أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

رسائل شعبانية محمد محمد عبد الهادي لافي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رسائل شعبانية

محمد محمد عبد الهادي لافي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الله سبحانه خالق الجهات والأماكن، مالكٌ لها، يُخصص ما شاء بما شاء لما يشاء من فضله وكرامته، فجعل أول استقبال المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس؛ ليُخلّص المسلمين من شوائب النعرة الجاهلية، ومنتعلُّقهم بنعرة العرق والحسب والنسب والقبيلة، وليستخرج منهم أسمى معاني التوحيد والعبودية في مخالفة ما ألفوه واعتادوه ونشأوا عليه. 

ثم جاء تحويل القبلة إلى البيت الحرام بعد انتقال المسلمين إلى المدينة؛ لحكمة تربوية جليلة، وهي تحقيق التجرد والعبودبة لله تعالى، وتخليصهم من أدران التعلق بغير الله، ومن عقدة الاعتياد، لأن التوجه إلى الله تعالى إنما يكون بأمره وشرعه، أنى كانت الجهة، ومهما كانت البقعة التي يستقبلها المرء.

ثم استقر الأمر على ذلك؛ ليكون إيذاناً بوحدة التوجه، وكمال الدين، ووحدة القصد والصف والكلمة، ووحدة الراية والغاية والجهة، ولتكون مكة مجمع القلوب ومحط أنظار الرجال وقبلة الأمم، ولتكون مهد الرسالة، ونبع النبوة، ورسالة السماء التي تلم شعث الأمة.

وهذا الكُتيّب الصغير تضمن في صفحاته ثلاث رسائل، جمعها مؤلفها تحت عنوان (رسائل شعبانية)، الأولى منها: (النصف من شعبان وتحويل القبلة)، والثانية: (ايقاظ الغفلان في شهر شعبان)،  والثالثة: (غزوة بنى المصطلق).

أما الرسالة الأولى: في في تحويل القبلة، والذي كان في منتصف شهر شعبان، من السنة الخامسة للهجرة، وتحديداً في منتصف صلاة الظهر وهم في ركوعهم، فانحرفوا عن بيت المقدس باتجاه الكعبة.

وتحدث فيها عن تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام (الكعبة)، وما ورد في ذلك من الآيات الكريمة (وهي بالمناسبة ثلاث آيات من وسورة البقرة)، والأحاديث النبوية، وما جاء في تفسيرها ومعناها، والحكمة من تحويل القبلة، ودلالاتها التربوية والإيمانية. ثم موقف أهل الكتاب والمشركين من هذه القضية، والتي أظهرت عدداً من أخلاقهم السيئة تجاه المسلمين؛ كالحقد وحيلهم في رد النوبة، ونشر الشائعات وتشكيك الناس في عباداتهم، والطعن في هذا الدين.

وقد جاء هذا التحويل بعد استقبال النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه لبيت المقدس مدة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً بعد الهجرة، من بدء فريضة الصلاة. وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المدينة يجعل البيت الحرام بينه وبين بين المقدس، لكن لما هجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس وكان في جهة مخالفة لجهة البيت الحرام، أخذ يُقلّب وجهه في السماء؛ منظراً الإذن من الله تعالى في استقبال البيت الحرام، فأتاه البيان من الله تعالى، وأُذن له باستقباله.

أما الرسالة الثانية: فهي (إيقاظ الغفلان في شهر شعبان)

وذكر فيها المؤلف أن هذا الشهر يغفل فيه الناس، وأنه ينبغي إشغاله بالطاعات والعبادات كالذكر والتسبيح والقيام، ثم أفرد مساحة للحديث عن الصيام فيه وأحكامه؛ فطرح مسألة: هل يختص النصف من شعبان بالصيام؟ وبيّن في جوابه أنه لم يثبت حديث صحيح بقيام ليلة النصف من شعبان أو دعاء مخصوص فيه.

وفي الرسالة الثالثة -وهي: (من أحداث شهر شعبان غزوة بني المصطلق أو المريسيع)

ذكر فيها أن المسلمون بلغوا ألف راكب وراجل، بينهم ثلاثون فرساً، وقائد المشركين هو الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، وأن سببها استنفار الحارث لقومه من أجل غزو المدينة.. وأرى من المناسب ذكر ما ذكره ابن القيم عن هذه المعركة من كتابه (زاد المعاد):

وكانت في شعبان سنة خمس.

وسببها: أنه لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

استخبار الأمر: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم له ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار، وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرهم.

الاستنفار للمعركة: فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فأسرعوا في الخروج، وخرج معهم جماعة من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قبلها.

أمير المدينة: واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل: أبا ذر، وقيل: نميلة بن عبد الله الليثي.

الخروج للمعركة: وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارث بن أبي ضرار، ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتله عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبره، وخبر المسلمين، فخافوا خوفاً شديداً، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب.

الوصول للمكان: وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع، وهو مكان الماء، فضرب عليه قبته، ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيئوا للقتال، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة.

حسم المعركة: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة، وانهزم المشركون، وقتل من قتل منهم، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ولم يُقتل من المسلمين إلا رجل واحد، هكذا قال عبد المؤمن بن خلف في "سيرته" وغيره، وهو وهم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء، فسبى ذراريهم وأموالهم كما في "الصحيح": (أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون) ، وذكر الحديث.

السبايا: وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عقد عائشة، ونزول آية التيمم: 

قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم.

وذكر الطبراني في "معجمه" من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: (ولما كان من أمر عقدي ما كان، قال أهل الإفك ما قالوا، فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس، ولقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال لي: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم)، وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر، ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى، ونحن نشير إلى قصة الإفك.

حادثة الإفك: وذلك أن عائشة رضي الله عنها -كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل فخرجت عائشة لحاجتها، ثم رجعت، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، فظنوها فيه، فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها.

وأيضاً فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحد أو اثنان لم يخف عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها، فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل: (إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش؛ لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في "صحيح أبي حاتم". 

وفي "السنن": فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع، وأناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفساً، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه. 

استفاضة الأمر: فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء، فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء، وأسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك وأعظم منه، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه، ومنزلته عنده، ودفاعه عنه أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء، وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة، وهي تحت رسوله، ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسوله، وقدره عند الله في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوا ذلك: {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16].

وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به، وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغياً، فمن ظن به سبحانه هذا الظن فقد ظن به ظن السوء، وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى: {الخبيثات للخبيثين} [النور: 26]، فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم، وفرية ظاهرة.

مسألة: فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها، وسأل عنها وبحث واستشار، وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به، وهلا قال: {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] كما قاله فضلاء الصحابة؟

فالجواب: أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها، وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها.

ولتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها، والافتقار إلى الله والذل له وحسن الظن به والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها: قومي إليه، وقد أنزل الله عليه براءتها، فقالت: (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي).

وأيضاً فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية محصت وتمحضت، واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون، فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم، وأضعافها بل أضعاف أضعافها.

وفيها إظهار الله منزلته صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عنده، وأيضا فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه بل يكون هو وحده المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته.

وأيضاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى، والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط وحاشاه وحاشاها، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك قال: (من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)، فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه وثقته به، وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه، وسر قلبه وعظم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه.

ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح بالإفك، فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه، وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة، وهو لم يقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.

وقيل: حد القذف حق الآدمي لا يستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف، وعائشة لم تطالب به ابن أبي.

وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا، وهي تأليف قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم، فلم تؤمن إثارة الفتنة في حده، ولعله ترك لهذه الوجوه كلها.

فجلد مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيراً لهم وتكفيرا، وترك عبد الله بن أبي، إذا فليس هو من أهل ذاك.

قوة إيمان عائشة: ومن تأمل قول الصديقة، وقد نزلت براءتها، «فقال لها أبواها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله» ) ، علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها وإفراده بالحمد في ذلك المقام، وتجريدها التوحيد، وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، وثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت، إدلالاً للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال، فوضعته موضعه، ولله ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتي، ولله ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب شيء إليها، ولا صبر لها عنه، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا، ثم صادفت الرضى منه، والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة.

طلبه صلى الله عليه وسلم فيمن يعذره فيمن تولى الإفك: 

وفي هذه القضية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي؟ " قام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله»، وقد أشكل هذا على كثير من أهل العلم، فإن سعد بن معاذ لا يختلف أحد من أهل العلم أنه توفي عقيب حكمه في بني قريظة عقيب الخندق، وذلك سنة خمس على الصحيح، وحديث الإفك لا شك أنه في غزوة بني المصطلق هذه، وهي غزوة المريسيع، والجمهور عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ست، فاختلفت طرق الناس في الجواب عن هذا الإشكال، فقال موسى بن عقبة: غزوة المريسيع كانت سنة أربع قبل الخندق حكاه عنه البخاري.

وقال الواقدي: كانت سنة خمس. قال: وكانت قريظة والخندق بعدها. 

وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق، وعلى هذا فلا إشكال، ولكن الناس على خلافه. 

وفي حديث الإفك ما يدل على خلاف ذلك أيضاً؛ لأن عائشة قالت: إن القضية كانت بعدما أنزل الحجاب، وآية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزينب إذ ذاك كانت تحته، فإنه صلى الله عليه وسلم سألها عن عائشة، فقالت: "أحمي سمعي وبصري"، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر أرباب التواريخ أن تزويجه بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس، وعلى هذا فلا يصح قول موسى بن عقبة.

وقال محمد بن إسحاق: إن غزوة بني المصطلق كانت في سنة ست بعد الخندق، وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة، فذكر الحديث.

فقال: فقام أسيد بن الحضير، فقال: أنا أعذرك منه، فرد عليه سعد بن عبادة، ولم يذكر سعد بن معاذ.

قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، وذكر سعد بن معاذ وهم؛ لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، وكانت في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة.

قلت: الصحيح أن الخندق كان في سنة خمس كما سيأتي.

ما وقع في حديث الإفك من الوهم: 

ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري عن أبي وائل عن مسروق، قال: سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني. 

قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها، وقال: «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه»، قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها، وسألها للقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، ومسروق إنما قدم المدينة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

قالوا: وقد روى مسروق عن أم رومان حديثا غير هذا فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع، قالوا: ولعل مسروقا قال: سئلت أم رومان، فتصحفت على بعضهم: سألت، لأن من الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في " صحيحه " وقد قال إبراهيم الحربي وغيره: إن مسروقا سألها وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأم رومان أقدم من حدث عنه، قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزوله في قبرها، فحديث لا يصح.

وفيه علتان تمنعان صحته، إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه، والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والقاسم لم يدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس يرويه البخاري في "صحيحه"، ويقول فيه مسروق: سألت أم رومان فحدثتني، وهذا يرد أن يكون اللفظ: سئلت. وقد قال أبو نعيم في كتاب "معرفة الصحابة": قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وهم.

هل الجارية الشاهدة على عائشة هي بريرة: 

ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه أن علياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما استشاره -سل الجارية تصدقك، فدعا بريرة، فسألها، فقالت: ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر، أو كما قالت، وقد استشكل هذا، فإن بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة.

وكان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في المدينة، والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها فأبت أن تراجعه: «يا عباس " ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها!».

ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة، وهذا الذي ذكروه إن كان لازما، فيكون الوهم من تسميته الجارية بريرة، ولم يقل له علي سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية تصدقك، فظن بعض الرواة أنها بريرة، فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح، ولم ييأس منها زال الإشكال، والله أعلم.

مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة المريسيع:

وفي مرجعهم من هذه الغزوة «قال رأس المنافقين ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغها زيد بن أرقم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء ابن أبي يعتذر، ويحلف ما قال، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تصديق زيد في سورة المنافقين، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه، فقال: أبشر فقد صدقك الله، ثم قال: هذا الذي وفى لله بأذنه، فقال له عمر: يا رسول الله مر عباد بن بشر، فليضرب عنقه، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».

وبعد قراءة هذه "الرسائل الشعبانية"، يتضح جلياً أن الأحداث الكبرى في تاريخ الأمة – مثل تحويل القبلة أو محنة الإفك في غزوة بني المصطلق – لم تكن مجرد محطات تاريخية عابرة، بل كانت محطات ربانية وتربوية لتمحيص الصف الداخلي، وكشف خبايا النفوس، وتعليم الأمة كيفية مواجهة الشائعات وحروب الجيل الرابع النفسية التي يبثها المنافقون وأعداء الدين. 

ويظهر من صبر النبي صلى الله عليه وسلم وثبات الصديقة عائشة رضي الله عنها في وجه العاصفة الإعلامية والسياسية الموجهة، أن استهداف الجبهة الداخلية للأسرة المسلمة وضرب الرموز كان ولا يزال السلاح الأخبث لإسقاط الأمم من الداخل، مما يفرض على الأمة اليوم وعياً مضاعفاً بحياض أمنها الفكري والأخلاقي. لذا يجب الانتباه لذلك جيداً.



أحجار علي رقعة الشطرنج وليم جاي كار بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أحجار علي رقعة الشطرنج

وليم جاي كار

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يمثل هذا الكتاب (pawns in the game) أو أحجار على رقعة الشطرنج التطبيق العملي لبروتوكولات حكماء صهيون! الأمر الذي يؤكد المذهب القائل بنظرية المؤامرة، والتي تقضي بإيجاد كارثة اجتماعية شاملة، تُفضي إلى تدمير جميع الحكومات والأديان الموجودة، وتقسيم الشعوب إلى دول متناحرة على أشياء قد تكون (سياسية أو اقتصادية أو عرقية، …)، ثم خلق حالة من الصراع الداخلي المستمر الذي يأكل البلدان ويطفئها، يتم بعدها فرض تعليمات الشيطان وإراداته.

وبالطبع، فإن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالسيطرة على النخبة المتنفذة في تلك البلدان، بالإضافة إلى أصحاب المراكز الحساسة، والذين يتم تدريبهم وتأهيلهم وإلحاقهم بمدارس وكليات متخصصة، ويتم مساعدتهم على الوصول إلى مراكز عالية في البلدان، وأكثر ما يسقطهم في شباك تلك المؤامرة (المال والجنس، وربما أمور أخرى كالبحث عن الشهرة وغيرها من الشهوات).

ولما كانت بريطانيا وفرنسا أعظم قوتين في العالم، كانت الخطة الأولى أن يتم إنهاك بريطانيا واستهلاك قوتها بشكل يجعلها تتراجع، أما فرنسا فوضعوا خطة لتنظيم ثورة كبرى تحدث فيها تصدعاً وتراجعاً عن المهام الكبرى في العالم، وكان المخطط أن تندلع هذه الأخيرة عام 1789. 

وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى، كان (وليـم كار) قد انضم إلى البحرية الأميركية.. وفي الوقت الذي كان فيه يتدرج على سلم المراتب، كان يوصل دراسته لخطوات المؤامرة اليهودية الكبرى.

وقبل وفاته الغامضة أصدر كتابه "الشيطان أمير العالم" و"ضباب أحمر فوق أميركا"، بالإضافة لكتابه هذا، الذي اعتبره المفكرون صوت النذير لعقلاء العالم، لكي يتحدوا في مسيرة الخير لدحر قوى الشر والطغيان.

ومع اتهام المؤلف لليهود بتدبر كل تلك المؤامرات، إلا أنه ترك لنفسه باباً يستطيع من خلاله أن يُخلص نفسه من تهمة "معاداة السامة"؛ فزعم أن عوام اليهود لا علم لهم بتفاصيل تلك المؤامرات، أو انهم يسيرون ضمن الخطة التي رسمها لهما أسيادهم النورانيين، بكما أن أسلوبه واضح في حقده الأعمى على الروس، ولعله أحد تأثيرات الحرب الباردة عليه، والتي كان أحد المغامرين فيها.

وبهذا الشكل، لا يمكن النظر إلى التاريخ البشري على أنه مجرد صدف عشوائية أو نزاعات قومية عفوية، بليمكن تفسير أحداثه على أنها لعبة شطرنج عالمية محكمة الإدارة، تُدار خيوطها من غرف مظلمة وبعيدة عن الأعين، حيث تُستخدم الشعوب كبيادق رخيصة وتُضحى بالحكومات والأمم متى اقتضت المصلحة العليا لتلك القوى الخفية، في مسيرة شيطانية لا تهتدي إلا بغاية واحدة: كسر شوكة الأديان وتدمير الكيانات الوطنية إيذاناً بفرض السيطرة المطلقة على مقدرات الكوكب.

مراحل المؤامرة

لعل بداية الحكاية كانت مع آدم وايزهاوبت (Adam Weishaupt) في عام 1784، والذي كان استاذاً في القانون بجامعة إنغولشتات (Ingolstadt)، وكان متضلعاً بالنصرانية، مؤمناً بها، وداعياً إليها، إلى أن ارتد عن النصرانية في عام 1770، ليعتنق المذهب الشيطاني. حيث استأجره المرابون الذين قاموا بتأسيس وتنظيم مؤسسة روتشيلد، من أجل مراجعة وإعادة تنظيم البروتوكولات القديمة علي أسس حديثة. والهدف من هذه البروتوكولات هو التمهيد لسيطرة الشيطان على العالم.

وبالفعل فقد أنهى آدم وايزهاوبت مهمته في 1/ أيار (مايو) 1776،  وفي نفس العام أسس وايزهاوبت جماعة النورانيين (المعروفين بعبدة الشيطان) لينقل المؤامرة إلى حيز التنفيذ.. وكلمة النورانيين تعبير شيطاني يعني "حملة النور". ولجأ وايزهاوبت إلي الكذب، مدعيا أن هدفه من تأسيس هذه الجماعة هو الوصول إلي حكومة عالمية واحدة، تتكون من ذوي القدرات الفكرية الكبرى (من أصحاب التفوق العقلي)؛ ليشكلوا حامية العالم، والأشخاص الذين يملكون مفاتيح الخير والسلام.

واستطاع وايزهاوبت أن يضم إلى مجموعته ما يقارب الألفين من الأتباع، وذلك بعد أن سلّط عليهم كل أسباب الإغراء والفتنة، وكان بينهم أبرز المتفوقين في شتى الميادين العلمية الفنية والأدبية والاقتصادية والسياسية والصناعية. وأسس عندئذ محفل الشرق الأكبر ليكون مركز القيادة السرّي للعالم.

ولا شك أن نجاح وايزهاوبت في استقطاب النخب الفكرية والعلمية وإغراقهم في شبكات السيطرة والشهوات يعطي تفسيراً منطقياً ونافذاً لكيفية اختراق عقول الطبقات الحاكمة وصنع "البيادق" التي تنفذ الأجندات العليا دون أن تدرك الغاية الحقيقية. وبالفعل فإن التأسيس الممنهج عبر المدارس والمنح الموجهة يثبت أن السيطرة على الفكر هي الخطوة الأولى للهيمنة الشاملة على مصائر الشعوب. 

وقد أسس وايزهاوبت مدارس تُعنى بجذب الطلبة الأكثر تفوقاً ليواصلوا مسيرة الشيطان في السيطرة على العالم، وذلك من خلال تقديم المنح الدراسية، وتوجيه اهتمام الطلبة نحو الأممية أو العالمية، وكانت البداية في ثلاث مناطق، كالتالي: مدرسة غوردنستوف (Gorodonstoun) في سكوتلندا، والثانية مدرسة سالم (Salem) في ألمانيا، والثالثة مدرسة أنا فريتا (Anavryta) في اليونان.

وقد درس الأمير فيليب زوج ممكو انكلترا اليزابيث الثانية في غوردنستوف، بتدبير من عمه اللورد لويس ماونتباتن (Lord ،Louis Mountbatten)، الذي أصبح بعد الحرب العالمية الثانية القائد الأعلى للبحرية البريطانية. وعندما اكتشف الفرنسيون مخططات وايزهاوبت في تدبير ثورة فرنسية، شنت فرنسا حملة شعواء عليهم، وأصدرت تحذيراتها يخصوص المحفل الماسوني، الذي قامت بإغلاقه.

يذكر المؤلف أن حكومة بافاريا اقتنعت، بعد العثور على وثائق إضافية، بأن جماعة النورانيين تمثل تنظيمًا سريًا يسعى إلى السيطرة على الجماعات الماسونية، فأغلقت محفل الشرق الأكبر سنة 1785، وأعلنت النورانيين خارجين على القانون، ثم نشرت سنة 1786 وثائق تتعلق بمخططاتهم. غير أن المؤلف يرى أن نفوذ الجماعة كان قويًا، فانتقل نشاطها إلى السرية، وبدأت تسعى إلى التغلغل داخل المحافل الماسونية، مستفيدة من شعارات الإنسانية والأممية.

ويشير الكتاب إلى أن جون روبنسون حذّر من هذا التغلغل، ثم نشر سنة 1798 كتابًا يحذر فيه من مؤامرة تستهدف الحكومات والأديان. كما يذكر المؤلف أن توماس جيفرسون كان من المتعاطفين مع وايزهاوبت، وأن تأثير النورانيين امتد إلى المحافل الماسونية في أمريكا، مع الإشارة إلى تحذيرات صدرت من شخصيات أمريكية أخرى من هذا النفوذ.

ثم يعرض المؤلف حادثة الكابتن وليام مورغان سنة 1826، الذي قيل إنه أراد كشف أسرار النورانيين ومخططاتهم، فتعرض للاختطاف والقتل، ويربط الكتاب هذه الحادثة بحالة من الغضب والانقسام داخل الأوساط الماسونية الأمريكية.

ويذكر أن النورانيين، في مؤتمر لهم بنيويورك سنة 1829، اتجهوا إلى جمع جماعات القومية والإلحاد والحركات الثورية في تنظيم عالمي أطلق عليه اسم الشيوعية، ورصدوا لذلك أموالًا جُمعت لتمويل هذا المشروع، وبدأت في ذلك الوقت تظهر كتابات كارل ماركس وفريدريك إنجلز.

ثم انتقل إلى الحديث عن مازيني وألبرت بايك، ويعرض رواية مفادها أن النورانيين استعانوا بهما في إعداد مخططات للثورات والحروب العالمية. كما يذكر أن بايك أعاد تنظيم الماسونية وأنشأ مجالس عليا في عدد من المدن، وأن هذه المجالس أصبحت ـ وفق تصور الكتاب ـ مراكز قيادة للحركة الثورية العالمية.

ويقوم هذا المخطط على تنظيم الحركات العالمية، كالشيوعية والنازية والصهيونية السياسية وغيرها، واستخدامها لإثارة الحروب والثورات، بما يؤدي في النهاية إلى إضعاف الحكومات والأديان وتمزيق المجتمعات. فقد استُغلت الحرب العالمية الأولى للإطاحة بالحكم القيصري في روسيا وتمكين الحركة الشيوعية، ثم استُخدمت الحرب العالمية الثانية للقضاء على النازية وتعزيز الصهيونية السياسية، وصولًا إلى إقامة دولة إسرائيل في فلسطين، مع تقوية الشيوعية إلى حد موازنة القوى الغربية.

أما الحرب العالمية الثالثة، فقد خُطط لإشعالها من خلال الصراع بين الصهيونية السياسية وقادة العالم الإسلامي، بحيث يستنزف الطرفان بعضهما، وتتزامن مع ذلك صراعات أخرى بين الشعوب، حتى تصل الإنسانية إلى حالة من الإنهاك الجسدي والعقلي والروحي والاقتصادي.

ويقوم الصراع بين هذين المعسكرين على السيطرة السياسية والاقتصادية والفكرية، واستعمال الحروب والاغتيالات والثورات لإضعاف الأمم وإخضاعها. كما تقوم الدعاية والإعلام بدور أساسي في تقسيم الناس إلى معسكرات متناحرة، ونشر الحقائق الناقصة أو الأكاذيب، بحيث ينشغل الناس بالصراع فيما بينهم، بينما تظل القوى المحركة للأحداث بعيدة عن الأنظار.

وقد وضعت لهذه الخطة أهداف واسعة، من أبرزها إلغاء الحكومات الوطنية، وإضعاف الشعور الوطني، وإلغاء الملكية الخاصة ومبدأ الإرث، وتفكيك الأسرة، والقضاء على الأديان المنظمة، تمهيدًا لإقامة نظام عالمي يخضع لسلطة واحدة. وتُصوَّر الشعوب في هذه اللعبة كبيادق، وتُستخدم الحكومات والزعماء والجماعات المختلفة كقطع على رقعة شطرنج، يمكن التضحية بها متى اقتضت الخطة ذلك.

ومن هنا يصبح فهم التاريخ، وفق هذا التصور، قائمًا على تتبع الصراعات والحروب والثورات بوصفها نقلات متتابعة في لعبة عالمية، تتنافس فيها قوى متعددة، بينما تعمل قوى خفية على توجيه الأحداث نحو أهدافها النهائية، مستفيدة من المال والسياسة والإعلام والصراعات الفكرية والدينية لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها.

وقد استغل النورانيين الصراعات الدينية والاجتماعية والاقتصادية لإضعاف المجتمعات وتفريقها إلى معسكرات متنازعة، وأنهم وظّفوا المال والنفوذ والشبكات السرية في دعم الثورات والاضطرابات العالمية، واستثمروا أوضاع اليهود في أوروبا، ولا سيما بعد الطرد والعزل في الأحياء المغلقة، لإيجاد بيئة تساعد على تنمية روح الثورة والانتقام.

وقد استخدم النورانيون الرموز الخفية والشعارات والأجهزة السرية والتجسس والإرهاب لحماية التنظيم وفرض أهدافه. وفي الثورة الإنجليزية مثلًا، دعم النورانيون حركة الانقسامات السياسية والدينية، سيما أوليفر كرومويل، وقد احاطوه بالمال والتخطيط العسكري بهدف إسقاط الملكية البريطانية.

وهكذا يظهر النورانيون بوصفهم العقل المدبّر والقوة الخفية التي تستغل المال والصراع الديني والانقسام الاجتماعي والثورات السياسية، وتحاول توجيه الأحداث المتعاقبة نحو إضعاف الأديان والحكومات والمجتمعات، وصولًا إلى إقامة نظام عالمي جديد.

ظهرت خلال الثورة الإنجليزية شبكات سياسية ومالية خفية شاركت في تأجيج الصراعات الدينية والسياسية، وتنظيم الاضطرابات والجماعات المسلحة، وكان لها دور في الأحداث التي انتهت بإعدام الملك شارل الأول سنة 1649، ثم استمرت المؤامرات والصراعات حتى الثورة المجيدة سنة 1688.

وارتبطت هذه الأحداث بالجانب المالي؛ إذ استُخدمت القروض في تمويل الحروب، وتزايد الدين الوطني البريطاني، ثم أُنشئ بنك إنجلترا سنة 1694 بشروط منحت المقرضين (من جماعة النورانيين واليهود) نفوذًا واسعًا في النظام المالي، ومنها سرية أسماء الممولين، وتنظيم إصدار القروض والعملة، وتأمين سداد الديون من خلال الضرائب.

والتاريخ الاقتصادي الحديث يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن السيطرة على إصدار النقود والتحكم في أسعار الفائدة هما السلاح الأقوى لإخضاع الدول. وبالفعل فإن إغراق الحكومات في الديون الربوية الممنهجة لم يكن وليد الصدفة، بل هو أداة دقيقة لهندسة الانهيارات الاقتصادية الكبرى (مثل كساد العشرينيات). لقد كان إنشاء الاحتياطي الفيدرالي عبر اجتماعات سرية في جزيرة جيكيل يجسد بوضوح كيف تحولت سيادة الدول الاقتصادية إلى أيدي شبكة من المصرفيين الدوليين الذين يوجهون حروب العالم وأزماته لتحقيق أرباح فلكية وبسط النفوذ المطلق. 

وامتد هذا النفوذ إلى الحروب الأوروبية والثورة الفرنسية سنة 1789، ثم برزت عائلة روتشيلد في النشاط المصرفي الأوروبي، بدءًا من أمشيل ماير باور وأبنائه، ولا سيما ناثان روتشيلد، الذي توسع نشاطه المالي في إنجلترا. وتكوّنت بذلك إمبراطورية مالية واسعة ارتبط نشاطها بتمويل الحكومات والحروب والتأثير في الحياة الاقتصادية والسياسية.

كما ارتبطت الثورة الفرنسية، بخطة تعتمد على إثارة الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي؛ من خلال إغراق الدولة في الديون، وتفاقم البطالة والأزمات المعيشية، ثم تحميل المسؤولية للملك والنبلاء والكنيسة وأصحاب النفوذ، مع توظيف الدعاية والتحريض لإثارة سخط الجماهير.

وتقوم الخطة على استغلال الحرية والصراعات الطبقية والاضطرابات السياسية للوصول إلى النفوذ، مع اعتماد المال وسيلة للسيطرة؛ إذ يُنظر إلى القروض بوصفها أداة لإخضاع الحكومات، بحيث يؤدي تراكم الديون إلى منح الممولين نفوذًا على القرار الاقتصادي والسياسي.

وكان هناك ارتباط وثيق بين المحافل الماسونية والجماعات السرية وبين الإعداد للثورة الفرنسية، ولذلك ذكروا شخصيات تنتمي للماسون ساهمت في إثارة تلك الثورة، مثل ميرابو و دوق أورليان، وقد استغلت أتم استغلال الديون والفضائح والعلاقات الشخصية لإخضاع الشخصيات المؤثرة وتوجيهها نحو العمل الثوري.

ويتناول الكتاب الدعاية وتشويه السمعة بوصفهما وسيلتين لإضعاف الشخصيات السياسية، وقد أورد قضية عقد الألماس مثالًا على الحملة التي استهدفت الملكة ماري أنطوانيت، والتي تربط بأساليب إثارة النقمة الشعبية على النظام الملكي.

وفي الجانب المالي، قاموا بعرض فرنسا بوصفها قد وقعت في دائرة متصاعدة من القروض والامتيازات؛ فكانت الحاجة إلى التمويل تؤدي إلى مزيد من الاقتراض، ثم استُخدمت الديون والضمانات للتأثير في إدارة الدولة وشؤونها المالية. 

وقد أشارت العديد من الوثائق والكتب إلى وجود مخطط دولي لصناعة كل هذه الاضطرابات، ومن أبرزها «بروتوكولات حكماء صهيون»، والتي ترتبط مباشرةً بالماسونية والصهيونية والحركات الثورية، وكانت جزءاً من تصور أوسع للسيطرة على الثروات والموارد والقرار السياسي.

وقد أدّت الديون المتراكمة إلى إحكام قبضة الممولين (النورانيين) على فرنسا، حتى بلغ القرض الوطني مبلغًا ضخمًا، وأصبحت الأزمات المالية والاجتماعية أرضًا مهيأة للثورة. وتزامن ذلك مع الدعاية ضد رجال الكنيسة والدولة، وتنظيم الجماعات السرية وتدريب العناصر التي تولت قيادة مرحلة الإرهاب، ثم تصفية من انتهى دورهم من الشخصيات، مثل دوق أورليان وميرابو ودانتون وروبسبير.

وتبرز القوى النورانية بوصفها المحرك الخفي لهذه الأحداث؛ إذ تُقدَّم على أنها عملت من خلال المحافل الماسونية والشبكات السرية، واستفادت من الثورات والحروب لإضعاف الحكومات وتوسيع نفوذ المال. وبعد الثورة الفرنسية انتقل النشاط إلى مرحلة جديدة، توسعت فيها أسرة روتشيلد في أوروبا، وأُنشئت شبكات مالية مرتبطة بالمصارف الكبرى، مع توظيف الحروب وسيلة لتحقيق الأرباح وبسط النفوذ.

وترتبط هزيمة "نابليون بونابرت" كذلك بهذه الشبكات؛ إذ استُخدمت الجواسيس والمعلومات المضللة والتلاعب بالسوق المالية، فتمكن ناثان روتشيلد من تحقيق أرباح هائلة عقب معركة واترلو، ثم توسع نفوذ الأسرة في النظام المالي البريطاني. وأصبحت السيطرة على المصارف والصناعات المرتبطة بالحرب وسيلة لتحقيق المكاسب بغض النظر عن الطرف المنتصر.

وامتدت الأساليب ذاتها، بحسب هذا التصور، إلى جيوش ودول أخرى، من خلال اختراق مراكز التجهيز والمواصلات والاستخبارات، وتعطيل الإمدادات وإصدار الأوامر المتناقضة ونشر التجسس، بما يؤدي إلى إضعاف الجيوش من الداخل دون مواجهتها مباشرة.

ثم انتقل نفوذ هذه المحافل من فرنسا إلى أوروبا بأكملها عبر محافل الشرق الأكبر، التي تُقدَّم بوصفها امتدادًا للنورانيين داخل الماسونية، وسعت إلى التأثير في السياسة الفرنسية، ودعم العلمانية، وإقامة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، والتأثير في عصبة الأمم. ويُطرح الهدف النهائي لهذه القوى في إقامة نظام عالمي مركزي وإلغاء أشكال الحكم الدستوري متى سنحت الفرصة.

وتتصل هذه الخطة كذلك بالثورة الأمريكية؛ فقد أدى تقييد إصدار المستعمرات لعملتها وإجبارها على الاعتماد على المصارف إلى أزمات اقتصادية واستياء متزايد، ثم اندلعت الثورة واستمرت الحرب حتى استقلال الولايات المتحدة سنة 1783. وبعد الاستقلال استمر الصراع حول السيطرة على النقد والمصارف، وبرز ألكسندر هاميلتون ودعوته إلى إنشاء مصرف اتحادي ذي رأس مال خاص، بما فتح الباب أمام استمرار النفوذ المالي في الحياة الأمريكية.

وهكذا يقوم هذا التصور على ترابط ثلاثة محاور رئيسية: المال والديون، والشبكات السرية والنورانيون، والثورات والحروب؛ إذ تُستخدم الأزمات الاقتصادية لإضعاف الدول، وتُستثمر الاضطرابات السياسية لإعادة تشكيل أنظمة الحكم، ثم تُستغل الحروب والثورات لتحقيق النفوذ المالي والسياسي على نطاق أوسع.

وقد شهدت الولايات المتحدة صراعًا حول السيطرة على النظام المالي، ارتبط بالمصارف والقروض وإصدار العملة الوطنية. وتُنسب إلى القوى المالية الكبرى (المرتبطة بالنورانيين) محاولات للتأثير في الاقتصاد الأمريكي، من خلال التحكم في السيولة والقروض، واستغلال الأزمات المالية للاستحواذ على العقارات والضمانات. كما واجهت هذه السياسات انتقادات من شخصيات أمريكية رأت في نفوذ المصارف خطرًا على استقلال القرار الاقتصادي والسياسي.

وتصاعد هذا النفوذ مع إقرار قانون المصارف الوطني، ثم تأسيس الاحتياط الفدرالي سنة 1913 بعد اجتماعات سرية عُقدت في جزيرة جيكيل. وتُقدَّم هذه المؤسسة باعتبارها أداة مكّنت المصارف الكبرى من توسيع نفوذها في الاقتصاد، بينما أدت الأزمات المصرفية المتكررة إلى إفلاس أعداد كبيرة من المصارف وفقدان صغار المودعين لأموالهم.

ثم تنتقل الأحداث إلى روسيا، حيث أدت سياسات القياصرة المتعاقبة إلى تغييرات في أوضاع اليهود الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. ومع تصاعد الحركات الثورية وعمليات الاغتيال، اغتيل القيصر ألكسندر الثاني سنة 1881، وأعقب ذلك تشديد القيود على اليهود واندلاع أعمال عنف ضدهم. وتربط الرواية بين هذه التطورات وبين قوى ثورية ومالية خارجية سعت إلى إضعاف روسيا وزعزعة استقرارها تمهيدًا للثورة الروسية.

كما تطورت الحركة الثورية في روسيا مع تصاعد الاضطرابات السياسية والاجتماعية، وارتبطت بها أحزاب وتنظيمات سرية اعتمدت الإضرابات والاغتيالات وأعمال العنف وسيلة لإضعاف النظام القيصري. ومع اشتداد القيود المفروضة على اليهود، برزت الحركة الصهيونية في أوروبا، كما تصاعد النشاط الثوري الذي انتهى بثورة 1905، ثم استمرت محاولات زعزعة الحكم.

ثم برز لينين بوصفه أحد أهم قادة الحركة الماركسية، وأسهم في تنظيم العمل الثوري دوليًا، وإنشاء الصحف والشبكات السرية، واعتمد في تمويل نشاطه على أساليب غير مشروعة، منها سرقة المصارف. وانقسمت الحركة الاشتراكية الروسية إلى بلاشفة ومناشفة، وظلت الدعاية والتحريض وتنظيم الإضرابات والمظاهرات من أهم وسائل الصراع السياسي.

وبعد ثورة 1905 اتجه القيصر نيقولا الثاني إلى إصلاحات دستورية وزراعية، وبرز ستوليبين في إصلاح أوضاع الفلاحين وتوسيع ملكيتهم للأرض، إلى جانب إصلاحات في التعليم والانتخابات والتأمينات. وأدى ذلك إلى تراجع نفوذ الثورة مؤقتًا، لكن الحملات الدعائية وتشويه صورة النظام، إلى جانب نفوذ راسبوتين داخل البلاط، أبقت حالة التوتر قائمة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتفاقم الخسائر والأزمات الاقتصادية والغذائية في روسيا، عادت الاضطرابات بقوة. وفي عام 1917 تحولت المظاهرات والإضرابات إلى ثورة أطاحت بالحكم القيصري، ثم عاد لينين من الخارج بدعمٍ ألماني وفق الرواية، واستغل العفو العام وتنظيم البلاشفة والإعلام الثوري للوصول إلى السلطة. وفي تشرين الثاني 1917 استولى البلاشفة على الحكم، وتحولت روسيا إلى النظام الشيوعي.

وبعد تثبيت السلطة، اتجه لينين إلى القضاء على خصومه السياسيين وتوسيع القمع والإعدامات، ثم انقسمت القوى اليهودية الروسية بين التيار الشيوعي الذي سعى إلى الثورة العالمية والتيار الصهيوني الذي دعا إلى الهجرة إلى فلسطين. ويعرض هذا المسار الثورة الروسية بوصفها نتيجة تداخلٍ بين العمل الثوري والتنظيمات السرية والتمويل الخارجي والصراعات السياسية والاقتصادية.

وكان «الممولين الدوليين» (ويقصد بهم مصرفيين يهوداً) هم من يقفون خفيةً وراء أبرز أحداث القرن العشرين: فقد وجّهوا مؤتمر السلام ومعاهدة فرساي وصاغوا بنودها (عبر شخصيات مثل واربورغ وشيف)، وخطّطوا للانتداب البريطاني على فلسطين ولوعد بلفور خدمةً للمشروع الصهيوني. 

الأمر الذي يكشف بوضوح، طريقة "صناعة الأزمات المزدوجة"، فالصراعات الكبرى لم تكن نزاعات قومية عفوية، بل وُضعت أهدافها بدقة في غرف مغلقة. فتمويل الثورة البلشفية عبر شبكات المال الدولية، وفي نفس الوقت إعادة بناء الجيش الألماني سراً تحت غطاء معاهدة فرساي، يؤكد وجود عقل مدير واحد كان يرغب في إشعال حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس. 

ولا شك أن إسقاط الإمبراطوريات وتفريغ الدول من سيادتها عبر حروب مصطنعة يثبت أن الأطراف المتحاربة كانت تُدار من مرجعية واحدة تستهدف إعادة تشكيل الخريطة العالمية وفق مصالح النخبة الخفية التي تتحكم بأحداث هذا العالم. 

وكان لهؤلاء الممولين دورٌ في صناعة الثورة البلشفية وحكم لينين وستالين، ذلك أنهم موّلوا التصنيع السوفيتي وأعادوا في الوقت نفسه بناء الجيش الألماني سرّاً (اتفاقية Abmachungen) تمهيداً لحرب عالمية ثانية، كما يتّهمهم بافتعال الكساد الاقتصادي أواخر العشرينيات لإضعاف بريطانيا. 

ويتطرق الكتاب بتفصيل لافت إلى مرحلة حكم جوزيف ستالين، مسلطاً الضوء على زواجه الثاني بانتحار زوجته ناديا، وزواجه الثالث من روزا كاغانوفيتش، فضلاً عن قرب شقيقها لازار كاغانوفيتش من مركز صنع القرار في المكتب السياسي السوفيتي، ليرسم من خلال هذه العلاقات الأسرية والسياسية شبكة مصالح ضيقة تحكم البلاد. 

ويوظف الكتاب حملات التطهير الدموية الواسعة التي أطاح خلالها ستالين بخصومه التاريخيين مثل تروتسكي وغيره من قيادات البلاشفة، إلى جانب كارثة فرض المزارع الجماعية والتصنيع القسري التي أودت بحياة ملايين الفلاحين جوعاً وقمعاً، ليؤطر كل هذه المآسي الإنسانية في قالب موحد يخدم المخطط العالمي الخفي؛ إذ يزعم أن تلك السياسات المدمرة لم تكن مجرد صراع سلطة أو أخطاء إيديولوجية داخل النظام الشيوعي، بل كانت خطوات مدروسة وممولة من قبل الممولين الدوليين لزعزعة استقرار المجتمعات، وتحطيم اقتصاديات الدول الحليفة عبر إغراق الأسواق العالمية بالسلع الرخيصة، وتمهيد الطريق تدريجياً لاندلاع الصراعات الكبرى القادمة.

أمّا الجزء الأخطر والأطول فهو ما يسمّيه «خطاب الحاخام رابينوفيتش» عام 1952، الذي يُقدَّم فيه كلامٌ عن إشعال حرب عالمية ثالثة، وتأليب الشعوب على بعضها، واستغلال «معاداة السامية»، بهدف قيام «حكومة عالمية واحدة» يسيطر فيها اليهود على العالم وإبادة العرق الأبيض والأديان. ومن المهم أن تعرف أنّ هذا الخطاب تحديداً تلفيقٌ مثبت ومكشوف تاريخياً (لا وجود لهذا الحاخام ولا للمؤتمر).

ثم يُعيد الكتاب سرد تاريخ إسبانيا السياسي والاجتماعي (المتمثل في الثورة الإسبانية)، ويُبين أن «المصرفيين الدوليين» تغلغلوا في اقتصاد البلاد منذ طرد اليهود في القرن الخامس عشر لتهيئتها للثورة الإسبانية. ويختزل الكاتب استراتيجية التخريب في ثلاث مراحل تبدأ بالسيطرة على مؤسسات الدولة والنقابات، مروراً بالتحالف مع اليسار لإسقاط النظام، وصولاً إلى افتعال الفوضى لفرض «ديكتاتورية البروليتاريا»، مستعرضاً ذلك عبر الحركات العمالية والفوضوية منذ عام 1865، وسقوط الملكية عام 1931 إثر انتخابات يصفها بالممزوجة بالتزوير والنشاط الماسوني.

وفي هذا إشارة إلى الأداة الأكثر شراسة في المخطط الماسوني، وهو "الحرب النفسية والأخلاقية". فالتخريب لم يقتصر على إسقاط الحكومات، بل يبدأ بضرب الحصن الأول للمجتمع وهو الأسرة والدين. وتم هذا التخريب عبر سلسلة من المخططات التي كان من أبرزها: إطلاق العنان للفوضى، واستهداف رجال الدين، واستخدام الأدوات الثقافية والإعلامية لتخريب القيم، كلها استراتيجيات مدروسة بعناية لإنساخ الشعوب هويتها وجعلها سهلة الانقياد تحت وطأة الخوف والضياع. وما تعرضت له إسبانيا وغيرها من الدول يعكس تخطيطاً محكماً لتحطيم الروابط القومية والاجتماعية كتمهيد نهائي لفرض النظام العالمي المزعوم. 


كما يذكر الكتاب أن موسكو مولت ودعمت حكومة الجبهة الشعبية لعام 1936 التي أطلقت موجة عنف وفوضى وإحراق للكنائس، مخصصاً مساحة واسعة للحديث عن ما أسماه «برنامج تفكيك الأسرة والأخلاق» عبر استهداف الدين وسلطة الأب ونشر المحتوى الهابط لتجنيد الشباب. ويختتم بعرض أحداث اندلاع الحرب الأهلية عام 1936، بدءاً من اغتيال كالفو سوتيلو وصولاً لتحرك فرانكو، مؤكداً تهريب الاحتياطي الذهبي الإسباني إلى ستالين. ويُذكر مجدداً بأن هذه السردية تخلط وقائع تاريخية حقيقية بمعلومات غير موثقة وأطروحات قائمة على نظريات المؤامرة المزدوجة ضد الشيوعية والسامية.

ويذكر الكتاب ما يُقال «تعليمات سرّية» صادرة عن الكومنترن إلى «الميليشيا الحمراء» في إسبانيا، نُشرت في جريدة فرنسية عام 1936. وهي لائحة من نحو 18 بنداً تفصّل خطة انقلاب دموي: التسلل إلى الثكنات وتصفية الضباط والجنرالات بقوائم إعدام معدّة سلفاً، واعتقال قادة الأحزاب والرأسماليين ومصادرة أموالهم ثم قتلهم مع عائلاتهم، واستخدام التجويع كسلاح، وإبعاد المنفّذين عن مناطق أقاربهم لتفادي تردّدهم. 

ثم يصف الكتاب ما يسمّيه «الحكم الثوري الإرهابي» بعد وصول الجبهة الشعبية إلى الحكم 1936: إطلاق سراح المجرمين والمختلّين لاستخدامهم في العنف، واغتيال ثلثي ضباط إسبانيا، ويسرد سلسلة طويلة من الفظائع المنسوبة للشيوعيين (قتل رهبان وراهبات، اغتصاب، تمثيل بالجثث، مجازر في برشلونة وفالنسيا ومدريد بأرقام بعشرات الآلاف)، مستشهداً بمراسلين ومنشور بابوي، وبأقوال منسوبة إلى لينين وستالين تبرّر الإرهاب كوسيلة سياسية.

ثم ينتقل إلى «الأحداث التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية»، فيقدّم صعود هتلر بوصفه ردَّ فعلٍ ألماني على معاهدة فرساي وعلى «سيطرة الممولين الدوليين»، مع اقتباسات من «كفاحي». ويروي محادثات مزعومة عام 1936 بين هتلر و غورنغ من جهة واللورد البريطاني لندندري من جهة أخرى، يُطرح فيها القضاء على الشيوعية والصهيونية واليهود كـ«شرط للسلام»، مع رفض بريطانيا لفكرة الإبادة. 

ويصوّر الكتاب هتلر وموسوليني وفرانكو كقادة أعادوا بناء بلادهم بدعم خفي من «النورانيين» بهدف إشعال حرب جديدة، ويعرض صراع النازية مع الكنيسة (منشور البابا بيوس الحادي عشر 1937). وينتهي بفقرات اقتصادية عن بنوك الاحتياط الفيدرالي ووارْبورغ والبنك الدولي، ومقولات منسوبة إلى الرئيسين ويلسون وروزفلت عن سيطرة قلّة على الاقتصاد الأمريكي، ليخلص إلى أنّ «الديمقراطية» ليست إلا واجهة يستعملها النظام الماسوني لتنفيذ مخططاته الشيطانية. 

ويرى المؤلف أنّ البريطانيين حاولوا تفادي الحرب مع ألمانيا (موزلي، الكابتن رامزي، الأدميرال دومفيل) فوُصموا بأنهم نازيون، ثم يقدّم رواية عن نشأة معاداة السامية في إنجلترا منذ 1920 عبر «بروتوكولات حكماء صهيون» التي نشرها مارسدن، ويربطها بـ«خطة روتشيلد» المزعومة عام 1773 وبأقوال منسوبة لهنري فورد وماكس نورداو. 

ثم يروي الكتاب قصة تنحّي الملك إدوارد الثامن مصوّراً إياه ضحيةً لـ«القوى الخفية»، ويقدّم رواية مؤامراتية عن اندلاع الحرب العالمية الثانية: أنّ هتلر كان مسالماً ولم يطلب إلا رفع «ظلم فرساي» (السوديت وممر دانتسيغ)، وأنّ «الممولين العالميين» زوّروا إنذاراً لدفع تشامبرلين لإعلان الحرب، وأنّ تشرشل حوّلها إلى حرب تدميرية باستهداف المدن الألمانية، مع اعتقالات جائرة لمعارضي الحرب.

ثم يمضي في تصوير تشرشل وروزفلت كأدوات دعمت ستالين ومنحته أوروبا الشرقية والشرق الأقصى، ويزعم أنّ القنبلتين الذريتين أُلقيتا على اليابان (بعد هزيمتها فعلاً) لمجرّد «تحذير ستالين»، وأنّ روزفلت مات في ظروف مدبّرة في بيت برنارد باروخ. 

وتأتي «الخاتمة» بقلم مترجم الكتاب، وهي الأخطر: إذ تعمّم أحكاماً عنصرية معادية للسامية على اليهود كشعب («طراز خاص… مشوّشو العالم»)، وتستشهد باقتباسات ملفّقة (نصّ منسوب للتلمود، ومقولة منسوبة لجورج واشنطن)، وتربط ذلك بالماسونية والشيوعية والقضية الفلسطينية.