث التي تقع كل يوم هنا وهناك، بدون تعليق، حيث تعبّر بوضوح عن المأساة التي تعيشها الإنسانية، وهي تخالف الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
الانتحار...
أستاذة جامعية تنتحر بعد أن فاتها قطار الزواج...
وتقول التفاصيل: انتحرت أستاذة جامعية بكلية التربية بجامعة القاهرة بسبب إصابتها باكتئاب نفسي بعد أن فاتها قطار الزواج، فأشعلت النار في نفسها لتلقى مصرعها في الحال.
تقدمت الدكتورة (ق. ع)، الأستاذة بجامعة الزقازيق، ببلاغ بأن ابنتها (ن. ع)، الأستاذة بكلية التربية بجامعة القاهرة، «٣٠ سنة»، قد أشعلت النار في نفسها لأنها لم تتزوج حتى الآن.
هذه الأستاذة قد تكون ضحية غير مباشرة للنظام الذي يقيّد الزواج الثاني ويدينه.
الهروب...
والحوادث تتوالى تحت عنوان واحد: زواج النزوة، أو ما يُطلق عليه زواج الهبة، الزواج السري للهروب من الطريق المسدود أمام الزواج الشرعي الثاني؛ حيث تستقبل لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ضحايا في عمر الزهور، معظمهن جامعيات وطالبات، وكل واحدة منهن تحمل معها مأساتها.
كان منظرًا محزنًا اهتزت له مشاعر أعضاء اللجنة، حينما دخلت طالبة بكلية الآداب، وجلست أمام الشيخ السيد العرافي شمس الدين، سكرتير لجنة الفتوى، وحكت له مأساتها.
قالت: إنها تعرّفت على زميلها «ج» أثناء المحاضرات وأُعجبت به، وتضيف: فوجئت بأنه يريد أن يتزوجني، رغم أنه قلت له: «ريفي، وأنا من أسرة عريقة بالقاهرة، وأركب سيارة آخر موديل، وأهلي لن يوافقوا». فقال لي: «بسيطة». قلت: كيف؟ قال: «هاتِ ورقة بيضاء منزوعة من دفتر المحاضرات، وتعالي نحل مشكلتنا ونطفئ رغباتنا».
«دائمًا وتتحقق أحلامنا... لنتزوج زواج (الهبة)، وندوس على العقبات التي سوف تقابلنا: المهر والنفقة والجهاز وخلافات الأهل وكلمة (لا) التي سنلتقي بها. ورقة سأعطيها لك تهزم الزمن والفارق الاجتماعي والفلوس...».
ووافقت وتزوجنا، ومارست مع زميلي حياتي الزوجية في شقة مفروشة كنت أدفع إيجارها الشهري. ثم جلست مع نفسي وشعرت بتأنيب الضمير بشكل لا مثيل له، وقد أخطأت في حق نفسي بهذا الزواج السري... فماذا أفعل؟!
وبعد ساعة واحدة، فوجئ الشيخ عبد الرازق ناصر، عضو لجنة الفتوى، بفتاة تدخل عليه وهي منهارة، وأخذت تحكي له مأساتها: إنها طالبة جامعية، وأراد جارها الذي تخرج في الجامعة مؤخرًا أن يتزوجها؛ لأنه يحبها منذ خمس سنوات، ولكن المشكلة أن أمه ترفضني وتكرهني بدون أسباب. ولأنه لا يريد ولا يستطيع الاستغناء عني، عرضت عليه وأقنعته بالزواج عند مأذون، فرفض وقال: «لا، والدتي ستخرب بيتي. سأتزوجك زواج الهبة وسنحل مشاكلنا، ولن يعرف مخلوق أنني تزوجتك!!».
أضافت الفتاة: «وتزوجنا بورقة، وكان يحضر إلى بيتنا بين الحين والآخر في أوقات أحددها له، وتكون فيها والدتي في العمل، أما أبي فهو أصلًا خارج البلاد للعمل. واكتشفت منذ أيام أني حامل، طلبت منه أن يتزوجني رسميًا (!) فرفض، وأنا الآن خائفة من الفضيحة وكلام الناس، فماذا أفعل؟».
وبعد ذلك بيومين، تكررت المأساة نفسها، لكن الاختلاف في التفاصيل فقط؛ حيث دخلت إحدى الفتيات إلى الشيخ أحمد سليم، وقالت إنها تزوجت سرًّا من أحد زملائها في الجامعة بعد أن غرر بها في إحدى السهرات الخاصة، وعندما بكت ليلتها، قال لها: «بسيطة، خذي هذه الورقة، إنها تثبت أنك قد أصبحت زوجتي».
تقول الفتاة: «إني أخاف الله، وأشعر بأن والدي سيكشف أمري قريبًا، فقد أصبحت أتأخر كثيرًا عن مواعيد عودتي للبيت...».
ولا تزال الحوادث تتكرر مع فتيات يصرن عشيقات، وليس زوجات؛ يصرن ضحايا المجتمع الذي يقيّد تعدد الزوجات في نور الشرع وعلى هدي الإسلام، دين الفطرة.
