أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 25 يوليو 2026

طي اللسان عن ذم الطيلسان لحافظ عصره العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي رحمه الله ورضي عنه، ونفعنا بعلومه، آمين بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

طي اللسان عن ذم الطيلسان

لحافظ عصره العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي

رحمه الله ورضي عنه، ونفعنا بعلومه، آمين

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا الجزء النفيس، ألّفه الإمام جلال الدين السيوطي للدفاع عن لبس الطيلسان، والرد على من ذمّه أو عدّه من شعار اليهود، فساق الأدلة اللغوية والشرعية والتاريخية لإثبات مشروعيته، مع بيان أن كثيرًا من الاعتراضات ناشئ عن الخلط بين أنواع الطيالسة المختلفة.

وقد تضمن الكتاب التعريف بالطيلسان وبيان أسمائه، ولغاته، مستشهدًا بأئمة اللغة كالجوهري وثعلب وابن خالويه وغيرهم من العلماء، كما يبين أن الطيلسان لفظ فارسي معرّب، وأن العرب استعملته وأطلقت عليه أسماء متعددة مثل: الرداء، والقناع، واللفاع، والغطاء، والساج، والسدوس وغيرها. وبيّن كذلك أن العرب، وخاصة الفرسان والرؤساء، كانوا يتقنعون في الأسواق والمجامع والحروب؛ لإخفاء شخصياتهم أو اتقاء الأعداء. كما أنهم عدُّوا التقنع من علامات الشرف والهيبة.

وقد وقعت الإشارة إليه في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾، وروي عن سعيد بن جبير أن المراد بها التقنع وتغطية الرأس. كما ورد ذكره في عدد من الأحاديث والآثار؛ فقد دلّت الكثير من الأحاديث اعلى أن النبي ﷺ كان يتقنع بثوبه في مواضع متعددة، كالهجرة، والاستسقاء، وعند المرور بديار ثمود، وغيرها.

كما أورد آثارًا كثيرة عن الصحابة والتابعين والأئمة، مثل عثمان بن عفان، والحسن البصري، وطاووس، ومالك بن أنس، وغيرهم، تبين أنهم كانوا يلبسون الطيلسان أو يتقنعون.

وفي المقابل رد على من أطلق الذم على الطيلسان لبعض الأحاديث الواردة في ذمه؛ فناقش حديث أنس -رضي الله عنه- الذي شبّه فعل التطيلس بيهود خيبر، وحديث أتباع الدجال من يهود أصبهان. وبيّن أن هذه الأحاديث لا تدل على تحريم الطيلسان، وإنما تشير إلى نوع مخصوص كان شعارًا لليهود، أو إلى كثرة استعمالهم له، لا إلى أصل اللباس.

وقد فرّق السيوطي بين نوعين من الطيلسان: (الأول) التقنع: وهو تغطية الرأس والكتفين بالرداء، وهو الذي ثبت عن النبي ﷺ، وهو سنة. أما (الثاني) فهو الطيلسان المقوّر (الطرحة): وهو نوع مخصوص شاع عند اليهود، ويرى أن الذم الوارد في بعض الآثار متعلق بهذا النوع، لا بالتقنع المشروع.

كما ناقش الإمام السيوطي أقوال ابن القيم، وابن حجر، والزركشي، وابن العطار وغيرهم الواردة في ذم الطيلسان، وخلص إلى أن الخلاف سببه اختلاف المقصود بلفظ "الطيلسان"، إذ كان يطلق في القديم على أكثر من هيئة وثوب، وأوضّح أن التقنع وتغطية الرأس بالرداء سنة ثابتة عن النبي ﷺ في مواضع متعددة. وأنه ليس كل ما يسمى طيلسانًا مذمومًا، بل الذم إنما يتعلق بنوع خاص كان شعارًا لليهود. وأن أكثر من ذم الطيلسان لم يفرق بين المعاني اللغوية والاستعمالات التاريخية المختلفة للكلمة. 

ولذلك سمّى رسالته "طي اللسان عن ذم الطيلسان"، أي الدعوة إلى الكف عن ذمه بإطلاق، بعد ثبوت استعمال النبي ﷺ والصحابة والتابعين له في صورته المشروعة.

__________________________________________________

[نص المخطوطة]

الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذن اصطفى، هذا جزءٌ في الطيلسان سميته (طيُّ اللسان عن ذم الطيلسان)، وبه المستعان.

"ذكر أسمائه وعدتها ولغاتها"

له بضعة عشر اسماً: الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع: الطيلسان -بفح اللام، والطيلسان بكسرها، والطيلسان بضمها، والطالسان بالفتح، والطالسان بالكسر، والطيلس، والطلسن. قال ثعلب في "فصيحه": الطيلسان بفتح اللام، وقال الجوهري في "صحاحه": الطيلسان بفتح اللام، واحد الطيالسة، والهاء في الجمع للعُجمة، لأنه فارسيٌّ مُعرّب، والعامة تقول طِيلسان بكسر، وقال ابن خالويه في "شرح الفصيح": الطيلسان فيه ثلاث لغات طيلسان بفح اللام، وطيلسان بكسرها، والطالسان بالألف، حكاها ابن الأعرابي، والجمع" طيالس وطيالسة، دخلت فيه الهاء للعُجمة.

وقالوا في الفعل منه: تطلّستُ، وتطيلستُ، وأنشد ابن الأعرابي في "نوادره" على الطيلسان:

وليل فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ … بذلك من [خصاصة] طالسان

قال: الطالسان: الطيسان، وهو عجميٌّ مُعرّب.

وقال ابن قرقول في "مطالع الأنوار": الطيلسان بفتح اللام وكسرها، وأنكر الأصمعي الكسر: شبه الأرديةِ، توضع على الكتفين والظهر. 

وقال أبو بكر محمد بن خلف، المعروف بوكيع في كتاب "الغرر من الأخبار": قال حدثني [الكراني]، قال حدثني مقدم بن محمد، قال: قال [عرانة]: كان رجل يتكلّف النحو، وكانت له جارية تسمى زهرة، فناداها يا فَعْلة -من زهرت- هاتي فِيعلاني -من طلست - يريد طيلساني.

وقال في "القاموس": الطيلسان مثلث اللام، عن عياض وغيره: مُعرّب، أصله تالسْيَات. قال: والطلس بالفتح الطيلسان الأسود.

والثامن: الرداء، قال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": في حديث عبد الله بن زيد، أنه صلى الله عليه وسلم: حوّل الرداء في الاستسقاء، ما نصُّه: "الرداء": معروف وهو الثوب الذي يطرح على الأكتاف يلقى فوق الثياب، وهو مثل: الطيلسان إلا أن الطيلسان يكون على الرأس والأكتاف، والرداء يكون على الأكتاف وربما ترك في بعض الأوقات على الرأس، وسميت رداء كما يسمى الرداء طيلسانًا. انتهى.

قلتُ: ومما يدل على أن الرداء يُطلق على الطيلسان، ما أنشده الفالي في "أماليه" لبعض العرب يصف آخر ليله:

كأنّ شميط الصبح فِي أخرياتها ... ملاءٌ ينقّي من طيالسةٍ خضر

تخال بقاياها التي أسأر الدجى ... تمدّ وشيعاً فوق أردية الفجر

التاسع: القناع، وهو أكثر وروداً في الأحاديث والآثار.

العاشر: اللفاع بكسر اللام، قال في "الصحاح": اللّفاع: ما يلتفع به.

وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": المتلفع هو أن يُلقي الثوب على رأسه، ثم يلتف به. لا يكون الالتفاع إلا بتغطيته الرأس، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه، وفي "المحكم": الملفّعة ما تلفّع به من رداء ولحاف وقناع.

الحادي عشر: الغطاء.

الثاني عشر: الغشاء، وهو الوارد في القرآن.

الثالث عشر: الطاق، قال ابن فارس في "المجمل": والطاق الطيلسان.

وفي كتاب "الأيام والليالي": يُقال ليلة كالطاق يعني الحاشدة ظُلمها. 

والطاق ههنا: الطيسان. قال الشاعر:

وليلةٌ ذات جهامٍ إطباقِ … وذاتُ ألوانٍ كألوان الطاقِ

الرابع عشر: قال الفرا: الساج الطيلسان. قال الشاعر (العشى):

وليلٍ، يقولُ القومُ من ظلماتهِ: … سَوَاءٌ بَصِيرَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا

كَأنّ لَنَا مِنْهُ بُيُوتاً حَصِينَة ً… مُسُوحٌ أعَاليهَا وَسَاجٌ كُسُورُهَا

قال ابن خالويه في "شرح الفصيح": يُقال للطيلسان الأخضر: الساج.

والسادس عشر: السدوس -بفتح أوله -والسدس بضمه.

قال في "الصحاح": سدوس بالضم الطيلسان الأخضر. قال الأفوه الأزدي: 

وَاللَيلُ كَالدَأماءِ مُستَشعِرٌ ... مِن دونِهِ لَوناً كَلَونِ السُدوس

وكان الأصمعي يقول: السدوس بالفتح الطيلسان.

السابع عشر: البتُّ، قال الزبيدي في "مختصر العين" البتُّ ضرب من الطيالسة.

"ذكر السبب في اتخاذ العرب الطيلسان"

قال الجاحظ في كتابٍ: كان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع وفي أسواق العرب كأيام عكاظ وذي المحار وما أشبه ذلك التقنُّع، وكانوا يكرهون أن يُعرفوا أو يترسمهم أعداءهم. قال: والقناع من سيما الرؤساء، والدليل على ذلك والشاهد الصدق والحجة القاطعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لا يكاد يُرى -أي: متقنعاً -حتى كان الموضع الذي يُصيب رأسه من ثوبه، ثوب دهان انتهى.

وفي "الموقعيات" للزبير بن بكار: ذكر أبو عبيدة أن فرسان العرب كنت تقنّع في سوق عكاظ، وكان اول من وضع قناعه طريف، وكان فارساً شاعراً، فأتاه حمصيٌّ فجعل يتامله، فقال له طريف: مالك شديد النظر إليّ! قال: إني أرجو أن أسلك -أي: أذهب عنك-؛ فقال: طريف:

أوكلما وَرَدت عكاظُ قبيلة … بعثوا إليَّ عريفها يتبسَّمُ

"ذكر الإشارة إليه في القرآن الكريم"

قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5].

قال الشيخ ابن حيان في "تفسيره": حدثنا أبو بكر مكرّم، ثنا منصور أبي مزاحم، ثنا أبو سعيد بن المؤدب، عن سالم، عن سعيد بن جُبير في قوله تعالى: (يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ)، قال: التقنُّع.

"ذكر الأحاديث الواردة في فضله وإدامة لبس النبيّّ صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين له"

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة في حديث الهجرة، قالت: "فبينما نحن جلوسٌ يوماً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة؛ قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً متقنّعاً".

قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": أي طيلساً رأسه، قال: وهو أصلٌ في لبسه.

وأخرج الترمذي وابن سعد والبيهقي في "شعب الإيمانط عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُكثر التقنُّع بثوبه، حتى كان ثوبه ثوب زيّات.

وأخرج ابن سعد في "لطبقات" عن  أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُكثر القناع، ويُكثر دهن رأسه وتسريح لحيته.

وأخرج ابن سعدٍ عن طارق التيمي، قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد وعليه ثوب أصفر، قد قنّع به رأسه.

وأخرج البخاري والنسائي عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالحجر، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين، أن يُصيبكم مثل ما أصابهم، ثم تقنّع بردائه وهو على الرحل".

وأخرج أبو عُبيد في (غريب الحديث): عن يحيى بن أبي كثير، قال: مرّ رسول الله صلى اله عليه وسلم على إبلٍ لحيٍّ يُقال لهم بنو الملوّح أوبنو المصطلق، قد عبست فى أبوالها من السّمن، فتقنّع بثوبه، ثمّ قرأ: {ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدُّنيا}. قال أبو عُبيد: إنما تقنّع بثوبه امتثالاً للآية؛ لئلا ينظر إلى ما مُتّع به الناس.

وأخرج أحمد عن أسامة بن زيد، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَدْخِلْ عَلَيَّ أَصْحَابِي"، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَشَفَ الْقِنَاعَ، ثُمَّ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".

وأخرج الطبراني عن ابن عمر، قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: "الارتداء لبسة العرب، والالتفاع لبسة الإيمان".

وقال ابن سعد في "طبقاته": أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ السَّلاَمِ بْنِ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى الْحَارِثِيُّ، قَالَ: وُصِفَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم الطَّيْلَسَانُ، فَقَالَ: "هَذَا ثَوْبٌ لاَ يُؤَدَّى شُكْرُهُ".

وأخرج ابن عدي في "الكامل" من طريق نُعيم بن حماد، حَدثنا بَقية، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صَلى الله عَليه وسلم: تغطية الرأس بالنهار فقة، وبالليل ريبة.

وأخرج الصابوني في "المائتين": عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المعتكف يعود المريض، ويشهد الجمعة، فإذا أخرج من المسجد قنّع رأسه، حتى يرجع". قلتُ: في هذا الحديث إشارة إلى ما قاله بعض الصوفية: أن الطيلسان هو الخلوة الصغرى، فإن المقصود من الاعتكاف هو الخلوة، فإن أخرج من معتكفه لحاجةٍ دينية، شُرع له الطيلسان حرصاً على الخلوة ما أمكن.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن مرة بن كعب، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنةً فقرّبها، فمر به رجل مقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأخرجه أحمد من وجهٍ آخر عن كعب بن عجرة، وقال: "متقنّعٌ من ملحفه".

وأخرج أحمد والحاكم عن عائشة قالت: قدمنا من سفر، فتلقونا بذي الحليفة، فلقوا أسيد بن حضير فنعوا إليه امرأته ، فتقنع يبكي، وهو يسير بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن عدي من طريق مبشّر بن عبيد، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ايتوا المساجد حسراً ومقنعين، فإن ذلك من سيماء المسلمين".

وأخرج عن ابن مسعود، قال: "التقنع من أخلاق الأنبياء".

وأخرج البيهقي في "الشعب" عن أبي بكر الصديق، أنه خطب فقال: "يا معشر المسلمين، استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من الله عز وجل".

وأخرج الشافعي في "الأم": عن عبد الرحمن التيمي، قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، فقمت فإذا برجل يزحمني متقنعا بثوبي؛ استحيا من الله عز وجل، فنظرت، فإذا عثمانبن عفان.

وأخرج سعيد بن منصور في "سننه"، وابن سعد عن أبي الفلّا، قال: رأيتُ الحسن بن علي رضي الله عنها، يُصلي وهو مُقنّعٌ رأسه.

وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد": عن ثابت البُناني، قال: كنا نتبع الجنازة، فما نرى إلا مُتقنّعاً باكياً، أو متقنّعاً متفكّراً.

وأخرج ابن سعد من طريق: حبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنيسة -وكانت قد حجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم-، قالت: كان رجالنا يجيئون الجمعة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأرديتهم على رؤوسهم.

وأخرج ابن سعد: عن مولاة لعمر بن  عبد العزيز: أنه كان يُقنّع رأسه.

وأخرج ابن سعد: من طريق الفضل بن دُكين، قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرٌ قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا مِنْ أَكْثَرِهِمْ تَقَنُّعًا فَقُلْتُ لِفِطْرٍ: أَكَانَ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ؟ قَالَ: نعم.

وأخرج ابن سعد: عن هاني بن أيوب الجعفي، قال: كان طاوس يتقنع لا يدع التقنع.

وأخرج ابن سعد: عن يونس بن الحارث، قال: رأيتُ طاوساً يُصلي وهو مقتنع، فإذا كان الليل حسروا.

وأخرج ابن سعد: عن ونس بن الحارث، قال: رأيتُ طاوساً يُصلي، وهو متقنع.

وأخرج البخاري في "تاريخه" عن سُحيم بن هاني، قال: ما رأيتُ طاوساً إلا متقنعاً باكياً، فقلتُ ما يُبكيك؟ فقال: على العلم والعمل.

وأخرج ابن سعد: عن سليمان بن المغيرة، قال: رأيتُ الحسن يلبس الطاليسة.

وأخرج البيهقي في "الشعب: عن خالد بن خداش، قال: قلت لمالك بن أنس "فرأيت عليه طيلسانا وقلنسوة وثيابا مروية خياراً، وفي بيته وسائد وأصحابه عليها قعود"؛ فقلت يا أبا عبد الله: هذا الذي أراك به أشيء أحدثته أو شيء رأيت عليه الناس قال: لا بل شيء رأيت عليه الناس.

وأخرج ابن سعد: عن منصور، أنه رأى على إبراهيم النخعي طيلساناً مدبّجاً.

وأخرج ابن سعد: عن مُحِلٌّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ مِلْحَفَةً مُتَوَشِّحًا بِهَا. وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ مُتَفَضِّلٌ بِهِ. وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ إِمَامٌ.

وأخرج ابن سعد: عن مبارك بن فُضالة، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ يَضَعُ طَيْلَسَانَهُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فِي الصَّلاةِ.

وأخرج ابن سعد: عن عبد المؤمن السّدوسي،  قَالَ: كُنْتُ أَرَى عَلَى الْحَسَنِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الطَّيْلَسَانَ الْكُرْدِيَّ الْمُثَنَّى الْغَامِضَ السُّدى.

وأخرج ابن سعد: عن محمد بن راشد، قَالَ: كَانَ مَكْحُولٌ إِذَا صَلَّى يُسْدِلُ عَلَيْهِ الطَّيْلَسَان.

وأخرج ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ قَالَ: وَلِيَ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَاءَ بَعْلَبَكَّ. وَكَانَ مُحْتَاجًا. فَلَقِيَهُ دَاوُدُ بْنُ أبي شَيْبَانَ الدِّمَشْقِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا أبا مُحَمَّدٍ وُلِّيتَ القضاء بعد العلم والحديث؟ قال: نعم. نشدتك اللَّهَ أَتَحْتَ جُبَّتِكَ شِعَارٌ؟ فَقَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ. فَرَفَعَ سُوَيْدٌ جُبَّتَهُ وَقَالَ: لَكِنَّ جُبَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا شِعَارٌ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ هَذَا الطَّيْلَسَانُ لَكَ؟ قَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ. قَالَ سويد: فو الله مَا هَذَا الطَّيْلَسَانُ الَّذِي تَرَى عَلَيَّ لِي وَإِنَّهُ لَعَارِيَةٌ. أَفَلا أَلِي الْقَضَاءَ بَعْدَ هَذَا؟ فو الله لَوْ وَلَّوْنِي بَيْتَ الْمَالِ فَإِنَّهُ شَرٌّ مِنَ الْقَضَاءِ لَوَلِيتُهُ.

وفي كتاب "بهجة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر": عن إبراهيم بن سعد الداري، قال: كان الشيخ عبد القادر يلبس زي العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة.

فائدة: قال البخاري في صحيحه: "باب التقنع"، وأورد فيه حديث عائشة في الهجرة؛ لأجل قوله فيه: "فقال قائل لأبي بكرٍ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعاً"، قال: وقال ابن عباس: خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليه عصابة دسماء، وقال أنس: عصب النبيُّ صلى الله عليه وسلم على رأسه حاشية برد".

قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": التقنع تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره، قال: وقال الإسماعيلي: ما ذكره البخاري عن العاصبة لا يدخل في التقنع، فالتقنع تغطية الرأس، والعصابة: شد الخرقة على ما أخاط بالعمامة، قال الحافظ ابن حجر: الجامع بينهما وضع شيء زائد على الرأس فوق العمامة.

تنبيه: تعلق من أنكر الطيلسان بما في صحيح البخاري، عن أنس، أنه نظر إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة، فقال: «كأنهم الساعة يهود خيبر». ولابن خزيمة أن أنساً، قال: ما شبهت الناس في المسجد اليوم وكثرة الطيالسة إلا بيهود خيبر؟

والجواب: ما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر في "شرح البخاري" أن الذي يظهر أن يهود خيبر كانوا يكثرون من لبس الطيالسة، وكان غيره ممن الناس الذين شاهدهم أنس لا يكثرون منها، فلما قدم أنس البصرة، ورآهم يكثرون منها، فشبههم بيهود خيبر. قال: ولا يلزم كراهة لبس الطيلسان. قال: وقيل إنما أنكر ألوانهالأنها كانت صُفراً. وقيل: المراد بالطيالسة الأكسية. انتهى.

وكذا حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة" أخرجه مسلم؟

ولا شك أن الطيلسان مقول بالاشتراك، يُطلق على القياد الآن، وكان الأشهر في الصدر الأول، وهذا عندي هو المرا د بالحديث المتقدم، بأن يُقال فيه التقنع.

ويُطلق على نوع من الثياب النفيسة، ويكون ديباجاً وغيره، وكان إطلاق الطيلسان عليه في الصدر الأول شائعاً، وهذا عندي هو المراد في الحديث المتقدم، أنه وُصِفَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هذا ثوبٌ لا يُؤدَّى شُكره". يدل على أنه تركه لأنه من جملة النعيم؛ فتركه زهداً، وكان اليهود أهل نعيمٍ ومال، فكانوا يلبسونه.

ويحتمل أن يُراد بما في الحديث "التقنع" الذي كان يفعله، ويكون وصف بمعنى ذكر، وقوله: "هذا ثوبٌ لا يُؤدَّى شُكره" أي: لما فيه من نعمة العبادة، وليس المراد نعمة الدنيا.

ونعمة العبادة المشار إليها، هي الخلوة الحافظة للسمع والبصر والجامعة للفكر والرأي.

وقيل: إن المراد في حديث أنس الطيلسان  المُقوّر، وهو المسمى الآن بالطرحة، وكان شعار اليهود قديماً، ولم يلبسه صلى الله عليه وسلم قط، ولا أحد من أصحابه، إنما كانوا يلبسون الطيلسان الذي يدور على العنق، وكان إذ ذاك يُسمى "التقنع" لا التطيلس. وكان التطيلس إنما يُطلق على ذاك وهذا.

قال ابن القيم: غن التطيلس غير التقنع، وأشار إلى أن التقنّع هو السُّنة دو التطيلس، أي: لبس الطيلسان المشار إليه، وهو الذي لا يدور على العنق، ولا شك أن أن هذا بدعةٌ، ما لابسه رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، ولا أحدٌ من الخلفاء الأربعة، ولا من أكابر الصحابة، وإنما كان يلبسه اليهود.

وذكر العسكري: أن اول من لبسه في الإسلام من المغرب، واسمه عبد الله بن عامر بن كريز، وقيل: جُبير بن مُطعم، ويؤثر أن هذا هو المراد بما أخرجه أحمد، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه سلم ذكر الدجال، فقال: كأن معه سبعون ألفاً من اليهود، وعلى كُلّ رجلٍ ساجٌ وسيف.

قال ابن الأثير في "النهاية": الساج الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المُقوّر ينسج كذلك.

عودٌ على بدء من إطلاق الطيلسان على غير المعهو د الآن: ما أخرجه مسلم عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة، إلا هكذا»، وقال أبو عثمان: بإصبعيه اللتين تليان الإبهام فرئيتهما أزرار الطيالسة حين رأيت الطيالسة.

قال القرطبي: الأزرار جمع زر، ما يزر به الثوب بعضه على بعض، والطيالسة جمع طيلسان، وهو الثوب الذي له علم، وقد يكون كساءً.

قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وقد أغفل صاحب المشارق والنهاية في مادة ط ل س ذكر الطيالسة، وكأنهما تركا ذلك لشهرته، لكن المعهود الآن ليس على الصفة المذكورة هنا.

قال: ووقع في حديث أسماء بنت أبي بكر عند مسلم: أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه جبة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا يدل على أن المراد بالطيالسة في هذا الحديث ما يلبس فيشمل الجسد لا المعهود الآن.

وكذا رواه ابن سعد: أن بشر بن البراء أكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة التي سُمّت له يوم خيبر، فلما ازدرد أكلته،  لم يَرُم من مكانه عاد لونه كالطيلسان.

وأخرج ابن سعد: من طريق علي بن زيد، عن أبيه، عن عمته، عن أم معبد بنت خالد بن خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر.

وأخرج ابن سعد: من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق قال: رأيت نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - حججن في هوادج زمن معاوية عليها الطيالسة.

وأخرج ابن سعد: من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال:حج نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هوادجهنَّ الطيالسة.

وأخرج ابن سعد: عن إسماعيل بن عمران، قال: كان سعيد بن المسيب يلبس طيلسانا أزراره ديباج. قلتُ: أزرار طيلسانك ديباج؟ قال: وجدناه أبقى.

وأخرج ابن سعد: عن هشام بن عروة: أن عروة كان يلبس الطيلسان المزرور بالديباج-وهو مُحرِمٌ- ولا يزره عليه.

وأخرج ابن سعد، عن الربيع بن صبيح، قال: حدثني من رأى عمر بن عبد العزيز يصلي في جبة طيالسة ليس عليه إزار.

وأخرج ابن سعد،عن أبي إسحاق الصنعاني قال: دخل طاووس ووهب بن منبه على محمد بن يوسف أخي الحجاج. وكان عاملاً علينا. في غداة باردة. قال: فقعد طاووس على الكرسي. فقال محمد: يا غلام هلم ذاك الطيلسان فألقه على أبي عبد الرحمن. فألقوه عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى عنه الطيلسان. وغضب محمد بن يوسف؛ فقال له وهب: والله إن كنت لغنياً أن تغضبه علينا. لو أخذت الطيلسان فبعته وأعطيت ثمنه المساكين. فقال: نعم لولا أن يقال من بعدي أخذه طاووس. فلا يصنع فيه ما أصنع. إذا لفعلت.

فالمراد بالطيلسان في هذه الآثار كلها ما يلبس فيلبس الجسد، لا المعهود الآن.

تتمة: وقد نصّ على ما قلته من الاشتراك: الشيخ بدر الدين الزركشي في "الخادم"؛ فإنه قال: ذكر ابن العطاء في "شرح العمدة": بعد أن نقل عن الأصحاب، أن الإمام يوم الجمعة يزيد في التزن بارداء ونحوه، وليس من زينته الطيلسان، فإنه ليس من شعار الإسلام، بل هو من شعار اليهود، وكما ثبت في صحيح مسلم: أنه شعار السبعين ألف من اليهود التابعين للدجال، وقد نهى االشارع عن الشبُّه بهم، مع أنهم يمنعون من لبسه في بلاد الإسلام، لما فيه من الرفقة به.

قال الزركشي: وفي "المدخل" لابن الحاج نحوه، قال:  وقد ذكر في أخبار يهود إنما كانوا يعرفون في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بصفة هذا الطيلسان، فيكون ذلك تشبُّهاً بهم.

قال الزركشي بعد حكاية ذلك، ما نصُّه: "قلتُ": ذكر جماعة من أهل اللغة أن الطيلسان في تعليقه. وقد روى أبو داود في"سننه" عن عائشة، قالت في هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم: وأتانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم في وقتٍ لم يكن عادته أن يأتيان فيه، وهو متقنّعٌ. كلام الزركشي.

قلتُ: وهو كما اقال من أن المراد بالطيلسان في حديث اليهود غير المعروف الآن، لكن اعتراضه على ابن العطار ليس بجيد، فإن ابن العطار لم يقل إنه المعروف الآن شعار اليهود، وإنما قصد الطيلسان المقوّر، وهو الطرحة، فإنه شعارهم، وقد كانت خلفاء بني العباس أحدثوا لبس الطرحة السوداء على العمامة للخطباء، واستمر ذلك إلى زمن ابن العطار وبعده، وكان المتورعون من الخطباء يعدلون عن الطرحة إلى الطيلسان المعهود الآن، وهو المسمى في الصدر الأول بالقناع والرداء.

فبيّن ابن العطاء أن الارتداء هو السنة، وأن الطيلسان هو الطرحة الذي هو شائع للخطباء في عصره وقبله بدهر طويله أنه المذموم؛ لأنه بدعةٌ وشعار اليهود، ولم يكن ابن العطار ممن يخفى عليه الفرق، وإنما تتبع لفظ الحديث في الرداء والطيلسان، وما أُريد منهما في الحديث قصده، وفي ذلك التنفير عما ألفه الخطباء في طول مدة خلافة بني العباس من لبس الطرحة السوداء.

وقد أطبق أئمتنا في كتبهم على أنه يُستحب للإمام يوم الجمعة أن يتعمَّم ويرتدي، وعللوه بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، نصّ عليه بهذا اللفظ، الإمام الشافعي في "المحتصر"، وتبعه جميع الأصحاب كالماوردي في "الحاوي"، وإمام الحرمين في" النهاية"، وابن الصباغ في "الشامل"، ووالمتولي في "التتمة"، والشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، والرافعي في "الشرحين"، والنووي في "الروضة"، و"شرح المهذب"، وابن الرفعة في "الكفاية"، وغيرهم.

وقد قال ابن الرفعة في "كتاب عقد الذمة في الحاوي" حكاية وجهٍ أنه لا يجوز لأهل الذمة لبس الطيلسان؛ لأنه أحلُّ ملابس المسلمين. وحكاية في المطلب عن حكاية الحاوي والبحر معاً.

وقال الرافعي في "الشرح الكبير": وللذمي أن يتعمم ويتطيلس، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد. 

وفي "البحر" وجهٌ لمذهبنا: قل الزركشي في "الخادم: هذا النقل عن أحمد ليس على إطلاقه؛ فقد قال أبو يعلى من الحنابلة: لا يُمنعون من الطيلسان. قال: وهو المُقوّر الطرفين، المكفوف الجانبين، الملفّق بعضها إلى بعض، ما كانت العرب تعرفه وهو لباس اليهود قديماً، والعجم أيضاً. والعربُ تُسمّيه "ساجاً"، ويُقال: إن أول من لبسه من العرب جُبير بن مطعم، وكان بن سيرين يكرهه. انتهى كلام أبي يعلى.

ثم ذكر الزركشي: أن هذا هو المراد في لبس اليهود في حديث الدجال، قال: وليس هو المعروف الآن. قال: وممن نص على استحباب الطيلسان المعروف الان: القاضي حُسين في تعليقته. انتهى.

وقال ابن الرفعة في "الكفاية" في "باب الشهادات": قد يكون الشيء مروءٌ لقوم، وتركه مروءةٌ لآخرين، فإن السوفي لو تطيلس كان تاركاً للمروءة، وهو من الفقيه مروءة، والفقيه لو تمنطق وتطيلس يكون تاركاً للمروءة، وذلك من الشرطي مروءة. وذكر الرافعي في "الشرح"، والنووي في "الروضة" نحوه.

وعبارة صاحب "البيان": الكنّاس والشرطي لو تطيلسا؛ كان تركاً لمروءة، والفقيه لو تطيلس كان مروءة.

وعبارة البغوي في "التهذيب": الجمّال إذا لبس العمامة والدراعة الطيلسان نردُّ شهادته؛ لأنه يتمسخر، والفقيه إذا ترك ذلك في موضع يُستنكر تركه منه؛ نردُّ شهادته، وكذا في "النهاية" لإمام الحرمين، ومختصرها لابن عبد السلام، وغيرهما من كتب المذبه.

تنبيه" قلَّ إمام من أئمة الحديث إلا وعقد في كتابه باباً لسُنّة التقنُّع، منهم الإمام البخاري في صحيحه، قال: "باب التقنُّع" كما تقدمت الإشارة إليه، ومنهم: أبو داود في "سننه"، قال: "باب في التقنع"ن وأورد فيه حديث عائشة مختصراً، بلفظ: قالت عائشة بينا نحن جلوسٌ في بيتنا في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له فدخل. ومنهم: الترمذي في "الشمائل"، قال: "باب قناع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأورد فيه حديث أنس السابق. ومنهم: ابن سعد في "الطبقات"، قال: "باب ذكر قناع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأورد فيه حديث أنس من طريقين، ومرسل موسى الحارثي. ومنهم: البيهقي في "شعب الإيمان"، وأورد فيه حديث أنس، وحديث سهل بن سعد.

تنبيهٌ آخر: روى ابن عدي في "الكامل" بسندٍ ضعيف، عن علي رضي اله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التقنع، وقال: هو بالنهار شهرة وبالليل ريبة، ولا يتقنع إلا من قد استكمل الحكمة في قوله وفعله، فإذا كان كذلك فليتقنع. يعني: التطيلس.

وهذا الحديث ليس فيه كراهة التقنُّع مطلقاً، إنما فيه كراهته لغير العلماء؛ لأن الطيلسان من شعار أهل العلم، فينبغي أن لا يشاركهم فيه من ليس في مرتبتهم كما أشار إليه آخرين، بقوله: شُهر بما ليس فيه، وسخر الناس منه.

وقد نصّ العلماء على أنه ينبغي أن يكون للعلماء لباس يختصُّ بهم؛ ليُعرفوا فيُوقّروا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب: 59].

ومنه جُعلت العلامة الخضراء في عمائم الأشراف، ونصّ النووي في "الروضة": على انه ل تطيلس الجمّال، وركب بغلةً، كان ذلك من خوارم المروءة، التي ترد بها شهادته.

وقد نصّ الإسنوي في "طبقاته" وغيره: على أن العلماء فيما مضى كانوا يجيزون لبس الطيلسان كما يجيزون الإفتاء والتدريس ما صوّرته: (وقد أذنتُ له في لبس الطيلسان)، وذلك لأنه من شعار العلماء، فافتقر إلى إذن من المشايخ، ليكون شهادة بالأهلية.

ومن هذا الضرب لبس الصُّوفية الخرقة؛ فإنه يحتاج إلى إذن من شيخ مأذون له في ذلك، وخرقة التصوف نوعٌ من التقنُّع.

فائدة: قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" ذكر الواقدي أن رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في عرض ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، يلبسهما في الجمعة والعيدين.

ووقع في "شرح الأحكام" لابن بزيزة: ذراع الرداء كالذي ذكره الواقدي في ذراع الإزار، قال الحافظ ابن حجر: والأول أولى.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي. حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن طول رداء النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع أذرع. وعرضه ذراعان وشبر.

خاتمة: قال ابن سعد: أخبرنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يكره أن يعتم بالعمامة لا يجعل تحت الذقن منها شيئاً.

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" بلفظ: أنه كان يكره أن يعتمَّ إلا أن يجعل تحت لحيته وحلقه من العمامة.

وفي "مصنف عبد الرزاق": عنه أنه كره أن يقتصر على العمامة ولا يجعل تحت حنكه شيئاً. ويقول: تلك لبسة الشيطان.

وقال مالكٌ: ادركتُ في مسجد رسول لله صلى الله عليه وسلم سبعين محنكاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أميناً، وفي لفظٍ: لو استسقي لهم القطر؛ لسُقوا، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئاً كثيراً، وما أخذت عن واحدٍ منهم، وذلك انهم كانوا قد ألزموا انفسهم خف الله والزهد.

قال في "الصحاح": التحنك التلحي، وهو أن يُدير العمامة من تحت الحنك، وفي "الغريب" لأبي عُبيد في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أنه أمر بالتَّلحِّى، ونهى عن الاقتعاط"، يُقال: اقتعطها، فهو المنهيُّ عنه. وإذا أدارها تحت الحنك، قبل: تلحَّاها تلحِّيًا، وهو المأمور به. وكان طاووس يقول: تلك عمة لشيطان -يعني الأولى. انتهى كلام أبي عُبيد.

وقال ابن الأثير في "النهاية" في حرف القاف: في الحديث: «أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الاقتعاط» وهو أن يعتم بالعمامة، ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه. ويقال للعمامة: المقعطة. وقال الزمخشري في "الفائق": «المقعطة والمقعط» : ما تعصب به رأسك.

وقال ابن الأثير في "حرف اللام": «أنه نهى عن الاقتعاط، وأمر بالتلحي» وهو جعل بعض العمامة تحت الحنك، والاقتعاط: ألا يجعل تحت حنكه منها شيئاً.

وقال الجوهري في "الصحاح": الاقْتِعاط: شدُّ العمامةِ على الرأس من غير إدارة تحت الحنك. وفى الحديث " أنه نهى عليه السلام عن الاقتعاط وأمر بالتلحى". 

تم كتاب طي اللسان عن ذم الطيلسان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.

_________________________________________________

وفي "أوائل الجلال السيوطي": ما نصُّه: أول ما أحدث التسبيح بالأسحار على المنابر في زمن موسى عليه السلام، حين كان بالتيه، واستمر بعده إلى أن كان زمن داود عليه السلام، وبنى بيت المقدس؛ فرتّب فيه عدة يقومون بذلك ببيت المقدس على الالات (يعني كالأبواق) وبغيره بلا آلات في الثلث الأخير من الليل إلى الفجر، إلى أن خرب بيت المقدس، وقتل يحيى عله السلام، وثار اليهود على عيسى عليه السلام؛ فبطل ذلك في جملة ما بطل من شرائع بني إسرائيل.

واما في هذه الملة المحمدية؛ فكان ابتداء عمله بمصر، وسببه أن مسلمة بن مخلد الصحابي رضي الله عنه بنى وهو أمير مصر، بمناراً جامع عمرو، واعتكف فيه؛ فسمع أصوات النواقيس عاليةً، فشكى ذلك إلى شرحبيل بن عامر -عريف المؤذنين-؛ فقال: إني أمدُّ الأذان من منتصف الليل إلى قرب الفجر؛ فإنهم لا ينقسوا إذا أّنت.

ففعل ثم لما كان أحمد بن طولون؛ رتّب جماعةً نوباً يكبرون ويبحون ويحمدون، ويقولون قصائ زهدية، وجعل لهم أرزاقاً واسعة، ومن ثمَّ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المنابر.

فلما ولي السلطان صلاح الدين بن أيوب، أمر المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية، فواظب المؤذنون على ذكرها كل ليلة إلى وقتنها هذا. انتهى.

وأول ما أحدث التذكير يوم الجمعة لتهيئة الناس لصلاتها بعد السبعمائة من الهجرة في زمن الناصر بن قلاوون، ذكر ذلك كله المقريزي في خططه.

________________________________________________

فائدة: 

الطرق إلى الله تعالى خمسة: شريعة، وطريقة، وحقيقة، ومعرفة، ومحبة؛ فالشريعة سبعة أشياء: الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، والذكر، والأوراد، والصدقة، وعدم الغفلة، ووصاحبها: يحصل له من الكرامات الكشف الحسي بالعين، والكشف الخيالي فما يراه غيره في النوم يراه هو في اليقظة، والطريقة سبعة أشياء: التواضع، والنصيحة، والإخلاص، والكرم، والزهد، والورع، والنفس المطمئنة، وصاحبها: يحصل له أربع كرامات: المشي على الماء وعلى متن العواء، ويقطع الأرض في خطوة واحدة، ويأتي إليه الطعام والشراب والذهب والفضة من الغيب، والحقيقي سبعة أشياء: التوبة، والصبر، والشكر، والرضا، ومحاسبة النفس، والمراقبة، والإرادة، وصاحبها: يحصل له أرع كرامات: ينظر الملائكة، وينظر في اللوح المحفوظ، وينظر أولياء الله كلهم، وينظر الأموات في قبورهم، وكيف يُعذّبون ويُنعّمون، كل ذلك في اليقظة. والمعرفة سبعة أشياء: الجوع، والسهر، والصمت، والعزلة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وصابحاه: يحصل له أربع كرامات: ينظر إلى الكرسي، وإلى العرش، وإلى الجنة، وإلى حجب الأنوار، والمحبة سبعة أشياء: الوجد، والتواجد، والعشق، والشوق، والهيبة، والأنس، والحج، وصاحبها: يحصل له أربع كرامات: ينظر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلى حضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وينظر إلى نور الله القديم، ويخرج نصف روحه من جسده، وتتصور على صورة الآدمي، وتصعد إلى حضرة الله عز وجل؛ فيعرف مقامه بين أهل الله في تلك الحضرة، والله سبحانه أعلم.

________________________________________________

ترجمة النجم الخبوشاني المدفون بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنهما

قال ابن الملقن في "طبقات الشافعية": وهو محمد بن الموفق سعيد، نجم الدين، أبو البركات الخبوشاني، بضم الخاء -قرية من قرى نبيسابور، الزاهد. تفه على محمد بن يحيى، وكان يستحضر كتابه "المحيط"؛ حتى قيل إنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره، وله كتاب "تحقيق المحيط" في ستة عشر مجلدة.

قدم مصر واستطونهان وجاوز بتربة الشافعي، وكان السلطان صلاح الدين يُقرّبه ويوقره، وعمل له المدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وكان سليم الباطن، وبه وسوسة، ومن ورعه أنه كانيركب الحمار، ويجعل تحته البسةً لئلا يصل عرقه إليه.

وجاء الملك العزيز بن الناصر صلاح الدين إلى زيارته، وصافحه فاستدعى ماءً وغسل يده به، وقال: يا ولدي إنك تمسُّ القبّان، ولا تتوقّى الغلمان، فوجد عليه؛ فقال: اغسل وجهك فإني بعدُ لمستُ وجهك، وغسل وجهه، وكان الشيخ يقول بلمئ فيه: اصعًدُ إلى مصر وأُزيل ملك بني عُبيد اليهودي، فصعدها، وصرخ يسبُّ أهل العصر، وجاءوا في أسره، وأرسلوا إليه بمالٍ عظيم، فلما وقع بصره على رسولهم وهو بالزي المعروف، أفضى إليه بأشد الغضب، وقال: ويلك ما هذه البدعة! وكان الرجل قد زوّر في نفسه كلاماً يلاطقه، فأعجله عن ذلك، ورمى الذهب بين يدي الشيخ، فضربع على رأسه، وصارت عمامته حلقاً في عنقه، وأنزله من السلم وهو يرمي بالدنانير على رأسه، وسب أهل العصر وعلى يده كان خراب بيت العُبيديين.

وقد كان بدء ملكهم من تسع وتسعين وأربعمئة، واستمروا إلى أربع وستين وخمسمائة، وفعلوا كل قبيح، ولما توفي العاضد، وتهيّب صلاح الدين من الخطبة لبني العباس، خوفاً من عود دولة العبيديين، وحذّرا من الشيعة؛ فوقف الخبوشاني، وأمر الخطيب أن يذكر بني العباس؛ ففعل ولم يكن إلا الخبر. وكتب إلى بغداد وأظهر من الفرح فوق الوصف، وانقطعت تلك الشجرة الخبيثة التي لو لم يكن فيها إلا الحاكم أحد خلفائهم الذي أدّعى الإلهية مرةً، وسوّى بين الأديان أخرى، ثم أخذ الخبوشاني في بناء الضريح الشريف المطلبي على ساكنه أفضل الرضوان.

وَكَانَ ابْن الكيزاني رجل من المشبهة، قال الذهبيُّ: إنه من أهل السنّة، وكان مَدْفُونا عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ؛ فَقَالَ الخبوشاني: لَا يكون صديق وزنديق فِي مَوضِع وَاحِد، وَجعل ينبش وَيَرْمِي عِظَامه وَعِظَام الْمَوْتَى الَّذين حوله من أَتْبَاعه، وتعصبت المشبهة عَلَيْهِ، وَلم يبال بهم، وَمَا زَالَ حَتَّى بنى الْقَبْر والمدرسة ودرس بهَا.

ولما أخرج صلاح الدين إلى الفرنج نوبة الرملة جاء الخبوشاني إلى وداعه، والتمس منه أموراً من المكوس يسقطها عن الناس فلم يفعل، وقال له الشيخ: قم إلى نصرك، ووكزه بعصى فوقعت قلنسوة السلطان من رأسه، فوجم لها ثم نهض متوجهاً إلى الحرب، فكرَّ ثم عاد إلى الشيخ، وقد بان وعرف أن ذلك بسبب دعائه، وكان تقي الدين عمر بن أخي السطان له مواضع يُباع فيها المزر (الخمر)، فكتب الشيخ ورقة إلى السلطان أن هذا عمر لا جبره الله له مواضع يبيع المزر فيه، وما السلطان آل عمر، وقال: لا طاقة لنا بهذا الشيخ فأرضه، فركب إليه؛ فقال حاجبه: قف بباب المدرسة حتى أسبقك إليه، اأوطئ لك، فدخل فقال: إن تقي الدين يُسلم عليك، فقال الشيخ: بل شقي الدين لا سلم الله عليه، فقال: إنه معتذرٌ، ويقول: ليس لي موضعٌ يُباع فيه المزر، فقال: يكذب، قال: إن كان هناك موضع مزر فأرناه، فقال له الشيخ: أدن وأسكَ ذوائبه، وجعل يلطمه على وجهه،ويهزه ويقول: لستُ بزاراً، فأعرف مواضع المزر، فخلّصوه من يده، وخرج إلى تقي الدين، وقال: فديتك بنفسي.

ودخل يوماً القاضي الفاضل وزير السلطان لزيارة الشافعي، فجعل يلقي الدرس على كرسي ؛ فجلس على طرفه وجنبه إلى القبر، فصاح الشيخ فيه: قم، قم، ظهرك إلى الإمام. فقال القاضي: أنا وإن استدبرته بقالبي فإني مستقبله بقلبي، فصاح فيه مرة أخرة، وقال: ما تعبدنا بهذا، فخرج القاضي مدهوشاً.

ولد سنة عشر وخمسمائة، كما قال المنذري، وحدث عن أبي الأسعد القشيري، وكان لا ياكل من مالك الملوك لقمة، ولا يأخذ من ريع المدرسة فلساً، وكان يأخر من مال تاجر من أهل بلده، مات سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وكُفّن في كسائه  الذي جاء بها معه من خبوشان. ودُفن في قبة منفردة تحت رجلي الشافعي، وبينهما شباك.








الاثنين، 20 يوليو 2026

الخلاصة في صفات المنافقين علي بن نايف الشحود بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الخلاصة في صفات المنافقين

 علي بن نايف الشحود

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: النفاق ليس مجرد ظاهرة تاريخية ارتبطت بالمدينة المنورة، بل هو نموذج إنساني متكرر، يُعاد إنتاجه في كل زمان ومكان، وهو من أسوأ الظواهر البشرية، التي تنم عن الضعف النفسي، والعجز عن المواجهة والاعتراف بالحقيقة؛ لأن المنافق في حالة تذبذب واهتزاز داخلي مستمر، يجعله في موقف المتردد بين صفوف المشركين وصفوف المؤمنين، والذي يحدد الموقف هو مدى الارتباط بالمصالح المادية والفردية، ما يقتل في داخله كل أشكال التدين والصدق والإيمان باليوم الآخر.

أما النفاق في صورته الاجتماعية البسيطة يأخذ صبغة المخادعة، والتلون، والاضطراب؛ أما صبغته الدينية فتتخذ صورة خاصة، وهي إظهار الإيمان وإبطان الكفر مصانعةً للطرف الأقوى في المجتمع وهم المسلمون، الأمر الذي لا ينطلي على خصوص المؤمنين، الذين ظهر لهم الحق ببراهينه الساطعة وأنواره اللامعة. 

ولما كثرت خصال النفاق؛ وأمكن أن يتصف المرء ببعض تلك الخصال، كان لا بد من الاحتياط من هذا الجانب، كيف وقد كان الكثير من الصحابة يخشون على أنفسهم من النفاق؛ افكان عمر بن الخطاب ينشد حذيفة بن اليمان إن كان الرسول ﷺ قد سماه بين المنافقين، وأدرك ابن أبي مليكة ثلاثين من الصحابة كلهم يخاف النفاق على نفسه.

وإذا أردنا معرفة الخصلة الطاغية على المنافقين، والتي لا تفارقهم في المكان والزمان، فهي خصلة الشك والإنكار، الأمر الذي يورث اختلال موازين الخير والشر في نفوسهم، ويُفضي إلى سلوكيات عملية تظهر في ادّعاء الإصلاح، والتعالي على المؤمنين، والإعجاب بالنفس والشعور بالفوقية، واللجوء إلى التآمر والكيد، مما يجعل صفقتهم خاسرة في الدنيا والآخرة.

وفي مواقف الأزمات والمصائب؛ تراهم يتعللون بالأعذار الواهية والحجج الكاذبة في الدفاع عن المؤمنين، بل يُظهرون الشماتة بالمسلمين، مروجين لباطلهم بكل أساليب الخداع والتمويه. أضف إلى ذلك جلدهم المستميت لبث الفتنة، والفرقة بين المسلمين، وعملهم على نشر الشائعات لتفتيت الصف الداخلي، وقد يتخذوا المظاهر الدينية ستاراً لمؤامراتهم كما فعلوا في بناء "مسجد الضرار" الذي أُسس على الكفر لتفريق كلمة المؤمنين، ومقراً لمن يحارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما في الأخلاق والسلوكيات اليومية، فإن أسّ بنيان النفاق هو الكذب، وخيانة الأمانة، وإخلاف الوعد، والغدر بالعهود، والفجور عند الخصومة. كما أنه خواء من التقوى والعمل، والعبادة عنده ثقيلة؛ فيقوم إلى الصلاة كسلان مراءً للناس ولا يذكر الله إلا قليلاً، ويؤخر الفريضة حتى يسرقها مسرعاً بلا خشوع. كما يجمع المنافقون بين البخل الشديد بالمال والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، ولا يسلم أحد من أذاهم؛ حيث يسخرون من صدقات الأغنياء باتهامهم بالرياء، ويستهزئون بجهد الفقراء لقلة مالهم.

وينقسم النفاق من حيث الأحكام الشرعية إلى نوعين رئيسيين: (الأول) نفاق أكبر (اعتقادي) يخرج من الملة ويشمل من يبطن تكذيب الرسول أو بعض ما جاء به وصاحبه مخلد في الدرك الأسفل من النار، و(الثاني) نفاق أصغر (عملي) يتعلق بالسلوك والعمل دون الاعتقاد وصاحبه من عصاة أهل الملة. 

وقد قررت الشريعة إمكانية اجتماع شعب من الإيمان والنفاق في العبد بحسب طاعته ومعصيته، ولخطورة هذا المرض وإحباطه للأعمال الصالحة، كان كبار الصحابة وأكابر التابعين يعيشون في رعب ووجل دائم من النفاق الخفي، ويحذرون من سوء الخاتمة وسلب الإيمان.

وتقتضي السياسة الشرعية معالجة النفاق بناءً على الظاهر ما دام مخفياً؛ فلم يقتل النبي ﷺ المنافقين رعايةً لظاهر الإسلام، ومنعاً لإشاعة أن محمداً يقتل أصحابه، ومع ذلك فقد أكّدت الشريعة على وجوب الحذر منهم، وحرمانهم من تولية شؤون الحرب والحكم لانتفاء الأمانة والعدالة فيهم. كما حرّمت الصلاة على من عُلم نفاقه بيقين أو الاستغفار له أو القيام على قبره، كما حرّمت إطلاق لفظ "السيد" عليهم لما فيه من تعظيم لمستحقي الصغار. وفي المقابل فإنه يُعزر من نبذ مسلماً بالنفاق بلا بينة.

ولما كان الجزاء من جنس العمل، كانت عاقبة المنافقين متفقة تماماً مع خسة أعمالهم؛ فنرى أن الله تعالى يستدرجهم بالنعمة والعافية في الدنيا لتنقلب أموالهم وأولادهم وبالاً وهمّاً عليهم يوم القيامة، وتتوفاهم الملائكة بالضرب على الوجوه والأدبار، وصولاً إلى العذاب المهين والخلود الأبدي في الدرك الأسفل من النار، وحرمانهم التام من شفاعة الرسول ومغفرة الله حتى لو استُغفر لهم سبعين مرة. 

ورغم فظاعة هذا الجرم القلبي والسلوكي، يظل المنهج الرباني الملاذ الآمن والرحيم لهذا الصنف من الناس؛ إذ لا يزال باب النجاة والتوبة النصوح للمنافقين مفتوحاً، بشرط الإصلاح السلوكي، والاعتصام بالله، وإخلاص الدين له ليتخلصوا من التذبذب ويلحقوا بصف المؤمنين الصادقين.

وهذا الكتاب النفيس للشيخ علي بن نايف الشحود يتناول صفات المنافقين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث عرض مجموعة من النصوص الكريمة التي تناولت صفات المنافقين وطبيعتهم، مع مناقشتها تفسيرياً وتربوياً، وذلك بالنقل من بعض الكتب، مثل: "أيسر التفاسير" و"في ظلال القرآن"، وغيرها.

أما الآيات التي تناولها بالمناقشة والتفسير؛ فهي: آيات سورة البقرة (8 - 16) وفيها ذكر أوصاف المنافقين نفسياً، ثم سورة آل عمران (166 - 168) وفيها بيان سلوك المنافقين في غزوة أحد عسكرياً، ثم سورة النساء (60 - 63)، وفيها بيان موقف المنافقين من التشريع، و(سورة المنافقون)، وفيها بيان مواقفهم المثبطة للمؤمنين، ودعوتهم في القضاء على الدعوة.

 وقد قسّم كتابه إلى مقدمة وست مباحث وخاتمة، كما يلي:

المبحث الأول: المنافقون في القرآن الكريم (ذكر فيه الآيات الكرريمة، مع تفسير مختصر للآيات).

المبحث الثاني: المنافقون في السنة النبوية (جمع وشرح أكثر من 100 حديث صحيح وحسن).

المبحث الثالث: أحكام المنافقين في الفقه الإسلامي.

المبحث الرابع: أهم صفات المنافقين للتحذير منها.

المبحث الخامس: صفات المنافقين عند الإمام ابن القيم.

المبحث السادس: طرق الوقاية من النفاق، تليها خاتمة عن مضار النفاق.

___________________________________________________

ويمكن تلخيص هذا الكتاب في نقاط مرتبة

نبت النفاق في العهد المدني كمرض قلبي مدفوع بالمصالح الشخصية؛ والمنافقون هم أشد الناس عداءً للمسلمين لخفاء كيدهم، وجزاؤهم الدرك الأسفل من النار.

المنافقون يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر مخادعةً للمؤمنين، لكنهم في الحقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم؛ لكون الله عاصماً لأوليائه.

قلوب المنافقين عليلة بالشك والنفاق، وبسبب انحرافهم يمرضون أكثر كعقوبة ربانية عادلة.

إثارة المنافقين للفتن وموالاتهم للأعداء، وإذا عُوتبوا تبجحوا بادعاء الإصلاح نتيجة اختلال موازين الخير والشر في نفوسهم.

رمي المنافقين للمؤمنين الصادقين بـ "السفه" ترفعاً وكبراً، بينما هم السفهاء حقيقةً لجهلهم وضلالهم.

تآمر المنافقين وتلونهم أمام المؤمنين وعند لقائهم، فإذا خلوا إلى كبرائهم وسادتهم (أحبار اليهود ورؤوس الشرك) أظهروا حقيقتهم وادعوا الاستهزاء بالمسلمين.

تمثل النفاق عملياً في انسحاب (عبد الله بن أبي بن سلول) وثلث الجيش قبل المعركة؛ تعللاً بمبررات واهية مثل ادعائهم عدم علمهم بوقوع القتال حقيقة.

لم يكتفِ المنافقون (بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول) بالتخاذل وقت الأزمة، بل حاولوا إيقاع الفتنة والحسرة في قلوب أهالي الشهداء بقولهم: «لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا»؛ رغبةً منهم في تصوير خذلانهم كـ "مصلحة وحكمة"، وتصوير طاعة الرسول كـ "مغرم ومضرة".

يُنكر الله على مَن يزعم الإيمان ثم يترك شريعة الله ليتخلى عنها ويتحاكم إلى "الطاغوت" (كل حكم أو عرف جاهلي لا يستمد من الوحي). وإذا دُعوا لحكم الرسول أظهروا صدوداً وإعراضاً متعمداً.

إذا وقع المنافقون في مصيبة أو افتُضح أمرهم، جاؤوا يعتذرون ويحلفون كذباً بأنهم ما أرادوا بالتحاكم لغير الشريعة إلا المداراة والتوفيق بين الأطراف اتقاءً للمشكلات.

سياسة التعامل معهم: أَمَر الله نبيّه بالتعامل معهم بـثلاث طرق: (الأول) الإعراض عنهم: بعدم إظهار البشاشة والتكريم لإثارة الشكوك في نفوسهم. (الثاني) الوعظ والتذكير: بتقديم النصح بالخير بطريقة تَرِق لها القلوب. (الثالث) القول البليغ: بمخاطبة أنفسهم مباشرة بالوعيد والتهديد المؤثر إن أصروا على نفاقهم.

بينت الآيات الكريمة قاعدة أساسية وهي أن الرسل أُرسلوا ليُطاعوا ويكون لهم سلطان واقعي يحكم الحياة، ويقسم الله بذاته العلية أنه لا يتحقق الإيمان لأحد حتى يُحكّم شريعة الرسول في كل شؤونه برضى نفسي وتسليم قلبي كامل.

استنكر القرآن اختلاف المسلمين وانقسامهم إلى فئتين في الحكم على جماعة من المنافقين (الذين كانوا يظهرون الإسلام بالقول ويظاهرون الأعداء بالفعل)؛ فالمداهنة والتسامح معهم يُعدّ خللاً في فهم حقيقة الإيمان.

أكد القرآن الكريم على أن الله سبحانه أركسهم (أي: أوقعهم في شر أعمالهم وضلالهم)، وأنهم لا يقنعون بضلال أنفسهم بل يودون ويرغبون في كفر المؤمنين ليتساوى الجميع في الضلال.

المقياس الحقيقي للإيمان، هو تطابق القول والعمل، فالإيمان ليس مجرد كلمات تنطق باللسان، بل هو قول يصدقه العمل.

يظهر خطر المنافقين في كونهم يظاهرون الأعداء على المسلمين، كما انهم يسعون جاهدين لرد المسلمين إلى الكفر ليكون الجميع سواء، لذا حذر القرآن من اتخاذهم أولياء.

يقوم المجتمع المسلم على رابطة العقيدة والمنهج المشترك، وليس على روابط الدم، أو القرابة، أو المصالح الاقتصادية. لذلك، لا ولاية لمن يزعم الإسلام ويبقى في "دار الحرب" دون هجرة صريحة في سبيل الله.

يتسامح الإسلام مع أصحاب العقائد الأخرى الفصيحين في كفرهم؛ فيحمي دماءهم، وأموالهم، ويمنحهم حرية التحاكم لشريعتهم في شؤونهم الخاصة، بشرط عدم الطعن في الدين أو زعزعة النظام العام.

بينما يرفض الإسلام كل أشكال وصور االنفاق الاعتقادي والعملي، وكذلك التشريعي، وهم من يمنحون حق التشريع والحاكمية لغير الله، أو من يقيمون في دار الكفر لمناصرة الأعداء؛ فالإسلام دين جاد يرفض الميوعة في العقيدة.

كما يرفض الإسلام شدة "المتشددين" الذين يعتمدون على العنف والاندفاع المطلق في محاربة المتلونين من اهل النفاق، كما يرفض تميع "المعتذرين" الذين يحصرون الجهاد في الدفاع الضيق عن الوطن، مغفلين غايته الأسمى في حماية حرية الدعوة وتأمين حرية الاختيار العقدي للبشر.

التوازن الأصيل في الإسلام يجمع بين الحسم والسماحة، وكل صفة تُستدعى في موضعها المناسب وفقاً للواقع المعاش.

من أبرز صفات المنافقين هي اتخاذ الكافرين (وخاصة اليهود آنذاك) أولياء من دون المؤمنين، ظناً منهم أن لديهم القوة والمنعة، متناسين أن العزة لله وحده وبيده يمنحها لمن يشاء.

يتلوّن المنافقون وفق ميزان القوى؛ فإذا انتصر المسلمون ادعوا أنهم معهم لينالوا المغانم، وإذا أصاب الكفارُ نصراً توددوا إليهم زاعمين أنهم كانوا ظهيراً لهم ومثبطين للمسلمين.

يعيش المنافق في حيرة وتذبذب؛ فلا هو استقر مع المؤمنين بظاهره وباطنه، ولا انحاز للكفار علانية.

يتعامل المنافقون مع الشعائر الدينية كمظاهر سطحية، فالصلاة عندهم عبء ثقيل، فيقومون إليها كسالى بدافع الرياء ومصانعة الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

وعد الله قاطع بأنه لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً. وإذا حدثت هزيمة مؤقتة للمسلمين في التاريخ (كغزوتي أحد وحنين)، فإنها لا ترجع لقوة الكفر، بل لوجود ثغرة في حقيقة الإيمان (كمعصية الرسول، أو الطمع في الغنيمة، أو الاغترار بالكثرة).

النصر لا يتحقق بالعناوين والشعارات (مظاهر الإيمان)، بل بتمثل الإيمان حقيقةً في القلوب وسلوكاً في الواقع، ومن ذلك إعداد العدة والأخذ بأسباب القوة. فالإيمان صلة بالقوة الكونية الكبرى التي لا تُغلب، بينما الكفر انقطاع عنها.

الهزيمة الحقيقية هي هزيمة الروح واليأس، أما انكسار المعركة الذي يورث اليقظة واستدراك الأخطاء فهو مقدمة للنصر.

آصرة التجمع الحقيقية في الإسلام هي العقيدة المشتركة عبر الأجيال والبلدان، وليس الاعتزاز الجاهلي بالآباء الكفار أو القوميات القديمة (كالفراعنة والفينيقيين).

تثير مواقف المنافقين المتخاذلة والمتذبذبة احتقاراً واشمئزازاً في نفوس المؤمنين، مما يساهم في إضعاف الروابط الشخصية والمصلحية معهم، لتميز الصف المؤمن وتطهيره.

رغم فظاعة جرمه المنافقين، إلا أن الله تعالى فتح لهم باب التوبة بشرط: (الإصلاح، والاعتصام بالله، وإخلاص الدين له)، ليتخلصوا من التذبذب وينضموا إلى الصف المسلم بصدق، لينالوا أجر المؤمنين العظيم.

أبرز صفات المنافقين في كتاب الله تعالى

1-الكذب والحلف الكاذب: يكثر المنافقون من الأيمان الفاجرة لإرضاء المؤمنين والتغطية على إساءاتهم للنبي ﷺ، مع أن الله ورسوله أحق بالإرضاء.

2-الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف: يتشابه رجالهم ونساؤهم في نشر الرذائل (كالخيانة ونقض العهد) وتثبيط المسلمين عن الطاعات والإنفاق في سبيل الله.

3- إخلاف العهود والبخل: يعاهدون الله على الصدقة والصلاح إن آتاهم من فضله، فلما رزقهم بخلوا وتولوا، فأعقبهم ذلك نفاقاً لازماً في قلوبهم.

4- لمز المؤمنين والسخرية منهم: لا يسلم أحد من أذاهم؛ فإن تصدق غني اتهموه بالرياء، وإن تصدق فقير سخروا من قلة ماله.

5- الخوف المستمر من الفضيحة: يعيشون في رعب وارتياب دائم من أن تنزل آيات قرآنية تكشف أسرارهم وتفضح عوراتهم.

6- الإرجاف في المعارك وترهيب المسلمين بتخويفهم من الدخو فيها.

7- تقديم الأعذار الواهية لأجل التخلف عن الغزو والمعارك، واعتبار ذلك استهزاء بالدين وشرائعه.

8- فرحهم بتخلفهم عن القتال، وسرورهم بمقعدهم، ونهوا عن النفير.

أعراب البادية: يُعد نفاق الأعراب وكفرهم أشد وأغلظ لجفائهم وبعدهم عن العلم والأحكام، وينظرون لما ينفقونه كأنه خسارة (مغرم)، ويتربصون الدوائر بالمسلمين.

المردة في النفاق: يوجد منافقون (من الأعراب وأهل المدينة) بلغوا غاية الإتقان في إخفاء نفاقهم حتى خفي أمرهم على النبي ﷺ، لكن الله يعلمهم وسيعذبهم.

العقوبة الدنيوية للنفاق:أ نهم يُعذَّبون بالهم، والغم، والخوف، والاستدراج بالأموال والأولاد التي تنقلب وبالاً عليهم لتزهق أنفسهم وهم كافرون، فضلاً عن عذاب الموت بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم.

عذاب المنافقين في الآخرة: الخلود الأبدي في نار جهنم مع الكفار (وهي أشد حراً مما فروا منه)، ولهم عذاب مقيم من السموم والحميم والطرد من رحمة الله.

التوجيهات القرآنية في التعامل مع المنافقين

الأمر بمجاهدتهم بالغلظة والشِّدّة (بالحجة والبرهان)، وعدم طاعتهم أو استشارتهم.

إعراض الاحتقار والاستصغار عنهم عند اعتذارهم كاذبين بعد الغزوات، لأنهم رجس.

حرمانهم من شرف خروج الجهاد مع النبي ﷺ مستقبلاً عقوبة لهم.

تحريم الصلاة على من مات منهم أو القيام على قبره للاستغفار له.

ضرب الله لهم الأمثال بالأمم المكذبة السابقة (قوم نوح، عاد، ثمود، قوم إبراهيم، أصحاب مدين، والمؤتفكات) الذين استمتعوا بخلاقهم وخاضوا في الباطل فأهلكهم الله بذنوبهم دون أن يظلمهم.

يبتلي الله عباده بالسراء والضراء ليعلم الصادقين ويميزهم عن المنافقين.

الجزاء العظيم للمؤمنين: في مقابل خسران المنافقين، وعد الله الرسول والمؤمنين المجاهدين بالخيرات والنصر في الدنيا، وبجنات الخلد والفوز العظيم في الآخرة.

تباين مواقف المؤمنين والمنافقين في الأزمات؛ فالمؤمنون الصادقون: ثبتوا وصبروا، ورأوا في المحنة تصديقاً لوعد الله ورسوله، ووفوا بعهودهم وجاهدوا حتى استُشهد بعضهم وينتظر الآخرون دون تبديل. بينما المنافقون وضعاف الإيمان: أصابهم الرعب والفزع، وظنوا السوء بالله، وحاولوا الفرار بحجة أن بيوتهم مكشوفة (عورة). كما ثبَّطوا غيرهم ووصفوا وعود النصر بالغرور. وتمنَّوا لو كانوا بعيدين في البادية يسألون عن الأخبار فقط.

المنافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويتخذون الأيمان الكاذبة سترة (جُنَّة) لصد الناس عن الإسلام. تعجب الرائي أجسامهم وفصاحتهم، لكنهم كـ "خشب مسندة" جوفاء، يعيشون في رعب دائم مستكبرين عن طلب استغفار الرسول لهم.

حادثة المريسيع (بني المصطلق): بعد هزيمة بني المصطلق، وقع شجار على الماء بين أجير لعمر بن الخطاب وحليف للأنصار. استغل عبد الله بن أبي سلول الحادثة لإثارة الفتنة، فقال مقولته الشهيرة: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، وحرض قومه على منع النفقة عن المهاجرين ليجبروهم على الرحيل، ففضح الله أفعالهم.

حرض المنافقون (بقيادة عبد الله بن أبي سلول) على منع النفقة عن رسول الله وأصحابه من المهاجرين لإجبارهم على التفرق؛ غفلةً منهم عن حقيقة أن الله هو مالك خزائن السماوات والأرض ومقسم الأرزاق.

توعّدوا بإخراج المؤمنين من المدينة عند العودة إليها ظناً منهم أن الكثرة والمال مصدر القوة، فردّ الله عليهم بأن العزة الخالصة لله ولرسوله وللمؤمنين.

اتخذ المنافقون ألسنتهم للشهادة الكاذبة بالرسالة ملقاً وتقية، وجعلوا أيمانهم حيلة ووقاية (جُنَّة) ليتستروا بها ويصدوا الناس عن دين الله بعد أن كفروا بالحق بعد معرفته، فطُبع على قلوبهم.

الاستكبار عن طلب الاستغفار: إذا دُعوا ليطلب الرسول لهم المغفرة ترفعوا واستكبروا، فحق عليهم وعيد الله بعدم المغفرة لهم لفسقهم وعنادهم.

لم يطرد الرسول ﷺ المنافقين ولم يقتلهم رعايةً لظاهر الإسلام ومنعاً لإشاعة أن "محمداً يقتل أصحابه". ولم يُطلع على أسمائهم سوى حذيفة بن اليمان ليكون مرجعاً في عدم الصلاة على موتاهم.

قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول: تجلّت روعة الإيمان في موقف الابن البار الطائع الذي عرض على النبي قتل أبيه بنفسه حتى لا تأخذه حمية الجاهلية إن قتله غيره، وانتهى الموقف بمنعه لأبيه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ﷺ، تفعيلاً واقعياً لقوله: {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}.

المنافق عليم اللسان: وهو الخطر الأكبر الذي حذر منه النبي ﷺ وعمر بن الخطاب؛ وهو المنافق الفصيح البليغ المتحدث (عالم اللسان، جاهل القلب والعمل)، الذي يتعوذ بالإيمان ظاهراً ويعمل بخلافه باطناً.

الارتياب في القبر: يُفتن الناس في قبورهم، فبينما يثبت المؤمن باليقين، يعجز المنافق (أو المرتاب) عن الإجابة عن رسول الله ﷺ ويقول: "لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته".

النهاية في الآخرة: أشار النبي ﷺ إلى وجود اثني عشر منافقاً في أصحابه (أي ممن ينسبون إلى صحبته ظاهراً)، ثمانية منهم لا يدخلون الجنة أبداً حتى يلج الجمل في سم الخياط (ثقب الإبرة)، وتكفيهم "الدبيلة" وهي سراج من نار يظهر في أجسادهم.

صفات المنافقين وسلوكياتهم الذميمة في السنة النبوية

1-اللمز والسخرية: يسخرون من صدقات المؤمنين؛ فيقللون من قيمة الصدقة القليلة، ويتهمون صاحب الصدقة الكثيرة بالرياء.

2-التخلف عن الجهاد والاعتذار الكاذب: يفرحون بتخلفهم عن الغزوات، فإذا عاد النبي ﷺ حلفوا واعتذروا كذباً، وأحبوا أن يُحمدوا على الصلاح والوفاء وهم لم يفعلوه.

3-إظهار الولاء وإبطان العداء: يظهرون المداهنة والموافقة عند الحكام وأصحاب السلطة، فإذا خرجوا من عندهم ذموهم وشتموهم.

4-الخيانة والتفرقة: يسعون لتخذيل المسلمين وبث الفرقة في صفوفهم (كما حدث في غزوة أحد)، ويحرضون على قطع النفقة عن أصحاب رسول الله ﷺ لإجبارهم على الانفضاض من حوله.

5-الغرور والجشع: شُبّه المنافق في الحديث بالأرزة المجذية (الشجرة الصلبة القاسية) التي لا تنحني للمصائب حتى تنقلع فجأة، كما وُصِف بالجشع وأنه يأكل في "سبعة أمعاء".

6-تضييع الصلاة: أثقل الصلوات عليهم الفجر والعشاء، ويؤخرون صلاة العصر حتى تقرب الشمس من الغروب، فيصلونها مسرعين دون خشوع أو ذكر لله إلا قليلاً ("فنقرها أربعاً").

الفتن والأحداث المرتبطة بالمنافقين في العهد النبوي

1-حادثة الإفك: تولى كِبْرَ هذه الفتنة عبد الله بن أبي بن سلول (رأس النفاق)، حيث خاض المنافقون في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حتى برأها الله بقرآن يُتلى.

2-موت المنافقين: ارتبطت بعض الظواهر الكونية بموت أكابرهم (كتهيج الريح الشديدة عند موت منافق عظيم).

3-المدينة تنفي خبثها: وُصفت المدينة بأنها "طيبة" تطرد المنافقين والذنوب كما تنفي النار خبث الفضة، ومن ذلك رجف المدينة ثلاث رجفات عند قدوم الدجال ليخرج إليه كل كافر ومنافق.

4-النهي عن الصلاة عليهم وتسويدهم: نهى الله نبيه عن الصلاة على موتاهم أو القيام على قبورهم، كما نهى المسلمين عن مناداة المنافق بـ "سيد"؛ لأن ذلك يسخط الله.

5-قصة حاطب بن أبي بلتعة: محاولة إرساله كتاباً للمشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي ﷺ، وعفو النبي عنه لشهوده غزوة بدر، مع نزول الآيات بالنهي عن اتخاذ أعداء الله أولياء.

6- إنكار النفاق عن الصادقين: كما حدث مع الرجل الذي ترك الصلاة خلف معاذ بن جبل لطولها فاتهمه الناس بالنفاق، فأنصفه النبي ﷺ وعاتب معاذاً بقوله: "أفتان أنت يا معاذ؟".

7- صلاة النبي في البيوت بركة: إجابة النبي لطلب عتبان بن مالك (وكان قد ضعف بصره) بالصلاة في منزله ليتخذه مصلى.

علامات الإيمان التي تنافي النفاق

1-حب الأنصار وعلي بن أبي طالب: جعل النبي ﷺ حب الأنصار وحب علي رضي الله عنه من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق.

2- أخلاق المؤمن: المؤمن كخامة الزرع تميله الريح يمنة ويسرة (يتقلب في البلاء ويصبر)، ويأكل في معىً واحد (قنوع)، وإذا قرأ القرآن كان كالأترجة طيب الطعم والريح.

أحوال الناس والخلائق في القبر والآخرة

1-يجيب المؤمن في قبره بثبات عن النبي ﷺ فيُبدل مقعده من النار بالجنة، بينما يعجز الكافر أو المنافق عن الإجابة ويقول: "لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس"، فيُعذب بضربة من حديد.

2- يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة بوضوح كالشمس والقمر ليلة البدر. وفي الحساب، يستر الله المؤمن ويغفر ذنوبه سراً (النجوى)، بينما يُفضح الكافر والمنافق وتشهد عليهم أطرافهم (أفخاذهم ولحومهم وعظامهم).

3-يُعطى الناس أنوارهم على الصراط، ثم يُطفأ نور المنافقين فيسقطون، بينما ينجو المؤمنون برحمة الله وفضل الشفاعة، ويكون آخرهم دخولاً الجنة رجل يخرجه الله من النار بعد إلحاح ودعاء، ويعطيه الله الدنيا وعشرة أمثالها.

خطر "منافقي القُرّاء" والعلل المهددة للإسلام حديثاً

1- جدال المنافق بالقرآن: حذر النبي ﷺ والقرون الأولى من "قُرّاء المنافقين" الذين يحفظون الحروف بدقة ويجادلون الناس بالقرآن لإضلالهم وبث الشبهات.

2- مهدمات الإسلام الثلاثة: حصرها عمر بن الخطاب في: (زلّة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والأئمة المضلون).

3- فتنة المبتدعة المضلين: بيّن معاذ بن جبل خطر انفتاح القرآن على كل أحد (مؤمن ومنافق) حتى يبتدع أحدهم بدعة في الدين ليتبعه الناس، محذراً من زيغة الحكيم وضلالته.

 مراتب الجهاد وعلاقته بالنفاق (تأصيل ابن القيم)

مراتب الجهاد (13 مرتبة):

1- جهاد النفس (4 مراتب): تعلم الهدى، العمل به، الدعوة إليه، والصبر على مشاقه (وبها ينال العبد وصف "الرباني").

2- جهاد الشيطان (مرتبتان): دفع الشبهات والشكوك (باليقين)، ودفع الشهوات والإرادات الفاسدة (بالصبر).

3- جهاد الكفار والمنافقين (4 مراتب): بالقلب، واللسان، والمال، والنفس. (جهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان).

4- جهاد أرباب الظلم والبدع (3 مراتب): باليد، ثم اللسان، ثم القلب حسب القدرة.

تعريف النفاق

لغةً: مشتق من "نافقاء اليربوع" (جحره الذي يدخل منه ويخرج من غيره). ويقال نافق الرجل إذا أظهر الإسلام وأبطن غيره.

اصطلاحاً: لفظ شرعي وضعه الإسلام (لم يكن معروفاً بهذا المعنى قبل الإسلام)، وهو أن يستر العبد كفره ويظهر إسلامه. ويطلق مجازاً كـ "نفاق عملي" على من ارتكب خصلة من خصال النفاق كالكذب وإخلاف الوعد.

وهاك ألفاظ ذات الصلة بموضوع النفاق، وهي:

الكفر: لغةً السَّتر، واصطلاحاً إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة (بينه وبين النفاق عموم وخصوص).

التقية: أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان يضمر خلافه (تلتقي مع النفاق في إظهار خلاف الباطن).

الرياء: أن يقصد الإنسان بأعماله الصالحة أن يراه الناس ليظنوه مؤمناً (وهو صفة للمنافقين، وقد يعرض للمؤمن الصادق).

أنواع النفاق واجتماعه مع الإيمان

أنواع النفاق (حسب ابن رجب):

أ- نفاق أكبر (اعتقادي): أن يظهر الإيمان بالأصول (الله، الملائكة، الكتب، الرسل، اليوم الآخر) ويبطن ما يناقض ذلك. صاحبه مخلد في الدرك الأسفل من النار ويشمله وعيد الكافرين.

ب- نفاق أصغر (عملي): أن يظهر علانية صالحة ويبطن ما يخالفها في العمل دون الاعتقاد. صاحبه من عصاة أهل الملة ولا يخلد في النار.

اجتماع النفاق والإيمان:

قرر السلف (كابن تيمية وحذيفة وعلي رضي عنهم) أن العبد قد يجتمع فيه إيمان ونفاق؛ فالقلوب أربعة: أجرد (مؤمن)، وأغلف (كافر)، ومنكوس (منافق خالص)، ومُصفَح (يجتمع فيه إيمان ونفاق، وأيهما غلب عليه حكم له). وللنفاق شعب كما للإيمان شعب، وضَعف الإيمان هو الذي يوقع في معاصي النفاق العملي.

أحكام وفروع فقهية متعلقة بالمنافقين

تُقبل توبة المنافق قطعاً فيما بينه وبين الله تعالى (باطناً) إن كانت صادقة، أما في الظاهر (عند الحاكم) ففيها خلاف كحكم الزنديق.

المعصية لا تدل على النفاق: المعاصي والبدع لا تعني بالضرورة النفاق؛ فقد تصدر عن شهوة أو شبهة مع وجود حب الله ورسوله في القلب (كقصة الصحابي عبد الله الملقب بحمار الذي جُلد في الخمر ونهى النبي عن لعنه).

يَحرم إطلاق لفظ السيد على المنافق؛ لأن السيد مستحق للسؤدد والمنافق مليء بالنقائص، وفي الحديث: «لا تقولوا للمنافق سيد...».

من سبّ مسلماً بقوله "يا منافق" أو "يا كافر" (وهو ليس كذلك) لا يُقام عليه حد القذف، وإنما يُعزّر (عقوبة تقديرية للقاضي) لأنها معصية لا حد فيها، ويُرجع في تحديد الألفاظ الموجبة للتعزير إلى العرف.

يُكره (عند الجمهور) أو يحرم (عند الحنابلة) الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر أو نية رجوع، لحديث: «لا يخرج من المسجد بعد النداء إلا منافق...». (واستثنى الحنفية من صلى الظهر أو العشاء، أو كان خروجه لمسجد حيه).

المنافقون ما دام نفاقهم مخفياً تُجرى عليهم أحكام المسلمين في الظاهر ويُبعثون على نياتهم، وتفصيلها: جواز الصلاة خلفهم: من صلى خلف منافق مستتر ثم علم نفاقه؛ ففي إعادة الصلاة عند المالكية قولان (يعيد مطلقاً، أو لا يعيد للمشقة إن طالت إمامته). 

يُصلى على من لم يُعلم نفاقه ويُدفن في مقابر المسلمين. أما من عُلم نفاقه بيقين (كعلم حذيفة بهم) فلا يُصلى عليه ولا يُستغفر له.

يجب على الإمام منع خروج "المخذلين" و"المرجفين" والمعروفين بالنفاق والزندقة في الجيش، ولا يجوز توليتهم الإدارة لأن الأمانة والعدالة شرط في الولاية.

عند المالكية: الزنديق (المنافق) إن مات أو قُتل بعد توبته، أو مات قبل الاطلاع على زندقته فماله لورثته. وإن أصر ولم يتب حتى قُتل فماله لفيء المسلمين. وعند الحنابلة: الزنديق لا يَرِث أحداً من المسلمين ولا من الكفار، ولا يُورَث (ماله لبيت المال).

صفات المنافقين عند ابن القيم

أفرد الإمام ابن القيم في كتابه "طريق الهجرتين" تحليلاً دقيقاً لهذه الفئة (الزنادقة)؛ وتتلخص رؤيته في الآتي:

1-أشد دركات النار عقاباً يكون للمنفقين، حيث يكونون في الدرك الأسفل من النار، وعذابهم أشد من الكفار المجاهرين؛ لأنهم اشتركوا معهم في أصل الكفر، وزادوا عليهم بالكذب والنفاق.

2- فسر ابن القيم قوله تعالى {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْوهُمْ} بأنها تفيد الأولوية والأحقية بالعداوة لا الحصر المطلق.

3-كما بيّن أسباب خطورة المنافق مقارنة بالكافر المجاهر، وذلك من وجوه:

أولاً: أشد ضرراً وأدوم أثراً: الحرب مع الكافر المجاهر مؤقتة وتنتهي، أما المنافق فمخالط للمسلمين في ديارهم صباحاً ومساءً.

ثانياً: الخيانة الداخلية: يطلعون على عورات المسلمين ويدلون الأعداء عليها ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكن مناجزتهم علانية.

4- أسباب تغليظ كفرهم، هو:

أ- قيام الحجة البالغة: ذلك أنهم عاشروا المسلمين وعاينوا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يره الكفار البعداء، فكفرهم بعد العلم والمعرفة جعل قلوبهم أخبث وأشد عداوة.

ب- طبيعة الكفر: الكافر الأصلي لم يعقل الحق أصلاً، أما المنافق فقد أبصر ثم عمي، وعرف ثم تجاهل، وآمن ثم كفر.

ج- طلب العز الزائف عاقبته الذل: كان دافعهم للنفاق هو طلب الجاه ورضا الطائفتين (المؤمنين والكافرين) مع ميل باطنهم للكفار؛ فعوقبوا بنقيض قصدهم ونالوا أعظم الذل بجعل مستقرهم تحت الكفار في أسفل السافلين.

د- كثافة ذكرهم في القرآن: أفرد الله للمؤمنين في أول البقرة 3 آيات، وللكفار آيتين، بينما كشف عورات المنافقين وفضحهم في بضع عشرة آية (8-20)، ممّا يدل على شدة مقته سبحانه لهم.

5- من أبرز أوصافهم السلوكية والنفسية:

أ- الكسل عند الصلاة، والرياء، وتأخيرها ونقرها عجلة، وثقل صلاتي العشاء والصبح عليهم، وقلة ذكر الله.

ب- سرعة التقلب والتلون كـ"نافقاء اليربوع" (جحر له مخارج متعددة) يخرجون من كل مأزق بكذبة أو يمين باطلة اتخذوها جُنّة، ووُصفوا بأنهم: "جيفة بالليل (خمول ونوم) قُطرب بالنهار (سعي وتنقّل للدنيا)".

ج- رفضهم التحاكم للكتاب والسنة، بينما يتحاكمون للطاغوت، ويعارضون الوحي بعقول الرجال وآرائهم، ويكتمون الحق ويلبسون الباطل لباس الحق.

طرق الوقاية من النفاق

وفيما يلي خطوات عملية للوقاية من النفاق، وهي مستمدة من الكتاب والسنة، وهي:

الطريق الأول: قطع الشك باليقين في أركان الإيمان

ذلك أن الشك هو المحرك الرئيس للنفاق، ولا يُدحر إلا بدوام التفكر والتدبر في آيات الله الكونية (خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار) للوصول إلى مرتبة "أولي الألباب" الذين يذكرون الله في كل أحوالهم.

اليقين بالبعث بعد الموت: 

لأنه المدار الفارق بين الإيمان والنفاق؛ وسلاح إبليس الأساسي منذ خلق آدم هو التشكيك في الآخرة ليقود الناس للغواية. وهذا اليقين يثمر العمل الصالح، والاستقامة في الجوارح، لكنه يتطلب مجاهدة الشهوات والصبر لتظهر ثمرته قوية في حياة المسلم.

الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ:

فالموقن بلقاء الله يحرص على حماية أعماله الصالحة من المحبطات؛ فالشرك الأكبر يُحبط الأعمال بالكامل، والشرك الأصغر (كالرياء الخفيف، والعُجب، والمنّ، وطلب الشرف الدنيوي) يُحبط العمل الذي خالطه.

الحذر من الدنيا، الزهد فيها، والصبر على شدائدها:

ذلك أن دوام استحضار الآخرة يورث الزهد في زينة الدنيا الفانية، ويولّد القناعة، ويسلم القلب من الحسد، والغل، والشحناء. كما أن الزهد لا يعني الانقطاع عن الدنيا وترك طلب الرزق، بل الاستمتاع بالحلال مع الكفاح ضد الشر والفساد والظلم، وإدراك أن الدنيا مزرعة الآخرة.

التزود بالأعمال الصالحة واجتناب المعاصي مع الخوف والرجاء:

فالخائف من وعيد الله يُسرع في السير والعمل الصالح مخافة الفوات نيلًا لسلعة الله الغالية (الجنة).

الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله:

ذلك أن أعظم مراتب الإخلاص: بذل النفس والمال لتكون كلمة الله هي العليا، ومحاربة الفساد وتعبيد الناس لربهم.

العلم بأضرار النفاق وعواقبه:

فالوعي بأن النفاق هو المحبط للأعمال، والسبب الرئيس لعذاب القبر وشدة الموقف يوم القيامة، كما أن المنافق في قبره لا يستطيع الإجابة عن النبي ﷺ (يقول: ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)، فيُسلط عليه دابة صماء تضربه بسوط من جمر. كذلك فإنه يُضرب بين المنافقين والمؤمنين بسور يحجب عنهم النور، ويُساقون إلى عذاب النار وبئس المصير بلا فدية.

كثرة ذكر الله وقراءة القرآن وتدبره:

من أبرز علامات النفاق قلة ذكر الله، والكسل في الصلاة، وهجر تدبر القرآن. والمراد بالذكر هنا هو المفهوم الواسع للذكر: والذي يشمل المحافظة على أذكار الصباح والمساء، والصلوات في أوقاتها مع الجماعة، والفرائض، والرضا بالقضاء، والتوبة والاستغفار؛ وهو العمل الذي يعدل الجهاد في النجاة من عذاب الله.

علاج النفاق العملي (الالتزام بصلاة الجماعة): 

إن المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد وإدراك تكبيرة الإحرام لمدة أربعين يوماً تُثمر براءتين للمسلم: براءة من النار. وبراءة من النفاق.

خلاصة مضار النفاق

يُسبب النفاق أضراراً جسيمة على صاحب وعلى المجتمع، وتتلخص في الآتي:

1-إحباط الأعمال وعدم القبول: لا يقبل الله من المنافق أي عمل صالح، ويُحبط جهده مهما كثر.

2-مرض القلب والشماتة: يمتلئ قلبه بالمرض؛ فيفرح بـمصائب المسلمين، ويحزن لانتصاراتهم، ويتربص بهم.

3-البخل والرياء: يتصف بالبخل، وإن أنفق فمن أجل الرياء وسمعة الناس.

4-الضلال والقعود: ضال في معتقده وعلمه وعمله، ويلتمس واهيات الأعذار للفرار والقعود عن الجهاد.

5- التعذيب بالمال: يعذبه الله بأمواله في الدنيا والآخرة.

6- انكشاف الحقيقة في المحن: لا يثبت المنافق أمام الشدائد، بل تكشف المحن حقيقته سريعاً.

7-أخوة الكفار: المنافقون في كل زمان ومكان هم إخوة للكافرين والمشركين والملحدين يشدون أزرهم.

8-الهلاك الأخروي: يورث النفاق والرياء صاحبه غضب الله وأليم عقابه في الآخرة.