أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 2 أبريل 2026

الشوك والقرنفل أبو إبراهيم السنوار بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الشوك والقرنفل

أبو إبراهيم السنوار

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: مع مرور الأيام.. كان على الحياة أن تأخذ شكلها الاعتيادي، وكان على الجميع أن يتكيفوا مع الواقع الجديد بمعطياته. قد عادت المدارس إلى الخيام أو فيما تبقى من أبنية المدارس، بينما الناس أسرى في مخيمات النزوح، يفترشون قوارع الطرق، ويسدلون على أنفسهم قطعاً مستطيلة من الشوادر البيضاء، كثيرٌ منهم يضاجع المقابر، وآخرون يتوسدون رمال الشاطئ، وبالكاد يستطيعون توفير المياه العذبة والمالحة.. وأمام حرّ الصيف وبرد الشتاء لا يملك الغزيّ إلا أن يرضخ لظروف الزمان والمكان، يُساوم البقاء بما بقي فيه من القدرة على الاحتمال..

وفي خضمّ هذا المشهد، ينهض صوت الطفولة شاهداً على فداحة المعنى؛ صوتٌ قديم يتجدّد، لطفلٍ هرع إلى صدر أمّه حين سمع كلمة "الحرب"، دون أن يدرك حقيقتها، لكنه أدرك رهبتها. لقد اختزل هذا الطفل – بعفويته – جوهر الحرب - وهو ما عبّر عنه المؤلف "السنوار" حينما قال:  لم أكن أعرف معنى الحرب، ولكنني عرفت أنها شيء مخيف غير عادي ومظلم وخانق اهـ وكذلك الأطفال هنا في غزة يرون الحرب كأشواك مفتولة تُمزّق وجوه الصغار، وتترك الدماء تسيل على أجسادهم.

وأقف عند ذلك السؤال الذي طالما ردَّده الكثيرون: إذا كنا في هذا القهر والإذلال؛ فما هو الشيء الذي لدينا لنخسره ؟! لعل الجواب الذي طرحه المؤلف وغيره حاضرٌ في هذه التجربة القاسية، والتي تكشف أن الخسارة لم تكن يوماً محصورة في المادة؛ بل هي أعمق من أن تُقاس بحسابات الظاهر، وأشدّ حضوراً في وجدان من يُحسن التأمّل والنظر.

الحرب، في جوهرها تتجاوز كل هذه التفاصيل لتفرض حقيقتها العارية؛والتي تعني الاقتلاع الشامل لمعنى الحياة: فقدانٌ للأمن، وتمزيقٌ للإنسان، وانكسارٌ للبيت، وانطفاء الجيل بأكمله. إنها أشبه بممحاةٍ كبرى تمحو الألوان جميعها، وتترك سواداً كثيفاً يستقر في القلوب والعقول. ومن هنا، فإن توصيفها بالخوف ليس مبالغةً، بل هو أدنى ما يمكن أن يُقال في حقّها.

ولما كانت رواية السنوار مرآةً لسرد الوقائع وتفاصيل الأحداث، دفعني ذلك إلى القراءة العميقة لتلك التفاصيل والتفاعل مع أجواء النص الأدبية والنفسية والدينية والثقافية والاجتماعية والوطنية، بحثاً عن تفسيرٍ كثيرٍ من القضايا والتساؤلات حول شخصية المؤلف، ومسيرته النضالية، محاولاً استقراء ما يمكن استقراؤه من هذه الأمور. ويبدو أن هذه الشخصية، كان لها استقلالها الظاهر في الإحساس وجرأةٍ كبيرة في التعبير، كما أنها استوعبت تناقضات الواقع وتعقيداته.

ولعلّ أبرز ما يميّز هذه الرواية إصرارها اللافت -في فصولها الثلاثين- على التقاط التفاصيل الدقيقة؛ إذ لا يمرّ حدثٌ – مهما بدا عابراً – دون أن يُستحضر بكامل ملامحه: أسماء الأشخاص، قراهم، أعمالهم، تفاصيل حياتهم اليومية، بل حتى أدق الجزئيات التي جرت العادة على إغفالها. وهذا التراكم التفصيلي لا يأتي عبثاً، بل يُسهم في بناء ذاكرة حيّة للمكان والإنسان، تُقاوم النسيان، وتُثبت أن ما يبدو صغيراً في الظاهر قد يكون عظيماً في الدلالة. كأبنية المدارس، وأزقة المخيم، وأشكال البيوت، ومكونات كابونة الوكالة، وأزياء المدرسة..

لا أحتفي كثيراً بفكرة مهاجمة مصنع للفواكه والخضروات والذي يعمل فيه عشرات من العمال العرب- وإهداؤها لإيهود باراك!! كما لا أحتفي باستهداف حافلة تُقل العمال الإسرائيليين أثناء عبورها من جمارك رفح على الحدود المصرية!! ولا حتى بتفجير حافلة تُقل مدنيين إسرائليين في رامات جان ! أو إلقاء عبوة متفجرة وسط مدنيين في تل أبيب، وقتل العشرات منهم!!

لكنني أحتفي بفكرة الملاجئ التي ظهرت في بداية الرواية- وهي المكان الآن الذي يحتضن المدنيين، وكنت أتمنى أن يعتني بها المعماريون جيداً، وتنتشر في قطاعنا المحاصر، ويحكي السنوار أنهم كانوا يختبئون في خندق أو في غرفة مظلمة تحت الأرض؛ لأن الحرب قد بدأت.. حتى لو كان الملجأ  حفرة نتوارى فيها عن أسباب الفتك والقتل وسيل الدماء.

كما لا تستهويني أفكار القتل الشنيعة ضد العملاء والمشبوهين، والتي كانت تُمارس من البعض، حيث التمثيل بالجثث وبقر البطون، أو جرها بالعربات، أو إحراقها، حيث يتم تجريد الإنسان إنسانيته، نعم هو مجرم، ولكن على الأقل أن لا تمتهن إنسانيته -فقد لقي جزاءه بمفارقة الحياة-، فلم يكن يروقني أن يُلقى هكذا في حاويات القمامة، أو يُكتب على صدره عبارات غير لائقة.. على كُلٍّ .. هذا ما كان يحدث!

ويمتدّ التحليل إلى البنية السياسية، حيث أسهمت بعض العمليات غير المحسوبة في تعقيد المشهد، وتعطيل مساراتٍ وحلول كان يمكن أن تخفف من وطأة الواقع، وقد أدّى ذلك إلى خلق حالةٍ من الاستقطاب الحاد، وشيطنة متبادلة بين الأطراف المختلفة -أعني حماس والسلطة الوطنية-. وقد تداخل في ذلك الخطاب السياسي بالديني، فتولّدت رؤى متشددة، وأحكامٌ متسرعة، أسهمت في تعميق الانقسام، بدل أن تُنتج وعياً جامعاً.

وتتجلى هذه الثنائية بوضوح في الصراع بين الخطاب العقلاني والخطاب العاطفي المتشدّد؛ بين من يرى إمكان التفاوض كأداةٍ من أدوات السياسة، ومن يرفضه رفضاً مطلقاً دون مستندٍ راسخ. وهو صراعٌ لا يعكس اختلافاً في الوسائل فحسب، بل في طبيعة الرؤية إلى الواقع وكيفية التعامل معه.

وفي خضمّ ذلك كله، تظلّ الرواية سجلاً حياً لمجتمعٍ بكامل تفاصيله: قضاياه الاجتماعية، وعاداته، وأفراحه، وأحزانه، وأشكال مقاومته، وتحولاته الفكرية والسياسية. فهي سيرةٌ ذاتية تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتؤرّخ لمكانٍ وزمانٍ بلغةٍ تجمع بين الفصحى ونبض الحياة اليومية، بما فيها من ألفاظ عامية وصورٍ حسية نابضة.

وهكذا، تتكامل عناصر هذا العمل لتقدّم نصاً يتجاوز حدود الحكاية، ليغدو وثيقةً إنسانيةً وتاريخية، تُضيء جوانب معتمة من التجربة الفلسطينية، وتدعو القارئ إلى إعادة النظر في كثيرٍ من المسلّمات، عبر قراءةٍ واعيةٍ تجمع بين العاطفة والعقل، وتوازن بين الألم والأمل..

نعم، لقد امتلأت السجون والمعتقلات بآلاف الأسرى، تتوقد في صدورهم نار الشوق إلى الحرية، ويتطلّعون بقلوبٍ متعبة إلى فسحة الحياة خارج القضبان، حيث الهواء الطليق وكرامة الإنسان؛ غير أنّ هذا الشوق نفسه يظلّ وقوداً للأمل، وبذرةً لا تنطفئ في تربة المعاناة، تُنبئ بأن الفجر – وإن تأخّر – لا بدّ آتٍ، وأن القيود مهما اشتدّت لا تملك أن تُطفئ إرادة الانعتاق.

وقد جلَّت هذه الرواية بوضوح الصراع القائم بين السلطة الوطنية وحركة حماس في صورةٍ رمزية بليغة، عبر ذلك الحوار المتواصل بين الأخوين محمود وحسن؛ إذ يبدو أن السرد يميل إلى الخطاب العقلاني الذي يمثّله محمود، غير أنه لا يُخفي إعجابه بأن تتجسّد هذه الرؤية في شخصيةٍ تجمع بين الالتزام الديني وعمق العبادة. وفي هذا التلاقي بين نور الإيمان وهدى العقل بارقة رجاء، توحي بأن الخلاف – مهما تعمّق – يمكن أن يتحوّل إلى وعيٍ جامع، وأن الطريق إلى الخلاص لا يُبنى بالصدام، بل بالتكامل الذي يُعيد للأمة توازنها، ويفتح لها أبواب المستقبل.

ويبدو أنّ الحميّة قد انزلقت في بعض تجلّياتها إلى مسارٍ آخر، متجاوزةً حدود التدين الرشيد والعقلانية المتزنة، حتى غدا الخطاب عند فريقٍ من الناس مشدوداً إلى حدّة الرفض المطلق؛ إذ يرون أن التفاوض مع اليهود محرّمٌ على الإطلاق، ويُسوّغون ذلك بأنه ضربٌ من الاعتراف بإسرائيل. غير أنّ هذا الطرح، عند التأمّل، يفتقر إلى مستندٍ راسخٍ من عقلٍ أو نقل، ولا ينهض بحجّةٍ تقنع الناظر المتجرّد، بل قد ينزلق بصاحبه إلى تضييق واسعٍ وتقييد ما لم يُقيَّد.

ولعلّ من غواية هذا القول وخطورته أن يتحوّل إلى حكمٍ عام يُجرَّم به كلّ فعلٍ سياسيٍّ من هذا القبيل، وكأنّ الواقع لا يحتمل تنوّع الوسائل واختلاف الاجتهادات. والحال أن القضايا الكبرى، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، أحوج ما تكون إلى عقلٍ يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، بما يحفظ الحقوق ولا يُفرّط فيها، ويفتح – في الوقت نفسه – نوافذ للأمل والعمل، بدل أن يُغلق الأفق بدعاوى لا تسندها حجة، ولا يخدم مآلها قضية ولا إنسان.

ومع تطور هذا المسار، برزت ملامح انفصامٍ حزبيٍّ أخذ يتعمّق تدريجياً، تزامن مع نزوعٍ متزايد نحو التمركز حول الذات، عبر سلسلة من الانقلابات والتحولات السياسية الداخلية، ورفضٍ متصاعدٍ للحلول التي طرحتها السلطة الفلسطينية، بل واعتبار بعض الأطراف نفسها في حلٍّ من الالتزام بها أو التقيد بإطارها.

وقد أدّى هذا التباين الحاد في الرؤى إلى تحوّل الخلاف السياسي إلى جدلٍ فكريٍّ متشنّج، اتخذ في بعض مراحله طابعاً عنيفاً، أنتج لدى بعض العناصر الطائشة خطاباتٍ تكفيرية، تلتها ممارسات غوغائية، ورفع شعاراتٍ مشوّهة ومسبّاتٍ جارحة، لم تُضف إلى القضية شيئاً، بل أضرت بها وأضعفت حضورها الأخلاقي والسياسي.

وفي خضمّ هذا المشهد، لعبت بعض الوسائل الإعلامية دوراً في إذكاء هذا التوتر وتغذيته، عبر خطابٍ منحازٍ وموجّه، أسهم – بوعيٍ أو بغير وعي – في تعميق الانقسام، وتكريس حالة الاستقطاب، بما انعكس سلباً على وحدة القضية ومجمل مسارها الوطني.

ومع بروز عددٍ من الشخصيات ذات الحضور الفكري والدعوي المؤثر، في داخل القطاع وخارجه، أخذ المشهد يتشعّب أكثر بفعل تداخل قضايا حسّاسة، في مقدّمتها ملفّات الإسقاط الأمني وما يرتبط به من اتهامات العمالة، إلى جانب ظواهر الابتزاز الأخلاقي، حيث امتزجت فيه الاعتبارات الأمنية بالجدل القيمي، وتداخل فيه الخاص بالعام على نحوٍ بالغ الحساسية.

وتتسع دائرة القضايا الاجتماعية التي يعالجها المؤلف في هذه الرواية، لتشمل تفاصيل الحياة اليومية في أدقّ تجلياتها؛ من زواج أرامل الشهداء، ورعاية أبناء الشهداء، إلى مسألة المبيت خارج المنزل، وما يرتبط بالذرية وخصوصاً خلفة الإناث، وصولاً إلى طقوس الفرح والزواج بما تحمله من رموز اجتماعية وعادات راسخة. وهي قضايا تبدو في ظاهرها جزئية، لكنها في حقيقتها تعكس بنية المجتمع وهواجسه، وتكشف عن تداخل الخاص بالعام في حياة الناس تحت وطأة الظروف القاسية.

وإلى جانب ذلك، تبرز القضايا الوطنية بوصفها امتداداً مباشراً للهمّ الجمعي؛ فتشمل العمليات الفدائية، والتعامل مع ملف العملاء، والعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وما يرافق ذلك من حظر تجوال وهدم بيوت وإضرابات شعبية، فضلاً عن الشعارات الكبرى المتعلقة بالمطالبة بالوحدة العربية.

ومع مرور الزمن، أخذ الخطاب الوطني يتحوّل تدريجياً إلى خطابٍ ذي بعدٍ ديني، تقوده جماعات إسلامية ذات امتداد تنظيمي وفكري، كجماعة الإخوان المسلمين ذات الجذور المصرية، والتي أسهمت في إنشاء مؤسسات وجمعيات تابعة لها، كان من أبرزها الجامعة الإسلامية؛ في تعبيرٍ عن انتقال الفعل الوطني من فضائه السياسي الصرف إلى فضاءٍ أيديولوجي أكثر تركيباً واتساعاً، تتداخل فيه المرجعيات الدينية مع الهمّ الوطني.

ويعرض المؤلف في سياق تأريخه لتلك المرحلة كيف تبنّى الإخوان المسلمين في بداياتهم موقفاً يميل إلى الابتعاد عن العمل السياسي المباشر، مفضلين التركيز على التربية الدعوية وبناء الفرد، وترك المجال العسكري والتنظيمي في تلك المرحلة لمنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، مع ما رافق ذلك من جدلٍ حول بعض المواقف التي اعتبرها خصومهم تضليلاً أو طعناً في مشروعية النضال الوطني. غير أن هذا المشهد لم يبقَ على حاله، إذ سرعان ما شهد تحوّلاً لافتاً مع تصدّر الحركة لاحقاً لبعض أشكال العمل المسلح مع بدايات الانتفاضة الأولى، بما يعكس انتقالاً في طبيعة الدور والوظيفة داخل الساحة الفلسطينية.

وفي سياق السرد، تتخلل الرواية بعض الحكايات الجانبية التي كان يمكن الاستغناء عنها، لاقترابها من الطابع الطريف أكثر من كونها جزءاً بنيوياً من الحدث، مثل قصة سرقة ابن العم حسن لنصف الليرة من الجد وما تبعها من عقوبة ربطه في العمود، وكذلك تفاصيل شخصية مرتبطة بعلاقته مع “سعاد”، وما رافقها من مواقف شبابية تتعلق بنظرات الشبان لفتيات المدارس ومعاكستهن داخل أجواء المخيم، وهي مشاهد تُضفي لوناً اجتماعياً على النص لكنها لا تخلو من قابلية الجدل من حيث وظيفتها السردية.

أما على صعيد قضايا النضال الوطني، فيستعرض النص مسار المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال عبر مراحل متعددة، بدءاً من دور بعض المجموعات المسلحة، مروراً بإسهام حركة فتح في إطلاق العمل المقاوم وتنظيم الاحتجاجات الطلابية، ثم بروز الجبهة الشعبية، وصولاً إلى معركة الكرامة بوصفها محطة مفصلية، ثم أحداث أيلول الأسود عام 1970م وما تلاها من انعكاسات، وكذلك الحرب الأهلية في لبنان، وانتهاءً بالإشارة إلى إعلان صدام حسين الحرب على “الكيان” بوصفه حدثاً سياسياً رُوِّج له إعلامياً رغم ما أُثير حوله من تشكيك في واقعيته وجدواه.

وتُعدّ هذه الرواية في جوهرها سيرةً ذاتية للمؤلف، تنفتح على عوالمه الأولى، وتكشف عن البيئة الدينية والنفسية والاجتماعية التي تشكّلت فيها ملامح شخصيته. وهي في الوقت نفسه وثيقةٌ شبه تاريخية لمخيم الشاطئ في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، بما يحمله من تفاصيل الحياة اليومية، وتحولات الإنسان تحت ضغط الواقع.

كما تمثّل هذه الرواية تأريخاً مهماً لبدايات العمل المقاوم، ولا سيما ما ارتبط بقوات التحرير الشعبية، التي تشكّلت من بقايا جنود جيش التحرير بعد هزيمة عام 1967م، بوصفها أحد الأذرع العسكرية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد اعتمدت تلك التشكيلات في بداياتها على إمكانات محدودة، تمثلت في بعض البنادق الإنجليزية، وبنادق “الكارلستوف”، والقنابل اليدوية البدائية، في مشهدٍ يعكس بساطة الوسائل مقابل ضخامة الهدف.

ويستعرض النص كذلك جانباً من العمليات النوعية التي نفذها الفدائيون في تلك المرحلة المبكرة، بما يعكس روح المبادرة والتضحية، ويُبرز ملامح تشكّل الوعي المقاوم في سياقٍ تاريخيٍّ شديد التعقيد، حيث كانت الإمكانات شحيحة، لكن الإرادة كانت متقدة، والحلم أكبر من حدود الواقع الضيق.

ويستعيد المؤلف في ثنايا سرده بعض الملامح الشخصية المبكرة التي ارتبطت بتكوّن هويته، إذ كان يُنظر إليه بوصفه امتداداً لما بشّر به الشيخ حامد حين قال لجده: «إن شاء الله سيكون هذا الولد متديناً»، فجاء جواب الجد مؤكِّداً على الرجاء ذاته: «إن شاء الله»، في تعبيرٍ بسيطٍ لكنه عميق الدلالة على تشكّل التوقعات الأولى في محيطه الأسري والديني.

كما يمرّ السرد على تفاصيل الحياة اليومية في المخيم، بما تحمله من بساطةٍ ودفءٍ شعبي، فتبرز بعض الأكلات التقليدية مثل البيصارة والقلاوة، بوصفها جزءاً من الذاكرة الغذائية والاجتماعية التي تحفظ روح المكان.

ويتجلّى في لغة الرواية ميلٌ واضح إلى التخييل البلاغي المكثّف، حيث تُمنح الظواهر الطبيعية أبعاداً شبه درامية؛ فالمطر لا يُذكر بوصفه ظاهرة جوية فحسب، بل يُصوَّر كأنه “يقتحم” البيوت البسيطة، ويشبه “هجوم الليل الكالح” الذي يداهم الناس بوِقعه الثقيل، بينما تُرسم شمس الربيع في صورة “قوةٍ محتلة” تغزو المكان، في تعبيرٍ يعكس حساسية التجربة تحت ضغط الواقع.

وتزدحم الرواية كذلك بمفردات الحياة العامية التي تنبع من البيئة الشعبية الفلسطينية، مثل: “طوشة”، و“دوري”، و“طخيتك”، و“النملية”، و“الكانتين”، و“البابور”، و“زي الزفت”، وغيرها من التعابير التي تمنح النص حيويةً واقعيةً وتقرّبه من نبض الناس اليومي. كما تتجاور هذه المفردات مع دلالات خاصة لبعض الكلمات، مثل “وز” بمعنى الإخبار على سبيل التجسس، و“المسلخ” الذي يُستعار للدلالة على سجون الاحتلال، في توظيفٍ لغويٍّ يعكس قسوة التجربة وتحولاتها الرمزية.

ويستعرض المؤلف كذلك تفاصيل الحياة اليومية في المخيم، فيرسم مشاهد حية لألعاب الأطفال الشعبية، وما يرافقها من أجواء اجتماعية بسيطة تتشكل داخل فضاء المخيم الضيق، كما يلتقط بعين الراصد طقوساً يومية متكررة، مثل تعبئة المياه من صنبور وكالة الغوث، واستلام حصص التموين، والتردد على العيادات الصحية، وهي تفاصيل تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تُجسّد بنية الحياة تحت الحصار والضغط المستمر.

كما يولي السرد اهتماماً بالأجواء الدينية في مدينة غزة ومخيمها، فيصف المساجد بوصفها مراكز روحية واجتماعية في آنٍ معاً، مثل مسجد المخيم ومسجد العباس القريب منه، حيث تتداخل العبادة مع الحياة اليومية، ويغدو المسجد جزءاً من تشكيل الوعي الجمعي والهوية الروحية للمكان.

وتنفتح الرواية، منذ بداياتها، على أفقٍ تاريخيٍّ مشحون، إذ تبدأ من شتاء عام 1967م، في لحظة يخيّم فيها اليأس والإحباط والفوضى، مع بسط الاحتلال سيطرته على قلوب الناس قبل أرضهم، في ظل حيرةٍ عامة عمّا يُراد بهذا الشعب ومصيره. ومن قلب مخيم الشاطئ بمدينة غزة، يعود النص إلى الذاكرة الأولى، مستحضراً رحلة التهجير من قرية الفلوجة عام 1948م، وملامح الطفولة في البيت القديم، ومشاهد الجيش المصري، ثم صدمة “النكسة” وما أعقبها من انهيار عربي، وصولاً إلى دخول الجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة وفرض سيطرته الكاملة عليه، في سياقٍ يُؤسس لزمن الرواية بوصفه زمن الانكسار الكبير وبداية تشكّل الوعي تحت الاحتلال.







التسهيل في إعراب محكم التنزيل د. عبد الله عبد الجليل المناعمة بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

التسهيل في إعراب محكم التنزيل

د. عبد الله عبد الجليل المناعمة

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد:  القرآن الكريم هو أصل العلوم ومنبعها، وعليه مدار الشريعة كلّها، ومنه تتفجر ينابيع المعارف، وتنبثق أسرار البيان؛ فلا سبيل إلى فهم هداياته، ولا الوقوف على دقائق معانيه، إلا بإحكام آلته، واستكمال أدوات النظر فيه. ويُعتبر علم التفسير – بما يشتمل عليه من علوم اللسان، وأصول البيان، وقواعد الفهم – تاجَ هذه العلوم، وذروتها التي لا تُنال إلا ببذل الجهد، وصبرٍ على مدارسة الألفاظ والمعاني.

ولما كان الإعراب مفتاحًا من مفاتيح التفسير، وسبيلاً جليًّا إلى كشف وجوه المعاني، به يُعرف المقصود، وتُدرك الفروق، وتُفهم الدلالات، كان الاشتغال به من أشرف ما يُصرف فيه العمر، إذ تتبين به وجوه الخطاب الإلهي، ويُصان اللسان عن اللحن في كتاب الله، ويُعان القلب على التدبر والتأمل. فما من حركةٍ في كتاب الله إلا ولها أثرها في المعنى، ولا من بناءٍ إلا وهو شاهد على سرٍّ من أسرار البيان.

ومن هنا اعتنى الأئمة قديمًا وحديثًا بإعراب القرآن الكريم، وجعلوه عمدةً في فهمه، وركنًا في علومه، لما له من أثر بالغ في بيان مراد الله تعالى، ورفع الإشكال عن آياته، وجمع شتات المعاني في نسقٍ محكمٍ بديع.

ويأتي هذا العمل في هذا السياق المبارك، والذي قدَّمه واجتهد فيه الدكتور عبد الله المناعمة الأسدودي الفلسطيني، محاولةً جيّدة لخدمة كتاب الله تعالى، وتقريب علم الإعراب لطالبيه، وتيسير سبيله لدارسيه، على وجهٍ يجمع بين الدقة والوضوح، ويراعي حاجة المتعلم، ويقوده إلى فهم النص القرآني فهمًا صحيحًا، قائمًا على أصول العربية وقواعدها، بعيدًا عن التعقيد والإغراب.

وقد جاء هذا العمل في عشر مجلدات كبار، بالإضافة إلى ملحق بفارس الآيات المعربة، بارك الله في هذا الجهد، وغيره من كتب الدكتور الجليلة.

مقدمة المؤلف

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسبباً للمزيد من فضله، ودليلاً على آلائه وعظيم نعمه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، النبي الأمي الذي بعثه الله هادياً بكتابه، وأميناً لوحيه، وخاتماً لأنبيائه، وبشيراً لرحمته، ونذيراً لنقمته، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد جاء في إعراب القرآن الكريم وتعلمه والحث عليه وثواب من قرأ القرآن معرباً كثير من الآثار الدالة على استحبابه، ومن هذه الآثار ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري عن النبي ﷺ، وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم أجمعين من تفضيل إعراب القرآن الكريم، والحض على تعلمه وتعليمه، وذم اللحن وكراهيته، ما وجب به على قراء القرآن الكريم أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلمه.

ومن ذلك أيضاً ما حدث به سليمان بن يحيى الضبي، حين قال: حدثنا محمد - يعني ابن سعدان - قال: حدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أعربوا القرآن والتمسوا غريبه". وقد حدث بذلك إبراهيم بن الهيثم حين قال: حدثنا آدم - يعني ابن أبي إياس - قال: حدثنا أبو الطيب المرزوي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن فلم يُعربه وُكِّل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات، فإن أعرب بعضه ولم يُعرب بعضه وُكِّل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة، فإن أعربه وُكِّل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة".

وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت 224هـ): حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: حدثني أبو الأزهر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية". وقال الهروي في موضع ثان: حدثنا عباد بن عباد عن واصل مولى أبي عيينة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا إعراب القرآن كما تعلمون حفظه". وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي (ت 235هـ): حدثنا وكيع عن سفيان عن عقبة الأسدي عن أبي العلاء، وقال سعيد بن منصور الخراساني (ت 227هـ): حدثنا هشيم قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: قال ابن مسعود رحمه الله: "أعربوا القرآن فإنه عربي، وسيكون بعدكم أقوام يثقفونه وليسوا بخياركم".

وقال سعيد بن منصور أيضاً: حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم قال: حدثنا بعض أشياخنا أن النبي ﷺ قال: "من قرأ القرآن وأعرب بقراءته، فمات على ذلك، كان كالشهيد المتخبط في دمه في سبيل الله عز وجل". وروي عن عبد الله بن مسعود: "جودوا القرآن، وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه، فإنه عربي، والله يحب أن يُعرب به".

وقد ذكر الإمام مكي بن أبي طالب (ت 437هـ) في كتاب "مشكل إعراب القرآن": "أعظم ما يجب على طالب علوم القرآن، الراغب في تجويد ألفاظه، وفهم معانيه، ومعرفة قراءاته ولغاته، معرفة إعرابه، والوقوف على تصرف حركاته وسواكنه؛ ليكون بذلك سالماً من اللحن فيه، مستعيناً على أحكام اللفظ به، مطلعاً على المعاني التي قد تختلف باختلاف الحركات، متفهماً لما أراد الله به من عباده، إذ بمعرفة حقائق الإعراب تعرف أكثر المعاني، وينجلي الإشكال، فتظهر الفوائد، ويُفهم الخطاب، وتصح معرفة حقيقة المراد".

وإنما يرجع ذلك كله إلى عظم القرآن الكريم وعلو شأنه، فقد ذكر الإمام علي كرم الله وجهه أن القرآن: "معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره... جعله الله ريّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء... وبرهاناً لمن تكلم، وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى".

وقد ذكر الزركشي أموراً يجب على المعرب للقرآن الكريم أن تتوافر عنده، منها: أن يعرف ما يريد إعرابه مفرداً كان أو مركباً قبل الإعراب، وأن يتجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة لأن القرآن نزل بأفصح لغة، وأن يتجنب إطلاق لفظ "الزائد" في كتاب الله إلا بتأويل، وأن يتجنب الأعاريب المخالفة للظاهر والمنافية لنظم الكلام، وأن يتجنب التقديرات البعيدة، وأن ينظر في أصول الكلمات لمعرفة الحروف الأصول من الزوائد.

ويعود اهتمامي بمضمون هذا العمل العزيز على قلبي إلى تدريسي مساق "تدريبات نحوية" لطلبة قسم اللغة العربية وطالباتها في جامعة الأقصى، حيث بدأت الفكرة بإنجاز إعراب "جزء عم"، الذي تم طباعته ونشره، مما جعلني أعقد العزم على الاستمرار في إعراب جميع أجزاء القرآن الكريم ما أطال الله في عمري، وقد تحقق لي ذلك، فالحمد لله الذي أكرمني بإتمام هذا الإعراب الميسر للقرآن الكريم؛ ليكون عوناً لقارئه على فهم معانيه وتدبره.

وقد هدفت من وراء هذا العمل خدمة كتاب الله عز وجل، وقراءته بعيداً عن اللحن والخطأ، والتعرف على إعرابه، وتعليم الطلاب طريقة الإعراب السهلة الميسرة، ورفع حاجز الخوف بين الطالب والإعراب.

أما منهجي في هذا العمل، فقد سعيت فيه إلى عدم الاقتصار على ما ذهب إليه جمهور النحاة من تناول المشكلات دون استيفاء، بل عمدت إلى منهج تفصيلي يشمل إعراب جميع آيات القرآن الكريم كلمة كلمة، مع الابتعاد عن التعقيد والمماحكات، واعتماد المصطلحات النحوية الحديثة الأقرب إلى مناهج التعليم.

وقد جعلت لنفسي ضوابط واعتبارات التزمت بها، منها: الالتزام برواية حفص عن عاصم، وكتابة السورة كاملة، وتحديد الآية والكلمة المعربة مضبوطة بالشكل، واختيار الإعراب الأسهل والأوضح، وذكر الأوجه الأخرى في الحاشية، وبيان العلامات الإعرابية وأسبابها أحياناً، وإعراب المفردات والجمل وأشباه الجمل، وتكرار إعراب الكلمة عند الحاجة، وجعل الدراسة نحوية فقط، مع إعداد فهارس للآيات والموضوعات.

ولا أزعم أن هذا العمل من محض جهدي، بل استعنت بعد الله تعالى بجملة من المصادر والمراجع النحوية القديمة والحديثة، فانتفعت بها ونقلت عنها، ومنها: "إعراب الجمل وأشباه الجمل" لفخر الدين قباوة، و"إعراب القرآن" للنحاس، و"إعراب القرآن الكريم" لمحمود سليمان ياقوت، و"إعراب القرآن وبيانه" لمحيي الدين درويش، و"الإعراب الكامل" لعبد الجواد الطيب، و"الجدول في إعراب القرآن" لمحمود صافي، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب، و"النحو التطبيقي" لعبده الراجحي، و"النحو المصفى" لمحمد عيد، إضافة إلى بعض المواقع الإلكترونية المتخصصة.

أسأل الله عز وجل أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يجعله ذخراً لي يوم القيامة، فإن كان من توفيق فمن الله، وإن كان من خطأ أو نسيان فمن نفسي والشيطان، والله المستعان.

كما أسأله سبحانه أن يجعله علماً يُنتفع به، امتثالاً لقول النبي ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

وفي الختام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأخ العزيز الأستاذ عدنان خليل بعلوشة على جهده في مراجعة هذا العمل، كما أتوجه بالتحية إلى الأخ فكري عبد اللطيف صاحب مكتبة آفاق لمساهمته في إنجازه، فجزاهما الله خير الجزاء.

والله ولي التوفيق
د. عبد الله عبد الجليل علي المناعمة
الأحد 29 / شعبان / 1440هـ
الموافق 5 / مايو / 2019م






الأربعاء، 1 أبريل 2026

مدلول مصطلح الأبدال عند المحدثين دراسة تحليلة يحيى محمود القضاة بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مدلول مصطلح الأبدال عند المحدثين 

دراسة تحليلة

يحيى محمود القضاة

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: استعمل أئمة الحديث طائفة واسعة من المصطلحات الدقيقة، للتعبير عن أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط، وجعلوا من هذه الألفاظ ميزانًا دقيقًا تُوزن به الأخبار قبولًا وردًّا. ومن ثمّ كان ضبط هذه المصطلحات، واستجلاء مراد النقاد منها، ضرورةً علمية لا غنى عنها؛ إذ بها يُفهم كلامهم على وجهه، ويُحفظ منهجهم من التحريف أو الإسقاط. وقد بذل علماء الجرح والتعديل جهودًا جليلة في تقعيد هذه الدلالات، غير أن بعض الألفاظ ظل محتاجًا إلى مزيد تحريرٍ واستقراء.

ويأتي هذا البحث ليسلط الضوء على مصطلح من المصطلحات التي استعملها علماء الجرح والتعديل، وهو مصطلح "الأبدال"، ليبين معناه، ودلالته عند المحدثين، مقارنة مع دلالته عند غيرهم، ويذكر أسماء الرواة الذين وصفوا بأنهم من الأبدال، وأقوال الأئمة النقاد فيهم، وهل يعد هذا الوصف توثيقا أم لا؟ كما يوضح البحث أيضًا سبب إطلاق هذا الوصف على بعض الرواة دون غيرهم- ممن شهد لهم الأئمة النقاد بالحفظ والإتقان، لنصل إلى نتيجة دقيقة حول مراد العلماء من استعمال هذا المصطلح

الكلمـات الدالـة: محدثون، جرح وتعديل، أبدال.

المقدمـــــة

الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛

فقد استعمل علماء الحديث في أثناء كلامهم في الرواة مصطلحات وعبارات كثيرة، وذلك لبيان مراتب الرواة من حيث العدالة والضبط، ومعلوم أن هذه المصطلحات والعبارات هي ميزان الرواة، وعماد الجرح والتعديل، ومدار قبول الحديث أو رده، ولذلك كان من الضروري ضبطها، ومعرفة مراد علماء الحديث منها.

ولو دققنا النظر في هذه المصطلحات لوجدنا أن منها ما كثر استعماله، فاشتهر وانتشر، وعرف مراد علماء الحديث منه بشكل دقيق، ومنها ما قلّ استعماله، أو كان خاصاً بعالم دون غيره، ومنها ما اختلف معناه من عالم لآخر، ومنها ما طرأ على معناه تغيير مع مرور السنين والأيام. فاحتاج إلى بحث ودراسة.

ومن المصطلحات التي استعملها علماء الجرح والتعديل مصطلح "الأبدال".

ومن ذلك قول الإمام الشافعي في يحيى بن سليم الطائفي: " كنا نعده من الأبدال".

وقول الإمام أحمد: "إن كان ببغداد رجل من الأبدال فأبو إسحاق النيسابوري".

وقول البخاري في فروة بن مجالد: "وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال".

ويأتي هذا البحث ليسلط الضوء على هذا المصطلح، ويبين دلالته عند علماء الحديث، راجيا من الله تعالى التوفيق والقبول.

مشكلة البحث

تتلخص مشكلة الدراسة في الإجابة على التساؤلات الآتية:

من هم الأبدال؟ وما سبب تسميتهم بالأبدال؟ ومن هم الرواة الذين وصفوا بالأبدال؟ وهل يعد وصف الأبدال من ألفاظ التوثيق عند المحدثين؟ وما هو مراد علماء الحديث بالأبدال؟ 

وهل هناك فرق في مدلول مصطلح "الأبدال" بين المحدثين وغيرهم.

أهداف الدراسة

1. إبراز أهمية ضبط مصطلحات الجرح والتعديل.

2. بيان المعنى الدقيق لمصطلح "الأبدال" عند المحدثين.

3. بيان الفرق بين معنى الأبدال عند المحدثين وعند غيرهم.

الدراسات السابقة

تناول العلماء قديما موضوع الأبدال في مؤلفات خاصة، منها: جزء للسخاوي بعنوان "نظم اللآل في الكلام على الأبدال"، ولكنني لم أجده مطبوعا ولا مخطوطا. وهناك رسالة للسيوطي بعنوان "الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال"، جمع فيها الأحاديث والآثار الواردة في الأبدال، دون أن يتعرض لنقدها وبيان عللها.

وهناك كتاب للدكتور فهمي القزاز بعنوان "المحدثون الأبدال"، وقد جمع فيه أسماء مائة وتسعة رواة ممن وصفوا بأنهم من الأبدال، دون أن يتعرض لدراسة هذا المصطلح، أو يبين معناه عند المحدثين.

منهج البحث

اتبعت في هذا البحث المنهج الآتي:

1.المنهج الاستقرائي، وذلك بالبحث عن الرواة الذين وصفوا بأنهم من الأبدال في كتب الجرح والتعديل.

2.المنهج التحليلي، وذلك بدراسة أقوال الأئمة النقاد في الراوي الموصوف بأنه من الأبدال للوقوف على المعنى المراد.

3.إذا اتفقت أقوال علماء الجرح والتعديل في الراوي أو تقاربت فأقتصر عندئذ على قول ابن حجر في تقريب التهذيب، وذلك تجنبا للإطالة، ولعدم وجود كبير فائدة من ذكر أقوالهم. أما إذا تباينت أقوالهم فإنني أبين ذلك.

4. خرجت الأحاديث الواردة في البحث وبينت عللها، مسترشداً بأقوال الأئمة النقاد.

5. اقتصرت على ذكر أسماء الأبدال من رجال الكتب الستة، تجنبا للإطالة، أما نتائج الدراسة فشملت جميع من وصفوا بالأبدال.

خطة البحث

يشتمل هذا البحث على مقدمة وثلاثة مطالب وخاتمة.

المطلب الأول: تعريف الأبدال وسبب تسميتهم.

المطلب الثاني: الرواة الموصوفون بالأبدال.

المطلب الثالث: هل يعد وصف الأبدال توثيقا للراوي.

الخاتمة: ولخصت فيها أهم النتائج

المطلب الأول: تعريف الأبدال وسبب تسميهم.

الأبدال لغة: قال ابن فارس: "الباء والدال واللام أصل واحد، وهو قيام الشيء مقام الشيء الذاهب. يقال: هذا بدل الشيء وبديله. ويقولون: بدلت الشيء: إذا غيرته ٕوان لم تأت له ببدل. قال الله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] وأبدلته: إذا أتيت له ببدل".

قال ابن منظور: والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال جعل شيء مكان شيء آخر. يقال: أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه. وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة. وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما، وقد يستعمل بدلت بمعنى أبدلت، ومنه: قول االله عز وجل: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70]، ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها حسنات؟.

الأبدال اصطلاحاً: اتفقت أقوال العلماء من المحدثين وغيرهم على أن الأبدال قوم صالحون، فقال الزمخشري: "الأبدال أي: الزهاد"، وقال ابن الجوزي: "همْ الأَْوِلياء"، وقال ابن الأثير: "هم الأولياء والعباد"، وقال ابن منظور: "الأبدال قوم من الصالحين"، وكذا قال الرازي: "الأبدال قوم من الصالحين"، وقال الصفدي: "وهم المَبِّرزون في الصلاح"، وقال المناوي: "هم طائفة من الأولياء".

ومع اتفاق العلماء على هذا القدر من تعريف الأبدال إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك، فعند الصوفية -على سبيل المثال لا الحصر- للأبدال معنى آخر زائد عن مجرد الصلاح، فهو يشير إلى أصحاب الطبقة الرابعة من طبقات الأولياء، فالولاية عندهم ست طبقات: أعلاها طبقة الأقطاب، ثم الأئمة، ثم الأوتاد، ثم الأبدال، ثم النقباء، ثم النجباء، ولكل طبقة وظائف خاصة بهم، فوظيفة الأبدال –حسب اعتقادهم- أن الله تعالى يحفظ بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، ويستمدون قوتهم من روحانيات الأنبياء، ولهم اتصال مع عالم الغيب لا يدركه عامة البشر.

والملاحظ أن هذه المراتب لم تعرف في القرون الثلاثة الأولى، ولم يأت ذكرها عن أحد من الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين، باستثناء الأبدال، ثم جاء أبو بكر الكتاني في القرن الرابع فذكر أعداد كل طبقة من طبقات الأولياء وأماكنهم وبعض وظائفهم؛ فقال: "النقباء ثلاث مائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد، فإن أجيبوا ٕوالا ابتهل الغوث؛ فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته.

ولا يخفى عدم صحة هذا الكلام، وهو من الرجم بالغيب، لأن طريق معرفة الغيب هو الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأت عن النبي خبر في هذا الباب، لا صحيح ولا ضعيف، إلا بعض الأخبار عن الأبدال، اختلف العلماء في حكمها اختلافا كبيراً.

ويرجع كثير من الباحثين ظهور هذا الترتيب إلى تأثر الصوفية بالحركات الباطنية وخصوصاً الشيعة الإمامية

وأما سبب تسميتهم بالأبدال فللعلماء في ذلك أقوال منها:

1.قيل: لأنه كلما مات رجل منهم أبدل الله تعالى مكانه رجلاً آخر، قال ابن الجوزي: "وهم الأولياء، يبدل واحد إذا مات بواحد"، وقال ابن الأثير: "سموا بذلك لأنهم كلما مات واحد منهم أبدل بآخر".

واستدلوا على هذا المعنى بما روي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: "الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا، يسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب" وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، واختلف العلماء في حكمه فصححه السيوطي، وضعفه كثير من العلماء منهم:

ابن عساكر، والضياء المقدسي، وابن تيمية، وابن القيم، وذلك بسبب انقطاعه فلم يثبت لشريح بن عبيد سماع من علي رضي الله عنه.

2. وقيل: سموا أبدالاً؛ لأنهم إذا غابوا تبدل في مكانهم صور روحانية تخلفهم، فيظن الرائي أنه يرى الشخص حقيقة وليس كذلك، إنما يرى بدله.

قال ابن حجر الهيتمي: "سميت الأبدال أبدالا لأنهم قد يرحلون لمكان ويخلفون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، وقد أثبت الصوفية عالما متوسطا بين عالمي الأجساد والأرواح سموه عالم المثال، وقالوا: هو ألطف من عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال.

ولا يخفى غرابة هذا القول وعدم صحته، فقد بنوه على حكايات وخيالات غريبة وعجيبة. وأما من كتاب الله تعالى وسنة نبيه؛ فلا يوجد دليل لا صحيح ولا ضعيف، وقد سبق القول أن الغيبيات لا تقبل إلا بأخبار صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3.وقيل: سموا أبدالا لأنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات، قال الراغب الأصفهاني: "ومعنى الأبدال: هم الذين يبدلون من أخلاقهم وأفعالهم الذميمة أخلاقا وأفعالا حميدة، فيجعلون بدل الجهل العلم، وبدل الشح الجود، وبدل الشره العفة، وبدل الظلم العدالة، وبدل الطيش التؤدة، وعلى ذلك دل قوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]، وهذا لا يختص بعدد معين ولا بمكان دون آخر.

4. وقيل: لأنهم أبدال الأنبياء أي ورثتهم وخلفاؤهم. قال ابن تيمية: "أنهم أبدال عن الأنبياء وخلفاء لهم وورثتهم، يخلفونهم في سننهم، ويحملون الأمة على طريقهم. وقد جاء في حديث وصف الذين يحبون السنة ويعلمونها الناس بأنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث آخر أن: "العلماء ورثة الأنبياء".

قلت: وهذا المعنى قد أشار إليه الإمام أحمد فقال: "الأبدال خير الناس، وهم الذين يطلبون الحديث ويتبعون السنة"، وهو ما يدل عليه كلام المحدثين كما سيظهر فيما يأتي.

المطلب الثاني: الرواة الموصوفون بالأبدال.

بعد البحث والاستقصاء باستخدام الحاسوب في جميع كتب الرجال، وبعد فرز النتائج واستخلاص مادة البحث، وجدت أن مصطلح الأبدال قد أطلق على مائتين وثلاث وخمسين راوياً في مختلف طبقات الرواة، وقد اقتصرت في هذا البحث على ذكر أسماء من وصف به من رواة الكتب الستة، إذ لا يتسع المقام لذكرهم جميعا، أما الدراسة والنتائج فقد شملت جميع الأبدال.

وهؤلاء الرواة – حسب الترتيب الهجائي- هم:

1.أحمد بن منيع بن عبد الرحمن، أبو جعفر البغوي، الأصم، ثقة حافظ، قال البغوي: "كان جدي من الأبدال".

2. إسحاق بن سليمان الرازي، أبو يحيى، ثقة فاضل، وكان يعد من الأبدال خاشعا عابدا.

3. أويس بن عامر القرني، سيد التابعين، مخضرم، قتل بصفين، قال أحمد البرمكي: "كان من الأبدال".

4. أيوب بن النجار بن زياد الحنفي، أبو إسماعيل، قاضي اليمامة، قال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة رجل صالح عفيف، وقال ابن معين: ثقة صدوق، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال عمر بن يونس اليمامي: من أفضل أهل اليمامة، وقال محمد بن مهران الرازي: كان يقال: إنه من الأبدال، وقال أبو داود: كان من خيار الناس رجل صالح وذكره بن حبان في الثقات، وقال ابن البرقي: يمامي ضعيف جدا، وكذا حكاه محمد بن وضاح عن أحمد بن صالح الكوفي، وقال ابن حجر: ثقة مدلس.

5. بشر بن الحارث المروزي، أبو نصر الحافي، الزاهد الجليل المشهور ثقة قدوة، قال محمد بن المثنى: قلت لأحمد بن حنبل: "ما تقول في هذا الرجل؟ فقال لي أي الرجال؟ فقلت له: بشر، فقال لي: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال".

6. جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي، صدوق، أحد الأبدال.

7. جعفر بن محمد بن الفضيل الرسعني، أبو الفضل، ويقال له أيضا: الراسبي، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال: بلغني عنه شيء احتاج استثبت فيه، وقال علان الحراني: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، قال ابن حجر: صدوق حافظ، قال القواس: كان يقال إنه من الأبدال.

8.حسان بن أبي سنان البصري، صدوق عابد، من الأبدال.

9.الحسين بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة عابد، قال يحيى بن يحيى: "إن بقي أحد من الأبدال فحسين الجعفي".

10.الحسين بن علي بن يزيد بن سليم الصدائي، صدوق، وكان حجاج بن الشاعر يمدحه ويقول: هو من الأبدال.

11. حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، قال شهاب بن المعمر البلخي: "كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال، وعلامة الأبدال ألا يولد لهم"!.

12.خطاب بن عثمان الطائي الفوزي، أبو عمر الحمصي، ثقة عابد، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ، كان يعد من الأبدال.

13.خلف بن خالد القرشي مولاهم، أبو المهنا المصري، صدوق، قال أبو حاتم الرازي شيخ، وقال مرة: "ثقة من الأبدال".

14.الربيع بن نافع، أبو توبة الحلبي، ثقة حجة عابد، قال أبو داود: "وكان يقال: إنه من الأبدال".

15.رشدين بن سعد بن مفلح المهري، أبو الحجاج المصري، ضعيف، قال يعقوب بن سفيان: "وسمعت مشايخ مصر يقولون: كان رشدين بن سعد المهري عندنا من الأبدال".

16.زهرة بن معبد التيمي، أبو عقيل المدني، وثقة أحمد، والنسائي، والدارقطني، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث لا بأس به، وقال ابن حبان: يخطئ ويخطأ عليه، وهو ممن أستخير الله فيه، قال ابن حجر: ثقة عابد، ولم نقف لهذا الرجل على خطأ، وقال أبو محمد الدارمي زعموا أنه كان من الأبدال.

17. زياد بن أبي زياد ميسرة المخزومي المدني، ثقة عابد، يقال: إنه كان من الأبدال.

18.سعيد بن السائب بن يسار الثقفي الطائفي، ثقة عابد، وقال شعيب بن حرب: كنا نعده من الأبدال.

19.سعيد بن زكريا الآدم، أبو عثمان المصري، صدوق عابد، وكان لو قيل له: إن القيامة تقوم غدًا ما استطاع أن يزداد من العبادة، قال مقدام بن داود: رأيت سعيد الآدم وكان يقال: إنه من الأبدال.

20. الصعق بن حزن بن قيس البكري البصري، أبو عبد الله، صدوق يهم، وكان زاهدًا، قال عارم: كانوا يرون أنه من الأبدال.

21.عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، أبو سليمان الداراني العنسي، قال دحيم: لا أعلمه إلا ثقة، وكان أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مستقيمة، وفي بعضها بعض الإنكار وأرجو أنه لا بأس به، وقال الذهبي: أحد الأبدال، وكان عديم النظير زهداً وصلاحاً، وله كلام رفيع في التصوف والمواعظ، وقال ابن حجر: ثقة له حكايات في الزهد.

22.عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، أبو القاسم، ثقة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "يقال: إنه من الأبدال، وهو صدوق".

23. عبد الرزاق بن عمر بن مسلم الدمشقي، العابد، صدوق، قال أبو حاتم الرازي: "صدوق، كان يعد من الأبدال".

24.عبد العزيز بن مسلم القسملي البصري، وثقه ابن معين، وأبو حاتم الرازي، والعجلي، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حبان: ربما وهم فأفحش، وقال مرة: "وكان رديء الحفظ"، وقال العقيلي: في حديثه بعض الوهم، قال الذهبي: يعد من الأبدال، وقال ابن حجر: ثقة عابد ربما وهم.

25.عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، قال الخليلي في الإرشاد: ابن المبارك الإمام، المتفق عليه، له من الكرامات ما لا يحصى، يقال: إنه من الأبدال.

26.عبد الله بن سليمان بن زرعة الحميري، أبو حمزة البصري الطويل، صدوق يخطئ، وكانوا يرون أنه أحد الأبدال.

27.عبد االله بن عون بن أبي عون بن يزيد الهلالي، الخراز، أبو محمد البغدادي، ثقة عابد، قال الذهبي: من الأبدال.

28.عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثقة عابد، قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: "سمعتهم بالبصرة يقولون: عبد الله بن مسلمة من الأبدال".

29.عبد الله بن منير، أبو عبد الرحمن المروزي، الزاهد ثقة عابد، يعد من الأبدال.

30.عبد الملك بن عبد العزيز القشيري النسائي، أبو نصر التمار، ثقة عابد، يعد من الأبدال.

31.عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، قال عبد الوهاب بن نجدة: كان يقال: هو من الأبدال.

32.عدي بن عدي بن عميرة الكندي، أبو فروة الجزري، ثقة فقيه، وكان يعد من الأبدال.

33.علي بن أبي بكر بن سليمان، أبو الحسن الأسفذني، صدوق ربما أخطأ، وكان عابداً، حكي عن أبي زرعة أنه قال: علي بن أبي بكر من الأبدال.

34.علي بن عياش الألهاني الحمصي، ثقة ثبت، رجل من الأبدال.

35.علي بن فضيل بن عياض التميمي، ثقة عابد [؟].

36.عمار بن محمد الثوري، أبو اليقظان الكوفي، صدوق يخطئ، وكان عابداً، قال الحسن بن عرفة: كنا لا نشك أنه من الأبدال، وقال ابن حبان: "كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه، حتى استحق الترك من أجله".

37.عمرو بن قيس الملائي، أبو عبد االله الكوفي، ثقة متقن عابد، قال أبو زكريا: ويقال: إنه كان من الأبدال.

38.عنبسة بن عبد الواحد، ثقة عابد، قال الذهبي: يعد من الأبدال.

39.فروة بن مجاهد، أو مجالد اللخمي مولاهم، الفلسطيني، الأعمى، مختلف في صحبته، وكان عابداً، قال البخاري: "وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال، مستجاب الدعوة".

40.فضيل بن عياض بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، ثقة عابد إما، قال ابن المبارك ما بقي في الحجاز أحد من الأبدال إلا فضيل بن عياض، وابنه علي، وعلي مقدم في الخوف.

41.القاسم بن يزيد الجرمي، أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد، قال بشر بن الحارث: كان يقال: إن قاسمًا من الأبدال.

42.قران بن تمام الأسدي الكوفي، صدوق ربما أخطأ، قال محمد بن حاتم المؤدب: وكانوا يرونه من الأبدال.

43.كعب بن سعيد العامري البخاري، أبو سعيد، يلقب كعبان، صدوق، ذكره السليماني فقال: كان ناسكًا صدوقًا من الأبدال.

44.مالك بن أنس، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين، قيل: هو أحد الأبدال الأربعين.

45.مالك بن دينار البصري الزاهد، أبو يحيى، صدوق عابد، من الأبدال.

46.محمد بن آدم بن سليمان الجهني، صدوق، وقال أبو بكر بن أبي داود: يقال: إنه كان من الأبدال.

47.محمد بن علي الأسدي، أبو هاشم الموصلي، ثقة عابد، قال المعافى: "أراه من القوم يعني الأبدال".

48.محمد بن منصور بن داود الطوسي، أبو جعفر، العابد ثقة، كان من الأبدال.

49.محمد بن واسع بن جابر بن الأخنس الأزدي، أبو بكر، أو أبو عبد الله البصري، ثقة عابد كثير المناقب، من الأبدال.

50.محمد بن يزيد الكلاعي، أبو سعيد، أو أبو يزيد، أو أبو إسحاق الواسطي، ثقة ثبت عابد، قال وكيع: "إن كان أحد من الأبدال فهو محمد بن يزيد الواسطي".

51.المستمر بن الريان الإيادي الزهراني، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد، قال النسائي: ثقة، وكان من الأبدال.

52.معدي بن سليمان، ضعيف وكان عابدًا، قال الشاذكوني: "كان من أفضل الناس وكان يعد من الأبدال.

53.معمر بن سليمان النخعي، أبو عبد الله الرقي، ثقة فاضل، أخطأ الأزدي في تليينه، قال سعدان بن نصر: كان يقال: إنه من الأبدال.

54.موسى بن أعين الجزري مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابد، قال الأوزاعي: "إني لأعرف رجلا من الأبدال فقيل له: من هو قال: موسى بن أعين".

55.موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، أبو الحسن الهاشمي، المعروف بالكاظم، صدوق عابد، من الأبدال.

56.موسى بن حزام الترمذي، أبو عمران، ثقة فقيه عابد، وكان يقال: إنه من الأبدال.

57.موسى بن خلف العمي، قال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث، ووثقه يعقوب بن شيبة والعجلي، وقال أبو داود: ليس به بأس ليس بذاك القوي، وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: سئل يحيى بن معين عنه فقال: ضعيف، وقال ابن حجر: صدوق عابد له أوهام، قال عفان ما رأيت مثله قط كان يعد من البدلاء.

58.النضر بن كثير السعدي، أبو سهل البصري، العابد ضعيف، قال عمرو بن علي: كان يعد من الأبدال.

59.وزير بن صبيح الشامي، مقبول عابد، قال أبو نعيم الأصبهاني: كان يعد من الأبدال، وقال دحيم: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.

60.وهب بن بيان الواسطي، أبو عبد الله ثقة عابد، قال أبو داود: "وأهل مصر يقولون: إنه بدل من الأبدال".

61.وهيب بن الورد القرشي مولاهم المكي، أبو عثمان، أو أبو أمية، يقال: اسمه عبد الوهاب، ثقة عابد، ويقول أهل مكة: كان وهيب من الأبدال.

62.يحيى بن أزهر البصري، مولى قريش، صدوق، قال أبو نعيم الأصبهاني: كان يعد من الأبدال.

63.يحيى بن زياد بن أبي داود الأسدي مولاهم، أبو محمد الرقي، لقبه فهير، صدوق عابد، قال محمد بن عبد الحميد: كان من الأبدال.

64.يحيى بن سليم الطائفي، صدوق سيء الحفظ، قال الشافعي: "كان رجلاً فاضلاً، كنا نعده من الأبدال، قال أحمد: في حديثه شيء، وكأنه لم يحمده، قال البخاري: ما حدث الحميدي عن يحيى بن سليم فهو صحيح، ووثقه ابن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق، ولم يكن بالحافظ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمرو، قال الدولابي: ليس بالقوي، وذكره بن حبان في الثقات وقال يخطئ. وقال يعقوب بن سفيان: إذا حدث من كتاب صالح وكتابه لا بأس به، فحديثه حسن، ٕواذا حدث حفظا فيعرف وينكر، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الساجي: صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عبيد الله بن عمر، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، وقال الدارقطني: سيء الحفظ.

65.يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي، ثقة عابد، من الأبدال.

66.يزيد بن الأسود، أو ابن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، صحابي، كانوا يرون أنه من الأبدال.

المطلب الثالث: هل يعد وصف الأبدال توثيقا للراوي؟

اتضح من خلال تراجم الرواة في المطلب السابق أن علماء الجرح والتعديل قد استعملوا مصطلح "الأبدال" في أثناء نقدهم للرواة، وبيان مراتبهم، وأول ما يتبادر إلى الذهن أن مصطلح الأبدال من ألفاظ التوثيق، لما يحمله من معاني المديح والثناء، ولكنني ومن خلال البحث والتنقيب في كتب الجرح والتعديل لم أعثر على ما يبين مدلول هذا المصطلح ومنزلته في سلم الجرح والتعديل مع كثرة استعمال الأئمة له.

وبعد دراسة أحوال الرواة الموصوفين بالأبدال في الكتب الستة تبين أنهم موزعون على جميع درجات الجرح والتعديل، فمنهم صحابي، ومنهم مخضرم، ومنهم ثقات أثبات متفق على ضبطهم ٕواتقانهم، ومنهم ثقات متكلم فيهم، ومنهم موصوفون بالصدق، ومنهم موصوفون بالصدق مع وجود الخطأ والوهم في حديثهم، ومنهم ضعفاء. بل هناك في غير رواة الكتب الستة من اتهم بالوضع مثل يعيش بن هشام القرقيساني الذي اتهمه الذهبي.

وبلغة الأرقام؛ فإن عدد الرواة الموصوفين بالأبدال في الكتب الستة بلغ ستة وستين راوياً، معظمهم من الثقات، فقد بلغ عدد الثقات وما علاها من المراتب أربعة وأربعون راويًا، أي: بنسبة %66.6 وهو ما يعادل الثلثين، وأما الذين بمرتبة صدوق فعددهم عشر رواة، أي بنسبة %15.1 وأما الذين بمرتبة صدوق يخطئ فعددهم ثمانية رواة، أي: بنسبة %12.1 وأما الذين دون ذلك فعددهم أربعة رواة أي: بنسبة %6.

وأما في غير الكتب الستة فهناك مائة وسبعة وثمانين راوياً وصفوا بالأبدال، منهم مائة وستة وعشرون راوياً لم أجد أقوال العلماء ما يدل على مدى ضبطهم للحديث، وإنما ذُكر فيهم عبارات تدل على عدالتهم وصلاحهم وعبادتهم وإجابة دعائهم ونحو ذلك، وهؤلاء لا يمكن شملهم بالدراسة.

أما البقية - الذين ذكر فيهم جرح أو تعديل- وعددهم واحد وستون راويًا، فقد بلغ عدد الثقات منهم تسعة وأربعون راوياً، أي: ما نسبته %80.3 وأما الموصوفون بالصدق وما قاربها فبلغ عددهم خمسة رواة فقط أي ما نسبته %8.2 وأما الموصوفون بالضعف وما دونها فبلغ عددهم سبعة رواة، أي: ما نسبته %11.4 .

وخلاصة ما سبق: أن نسبة من وثقوا من الأبدال في الكتب الستة وغيرها بلغت %73.2 بالنسبة لمن ذكر فيهم جرح أو تعديل من الأبدال، وبهذا يتضح أن مصطلح "الأبدال" لا يدل بالضرورة على توثيق الراوي، وإلا كيف يوصف به من اتفق العلماء على ضعفهم، ومن هؤلاء على سبيل المثال: رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري، أبو الحجاج المصري.

قال أحمد: ليس يبالي عمن روى لكنه رجل صالح، فوثقه الهيثم بن خارجة وكان في المجلس فتبسم أبو عبد الله، ثم قال: ليس به بأس في أحاديث الرقاق. وقال حرب: سألت أحمد عنه فضعفه، وقدم ابن لهيعة عليه، وقال البغوي: سئل أحمد عنه فقال: أرجو أنه صالح الحديث.

وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال محمد بن أحمد بن الجنيد عن ابن معين: ليس من جمال المحامل، وقال أحمد بن محمد بن حرب عن ابن معين: رشدينين ليسا برشيدين، رشدين بن كريب، ورشدين بن سعد، وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس بشيء.

وقال عمرو بن علي وأبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث، ما أقربه من داود بن المحبر، وابن لهيعة أستر، ورشدين أضعف.

وقال الجوزجاني: عنده معاضيل ومناكير كثيرة، وقال أيضاً: سمعت بن أبي مريم يثني عليه في دينه، وقال قتيبة:كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه.

وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ضعيف الحديث، لا يكتب حديثه، وقال ابن عدي: أحاديثه ما أقل من يتابعه عليها، وهو مع ضعفه يكتب حديث، وقال ابن يونس: وكان رجلاً صالحاً، لا يشك في صلاحه وفضله، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث.

قال ابن حجر: بقية كلام بن يونس أساء فيه يحيى بن معين القول، ولم يكن النسائي يرضاه، ولا يخرج له، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا، وقال الساجي: قال عبد الله يعني بن أحمد قال أبي: رشدين كذا وكذا، وسمعت ابن مثنى يقول: مات رشدين فذكر وفاته قال وكان عنه مناكير.

وقال ابن شاهين في الثقات: ثنا البغوي عن الإمام أحمد، قال: أرجو أنه صالح الحديث، وقال ابن قانع والدارقطني: ضعيف الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كلما دفع إليه، سواء كان من حديثه أم من غير حديثه، فغلبت المناكير في أخباره، وقال ابن بكير: رأيت الليث أخرجه من المسجد، وقال له: لا تقنت في النوازل، وقال يعقوب بن سليمان: ورشدين أضعف وأضعف.

ومع كل ما قيل فيه من عبارات التضعيف فقد قال يعقوب بن سفيان: "وسمعت مشايخ مصر يقولون: كان رشدين بن سعد المهري عندنا من الأبدال".

ومنهم: معدي بن سليمان، أبو سليمان صاحب الطعام.

قال أبو زرعة: واهي الحديث، يحدث عن ابن عجلان بمناكير، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ضعيف، وقال الشاذكوني: كان من أفضل الناس وكان يعد من الأبدال، وقال ابن حجر: وصحح الترمذي حديثه وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات والملزقات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.

ومنهم: النضر بن كثير السعدي، أبو سهل البصري.

قال أبو حاتم: شيخ فيه نظر، وقال الدارقطني: فيه نظر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال عمرو بن علي: ثنا النضر بن كثير أبو سهل، وكان يعد من الأبدال، قال ابن حجر: وضعفه علي بن الحسين بن الجنيد، والدولابي، والعقيلي وغيرهم.

وبالتدقيق في تراجم هؤلاء الأبدال؛ يلاحظ وجود قاسم مشترك بينهم وهو الاجتهاد في العبادة، والورع أو إجابة الدعاء، بحيث لا تكاد تجد ترجمة لأحدهم تخلو من الإشارة إلى هذا المعنى.

ولو استعرضنا تراجم ابن حجر في "تقريب التهذيب" لمن وصفوا بالأبدال؛ لوجدنا أنه قد وصف تسعة وثلاثين راوياً، منهم بلفظ "عابد"، ووصف معظم الآخرين في التهذيب بألفاظ قريبة من ذلك، وهذا فيه إشارة قوية إلى أن مراد علماء الحديث بالأبدال هو الصلاح والاجتهاد في العبادة، بغض النظر عن ضبط الراوي وتثبته. فهو وصف عدالة لا وصف ضبط.

ومعلوم أن الراوي لا يكون ثقة إلا إذا كان عدلاً ضابطاً، فهؤلاء الأبدال زكوا في عدالتهم، وأما ضبطهم ٕواتقانهم فلا، وبهذا يمكن تفسير إطلاق مصطلح الأبدال على بعض الضعفاء، فهم أهل عبادة وصلاح ولكن الضعف في ضبطهم وتثبتهم.

وعلى هذا المعنى يحمل كلام الأئمة كالشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم، فلم يقصدوا أبدا بالأبدال أنهم أصحاب المرتبة الرابعة من طبقات الأولياء، وبهميحفظ الكون، إلى غير ذلك من المعاني الباطلة، ولم يقصدوا أبدا أنهم أولئك العدد المحدد الذين لا يزيدون ولا ينقصون، فعموم آيات القران الكريم وأحاديث النبيّ الثابتة تدل على أن أولياء الله تعالى -وهم المؤمنون الأتقياء- قد يقلون في عصر ويكثرون في عصر آخر، وكل من ادعى شيئًا من هذا فقد افترى على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو من الرجم بالغيب، فكيف لهم أن يعرفوا أن فلاناً من هؤلاء الأربعين؟ وما هي العلامة الفارقة التي تميز الأبدال عن غيرهم؟ وكيف يجوز إذن أن يقال: إن فلاناً من الأبدال؟! لا شك أن هذا من الرجم بالغيب، وادعاء علم ما أنزل الله به من سلطان.

ولا يخفى أن هؤلاء الأئمة عندهم من الورع والتقوى ما يمنعهم من الخوض في أمر بغير علم، فلا هم صرحوا بذلك ولا دل كلامهم عليه، فكيف إذا وجدنا من صريح كلامهم ما يفسر معنى الأبدال؟!

سئل الإمام أحمد عن الأبدال فقال: "إذا لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أدري من الأبدال"، ثم قال: هذا كلام يزيد بن هارون، ذكره عن سفيان الثوري.

وروي عنه أيضاً أنه قال: "الأبدال خير الناس، وهم الذين يطلبون الحديث ويتبعون السنة".

وقال الخليل بن أحمد: "إن لم يكن أهل القرآن والحديث أولياء االله، فليس الله في الأرض ولي".

وذكر الخطيب البغدادي في كتابه شرف أصحاب الحديث "من قال إن الأبدال والأولياء أصحاب الحديث".

ولا ريب أن حصر الأبدال بأهل القرآن وأهل الحديث لا يخرج عما سبق من تعريفات العلماء للأبدال، فإن العبادة والولاية والصلاح إنما تكون باتباع كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتضح جليا أن تعريف الأبدال عند المحدثين هم:

المجتهدون بالعبادة المبرزون في الصلاح المتبعون لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وأما ما رواه الخطيب البغدادي من طريق علي بن عبد الله بن الحسن الهمذاني، قال: حدثنا القاسم بن الحسن بن جرير، قال: حدثنا محمد بن أبي عتاب، عن محمد بن المثنى، قال: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هذا الرجل؟ فقال لي: أي الرجال؟ فقلت له: بشر، فقال لي: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال؛ فهذا لا يصح عن الإمام أحمد، لأن فيه علي بن عبد الله بن الحسن الهمذاني وهو ابن جهضم قال ابن الجوزي: "اتهموه بوضع صلاة الرغائب" وقال الذهبي: "ليس بثقة بل متهم يأتي بمصائب، وقال ابن خيرون قيل: إنه يكذب".

الخاتمة

بعد الانتهاء من هذا البحث الذي تناول مصطلح الأبدال عند المحدثين يمكنني تلخيص ما توصلت إليه في النقاط الآتية:

1.أُطلق مصطلح الأبدال على مائتين وثلاثة وخمسين راويًا، منهم: ستة وستون راوياً من رجال الكتب الستة، وذلك بعد البحث والاستقصاء في جميع كتب الجرح والتعديل.

2.استُعمل مصطلح الأبدال من ِقبل كبار الأئمة كالشافعي، وأحمد والبخاري، وأبو حاتم الرازي وغيرهم، مما يدل على أن انتشاره واشتهاره بين علماء الحديث.

3.يطلق لفظ الأبدال عند العلماء بشكل عام للدلالة على من عرف باجتهاده الشديد في العبادة والورع والزهد في الدنيا.

4استعمل المحدثون مصطلح الأبدال للدلالة على عدالة الراوي فقط، ولا يدل بالضرورة على ضبط الراوي وتثبته في الحديث.

5.يستعمل مصطلح الأبدال عند الصوفية للدلالة على معنى خاص بهم، فهو يدل على مرتبة من مراتب الولاية لديهم، وهو بهذا يختلف تماماً عن مدلوله عند المحدثين.