وقفات تربوية مع وسورة التوبة
نجلاء السبيل
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: سورة التوبة وسورة مدنية، وهي السورة التاسعة في ترتيب المصحف، وعدد آياتها 129 آية، وهي السورة الوحيدة في القرآن التي لم تُفتتح بالبسملة. وقد تناولت قضايا هامة وكبيرة، مثل البراءة من المشركين، والجهاد، والتوبة، والإنفاق، وكشفت صورًا عديدة لأحوال المنافقين في مواطن البلاء.
ويأتي هذا الكتاب ليقف بالقارئ مع هذه السورة بطريقة تبعث على الإيمان، وتوجه السلوك توجيهاً تربوياً، وقد استطاعت الباحثة نجلاء السبيل طرق هذين الأمرين من خلال الوقفات الرائعة على الآيات والمواقف والقصص التي تضمنتها السورة، والمتأمل للسورة يستطيع استخراج معاني عظيمة، كالثبات والصدق والتوبة والجهاد في سبيل الله.
وتبرز في السورة غزوتان عظيمتان: حنين وتبوك، وتحتل غزوة تبوك مساحة واسعة من آياتها، لما اشتملت عليه من دروس في الصدق والتضحية والثبات. كما عرضت السورة نماذج متعددة من المؤمنين والمنافقين، وذكرت قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا وما انتهت إليه من التوبة والفرج.
وتتوج السورة هذه المعاني ببيان صفات أهل الإيمان: التائبين، والعابدين، والحامدين، والسائحين، والراكعين، والساجدين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله. ومن هنا جاء هذا الكتاب ليحوّل آيات السورة ومواقفها إلى زادٍ عملي يربي القلب، ويقوّي العزيمة، ويقود إلى الصدق مع الله.
وإليك نص الكتاب كاملاً
_______________________________________
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
قارئي الكريم...
اسمح لي في هذه المقدمة أن أنثر بين يديك خواطري حول هذه السورة المباركة، قبل أن تبدأ بقراءة ما جمعته من تأملات ووقفات في تدبرها..
أقول: بالرغم من أن هذه السورة تُصنَّف من السور القوية في موضوعاتها؛ ففيها: قتال، وسيف، ونبذ للعهود، وبراءة من الشرك وأهله، وفضح للنفاق والمنافقين، وتعرية لمؤامراتهم ودسائسهم، إلا أنها أيضًا من السور التي تلامس القلب وتحركه.
ولا تستعجب من كلامي، فسأبرره لك، المهم أن لا تنسى أنها مجرد خواطر لي، وليست كلامًا أُلصقه بأهل العلم لأتبرأ من تبعته.
أولًا: اسم السورة
انظر في اسمها: سورة التوبة.
والتوبة لفظ قريب للنفس، محبب لها، له وقعه وجرسه وأثره على النفس، وأكثر من يشعر بهذا المعنى هو ذلك التائب الذي كان ميتًا فأحياه الله بالتوبة، وكان غريقًا فأنقذه الله بالتوبة، وكان بعيدًا فقرّبه الله بالتوبة.
وبدأ يذوق طعمها، وألطافها، وأرزاقها، ومنحها، وعرف أن التوبة ما هي إلا توفيق وفتح من الله، ورزق من عند الله، ونور يقذفه الله في القلب..
ولولا أن الله أذن له بالتوبة، وشرح صدره لها، وحرّك قلبه إليها، لما تاب، ولظل في غمرته وغفلته، فعلم عظيم نعمة الله عليه أن أيقظه من غفلة كان قد غرق فيها سنين من عمره.
ثانيًا: القرب من رسول الله ﷺ وصحابته
هذه السورة تحدثك عن غزوتين من غزوات النبي ﷺ: حنين وتبوك، وهذا يعني أنك ستقترب من رسول الله ﷺ كثيرًا.
ومن المعلوم أن كل من اقترب منه أنِس به، ولن يشعر بهذا الأنس إلا محب صادق؛ كلما تنقل بين الآيات، وجمع مع الآيات قراءة في السيرة، وعرف أحداث الغزوة وما دار فيها، عندها سيشعر وكأن رسول الله ﷺ قد أصبح حيًّا في قلبه، وكأن روحه وفؤاده وسمعه وبصره قد امتلأ برسول الله، وأن بشاشة الإيمان قد خالطت دمه وقلبه، وذاق طعم الإيمان.
ستقترب من صحابة رسول الله ﷺ، بل ستقترب من صحابة كثير منا لا يعرفهم ولم يسمع عنهم؛ النعمان بن مقرن، وذو البجادين، وعُلبة بن زيد، وأبو عقيل الأنصاري، وأبو لبابة، رضي الله عنهم أجمعين.
وهناك أناس مجرد النظر إليهم أو الحديث عنهم يقوي عزمك، ويعلي همتك، ويزيد نشاطك، وهكذا هم صحابة رسول الله ﷺ؛ إذا التففت حولهم واقتربت منهم، رضي الله عنهم.
وسأترك الحكم لك حين تنتهي من قراءة هذه الوقفات.
أيضًا في هذه السورة، وفي كل السور التي تعرض الغزوات، ستشعر أنك اقتربت من مدينة رسول الله، وكأنك تستنشق عبق المدينة، وأريج المدينة، وطيب المدينة، وسكينة المدينة.. وكلما اقتربت ستشعر وكأن روحًا جديدة بدأت تسري في جسدك، ولا تفسير لها إلا ما قاله رسول الله ﷺ:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» رواه البخاري ومسلم.
ثالثًا: جبر الله لقلوب عباده
سترى في هذه السورة أمرًا عجبًا من جبر الله لقلوب عباده؛ سترى كيف جبر الله قلب كعب بن مالك وصاحبيه، وكيف جبر الله قلوب البكائين، وكيف جبر الله قلب أبي لبابة، وما زال الله يجبر قلوب عباده، وهو الجبار الرحيم سبحانه وبحمده.
أما عني أنا، ففي هذه السورة آية كانت عوضًا وجبرًا لي كلما قرأتها، وذلك حين مررت بمحنة فقد أولادي الأربعة، أسأل الله أن يردهم لي ردًّا جميلًا.
وكنت في بداية هذه المحنة، ولم أكن أعرف شيئًا عن التدبر، ولا علم التدبر، ولا دروسه، ولا مشايخه، ولا أهله، ولم أكن درست في مدارس التحفيظ ولا حلقاته، ولم أكن أعرف ما يقوله أهل التدبر من أن القرآن إذا وقع في القلب نفع.
لم أكن أعرف هذا كله، كل الذي أعرفه وقتها أني كنت أقرأ القرآن بمشاعر أم مكلومة، وكلما مررت بهذه الآية داوتني: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
كنت أقف عندها وأبكي، وأرددها وأبكي، ثم أقول: يا رب، أشهدك بأني راضية.
وكنت على يقين أن الله سيعوضني، وقد عوضني جل جلاله بكرمه ومنه؛ فإن فقدت أولادي فقد عوضني الله بالقرآن ودروسه، وأنعم وأكرم به من عوض وفضل.
لا أقول هذا الكلام عجبًا أو مراءاة أو استجداءً للمشاعر، وإنما أقوله لكي يعلم الجميع أن تدبر القرآن ليس محصورًا في أهل العلم وطلاب العلم، وليس محصورًا في مدارس التحفيظ وحلقات المساجد والمقارئ، وليس محصورًا بالشهادات والألقاب والماجستير والدكتوراه!
لا، ولكن الله يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
التدبر وإن لم تكن من أهل الشهادات والدرجات، ولكنك تملك قلبًا محبًا للقرآن، مقبلًا على القرآن، باحثًا عن بركة القرآن، والقرآن يحتاج إلى قلب؛ فإن الله لن يحرمك ولن يخيبك.
فإذا علم الله صدقك أعانك ووفقك، والصادق يُرزق.
فابدأ الطريق أيها القارئ الكريم وأنت مستعين بالله، صادق مع الله، واسأل الله الفتح؛ فإن لم تستعن بالفتاح ستبقى الأبواب مغلقة دونك.
فتح الله لي ولك كنوز كتابه وذخائره، وجعلنا ممن ينتفع بعلمه ويعمل به.. اعذرني إن أطلت عليك في هذه المقدمة، ولكني أحببت هذه السورة.
أحببتها بقدر ما اقتربت فيها من رسول الله ﷺ.. أحببتها بقدر ما شعرت بدموع البكائين فيها.
أحببتها بقدر ما شعرت بتتابع البلاء على كعب بن مالك رضي الله عنه، حتى ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم أتته البشرى، وأي بشرى!
أحببتها بقدر ما كنت أجد فيها جبرًا لقلبي ومداواة لجراحي.. والمحب لا يستطيع أن يكتم حبه؛ لذلك جرى قلمي بهذه المقدمة.
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
قارئي الكريم...
اسمح لي في هذه المقدمة أن أنثر بين يديك خواطري حول هذه السورة المباركة، قبل أن تبدأ بقراءة ما جمعته من تأملات ووقفات في تدبرها.
أقول: بالرغم من أن هذه السورة تُصنَّف من السور القوية في موضوعاتها؛ ففيها قتالٌ وسيف، ونبذٌ للعهود، وبراءةٌ من الشرك وأهله، وفضحٌ للنفاق والمنافقين، وتعريةٌ لمؤامراتهم ودسائسهم، إلا أنها أيضًا من السور التي تلامس القلب وتحركه. ولا تستعجب من كلامي، فسأبرره لك. المهم ألا تنسى أنها مجرد خواطر لي، وليست كلامًا أُلصقه بأهل العلم لأتبرأ من تبعته.
أولًا: انظر في اسمها: (سورة التوبة).
والتوبة لفظٌ قريبٌ إلى النفس، محبوبٌ لها، له وقعه وجرسه وأثره عليها. وأكثر من يشعر بهذا المعنى هو ذلك التائب الذي كان ميتًا فأحياه الله بالتوبة، وكان غريقًا فأنقذه الله بالتوبة، وكان بعيدًا فقرّبه الله بالتوبة.
وبدأ يذوق طعمها، وألطافها، وأرزاقها، ومنحها، وعرف أن التوبة ما هي إلا توفيقٌ وفتحٌ من الله، ورزقٌ من عند الله، ونورٌ يقذفه الله في القلب. ولولا أن الله ألهمه التوبة، وشرح صدره لها، وحرّك قلبه إليها، لما تاب، ولظل في غمرته وغفلته.
فعلم عظيم نعمة الله عليه، وأنه سبحانه أيقظه من غفلةٍ كان قد غرق فيها سنين من عمره.
ثانيًا: هذه السورة تحدثك عن غزوتين من غزوات النبي ﷺ: حُنين وتبوك.
وهذا يعني أنك ستقترب من رسول الله ﷺ كثيرًا، ومن المعلوم أن كل من اقترب منه أنِس به. ولن يشعر بهذا الأُنس إلا محبٌّ صادق؛ كلما تنقّل بين الآيات، وجمع إلى قراءتها قراءةً في السيرة، وعرف أحداث الغزوة وما دار فيها، عندها سيشعر وكأن رسول الله ﷺ قد أصبح حيًّا في قلبه، وكأن روحه وفؤاده وسمعه وبصره قد امتلأت برسول الله ﷺ، وأن بشاشة الإيمان قد خالطت دمه وقلبه، وذاق طعم الإيمان.
ستقترب من صحابة رسول الله ﷺ، بل ستقترب من صحابةٍ كثيرٌ منا لا يعرفهم ولم يسمع عنهم: النعمان بن مقرّن، وذو البجادين، وعُلبة بن زيد، وأبو عقيل الأنصاري، وأبو لبابة... رضي الله عنهم أجمعين.
وهناك أناسٌ مجرد النظر إليهم، أو الحديث عنهم، يقوّي عزمك، ويُعلي همتك، ويزيد نشاطك. وهكذا هم صحابة رسول الله ﷺ إذا التففت حولهم واقتربت منهم، رضي الله عنهم. وسأترك الحكم لك حين تنتهي من قراءة هذه الوقفات.
رابعًا: الاقتراب من مدينة رسول الله ﷺ
أيضًا، في هذه السورة، وفي كل السور التي تعرض الغزوات، ستشعر أنك اقتربت من مدينة رسول الله ﷺ، وكأنك تستنشق عبق المدينة، وأريج المدينة، وطيب المدينة، وسكينة المدينة. وكلما اقتربت، ستشعر وكأن روحًا جديدة بدأت تسري في جسدك، ولا تفسير لها إلا ما قاله رسول الله ﷺ:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».
خامسًا: جبر الله لقلوب عباده
سترى في هذه السورة أمرًا عجبًا من جبر الله لقلوب عباده. سترى كيف جبر الله قلب كعب بن مالك وصاحبيه، وكيف جبر الله قلوب البكّائين، وكيف جبر الله قلب أبي لبابة. وما زال الله يجبر قلوب عباده، وهو الجبّار الرحيم، سبحانه وتعالى.
أما عني أنا، ففي هذه السورة آيةٌ كانت عوضًا وجبرًا لي كلما قرأتها، وذلك حين مررت بمحنة فقد أولادي الأربعة، أسأل الله أن يردهم إليَّ ردًّا جميلًا.
كنتُ في بداية هذه المحنة، ولم أكن أعرف شيئًا عن التدبر، ولا علم التدبر، ولا دروسه، ولا مشايخه، ولا أهله. ولم أكن درست في مدارس التحفيظ ولا حلقاته، ولم أكن أعرف ما يقوله أهل التدبر من أن القرآن إذا وقع في القلب نفع.
لم أكن أعرف هذا كله؛ كل الذي أعرفه وقتها أنني كنت أقرأ القرآن بمشاعر أمٍّ مكلومة، وكلما مررت بهذه الآية داوتني:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59].
كنت أقف عندها وأبكي، وأرددها وأبكي، ثم أقول: يا رب، أشهدك بأني راضية. وكنت على يقين أن الله سيعوضني، وقد عوّضني جل جلاله بكرمه ومنّه. فإن فقدتُ أولادي، فقد عوّضني الله بالقرآن ودروسه، وأنعم وأكرم به من عِوَضٍ وفضل.
لا أقول هذا الكلام عُجبًا أو مراءاةً أو استجداءً للمشاعر، وإنما أقوله لكي يعلم الجميع أن تدبر القرآن ليس محصورًا في أهل العلم وطلاب العلم، وليس محصورًا في مدارس التحفيظ وحلقات المساجد والمقارئ.
اللقاء الأول
التعريف بالسورة
سورة مدنية بالإجماع، انتظمت في مائة وتسع وعشرين آية.
نزلت في العام التاسع من الهجرة، في أواخره، أي قبل وفاة النبي ﷺ بعام وثلاثة أشهر.
لها عدة أسماء، بل إنها تُعد من أكثر سور القرآن تسمية؛ فقد ذكروا لها ما يقارب واحدًا وعشرين اسمًا، وفيما يلي إيراد لبعض أسمائها:
المقشقشة: أي أنها تُقَشْقِش من النفاق، بمعنى تبرّئ منه ومن أهله.
المُخزية: لأنها تُخزي الكافرين والمنافقين.
الفاضحة: لفضحها سلوك المنافقين وما انطوت عليه صدورهم من الخِسّة والنذالة. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يسميها بذلك؛ لأنه ما زال ينزل فيها: «ومنهم ومنهم»، حتى ظن الجميع أنها لم تُبقِ أحدًا منهم إلا وذكرته.
الحافرة: بسبب حفرها عن قلوب المنافقين وإثارتها سرائرهم.
المشددة: بسبب شدة قسوتها في التعامل مع المنافقين والمشركين، لتطهير الجزيرة منهم؛ لما أظهروه من الاستهزاء وفساد الاعتقاد.
العذاب: بسبب براءة السورة من المنافقين والمشركين، ودعوتها إلى قتالهم.
السيف: لأن السيف كان أداة الحرب الرئيسية في زمن صدر الإسلام، والجهاد لا يقوم إلا به.
الغزوتان: لذكرها غزوتي حُنين وتبوك.وتُعتبر التوبة وبراءة من أشهر أسمائها التي وردت في السنة.
ومن ذلك حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في صحيح البخاري، في باب جمع القرآن، قال زيد: «فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، حتى خاتمة سورة براءة».وسُمّيت بسورة التوبة؛ لأن فيها التوبة على المؤمنين عامةً لمختلف طبقاتهم، والتوبة على الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك خاصةً.
وقد ورد فيها ذكر كلمة التوبة باشتقاقاتها سبع عشرة مرة.مقصود السورة: الدعوة إلى التوبة.
فبالرغم من أن السورة تتحدث عن المنافقين والمشركين وقتالهم، إلا أنها تدعوهم إلى التوبة في غير موضع من مقاطعها. وفي هذا مناسبة لأن يكون ختام الوحي، وختام النبوة، بفتح باب التوبة.
وما زال الله جل وعلا يتحتّب إلى عباده، ويعرض عليهم التوبة، ويمهلهم، ويحلم عليهم، ويكرر لهم ومنحهم الفرص من أجل أن يتوبوا، فهنيئًا لمن حرّك الله قلبه للتوبة، وحبّبها إليه. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾؛ أي إن الله ابتداءً هو الذي شرح صدورهم، وأقبل بقلوبهم، واختارها واصطفاها.وكذلك التوّاب من أوصافه سبحانه:
والتوبُ في أوصافهِ نوعانِ
إذن بتوبةِ عبدهِ وقبولِها
بعد المتابِ منّةُ المنّانِوالله عز وجل أعلم بقلوب عباده، أعلم بمن يستحق التوبة، فيحرّك قلبه لها، وأعلم بمن لا يستحقها، فيصرف قلبه عنها. ومن صرف الله قلبه، فلا يملك أحد أن يرده عليه، وسيعيش في هذه الدنيا وكأن قلبه أصبح قبرًا مظلمًا.
فهم، كما يقول ابن كثير رحمه الله، يتقلبون في خمسٍ من الظُّلَم: كلامهم ظلمة، وعملهم ظلمة، ومدخلهم ظلمة، ومخرجهم ظلمة، ومصيرهم يوم القيامة إلى ظلمة، قال تعالى:
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهَهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: 27].
ونحن لن نفتتح سورة التوبة ونبدأ في مدارستها إلا ونحن نؤمّل في ربنا التوّاب، أنه ما ساقنا وأجلسنا لنتدبر هذه السورة إلا لأنه أراد بنا خيرًا.
لن نبدأ إلا ونحن طامعون في ربنا طمعًا كبيرًا. يا رب، طمّعتنا فطمعنا، ورغّبتنا فرغبنا، ولماذا لا نطمع؟!
إذا كان أعرابيٌّ لما علم أن الله جل وعلا يضحك قال: «لن نعدم خيرًا من ربٍّ يضحك»، ونحن أيضًا لن نعدم خيرًا من ربٍّ توّاب، ما زال يفتح لنا أبواب التوبة.
استصحاب مثل هذه المعاني يعين العبد على نفسه، ويعينه على التوبة، ويعينه على حُسن الظن بربه، ويُسهّل له الطريق، ويفتح له الأبواب من أجل أن يعود ويرجع، ويُقلع ويُنيب، ولا ييأس ويغلق الأبواب على نفسه.
فلا أحد أحب إليه العذر من الله، وإن كان الذنب نقصًا، فإن التوبة تجبره. فليست العبرة بنقص البداية، وإنما العبرة بكمال النهاية.
ومن الملاحظ أن هذه السورة لم تبدأ بالبسملة.
وقد تعددت الأقوال في ذلك، ولكن الراجح، والعلم عند الله، أن سورة براءة نزلت بالسيف، ونزلت بالبراءة من الشرك وأهله، ونبذ عهودهم إليهم؛ فلم تبدأ بالبسملة، لأن البسملة فيها أمان ورحمة، والأمان والرحمة لا يتفقان مع السيف والبراءة.
مواضيع سورة التوبة
_____________________________________________
المقطع الأول (1–24)
موضوعه الرئيسي: البراءة من الشرك وأهله، ونبذ عهود المشركين إليهم.
وهذا واضح من أول آية افتتحت بها السورة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 1-2].
وقد كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهودُ مسالمةٍ ومهادنةٍ وموادعة، بأن يسالم بعضهم بعضًا، ولا يعتدي بعضهم على بعض. فنزلت البراءة، وهي قطع الموالاة، وزوال الأمان، ونبذ هذه العهود وإبطالها؛ إذ لا يمكن للمسلمين أن يستمروا في العيش مع المشركين على أسس المعاهدات القديمة التي وقّعوها معهم في وقت كانوا فيه مستضعفين.
فأرسل رسول الله ﷺ عليًّا رضي الله عنه ليبلّغ المشركين هذه البراءة في موسم الحج، جريًا على عادة العرب؛ بأن أحدًا إذا أراد أن يقطع عهدًا، فلا بد أن يبلّغه بنفسه، أو يرسل إليه من أهل بيته من يبلّغ عنه.
فنادى بأربعة أمور: «أيها الناس: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك».
ما السبب في قطع هذه العهود؟ وما المدة التي أُعطيت لهم؟ ولماذا أُعطيت؟
قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 2].
فمن كان لهم مع رسول الله ﷺ عهدٌ مطلق غير محدد بمدة معينة، أو لهم عهدٌ دون الأربعة أشهر، أو لا عهد لهم مطلقًا، فقد أُعطيت لهم مدة أربعة أشهر، وهي مدة أمان لهم، تبدأ من اليوم الذي بُلّغوا فيه، وهو يوم الحج الأكبر، يوم النحر، العاشر من ذي الحجة في السنة التاسعة من الهجرة، إلى العاشر من شهر ربيع الآخر سنة عشر للهجرة.
وأُعطيت لهم هذه المدة لعلهم أن يراجعوا أنفسهم، ويفيئوا إلى أمر الله، ويعلنوا توبتهم ودخولهم في الإسلام، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [التوبة: 3].
ولكن إن انتهت المدة وهم على ما هم عليه من شركهم وكفرهم وضلالهم، فليس لهم إلا السيف والقتال، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5].
لماذا؟
لأنهم أعرضوا عن آيات الله، ولأنهم قومٌ لا يحترمون عهودهم ومواثيقهم؛ فقد تكرر منهم نقض العهد مع رسول الله ﷺ كثيرًا، كما أنهم قومٌ لا يُؤمَن جانبهم، ويتحيّنون الفرص لمحاربة المسلمين. وإذا كانت الغلبة لهم والقوة لهم على المسلمين، فهم لا يرقبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمة، ولا يراعون عهدًا، ولا قرابةً، ولا رحمًا، فليس لهم إلا السيف، وانتهى عهد التسامح والأمان معهم.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 8].
إلا أن هناك استثناءً من أهل العهود، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4].
وهم الذين عاهدوا رسول الله ﷺ بعهودٍ مؤقتةٍ بمدةٍ معينة، ووفوا بعهودهم، ولم يعاونوا أحدًا من أعدائه عليه؛ فأبقوا على عهدكم معهم، ووفّوا لهم، فالله يحب الأوفياء، وقد جعل الوفاء بالعهود من علامات المتقين.
ومن جاءكم أيضًا يطلب الجوار، فأمّنوه وأجيروه، وبلّغوه دعوة الله، وأسمعوه كلام الله، حتى يرجع إلى وطنه ودياره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6].
وهذه البراءة تقتضي قطع أواصر الموالاة والمودة بين المؤمنين والمشركين؛ فلا تكون ولايةٌ بين مؤمنٍ ومشرك، حتى لو كان أقرب الناس إليه. فالإنسان الذي يرضى بالشرك، ولو خرجتَ أنت وإياه من رحمٍ واحدة، فليس بينك وبينه ولاية في الدين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: 23].
ثم جاءت الآية الأخيرة في المقطع: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].
لتبيّن أن المحبة هي أساس أعمال القلوب، وهي التي تسوق، وهي التي تحدو، وهي التي تحرّك. فإذا تسللت إلى القلوب ودخلتها، ساقت الأبدان وحركتها؛ فالقلب لا يتحرك إلا بإرادة، ووقود هذه الإرادة الحب.
فإذا زُوحم حب الله في القلب، نقصت العبودية. والقلب مثل الوعاء؛ يُعبّأ ويُفرّغ، ويُعبّأ ويُفرّغ، وكلما امتلأ بشيء فرغ من آخر، وهكذا.
فإذا امتلأ القلب وانشغل بحب الدنيا وحب هذه المحبوبات، فرغ من محبة الله، وتناقصت محبة الله فيه.
نعم، كل هذه المحبوبات من الآباء، والأبناء، والإخوة، والأزواج، والعشيرة، والمساكن، والأموال، والتجارات، جُبل الإنسان على حبها محبةً طبيعية، لكن المهم ألا تُقدَّم هذه المحبوبات على محابّ الله، وألا تكون سببًا في الوقوع فيما حرّم الله وتجاوز حدود الله.
وكأن الآية تحذرك: احذر، ثم احذر، أن تُفرط في حب هذه المحبوبات، وتميل بكليتك إليها، وتنغمس فيها؛ فإنها ستؤثر في قلبك.
ما حقيقة الحب؟
أن تُخلص حبك لله، وأن توحّد محبوبك في هذا الحب، حتى تتذوق معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وحتى تكون ممن قال الله عنهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54].
وما تلذذ المؤمنون المتقون بشيءٍ في صدورهم ألذَّ من حب الله عز وجل فيها. قال ﷺ:
«ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار».
فمن أعظم الفوز وأجلّ النعم أن تظفر بمحبة الله لك. هذه هي المنزلة التي يتشوق إليها المؤمنون، ويتنافس عليها المتنافسون، والكل يريد أن يظفر ويحظى بها ويصل إليها.
فمن أحبه الله لم يعذبه؛ فقانون الحب يقتضي أن المحب لا يعذب من يحب، بل يكرمه، وينصره، ويرضيه، ويعتني به.
وقد رُوي عن الشعبي في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222]،
قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنبه».
والمراد من هذا أن الله تعالى إذا أحب عبدًا، وقدّر عليه بعض الذنوب، فإنه يقدّر له الخلاص منها بما يمحوها من توبة، أو عمل صالح، أو مصائب، كما في الحديث:
«أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: أي رب، عملت ذنبًا فاغفر لي...»؛ فذكر الحديث إلى أن قال: «فليعمل ما شاء».
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: 18]. يقول أهل التفسير: لو كانوا أحباء الله لما عذّبهم الله. وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال:
«... والله لا يلقي حبيبه في النار».
ومن أحبه الله غرس محبته في قلوب عباده، وكتب له القبول بينهم.
وينادي الله عز وجل: «يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبَّه»، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: «إن الله يحب فلانًا فأحبوه»، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.
فيحبه الناس، وتألفه قلوبهم، ويستأنسون بالحديث معه والجلوس إليه. لماذا؟ لأن الله أحبه، وجبريل أحبه، وأهل السماء أحبوه، فساق الله القلوب إليه.
وهذا القلب جنديٌّ من جنود الله، لا يملك إلا أن ينفّذ أوامر الله.
فقلبك وما يدور فيه من مشاعر الحب والبغض، والإقبال والإعراض، أمرٌ لا تملكه أنت، وإنما يملكه الله؛ لذلك إذا ساق الله القلوب إلى مخلوق، فلا يملك أحد أن يصدّها عنه!
بل حتى الجمادات! سأل رجلٌ ابن عباس رضي الله عنهما: هل ستبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال: نعم.
إنه ليس أحدٌ من الخلائق إلا وله بابٌ في السماء ينزل منه رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن أُغلق بابه، وفقده، وبكى عليه، وفقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي عليها ويذكر الله فيها، فبكى عليه.
وشَتّان بين عبدٍ يُذكر في السماء والأرض، ويُفقد في السماء والأرض، وتبكي عليه السماء والأرض، وبين آخر يُلعن في السماء والأرض، ويبغضه من في السماء والأرض، فإذا مات استراح منه العباد والدواب.
ومن أحبه الله تولّاه.
وإذا تولاك الله سدّدك وأرشدك ودبّر أمرك. إنه تولٍّ كريم، تظهر آثاره على العبد.
تأمل في ألفاظ حديث الولي:
«من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها...».
كل هذا كناية عن التوفيق، وعن العناية الربانية التي تحيط به من كل جهة، وعن العصمة التي يعصمه الله بها؛ فيُعان على سمعه فلا يسمع حرامًا، ويُعان على بصره فلا ينظر إلى حرام، ويبارك له في جوارحه، وفي دخوله وخروجه، وغدوّه ورواحه.
فإذا تولاك الله كفاك كفايةً لا نظير لها، فليس أحدٌ يكفي مثل كفاية الله عز وجل.
كيف تنال هذه المحبة، وكيف نتمكن من الوصول إليها؟
أولًا: معرفة الله بأسمائه وصفاته.
فمن عرف الله بأسمائه وصفاته زادت محبته لربه. وهذه المعرفة لها أثر كبير في إيمان العبد، وصلاحه، ورقة قلبه، وعبادته، وقربه من ربه.
فمن عرف، مثلًا، أن ربه الشكور، وأنه يجازي على المعروف بأكثر منه، وأنه يعطي الكثير على العمل القليل، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من شكره لعبده أن ينشر له طيب إحسانه، وينشر له السمعة الطيبة، والذكر، والثناء الحسن؛ كما يقول ابن الجوزي:
إن الناس لتعلم بأعمال الصالحين، ولو لم يطّلعوا على أعمالهم، مثل العود الهندي إذا وُضع على مجمر، فشمّ الناس رائحته، وهم لا يعلمون من أين أتتهم الرائحة، ولا يرون المجمر، ولكن عبيره قد فاح.
وقِس على ذلك بقية الأسماء الحسنى.
وقد صدق بديل بن ميسرة حين قال: «من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها».
٢- محبة النبي ﷺ واتباعه
والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
فمحبة رسول الله ﷺ تقتضي توقيره واحترامه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والحرص على سنته، واتباعه، وكثرة الصلاة والسلام عليه.
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الساعة، فقال له رسول الله ﷺ: «وما أعددت لها؟» فقال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، غير أني أحب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: «أنت مع من أحببت».
فكل الطرق إلى الله مسدودة إلا من اقتفى أثر رسول الله ﷺ.
٣- محبة القرآن:
فمن أحب كلام الله أحبه الله. وتأمل في ذلك الصحابي الذي خرج في سرية، فكان يصلي بأصحابه، فيختم صلاته وقراءته بـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا وذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أن الله يحبه». وفي رواية: «حبك إياها أدخلك الجنة».
وما تقرّب المتقربون إلى الله بمثل قراءة القرآن.
ويقول خباب رضي الله عنه: «تقرّب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرّب بشيء هو أحب إليه من كلامه».
فلا ترضَ لنفسك بالقليل من كتاب الله، ولا يزال العبد مع كتاب الله حتى يبلغ أعلى درجات التوفيق، وأعلى درجات المحبة.
٤- كثرة النوافل:
وهذا واضح من حديث الولاية: «وما زال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه...».
فالكثرة مطلوبة، وكلما ازددت في النوافل، سواء كانت نوافل الصلاة أو الصيام أو الحج أو الصدقة، ازددت قربًا من الله.
والنوافل طريق مفتوح تستجلب به محبة الله لك، فلا تبخل على نفسك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: 38].
والمرء كلما اشتدَّ سيره إلى الله كان قربه منه أشد.
٥- الإيثار
وهذه علامة فارقة وبارزة في الحب؛ لماذا؟ لأن العبد في مقام الإيثار يتحمل من أجل ربه ما لا تتحمله الجبال الراسيات، فالإيثار مؤنته شديدة، والمحنة فيه عظيمة.
ما الإيثار؟
هو أن تؤثر الله على هواك، وأن تؤثر الله على محابِّك.
أحيانًا تميل النفس إلى شهوة محرمة، أو إلى معصية من المعاصي، فيجد المرء نفسه يدخل في مواجهة وصراع مع نفسه؛ تنازعه نفسه، وتتجاذبه وتغالبه، تريد وتتمنى وتشتهي، وهو يقدّم قدمًا ويؤخر أخرى: أفعل، لا أفعل، أتقدم، أتأخر... وهذه من أصعب وأثقل اللحظات على المرء، لا سيما إذا كانت هذه الشهوة بعينها هي نقطة ضعفه، أو كانت معصية قديمة تاب منها، وما زال لها حبٌّ ولذة وتمكُّن في قلبه.
ومما يزيد الأمر صعوبة أن يتيسّر طريق هذه المعصية؛ فالله يبتلي عباده أحيانًا بتيسير طريق المعصية، فتزداد المغريات، ويزداد ضغط النفس الأمّارة، ويتسلط من حوله من شياطين الإنس عليه، فيجمّلونها ويزيّنونها في نظره.
فإذا هو وسط كل هذا الضغط وهذه الإغراءات، يُقدّم الله على هواه، ويؤثر الله على نفسه.
وسُئل عمر رضي الله عنه عن الرجل يشتهي المعصية، وتلوك في قلبه، ولا يعملها، فقال: «هذا ممن امتحن الله قلوبهم للتقوى».
ومن أراد أن يعرف إلى أي درجة وصل في حبه لله، فلينظر إذا اجتمع عليه أمران: أمر يحبه الله، وأمر تحبه النفس؛ فأيهما يقدّم؟ وليتذكر وقتها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
فمن قدّم الله قدّمه الله، ومن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه. وبقدر ما معك من الصدق في هذا الترك، سوف يُفاض على قلبك من النعيم، واللطف، والتعويض، والمبشرات، وسينزع الله تلك المعصية من قلبك، وسيداوي قلبك، بل سيفتح لك طريقًا نافعًا يُنسيك تلك المعصية.
٦- دوام ذكر الله على كل حال:
لأن من أحب الله أكثر من ذكره بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وقراءة القرآن، وحضور دروس العلم؛ فكل هذا من ذكر الله.
ومن أحبه الله ألهمه كثرة الذكر، والله عز وجل في الحديث القدسي يقول: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه».
قال ذو النون رحمه الله: «من شغل قلبه ولسانه بالذكر، قذف الله في قلبه الاشتياق إليه».
وقد علّق الله فلاح المؤمنين بالذكر، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
وقال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
٧- مجالسة الصالحين:
فهم القوم الذين لا يشقى بهم جليس، وقد أقسم الله أن كل الناس في خُسر إلا هؤلاء، فقال سبحانه:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].
والله عز وجل في الحديث القدسي يقول: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، ووجبت محبتي للمتجالسين فيَّ، ووجبت محبتي للمتزاورين فيَّ».
أسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يجعلنا ممن يحبهم ويحبونه، وأن ينفعنا بما تدارسناه في هذا اللقاء.
اللقاء الثاني
المقطع الثاني: غزوة حنين
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ٢٥ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ٢٦ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٧﴾.
بعد أن أعلى الله شأن المسلمين، وفُتحت مكة في العام الثامن من الهجرة، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، انزعجت هوازن، وهي قبيلة عربية معروفة كانت تسكن الطائف، خوفًا من أن تكون الضربة القادمة من نصيبهم. وخافوا أن يغزوهم رسول الله ﷺ لقرب الطائف من مكة، فبدأت هوازن تجمع جموعها، وخرجوا بثلاثة آلاف مقاتل، يترأسهم مالك بن عوف، سيد هوازن.
وكان من ضمن خطته الحربية لملاقاة جيش المسلمين أن أمر جيشه ومقاتليه أن يخرجوا بالنساء والأولاد والأموال، ويجعلوهم في مؤخرة الجيش؛ حتى لا يفكر أحد من المقاتلين في الفرار من أرض المعركة.
والأمر الثاني في خطته كان قائمًا على نصب الكمائن لجيش المسلمين؛ إذ إنه تحرك من الطائف قبل رسول الله ﷺ، ووصل بجيشه إلى وادي حنين، ثم أمرهم أن يتفرقوا في الشعاب والأودية والأشجار، ينتظرون قدوم جيش المسلمين.
وعلى الجهة المقابلة، كان رسول الله ﷺ قد تحرك من مكة باثني عشر ألف مقاتل. وكان العدد كبيرًا جدًا، ولا مجال للمقارنة بينه وبين عدد هوازن؛ فهم أكثر منهم بثلاثة أضعاف. فلما نظر المسلمون إلى عددهم وكثرتهم قالوا كلمتهم التي اغتروا بها: «لن نُغلب اليوم من قلة». فاغتروا بكثرتهم، واغتروا بعددهم، وأعجبتهم كثرتهم.
تابعوا سيرهم حتى وصلوا إلى وادي حنين قبيل الفجر، وما إن حطوا أقدامهم في أرض الوادي حتى شدّت عليهم هوازن شدة رجل واحد، وبدأوا يرشقونهم بالنبال، وأخذت السهام تنزل عليهم كالمطر من كل جانب، والصخور والأحجار تتدحرج عليهم من جنبات الوادي.
تفاجأ المسلمون بهذا الكمين الذي نصبته لهم هوازن، وأصابهم الذعر والخوف، فبدأوا يفرون ولا يلوون على شيء.
ثبت رسول الله ﷺ، وأخذ يناديهم: «أيها الناس، هلموا إليَّ، أنا رسول الله». ثم أمر عمه العباس رضي الله عنه، وكان جهوري الصوت، أن ينادي: «يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، يا أصحاب السمرة».
والسمرة هي الشجرة التي بايع الصحابة تحتها رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وبايعوه على ألا يفروا من ملاقاة العدو. وبسبب هذه البيعة، بشّر الله الصحابة بأفضل وأثمن وأعظم وأغلى بشارة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]. والرضا كرامة لا مزيد عليها.
ناداهم بهذا النداء وبهذا الوصف ليستعطف قلوبهم، وليذكرهم بتلك البيعة. فما إن اخترق الصوت أسماعهم حتى أخذوا يرجعون ويفيئون ويعودون إلى أرض المعركة، والتفوا حول رسول الله ﷺ.
ولما رجع الصحابة بقلوبهم إلى الله عز وجل، ورجعوا إلى ساحة المعركة، امتن الله عليهم بأمرين:
أنزل عليهم السكينة.
وأنزل عليهم جنودًا من السماء.
المنة الأولى: أنزل الله السكينة عليهم
والسكينة إذا نزلت هدأ القلب وأمِن وزال خوفه وقلقه، والسكينة ما هي إلا صورة من صور الربط على القلب، وكل مؤمن يحتاج إلى هذا الربط، مهما بلغ في درجة إيمانه أو في صلاحه أو في استقامته.
والإنسان أحيانًا يحتاج إلى هذه السكينة وإلى هذا الربط أمام الوساوس والهواجس والشكوك والنزغات التي ترد على قلبه، فتصل به إلى أن تشككه حتى في ربه وخالقه. يأتي الشيطان أحدكم فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فليستعذ بالله ولينته.
وأحيانًا يحتاج إليها أمام مشاعر الغضب والغيظ والسفه والطيش، وردود الأفعال غير الموزونة التي تسيطر عليه، والتي هي السبب في كثير من خسائرنا اليوم؛ خسائرنا في بيوتنا، ومع أزواجنا، ومع أهلينا، وفي أعمالنا.
وأيضًا يحتاجها أمام الشهوات إذا تكاثرت عليه، وأمام الصوارف والقواطع والشواغل التي تقطعه وتصرفه عن ربه، وأمام المخاوف حين تهجم على قلبه. فعند الخوف، وعند الشدائد، وعند المصائب والنكبات، قد يطيش عقل الإنسان ويفقد فكره، وربما تصرف بما يضره ويضر من حوله.
لذلك امتن الله على أم موسى بهذا الربط وبهذا التثبيت، والآيات تصف لك مشاعرها حين فقدت ابنها: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾ [القصص: 10].
فارغًا من كل شيء إلا من موسى؛ قلبها، فؤادها، مشاعرها، لم يعد فيها إلا ابنها فقط. كانت شديدة الفقد له، ومن شدة حزنها وألمها وفقدها، كادت أن تخبر الجميع وتصرخ لتقول: هذا ابني.
ولكن الله امتن عليها فقال: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾ [القصص: 10].
ومن ربط الله على قلبه ثبته وسكنه وطمأنه.
كيف يُرزق العبد هذه السكينة وهذا الربط على قلبه؟
السكينة ليست موقوفة على الأنبياء فقط، ولا على الصحابة فقط، بل هي من فضل الله ورزقه، والله وحده مالك السكينة، والله وحده معطيها ومنزلها، ينزلها على قلب من يشاء من عباده، وينزلها على من كان أهلًا لأن يُرزق هذا الفضل؛ فالله عليم حكيم، يثبت من كان أهلًا للتثبيت، ويربط على قلب من كان أهلًا للربط.
فمن أعظم الأسباب التي تُستجلب بها السكينة:
أولًا: الدعاء
وهو مفتاح كل خير، وليس شيء أكرم على الله من الدعاء. وكما قال ابن القيم رحمه الله: «كل خير فأصله توفيق الله للعبد، ومفتاحه الدعاء».
فإذا أراد الله أن يمنح عبده ويعطيه ويقضي حاجته، أجرى الدعاء على لسانه، والله عز وجل أكرم من أن يُجري الدعاء على لسانك ثم يمنعك الإجابة. وما من مؤمن يدعو الله بصدق ونية وحسن ظن بالله إلا أعطاه الله مراده.
بالدعاء يبدّل الله من حال إلى حال، وييسّر الله ما كان عسيرًا، ويقرّب ما كان بعيدًا، ويفتح ما كان مغلقًا، ويؤمّن من كان خائفًا.
ثانيًا: مدارسة القرآن
يقول ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
تأمل: أول رزق يُرزقه أهل مدارسة القرآن هو نزول السكينة عليهم. فبقدر ما تتفرغ لمدارسة هذا الكتاب، بقدر ما تتنزل السكينة على قلبك. فلا تحرم نفسك، واعلم أن أول نقطة يظلم فيها العبد نفسه يوم أن يهجر كتاب الله ويعرض عنه. نعوذ بالله من الحرمان.
ثالثًا: تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة
من كان في وقت صحته وشبابه وفراغه وخلوّه من الأمراض والمصائب قريبًا من الله، ما انقطع ولا ابتعد، بل كان لديه رصيد إيماني وخزين من الأعمال الصالحة، مثل هذا العبد يُرجى أن يكون الله معه وقت الشدائد.
يونس عليه السلام قضى حياته ذاكرًا لربه، متعبدًا، داعيًا الناس إلى دين الله، فلما وقع في الشدة، والتقمه الحوت، وأصبح يتقلب في ظلمات ثلاث، وهي شدة من أعظم الشدائد، نادى ربه: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
اخترق هذا النداء السماوات، فجاءت الاستجابة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
يقول الحسن البصري: «ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدّم عملًا صالحًا في حال الرخاء، فذكره الله في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكئًا».
المنة الثانية: أنزل عليهم جنودًا ومددًا من السماء
وهم الملائكة، نزلوا وقاتلوا معهم، وما هي إلا ساعات قليلة حتى انهزم المشركون وولّوا أدبارهم، وفروا هاربين، وخلّفوا وراءهم نساءهم وأولادهم وأموالهم غنيمة للمسلمين.
وتحوّلت الهزيمة إلى نصر، وتحولت إلى غنائم وأموال وسبي. فلما رجع الصحابة بقلوبهم إلى الله، ردّ الله لهم النصر. فمن بدّل بدّل الله له، ومن غيّر غيّر الله عليه.
دعنا نقف مع هذه الهزيمة التي تحولت نصرًا، ونستلّ منها المعاني والعبر.
تأمل كيف أذاق الله المؤمنين النصر بعد أن أذاقهم مرارة الهزيمة في الجولة الأولى، وفي هذا تربية من الله لهم؛ حتى لا يكون مقياس النصر عندهم مرتبطًا بالقوة والعدد والكثرة والأسباب. لا بد أن يستقر في قلوبهم وأذهانهم أن العزة والنصر والغلبة إنما تكون من الله؛ الله هو الذي ينصر، والله هو الذي يعين، والله هو الذي يمد عباده بمدد من السماء.
الصحابة في بدر كانوا قلة، لا عدد ولا عتاد، ومع ذلك انتصروا؛ لأنهم دخلوا المعركة بقلوب لم تلتفت إلا إلى الله، ولم تستنزل النصر إلا من عند الله، فنصرهم الله. أما حين اعتمدوا على عددهم واغتروا بكثرتهم في حنين، خُذلوا. ومن سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير أن من وُكِل إلى نفسه خُذل.
انظر في قصة قارون، ذاك الذي اغتر بنفسه وماله ونفوذه، وأعجب بنفسه وتعاظمت عليه نفسه حتى قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78].
فخذله الله، وأتاه الخذلان: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81].
هذا خسف خاص جعله الله عقوبة ونكالًا له، فخسف به وبداره.
هذه الغزوة تربينا على أنه كلما تبرأت من حولك وقوتك، أمدّك الله بمدده وأعانك بعونه، وكلما اغتررت بنفسك وقوتك وقدراتك وأسبابك، خذلك الله.
وأختم بمقولة رائعة للمُطَرِّف بن الشِّخِّير، وهو من علماء التابعين، تبيّن لك قمة التبرؤ من الحول والقوة. يقول رحمه الله:
«لو أُخرج قلبي فجُعل في يساري، وجيء بالخيرات كلها فجُعلت في يميني، لم أستطع أن أجعل شيئًا من هذه الخيرات في قلبي، إلا أن يكون الله هو الذي يضعه».
وهذا هو حقيقة الافتقار إلى الله، والتبرؤ من الحول والقوة، واستمداد العون والنصر منه سبحانه وتعالى.
تفضل، نسّقت المقطع مع حذف الهوامش وأرقام الإحالات، وتصحيح الآيات والأحاديث والأخطاء اللغوية الظاهرة، مع المحافظة على مضمون النص وتسلسل أفكاره:
من الوقفات أيضًا في هذه الغزوة
أن هذه الهزيمة صورة من صور الابتلاء، ومن حكم الابتلاء التمحيص، سواء كان التمحيص للذنوب؛ بمعنى تنقيتهم وتطهيرهم وتخليصهم من الذنوب؛ لأن المصائب كفارات. والنبي ﷺ يقول: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه». وعِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء.
أو كان التمحيص للقلوب، وهو تخليصها وتنقيتها وتصفيتها من عللها وأسقامها وآفاتها. وعلل القلوب وأدواؤها كثيرة، والله وحده المطلع على هذه القلوب، والله وحده الخبير بثغراتها وعيوبها، فينزل عليها من الابتلاءات، ويجري عليها من الأقدار، وهو الحكيم الخبير بما يكون سببًا في إصلاح هذه القلوب واستقامتها، وإزالة أدرانها وأشواكها، حتى تسترد عافيتها.
ففي هذه الهزيمة تطهير لقلوب الصحابة من مزالق الفخر والترفع والتعاظم والغرور، فمحّص الله قلوبهم بهذا الابتلاء.
والقلب هو مركز اللب والفؤاد، وهو محل نظر الله تعالى، وهو الأصل، والملك، والجوارح كلها تبع له. فصلاح الجسد وفساده مرتبط بصلاح القلب وفساده. يقول النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
فهو أنفس وأشرف وأغلى وأثمن عضو فيك. ومن هنا تتبين خطورة المعاصي القلبية، وإن كانت المعاصي بعمومها خطيرة، وهي سبب في أن يُحجز عنك كل خير، وكل علم، وكل هداية.
فقد يُحجب التوفيق بسبب المعصية، وقد يتأخر الرزق بسبب المعصية، وقد تُغلق الأبواب بسبب المعصية، فهي السبب في كل بلاء، وفي كل حرمان، وفي كل خذلان.
إلا أن المعاصي القلبية من كِبْر، وحسد، وعُجب، وحقد، وبغض، وسوء ظن، ونفاق، ورياء، وشك، هي أشد وأشد من معاصي الجوارح. وهي الداء الدوي، والمرض العضال الذي يدمر الإيمان.
وهذه المعاصي شديدة الخفاء؛ لا تُسمع ولا تُرى، ولكنها تلوك في القلب. فإذا استقرت فيه، ولم يجاهدها الإنسان، ولم يصرفها، ولم يدفعها عن قلبه، بل استرسل معها حتى سمح لها أن تستوطن فيه، فإنها تتلف قلبه وتفتت الإيمان الموجود فيه.
ألم يقل النبي ﷺ عن الضغينة والشحناء والبغض والكره والحقد وفساد ذات البين: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»؟ وألم يقل ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر»؟
فما بالك بمن بداخله أرطال وأرطال من الكبر، وليس مجرد ذرة فقط؟
وهذا يبين لنا أن أعظم ما ينبغي أن يعتني به المؤمن قلبه؛ فيطهّره من أمراضه، ويزكيه من آفاته، ويجاهد ما يطرأ عليه من كبر وحسد وعجب وحقد وسوء ظن، حتى يبقى قلبه سليمًا مستقيمًا، صالحًا لقبول الهداية والسكينة والتوفيق من الله تعالى.
المعاصي القلبية محبطة للأعمال وحارقة للحسنات.
تأمل في أول ثلاثة تُسعَّر بهم النار، كما جاء في الحديث: القارئ، والمجاهد، والمنفق. لماذا؟
لأنهم وقعوا في الرياء، والرياء مكانه في القلب، فهو الشرك الخفي، وهو شرك السرائر. فيقال لكل واحد منهم: «إنما عملت ليقال قارئ، وليقال شجاع، وليقال منفق، وقد قيل». فأحبط الرياء أعمالهم، وبسببه سُعِّرت بهم النار، والعياذ بالله.
أما الحسد، فتلك الجمرة المشتعلة في القلب، وذلك الورم الخبيث الذي لا يكاد يسلم منه إلا من سلّمه الله. هذه الجمرة تظل تشتعل وتشتعل حتى تحرق قلبه، ولا أوضح ولا أدل على هذا الاحتراق من قوله ﷺ: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».
كما أن المعاصي القلبية أقفال على القلوب.
ومن أكبر الأسباب التي تكون أغلفة على القلب: الرَّان، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
والرَّان: حجاب كثيف يغطي القلب ويحجب عنه الهداية والنور، وكلما زاد الرَّان قسا القلب، وزادت وحشته، وقلت دموعه.
يقول ابن رجب رحمه الله: «البدن كلما عري رق، كذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته».
والمعاصي القلبية سبب في أن يُبتلى الإنسان بسوء الخاتمة، والعياذ بالله.
يقول ابن القيم رحمه الله: «ومن أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة».
ذلك الرجل الذي شارك مع النبي ﷺ في إحدى غزواته، وقاتل حتى قُتل، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، هنيئًا له الشهادة. فرد عليهم رسول الله ﷺ: «هو في النار».
وكاد الناس أن يفتتنوا: كيف هو في النار وقد جاهد كل هذا الجهاد، حتى إنه استشهد؟!
يقول قتيبة رحمه الله: «كان في سريرته نفاق».
وعلّق ابن رجب فقال: «إن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع الناس عليها».
فالمؤمن الحصيف تجده يحمل هم قلبه، وهم تنقيته وتطهيره وإصلاحه، وما سعى الإنسان في شيء أعظم من سعيه في إصلاح قلبه. وأهل السلف من أهم ما يميزهم اعتناؤهم بقلوبهم وبواطنهم.
ميمون بن مهران كان كاتبًا لعمر بن عبد العزيز رحمه الله، قال لابنه في يوم: «يا بني، خذ بيدي إلى الحسن»، يقصد الحسن البصري رحمه الله، وهو من علماء التابعين.
يا ترى، ما الذي يريده هذا الرجل الكبير في السن، الذي سيخرج من بيته ويقطع مسافة وطريقًا حتى يصل إلى الحسن؟
لما وصل عنده وطرق بابه، وخرج الحسن إليه، قال له: «يا أبا سعيد، إني آنست في قلبي غلظة، فاستلن لي»، أي قل لي شيئًا يلين قلبي؛ فإني أشعر أن فيه قسوة.
فقال الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: 205-207].
فبكى ميمون حتى أُغشي عليه، ثم انصرف.
وابن مسعود رضي الله عنه لما رأى التفاف الناس حوله، التفت إليهم وقال: «لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان، ولحثيتم التراب على رأسي، ولوددت أن الله غفر لي ذنبًا من ذنوبي، وإني دعيت عبد الله بن روثة».
انظر كيف يدفع عن قلبه الشهرة والسمعة والعُجب، حتى يصفو له قلبه، ولا تتعاظم عليه نفسه. يخاف أن يرفعه الناس، ويخاف أن يعظمه الناس، ويخاف أن يلتف حوله الناس.
بهذا تفوقوا وتميزوا، حين تعاهدوا قلوبهم، واعتنوا بها، وتفقدوها، وعلموا أن القلب هو الأصل، وهو محل نظر الرب، وهو الملك والقائد، وأن الجوارح ما هي إلا مغاريف للقلوب.
غنائم هوازن
بعد أن هُزمت هوازن، أمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم أن تُجمع، فجمعت. وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة.
فبدأ رسول الله ﷺ في تقسيم الغنائم، فأول من أعطى المؤلفة قلوبهم، وهم سادات القبائل الذين دخلوا الإسلام قريبًا؛ من أجل أن يتألفهم.
فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، والنضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، واستمر في عطائه للمؤلفة قلوبهم من قريش ومن قبائل العرب، ولم يعطِ الأنصار شيئًا.
فكأنه وقع في نفوس الأنصار شيء، فجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه للنبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء».
قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: «يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي». قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة». فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتى سعد، فقال: «قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار».
فأتاهم رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وجِدَة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي...»
أكمل لك النص بالتنسيق نفسه، مع حذف الهامش ورقم الصفحة، وتصحيح الأخطاء الإملائية والعبارات الظاهرة، مع المحافظة على المضمون:
«... وعائلًا فواسيناك، وأوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم لعاعةً من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا، وسلكت الأنصار شعبًا وواديًا، لسلكت شعب الأنصار وواديها. الأنصار شعار، والناس دثار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: «رضينا برسول الله ﷺ قسمًا وحظًّا». ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا.
وحق لهم أن يبكوا، وهم يسمعون هذه الكلمات، وهذا الحب المعلن الصريح لهم، وهذا الدعاء لهم ولأبنائهم ولأحفادهم.
هذا هو رسول الله ﷺ، كان من ألين الناس عريكة، وأكرمهم عشرة، وأحسنهم وأوفاهم صحبة. كان يُحسن إلى صحابته غاية الإحسان، وكان يخالط أصحابه ويشاركهم في كل شيء؛ كان يأكل معهم، ويجوع معهم، ويسافر معهم، ويحفر معهم، ويحمل الصخور معهم، ويفرح معهم، وكان معهم وبينهم حتى ملك قلوبهم.
كان نسيمًا يمشي بين أصحابه؛ لا يخالفهم، ولا يؤذيهم، ولا يثقل عليهم، ولا يعكّر عليهم. كان كثير المواساة لهم، بل هو من أعظم الناس مواساة لأصحابه؛ يواسيهم بالقليل والكثير.
ومن مواساته لهم جبره لقلوبهم، وما هذه الكلمات وهذه الدعوات وهذا الحب الذي أعلنه للأنصار إلا من حسن صحبته، وجميل خلقه، ووفائه، ومواساته لأصحابه.
والإنسان كلما زاد في إيمانه زادت مواساته، وأصبح رحمةً على من حوله؛ يعطي هذا، ويهدي هذا، ويرق لهذا، ويرحم هذا، ويقضي حاجة هذا، ويعطي كل من حوله؛ القريب والبعيد، والجار والصديق، ويتسع قلبه للجميع.
وهذه علامة إيمان، فليبحث عنها المؤمن في نفسه؛ فإن وجدها فليحمد الله، ويسأل الله المزيد من فضله، وإن لم يجدها فليعلم أن هناك خللًا وتقصيرًا، فليستدركه قبل فوات الأوان.
اللقاء الثالث
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٢٨﴾.
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ٢٩﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٣٠﴾.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٣١﴾.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ٣٢﴾.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٣٣﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣٤﴾.
﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ٣٥﴾.
يندرج في هذا المقطع عدة موضوعات:
الموضوع الأول: الحكم بنجاسة المشركين، والأمر بتطهير المسجد الحرام منهم، ومعالجة قضية الرزق
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
والنجاسة المقصودة ليست النجاسة الحسية، وإنما هي النجاسة المعنوية؛ بمعنى أن المشركين عندهم فساد في عقائدهم وفي أعمالهم، وفي محاربتهم وصدهم عن دين الله؛ نجاسة معنوية بالشرك والكفر والمحادة والمشاقة لله ورسوله.
لذلك أمر الله عز وجل بتطهير المسجد الحرام منهم، فقال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
فلما نزل هذا الأمر الإلهي، وقع في قلوب الصحابة أمر عظيم، ألا وهو الخوف على أرزاقهم، وهذا واضح من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾.
والعَيْلَة هي الفقر والحاجة. خافوا من الفقر، وخافوا أن تنقطع عنهم أسباب الرزق إذا انقطع الناس عنهم؛ لأن الحركة التجارية قائمة على البيع والشراء. فإذا حُرم على المشركين دخول مكة، فماذا سيفعلون؟
ولا يخفى على أحد أن قضية الرزق قضية مهمة تشغل كل كائن حي على وجه الأرض. من هنا طمأنهم الله على أرزاقهم، وعالج قضية الرزق في نفوسهم، فجاء الرد منه جل جلاله: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
أي: اطمئنوا، فأرزاقكم مكفولة مضمونة، فقد تكفل الله بها. فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، والرزق كله بيده، وخزائن السماوات والأرض بيده، وقد خلق خلقه وتكفل بأرزاقهم؛ يرزق من في السماوات، ويرزق من في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 6].
معالجة قضية الرزق والطمأنينة إلى تكفّل الله به
يرزق الله الطيور، ويرزق الحشرات، ويرزق من في البحر، ويرزق من في الصحراء. والطير، وهي من أضعف المخلوقات وأصغرها، إذا طارت من أعشاشها في الصباح الباكر، طارت وهي لا تدري إلى أين ستذهب، ولا تدري على أي شجرة ستقف، أو أي حبٍّ ستأكل، أو أي حشرة ستلتقط.
تخرج خاوية، كما وصفها رسول الله ﷺ: «تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا»؛ و«خِماصًا» أي: جائعة، فارغة البطون، فتطير بلا تخطيط ولا تحديد ولا معلومات، ولكن الله تكفّل برزقها؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا، وترجع وقد امتلأت حواصلها، ورزقها ربها الرزاق.
فالله عز وجل ما خلق خلقه عبثًا ثم تركهم وأهملهم، بل خلق كل شيء وقام عليه، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62].
وتكفّل بهم كفالة ربانية شاملة، كفالة تدبير وحفظ، وكفالة رزق. والرزق ليس محصورًا في المال فقط، وإنما الرزق، كما قال ابن منظور في لسان العرب: ما تقوم به حياة كل كائن حي.
فالإيمان بالله رزق، والحكمة رزق، والعلم رزق، والحب رزق، والتوفيق رزق، والمشاعر رزق، والصحة رزق، وحسن الخلق رزق، والزوجة الصالحة رزق، والأبناء رزق. وما أكثر الأرزاق! والمتكفّل بكل هذه الأرزاق هو الله جل جلاله.
ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها المكتوب لها. وهذه من المعاني التي ينبغي على المسلم أن ينميها في قلبه، ويكررها على نفسه، حتى لا يستبطئ رزقه. وقضية استبطاء الرزق بالذات من الأمور التي حذرنا منها رسول الله ﷺ، فقد جاء في الحديث: «ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن الله لا يُنال ما عنده إلا بطاعته».
ولما استبطأ الناس أرزاقهم، وضعف الإيمان في قلوبهم، وقلّ الورع، وفتحت الدنيا أبوابها، أخذوا يقعون في الحرام ويتلبسون به ويخوضون فيه؛ من تزوير وغش وكذب وخداع وتدليس، وبيوع محرمة ومعاملات محرمة، وكل ذلك جريًا وراء الرزق وخوفًا عليه، مع أن القضية محسومة.
قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد».
فرزقك الذي كتبه الله لك سيأتيك، وسيسوقه الله إليك. وما كان لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يكن لك لن يأتيك على قوتك. ولو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت؛ فاطمئن على رزقك.
اقتباس من كلام الدكتور فريد الأنصاري في شرحه «المنزلة: التوكل»، بتصرف، في شرح حديث: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا».
الأمر الثاني: تعدد أبواب الرزق
الأمر الثاني الذي أشارت إليه الآيات في موضوع الرزق هو أن الرزق ليس محصورًا في باب واحد وطريق واحد فقط، بل إذا أُغلق على العبد باب، فتح الله له أبوابًا أخرى. وإذا سدّ الله على العبد بحكمته طريقًا، فتح له برحمته طريقًا هو أنفع له.
فإذا كان الله قد حرّم بقاء المشركين في البلد الحرام، ومنع دخولهم المسجد الحرام، وأغلق عليهم هذا الباب، فما هي إلا سنوات قليلة بعد هذا المنع حتى فُتحت للمسلمين بلاد فارس والروم، واستولى المسلمون على كنوزهم وأموالهم، وأصبحوا من أغنى الخلق. هذا طريق أُغلق، ففتح الله لهم طريقًا آخر، ألا وهو طريق الجزية، وهي مال يدفعه أهل الكتاب، اليهود والنصارى، مقابل بقائهم في أرض المسلمين وتحت حمايتهم.
مفاتيح الرزق
مفاتيح الرزق هي أسباب وأعمال ذكرها أهل العلم، من قام بها يسّر الله له رزقه، وصبّ عليه الأرزاق.
التوكل
يقول الله عز وجل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: 3].
ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].
الله سبحانه وتعالى نعم الوكيل، ونعم المولى، ونعم النصير، وهو حسب من توكل عليه.
وإذا توكل العبد على ربه حق التوكل، بأن اعتمد بقلبه على ربه اعتمادًا قويًّا كاملًا في تحصيل مصالحه ودفع مضاره، وقويت ثقته وحسن ظنه بربه، حصلت له الكفاية التامة، وأتم الله له أحواله، وسدده في أقواله وأفعاله، وكشف غمّه.
قصة أبي حاتم والتوكل على الله
أبو حاتم رجل من السلف كان فقيرًا، صاحب بنات. كلما أراد الحج فكّر في بناته: من سيرعاهن؟ ومن سيقوم عليهن؟ ومن سيتولى أمرهن؟ فيترك الحج.
وفي إحدى السنوات قالت له ابنته الكبرى: يا أبتِ، حج ولا تخف، وأوكل أمرنا إلى الله. فخرج أبو حاتم للحج، وترك بناته في كفالة الله.
وبقدر الله دخل أمير إلى قريتهم ومعه حاشيته، فعطش الأمير، ولم يكن معهم ماء. فطرقوا باب أول بيت في القرية، فكان بيت أبي حاتم، فطلبوا ماءً، فأعطتهم الفتاة الماء، ثم نزل الأمير ليشرب، فنظر إلى حالهم وفقرهم، فلما انتهى رمى إليها بصُرّة فيها مال.
نظرت الفتاة، وقد امتلأت توكلًا ويقينًا بكفاية الله لها ولأخواتها، وقالت: هذا مخلوق نظر إلينا فاستغنينا، فكيف بنظر أرحم الراحمين إلينا؟ الله أكبر!
إذا امتلأ هذا القلب توكلًا وتوحيدًا وتفويضًا ويقينًا، ارتاح، وفُتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.
انظر: كتاب «مفاتيح الرزق» للدكتور فضل إلهي، و«وقفات إيمانية مع بعض أسماء الله الحسنى» للدكتورة وفاء الحمدان.
منزلة التوكل
وإذا أردت أن تنزل في منزلة التوكل، التي هي أصل لجميع مقامات الدين، ومنزلتها منها منزلة الجسد من الرأس؛ فكما أن الرأس لا يقوم إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان وأعماله إلا على ساق التوكل، فتيقّن أنك وكّلت عالمًا غير جاهل، يعلم بكل أمورك وبكل تفاصيل حياتك ودقائقها، يعلم بك وبالناس من حولك، سرّهم ونجواهم، وتخطيطهم وتدبيرهم، وما الذي يحيرك وما الذي يشغلك، وسع علمه كل شيء.
ووكّلت قادرًا غير عاجز، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه شيء، وكل شيء بيده وفي قبضته؛ الأقوياء بيده، والضعفاء بيده، والجبابرة والطغاة والسحرة والكهنة كلهم بيده، لا يخرج أحد عن ملكه طرفة عين. والأمر أمره، والسماء سماؤه، وما بينهما في قبضته، وأمره نافذ، وإذا أراد أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون.
ومن قدرته أنه جل جلاله هو خالق الأسباب وموجدها، وهو الذي يسوقها إليك وينفعك بها، وهو كذلك الذي لو انقطعت كل الأسباب وأُغلقت كل الأبواب، فهو يعطي من غير أسباب. فالأسباب تنعدم وتنتهي لا محالة، ويبقى الباقي الدائم، الحي الذي لا يموت ولا يزول.
ووكّلت شفيقًا بك، يرحمك ويشفق عليك، ويهتم بأمرك، ويحسن لك في هذه الوكالة.
والله المثل الأعلى. وكلاء الدنيا أهم ما لديهم منفعتهم ومصلحتهم، وما الذي سيجنونه منك من المال، وليس مهمًّا عندهم مصلحتك أو أن تحصل أمرك. أما الوكيل سبحانه وبحمده، فتتوكل عليه، وهو رحيم بك، يشفق عليك، ويقدم مصلحتك، ولا ينتظر منك أجرًا ولا مالًا ولا عوضًا، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].
التوبة والاستغفار
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ١٢﴾ [نوح: 10-12].
يقول ابن كثير: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم الله من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم الضرع، وأعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار.
هذه كلها من ثمرات التوبة والاستغفار، فهما باب ومفتاح من مفاتيح الرزق. ومن أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب.
المتابعة بين الحج والعمرة
يقول النبي ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة».
4- صلة الرحم
قال النبي ﷺ: «مَن سرَّه أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه».
حق القرابات والأرحام عظيم. فالرحم لما خلقها الله عز وجل استأذنت ربها أن تتكلم، فأذن لها، فقالت: «هذا مقام العائذ بك من القطيعة»، فقال الله: «أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟».
وهذه الرحم معلقة بالعرش تقول: «من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». ومن قطعه الله، فعن أي رزق وعن أي توفيق يبحث؟!
نعم، هناك أرحام وقرابات فيهم من الظلم والأذى والإساءة ما فيهم، ولكن من ابتُلي بمثل هؤلاء الأرحام نقول له: ضع أمامك أربع نقاط، لعلها أن تعينك على الصلة.
أولًا: أن هذه صورة من صور الابتلاء.
والابتلاء سنة ماضية في العباد، والله يبتلي العباد ببعضهم ليرى ما هم صانعون. والابتلاء يحتاج إلى صبر، ولا يمكن أن نتجاوزه إلا بالصبر، والله لا يعطي الصبر إلا لعبد كريم عنده.
قال النبي ﷺ: «ما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر».
ويكفي الصابرين قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وهو موجب لمحبة الله وكثرة ثوابه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
ثانيًا: استحضار عقوبة القطيعة.
وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب، وعقوبتها معجلة في الدنيا، مع ما يُدَّخر لصاحبها في الآخرة.
قال النبي ﷺ: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم».
وقال ﷺ: «لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم». فإذا كانت الرحمة لا تنزل على من يجالس قاطعًا للرحم، فما بالك بالقاطع نفسه؟! فأي رحمة ستنزل عليه؟!
خذ أي قاطع للرحم، رجلًا كان أو امرأة، وانظر إلى حاله وحياته أثناء القطيعة، سترى من علامات الخذلان والشقاء وعدم التوفيق ما هو ظاهر أمامك؛ لن تجده موفقًا لا في بيته، ولا في عمله، ولا في دراسته، ولا مع جيرانه، ولا في تجارته. وكل هذا لماذا؟ لأنه حُرم الرحمة، ومن حُرم الرحمة فهو شقي.
كما أن قاطع الرحم لن يعبر الصراط، فالأمانة والرحم ستقومان على جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فلن يجوزه قاطع للرحم ولا خائن للأمانة.
ثالثًا: أنه سبب من أسباب مضاعفة الثواب.
يقول ابن سعدي رحمه الله: «ومن أسباب المضاعفة القيام بالأعمال الصالحة عند المعارضات النفسية، والمعارضات الخارجية، فكلما كانت المعارضات أقوى، والدواعي للترك أكثر، كان العمل أكمل وأكثر مضاعفة».
والمعارضات النفسية هي ما يجده الإنسان من معارضات من داخل نفسه، كالوسواس، والخوف من التعب والمشاق، أو الخوف من نقد الناس وسخريتهم، أو الملل من مداراة الناس، أو غير ذلك من الأمور التي تقف حجر عثرة في طريق الإنسان.
فأنت حين تصل أرحامك وهم يصدّون، وتصلهم وهم يقطعون، وتحلم عليهم وهم يجهلون عليك ويؤذونك، وتفعل كل هذا إجلالًا لله، ومعاملةً مع الله، وأداءً للحق الواجب الذي أوجبه الله عليك، بالرغم من المشقة والثقل ومعارضة النفس؛ فإن الله يضاعف لك الأجر.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله ﷺ، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. قال: «يا عقبة، صِلْ من قطعك، وأعطِ من حرمك، وأعرض عمن ظلمك».
ومن عامل الله في مثل هذه الأحوال، سيجد من الله لطفًا حيثما توجه، وسيكون مرحومًا؛ لأنه محسن، والله يقول: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].
وأخذت أجر الإحسان والصلة، ولا يزال معك من الله ظهر.
رابعًا: إذا زاد شر الأرحام وظلمهم وقطيعتهم، فالزم التربية النبوية.
قال النبي ﷺ: «لهم رحم أبلُّها ببِلالها»، والبِلال هو الشيء اليسير؛ أي: الإحسان الذي تتحقق به الصلة وتنتفي به القطيعة، ولو بالقليل، ولو بكلمة طيبة، أو إرسال السلام لهم، أو السؤال عنهم، أو الدعاء لهم. المهم أن تتحقق الصلة وتنتفي القطيعة.
ومن مفاتيح الرزق أيضًا:
5- التقوى
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2-3].
سواء كانت التقوى في اللسان، أو في النظر، أو في السمع، أو في القلب، أو في الخطرات؛ فكل من حقق التقوى أو جاهد نفسه على تحقيقها، زادت أرزاق الله وأفضاله عليه.
بل إن الله وعد المتقين بتدفق البركات والأرزاق، فقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96].
وما من متقٍ يطرق بابًا إلا ويُفتح له، وهذا وعد من الله تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2-3].
سيفتح بوعد من الله، وليس أحد أوفى بعهده من الله. وحتى لو تأخر الفتح لحكمة يريدها الله، فإنه سيفتح، والعرب تقول: لا فتح إلا بعد إغلاق.
6- كثرة العبادة والتفرغ لها
يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يدك شغلًا، ولم أسد فقرك».
وعد الله من تفرغ وأكثر وانشغل بالعبادة بعطيتين:
الأولى: أن يملأ صدره غنى، ومن أغنى الله قلبه فلن يقربه الفقر أبدًا.
الثانية: أن يسد فقره، ومن سد الله فقره فلن يفلس أبدًا.
وتأمل في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ١٣١ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه: 131-132].
فإذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، ولذلك قال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾.
قال النووي: «أي: لا نكلفك الطلب».
7- الإنفاق على طلبة العلم
العلم رزق مبارك، ومن أنفق على أهل العلم لحقته هذه البركة.
7- الإنفاق على طلبة العلم
مرزوق ببركته؛ لأنه يطلب العلم. كان ابن المبارك يخص أهل العلم وطلابه بنفقاته وصدقاته، فقيل له: لو عمّمت، فقال: «لا أعلم مقامًا بعد النبوة أفضل من مقام العلم».
8- الإنفاق في سبيل الله والإحسان إلى الضعفاء
وعد الله كل من تصدق وأعطى أن يخلف عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39].
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا».
كلما كنت منفقًا متصدقًا فلن يضيعك الله، بل سيبذل الله لك أضعاف أضعاف ما أنفقت. يقول الله تعالى: «يا ابن آدم، أنفق أُنفق عليك».
ومن أحسن أحسن الله إليه، فالله أسبق إليك منك.
9- الهجرة في سبيل الله سبب من أسباب الرزق
الله وعد كل مهاجر بالسعة والتعويض والرزق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100].
سيجد بلدًا أفضل من بلده، وسعةً في الأرض، وسعةً في الرزق، وسعةً في الصدر، وسعةً في الفكر.
الجزية ومعاملة أهل الكتاب
الجزية: هي مال يؤخذ من أهل الكتاب ويُدفع للمسلمين مقابل بقائهم في أرض المسلمين وتحت حمايتهم.
في بداية السورة كان الأمر بقتال المشركين، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
فالمشركون ليس عليهم جزية، بل يُقاتلون حتى يُسلموا، أما أهل الكتاب فلهم وضع آخر؛ إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يدفعوا الجزية، فهم مختلفون عن المشركين بسبب الكتاب الذي بين أيديهم، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
لماذا أمر الله بقتالهم؟
قال تعالى مبينًا علة الأمر بقتالهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وهذا من أخزى الخزي وأكذب الكذب؛ أنهم دعوا لله ولدًا، وما هو إلا افتراء جاء على ألسنتهم، وليس عندهم دليل يدل على هذا الذي زعموه، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾.
النصارى تقول: المسيح ابن الله؛ لأن عيسى عليه السلام وُلد من غير أب، فلماذا تقول اليهود إن عُزيرًا ابن الله؟
عُزير عبد صالح من بني إسرائيل. وردت فيه آثار منقولة عن بني إسرائيل، وقيل إنه المقصود في قول الله تعالى:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
والقرية هي بيت المقدس، والذي خرّبها ملك كافر يقال له بختنصر، غزا بيت المقدس وقتل أهلها، وأعاث في الأرض فسادًا. مرّ عُزير ببيت المقدس، ورآها على هذا الخراب والدمار، فقال على صيغة التعجب، لا على صيغة الإنكار: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟
ثم خرج منها، وكان عمره أربعين سنة، ووافق خروجه أول النهار، وكان معه حماره وطعامه، وقيل: كان معه عنب وتين وعصير. فأماته الله مائة عام، ثم بعثه الله آخر النهار عند غروب الشمس. فلما استيقظ ظن أنه قد نام يومًا أو بعض يوم، قال تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
نظر فإذا عنبه وتينه وعصيره وطعامه لم يتغير، وإذا بعظام حماره قد تفرقت حوله. فأرسل الله ريحًا جمعت عظامه، ورُكّب كل عظم على موضعه حتى صار قائمًا أمامه، ولكن بدون روح، فأرسل الله ملكًا نفخ فيه الروح، فنهق الحمار، قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259].
ولما بعثه الله، رجع إلى قريته، فإذا الناس قد تغيروا، والقرية قد تغيرت. حاول أن يصل إلى منزله، فوجد جاريته التي تركها وعمرها عشرون سنة، وقد أصبح عمرها مائة وعشرين سنة، فسألها عن عُزير. قالت: يرحمك الله، أين أنت من عُزير؟ لم يعد أحد يذكره. فقال لها: أنا عُزير. قالت: لو كنت عُزيرًا فادعُ الله أن يردّ عليَّ بصري. فدعا الله، فردّ عليها بصرها، فرأته وعرفته.
أخذته إلى الملأ من بني إسرائيل، وقصّت قصته. فأراد الملأ أن يتأكدوا منه، فطلبوا منه أن يملي عليهم التوراة كاملة غيبًا، فألهمه الله استذكار التوراة كاملة، وأملاها عليهم، ولم يخرم منها حرفًا، فقالوا: ما أُعطي هذا إلا لأنه ابن الله.
ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أيضًا أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. والأحبار هم علماء اليهود، والرهبان هم علماء النصارى.
اتخذوهم أربابًا من دون الله، وجعلوهم في مرتبة الربوبية، وأن لهم حق التشريع؛ فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، ويفتون للناس بغير ما أنزل الله، فيطيعهم الناس. فأصبحت عبادتهم طاعتهم فيما يحلّلون ويحرّمون بغير شرع الله، وقررت الآيات قتالهم بعد أن انتفى عنهم الإيمان الصحيح.
ثم جاءت الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣٤ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ٣٥﴾.
ما معنى يكنزون؟
هو المال المكنوز الذي لا تُؤدّى زكاته.
هذه الآية تبين عقوبة تارك الزكاة، وأنه يُعاقب بعقوبتين: عقوبة بدنية وعقوبة قلبية.
العقوبة البدنية، كما في قول النبي ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة».
فهذه الصفائح التي لم تُؤدَّ زكاتها تُحمى وتصبح نارًا مشتعلة، يُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.
وخصّ الله هذه الجوارح بالعذاب؛ لأنها هي التي يحصل بها الإعراض عن الإنفاق. فإذا طُلب من أحد إنفاق في سبيل الله، قطّب بوجهه، ثم يلوذ بجنبه، ثم يولي، فلا يُرى إلا قفاه وظهره.
فالله يعذبهم بأن توضع صفائح الذهب والفضة التي أُحميت على هذه الوجوه التي قطّبت، وهذه الجنوب التي أعرضت، وهذه الظهور التي تولّت، جزاءً وفاقًا. فكل من عصى الله بشيء، عذبه الله بذلك الشيء الذي عصاه به.
أما العقوبة القلبية، فهي التقريع والتوبيخ الذي يُقال له أثناء العذاب: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾، فيمتلئ قلبه حزنًا وندمًا وحسرةً؛ لأنه بخل حين كان قادرًا على الإنفاق في الدنيا، وتتقطع نفسه حسرات، ولن ينفعه ندمه.
وأما العقوبة في الدنيا:
فما من تارك للزكاة يمتنع عن أداء حقها إلا ضيّق الله عليه، كما ضيّق هو على الفقراء.
يبتليه الله بضيق النفس، فتجده في نكد وهمّ وغمّ، ولو كانت أموال الدنيا تصب في حجره.
تُمحق بركة ماله، فربما سلّط الله على ماله آفةً تمحقه وتتلفه، من غرق أو سرقة أو حريق وما أشبه ذلك.
وربما ابتلاه الله بمرضٍ يصيبه أو يصيب أحد أهله، فيصرف هذه الأموال الطائلة بحثًا عن العلاج.
وقد يبتليه الله بالنفاق، فيفتنه في دينه، فيضل ويزل، ويُختم له بسوء.
وكل من ضيّع أمانة الله وحقه في الزكاة، فلينتظر عقوبةً عاجلةً تصيبه في دنياه؛ فمن ضيّع حق الله ضيّعه الله.
اللقاء الرابع
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ٣٦ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ٣٧﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣٩ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٤١﴾.
مسائل في الأشهر الحرم:
1- أنها أشهر حرمها الله ولم يحرمها الناس. قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.
2- سُمّيت بالحُرُم لعظيم شأنها وحرمتها، وحرمة الذنب فيها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: اختص الله أربعة أشهر حُرُمًا، وعظّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم، ولتحريم القتال فيها.
قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217].
3- كان العرب يعرفونها، وهي مما ورثوه من ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. حتى إن الرجل من كفار قريش إذا رأى قاتل أبيه في هذه الأشهر، لا يتعرض له أبدًا، تعظيمًا لحرمة هذه الأشهر.
إنما النسيء زيادة في الكفر.
كان المشركون إذا حجوا في عام أبقوا الأشهر الحرم على ما هي عليه، فإذا جاء العام الذي بعده قام قائمهم فقال: إننا سنؤخر شهر الله المحرم إلى صفر، ونأتي بصفر إلى المحرم. ولماذا؟ لأنهم كانوا يستثقلون طول مدة ترك القتال والسبي والغنائم.
وقد بيّن الله عز وجل أن هذا من تزيين الشيطان وتلاعبه بهم، فقال: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
من كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب، من شرح الدكتور محمد عبد العزيز الخضيري – دورة الأترجة.
4- الأشهر الحرم خصّها الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فالظلم حرام في كل وقت، وتزداد حرمته ويتأكد تحريمه في هذه الأشهر الحرم.
قال قتادة: إن الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواه، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء.
والظلم كبيرة من كبائر الذنوب، ويكفي في بيان عظم شأنه أن الله تعالى حرّمه على نفسه، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا».
ويكفي أن الله تعالى يبغض الظالمين، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]، وجعل اللعنة عليهم، فقال: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ٤٨ أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 48].
وكان النبي ﷺ يحذّر من الظلم، فقال: «اتقوا الظلم»، وقال: «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».
وقد جاء عند الطبراني بسند لا بأس به أن دواوين الظلم ثلاثة:
الديوان الأول: ديوان لا يعبأ الله به، وهذا ظلم العبد لنفسه.
هل يظلم العبد نفسه؟
عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال له: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم».
وهذا الدعاء من أنفع وأجمع الأدعية، وهو من صيغ الاستغفار المطلق التي تنغمر فيها خطايا العبد، وفيه كثير من التوسلات التي تستوجب الإجابة.
يقول الوزير ابن هبيرة رحمه الله: فالطلب من الله سبحانه وتعالى يناسبه ويلائمه الافتقار إليه، والحاجة والمسكنة، كما يباينه الإدلال والركون إلى نوع عبادة أو طاعة. فأنت إذا تطهرت من ظلم نفسك، وغُفر لك ورُحمت، كانت هذه مقدمات بين يدي طلبك، وإذا دعوت بهذا الدعاء انتحت الحواجز بينك وبين العطاء، فاطلب حينئذ ما شئت، وادعُ بما أردت.
وفي هذا الديوان يظلم العبد نفسه بذنوب أقل من الشرك، وليست متعلقة بحقوق الخلق؛ أي ذنوب قاصرة بينه وبين ربه. فهذا الديوان لا يعبأ الله به، بل يدخل في مغفرة الله وسعة رحمته.
فالديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب والمعاصي التي لا تتعلق بحقوق الخلق، وقد جاء في الحديث: «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم عنان السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم». وقال الله عز وجل: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49].
الثاني: ديوان لا يغفره الله إذا مات صاحبه عليه، وهو ظلم العبد لربه، والمقصود به الشرك؛ لأن العبادة حق الله، ولا تُصرف إلا له. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
الثالث: ديوان لا يترك الله منه شيئًا أبدًا، وهو مظالم العباد، أي ظلم العباد بعضهم لبعض، من سبٍّ وشتم، وغدر وسرقة، واعتداء على الأعراض، وتضييع للحقوق، وأكل للأموال، ونحو ذلك.
وهذه المظالم لا بد فيها من القصاص والفصل؛ ولهذا سُمّي يوم القيامة بيوم الفصل، فسيفصل الله بين الخلائق أجمعين، ويفصل بين الظالم والمظلوم، وبين المحق والكاذب، وبين الدائن والمدين.
وبسبب هذا القصاص سيحصل الفرار يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦﴾ [عبس: 34-36].
فحقوق العباد مبنية على المشاحة؛ كلٌّ يريد حقه، وكلٌّ يريد مظلمته، وبعض الناس يُشهِر إفلاسه من كثرة المظالم التي عليه.
يقول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1].
وهذه الآية من قوارع القرآن وزواجره، وما من صاحب قلب يقرأها إلا ويتأثر بها وتؤلمه.
فالإحصاء شديد، وصوره في القرآن كثيرة:
يقول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]. فهذا إحصاء بمثقال حبة الخردل.
ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨﴾ [الزلزلة: 7-8]. وهذا إحصاء بمثقال الذرة. والذرة كما جاء في بعض تعريفها: أدق شيء في الصغر، وهي الهباءة من الغبار. وإن كانت هذه الذرة لا تؤثر في موازين الدنيا، فإنها عند الله ذات أثر.
ويقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
قال ابن عون رحمه الله: «والله، ضجّ القوم من الصغار قبل الكبار».
فاحذر أن يُحصى عليك ما لا يسرك إحصاؤه؛ فالإحصاء دقيق، والمظالم كثيرة إذا وقفت بين يدي ربك.
ومشكلتنا أننا ننسى ذنوبنا وعثراتنا، وننسى كم تحمّلنا من المظالم والتبعات على مر السنين. ونسياننا للذنوب ليس علامة على أن الله قد غفر لنا، بل من قرأ القرآن بقلب واعٍ سيعلم أن الإنسان قد يتفاجأ بذنوبه يوم القيامة.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30].
وقد جاء التوجيه النبوي بسرعة التحلل في الدنيا: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم، من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه».
النبي ﷺ في غزوة بدر كان يسوي الصفوف، وبيده سهم، فوجد صحابيًّا متقدمًا عن الصف يسمى سواد بن غزية، فغمزه ببطنه وقال: «استو يا سواد»، فقال سواد: لقد أوجعتني يا رسول الله، والذي بعثك بالحق فأقدني من نفسك. مباشرة رفع النبي ﷺ وكشف عن بطنه وقال: «استقد يا سواد»، فنزل سواد على بطن النبي ﷺ يقبله ويلثمه ويلصق فمه بجلده، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما حملك على هذا يا سواد؟» قال: لقد حضر ما ترى يا رسول الله، فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك.
الشاهد من القصة سرعة كشف النبي ﷺ لبطنه ليثبت مبدأ التحلل في الدنيا.
وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام لمن سبه: «اللهم أيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك».
واعلم أن أصعب ما يكون في هذه المظالم أنك قد تفقد هذا الإنسان الذي ظلمته، إما بموت أو سفر أو انتقال إلى بلد أو مكان لا تستطيع الوصول إليه، ولا يمكن أن تراه ثانية إلا في مكان واحد فقط، وهو يوم القيامة.
وعند الله تجتمع الخصوم، كما قالها أحد السلف لظالمه: القبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والموعد الله.
هذا هو الندم الذي ما بعده من ندم، والحسرة التي ما بعدها من حسرة، لكل من سيأتي يوم القيامة محملًا بمظالمه وتبعاته: قذف هذا، شتم هذا، ضرب هذا، سفك دم هذا، أكل مال هذا.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111].
الموضوع الثاني
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
الآيات تدعو إلى النفير العام والجهاد في سبيل الله، وتحذر من التقاعس والتثاقل. وتأمل كلمة «اثَّاقَلْتُمْ»: لم يقل الله امتنعتم أو انصرفتم أو تباطأتم، وإنما قال: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ للدلالة على التثاقل والبطء.
وجرس هذه الحروف ومخارجها يدل على الثقل الذي حصل في الأبدان والنفوس والقلوب.
ثم بيّن الله العلة في هذا التثاقل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، أترضون بالدنيا الفانية العاجلة بدلًا من الآخرة التي لا يمكن أن تُقارن ولا تُقاس بالدنيا؟
يقول ﷺ: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم يرجع».
هذه الآية تحذر من التثاقل والتباطؤ، وفي سورة الأنفال دعا الله المؤمنين إلى سرعة الاستجابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. فثمرة الاستجابة السريعة أن الله يحييك، ويحيي قلبك، وتنطلق روحك، ويزداد الإيمان في قلبك.
أما إذا قلت الاستجابة، وحصل التباطؤ والتلكؤ والتثاقل والتسويف والكسل، فالنتيجة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24].
قد يحول الله بينك وبين قلبك، وبينك وبين عزيمتك، وبينك وبين إرادتك. قد يثقل الله العمل عليك، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46].
لذلك كانت قضية الاستجابة وسرعة الانقياد لأوامر الله عند الصحابة رضوان الله عليهم قضية محسومة، حتى لا يحول الله بينهم وبين قلوبهم.
ثم تأتي الآية الأخيرة في المقطع: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أي إذا تخلفتم عن نصرة رسوله ونصرة دينه، فالله تعالى سينصره ولن يخذله.
ذكرت الآية موطنًا عظيمًا نصر الله فيه رسوله، وهو نصرته له في الهجرة، هجرته عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، حين خرج خائفًا هاربًا من أهل مكة الذين اجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمره، فمنهم من قال: نحبسه، ومنهم من قال: نوثقه بالحديد، ومنهم من قال: تنفيه من بلادنا.
ووصف الله اجتماعهم ومكرهم وتدبيرهم فقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
ثم استقر رأيهم أن يجمعوا شابًّا من كل قبيلة، فيجتمعون عليه ويضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، فلا يعرف بنو عبد مناف كيف يثأرون ويطالبون بدمه، فأوحى الله إلى نبيه بهذا المكر الذي سيمكرونه.
فاستدعى رسول الله ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمره أن ينام في فراشه ويتغطى بلحافه، وطمأنه بأنه لن يصيبه ما يكره. ثم أخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب فألقاها عليهم، فأعمى الله أبصارهم، وخرج من بين أيديهم وهم لا يشعرون، وهذا من نصر الله لنبيه وحفظه له؛ أن أخرجه من بين أيديهم سالمًا، لم يصبه مكروه ولا أذى.
توجه رسول الله ﷺ إلى بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليصحبه معه في هجرته، وإن تأملت في هذا الاختيار عرفت أن الله عز وجل هو الذي اختار أبا بكر رضي الله عنه ليصحب رسوله في الهجرة؛ فقد كان يأتي للنبي عليه الصلاة والسلام ويستأذنه في الهجرة، فيرد عليه رسول الله ﷺ: «لا تعجل يا أبا بكر، لعل الله يجعل لك صاحبًا»؛ هو يقصد نفسه، فكان أبو بكر يطمع أن يكون صاحب رسول الله في هجرته، وبالفعل كان هو.
مناقب أبي بكر:
- اختيار الله عز وجل لأبي بكر يدل على مكانته عند ربه، فلا أحد يسبق أبا بكر، ولا أحد يتقدم عليه، فهو أفضل رجل في هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ.
وقد قال عمر رضي الله عنه: لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر.
- أبو بكر سماء لا تلحق، ورجل بأمة، أول من أسلم وأشرق قلبه بنور الإيمان أبو بكر، وأكثر إنسان يحبه رسول الله ﷺ من الرجال أبو بكر.
- لم يتردد مطلقًا في أمر عرضه عليه رسول الله ﷺ، لم يتردد في إسلامه، ولا في تصديقه بحادثة الإسراء، ولا في هجرته، كان شعاره دائمًا: إن كان محمد قد قاله فقد صدق؛ حتى لُقّب بالصديق.
- سينادى من أبواب الجنة الثمانية، وهذه منقبة لم تكن إلا له رضي الله عنه. لم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرًا قط، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهذا يدل على مروءته وكمال عقله. كان ذا خلق عالٍ جدًا، أهلته أخلاقه العالية للصحبة، وأن يكون صاحب رسول الله ﷺ في حياته، وفي هجرته، وبجواره في قبره.
- سخّر ماله وأهله ونفسه لله ولرسوله، وكان رسول الله ﷺ يسأله: «ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟» فيقول: «أبقيت لهم الله ورسوله».
حتى قال النبي ﷺ: «تركنا مكافأته لله عز وجل»، الله يكافئه يوم القيامة.
ومما قاله النبي ﷺ في شأن أبي بكر رضي الله عنه: «إن من أمنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته».
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: إن الله تعالى أنزل اسم أبي بكر من السماء: الصديق.
- سُمّي عتيقًا؛ لأن النبي ﷺ قال إنه «عتيق الله من النار».
- أسلم على يديه من العشرة المبشرين بالجنة خمسة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص.
هذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
ماذا فعل أبو بكر رضي الله عنه في طريق الهجرة مع رسول الله ﷺ؟
كان يمشي مع رسول الله ﷺ، وقد أحاطه بحب يندر وجوده، بحب فياض، بحب عز نظيره.
تمنى أن يجعل من جسده درعًا يحمي به رسول الله ﷺ، فكان يمشي أمام النبي تارة، وتارة خلفه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فسأله النبي ﷺ عن سبب فعله ذلك، فقال: إذا تذكرت الطلب مشيت من الخلف، وإذا تذكرت الرصد مشيت أمامك يا رسول الله.
ظلا يمشيان طيلة الليل حتى قام قائم الظهيرة في صحراء مكة ولهيبها، فيقول أبو بكر: فإذا أنا بصخرة ولها بقية ظل، ففرش فروة كانت معه وقال: اضطجع يا رسول الله. لم يفكر في نفسه، ولم يفكر في تعبه وإعيائه، فنفسه كانت لا تهمه، كان همه فقط رسول الله ﷺ.
فلما اضطجع النبي ﷺ، يقول أبو بكر: فانصرفت أنظر هل يطلبنا أحد، فإذا أنا براعي غنم، فطلبت منه أن يحلب لنا لبنًا، فحلب لنا. قال: فأخذت الإناء، فوضعت عليه خرقة، وجعلت أصب الماء أسفل الإناء حتى أبرد اللبن.
- كان اللبن حارًّا، والصحراء حارة، والشمس حارقة، وهو متعب في غاية التعب، ومع ذلك كان همه أن يبرد اللبن لرسول الله ﷺ. فلما استيقظ النبي ﷺ قال: اشرب يا رسول الله. فشرب، فأعاد عليه: اشرب يا رسول الله. فشرب. يقول أبو بكر: حتى رضيت، أي شعرت أنه ارتوى. يقول: فارتحلنا.
- فلما وصلا إلى غار ثور رفض أبو بكر رضي الله عنه أن يدخل النبي ﷺ قبله، فدخل هو أولًا، يقول: تحسسته وسويته لرسول الله، ثم قلت: ادخل يا رسول الله.
كانت قريش قد علمت بخروج رسول الله ﷺ وصاحبه، فثارت ثائرتهم وجن جنونهم، ووضعوا مائة ناقة جائزة لمن يأتي بهما. أخذوا يبحثون عنهما في الصحراء حتى وصلوا إلى الغار الذي اختبئا فيه، ووقفوا أقدامهم عند بابه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لرآنا. فرد عليه رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»
من كان معه الله، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام.
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. منتهى الإحسان بك أن يكون الله معك، وأن تظفر بهذه المعية.
وكما جاء في الحديث: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، وفي رواية: «تجده أمامك». والمعنى: تجد الله معك في كل أحوالك، يحفظك، وينصرك، ويؤيدك، ويدفع عنك، ويكلؤك. هذه معية خاصة، كما قال الله لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46].
وإذا حفظك الله فلن يستطيع أحد أن يؤذيك، أو يتسلط عليك، أو أن يصل إليك، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64]. وقد حفظ الله نبيه وصاحبه، فلم يصبهما مكروه.
وقفة مع لفظة: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾:
فيها دلالة واضحة أن المؤمن مطلوب منه أن يجتهد في دفع الحزن عن نفسه وقلبه؛ فالحزن من قطّاع الطريق، والشيطان حريص جدًا على أن يُحزن الإنسان، فهذه وظيفة من وظائفه، بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10].
حتى يشتت ذهنه، ويكدر قلبه، ويجعله يتقوقع في داخل أحزانه، فيقطع عليه الطريق، ويعرقل سيره، ويطفئ نشاطه.
فالمؤمن العاقل عليه أن يطرح هذه الوساوس، ولا يسترسل معها، ولا يستسلم لها، حتى لا يعذب نفسه بهذه الأحزان والهموم والغموم، بل يستعين بربه، ويمضي في طريقه، ويقوي توكله، ويضع بين عينيه دائمًا قول النبي ﷺ لصاحبه: «لا تحزن إن الله معنا».
اللقاء الخامس
غزوة تبوك
من الآية 41 إلى آخر السورة
الآيات كلها تتكلم عن غزوة تبوك، فهذه الغزوة استغرقت معظم آيات السورة، وهي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ، وهي من أعظم مغازيه.
سُمّيت بغزوة العُسرة لعدة أسباب:
1- لصعوبة الظرف الذي وقعت فيه: فقد وقعت في قيظ وحر شديد، يصفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: «خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، حتى ظننا أن رقابنا ستقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه»؛ يعني أنهم كانوا ينحرون الإبل ويعصرون كروشها من شدة العطش!
2- كانت في قلة ذات اليد: فالناس كانوا في عُسر وجدب وفقر، وكانوا في قلة ثمار وقلة أموال.
3- كانت ذات سفر بعيد: فالمسافة طويلة بين المدينة وتبوك، ما يقارب مسيرة إحدى وعشرين ليلة، والصحراء قاحلة، والجيش سيُعرِّس ليلًا، بمعنى أنهم سينصبون خيامهم بالليل وينامون، ومن ثم سيكون مشيهم طيلة النهار في هذا الحر الشديد والصحراء القاحلة!
4- كثرة عدد العدو وقوته: وهم الروم ومن معهم من قبائل العرب المتنصرة، فكانت حشود كثيرة تتجهز لغزو المسلمين.
لذلك سُمّيت غزوة العُسرة؛ فالعُسر اكتنفها من كل جانب، وقد بلغ العسر أشده في هذه الغزوة: عسر في الجو، وعسر في المال، وعسر في الأحوال والأوضاع. ومن هذا العسر يتربى المؤمنون على أنه لا بد من اللأواء، ولا بد من الشدة، ولا بد من التمحيص حتى يبلغوا مرادهم ويُمكَّن لهم، وكما قيل: لن تقطف الثمرة حتى تذوق شوكها.
المحور الثاني: ما سبب الغزوة؟
السبب باختصار أن الأنباط، وهم المزارعون الذين كانوا يأتون من بلاد الشام إلى المدينة، أخبروا النبي ﷺ أن الروم قد جمعت جموعها وحشدت حشودها، واستعانت بنصارى العرب، واقتربوا من الجزيرة ليحاربوا المسلمين؛ فاستنفر النبي ﷺ المسلمين استنفارًا عامًا لكل من كان قادرًا على الجهاد والنفير: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41].
أراد عليه الصلاة والسلام أن يبادرهم قبل أن يصلوا إلى جزيرة العرب، وأراد أن يقاتلهم في أرضهم قبل أن يقاتلوه في أرضه.
لما أعلن هذا النفير، انقسم الناس في مجملهم إلى قسمين: مؤمنون ومنافقون؛ فالمؤمنون كانت لهم مواقف، والمنافقون كانت لهم مواقف.
وسنبدأ بذكر بعض من مواقف المؤمنين، ونستل منها الفوائد والدروس والعبر.
لما أعلن النفير العام، لبّى المؤمنون المخلصون النداء، وتسابقوا إلى البذل، وضربوا في ذلك أروع الأمثلة.
جاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، ووضعه بين يدي رسول الله ﷺ، وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بمئتي أوقية، وجاء رجل من الأنصار بتسعين صاعًا من تمر. أما عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد أنفق في هذه الغزوة نفقة افتدى بها نفسه بماله، واشترى الجنة بماله، ولم ينفق أحد أعظم من نفقة عثمان في هذه الغزوة.
صعد النبي ﷺ على المنبر، وحث الناس على الصدقة وعلى تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، عليَّ مائة ناقة بأقتابها وأحلاسها، مائة ناقة جاهزة معدة للغزو. ثم حث النبي ﷺ على تجهيز الجيش، فقام عثمان مرة ثانية وقال: يا رسول الله، عليَّ مائة ناقة بأقتابها وأحلاسها. ثم قام المرة الثالثة فقال: يا رسول الله، عليَّ مائة ناقة بأقتابها وأحلاسها. ثم قام في المرة الرابعة، وجاء بألف دينار وصبها في حجر النبي ﷺ.
أخذ رسول الله ﷺ يقلب المال ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم».
وتأمل كيف أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يستكثرون على الله شيئًا أبدًا، بل كان لديهم استعداد أن يخرجوا من أموالهم وقوافلهم وتجارتهم ونخيلهم وبساتينهم لله عز وجل.
وزنت الذي يبقى بالذي لا يبقى
فلا والله ما اتزنا
هذا هو معنى الحب عندهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وهذه هي شواهد الحب في نظرهم؛ أن تبذل نفسك لله حتى لا يبقى لك منك شيء. لذلك كانوا لا يستكثرون على الله شيئًا، ومن كان الله مقصوده هان عليه كل شيء.
تأمل هذا النموذج الثاني لأهل الإيمان في غزوة تبوك: صحابي فقير لا يملك شيئًا، سمع النبي ﷺ يحث على الصدقة وعلى تجهيز الجيش، فعزّت نفسه أن لا يشارك. فقام ليلة كاملة ينزح الماء من البئر بحبل سميك عريض، أثّر على جلده وعلى رقبته، مقابل ماذا؟ مقابل صاعين من التمر! ينزح الماء طيلة الليل، وفي هذا الحر الشديد الذي كانوا فيه، وعرقه يتساقط، مقابل صاعين من التمر!
إنه أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه. كثير منا لا يعرفه، ولا يضرنا أننا لا نعرفه؛ فإن لله عبادًا أتقياء أنقياء أخفياء، لا يعلمهم إلا الله، ولا يعلمهم الناس، ولا يضرهم عدم علم الناس بهم؛ يكفيهم علم الله بهم.
قسم أبو عقيل الأنصاري الصاعين، فترك صاعًا لأولاده، ثم أخذ الصاع الثاني إلى النبي ﷺ، وقال: ما عندي إلا هذا يا رسول الله، فاقبله مني.
قد نسأل: ما الذي كان يحركهم هذا التحرك العجيب الذي قد تعجز عقولنا أحيانًا عن تصوره؟
إنه الإيمان. فالقلب إذا امتلأ إيمانًا، سيضخ دمًا ممتلئًا بالإيمان، وسيسير العبد إلى ربه سيرًا لا ينقطع في ليله ونهاره.
ومن ذاك إحساس المحب لقلبه … بضرب وتحريك إلى الله دائمًا
وهذا نموذج ثالث من الذين حركهم إيمانهم في غزوة تبوك، وهم البكاؤون.
الذين جاءوا للنبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله، احملنا. فرد عليهم: «ما أجد ما أحملكم عليه». فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92].
كان بإمكانهم أن يلتمسوا العذر لأنفسهم، وأن يقولوا: نحن معذورون، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لكنه الإيمان!
الإيمان الذي يحرك الأغنياء، ويحرك الفقراء. والله إذا أراد بعبده خيرًا أحيا قلبه بهذا الإيمان.
ومن هؤلاء البكائين صحابي يُسمى علبة بن زيد. يا ترى ماذا فعل هذا الصحابي؟
بات ليلته يصلي، ولما انتهى من صلاته قال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه. اللهم إني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض.
أراد أن يشارك وأن يتصدق، وهو لا يملك شيئًا، فتصدق بعِرضه على الناس. فلما أصبح الصباح، اجتمع النبي ﷺ بالصحابة، فقال: أين المتصدق هذه الليلة؟ فلم يقم أحد، وسكت الجميع. فأعادها النبي ﷺ ثانية: أين المتصدق هذه الليلة؟ فقام علبة وقال: أنا يا رسول الله. فقال النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة».
المعاملة مع الله ربح، والمعاملة مع الله ظفر، ومن أحسن الصنيعة مع الله أحسن الله له الأجر والمثوبة. والإنسان لن يربح كربحه إذا تعامل مع الله جل جلاله.
هؤلاء البكاؤون وغيرهم من أهل الأعذار الصادقة، لما انتهت غزوة تبوك ورجع النبي ﷺ إلى المدينة، قال للصحابة في الطريق: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم سيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم». بمعنى أنهم شاركوكم في الأجر. قالوا: يا رسول الله، وهم في المدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر».
هذه الكلمات من رسول الله ﷺ على ماذا تربينا؟ وما الدرس الذي نستفيده كمتدبرين لهذه المواقف وهذه الغزوة؟
أن النيات مطايا تحمل أصحابها؛ قد يبلغ الإنسان بنيته ما لا يبلغ بعمله. هؤلاء خرجوا بأبدانهم، وهؤلاء خرجوا بقلوبهم. صحيح أن الذين خرجوا بأبدانهم وقلوبهم حازوا الفضل كله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن أيضًا الذين خرجوا بقلوبهم وعجزوا أن يخرجوا بأبدانهم لم يُحرموا الفضل، ولم يُحرموا الخير، وإنما أثابهم الله على النية التي قامت في قلوبهم.
لذلك انوِ الخير دائمًا، ولا تبخل على نفسك بنية صالحة، والمهم أن تكون النية صادقة؛ فمدار العمل قائم على الصدق.
يقول ابن سعدي رحمه الله في كتابه المواهب الربانية: «إن من لطيف لطف الله بعبده أن الله تعالى يؤجره على أعمال لم يعملها، بل عزم عليها، فيعزم على قربة من القرب، ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب، فلا يفعلها، فيحصل له أجرها. فانظر كيف لطف الله به، فأوقعها في قلبه، وأدارها في ضميره، وقد علم الله أنه لن يفعلها، سوقًا لبره لعبده وإحسانه له بكل طريق».
انوِ الخير دائمًا، ومن أحسن نيته ومقصوده فسيرى من ربه خيرًا كثيرًا.
نموذج آخر من نماذج أهل الإيمان في غزوة تبوك، وهو موقف أبي ذر رضي الله عنه.
أبو ذر أبطأ به بعيره في غزوة تبوك، وتلوى عليه ولم يتحرك به، والجيش قد مضى وسار في طريقه، وكان الصحابة يتفقدون الجيش ويخبرون النبي ﷺ بمن خرج وبمن تخلف.
فكانوا إذا أخبروه أن فلانًا تخلف، يقول: «إن يكُ به خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه». يقصد أنه قد يكون من المنافقين، فالله كره خروجهم وثبطهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46].
ثقل عليهم العمل، وثقل عليهم الخروج، ووجدوا حبسًا في أنفسهم، وحبسًا في جوارحهم، والمحبوس من حبسه الله عن طاعته. فإذا وجد الإنسان من نفسه ثقلًا أو حبسًا، فليخشَ على نفسه.
نزل أبو ذر عن بعيره، وحمل متاعه على ظهره، وأخذ يمشي في تلك الصحراء، وفي ذلك الرمل الحار، بمفرده، عله أن يلحق بالجيش.
فلما رأى الجيش خيالًا لرجل من بعيد، أخبروا رسول الله ﷺ، فقال: «كُن أبا ذر». تمنى أن يكون أبا ذر؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يحب أصحابه، رفيقًا بهم، شفيقًا عليهم، لا يحب أن يتخلف منهم أحد، ولا أن يوصف أحدهم بالنفاق.
لما اقترب الخيال أكثر، ورأوا أنه أبو ذر، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. ففرح النبي ﷺ بقدومه، ودعا له، وفاز أبو ذر رضي الله عنه باللحاق والصحبة.
ما الدرس الذي نستفيده من هذا الموقف؟
الإنسان أحيانًا تغلبه نفسه، وأحيانًا تتلوى عليه، وقد يقع أو يتلبس بمعصية، وقد تزل قدمه في شيء من أمور الدنيا، من فتور أو كسل، ولكن هناك أناسًا سرعان ما يتداركهم الله برحمته، وسرعان ما ينتشلهم الله مما وقعوا فيه، ويردهم إلى الطريق وإلى النور، ويقفون على أقدامهم رغم أنها انزلقت وتعثرت وهفت، وهذا إن دل فإنما يدل على كرامة هذا العبد على ربه.
وما أكثر ما تتلوى علينا أنفسنا، مثلما تلوى بعير أبي ذر عليه! وكلما عزمنا شغلتنا، وكلما أقدمنا فرت منا، وكلما تقدمنا أخرتنا، ونحن وإياها في مد وجزر، ومجاذبة ومغالبة. ولكن إذا تأمل الإنسان هذه القصص، وأخذ يعيش السيرة ومعانيها وروحها، فإنه يؤمل في ربه كثيرًا، ولا سيما إذا اعترف بذنبه وتقصيره وتفريطه، وأن بضاعته مزجاة، وأن الطريق طويل، وأن نفسه ضعيفة؛ لعله بهذا الاعتراف وهذا الحياء أن يلحق بالصالحين، وأن يتداركه الله برحمته كما تدارك غيره من المؤمنين، ويجعله ممن قال عنهم في سورة التوبة:
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 102].
ومن الأسماء التي لا ينبغي أن يُغفل عنها في غزوة تبوك: ذو البجادين.
اسمه عبد العزى المزني قبل أن يدخل في الإسلام، وهو من قبيلة مزينة، وهي قبيلة بين مكة والمدينة. نشأ هذا الصحابي بين أبوين رحيمين، ولكنهما كانا فقيرين جدًا. مات أبوه، فاجتمع عليه الفقر واليتم معًا، فرقّ الله قلب عمه عليه، فضمه إليه، وكان غنيًا موسرًا، ولم يكن له أبناء، فضمه إليه، وأغدق عليه في المال والعطاء بعد الفقر الشديد الذي كان فيه ابن أخيه.
أصبح هذا اليتيم شابًا، وسمع عن النبي ﷺ، وأوقع الله في قلبه حب الإسلام وحب رسوله، وهذا من التوفيق.
يقول ابن القيم رحمه الله: «نظرت في توفيق الناس، فإذا هو معقود بالمحل». يعني معقود بالقلب؛ فإذا كان قلبك مؤهلًا أتاك التوفيق.
تأمل في لقمان الذي رزقه الله الحكمة، والحكمة رزق كبير ورزق شريف، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. ما هو وصفه؟ لقد كان عبدًا أسود، أفطس، غليظ الشفتين، مشقق القدمين، لا حسب ولا نسب ولا مال ولا جاه؛ فهو في مقاييس أهل الدنيا لا يملك شيئًا، ولكن الله اختاره واصطفاه واجتباه، ورزقه الحكمة!
يُقال في الأثر عن لقمان أنه قال لرجل رآه ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود، فإن قلبي أبيض.
هذا الأثر يوصل لنا: ما هو سبب هذا الاصطفاء؟ إنه القلب. القلب هو محل نظر الله عز وجل. «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».
وهذا هو معنى كلام ابن القيم: «نظرت في توفيق الناس، فإذا هو معقود بالمحل». فمن صفّى باطنه، ونقّى سريرته، وطهّر قلبه، فإن الله سيفيض عليه من المنح والعطايا والمواهب ما لا يخطر له على بال.
لذلك، إن رأيت إنسانًا في الدنيا قد ميّزه الله، وفتح عليه، وبارك فيه وفي علمه، وساد بين الناس وشُرّف وميّزه الله، فاعلم أن العلة كلها تدور في قلب ذلك العبد المرزوق.
ذو البجادين تعلق قلبه بالنبي ﷺ وهو لم يره، وأحب الإسلام فدخله لمجرد السماع عنه، ولكن ما الذي منعه من الهجرة إلى المدينة؟
مراعاةً لعمه الذي ضمه وأنفق عليه ورباه واحتضنه. فظل زمنًا يعرض الإسلام على عمه، فيرفض ويزداد رفضًا، وفي المقابل كان هو يزداد شوقًا إلى رسول الله ﷺ، إلى أن جاء لعمه وقال: يا عماه، إني قد أسلمت، وإني ذاهب إلى المدينة، فإن رأيت أن تأتي معي، وإلا تركتك.
غضب عمه واستشاط غضبًا، وأرعد وأزبد، وبدأ يهدده بالقتل، وأنه سيأخذ منه كل شيء. فقال: افعل ما تريد، فإني قد أسلمت. وبالفعل، جرّده عمه من كل شيء إلا بجادًا، والبجاد: هو الكساء الكبير.
تلفلف ببجاده، وانطلق إلى المدينة، ووصل إليها ليلًا، ودخل مسجد النبي ﷺ، وقد تفتت قلبه شوقًا لرؤيته. وبات ليلته وعيناه على حجرة النبي ﷺ، ينتظر متى يبزغ الفجر وينشق نوره ليرى رسول الله ﷺ.
أذّن بلال لصلاة الفجر، فإذا باب الحجرة يفتح، وها هو رسول الله ﷺ يخرج منه. فلما رآه ذو البجادين، لم يستطع حجب الدموع من عينيه، فأخذ يبكي.
صلى النبي ﷺ بالصحابة، وبعد الصلاة وجد فتى متلفلفًا ببجاده، غريبًا عنهم، فسأله عن اسمه وعن قبيلته. فقال: عبد العزى. قال: بل اسمك عبد الله. ثم قال: «ابق بجواري».
أراد النبي ﷺ أن يكرمه، فلازم ذو البجادين النبي ﷺ إلى أن أتت غزوة تبوك، فطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو له بالشهادة وأن يُقتل في هذه الغزوة، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اعصم دمه من سيوف المشركين». فبهت وقال: يا رسول الله، طلبتك طلبًا، وأنت تدعو بشيء آخر. قال: «أما علمت أن من خرج غازيًا في سبيل الله، فأصابته الحمى فقتلته، فهو شهيد؟ وأما علمت أن من خرج غازيًا في سبيل الله فسقط من دابته، فهو شهيد؟» وكأنه يشير إليه أنه سيُقتل، ولكن ليس بسيوف المشركين، بل بسبب آخر، ويبشره بالشهادة.
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو يقص ليلة وفاته: تحسست فراش رسول الله ﷺ فلم أجده، ثم تحسست فراش أبي بكر فلم أجده، وتحسست فراش عمر فلم أجده، ففزعت. فرأيت نارًا من بعيد، فانطلقت نحوها، فإذا برسول الله ﷺ يحفر قبر عبد الله.
مات ذو البجادين، وأدخله رسول الله ﷺ بيديه إلى القبر، وقال: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارضَ عنه، اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارضَ عنه». قالها ثلاثًا.
يقول ابن مسعود: فتمنيت أن أكون صاحب القبر، حتى أفوز بكل هذا الدعاء، وكل هذا الرضا من النبي ﷺ.
هذا الاسم من الأسماء التي لا ينبغي أن يُغفل عنها في غزوة تبوك.
المنافقون في غزوة تبوك:
غزوة تبوك كان لها أثر واضح جدًا في فضح المنافقين وتعريتهم وكشف أستارهم، ومعلوم أن الشدائد تفضح المعادن، وبالبلاء يميز الله بين الخبيث والطيب، وبين الصادق والمنافق.
إذا جاءت ساعة الكرب والشدة والعسرة، فإن كل إناء بما فيه ينضح؛ التوحيد سيخرج، والنفاق سيخرج. ومن كان معدنه من ذهب، فلا يزيده الإحراق بالنار إلا صلابة وبريقًا ولمعانًا وجودة وثباتًا، وهؤلاء هم المؤمنون. ومن كان معدنه مغشوشًا، فلا يزيده الإحراق بالنار إلا احتراقًا ودخانًا وسوادًا، وهؤلاء هم المنافقون.
فلما أعلن النفير العام والخروج لجهاد الروم:
1- قال قوم من المنافقين: لا تنفروا في الحر، إعراضًا عن الجهاد وكرهًا للخروج في سبيل الله، ففضحهم الله بقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 81].
2- ومنهم من أخذ يروّج الإشاعات من باب تخويف المؤمنين وزرع الخوف والتردد في نفوسهم، فيقولون: أتحسبون أن قتال بني الأصفر كقتال العرب؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال! أتظنون أنكم قادرون على فتح قصور الروم وحصونها؟ هيهات هيهات! وكل هذا من الإرجاف والتثبيط وبث روح الهزيمة في قلوب المسلمين.
فأطلع الله نبيه ﷺ على كلامهم وفضحهم، فأنكروا وقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65].
3- ومنهم من أتوا إلى رسول الله ﷺ يعتذرون، ويحلفون أنهم أصحاب أعذار حقيقية وأسباب وجيهة، ولا يستطيعون الخروج، ويحلفون بالله على حب الشريعة والدين، وعلى حب الجهاد والخروج في سبيل الله. فأذن لهم رسول الله ﷺ، لكن الله فضحهم، فقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ۖ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42].
كشف الله كذبهم، وأنهم ليسوا منكم، ولا يريدون الخروج معكم، بل هم جبناء كاذبون، قال تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57]. ليس عندهم إلا الخوف والانسحاب واختلاق الأعذار الواهية، ولو وجدوا كهوفًا أو مغارات أو حصونًا يتحصنون بها، أو أنفاقًا وسراديب مظلمة يختبئون فيها، لكانت أحب إليهم من الخروج معكم.
والكذب هو حجر الأساس في النفاق. فالمنافق إنسان لا يتورع عن الكذب مطلقًا، بل يمارسه على كل المستويات: كذب على الله عز وجل، وكذب مع الناس، وكذب مع نفسه، وكذب في المعاملات، وكذب في الوعود، وكذب في نقل الأخبار.
وهذا مما يجعل المسلم، وكل إنسان حسيب نفسه، إذا رأى من نفسه زللًا في لسانه، وعدم دقة في الكلام، أو عجلة في نقل الأخبار، أو تحديثًا بكل ما سمع، أو تملصًا من الوعود، وسهولة في الخروج من المواقف المحرجة بأي كلمة وأي تبرير، فإن وجد في نفسه شيئًا من هذه الأمور، فليخشَ على نفسه من النفاق، وأن يكون قد ابتُلي بخصلة من خصال النفاق، وهي الكذب.
قال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، وزاد مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».
4- ومن المنافقين من جاء يعتذر عن الخروج بحجة أنه قد يُفتن بنساء الروم ولا يصبر عنهن، وقال: أعلم قومي أني أشد الناس إعجابًا بنساء بني الأصفر، وأخاف أن أفتتن. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 49].
ففضحه الله، وحكم عليه بالسقوط في فتنة النفاق، وهي أشد جرمًا من فتنته بالنساء، وهو الجد بن قيس.
5- ومن المنافقين أيضًا من كان يؤذي النبي ﷺ، ويقول: هو أُذُن، أي إنه يسمع كل شيء، ويتقبل كل شيء، ويصدق أي كلام يقال له، ولا يتبين الصادق من غيره، وكل ذلك للتقليل من شأنه عليه الصلاة والسلام والقدح فيه.
فأنزل الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: 61]. أي أنه أُذُن خير؛ يستمع للحق، ولا يستمع للكذب والشائعات والغيبة والنميمة والباطل.
فهو من أكمل الناس عقلًا، وأثقبهم بصيرة ورأيًا، وهو سيد الخلق، وتوعّد الله كل من آذى رسوله بالعذاب، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
6- طائفة أخرى من المنافقين، وهم من يلمز ويسخر ويعيب، سواء في النبي ﷺ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 58]، أو يلمزون المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79].
إذا أنفق الغني قالوا: رياء وسمعة وشهرة أمام الناس، وإذا أنفق الفقير قالوا: الله غني عنك وعن صدقتك.
ليس عندهم إلا اللمز والهمز والسخرية والطعن، والهمز واللمز من كبائر الذنوب؛ فأعراض المسلمين ليست هيّنة، بل هي حفرة من حفر النار، بل ما وُصفت النار بستة أوصاف عظيمة إلا لمن أطلق لسانه في الناس، يهمز ويلمز ويعيب ويسخر: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1].
ما هي أوصاف النار؟
وصفها الله بستة أوصاف:
أولًا: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾.
نار الحُطمة: تحطم كل شيء وتهشم كل شيء يقع فيها.
ثانيًا: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾.
هذه النار لم يوقدها بشر أو مخلوق، وإنما أوقدها الله، وكفى بهذا ردعًا وزجرًا وتخويفًا لمن كان له قلب. وهي نار الله الموقدة، بمعنى أنها مشتعلة، جاهزة معدة، وكل يوم تزداد لهيبًا واتقادًا واشتعالًا.
ثالثًا: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾.
هذه النار ستخترق اللحم والعصب والعظم والجلد حتى تصل إلى عمق الفؤاد والقلب، فتخيل مقدار الألم.
رابعًا: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾.
مغلقة تمامًا ومحكمة، ليس فيها منفذ ولا تهوية.
خامسًا: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾.
هذه الأعمدة مشتعلة نارًا، والهماز اللماز الطعان العياب مربوط فيها بسلاسل، ظهره ملتصق بهذه الأعمدة، والأبواب مغلقة، والنار تلفح وجهه وتخترق عمق فؤاده، فلك أن تتصور كيف سينصهر هذا الإنسان، وكيف سيحترق ويذوب.
لذلك من أسعد الناس وأكثرهم تقوى من سلِم الناس من لسانه، وعاش معافىً من أذاه.
7- ومن منافقي الأعراب الذين قالوا للنبي ﷺ: إن لنا عيالًا، وإن بنا جهدًا، فأذن لنا. ومنهم من قال: إنا إن غزونا معك أغاروا على نسائنا وأولادنا وأنعامنا. فقال لهم رسول الله ﷺ: «قد أنبأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم».
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 90].
لماذا ذكر الله عز وجل في الآيات أن الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا؟
قال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 97].
لما فيهم من الغلظة والجفاء والقسوة، ولما كان فيهم من الجهل والتعصب لآرائهم، وجهلهم حقيقة الإسلام. إلا أنه في المقابل نرى طائفة منهم، وأثنى الله عليهم، وأثبت لهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99].
نزلت هذه الآيات في قبائل من الأعراب، ومنهم قبيلة مزينة، فقيل إنها نزلت في النعمان بن مقرن المزني، وكان سيدًا في قومه. سمع عن النبي ﷺ، ووقع الإيمان في قلبه، فجمع قومه، وكان له عشرة إخوة، فقال لهم: إلى متى الناس تسبقنا إلى محمد ونحن هاهنا بعد؟ إني قد عزمت أن آتيه صباحًا، فمن أراد أن يأتي معي فليأت.
كان في قرارة نفسه يتمنى أن يُسلم إخوته العشرة ويذهبون معه. فلما أصبح الصباح وخرج من باب بيته، فإذا بإخوانه ينتظرونه، ومعهم أربعمائة فارس على خيولهم، كلهم يريدون أن يذهبوا معه ويسلموا بين يدي رسول الله ﷺ.
الإخلاص له بركته، والإخلاص يزيد العمل وينميه، والقليل مع الإخلاص يصبح كثيرًا، والإنسان إذا تكلم ولا يريد بكلامه إلا الله، بارك الله في كلامه ونفع به، وهذا ما حصل مع النعمان بن مقرن رضي الله عنه.
فرح واستبشر بهذا العدد، لكنه فكر: كيف يدخل على رسول الله ﷺ وليس معه شيء يهديه؟ وكانت مزينة قد أصابها مجاعة وقحط آنذاك. فانطلق إلى بيته وبيوت إخوانه العشرة، وجمع ما كان موجودًا، فكانت غنيمات قليلات ساقها بين يديه، وذهب إلى رسول الله ﷺ.
فلما وصل، أعلن إسلامه، ثم أعلن إخوته العشرة إسلامهم، ثم أعلن الأربعمائة فارس إسلامهم، فضجت المدينة من أقصاها إلى أقصاها. وفد مبارك، سعد رسول الله ﷺ بقدومه وإسلام أهله.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن للنفاق بيوتًا، وللإيمان بيوتًا، وبيت بني مقرن من بيوت الإيمان». وهم الذين نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99].
حتى تلك الغنيمات التي قدموها قبلها الله منهم، وجاءتهم البشرى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 99].
8- ومنهم طائفة عمدت إلى بناء مسجد يضارون به مسجد قباء، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ١٠٧ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 107-108].
أرادوا أن يُلبسوه لباسًا شرعيًا، فقالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، ولليلة المطيرة، ونريد أن تصلي فيه وتدعو لنا. فرد عليهم أنه على سفر، فإذا عاد صلى فيه. فلما رجع وأراد أن يصلي فيه، نزلت الآيات، وفضحت نفاقهم، وبيّنت مقاصدهم وسوء نيتهم في بناء هذا المسجد: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
إذا كانت نيتهم في بناء هذا المسجد الإضرار بالمسلمين، وتفريق كلمتهم، ومحاربتهم، وصدهم عن سبيل الله، فضحهم الله وكشف خبث طويتهم وسريرتهم. فما بُني على فاسد فهو فاسد؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، فأمر الرسول ﷺ بإحراقه وهدمه.
ومن بنى أعماله وتصرفاته في هذه الدنيا على النفاق والزيف والخداع والمكر والكذب، فإن نهايته السقوط لا محالة، كما جاء في الآيات: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109].
فالإنسان الذي يبني بيتًا على طرف الوادي، لا شك ولا ريب أنه سينهار ويسقط.
ما الدرس التربوي الذي نأخذه من آيات النفاق؟
الله عز وجل لما خاطبنا بآيات النفاق، لم يخاطب الكفار فقط أو المنافقين فقط، بل خاطبنا جميعًا. والمؤمن إذا مرت عليه آيات النفاق وصفات المنافقين، فإنه يفزع إلى إيمانه، ويتفقد نفسه، ويفتشها، فلا يظن ظان أنه سالم من النفاق تمامًا، فيطمئن ويضمن ويركن، وكأن معه شهادة مختومًا عليها أنه سيموت على الإيمان!
نعم، نحن قد نسلم من النفاق العقدي، أما صفاته وأخلاقه فقد نتخلق بها وتسري فينا سريانًا.
قال الحسن رحمه الله عن النفاق: «ما أمِنَه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن».
وأحد السلف يقول: «ما عرضت نفسي على صفات المنافقين إلا ووجدتني من الراسخين في النفاق».
وقال ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
نعوذ بالله من النفاق، صغيره وكبيره، ونعوذ بالله من النفاق وأهله وصفاتهم.
اللقاء السادس
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١١١ الثَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ١١٢﴾ [التوبة: 111-112].
هذه الآية كنز من كنوز القرآن، بدأت بحرف التوكيد (إن)، ويقول أهل اللغة: إن دخول «إن» على الكلام ينبه السامع إلى أمر مهم، وكأن المعنى: أيها القارئ، ويا أيها السامع، هناك شيء عظيم، فإن كنت من ذوي الألباب والأفهام والعقول فلا يفوتك، أما إن كنت غير ذلك فإن الأمر قد تعداك.
تتحدث الآية عن أعظم بيعة، وعن أعظم صفقة حصلت على وجه الأرض؛ فلا توجد صفقة أعظم ولا أشرف ولا أجل منها، إنها صفقة بين الله وبين المؤمنين.
البائع في هذه الصفقة هو المؤمن، والمشتري هو الله تبارك وتعالى، والسلعة أن تقدم نفسك ومالك، أما الثمن فهو الجنة، وما أعظمه من ثمن!
قال قتادة رحمه الله: «ثامنهم الله وأغلى لهم الثمن». فالجنة ليست رخيصة، بل هي سلعة الله، وسلعة الله غالية. والمؤمنون ما صبروا في هذه الدنيا وصابروا وجاهدوا، وهجروا ما هجروا، وتركوا ما تركوا، وتحمل الواحد منهم ألم الغربة، أعني غربة الدين، إلا من أجل أن يقال لهم في نهاية الطريق: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49].
قانون المعاوضة. أيضًا هذه الآية، كما يقول بعض المفسرين، تؤصل قانونًا من قوانين الحياة التي تقوم عليها شؤون الكون، ألا وهو قانون المعاوضة: إذا أردت أن تأخذ فلا بد أن تعطي، وإذا أردت أن تربح فلا بد أن تدفع، وإذا أردت أن تصل فلا بد أن تعمل: «الغُنْم بالغُرْم».
والغُنْم من الغنيمة، وهو ما يغنمه الإنسان ويكسبه ويربحه ويظفر به، والغُرْم هو ما يتكلفه الإنسان ويخسره ويبذله ويدفعه.
فكلما غَرِمت فسوف تَغنم؛ لأن كل شيء في هذه الحياة له ثمن: الفضائل لها ثمن، والنجاح له ثمن، والعلم له ثمن، والجنة لها ثمن.
انظر في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ٣ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ٤ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ٧ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ٨ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩﴾ [المؤمنون: 1-9].
كل هذه أعمال تحتاج إلى تعب وزمن ومجاهدة وحزم وعزم؛ إذًا هي غُرم، ولكن في النهاية ما الثمن الذي سيقبضونه؟ وما الغُنم؟
قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ١٠ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١١﴾ [المؤمنون: 10-11].
ويقول الله تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16]. فالمجافاة، وترك المضجع، وترك الفراش، وترك النوم أمر في غاية الصعوبة، ولكن الغُنم الذي ينتظرهم غُنم في غاية اللذة، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].
والاستشهادات على هذه القاعدة كثيرة في كتاب الله. إنه قانون المعاوضة الذي نفهم منه أن السير إلى الله ليس بالتمني والتشهي والكلام، إنما السير إلى الله عمل.
ثم تأتي الآية التي تليها، وكأنها تقول: يا أيها المشتاقون للجنة، ويا من عندكم استعداد أن تغرموا من أجل أن تغنموا، هذه الأعمال والمعابر والجسور فدونكم، فاعملوا:
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 112].
أول صفة من صفاتهم: التوبة.
التوبة هي بداية الطريق، وهي بداية الرحلة إلى الله تعالى. أنت لن تبدأ الطريق وتدخل في هذه البيعة إلا إذا تبت، وليست التوبة مجرد الاستغفار، وإنما هي الترك والإقلاع والرجوع والخروج مما تلبست به من الذنوب، كبيرها وصغيرها.
وكلنا محتاج إلى التوبة بلا استثناء؛ مهما كنت تقيًّا، ومهما كنت ورعًا، ولو كنت من أعبد الناس وأحرص الناس، فلا بد أن يحصل شيء من الخلل والتقصير والتفريط والزلات. والمؤمن خُلِقَ مُفَتَّنًا توابًا؛ يُذنب ويضعف ويبتعد وتزل قدمه، وكل ابن آدم خطّاء.
وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الذنب للعبد حتم لازم». فالذنب مدرك الإنسان لا محالة، ومداخل الذنوب كثيرة لا حصر لها، ولو لم يكن من ذنوبنا إلا قلوبنا المعوجة لكفتنا.
إذا كانت التوبة هي بداية الطريق، والكل مخاطب بالتوبة، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
العابدون.
هم الملازمون للعبادة، لا ينفكون عنها، فهم يتقربون إلى الله من باب العبودية. وأنت إذا أردت أن تبني نفسك بناءً تعبديًا، فتأمل هذه المفاتيح السبعة، وهي بمثابة إشارات لك في طريق العبادة، ومن ثم يفتح الله على من يشاء من عباده.
كيف تبني نفسك بناءً تعبديًا؟
الاستعانة.
إحسان العبادة.
عبادة الليل.
التنوع.
إذا لاح لك برق طاعة فاستثمره.
قيمة الوقت.
العبادة المتواترة.
الاستعانة.
لن تكون عابدًا إلا إذا استعنت بالله.
من أين أرضيك إن لم توفقني
هيهات هيهات ما التوفيق من قبلي
لا يمكن للإنسان أن يعبد الله إلا إذا استعان بالله. فالبداية الحقيقية التي ينطلق منها الإنسان للعبادة، أو لأي عمل، دنيويًا كان أم أخرويًا، تبدأ من الاستعانة. وهذا الأصل الكبير رسخه رسول الله ﷺ بقوله: «إذا استعنت فاستعن بالله».
فإذا أردت أن تكون عابدًا، فاجعل قلبك دائمًا معلَّقًا بطلب العون من الله، وإذا علم الله صدقك أعانك ووفقك.
قيمة الوقت:
إذا أردت أن تكون عابدًا، أو في مصاف العباد، فكن شحيحًا بوقتك.
بعض الناس تجد عنده كرمًا عجيبًا في وقته، يصرفه في أي شيء ومع أي أحد، فتجده في سفريات وسهرات واستراحات وأسواق وقنوات واتصالات ومباريات وقيل وقال، والشيطان لا يدعه ولا للحظة. فالشيطان يحضر ابن آدم في كل شأنه، وقعد لابن آدم بأطرقه، وبالتالي ماذا ستكون النتيجة؟
ينفرط عليه أمره كما تنفرط حبات المسبحة، حبة تلو الأخرى، وتتساقط تباعًا، حتى لا يبقى في يده إلا خيط دقيق رفيع لا يساوي شيئًا. وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
نعوذ بالله من الخذلان؛ فإن إهدار الوقت من المقت، والنبي ﷺ يقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
يقول ابن القيم رحمه الله: إن من علامة رضا الله عن العبد أن يوفقه لحفظ وقته، ومن علامة سخط الله عليه أن يناكده في وقته، فيضيع منه ويتفلت، ولا ينتفع به.
أحسن في عبادتك.
أجرك على قدر إحسانك، والإحسان هو إتقان العبادة وإتمامها مع حضور القلب فيها. وكلما كان إحسانك في العبادة تامًّا كان أجرك تامًّا، وكلما نقص إحسانك نقص أجرك. والمقصود أن لا تبني عبادتك على الغش، ولا تبنيها على مجرد الأداء وحركة الجسد، ثم تدخل إلى العبادة وتخرج منها ولم تحرك شيئًا في داخلك، ولم تؤثر في قلبك ولا إيمانك. فهذا ليس إحسانًا، بل مجرد أداء للعبادة.
من أراد أن يكون من العابدين، فلا بد أن تبقى قضية إحسان العبادة حاضرة في ذهنه؛ فإذا صلى صلى بصدق، وإذا صام صام بصدق، وإذا بر والديه برهما بصدق، وإذا أدخل السرور على مسلم أدخله بصدق. هذا هو الإتقان والإحسان، وأنت كلما استصحبت معك هذا الإحسان ارتقيت في درجات العبادة، وذقت لذة العبادة؛ لأن المحسنين هم من يعبدون الله كأنهم يتخيلون الله بين أعينهم.
وعندما عرّف رسول الله ﷺ الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
نعم، قد يكون تحقيق الإحسان وحضور القلب ولَمْلَمَة القلب في العبادة في كل أوقاتها فيه من التعب والمشقة ما فيه، ولكن من المعلوم أن من أتعب نفسه لله فإن الله يريحه. ويكفي أهل الإحسان أن الله وعدهم، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
اللهم إنا نسألك من فضلك.
العبادة المتواترة.
لن تكون عابدًا إلا إذا كنت صاحب عبادة متواترة، متلاحقة، دائمة. وهذه هي سنة رسولنا ﷺ؛ كان عمله دِيمة، وكان إذا عمل عملًا أثبته، حتى ولو كان العمل قليلًا، والمهم ألا ينقطع.
قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
هذا الانقطاع، ماذا يفعل بك؟ يجعلك تضعف في إيمانك، وتتقهقر وتتراجع، ويدخل عليك الملل والفتور، والملل من أعظم الأمراض التي تصيب القلب.
قال أحد العلماء لتلميذ من تلاميذه يوصيه: يا بني، إن مثلي ومثلك يقوم ليلة وينام ليلتين، ويصوم يومًا ويفطر يومين، ليس على مثل هذا تصلح القلوب.
فأكثر ما يصلح القلوب العبادة المستمرة المتلاحقة؛ لأن هذه العبادة تلين الجسم وترطبه وتعوده، وكما يقال: المواظبة والتكرار تورث الاعتياد.
ويكفي أن تعقل المثل الذي ضربه الله في سورة البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265].
هذا المثل، باختصار، يريد أن يقول لك: يا مؤمن، إذا لم تقدر على زرع الوابل، فلا تدع زرع الطل؛ بمعنى: إذا لم تستطع على كثير العمل، فاثبت وداوم على القليل، والمهم ألا تنقطع.
عبادة الليل.
لن يكتمل البناء التعبدي إلا إذا كان لك من الليل حظ ونصيب.
الأصل في النهار أنه للكسب والكد والمعيشة، والأصل في الليل أنه للقرآن.
لما أنزل الله القرآن أنزله بالليل، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. ولما أمر نبيه بالقيام، أمره بقيام الليل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2].
والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى بالليل، فقال: «استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلجة»، والدُّلجة هي السير بالليل.
وكما أن السير الحسي يختلف فيه سير النهار عن سير الليل، فإن السير المعنوي أيضًا يختلف. فأعمال الليل هي التي تقربك، وهي التي تدنيك. أعمال الليل فيها مجافاة للفرش وترك للذات، وفيها بكاء ومناجاة وخفاء وإخلاص، وهذا من أكثر ما يثقل الميزان.
مدح الله عز وجل أهل الليل وعباد الليل، فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].
نعم، لا يستوون: ليس من قام كمن لم يقم، وليس من صفَّ قدميه بين يدي ربه كمن كان نائمًا طيلة الليل في فراشه، لا يستوون. ونفي الاستواء هو أبلغ طرق التفضيل.
الملائكة تتسابق إلى البيت الذي فيه قائم يصلي بالليل ويقرأ القرآن. ويتناثر عليه البر من عنان السماء حتى مفرق رأسه، وتهبط الملائكة لتستمع إلى قراءته وتؤمِّن على دعائه، ثم إذا انصرف قالت: نم قرير العين مسرورًا. فلا تحرم نفسك أن تكون من أهل الليل.
إذا لاح لك برق طاعة فاستثمره وشمِّر إليه.
إذا هبَّت رياحك فاغتنمها
فبعد كل خافقة سكون
إذا وجدت في نفسك إقبالًا وعزمًا ونشاطًا، فاستغل الفرصة مباشرة؛ لأن هذه العزائم فيض من عطاء الله لك. فإذا لم تأخذ نفسك بالحزم والعزم وتراخيت، فالنفس بطبعها شرود، والعزائم تتفلت، ويفوت عليك خير كثير. وبالمثال يتضح المقال.
فإذا سمعت عن أجر من صلى ركعتين بخشوع، وأن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه، غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وفي رواية: «إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه»، فهذا عمل يسير، مجرد ركعتين، لم يشترط فيهما رسول الله ﷺ زمنًا معينًا ولا قراءة معينة، وإنما اشترط شرطًا واحدًا: ألا يُحدِّث نفسه فيهما.
يحاول قدر المستطاع أن يفرغ قلبه من كل شاردة وواردة، ويضع أمام عينيه هذا الأجر، ويحرص بجد وعزم وصدق على أن يعمل هذا العمل، ولو لمرة واحدة في حياته.
التنوع في العبادة.
وهذا أنشط للنفس وأنفع وأدوم، والعاقل يجعل له سهمًا في كل باب من أبواب الخير، وهي كثيرة والحمد لله، وهذا من رحمة الله بنا. فالذي لا يستطيع أن يدخل من باب يدخل من الآخر. والمهم أن يعلم أن الآخرة دار لا تصلح للمفَاليس، ولا تصلح لمن بضاعتهم مزجاة، وإنما هي دار تحتاج إلى عمل وإلى عبادة.
وفقني الله وإياكم لكل خير.
الحامدون:
وهم الذين يحمدون الله على كل حال، في السراء وفي الضراء، الحمد ديدنهم، والحمد يجري على ألسنتهم. وهذا الحمد بحد ذاته عبادة، توافرت النصوص الشريفة على فضلها.
فقد جاء عن رسول الله ﷺ قوله: «والحمد لله تملأ الميزان»، وعنه أيضًا: «أفضل الدعاء الحمد لله»، وقوله: «وما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة».
وليس المقصود بالحمد فقط حمد اللسان، بل يجمع معه حمد القلب؛ وهو أن الحمد قد استقر في قلوبهم، وما استقر في قلوبهم إلا لأنهم علموا أنهم عبيد له، يتقلبون وسط تدابير الله بهم، وأن هذه الدنيا لم ولن تصفو لأحد.
طُبعت على كدر وأنت تريدها … صفوًا من الأقذاء والأكدار
والنبي ﷺ شبَّه المؤمن في هذه الدنيا مثل الزرع. انظر في هذا الحديث وتأمله، يقول عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أَتَتْها الريح كفأتها».
فالمؤمن مثل الزرع الخفيف الضعيف الذي تقلبه الريح يمنة ويسرة، والريح هي بلايا الدنيا وفجائعها ومصائبها ونكباتها. وما زال المؤمن يتقلب في هذه الأقدار صعودًا وهبوطًا، ولكن ما هو موقفه منها؟ إنه مثل الزرع؛ كما أن الزرع يتمايل مع الريح يمينًا وشمالًا، فهكذا المؤمن يمشي مع البلاء كيفما مشى به، يلين له، كلما أداره استدار معه. وكما تقول العرب: إذا رأيت الأمر غالبًا فأخضع له، تطامن له. لماذا؟ لأن العاقبة ستكون لك، وحسن العافية من هذا البلاء سيكون لك.
أهم ما في هذا الحمد أن نحمد الله ونحن راضون عن أقدار الله فينا، كيفما قلبتنا: خسرنا، منعنا، حُرمنا، مرضنا، فقدنا... ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
ليس أمامنا إلا أن نعامل الله بالصبر على هذه الأقدار، ونحن نؤمل أن الصابرين يوم القيامة ليس يُوزن لهم ولا يُكال لهم، وإنما يُغرف لهم من الأجور غرفًا. وأن لحظات الابتلاء هذه، كلما اشتدت واشتدت، وضاقت، وعانينا من ألمها ومرها وعسرها وسهرها ودموعها، فإنها من أعظم اللحظات التي تنزل فيها الرحمات. كم غفر الله فيها من ذنب؟ وكم رفع الله فيها من درجة؟ وكم أصلح الله بها من قلب؟ وكم محا الله بها من خطيئة؟
فإذا أردت أن تكون من أهل البيعة، فكن من الحامدين، ولن يضيعك الله.
السائحون.
تطلق على ثلاثة معانٍ:
السائح هو الصائم، والسائح هو المجاهد، والسائح هو من خرج في طلب العلم والدعوة إلى الله. كل هؤلاء سائحون، وكلها أعمال جليلة وعبادات عظيمة، يستحق أهلها أن يكونوا من أهل البيعة. وإن كان جمهور المفسرين على أن المقصود بهم هم الصائمون.
ولا يخفى عليك فضل الصيام وأجره وثوابه، ويكفي...
قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». فاستأثر الله بأجر الصيام، فمن يقدّر قدره إذا كان الله قد استأثر به؟
الراكعون الساجدون.
وهم المصلون. ومن المعلوم أن الصلاة أهم قضية بعد التوحيد، وهي رأس العبادات كلها، وهي المفتاح الذي يستمطر به العبد توفيق الله، فهي الحبل الممدود بين العبد وربه، وهي من أكبر الحسنات الماحية.
قال ﷺ: «إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة».
الله الله في صلاتك؛ إذا أفلحت فيها أفلحت في سائر عملك، ومن حَسُن وقوفه في صلاته حَسُن وقوفه بين يدي ربه.
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
لم يكتفوا أن يكونوا صالحين في أنفسهم، بل كانوا مصلحين لغيرهم أيضًا. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة من شعائر الله، ومن أجلِّ القربات إلى الله، ونحن ما حصلنا خيريتنا وسيادتنا وريادتنا على الأمم إلا لما أقمنا هذه الشعيرة. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
وهي من أعظم القربات التي تستنزل بها رحمات الله على الناس، يقول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
فالولاية الحقيقية بينك وبين أخيك أن تأخذ بيده، وأن تردعه عن الظلم، وأن تدعوه إلى الله، وأن تنقذه من النار. لذلك أجر المصلحين أكبر وأعظم من أجر الصالح الذي اقتصر صلاحه على نفسه؛ لأنهم يأخذون أجورهم وأجور من نصحوهم وأرشدوهم، وكانوا سببًا في هدايتهم.
الحافظون لحدود الله.
حدود الله تشمل الدين كله، وتشمل حقوق الله وحقوق العباد، وكل هذه الحقوق أمانات يجب ألا تضيع. وكلما حفظ الإنسان حقوق الله وأوامره ودينه كان في حفظ الله، ومن كان في حفظ الله فقد حاز الخير كله.
«احفظ الله يحفظك».
المقطع السابع
قصة كعب بن مالك وصاحبيه
قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١١٧ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ١١٨ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة: 117-119].
لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة، جاءه المعذِّرون وطفقوا يعتذرون. كان أكثرهم منافقين، وقليل منهم مؤمنون. وثلاثة من المؤمنين خانهم موقفهم، وغلبتهم أنفسهم، فتخلفوا عن الخروج إلى تبوك كسلًا وتقصيرًا، دون نفاق، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.
فلما وجدوا أنفسهم بين أهليهم ينعمون بالراحة، ورسول الله ﷺ في المشقة والحر الشديد، استيقظ الإيمان في قلوبهم، وعلموا أنهم ارتكبوا إثمًا عظيمًا، وندموا أشد الندم.
وها هو كعب بن مالك يحكي قصة تخلفه عن غزوة تبوك، يقول رضي الله عنه:
«وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني».
ومعنى كلامه: أنني لم أكن مستعدًّا للقتال في يوم من الأيام، ولا في غزوة من الغزوات، كاستعدادي في هذه الغزوة؛ فقد كنت قادرًا، قويًّا، موسرًا.
قال: «فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد».
يعني: كانت نفسه تحدثه بالغزو، فيذهب ليجهز نفسه ليذهب معهم، ثم يقوم الشيطان بتثبيطه، ويمد له حبل الأماني: غدًا تجهز راحلتك، غدًا تجهز نفسك، ما زال هناك متسع من الوقت، وغدًا وغدًا... وتكرر هذا منه مرارًا، حتى جدَّ المسلمون بالذهاب إلى تبوك.
قال: «فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو».
يعني: خرج رسول الله ﷺ والمسلمون إلى تبوك وارتحلوا، وأنا لم أجهز نفسي، ففاته الخروج معهم.
وفي هذا إشارة للعاقل: خذ أمرك بالعزيمة، ولا تتراخَ ولا تتوانَ ولا تُسوِّف، حتى لا يحول الله بينك وبين الطاعة.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من غزوته، وقفل راجعًا إلى المدينة هو وأصحابه، يقول كعب: «حضرني بثِّي»، يعني: ازداد همي وحزني، وكيف أقابل رسول الله ﷺ؟ وماذا أقول له؟ وبأي عذر أعتذر إليه؟
قال: «فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بمَ أخرج من سخطه غدًا؟» يعني: هل أكذب عليه حتى لا يغضب عليَّ، وأخرج من سخطه؟ ولكنه أجمع أمره على الصدق، فقال: «حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت على صدقه».
فلما وصل النبي ﷺ المدينة، وجلس للناس، جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، وأوكل سرائرهم إلى الله، وقال لهم: «إذا كنتم على غير ما حلفتم، فإن الله يتولى أمركم». وهذا فيه تهديد رهيب لهم.
ثم جاءه كعب بن مالك، فدخل عليه، يقول: «فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» أي: ما الذي حملك على أن تتخلف عن الغزوة؟ ألم تكن يا كعب قد اشتريت فرسًا؟
قال: «يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلًا، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد فيه تغضب مني الآن، إني لأرجو عقبى الله. والله ما كان لي عذر يا رسول الله».
فقال النبي ﷺ: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك».
قام كعب من عند رسول الله ﷺ، فثار عليه قومه من بني سلمة، وقالوا: «والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر به إليه المتخلفون، فقد كان يكفيك من ذنبك استغفار رسول الله لك».
يعني: لو اعتذرت وحلفت أنه ما خلفك إلا العذر، حتى وإن كنت كاذبًا في هذا اليمين، فإن الله يغفره لك باستغفار النبي ﷺ.
قال: «فوالله ما زالوا يؤنبونني»؛ أي: يلومونني، «حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي».
لكنه ثبت على صدقه وموقفه، لا سيما حين علم بموقف هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة، وهما من أهل بدر، ويُشار إليهما بالصلاح والتقوى، وقد صدقا مع رسول الله ﷺ، وأقرا أنهما لم يتخلفا لعذر؛ فثبت كما ثبت صاحباه.
صدر الأمر من رسول الله ﷺ للمسلمين بمقاطعة هؤلاء الثلاثة، وألا يتحدثوا معهم. يقول كعب:
«فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي والأرض».
وانظر وتأمل في كلام كعب، وكيف أثرت تلك المقاطعة في نفسه، حتى ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت.
يقول: «فأما صاحباي فاستكانا»، أي: قعدا في بيوتهما يبكيان، «وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأُسارقه النظر».
كان يتمنى أن يرى شفتي النبي ﷺ تتحركان برد السلام عليه، ويتمنى كلمة واحدة من رسول الله ﷺ، بل نظرة واحدة منه؛ ليرتاح قلبه، ويخف ألمه، وتطيب نفسه.
قال: «حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام. فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم».
قال كعب: «ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار».
بكى كعب وفاضت دموعه، ورجع من حيث أتى. وقد كانت هذه ضربة قاسية مؤلمة موجعة لكعب، أتته من أحب الناس إليه، ومن أقرب الناس إليه وأعرفهم به، وبدينه، وبحبه لرسول الله ﷺ، ومع ذلك قال له: «الله ورسوله أعلم».
رجع كعب بحزنه ودموعه، ونفسه التي ضاقت عليه حتى خنقته، فإذا هو بابتلاء آخر ينتظره.
وإذا بنبطي، أي: مزارع من نبط أهل الشام، يسأل عن كعب بن مالك ليسلّمه رسالة مرسلة من ملك غسان، مكتوب فيها: «بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك». أي: تعال إلينا، فإنك لست في أرض هوان ولا ضياع، بل أنت معزز مكرم.
وانظر إلى هذا العرض السخي المغري الذي يأتيه من ملك من الملوك، وليس من رجل عادي، وإنما من ملك، ووعود الملوك دائمًا تغري وتستميل، ويأتيه هذا العرض في فترة ضعف وحزن وجفاء ومقاطعة ممن حوله، وهو بشر قد تضعف نفسه.
قال كعب: «فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها بها».
المؤمن يعلم أن هذه القلوب تميل وتتقلب، وليس عنده ضمان أن يبقى قلبه ثابتًا قويًّا صلبًا أمام الفتنة؛ لذلك أحرق كعب هذه الرسالة التي أتته مباشرة.
وفي هذا لفتة تربوية مهمة: إذا تعرضت لفتنة أو معصية أو شهوة، واصطدمت بها أو عُرضت عليك، فكن سريعًا في الرفض، سريعًا في التخلص منها، ولا تتردد، ولا تعطِ نفسك أدنى وقت للتفكير فيها، بل تخلَّص منها مباشرة حتى لا يسقط قلبك في غمارها؛ فأنت ضعيف، واعترف بضعفك.
حتى إذا مضت أربعون ليلة على هذه المقاطعة، أرسل إليهم رسول الله ﷺ بأن يعتزلوا نساءهم.
قال كعب: «فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر». فلبثت بذلك عشر ليالٍ.
يعني: بلا زوجة، ولا كلام، ولا أنيس!
ومن سنة الله في تربية عباده الصالحين أن الله يبتليهم ويضيّق عليهم في البلاء، فإذا نجح الواحد منهم ابتُلي بابتلاء أكبر من الأول، وتضيق عليه الأمور أكثر وأكثر؛ لأن البلاء قرين الفضل، وكلما كان الإنسان أكثر صلاحًا وإيمانًا وتقوى، شدّد عليه البلاء حتى ترتفع منزلته وترتفع درجته.
فالله إذا أراد أن يهبك منزلة هيأك للوصول إليها، وكلما كانت المنزلة رفيعة كان الابتلاء أعظم وأضيق وأشد، ثم إذا نجح المؤمن في دوائر الابتلاء هذه كلها أتته البشرى، وتوالت عليه النعم.
كيف بُشِّر كعب بن مالك؟
قال كعب: «فكمل لنا خمسون ليلة، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا: قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر! قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج».
نعم، والله، قد جاء الفرج... وجاء الغائب بعد طول انتظار، وجاء الدواء بعد طول الألم، ونزلت التوبة:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١١٧ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ١١٨﴾ [التوبة: 117-118].
وتسارع المبشرون منهم؛ فمنهم من يركض على رجليه، ومنهم من ركب فرسه، ومنهم من صعد جبلًا وأخذ ينادي، فسمع كعب البشارة ولم يرَ المبشر.
فانطلق كعب إلى رسول الله ﷺ، والناس يتلقونه فوجًا فوجًا، يهنئونه بالتوبة، ويقولون له: لتهنئك توبة الله عليك يا كعب!
دخل كعب المسجد، فإذا برسول الله ﷺ يبرق وجهه من السرور، ويقول: «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك».
فقال كعب: «أمِن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟» وليس ذلك شكًّا منه أبدًا، وإنما أراد أن يتأكد أن الله قد رضي عنه، وأن توبته قد قُبلت.
فقال النبي ﷺ: «لا، بل من عند الله».
فزاد بكاؤه، وفي ذات الوقت زادت بشرته، حين علم أن الله قد رحم ضعفه، ورحم بكاءه وسهره ولينه وتضرعه، وقبل توبته، ولم يرده خائبًا.
فقال: «يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت».
إنه الصدق الذي ينفع صاحبه؛ صدق القلب في تعامله مع الله، وصدق العبد في سيره إلى الله. والله عز وجل يحفظ للصادق صدقه، ويعامله بهذا الصدق.
لقد تاب الله على كعب بن مالك حين صدق في توبته، ونزلت توبته قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
فهنيئًا لك التوبة يا كعب...
وهنيئًا لك الصدق...
وهنيئًا لك إكرام الله لك، ونزول توبتك قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
الفهرس