النقض على المريسي
أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُعدُّ كتاب «النقض على المريسي» من أشهر كتب أهل السنة في الرد على الجهمية والمعطلة، الذين عطّلوا صفات الرب عز وجل، بما استحدثوه من الطرق العقلية، والقياسات الفسفية، وقد علمنا أن المعطلة من الجهمية والمعتزلة وأضرابهم اعتمدوا في عقائدهم على النفي المجرد في تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وبناءً على ذلك نفوا عنه سبحانه العلم والسمع والبصر والقدرة والكلام والاستواء والرؤية إلى غير ذلك من صفات الكمال، مما ورد ذكرها في الكتاب المجيد والسنة الصحيحة.
ولا شك في بطلان هذه الطريقة في الاعتقاد والاستدلال، إذ لا يُعقل في الأذهان ذاتٌ مُجرّةٌ عن الصفات، ولا يعني اتفاق الخالق مع المخلوق في اسم الصفة (أو في المعنى الكلي المشترك) مماثلته له في حقيقتها؛ لأن ما من موجودين إلا وبينهما اتفاق من وجه واختلاف من وجهٍ آخر، ومؤدى طريقتهم هو التعطيل المحض، الأمر الذي تبنّاه (بشر بن غياث المريسي).
وكان المريسي أحد فقهاء المعتزلة المعدودين، وكان ضليعاً بالفلسفة، عالماً بالمنطق، وهو رأس الطائفة (المريسية) القائلة بالإرجاء، وإليه نسبتها. وقد أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة-، ورويت أخبار عن مناظراته مع أبي يوسف وغيره في قضايا القدر والصفات، وقال برأي الجهمية، وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه، مشهورة، وقد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره.
وأوذي المريسي في دولة هارون الرشيد، وكان موقف الرشيد فيه حازماً بسبب قوله بخلق القرآن. وكان المريسي بغدادي النشأة والمولد، وينسب إلى (درب المريس) فيها، وقد عاش نحو 70 عاماً. وقالوا في وصفه: كان قصيرا، دميم المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعر، كبير الرأس والأذنين!
وقد ردّ الإمام أبو سعيد الدارمي على هؤلاء المعطلة بالعقل والنقل وبالعربية التي يجهلونها، لا سيما في مسائل التوحيد والأسماء والصفات والقرآن والرؤية، وعلى رأس هؤلاء بشر بن غياث المريسي، فلم يعد لهم حجَّةٌ بتمسكون بها على تعطيلهم وتجهمهم. يقول عباد بن العوام الواسطي: كلمت بشرا المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.
وإنما خُصَّ المريسي بالردّ دون من تقدّمه من الجهمية (اكلجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وثمامة بن أشرس)؛ لأن مقالاتهم انتشرت وذاعت على يديه، وذلك في حدود المائة الثالثة الهجرية. وفي ذلك يقول الدارمي: وإنما اعتماد هذا المعارض على كلام بشر؛ إذ كان مشهور عند العامة بأقبح الذكر، مفتضحا بضلالاته في كل مصر اهـ.
وقد اشتهر هذا الكتاب جداً، بنسبته إلى مصنفه، وقد نقل عنه كثير من العلماء ونسبوه إليه، سيما شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان يورد كلامه في مواضع كثيرة من كتبه، وكذلك الإمام ابن القيم الجوزية أيضاًن الذي نقل عنه في أكثر كتبه، والتي منها (اجتماع الجيوش الإسلامية)، و (بيان تلبيس الجهمية)، وكذلك الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) وغيره، مما يدل على مكانته العلمية وانتشاره في كتب أهل السنة.
ويتميز الكتاب بجمعه بين الاستدلال بالكتاب والسنة، والنظر العقلي، والاحتجاج بلغة العرب، في مناقشة شبهات المريسي وأهل التعطيل؛ حتى عدَّه ابن القيم من أجلِّ كتب السنة وأنفعها في تقرير مسائل التوحيد والأسماء والصفات، كما تميّز بكشفه طبيعة الصراع الذي احتدم في القرن الثالث الهجري حول القرآن والصفات والتوحيد.
كما يبرز الكتاب منزلة الدارمي في الرد على الجهمية والمعطلة. يقول ابن تيمية -رحمه الله: ثم رد ذلك عثمان بن سعيد (يعني على أهل التأويل والتعطيل) بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم اهـ.
وقد عُرف بشر بن غياث المريسي بمقالاته الكلامية في القرآن والصفات والرؤية وأسماء الله وصفاته، واشتدت عليه عبارات عدد من أئمة الحديث والفقه، حتى نُقل عن بعضهم الحكم عليه بأشد الأحكام (حتى كفَّره بعضهم)، يقول ابن تيمية: وقد أجمع أئمة الهدى على ذم المريسية وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي اهـ. وفي المقابل نجد من يُشكك في إسلامه وينسبه إلى اليهودية؛ فقد قال وكيع: على المريسي لعنة الله، يهودي أو نصراني؛ فقال له رجل: كان أبوه أو جده يهودياً أو نصرانياً اهـ.
كما ناظره الإمام عبد العزيز بن يحيي الكناني في مسألة خلق القرآن، وانتصر عليه بين يدي المأمون، كما ذكر ذلك في كتابه (الحيدة). يقول ابن تيمية رحمه الله: فإن مضمون الحيدة أنه أبطل احتجاج بشر المريسي -يعني على القول بخلق القرآن- بقوله: {الله خالق كل شيء} وقوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا}. ثم إنه احتج على المريسي بثلاث حجج: (الأولى: أنه قال: إذا كان مخلوقا فإما أن تقول خلقه في نفسه أو خلقه في غيره أو خلقه قائماً بنفسه وذاته.
قال: فإن قال: خلق كلامه في نفسه فهذا محال ولا تجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول؛ لأن الله لا يكون مكاناً للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه - تعالى الله عن ذلك وجل وتعظم.
وإن قال: خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس، أن كل كلام خلقه الله في غيره؛ فهو كلام الله لا يقدر أن يفرق بينهما، أفيجعل الشعر كلاما لله؟ ويجعل قول القذر كلاما لله؟ ويجعل كلام الفحش والكفر كلاما لله؟ وكل قول ذمه الله وذم قائله كلاما لله؟ وهذا محال لا يجد السبيل إليه، ولا إلى القول به لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله.
وإن قال خلقه قائماً بذاته ونفسه؛ فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا رئي ولا يرى قط كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته.
فلما استحال من هذه الجهات الثلاث أن يكون مخلوقا ثبت أنه صفة لله وصفات الله كلها غير مخلوقة.
و (الحجة الثانية: اتفق هو وبشر على أنه كان الله ولا شيء، وكان ولما يفعل ولم يخلق شيئاً.
قال له: فبأي شيء أحدث الأشياء؟ قال: أحدثها بقدرته التي لم تزل.
قال "عبد العزيز": فقلت صدقت أحدثها بقدرته التي لم تزل؛ أفليس تقول إنه لم يزل قادرا؟
قال: بلى. فقلت له: أفتقول إنه لم يزل يفعل؟
قال: لا أقول هذا. قلت له: فلا بد أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة وليس الفعل هو القدرة؛ لأن القدرة صفة لله ولا يقال صفة الله هي الله ولا هي غير الله.
قال بشر: ويلزمك أنت أيضا أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، فإذا قلت ذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله. فقلت له: ليس لك أن تحكم علي وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل إنه لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل، فتلزمني ما قلت وإنما قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق؛ لأن الفعل صفة لله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع.
قال بشر: وأنا أقول: إنه أحدث الأشياء بقدرته. فقل أنت ما شئت. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئا بقدرته وقلت: إما أنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله أو بإرادة أرادها أو بقدرة قدرها، وأي ذلك كان فقد ثبت أن هنا إرادة ومريدا ومرادا وقولا وقائلا ومقولا له وقدرة وقادرا ومقدوراً عليه وذلك كله متقدم قبل الخالق وما كان قبل الخالق متقدم؛ فليس هو من الخلق.
(الحجة الثالثة لهم: أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم "تغيره" والتغير على الله محال وأبطلوا هم "هذه الحجة" الرازي وغيره؛ بأن قالوا: ما تريدون بقولكم: لو قامت به تغير أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئا آخر؟
فإن أردتم الأول كان المقدم هو الثاني والملزوم هو اللازم، وهذا لا فائدة فيه؛ فإنه يكون تقدير الكلام لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث وهذا كلام لا يفيد.
وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع فلا نسلم أنها لو قامت به لزم " تغير " غير حلول الحوادث فهذا جوابهم.
وإيضاح ذلك: أن "لفظ التغير" لفظ مجمل فالتغير في اللغة المعروفة لا يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا تحركت: إنها قد تغيرت ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى إنه تغير ولا يقولون إذا طاف وصلى وأمر ونهى وركب إنه تغير إذا كان ذلك عادته، بل إنما يقولون تغير لمن استحال من صفة إلى صفة كالشمس إذا زال نورها ظاهراً لا يقال إنها تغيرت فإذا اصفرت قيل تغيرت.
وكذلك الإنسان إذا مرض أو تغير جسمه بجوع أو تعب قيل قد تغير وكذلك إذا تغير خلقه ودينه مثل أن يكون فاجرا فينقلب ويصير برا أو يكون برا فينقلب فاجرا فإنه يقال قد تغير… وإذا كان هذا " معنى التغير " فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال والإكرام وكماله من لوازم ذاته فيمتنع أن يزول عنه شيء من صفات كماله ويمتنع أن يصير ناقصا بعد كماله. و " هذا الأصل " عليه قول السلف وأهل السنة: أنه لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل قادرا ولم يزل موصوفا بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون متغيرا، وهذا معنى قول من يقول: يا من يغير ولا يتغير فإنه يحيل صفات المخلوقات؛ ويسلبها ما كانت متصفة به إذا شاء؛ ويعطيها من صفات الكمال ما لم يكن لها؛ وكماله من لوازم ذاته؛ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال اهـ.
وتبرز اهمية هذا الكتاب من الناحية التأريخية: في كونه الأساس الأول في الرد على المعطلة وأهل التأويل، والتي تلقفوها عنه وأحدثوا فيها عبارات جديدة، كما بيّن ذلك ابن تيمية في قوله: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس - مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه "تأسيس التقديس" ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم - هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه اهـ.
وتذكر الروايات وفاة المريسي في ذي الحجة سنة 218هـ أو 219هـ، وأنه لم يحضر في جنازته أحد من أهل العلم. قال ابن تيمية -رحمه الله-: وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم: كثير في ذمهم (يعني الجهمية) وتضليلهم اهـ.
كذلك تعرّض الكتاب للردّ على محمد بن شجاع الثلجي، المتوفى سنة 265هـ أو 266هـ، والذي نسبه الدارمي إلى البدعة والهوى والكذب، وتركه كثيرٌ من الأئمة، وقد حاول رد بعض الأحاديث نصرةً لمذهب أبي حنيفة. وكان ميله إلى المعتزلة، وجرى بينه وبين المريسي محاورات ونقاشات في عدد من مسائل الاعتقاد، ولا سيما القرآن والصفات- ذكرها الدارمي. يقول الدارمي: وسننقض على الثلجي من ضلالاته، كما نقضنا من ضلالات المريسي إن شاء الله، بعون الله وتوفيقه.
ويشكّل كتاب «النقض على المريسي» ردًّا عقديًا مفصلًا على أصول المريسي ومن وافقه من المعتزلة والجهمية، وهو في ذلك يركز على تقرير عقيدة أهل السنة في توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه ورؤيته. فيقرر أن أسماء الله وصفاته ثابتة له، ليست مخلوقة ولا مستعارة من المخلوقين. ويؤكد أن مدلول الصفة (وهو القدر المشترك أو المعنى الكلي العام الموجود في الأذهان) يختلف تماماً عن المعنى الخاص الموجود في الأعيان، وأن اتفاق الأسماء لا يوجب اتفاق المسميات، ولذلك فإن ذلك لا يوجب اشتراك الخالق مع المخلوق فيما هو من خصائص الخالق، بل ما أضيف إلى واحدٍ منهما فهو مختصٌّ به، على ما يليق به، فإن الصفة تتبع الموضوف.
ومثاله: إذا قلنا لله علم وللمخلوق علم -مثلاً-، فقد اشتركا في المعنى الكلي العام، وهو العلم، لكن الإضافة تُبيّن الاختصاص، فلكل منهما علمٌ يختصُّ به، فعلم الله تعالى مطلق بكل شيء، بما كان وما يكون، بينما علم المخلوق محدود، بل ما يجهله من نفسه أكثر مما يعلمه، وكذلك القول في القدرة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك. والقول بأنا إذا قلنا لله صفة العلم وللمخلوق صفة العلم يكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق لهذا القدر المشترك بيهما -وهو العلم-؛ قولٌ باطل، لا يقوله إلا جهمي معطل، ولا يسنده عقل صريح ولا نقل صحيح.
كما يرفض الدرامي قياس أسماء الله على أسماء البشر، ويفرق بين الاسم الإلهي الدال على صفة حقيقية ثابتة لله، وبين أسماء المخلوقين التي قد لا توافق مسمياتها، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه ذات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، فهذا العرش موجود والبعوض موجود؛ فهل يقول من له مسكة من عقل: أن وجود العرش كوجود البعوض؛ لأنهما اشتركا في كلمة الوجود!
والله سبحانه وصف نفسه بالحياة؛ فقال: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، والعيد حيٌّ كما في قوله (يخرج الحي من الميّت)، فهل حياة المخلوق كحياة الخالق؟! وقال عن ذاته (وهو السميع البصير)، وقال عن العبد: (إنا خلقناه من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً)؛ فهل السمع كالسمع وهل ابصر كالبصر؟!
ومن أصول الرد عند الدارمي إبطال القول بأن أسماء الله مخلوقة أو حادثة؛ لأن هذا القول ـ في نظره ـ يفضي إلى لوازم باطلة، إذ يلزم منه أن يكون الله قبل خلق الخلق بلا اسم ولا معرفة به. واستدل على بطلان ذلك بالقرآن، حيث وردت كثير من الآيات التي أضافت الأسماء إلى الله تعالى، كـالله والرحمن والرحيم والحكيم والعزيز والجبار، كما يستشهد بقوله تعالى: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وبالآيات التي تنسب القرآن إلى الله تعالى.
ويقرر أن القرآن كلام الله لا يفنى بفناء المصاحف ولا بموت القراء، كما يناقش ما نُقل عن السلف في الحروف المقطعة، ويروي آثارًا عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهما في هذا الباب.
ويقرر الدارمي أن الله تعالى لم يزل إلهًا واحدًا، متصفًا بصفاته، مسمّى بأسمائه، وأن دعاء العبد لله بأي اسم من أسمائه هو دعاء لله نفسه، لا لاسم مخلوق أو معنى منفصل عنه. ويستدل لذلك بما ورد في السنة النبوية، ومنها حديث: «أنا الرحمن، وهي الرحم»، وحديث «لله تسعة وتسعون اسمًا»، مع التنبيه إلى أن سرد الأسماء التسعة والتسعين في بعض الروايات مدرج من كلام بعض الرواة، وليس ثابتًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ على الراجح.
كما يوضح الدارمي أن القول بحدوث أسماء الله وصفاته أو كونها مخلوقة من أعظم صور الانحراف في باب التوحيد.
ومن أبرز مسائل الكتاب إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة والرد على من أنكرها أو حملها على مجرد العلم واليقين. واستدل الدارمي لذلك بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وبالأحاديث الصحيحة التي شبّه فيها النبي ﷺ وضوح الرؤية برؤية الشمس والقمر ليلة البدر.
كما يفرق بين رؤية الله في الدنيا ورؤيته في الآخرة، مستشهدًا بحديث أبي ذر: «نورٌ أنَّى أراه؟»، وبالأحاديث المثبتة للرؤية يوم القيامة.
ويناقش تأويل الرؤية بأنها رؤية لآيات الله أو مجرد العلم به، ويرى أن تفسير النصوص النبوية ينبغي أن يبقى في إطار دلالتها المعروفة في لغة العرب، وألا يُعدل عنها إلى التأويل إلا بدليل معتبر.
ويتناول كذلك صفة النزول، مستدلًا بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ودعائه عباده إلى التوبة والاستغفار والسؤال. ويرد على تأويل ذلك بنزول الأمر أو الرحمة، ويرى أن ألفاظ الأحاديث وسياقها لا يساعدان على هذا الصرف.
ويدخل في هذا الباب إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى، كالهبوط والارتفاع والقبض والبسط والنزول والإتيان، حيث يقرر المصنف ـ وفق منهج أهل السُّنة ـ إثبات ما ورد به النص من غير تكييف ولا تمثيل، ويرفض حمله على معانٍ أخرى لم يدل عليها الدليل.
ويمضي الكتاب في إثبات الصفات الإلهية التي وردت في القرآن والسنة، كالوجه والسمع والبصر والمحبة والرضا والغضب واليدين والعينين والاستواء، مع التأكيد على أن إثباتها لا يعني تشبيه الله بخلقه ولا معرفة كيفيتها.
ويرد على أصل الجهمية القائم على أن نفي التشبيه يقتضي نفي الصفات، مبينًا أن التنزيه الصحيح هو تنزيه الله عن مماثلة خلقه مع إثبات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ. ومن هنا يرفض ردَّ جميع الصفات إلى معنى واحد، ويرى أن تنوع الألفاظ الواردة في الوحي دليل على تنوع ما دلت عليه من الصفات.
وفي مسألة العلو والاستواء واليدين، يقرر الدرامي أن الله تعالى فوق خلقه، مستوٍ على عرشه، وأن إثبات ذلك لا يستلزم تشبيهًا ولا يقتضي البحث عن الكيفية.
ويقف عند قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، ويرفض تأويل اليدين بالقدرة أو النعمة أو الرزق، ويرى أن تخصيص آدم بالخلق باليدين من فضائله التي اختصه الله بها. ويستدل لذلك بالأحاديث الواردة في اليدين، ومنها حديث «وكلتا يديه يمين»، وما ورد في خلق آدم وبسط اليد للتوبة، ليقرر أصله في إثبات النصوص من غير تكييف ولا تمثيل.
ويتصل بذلك رد المصنف على تأويلات المريسي في الكرسي والعرش؛ فقد حمل المريسي الكرسي على (علم الله) اعتمادًا على رواية لا تثبت عند المصنف، بينما يستدل الدارمي بما روي عن ابن عباس من أن «الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله»، ويرفض صرف لفظ «القدمين» إلى «الثقلين»، ويرى أن هذا التأويل لا تعرفه لغة العرب ولا يعضده نقل معتبر. كما يقرر أن العرش أعظم المخلوقات، وأن إثبات علو الله واستوائه عليه لا يعني أنه محصور في مخلوق أو مماثل له.
ومن القضايا المركزية في الكتاب إثبات كلام الله والقرآن والرد على القول بخلقه. فالقرآن عند المصنف كلام الله، وهو صفة من صفاته، وليس مخلوقًا حادثًا ككلام البشر.
ويقرر الدرامي أن صفات الله، كالعلـم والقدرة والعزة والكلام، صفات ذاته، لا يجوز وصفها بالخلق. ويرد على من حاول جعل إضافة القرآن إلى الله من جنس إضافة «روح الله» و«بيت الله»، مبينًا الفرق بين المخلوق المضاف إلى خالقه وبين كلام الله الذي هو صفة له.
كما يناقش الاستدلال بقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}، ويرفض تفسير «جعلناه» بمعنى «خلقناه» لمجرد الاشتراك في اللفظ، مستشهدًا باستعمالات القرآن واللغة، وينقل إجماع عدد من أئمة السلف، كابن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهما، على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
ولا يقف الرد عند مسائل الصفات، بل يتناول حجية السنة والآثار، ويدافع عن روايات الصحابة في مواجهة الطعون التي وجهها المريسي وأهل الكلام إلى الحديث. ومن أبرز ذلك الدفاع عن أبي هريرة رضي الله عنه، وبيان حفظه وكثرة سماعه من النبي ﷺ بسبب ملازمته له، مع الاستشهاد بشهادة كبار الصحابة، كطلحة بن عبيد الله وابن عمر رضي الله عنهم، وباعتماد التابعين والفقهاء على حديثه.
كما يرد على الطعن في معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ويقرر أن الروايات الواهية والأسانيد المجهولة لا تصلح أساسًا للطعن في الصحابة أو رد السنة.
ويكشف الدرامي فساد منهج من يرد الأحاديث الصحيحة بالأقيسة الفاسدة والتأويلات المتكلفة، ويرى أن بعض السلف كانوا يتورعون عن كثرة التحديث لا طعنًا في السنة، وإنما خوفًا من الخطأ وإجلالًا للعلم. وفي مقابل ذلك، ينتقد اعتماد أهل البدع على الظنون والمرويات الواهية، ويرى أن رد السنة الصحيحة بسبب إشكال عقلي أو تأويل لغوي متكلف يفتح بابًا لتعطيل النصوص.
وفي أبواب أخرى يناقش الدارمي عددًا من أحاديث الصفات والرؤية والتجلي، فيرد الروايات المنكرة التي تخالف الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك رواية: «دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد»، ويرى أنها لا تصح، ويعارضها بما ورد عن أبي ذر وعائشة رضي الله عنهما في نفي رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا.
كما يناقش أحاديث اختصام الملأ الأعلى، وما ورد فيها من رؤية الرب في أحسن صورة، ويرفض حملها على صور مخلوقة أو تأويلات تفضي إلى محاذير عقدية، مع توجيه ما يحتمل منها بما يوافق أصول الاعتقاد.
ويتناول كذلك صفة الاحتجاب والضحك، فيورد الأحاديث الواردة في احتجاب الله تعالى، ويرد على من صرفها إلى مجرد العلامات والدلائل.
كما يثبت ما ورد في السنة من ضحك الله تعالى، مستدلاَ بالأحاديث الصحيحة، كحديث آخر رجل يدخل الجنة وحديث أبي رزين، ويرفض تفسير الضحك بمجرد الرضا أو بمعنى لا تدل عليه النصوص.
ومومثل ذلك ما أورده في الأحاديث المتعلقة بأطيط العرش والاستلقاء ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، حيث يناقش تأويلات الخصم ويرى أنها قائمة على صرف النصوص عن دلالاتها بلا حجة.
وفي ختام هذه المسائل، يناقش المصنف تأويل قوله تعالى: {يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}، وما يتعلق برؤية وجه الله تعالى في الجنة، ويرفض حمل هذه النصوص على مجازات بعيدة لا يدل عليها السياق.
ويؤكد الدارمي على أن منهج أهل السنة يقوم على قبول النصوص الثابتة، وفهمها على وفق لغة العرب، وإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، مع نفي التمثيل والتكييف، لا بإبطال الصفات أو إخراج ألفاظ الوحي عن معانيها بلا دليل.
وخلاصة الكتاب أن المعركة مع المريسي ليست حول لفظ عابر أو مسألة جزئية، وإنما حول أصل المنهج في معرفة الله تعالى: أيتلقى المسلم أسماء الله وصفاته من الوحي كما جاءت، مؤمنًا بها ومنزهًا لله عن مشابهة خلقه، أم يجعل الأصول الكلامية حاكمة على النصوص، فما وافقها قبله وما خالفها صرفه أو عطله؟ والدارمي يبني رده على أن الوحي هو الأصل، ولغة العرب طريق فهمه، وفهم السلف ميزان تفسيره، والتنزيه لا يكون بإبطال ما أثبته الله لنفسه.
ومن ثم تتجمع موضوعات الكتاب في أصول كبرى: إثبات توحيد الله وأسمائه وصفاته، وإثبات علوه واستوائه وكلامه ورؤيته ونزوله وسائر ما ورد في الكتاب والسنة، والرد على تأويلات الجهمية والمعطلة، والدفاع عن حجية الحديث والآثار وعدالة الصحابة. ويظهر الكتاب، في مجمله، بوصفه نموذجًا مبكرًا للجدل العقدي عند أهل الحديث في القرن الثالث الهجري، يجمع بين كثرة الاستدلال بالنصوص، ومناقشة الخصم من جهة العقل واللغة، والتشديد في رفض التأويلات التي يرى المصنف أنها تفضي إلى تعطيل صفات الله أو رد أخبار رسوله ﷺ.