أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

مُفتقدٌ للحياة د. محمد إبراهيم بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مُفتقدٌ للحياة

د. محمد إبراهيم

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: لعلَّ كثيرًا منَّا فقدوا شغفهم بالحياة، أو خبت جذوة أرواحهم، فآثروا العزلة والانكفاء على الذات، وفقدوا شيئًا من حيويتهم ومرحهم، حتى غدت أيامهم متشابهة، لا جديد فيها ولا أمل يُرتجى، ولا شيء يبعث في النفس السرور. 

وربما فقدوا الأنس والطمأنينة الداخلية، وأصبحوا ينظرون إلى العالم من وراء غلالة كثيفة من الحزن والفتور، تصبغ الأشياء جميعها بلون واحد قاتم، فلا يرون في الحياة إلا جانبها المعتم. وقد يكون ذلك اكتئابًا، أو اغترابًا عن الذات والعالم، أو حالة من الخدر العاطفي وفقدان القدرة على الاستمتاع بما كان يبعث في النفس البهجة من قبل. 

إنها حالة تشبه ما عبَّر عنه القدماء بـ«الميلانخوليا»، وما يُعرف اليوم بالاكتئاب (Depression)، أو فقدان الاستمتاع واللذة (Anhedonia)، حين يشعر المرء كأن نوافذ الضوء قد أُغلقت جميعها، ولم يعد في الأفق ما يستحق الانتظار.

وفي هذا السياق يأتي كتاب «مفتقد للحياة» للدكتور محمد إبراهيم، ليقدِّم عزاءً لمن لا تزال في أعماقهم بقية من المشاعر تقاوم الانطفاء، وليضع بين أيديهم أدوات تعينهم على فهم أنفسهم واستعادة صلتهم بالحياة. فالكتاب لا يقف عند حدود وصف المعاناة، بل يحاول أن يفتح أمام القارئ نافذة جديدة للنظر إلى ذاته وإلى العالم من حوله؛ إذ قد لا يكون الضوء الذي ننتظره آتيًا من الخارج، بل كامنًا في أعماقنا، ينتظر أن نكتشفه ونمنحه فرصة الظهور. 

وحين يتغير ما في داخلنا، تتغير صورتنا عن الأشياء، وتتبدل طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأحداث، فنخرج شيئًا فشيئًا من أسر النظرة القاتمة التي تجعلنا نرى أنفسنا محطَّمين، ونعتقد أن النجاة مستحيلة، إلى أفق أرحب تتسع فيه مساحة الأمل، وتستعيد الحياة شيئًا من ألوانها وبهجتها. فسبحان من يحيي العظام وهي رميم، ومن يجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الانطفاء إمكانًا جديدًا للحياة.

والاكتئاب تجربة ثقيلة وقاسية، قد يفقد فيها المرء حيويته وشغفه، وتتحطم في داخله الأهداف، وتتضاءل قدرته على استشعار الأمل، حتى يبدو المستقبل امتدادًا لمعاناة الحاضر. 

وهو ليس حالة واحدة متطابقة لدى الجميع، بل تتعدد صوره ودرجاته، ومن أبرز أعراضه استمرار المزاج الحزين، وفقدان الاهتمام بالأشياء، وتغير الشهية، واضطرابات النوم بالزيادة أو النقصان، والشعور بالإرهاق وانخفاض الطاقة، وضعف التركيز، وصعوبة اتخاذ القرارات، وتراجع الأمل في المستقبل. 

ويتناول الكتاب عددًا من الجوانب النفسية المتصلة بهذه المعاناة، من بينها التعاطف (Empathy)، والحاجة إلى الحب والاحتواء، وحدود الحماية الزائدة (Overprotection)، وأعباء الشعور المستمر بالذنب، والميل إلى تضخيم المشكلات حتى تبدو أكبر من القدرة على احتمالها. كما يلفت النظر إلى أثر تفسيراتنا للأحداث ونظرتنا إلى الهموم في تشكيل حالتنا النفسية؛ فقد تتحول أفكارنا عن أنفسنا ومسؤولياتنا إلى مصدر للمعاناة، وقد تصبح، في المقابل، مدخلًا إلى التعافي والسكينة.

ويتناول الكتاب كذلك قسوة الإنسان على ذاته، وتضخم إحساسه بالمسؤولية، حين يعتقد أنه مطالب بفعل كل شيء، وأنه المسؤول عن كل ما يحدث من حوله، فلا يسمح لنفسه بالراحة أو الخطأ أو التقصير، ويظل أسير صورة مثالية لا يستطيع بلوغها. وهذه الذات المثالية الزائفة قد تتحول إلى عبء يرهق صاحبه، ويجعله دائم الشعور بالعجز والذنب، مهما أنجز أو بذل من جهد. 

ومن هنا تبدأ رحلة الخروج من هذا النفق ببناء الأمل، ومراجعة الأفكار التي تستنزف النفس، والتخفف من القسوة على الذات، وإعادة اكتشاف المعنى في تفاصيل الحياة الصغيرة. 

فالتعافي لا يعني أن تختفي كل الآلام دفعة واحدة، ولا أن تصبح الحياة خالية من المشكلات، بل أن نتعلم كيف نراها بعيون أكثر رحمة واتزانًا، وكيف نمنح أنفسنا فرصة للنهوض من جديد. ولعل الرسالة الأعمق التي يتركها الكتاب في نفس قارئه أن استعادة الحياة لا تبدأ بالضرورة بتغير العالم من حولنا، وإنما قد تبدأ بخطوة صغيرة في داخلنا؛ خطوة نعيد بها بناء الأمل، ونسترد شيئًا من قدرتنا على الشعور، ونكتشف أن الروح التي أرهقها الظلام لا تزال قادرة على استقبال الضوء.

يرى المؤلف أن أولى خطوات التعافي يبدأ ببناء الأمل وإحياء الدافع الداخلي، وأن لا تنتظر حتى تستعيد طاقتك كاملة لتبدأ؛ بل انطلق من خطوات صغيرة يسهل عليك الالتزام بها، وحوِّل كل فعل إلى تجربة تتعلم منها، بدلًا من أن تجعله اختبارًا لنجاحك أو فشلك. راقب سلوكياتك، واختبر توقعاتك السلبية، ولاحظ الفرق بين ما كنت تتوقعه وما يحدث فعلًا. ومع الاستمرار، احرص على استعادة الشعور بالمتعة والإنجاز، فكل خطوة صغيرة تنجح فيها قد تكون بداية لاستعادة حيويتك وشغفك بالحياة.

المؤثرون والإعلام الحُر

في المجتمع الحداثي.. تُصنع بداخلنا رغبات لا تنتهي، حتى ليبدو وكأن الغاية من وجودنا هي أن نستنزف أنفسنا في العمل، ونستنزف جيوبنا في الشراء والاستهلاك. 

وقد أسهم في تكريس هذه الحالة أولئك الذين يُطلق عليهم اسم «المؤثرين»، إلى جانب وسائل الإعلام الحُر التي تروّج لأنماط حياة استهلاكية، وتقدّمها بوصفها الصورة المثالية للسعادة والنجاح.

تتابع هؤلاء، فتبدو لك حياتهم وكأنها خالية من المشكلات والألم، ومغمورة بالحب والاهتمام والرفاهية؛ ينامون على أسرّة وثيرَة، ويتناولون أشهى الأطعمة، ويعيشون في صالات أنيقة وغرف مزينة وشرفات تطل على عوالم مضاءة بالألوان والأضواء. وتجد بين أيديهم أحدث السيارات، ويتنقلون متى شاؤوا، ويشترون ما أرادوا، وكأن المال لا ينفد، والوقت لا يضيق، والحياة لا تعرف عائقًا أو حرمانًا.

ومع تكرار مشاهدة هذه الصور، قد تبدأ بالنظر إلى حياتك بعين السخط، وتشعر بأنك أقل حظًّا، وأن ما تملكه لا يكفي، وأن ما تعيشه لا يرقى إلى المستوى الذي تراه أمامك على شاشة الهاتف أو التلفاز. وهنا تكمن خطورة هذا الزيف؛ إذ تُقارن حياتك الحقيقية، بما فيها من تعب ومسؤوليات وألم، بصور منتقاة بعناية، لا تُظهر إلا أجمل اللحظات وأكثرها بريقًا، وتُخفي ما وراءها من مشكلات وضغوط وتكاليف.

وهكذا، بدلًا من أن تستمتع بما لديك وتسعى إلى تحسين حياتك بقدر استطاعتك، تجد نفسك تطارد رغبات جديدة لا تنتهي، وتلهث وراء نمط حياة قد لا تحتاج إليه أصلًا، ولا تملك القدرة على تحمّل تكاليفه. وكلما حققت رغبة، ظهرت أخرى، وكلما امتلكت شيئًا، أوحى إليك هذا العالم بأنك ما زلت تفتقر إلى المزيد. وبذلك تتحول الحياة من تجربة تستحق أن تُعاش إلى سباق لا ينتهي للاستهلاك والمقارنة، وتصبح سعادتك رهينة أشياء لا تملكها، وصور لا تعكس بالضرورة حقيقة أصحابها.

مواقع التواصل الإجتماعي

الحقيقة أن مواقع التواصل الاجتماعي أخطر مما نظن؛ لأننا حين نتصل بهذه المواقع نكون قد أوقفنا عقلنا تمامًا عن التفكير المنطقي النقدي، لأنه غير مسموح لك بأن تفكر بحرية، بل بحسب ما يراه الآخرون ويعجبهم.

لأن عدد الإعجابات، اللايك أو اللوف، تمثل تقييمًا لما تنشره وتبثه بين الناس، فتتحول هذه الرموز الحمراء والزرقاء أو الضاحكة إلى قيمة إنسانية يمكن حسابها والتأثر بها. والمصيبة أن تجد اقتناع الناس ببعض الكلام الذي قد يكون تافهًا ولا يحمل معاني مميزة، لمجرد أن عدد الإعجابات عليه كثيرة. والمصيبة الأكبر أن هذا الشيء يدفع بعض المثقفين للانجراف وراء هذه الإعجابات لتبدأ قبولها، فتصبح فيما بعد أمرًا شائعًا وعاديًا.

إذن، سرعة تغيير المعايير والقيم أكبر بكثير مما نعتقد. ثم انظر إلى اضطراب المشاعر الرهيب حينما تتحول مشاعرك بين منشور وآخر، وصورة أخرى وفيديو وآخر، ما بين الحزن على وفاة أحدهم حد البكاء، ثم الضحك على منشور الذي يليه، ثم الإعجاب بإنجاز ما، وكأن مشاعرك تتقلب في خلاط عنيف، الأمر الذي يشعره بالهشاشة والضعف أمام هذا العالم العنيف، فلم يعد يتحكم بمشاعره من الضحك إلى البكاء، وهكذا.

ثم أو حين تعامل الآخرين كأنهم المرجع النهائي فيما تفعل أو لا تفعل، أو تكتب ولا تكتب، فإن حصلت على تعليق فأنت مميز، وإذا لم تحصل على شيء فهذا يشعرك بالحزن أو بالخزي العميق في نفسك، وإذا تلقيت تعليقًا سلبيًا فهذا هو أسوأ يوم في حياتك.

نحن بالفعل في ابتلاء يجعلنا نذوب بشكل مريع في اختيارات الآخرين، ومضطرين تحت هذا الجيش الزاحف من القناعات لتغيير قناعاتنا ونبذها.

شكراً لحسن استماعكم

«شكرًا لحسن استماعكم»، عبارة نسمعها كثيرًا، وتتكرر في ختام البرامج الإذاعية والتلفزيونية ومقاطع الفيديو، حتى أصبحت لازمة مألوفة لا تكاد تخلو منها نهاية. لكن، تُرى، من الذي يشكره مقدّم البرنامج تحديدًا؟ ولماذا يتوجه بالشكر إلى الجمهور الذي استمع إليه، ولا يخصّ بالشكر من أعدّ البرنامج، أو من صوّره وأخرجه، أو من بذل جهدًا في إعداد مادته وتقديم ما يعتقد أنه نافع للناس؟

لعلّ الإجابة تكمن في التحوّل الذي أصاب معايير القيمة في عصرنا؛ إذ لم تعد قيمة العمل تُستمدّ بالضرورة من جودته، أو مقدار الجهد المبذول فيه، أو ما يقدّمه من معرفة وفائدة، بل أصبحت مرتبطة إلى حدّ بعيد بما يلقاه من استحسان الآخرين وتفاعلهم. لقد غدا الجمهور، في كثير من الأحيان، معيارًا للحكم على أهمية العمل ونجاحه، حتى بات صانع المحتوى يشعر بأنه مدين بالشكر لمتابعيه؛ لأنهم منحوا ما يقدّمه انتباههم، وأسهموا بتفاعلهم في رفع مكانته وانتشاره.

وهكذا، لم يعد كافيًا أن تصنع شيئًا جيدًا، بل أصبح عليك أن تحظى بمن يراه جيدًا، ويعبّر عن إعجابه به، ويمنحه قدرًا من التفاعل يثبت، في نظر المنظومة الرقمية، أنه يستحق الاهتمام. والمفارقة أن الجمهور الذي كان يُفترض أن يكون متلقيًا للعمل ومستفيدًا منه، أصبح في كثير من الأحيان حكمًا على قيمته، ومرجعًا في تحديد ما يستحق الظهور وما ينبغي أن يختفي. وبذلك تتراجع قيمة العمل في ذاته أمام قيمته في أعين الآخرين، ويصبح الاستحسان غاية تنافسية، لا مجرد أثر محتمل لعمل نافع ومتقن.

التنمية البشرية .. إلى أين؟!

من المثير للشفقة ما يتبناه العديد من الناس من أدوار في حياتهم، ويستشعرون أنهم باتمان الآخرين أو سوبرمان اللحظة، ولا يمكنهم التخلي عن شيء من تلك الأحلام التي تدور في مخيلاتهم، ويعتقدون أنهم قادرون على فعل كل شيء، وأنهم فقط يحتاجون إلى أن يدرجوه في جدول أعمالهم ويفرغوا له المزيد من الوقت.

وهنا تأتي أدبيات التنمية البشرية لتخبرهم أنهم يستطيعون، فقط إذا أطلقوا المارد الذي بداخلهم، وآمنوا بأنفسهم، ووضعوا العديد من الخطط، وتبنّوا العديد من أدوات الإنتاج؛ فيمكنهم أن يعملوا في وظيفتين، ويذهبوا إلى الجيم، ويستمتعوا بالنادي، ويقضوا وقتًا رائعًا مع أبنائهم، ويسافروا مع زوجاتهم، ليصطدموا في النهاية بأنهم محاطون بدائرة زمنية ضيقة، وطاقة بشرية محدودة، وخيارات أقل في ظل واقع لا يمكنهم التحكم به.

وربما تنهَس إلى عملك لتدرك بُعد الحضور، فتعتذر لمديرك عن تأخرك.

في الحقيقة، كثير من هذه الطموحات غير واقعية، ولن تحدث، بعكس ما تحاول التنمية البشرية تصويره؛ فأنت في جسد بشري، ولست ماكينة آلية. تتعب، وتنتابك العوارض من مرض وآلام وإرهاق، ووقتك محدود، ومتطلبات الحياة وأحداثها فوق ما تتوقع.

فبوسعك فقط ترتيب الأولويات، فيما يُعرف بالتسويف الخلّاق (Creative Procrastination)، فتضحي بالخيار الأقل أهمية في سبيل الأكثر أهمية.. هذا الأمر يشبه أن تطلب من طفل صغير أن يحمل وزنًا ثقيلًا، ثم تقنعه بأنه قادر على فعل ذلك إن أراد. وأظنك في هذه الحالة تدرك أن كل عبارات التحفيز العالية والمرتفعة لن تستطيع أن تحرك هذا الفتى ولو قليلًا، وإن حاول فعل ذلك، فلعله يصاب إصابة بالغة.

إن كل إنسان في داخله نفس تمثل هذا الطفل، بما تحمله من قدرات محدودة؛ وتكليفه فوق طاقته، مع إيهامه بأنه يستطيع، هو جزء من استمرار معاناته والحكم عليه بالفشل؛ لأنه يفترض أنه قادر على فعل هذه الأشياء، ثم يلوم نفسه على عدم فعلها.

وأيضًا، تقوم التنمية البشرية بتسويق المعرفة كمنتجات يتم تسويقها على أنها أسرار وخبرات ذات ثمن مادي، فضلًا عن وجود تناقض بين فترات الطموح والراحة، بمعنى أنها لا تقدم تصورًا واضحًا ومتوازنًا للعلاقة بينهما؛ فلا يعرف أكثرهم حدود الراحة ولا غاية الطموح.

فائدة: 

نعت الله الخاسرين في كتابه، بأنه {الذين خسروا أنفسهم}..

وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يخسر الإنسان نفسه؟

والجواب: يخسر الإنسان نفسه حين يُمني نفسه بمنزلة لا تناسبه، ويتوهم أنه يستحق تلك المنزلة الرفيعة، من العز الدائم والنعيم الأبدي، فيُصوّر نفسه بتلك الحالة، ويصبح أسيراً لذلك؛ ثم يستدعي لنفسه من الآخرين أن يقبلوا منه هذا التوجه والمنزلة، وألا يتعرض للرفض أو النقد أو الألم. 

وهو بذلك يدخل في صراع لا ينتهي مع كل ما يهدد تلك المنزلة، ويظل يدافع عنها ويحاول حمايتها من العوارض والمواقف التي قد تكشف ضعفه أو تنال من مكانته، حتى يستنزف نفسه في معركة لا يستطيع حسمها.

أما الذين يربحون أنفسهم، فهم الذين يقبلون أن يكونوا أشخاصًا عاديين، لا كاملين ولا مثاليين، ويتصالحون مع حقيقة أن بعض الناس سيحبونهم، بينما سيكرههم آخرون. 

وهم الذين يسمحون لأنفسهم بأن يتألموا من الكلمات، ويتأثرون بالمواقف، ويعترفوا بمشاعرهم دون أقنعة أو هروب أو تزييف؛ فلا ينكرون ضعفهم، ولا يخجلون من إنسانيتهم، ولا يستنزفون أعمارهم في محاولة الظهور بمظهر القوة والكمال. وسر ربحهم أنهم يعيشون الحياة كما هي، لا كما يتمنونها أو يتخيلونها، ويتقبلون أنفسهم بحدودها ونقائصها، بدلًا من أن يظلوا أسرى صورة مثالية يستحيل بلوغها.




الخميس، 8 أكتوبر 2026

مختصر منهاج القاصدين أحمد بن عبد الرحمن بن قُدامة المقدسي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مختصر منهاج القاصدين

أحمد بن عبد الرحمن بن قُدامة المقدسي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يُعَدُّ كتاب «مختصر منهاج القاصدين» للإمام العلامة نجم الدين أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عمر بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، من الكتب النفيسة التي جمعت أصول الأخلاق وتهذيب النفوس وآداب السلوك، وقد حظي بمكانة بارزة بين كتب التربية الإسلامية، لما اشتمل عليه من مواعظ نافعة وتوجيهات قيّمة مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

وتعود أصول هذا الكتاب إلى كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي، الذي اختصره الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتاب سماه «منهاج القاصدين»، ثم جاء الإمام ابن قدامة المقدسي، فاختصر كتاب ابن الجوزي اختصارًا نافعًا، مع العناية بتهذيب مادته وتقريب فوائده، ليكون أيسر تناولًا وأعمَّ نفعًا لطلاب العلم وسائر القراء.

وهكذا وصل إلينا هذا الكتاب خلاصةً لجهود علمية متعاقبة، قصد أصحابها تقريب المعارف الإيمانية والأخلاقية وتيسير الانتفاع بها، فاجتمع فيه حسن المقصد، وغزارة الفائدة، وجمال التوجيه، وأصبح مرجعًا مهمًّا في تهذيب الأخلاق وإصلاح القلوب وتقويم السلوك، وظلَّ محلَّ عناية طلبة العلم والمهتمين بالتربية الإسلامية قديمًا وحديثًا.

وتبرز أهمية هذا الكتاب في أنه يربط العلم بالعمل، ويُوجّه المسلم إلى محاسبة نفسه، ومجاهدة أهوائها، والتحلي بمكارم الأخلاق، والتحرر من الآفات التي تفسد القلب وتضعف صلته بالله تعالى. وقد جمع مؤلفه في أبوابه جملةً من المعارف والتوجيهات التي تعين القارئ على فهم أمراض النفس وسبل علاجها، وتدله على طريق الاستقامة والترقي في مدارج الإيمان والإحسان، مما يجعل قراءته فرصةً للتزود بالعلم النافع، وتجديد العزيمة على إصلاح النفس والسير إلى الله تعالى بقلب سليم وعمل صالح.

مقدمة العلامة شيخ محمد أحمد دهمان

يعد كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي القانون العام للمسلم التقي الصالح، ذلك أن مؤلفه قد حشد في كتابه من أنواع الأخلاق والآداب ما جرى على ذاكرته، ففسرها وحللها وحض عليها، وجرى مثل ذلك في الأخلاق والآداب المنحطة السيئة، ففسرها وحللها وحض على التباعد عنها، فكان كتابه كتاب أخلاق وتربية جعله يمتاز في نوعه عن أمثاله من الكتب، وأحدث ظهوره ضجة كبيرة بين ناقد ومنتصر له.

وينحصر النقد فيه في الأحاديث الموضوعة التي أوردها الغزالي فيه، وفي بعض الحكايات التي تقتل من شخصية الإنسان إنسانيته وتجعله يهيم في كلمات وهمية لا تأتي بخير للإنسان. وكان في طليعة الناقدين له العالم الكبير عبد الرحمن بن الجوزي (510-597 هـ)، فقد نقده نقدًا مرًّا، ولكنه لم يكتف بالقول فقط، بل عمد إلى أمر عملي، فرجع إلى الأحاديث الموضوعة فحذفها، وأثبت مكانها الأحاديث الصحيحة، وعمد إلى الكلمات والألفاظ والحكايات التي لا طائل تحتها، فحذفها، كما يقول ابن الجوزي، كالكلام في الفناء.

وسمى هذا الكتاب «منهاج القاصدين»، ولكنه لم يخرج عن التخطيط الأول الذي وضعه الغزالي في كتابه «الإحياء»، وكان عملًا مفيدًا جدًا، لم يكتف بالتهويل والتهويش، بل عمد إلى ما ينفع الناس ويفيد المجتمع، وأصلح إصلاحًا حقيقيًا ذا فائدة عظمى.

ولكن كتاب «الإحياء» كان يحوي نقدًا آخر هو في الدرجة الثانية بعد النقد الأول، فالغزالي ملأ كتابه بأبحاث فقهية جعلت الكتاب يتضخم ويدعو إلى التذمر من كبر حجمه، فجاء في القرن السابع أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، فخلصه من المسائل الفقهية؛ لأن موضعها كتب الفقه، وجعله كتابًا أخلاقيًا تربويًا، فأصبح من السهل قراءة مثل هذا الكتاب، وأصبح يمثل عشر حجم الكتاب الأول.

وفي سنة 1342 وقعت بيدي نسخة هذا الكتاب، فأعجبت به ورأيت نشره فرصة سانحة للفائدة منه في المدارس الشرعية الدينية، ثم وقعت بيدي نسخة ثانية وثالثة، وهذا ما دعاني إلى أن أفكر في طبعه ونشره نظرًا للفائدة المتوخاة منه، فطبعته. ولما تأسست الكلية الشرعية في دمشق، عرضته على إدارتها وعمدتها، فاستحسنت عملي وقررته في جميع مدارسها في دمشق وحلب وحمص وحماة، ثم انتشر في جميع العالم الإسلامي.

هذا وقد سمحت للسيد بشير عيون، صاحب مكتبة دار البيان بدمشق، أن يطبع هذا الكتاب طبعة متقنة تريح القارئ وتيسر له الانتفاع به، وأظن أنه قد حقق رغبتي. ونظرًا لمرضي الشديد وضعف نظري، فقد قام الأستاذان شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، اللذان عُرفا بتمكنهما من علوم السنة وصناعة التحقيق، بتعليق حواشيه، وبتخريج ما ورد فيه من الأحاديث الضعيفة، وبيان ضعفها، فجزاهما الله تعالى خير الجزاء، ونفع بهما.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ترجمة الإمام ابن قدامة

في الحروب الصليبية، كانت مقاطعة نابلس من نصيب أمير فرنسي ظالم كان اسمه باليان بن بارزان، وكان يعامل أهل مقاطعته أسوأ معاملة، فحينما يفرض جيرانه من الصليبيين على من تحت يده دينارًا، أخذ هو من كل واحد منهم أربعة دنانير، وهكذا كانت معاملته في كل الأمور.

وكان في قرية جَمَّاعيل -ويدعونها في عصرنا هذا جماعين- فقيه صالح يقرأ للناس دروس العلم ويعظهم في بعض الأحيان. وبلغ الأمير الفرنسي ما يقوم به الشيخ أحمد بن قدامة من هذه الدروس، فعزم على قتله، وبلغ ذلك الشيخ أحمد بن قدامة، فلم ير أمامه إلا الفرار إلى مدينة دمشق والالتجاء إلى ملكها نور الدين محمود بن زنكي.

وفي سنة 551 هـ، فر الشيخ أحمد بن قدامة من جبل نابلس إلى مدينة دمشق مع بعض أقاربه، ونزل هو وأقاربه بمسجد خارج الباب الشرقي، أحد أبواب دمشق، في مسجد يقال له: «مسجد أبي صالح». وأخذت الهجرات تتتابع بعد ذلك وتنضم إليه في هذا المسجد، وكان هذا المسجد موقعه غير صحي، وهواء تلك الجهة رديئًا، وأصابهم الوباء، وأخذوا يتوفون الواحد تلو الواحد.

وضاق صدر الشيخ أحمد بن قدامة من هذا الحادث، فأرسل رسلًا من جماعته يفتشون على محل هواؤه صحي، فدلهم أحد جماعته على سفح جبل قاسيون، وذهبوا إليها فوجدوا موقعها حسنًا. فذهبوا إلى الصالحية وبنوا المدرسة العمرية، وغربها بنوا دارًا فسيحة تحيط بها غرف من جميع جهاتها، دُعيت تلك الدار «بدير الحنابلة»، وكان هذان البناءان على ضفة نهر يزيد.

وكان الناس يبرونهم ويهدونهم الطعام والملابس ويدعونهم بالصالحين، فسموا بالصالحين، وسمي لحف جبل قاسيون بالصالحية من ذلك الوقت. وأنشأ الناس فيها دورًا، فأصبحت بعد ذلك بليدة زاهرة جديدة.

وأنجب الشيخ أحمد بن قدامة ولدين نجيبين، أحدهما الشيخ أبو عمر، والآخر موفق الدين.

أما أبو عمر، واسمه محمد، فتولى شؤونهم الإدارية، وأنشأ الدير الحنبلي والمدرسة العمرية. وُلد بجماعيل سنة (528) هـ، وتوفي بدمشق سنة (608)، ودُفن بالصالحية.

أما موفق الدين، فاسمه عبد الله، وهو الأخ الأصغر. وُلد سنة (541) بجماعيل، وهاجر مع أبيه إلى دمشق، وسكن دارًا قرب الجامع الأموي، ويقيم بهذا الجامع في قاعة الحنابلة قرب محرابهم. وهو مؤلف كتاب «المغني» الشهير بالفقه الحنبلي، وغيره كثيرًا من المؤلفات. وتوفي بدمشق سنة (620)، ودُفن في الصالحية قرب مقبرة أهله، وله أولاد وبنات ماتوا في حياته، وانقطع عقبه.

وما خرج من العلماء من بني قدامة، منهم من سلالة الشيخ أبي عمر.

____________________________________________

منهج ابن قدامة في كتابه

يقول ابن قدامة -رحمه الله-: فإني كنت وقفت مرة على كتاب: "منهاج القاصدين" للشيخ الإمام العالم الأوحد، جمال الدين ابن الجوزي، رحمه الله تعالى، فرأيته من أجل الكتب وأنفعها، وأكثرها فوائد، فحصل عندي بموقع، ورغبت في تحصيله ومطالعته، فلما تأملته ثانيا، وجدته فوق ما كان في نفسي، لكن رأيته كتابا مبسوطاً، فأحببت أن أعلِّق منه هذا المختصر الذي قد احتوى على أكثر مقاصده، وأجل مهماته وفوائده سوى ما ذكر في أوائله من مسائل ظاهرة تتعلق بالفروع، فإنها مشهورة في كتب الفقه المستفيضة بين الناس، إذ كان المقصود من الكتاب غير ذلك. ولم ألتزم فيه المحافظة على ترتيبه وذكر ألفاظه بعينها، بل ذكرت بعضها بالمعنى قصداً للاختصار، وربما ذكرت فيه حديثاً أو شيئاً يسيراً من غيره إن كان مناسباً له، والله تعالى أعلم.

_____________________________________________

فوائد انتقيتها من الكتاب

1-فاعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء. وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع. (11).

2-ومن تشاغل فى وعظة بذكر قصص الأولين، فليعلم أن اكثر ما يحكى فى ذلك لا يثبت، كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تكته، وأنه رأى يعقوب عاضا على يده، وأن داود جهز أوريا حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه. (19).

3- فإن مهلك نفسه فى طلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره (20).

4-ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم فهو جاهل، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، وليدع رأيه لرأى معلمه فان خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه (22).

5-ان فكرة المؤمن لا تزال تجول فى كل شئ من أمور الدنيا فيذكر به أمور الآخرة، لأن الغالب على المؤمن أمر الآخرة، وكل إناء ينضح بما فيه. ألا ترى أنه لو دخل إلى دار -معمورة- بَزَّاز، ونجار، وبناء، وحائك، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها، والحائك ينظر إلى نسج الثياب، والنجار ينظر إلى سقف الدار والبناء ينظر إلى الحائط، فكذلك المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، وإن رأى نعيماً تذكر نعيم الجنة، وإن رأى عذاباً ذكر النار (28).

6- يستحب أن يجعل يوم الجمعة لأعمال الآخرة، ويكف عن جميع أشغال الدنيا (35).

7- واعلم: أن النهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار. أحدها: ترك التشبه بعباد الشمس.

الثاني: التحذير من السجود لقرن الشيطان، فإن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زلت الشمس فارقها، فإذا تضيفت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.

الثالث: إن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات، والمواظبة على نمط واحد يورث الملل، فإذا وقع المنع زاد النشاط، لأن النفس حريصة على ما منعت منه، فمنع الإنسان من الصلاة فى أوقات النهى، ولم يمنع من نوع آخر من التعبد، كالقراءة، والتسبيح لينتقل العابد من حال إلى حال، كما جعلت الصلاة متنوعة بين قيام وقعود وركوع وسجود، والله أعلم. (36).

8-وقال ابن عباس: "إن الذى يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت فى البحر". وروى نحو ذلك فى حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم. فإن قيل: ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟ فالجواب: أن نفع العلم يَعُمُّ كل شىء حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل ويحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شىء حتى إلى المذبوح، والحوت، فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاءاً لحسن صنيعهم. (14)

9-ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجوراً (53).

10-وإذا تلا: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58] فليتفكر في نطفة متشابهة الأجزاء، كيف تنقسم إلى لحم وعظم، وعرق وعصب، وأشكال مختلفة من رأس ويد، ورجل، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة كالسمع، والبصر، والعقل، وغير ذلك، فيتأمل هذه العجائب (53).

11-وهذب قومٌ إلى أن استجابة الدعاء يعود إلى شرف الحلات لا إلى شرف الأوقات، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل والخضوع (56).

12- والأولى بالعالم أيضاً أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات في العلم لا تصبر عليه النفس، فينبغي أن يخص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد على ما ذكرنا، ثم ما بعد طلوع الشمس إلى الضحى في الإفادة والتعليم، فإن لم يكن عنده من يتعلم، صرف ذلك الزمان إلى التفكير في العلوم، فان صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات، ثم من ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة، لا يترك ذلك إلا في وقت أكل، أو طهارة، أو مكتوبة، أو قيلولة، ومن العصر إلى اصفرار الشمس بسماع ما يقرأ عليه من تفسير، أو حديث، أو علم نافع، ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح، فيكون ورده الأول من عمل اللسان، والثاني بى عمل القلب بالتفكير، والثالث في عمل العين واليد والمطالعة والنسخ، والرابع بعد العصر صفى عمل السمع لتتروح العين واليد، فان المطالعة والنسخ بعد العصر ربما أضرا بالعين. وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قمسة الشافعي رحمه الله، فانه كان يقسمه ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار. (66)

13-أما الليالي المخصوصات بمزيد الفضل التي يستحب إحياؤها، فخمس عشرة ليلة ولا ينبغي للمريد أن يغفل عنهن، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فمن هذه الليالي سبع في رمضان: الليلة السابعة عشرة، وهى التي كانت صبيحتها وقعة بدر، والست الباقية هن أوتار العشر [الأخير]، إذا فيهن تطلب ليلة القدر وأما الثمان الآخر: فأول ليلة من المحرم، وليلة عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين. وقد ورد صلوات لبعض هذه الليالي وليس فيها ما يثبت (70)

14- وينوى بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد به التنعم فقط، وعلامة صحة هذه النية أخذ البلغة دون الشبع. قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه". ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع، وأن يرفع يده قبل الشبع، ومع فعل ذلك لم يكد يحتاج إلى طبيب (71)

15-وينبغي لمن يُكرم ضيفه، أن يُقدم له الفاكهة أولاً قبل غيرها، وذلك أصلح فى باب الطب، وقد قال الله تعالى: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 20، 21] (74).

16-فإذا أراد الضيف الانصراف ينبغى أن يخرج معه إلى باب الدار، فإنه سنة، وذلك من إكرام الضيف ومن تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة (75).

17-والفرق بين التوضيح والنصيحة الإعلان والإسرار، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الأعضاء، فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإغضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن (102).

18-{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، قال المفسرون: معناه: علموهم وأدبوهم (109).

19-وينبغى لوالديها تأديبها قبل نقلها إلى الزوج لتعرف آداب العشرة، وينبغي للمرأة أن تكون قاعدة فى بيتها، لازمة لمغزلها، قليلة الكلام لجيرانها، كثيرة الانقباض حالة غيبة زوجها، تحفظه غائباً وحاضراً، وتطلب مسرّته فى جميع الأحوال، ولا تخونه فى نفسها ولا فى ماله، ولا تُوطئ فراشه من يكره، ولا تأذن فى بيته إلا باذنه، ولتكن همتها صلاح شأنها وتدبير بيتها، قائمة بخدمة الدار فى كل ما أمكنها، ولتكن مُقَدَّمة لحق زوجها على حق نفسها وحق جميع أقربائها. آخر كتاب النكاح (81).

20-ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم، وهؤلاء أخس رتبة من أن يتكلموا، لكن جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن الإمام لم يخرج بعد (124).

21-ولا رخصة في تثقيب آذان الصبية لأجل تعليق حلق الذهب، فإن ذلك جرح مؤلم لا يجوز، وفى المخانق والأسورة كفاية عن ذلك والاستئجار على ذلك غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام (133).

22-ومن المعاريض ما روينا عن عبد الله بن رواحة رضى الله عنه أنه أصاب جارية له، فعلمت امرأته، فأخذت شفرة، ثم أتت فوافقته قد قام عنها، فقالت: أفعلتها؟ فقال: ما فعلت شيئاً، قالت، لتقرأن القرآن أو لأبعجنك بها، فقال رضى الله عنه:

وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع

قالت: آمنت بالله وكذبت بصري (169).

23-ومثل هذا قولهم: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. والمعنى انهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شئ مما ركنوا إليه وفرحوا به (192).






الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

إسعاف الراغبين بترجمة ثلة من علماء المغرب المعاصرين محمد بن الفاطمي السلمي الشهير ببن الحاج بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

إسعاف الراغبين بترجمة ثلة من علماء المغرب المعاصرين

محمد بن الفاطمي السلمي الشهير ببن الحاج

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة




تمهيد: هذا الكتاب هو موسوعة تاريخية، ومعلمة حضارية، وسجلّ من سجلات الحياة العلمية والفكرية في المغرب خلال العصر الحديث، جمع فيه مؤلفه الشيخ محمد بن الفاطمي السلمي الشهير بابن الحاج تراجم نخبة من العلماء المعاصرين، ممن كان لهم حضور بارز في ميادين العلم والمعرفة والتعليم والتأليف والإرشاد. وقد اشتمل الكتاب على تسعٍ وتسعين ترجمة، منتقاة من مختلف المدن المغربية، وفي مقدمتها تراجم عدد من أعلام أسرة الغماري، كالشيخ عبد الله الغماري وإخوته عبد العزيز وعبد الحي ومحمد الزمزمي، إلى جانب طائفة واسعة من العلماء والفقهاء والمحدثين والأدباء والمؤرخين والمدرسين.

وتنبع أهمية الكتاب من كونه لا يكتفي بإثبات أسماء العلماء وتواريخ حياتهم، بل يرسم من خلال تراجمهم صورة للحركة العلمية التي كانت قائمة في المغرب، ولا سيما ما يتصل بالتعليم ومجالس العلم والمشايخ والكتب المقروءة والفنون التي كانت رائجة في البيئة العلمية آنذاك. 

ويكثر المؤلف من ذكر شيوخ المترجم لهم، وأسماء من تلقوا عنهم، وما قرأوه من العلوم والكتب، وهو ما يجعل هذه التراجم مصدرًا مهمًا للتعرف إلى شبكة التكوين العلمي التي أسهمت في تخريج أجيال من علماء المغرب، وإلى المؤسسات العلمية التي احتضنت ذلك النشاط، وفي مقدمتها جامعة القرويين التي احتلت مكانة مركزية في الحياة العلمية المغربية.

ويتميز الكتاب كذلك بعنايته بالجانب الشخصي والعلمي من حياة المترجم لهم؛ فيبدأ غالبًا بذكر النسب والمولد والنشأة، ثم يتتبع مراحل الطلب والتحصيل، والانتقال بين الشيوخ والمدارس ومجالس العلم، وما تميز به العالم من فنون ومعارف، ثم يختم بما يراه المؤلف أبرز خصاله وآثاره ومناقبه. 

ولذلك فإن الكتاب لا يقدم تراجم جامدة تقتصر على التواريخ والأسماء، بل يحاول أن يستحضر شخصية العالم في بيئته العلمية والاجتماعية، ويكشف عن مساره في التحصيل والتدريس والتأليف، وما غلب عليه من علوم وفنون.

ومن اللافت في هذا السياق أن المؤلف كان صاحب عناية خاصة بذكر المشيخة العلمية للمترجمين، وهو أمر تتجاوز فائدته مجرد التوثيق لأسماء الأساتذة؛ إذ يتيح للقارئ أن يتتبع انتقال العلم من شيخ إلى تلميذ، وأن يتعرف إلى حلقات الاتصال العلمي بين أجيال العلماء، وإلى العلوم التي كانت تحظى بالعناية في ذلك العصر. كما تكشف أسماء الكتب والمصنفات التي قرأها المترجمون عن طبيعة المنهج التعليمي السائد، وعن حضور الفقه والحديث والتفسير واللغة والأدب وغيرها من العلوم في التكوين العلمي المغربي.

ويحتل الحديث عن القرويين مساحة بارزة في الكتاب، لا باعتبارها مجرد مؤسسة للتعليم، وإنما بوصفها بيئة علمية وحاضنة لعدد كبير من الشخصيات التي ترجم لها المؤلف. ومن خلال تكرار الإشادة بها، وتنوع العبارات التي يصف بها مجالسها وشيوخها ومناهجها، تتضح مكانتها في وجدان المؤلف وفي الذاكرة العلمية المغربية. كما أن هذه التراجم تمنح القارئ فرصة للنظر في القرويين من زاوية مختلفة؛ زاوية طلابها وشيوخها وأجيالها المتعاقبة، وما تركته في تكوينهم من أثر علمي وفكري.

وقد سبق المؤلف إلى بيان أهمية التاريخ وفن التراجم، مستشهدًا بالآيات القرآنية وأقوال العلماء والمؤرخين، ومؤكدًا أن معرفة أخبار الرجال وسيرهم ليست ترفًا علميًا، وإنما هي وسيلة للاعتبار، وحفظ الذاكرة، ومعرفة مسالك العلماء في الطلب والتحصيل، والوقوف على ما خلفوه من علم وآثار. وهذا المعنى ينسجم مع طبيعة الكتاب نفسه؛ فهو محاولة لإنقاذ أسماء وأخبار جيل من العلماء من النسيان، وتسجيل ما أمكن من حياتهم قبل أن تتبدد تفاصيلها بمرور الزمن.

ويُحسب للمؤلف أنه لم يقصر اختياراته على نمط واحد من العلماء، بل وسع دائرة التراجم لتشمل شخصيات متعددة المشارب والاختصاصات، الأمر الذي يمنح الكتاب صورة أكثر اتساعًا عن الحياة العلمية والثقافية في المغرب. فالقارئ يجد فيه الفقيه والمحدث والأديب والمؤرخ والمدرس والمصلح، ويجد إلى جانب ذلك اختلافًا في البيئات والمدن والمسارات العلمية، بما يجعل مجموع التراجم أقرب إلى لوحة واسعة للحياة الفكرية المغربية في مرحلة من مراحلها المهمة.

ومع هذه القيمة العلمية والتاريخية، فإن الكتاب يحتاج إلى قراءة نقدية عند التعامل مع مادته؛ فالمؤلف يكثر في بعض المواضع من عبارات الثناء والتعظيم، وقد تتداخل لغة الترجمة العلمية مع لغة التقريظ والمدح، مما يجعل الباحث بحاجة إلى التمييز بين المعلومة التاريخية الموثقة، والانطباع الشخصي للمؤلف، والحكم التقويمي الذي يصدره في حق المترجم. كما أن بعض الأخبار والأوصاف تحتاج إلى مقابلة بمصادر أخرى للتثبت من دقتها، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالمناقب أو الأحكام العامة على مكانة العالم العلمية والفكرية. وهذا لا يقلل من قيمة الكتاب، بل يزيد الحاجة إليه بوصفه مادة أولية يمكن للباحث أن يبني عليها، بعد المقارنة والتحقيق والنقد.

ومن الجوانب التي تستحق الانتباه أيضًا أن المؤلف كان شديد العناية بإبراز فضائل المترجمين ومحاسنهم، وهو أمر مفهوم في كتب التراجم، غير أن القراءة التاريخية الحديثة تقتضي ألا تكتفي بصورة العالم كما رسمها المترجم، بل تحاول أن تستكملها بالنظر في مؤلفاته، وتلاميذه، ومواقفه، وآثاره العلمية، وما تركه من حضور فعلي في الحياة الفكرية والاجتماعية. ومن هنا تبرز قيمة الكتاب لا بوصفه كلمة نهائية في تاريخ هؤلاء الأعلام، وإنما بوصفه شهادة من شهادات عصرهم، تحفظ لنا جانبًا من صورتهم كما رآها مؤلف معاصر لهم أو قريب من زمنهم.

والكتاب في مجموعه يحفظ ذاكرة جيل من علماء المغرب، ويقدم للقارئ مادة غنية عن طرق تحصيلهم، ومشايخهم، وعلومهم، ومجالسهم، ومؤلفاتهم، وصلاتهم بالمؤسسات العلمية الكبرى. ولذلك فهو يتجاوز كونه فهرسًا لأسماء العلماء إلى أن يكون وثيقة عن استمرار العلم وتوارثه وانتقاله بين الأجيال، وعن الدور الذي اضطلعت به القرويين وغيرها من مراكز العلم في صيانة الثقافة الإسلامية واللغة العربية وتراث المغرب العلمي.

ومن هنا تتأكد أهمية هذا العمل؛ إذ إن موت العلماء لا يعني موت آثارهم، وإنما يبدأ النسيان حين تضيع أخبارهم وتنقطع الصلة بما تركوه من علم وتجارب ومسارات. وقد أدرك المؤلف هذه الحقيقة، فسعى إلى تثبيت أسماء من عاصرهم من العلماء، وحفظ شيء من سيرهم وآثارهم، ليبقى هذا الكتاب شاهدًا على مرحلة من مراحل العلم المغربي، ومادة يستفيد منها الباحث في دراسة تاريخ التعليم والحركة العلمية والثقافية في المغرب المعاصر.

____________________________________________

مقدمة الشيخ عبد الله بن كنون

رصف لآلئها الفاخرة ونظم عقودها وجمانها اللامعة قلم العلامة المؤرخ البحاثة الأديب الشاعر المجيد والكاتب البارع الخبير السيد عبد الله بن عبد الصمد كنون الامين العام لرابطة علماء المغرب.. قال لا فض فوه:

تقديم

إن كتابة التراجم تكاد تكون فنا مستقلا بذاته، وان عد شعبة من شعب التاريخ، من حيث إنها تؤرخ صانعيه من أبطال النضال وعباقرة الفكر.

ولقد طفح تراثنا المجيد بأعمال عظيمة في هذا المجال، وهي تتمثل في آلاف الكتب الموضوعة في تراجم الملوك والوزراء والعلماء والفقهاء والفلاسفة والاطباء والكتاب والشعراء وغيرهم من النوابغ والعظماء، حتى ان بعضها ليعد بعشرات المجلدات، ومن ثم قيل: إن هذا الفن من مبتكرات العرب وثمرات معرفتهم الواسعة، ولا يصح هذا ما دام عندنا كتاب بلو تارك وغيره مما ألف قبل الاسلام.

لكن مما لاريب فيه أن هذا الفن قد جود وأتقن وحرر بم الا مزيد عليه في العهد الاسلامي والثقافة العربية، فضلاً عن التوسع فيه والتنوع والشمول، فليس هناك طبقة من الناس، رجالا ونساء، سادة وموالي يؤلف فيها ولم تدون أخبارها حتى الحمقى والمغفلين، ناهيك بالضبط والتحري واستقاء المعلومات من المصادر الموثوق بها، ونقد الزيف والمبالغات والكلام الملقى على عواهنه، ولا غرو فان هذا الفن منذ البدء أمسى عند اسلافنا محاماة عن أصول الدين وتصحيحا للعقيدة وتوثقا من الرواية التي ينبني عليها صرح الايمان وأساس الاسلام.

فالمنهجية اذن عندهم مبدأ علمي مقدس لا يصح تجاوزه والتساهل فيه، وتحضرني هنا كلمة للامام السبكي يقول فيها: ((ولا بد ان يكون المؤرخ عالما حافظا عدلاً عارفاً بحال من يترجمه، ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمله على التعصب له، ولا من العداوة ما يحمله على الغض منه)) الى آخر ما قاله في هذا الصدد، وهنا يتبين تجرد علمائنا الابرار من الغرض والقصد السبىء، وتحليهم بالنزاهة والانصاف، وتلك هي روح العدل التي قال الله عز وجل فيها: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

على أن العقلاء من المؤرخين يعلمون أنه لا يكون في العصر مؤرخ واحد؛ فيخشون إذا نالوا من شخص، أن يكذبهم كلام غيرهم فيه. ولو بالسكوت عما نالوا به منه، وذلك هو مفاد القول المأثور: ((من أرّخ مومنا فكانما أحياه))، ومعلوم أن الاحياء لا يكون بالأذى والاساءة.

أكتب هذه الكلمات بعد فراغي من تصفح كتاب: (اسعاف الاخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين)، وقراءتي لبعض هذه التراجم، وهو كتاب من تأليف الأخ الفقيه العالم المطلع البحاثة المتمكن النحرير، الذي يفاخر بجدوده وموجوده، سيدي محمد بن الفاطمي ابن الحاج السلمي الفاسي، وقد كنت أطلعت قبل على فهرسة أشياخه وأساتذته الذين أخذ عنهم، فوجدت بهذا الكتاب مشابه من الفهرسة المذكورة في الاسلوب والمحتوى والمقصد العام الذي يرمي اليه من تسجيل حيوات الافاضل الذين ترجمهم وتعريف الناس بخصالهم ومزاياهم.

فهو يسلك في ذلك، السبيل المتعارف من التحلية والاوصاف التي تميز الشخص مع ذكر تاريخ ميلاده ونشأته وبيته، ثم تدرجه في الطلب من الكتاب القرآني الى مجالس العلم والاخذ عن الأشياخ والمواد العلمية التي اخذها، وكل ذلك أو اكثره بذكر الشخص المترجم والتلقي عنه ... فما أحرى أن تكون هذه التراجم، تراجم ذاتية لأصحابها. الا فيما يعلق به المؤلف في آخر الترجمة من تحديد اختصاص المترجم وما يغلب عليه الخوض فيه من معارف وفنون ... وهذه الطريقة تقريبا هي التي سلكها في فهرسته، فلذلك كانت المشابهة بينها وبين الكتاب مما أثار انتباهي، على أن الكتاب أوسع مادة وهو فوق ذلك يترجم لغير من ذكروا في الفهرسة فكانت فائدته أجل وأعم.

وقد استهله مؤلفه الفاضل بمقدمة تعرض فيها لفائدة التاريخ واستعرض أسماء عدة من رجال السلف وأيمة العلم الذين هم قدوة الأمة ونبراس هدايتها، مذكراً بما كان لهم من اياد بيضاء في نشر العلم والدين ورفع لواء الحضارة في أقطار المعمورة، وهي مقدمة مؤثرة وموحية، الا أنه لم يذكر فيها طريقته في كتابتها التي إنما وصفناها استقراء وتتبعا، والخطب في ذلك سهل كما يقولون.

ويعجب الباحث في هذه التراجم تركيز المؤلف فيها على ذكر مشيخة المترجم باسمائهم والقابهم واحياناً ببعض التعريف باحد أفرادهم كتاريخ وفاته ومدفنه وما الى ذلك وكذا ذكر مقروءات المترجمين من فنون وكتب، والفائدة في ذلك معرفة المتصدرين من أهل العلم للتدريس، المكونين لأطر جامعة القروبين وفروعها في المدة التي كان هؤلاء المترجم لهم احياء، ومعرفة العلوم والفنون التي كانت رائجة اذ ذاك، والتي تمثل ركائز الحياة العلمية والفكرية في المغرب.

ومن المثير في اسلوب التعبير عنده استعمال ما يسمى عند البديعيين بتعقيب المدح بما يشبه الذم، وذلك في بيان اختصاص المترجم أو ما يغلب عليه تعاطيه من فنون العلم فهو يقول مثلا انه عالم مشارك الا أنه أو بيد أنه راسخ القدم في النحو والفقه وما شابه ذلك، والقارىء البعيد عن هذه الأساليب ربما يتوهم ان ذلك الاستدراك فيه مآخذ على المترجم وهو بالعكس مدح مؤكد، وهذا الاسلوب قد اتبعة كذلك في فهرسته.

والأمر الذي يسجل له باعجاب هو هذه العبارات المتنوعة التي يصف بها جامعة القروبين عندما يذكر التحاق أي شخص من مترجميه بها لطلب العلم والانخراط في سلك الكارعين من مناهلها العذبة والتردد على مجالسها الحافلة، فعلى كثرة ورود هذا المعنى في الكلام على نشأة المترجمين وحياتهم الطلابية نرى المؤلف يعبر عنه بعبارات مختلفة كلها اشادة بهذا المعهد الخالد وتنويه به وتعظيم لشأنه ولكن بدون أن يعيد ما عبر به في هذا الشأن من قبل، ولا أن يستعمل الالفاظ التي سبق له ان استعملها في ذلك، وهو أمرٌ يدل على طول باعه وغزارة مادته، وحسن تصرفه في الكلام كما يدل حنى حبه وتقديسه لجامع القروبين المهد الذي درج منه هو واسلافه الكرام.

ومن هذا الوصف المقتضب يظهر لنا ان العمل الذي قام به الاستاذ ابن الحاج عمل قيم وان ما بذله في انجازه من مجهود يستحق كل تقدير وتنويه. ولذلك فنحن نحبيه تحية العلماء العاملين والاساتذة المخلصين.

ونشكره على ما أتاح لنا من الاطلاع على تراجم هؤلاء الرواد الذين افنوا حياتهم في خدمة العلم وصيانة الثقافة الاسلامية وابلاغها الى الجيل الذي اخذها عنه ليقوم بدوره بما قام به اسلافه ويعمل كما عملوا على حفظها واحياء التراث والمرابطة في حصونه ذودا عن الكيان المادي والمعنوي للشعب العربي المسلم في هذه البلاد وفي كل مكان تظله راية القرآن وترتفع فيه كلمة التوحيد - والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

عبدالله كنون - طنجة في شوال 1399

_________________________________________________

مقدمة المؤلف ابن الحاج السّلمي

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين اياك نعبد واياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

إن أجمل ما تحلى به الكتب والطروس واحسن شامة تزين بها وجوه الصحائف حمد الله تعالى بما يليق بجلاله من المحامد والثناء عليه بما هو أهله خالق الاكوان ومدير شأنها وبارىء النسمات ومفيض النعم الجليلة عليها الهادي من شاء بفضله الى أقوم طريق وانجح سبيل الذي جعل التاريخ عبرة وذكرى لقوم يعقلون، وانشأه زينة الفنون حيث قال في كتابه المكنون تعظيما له وتشريفا لأمره: 

﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن﴾، ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾، ﴿ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر﴾، ﴿كذلك نقص عليك من انباء ماقد سبق﴾، ﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحق﴾. 

واقتضت حكمته البديعة في سابق ازله أن ينزل عبده ونبيه آدم أبا البشر عليه الصلاة والسلام من الجنة الى الأرض لتكون موطن عمارته وعمارة أنساله وذريته من بعده: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع الى حين﴾، تتعاقب عليها الدول والشعوب والأمم والحكومات الى يوم الدين وزين كل غصر وجيل برجال عظماء وعباقرة نبلاء وجهابذة نحارير ورواد نبغاء، هم حملة الشريعة الغراء ومصابيح الظلام وقادة الانام.

والصلاة والسلام الزكيان الطيبان على عز العرب وبطل العروبة وفخر الاسلام سيدنا محمد ينبوع الحكمة والمعرفة ورسول السلام ونبي الارشاد والتوجيه الصحيح لخير الانسانية جمعاء الذي توج هامة التاريخ بما تواتر عنه عية من الاخبار وتناقلته الايمة الابرار وعلى آله بدور الهداية الاطهار واصحابه اعلام الرشاد الاخيار ما طلعت الشموس واضاءت الاقمار؛ وبعد: 

لا يعزب عن كل ذي لب أن علم التاريخ جليل الفائدة عظيم العائدة اذ هو كمرآة صافية مجلوة تنعكس على صفحتها أحوال الدول السالفة والامم الماضية، وما قامت به من الاعمال الخالدة والادوار الكبيرة وما مرت به من المراحل وقطعته من الاشواط العظيمة في طريق التمدن والحضارة، وما برزت به في مواطن البطولة والشهامة ومواقف الدفاع المستميت الصامد في وجه الاعداء ذيادا عن حوزة الدين وكيان الوطن وفي نواحي العمران والانشاء والاختراع والابتكار والادارة والحكم والعدالة والمساواة ووسائل العيش والمعاملات وفي مضمار المعارف والثقافات والترجمة وفي ميادين الاخلاق الرفيعة والفضيلة والقيم الروحية النبيلة والمثل السامية وفي غير ذلك مما ارتقت به تلك الأمم الى قمة المجد وصعدت به الى ذروة الشرف والعلياء.

وفي مقدمة تلك الأمم الاسلامية التي تفتخر - وحق لها أن تفتخر - برجالها الافذاذ النوابغ وعظمائها المفكرين وروادها المصلحين وعباقرتها المجددين فـي التاريخ الاشاوس الابطال المغاوير وفي طليعة الجميع وفي الصف الأمامي نبي الرحمة ورسول السلم والإسلام سيدنا محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة وازكى التحية والسلام الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب وجوامع الكلم، والذي قاد المعارك الحربية فهزم جحافل العدو الكاشح وفيالقه لا بكثرة السلاح المادي والعتاد الحربي وعظمة الجيش العرمرم وحسن تنسيقه واحكام ترتيبه وتنظيمه واتقان المخططات العسكرية، بل بالسلاح المعنوي والعتاد الروحي من رباطة الجأش وقوة الايمان المشرق نوره في قلبه الطاهر الايمان الذي لا يـهتز ولا تخضد له شوكة والجزم بانه يدافع عن مبادئ الحق والعدالة والحرية والدين القويم وانه سينتصر لا محـالة وتكون العاقبة له والدائرة على مناوئه تحقيقا لوعد الله الذي لا يخلف: ﴿ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم﴾، ولذلك لم تنكسر له راية ولم ينهزم له خميس.

ومن بعده اصحابه المشبعون بروح الاسلام، وباهر الايمان الوثاب الى المعالي والمقتقون أثره وهديه والسائرون على درب النضال بعده: ﴿محمد رسول الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، والتابعون من بعدهم السالكون نفس النهج وعين الطريق أمثال ابي بكر عبد الله بن أبي قحافة الصديق صهر رسول الله وأول من آمن به ورفيقه في الغار وصاحبه في المهاجر، وأبي حفص عمر بن الخطاب القرشي العدوي الفاروق صهر الرسول الذي أعز الله به الاسلام والمسلمين وعثمان بن عفان الاموي ذي النورين الذي جهز جيش العسرة وتبرع واحسن بالزيادة في المسجد النبوي بالمدينة، وليث بني غالب وباب مدينة العلم علي بن أبي طالب، والسيطين النبيلين ريحانتي الرسول الكريم، الحسن الذي لم الشعث ورأب الصدع وجبر الكسر بتنازله عن أمر الخلافة حقنا لدماء المسلمين المعصومة، وتطبيقاً لقولة جده المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، والحسين شهيد واقعة كربلاء وحمزة بن عبد المطلب شهيد غزوة أحد -أسد الله ورسوله وخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي سيف الله ورسوله المسلول على الاعداء وبطل موقعة اليرموك وأبي عبيدة عامر بن الجراح، واسامة بن زيد ووالده زيد بن حارثة أول مؤمن بالرسول من الموالي، وعمرو بن العاص فاتح أرض الكنانة مصر ومعاوية بن أبي سفيان وعقبة بن نافع الفهري فاتح المغرب الاقصى، والزبير بن العوام الاسدي، وحسان بن ثابت الانصاري، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص بطل وقعة القادسية، والعبادلة الأربعة: عبد الله بن عباس الهاشمي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر ووالده وآل ياسر وبلال بن رباح الحبشي وصهيب بن سنان الرومي وسلمان الفارسي الذي كان يقول عن نفسه اذا قيل له: ابن من أنت؟: أنا سلمان ابن الاسلام من بني آدم، والعباس بن عبد المطلب القرشي وعبد الله بن رواحة، وسعد بن عبادة الانصاري سيد الخزرج وسعد بن معاذ الانصاري الأشهلي سيد الأوس وسعد بن زيد وعبد الرحمان بن عوف الزهري وأبي سعيد سعد بن سنان الخدري وعقبة بن عامر وعبد الله بن سلام، وأبي هريرة عبد الرحمان بن صخر الدوسي، أحد الملازمين للنبي -صلى الله عليه وسلم -والمكثرين لرواية الحديث النبوي وطلحة الخير وعمران بن حصين وانس بن مالك وخزيمة بن ثابت الانصاري الذي جعل الرسول عليه السلام شهادته بشهادة رجلين وأبي بن كعب الانصاري وعبد الله بن مسعود الهذلي ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان امين سر الرسول عليه السلام وأبي ذر جنادة ابن جندب الغفاري وجابر بن عبد الله الانصاري الحرامى ووالده وحنظلة بن أبي عامر وجعفر الطيار بن أبي طالب الهاشمي وكأهل بدر ر عموماً.

وكعمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد العادل من بني مروان وعبد الملك بن مروان وشبله الوليد، ومـوسى بن نصير الفاتح الشهير وطارق بن زياد بطل الفتح الاندلسي الصنديد الصامد وقتيبة بن مسلم الباهلي وأبى جعفر المنصور الخليفة العباسي وهارون الرشيد الخليفة الهمام الورع الذي كان يحج سنة ويغزو، ونجله الخليفة العالم المامون منشئ بيت الحكمة ببغداد ومشجع العلم والعلماء الذي كانت له اليد الطولى والقدح المعلى في ميدان ترجمة العلوم الأجنبية والفقهاء السبعة ومن نحا نحوهم والايمة المجتهدين البررة كملك بن أنس الاصبحي امام دار الهجرة وخادم الفقه والسنة الذي أوذي في سبيل الله في قضية لزوم طلاق المكره المعروفة ومحمد بن ادريس الشافعي مؤسس علم أصول الفقه وابي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأحمد بن حنبل الشيباني البغدادي جبل السنة وخادم الحديث الشريف الذي امتحن وعذب في مسألة القول بخلق القرآن الكريم وكالخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض وسيبويه إمام النحاة وجمال الدين ابن هشام الانصاري وجمال الدين ابن مالك الجياني الاندلسي علمي علم العربية وصلاح الدين الأيوبي بطل معركة الحروب الصليبية الصبور المظفر والامام الفاتح بلاد المغرب البضعة النبوية الطاهرة، وإدريس بن عبد الله الكامل الحسني وشبله الغازي الأمام ادريس الثاني مشيد مدينة فاس ورافع قواعدها بلا التباس وعبد الله بن ياسين زعيم المرابطين ويوسف بن تاشفين باني مراكش الحمراء وعبد المؤمن بن علي الكومي أول خلفاء الموحدين ويعقوب المنصور الموحدي رافع قواعد رباط الفتح ويعقوب المنصور المريني وأبي عنان المريني والعلامة الشهير ولي الدين عبد الرحمان ابن خلدون المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع، ولسان الدين محمد ابن الخطيب السلماني الاديب المبدع في النظم والنثر والمؤرخ السياسي المحنك الخبير ذي الوزارتين واللسانين والعمرين والموتتين والقبرين واحمد المنصور الذهبي السعدي وأبي النصر المولى وإسـاعيل بن الشريف السجلماسي وسيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان من ملوك الدولة العلوية الشريفة وغبيرهم ممن بيضوا وجه التاريخ وكانوا غرة في جبين الايام وشامة في وجه الزمان فخلفوا ذكرا طيبا واثراً بارزا وسجلت لهم مواقف مشرفة غراء على صحائف بيضاء مشرقة في تاريخ الاسلام:

ارفع لنفسك بعد موتك ذكرها … فالذكر للانسان عمر ثان

كما تنعكس أيضا على صفحة تلك المرآة للمتصفح لكتب التاريخ وسجلاته مساوئ الأمم السابقة وما اتصفت به من الاخلاق الوضيعة وما قامت به من المجازر والمذابح التي يندى لها جبين الانسانية ويطلع بواسطتها على أسباب سقوط الدول المتعاقبة وما شاكل ذلك مما يكون موعظة وعبرة للعاقل المتبصر المتأمل الذي يجعل ذلك حافزا وذريعة لتحليه بالفضائل وتخليه عن الرذائل وتمسكه بمحاسن من سلف وتيذه مسـاوئهم وتلك فائدة التاريخ الواضحة ومنفعته الجلية كما قال الله تعالى في كتابه المكنون: ﴿لقد کان في قصصهم عبرة لأولي الالباب ما کان حدیثا یفترى ولکن تصدیق الذي بین يدیه وتفصیل كل شيء وهدی ورحمة لقوم يومنون، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾. 

فقد أوضح الله تعالى هنا ان في قص اخبار الغابرين وإذاعتها عظة للمتعظ من العقلاء وعبرة لهم وما حصيلة التاريخ الا العبرة والعظة وما فائدته الا التخلي والتحلي وان ذلك القرآن الذي قص هذا القصص ما كان حديث خرافة مختلقا وانما كان تصديقاً وتعزيزا لما سبقه من الكتب السماوية وتفصيلا لكل شيء من ما جريات الاحداث ووقائع الدهور وهداية وتوجيها ورحمة لقوم يتحلون بحلية الايمان وتشرق أفئدتهم بنوره المنير وأمر تعالى رسوله الكريم ان يقص وينشر بين اصحابه قصص الامم الماضية ليعتبروا ويتعظوا بما فيه من صالح وطالح وحسن وقبيح ويرحم الله الوزير المؤرخ الأديب لسان الدين ابن الخطيب حيث يقول في أرجوزته التاريخية: رقم الحلل في نظم الدول. المطبوعة بالحاضرة التونسية :

وبعد فالتاريخ والاخبار … فيه لنفس العاقل اعتبار

وفيه للمستبصر استبصار … كيف اتى القوم وكيف صاروا

يجري على الحاضر حكم الغائب … فيثبت الحق بسهم صائب

وينظر الدنيا بعين النبل … ويترك الجهل لأهل الجهل

وفضلا عن ذلك فان علم التاريخ مدخل لدراسة علم الفقه فقد أثر عن الامام الفقيه محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه انه قال: دأبت في قراءة علم التاريخ كذا وكذا سنة وما قرأته الا لأستعين به على الفقه. كما أنه من الحجج المنطقية المعقولة التي احتج الله تعالى بها على أهل الكتاب حيث قال وقوله الحق في كتابه المكنون: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في ابراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده أفلا تعقلون﴾. 

وذلك برهان ساطع ودليل قاطع على أثر التاريخ وأهميته القصوى وقيمته الجلى قال الله تعالى -وهو أصدق القائلين ﴿إن هذا لهو القصص الحق، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾، وقال في معرض الامتنان والخطاب لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿تلك القرى نقص عليك من انبائها، ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد، ولقد جاءك من نبإ المرسلین﴾.

ويحسن بي ويجمل أن أسوق في الموضوع دررا من كلام بعض العلماء للمساندة والتأييد والمعاضدة قال أبو بكر محمد بن محمد بن علي ابن خميس في مقدمة تاريخ مالقة حسما نقله عنه الحافظ المؤرخ الحجة شمس الدين محمد بن عبد الرحمان السخاوي المتوفى عام 902 من الهجرة في كتابه القيم : الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: إن أحسن ما يجب أن يعتنى به ويلم بجانبه بعد الكتاب والسنة معرفة الاخبار وتقييد المناقب والآثار ففيها تذكرة بتقلب الدهر بابنائه واعلام بما طرأ في سالف الازمان من عجائبه وانبائه وتنبيه على أهل العلم الذين يجب أن تتبع آثارهم وتدون مناقيهم واخبارهم ليكونوا كأنهم ماثلون بين عينيك مع الرجال ومتصرفون ومخاطبون لك في كل حال ومعروفون بما هم به متصفون فيتلو سورهم من لم يعاين صورهم ويشاهد محاسنهم من لم يعطه السن أن يعاينهم فيعرف بذلك مراتبهم ومناصبهم ويعلم المتصرف منهم في المنقول والمفهوم والمتميز في المحسوس والمرسوم ويتحقق منهم من كسته الآداب حليها وأرضعته الرياسة ثديها فيجد في الطلب ليلحق بهم ويتمسك بسبيهم.

وقال أبو إسحاق ابراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن أبي الدم الفقيه القاضي الحموي الشافعي: إنما الفائدة في التاريخ الاسلامي مع قربه من الصحة ذكره لعلماء هذه الأمة المحمدية وذكر محاسنهم وعلومهم ومواعظهم وحكمهم وسيرهم التي يستدل العامل بها في أموره ويتدبرها ويتفكر فيها فينتفع بما قالوه وعانوه وما ينقل عنهم من المحاسن دنيا وأخرى.

وقال السخاوي رحمه الله في كتابه الآنف الذكر نقلا عن بعض علماء الحنفية: فالتاريخ من المهمات العظام مقبول عند الانام مشتمل على فكر وعبر ومنطوق على مصالح ومحاسن على وجه معتبر ولولاه لم يصل الينا لا خير ولا أثر وهو غذاء الارواح والاشباح خزانة اخبار الناس والرجال معدن العجائب والغرائب والروايات والامثال زين الاديب وعمدة اللبيب عون المحدث وذخر الاديب يحتاج اليه الملك والوزير والقائد البصير وغيرهم ممن عز أمرهم انتهى المراد نقله منه.

وقال أيضا في نفس الكتاب: وما أحسن ما يلغني من الشعر في مدحه وأبين ما أعجبني مما يرغب في الاعتناء به وعدم طرحه قول القاضي الارجاني البديع الالفاظ والمعاني:

اذا علم الانسان أخبار من مضى … توهمته قد عاش من أول الدهر

 وتحسبه قد عاش آخر عمره  … اذا كان قد ابقى الجميل من الذكر

قد عاش كل الدهر من كان عالما … حليما كريما فاغتنم اطول العمر

ولو لم يكن من شرف هذا الفن الا أن البخاري رحمه الله صنف تاريخه في المدينة النبوية عند قبر النبي عليه السلام، وكان يكتبه في الليالي المقمرة، وسوى بينه وبين صحيحه حيث حول تراجمه بين القبر النيوي والمنبر الشريف، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين.

قلت: واستواؤهما ظاهر فانه لا يتوصل للحكم علی الحدیث الا به. انتهى المراد منه.

وفي هذا كله مقنع بفضل التاريخ ودحض ورد وتفنيد ونقد لمزاعم القولة المزيفة: التاريخ علم لا ينفع وجهالة لا تضر.

هذا ويقول العبيد الحقير المعترف بالعجز والقصور والتقصير المفتقر لرحمة ربه الغني محمد بن الفاطمي ابن عبد الكبير ابن الحاج السلمي المرداسي أحسن الله عاقبته وغفر ذنبه وستر عيبه وهفوته:

لما شرعت في جمع فهرستي الموسومة بهذا الاسم: اتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من اخذت عنه من الشیوخ، واطلع على المشروع بعض الاخوان الادباء من العلماء اقترح علي توسيع الدائرة وتعميم البحث في الموضوع بأن أترجم لثلة ممتازة من العلماء المعاصرين منتخبة من مختلف المدن المغربية ممن اشتهر في سماء العلم والمعرفة وعرف بسعة المادة وقوة العارضة وطول الباع وغزارة الاطلاع تعريفا بمركزهم العلمي ونبوغهم الثقافي وتخليدا لانتاجهم الفكري واشادة بآدابهم الجمة ومناقبهم الجزيلة ومحاسنهم العديدة وذلك لتكون الفائدة، أعم والنفع أجدى وأشمل فاستحسنت فكرته وحبذت اقتراحه ولبيت طلبه مشكورا وبكل لسان محمودا ومذكورا وشرعت مستعينا بالله القادر الفتاح المعين في كتابة تلك التراجم وفق مطلب الأخ المقترح الكريم؛ لتنظم دررها في عقد تأليف خاص مستقل عن الفهرسة حيث ان نظامها مقصور على الشيوخ ولا يناسب ادماج غیرهم فیها.

ولما عزمت على تطبيق الفكرة وتنفيذ الاقتراح وخططت تصميم البناء ووضعت اللبنة الأولى في الأساس، وسمت الكتاب بهذا العنوان: اسعاف الاخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين. وان شئت سميته: العنوان المعرب عن تراجم نخبة من علماء المغرب. أو البيان المطرب بتراجم فئة من علماء المغرب، أو القول المفصح المبين عن تراجم طائفة من علماء المغرب المعاصرين.

وقد جعلته مشتملا على مقدمة ومقصد وخاتمة ورتبت التراجم على حروف المعجم.

وختاما أبتهل الى الله العلي الحكيم أن يجعله من الاعمال المبرورة المشكورة والمساعي المتقبلة المحمودة الخالصة من الرياء والسمعة وأن يلهمني التوفيق والسداد لعبور محجة الهدى ومهيع الرشاد إنه ولي التسديد والاعانة والتأييد وهو حسبي ونعم الوكيل والنصير والكفيل.

المؤلف : محمد بن الفاطمي ابن الحاج السلمي -ارشده ولطف به الباري

__________________________________________________

الفهرس

تقديم .... 5

  1. سيدي أبو بكر زنيير ...... 15

  2. سيدي أبو بكر كسوس ..... 18

  3. الشيخ سيدي أحمد ابن عبد التبي السلاوي 21

  4. سيدي أحمد ابن تاويت….25

  5. مولاي أحمد الميشي ..29

  6. سيدي أحمد ابن الصديق الغماري .... 34

  7. سيدي أحمد أبو حسين ..39

  8. سيدي أحمد العمراوي … 42

  9. مولاي أحمد بن اليزيد البدراوي … 52

  10. السيد أحمد الكنسوسي… 55

  11. سيدي إدريس بن الماحي الادريسي القيطوني .. 59

  12. سيدي إدريس ابن خضراء… 64

  13. سيدي البشير أفيلال … 70

  14. سيدي محمد البشير الفاسي … 72

  15. سيدي التهامي البلغمي.. 74

  16. سيدي التهامي الوزاني… 77

  17. سيدي حجي زنيبر … 80

  18. سيدي الحسن ابن عبد الوهاب… 83

  19. سيدي الحسن العمراني الزرهوني .. 88

  20. سيدي الحسن ابن الصديق … 91

  21. سيدي الحسن الزهراوي … 96

  22. الشيخ سيدي الحسن مزور .. 100 

  23. سيدي خليل الورزازي … 104 

  24. سيدي محمد الراضي السناني .. 108 

  25. السيد الرحالي الفاروق.. 114

  26. سيدي رشيد الدرقاوي.. 118

  27. سيدي محمد الزمزمي ابن الصديق .... 121

  28. سيدي الطائع ابن الحاج السلمي ..... 124

  29. السيد الطاهر الفاسي ....... 128

  30. سيدي محمد إبراهيم الكتاني .. 135

  31. سيدي محمد بن أحمد العلوي .... 141

  32. سیدي محمد داود … 146

  33. السيد الحاج محمد الزرهوني ابن الفقيه 151

  34. سيدي محمد ابن عبد الله … 155

  35. سيدي محمد فتحا السوسي .. 161

  36. سيدي محمد التطواني … 164

  37. سيدي محمد بوعشرين … 167

  38. سيدي محمد أفيلال … 169

  39. الشيخ سيدي محمد ابن الحبيب الفيلالي .. 174

  40. سیدي محمد الصنهاجي .. 178

  41. سيدي محمد بن الحسن ابن سودة .... 180

  42. سيدي محمد فتحاً ابن سودة المري … 185

  43. - سيدي محمد بن الطيب البدراوي ..... 188

  44. سيدي محمد الصبيحي .. 190

  45. سيدي الحاج محمد التراب … 195

  46. سيدي محمد بن محمد ابن الحاج السلمي…197

  47. سيدي محمد الطنجي… 201

  48. سيدي محمد اللبادي .. 206

  49. سيدي محمد ابن المامون البدراوي .. 209

  50. سيدي محمد المرير … 215

  51. سيدي محمد اين عبد الله .. 220

  52. سيدي محمد العثماني .. 224

  53. سيدي محمد ابن سعيد المكناسي .. 228

  54. سيدي محمد العبّادي … 230

  55. سيدي محمد السرغيني .. 236

  56. سيدي محمد الترغي … 239

  57. سيدي محمد الفحصي.. 242

  58. سيدي محمد بن عبد الله العلوي ....245

  59. سیدي محمد أقصبي ..250 

  60. سيدي محمد التجكاني الحسني .. 253

  61. سيدي محمد المنوني .. 255

  62. سيدي محمد ابن عبد الرازق .. 269

  63. سيدي محمد سكيرج 272

  64. سيدي محمد الصديقي.. 279

  65. سيدي المختار السنتيسي .. 281

  66. سيدي محمد المختار السوسي.. 284

  67. . سيدي محمد المدني ابن الحسني … 319

  68. السيد المهدي السرغيني… 332

  69. مولاي المهدي العلوي .. 334

  70. سيدي الصديق الفاسي… 337

  71. سيدي العابد الفاسي. … 340

  72. سيدي العباس بتاني .. 344

  73. سيدي عبد الحي ابن الصديق… 351

  74. السيد عبد الرحمان الدكالي … 354

  75. سيدي عبد الرحمان الأزمي .. 356

  76. سيدي عبد الرحمان الغريسي.. 360

  77. سيدي عبد الرحمان الشفشاوني.. 374

  78. سيدي عبد الكبير الزمراني … 385

  79. مولاي عبد الله الفضيلي … 390

  80. سيدي عبد الله ابن الصديق … 394

  81. سيدي عبد الله الجراري .. 398

  82. سيدي عبد الله كنون.. 402

  83. سيدي عبد المجيد الفاسي… 409

  84. سيدي عبد العزيز ابن الصديق … 428

  85. سيدي عبد السلام بلقات .. 431

  86. سيدي عبد السلام الفاسي .. 434

  87. سيدي عبد السلام المسفيوي .. 437

  88. الأستاذ السيد عبد الهادي الشرايبي … 439

  89. سيدي عبد الواحد ابن عبد الله .. 444

  90. سيدي عبد الوهاب التازي .. 447

  91. سيدي عبد الوهاب ابن جلون… 450

  92. سيدي محمد العربي الخطيب .. 452

  93. سيدي العربي الشامي .. 456

  94. سيدي العربي التمسماني… 465

  95. سيدي العربي اللوه .. 469

  96. سيدي محمد علال الفاسي.. 472

  97. سيدي علي الذهبي … 486

  98. سيدي علي السباعي رافع.. 489

  99. الأستاذ سيدي أبو الشتاء الجامعي .. 492

______________________________________________

وبعد فالتاريخ والاخبار … فيه لنفس العاقل اعتبار

وفيه للمستبصر استبصار … كيف أتى القوم وكيف صاروا

من رقم (الحلل في نظم الدول) للمؤرخ الأديب لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله

****

اذا علم الانسان اخبار من مضى … ُُتوهمته قد عاش من أول الدهر

الشيخ سيدي الهاشمي ابن خضراء .... 496

وتحسبه قد عاش دوما مخلدا … اذا هو قد ابقى الجميل من الذكر

****

ليس بانسان ولا عاقل … من لا يعي التاريخ في صدره

ومن روى أخبار من قد مضى … أضاف أعمارا الى عمره


_____________________________________________

((معرفة أعمار العلماء والوقوف على وفياتهم من علم خاصة أهل العلم، وإنه لا ينبغي لمن وسم بالعلم نفسه جهل ذلك. وإنه مما يلزمه من العلم العناية به والقيام بحفظه)).

مقالة للامام الحافظ أبي عمر بن عبد البر النمري القرطبي رحمه الله في استذكاره نقلا عن الشيخ المواق من كتابه: ((سنن المهتدين))، وساقه الاستاذ المؤرخ المرحوم السيد عبد الله بن العباس الجراري في كتابه المطبوع: ((التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين من 1900 الى 1972))، بالجزء: 2 ص 299، أثناء ترجمة الشريف العلامة المرحوم سيدي جعفر بن ادريس الكتاني.

__________________________________________________