شرح رياض الصالحين
محمد الياس الباره بنكوي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُعد كتاب رياض الصالحين للإمام النووي من تلك الكتب النافعة التي نالت قبولاً حسناً وشيوعاً في معاهد التعليم الدينية، وفي أوساط المهتمين بتزكية النفس وإصلاح الباطن، والاقتداء بهدي الرسول ﷺ في السيرة والسلوك، وقد احتوى هذا الكتاب على أحاديث تحمل القارئ على التأسي بالأسوة النبوية الشريفة في الأخلاق والمعاملات، وفي الأعمال التعبدية.
وقد اهتم الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في تأليفه لهذا الكتاب باختيار نخبة من مرويات الحديث النبوي الشريف من أمهات كتب الحديث بما اشتملت عليه من أقوال رسول الله ﷺ وأعماله ومنهجه النبوي الكريم في التزكية وتربية النفس على التقوى، وكان قصده من هذا الجمع تنشئة الشخصية الإسلامية على معاني تقوى الله -عز وجل- والرغبة والرهبة المطلوبة من العبد المؤمن ابتغاء وجه ربه الكريم، واختير هذا الكتاب بذلك في مقررات التعليم في المراكز التعليمية الدعوية والمعاهد الإسلامية؛ ليكون التعليم به جامعاً بين تلقي العلم وتربية النفس على الصلاح والتقوى.
وهذا الكتاب - مع كونه قيّماً في موضوعه، ونافعاً في الغرض الديني - ليس فريداً في موضوعه، فإن هذا الموضوع لم تخل منه كتب أخرى أيضاً، ألفها السلف والخلف من علمائنا، فإن أهم كتاب فيه هو كتاب الإمام عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المعروف باسم "الأدب المفرد"، كما ظهرت كتب أخرى بعده.
ولكن كتاب رياض الصالحين هذا -اشتمل على خصائص قيمة كثيرة، وقد ألفه أحد كبار المشتغلين بالحديث الشريف من علماء السلف- وهو الإمام النووي- شارح الجامع الصحيح للإمام مسلم، وقد جاء هذا المؤلف معتدل الحجم، جامعاً في موضوعه.
ورأى الشيخ: محمد إلياس الباره بنكوي -شارح هذا الكتاب- أنه مختصر وجامع الفوائد وأنه يزود طالب العلم بنصوص الحديث الشريف في مرحلته الناشئة؛ لكونه يحتاج إلى إيضاح كلمات صعبة على فهمه، وإلى إشارات تفيد في إيضاحها ومعرفة المراد منها، فأراد أن يقوم بخدمة الكتاب من هذه الناحية، فقام بتشكيل الآيات الكريمة، وألفاظ الحديث الشريف التي أوردها الإمام النووي، وقام بتفسير الآيات الكريمة وتخريج الأحاديث المباركة وشرحها، كما قام بتخريج الآيات الكريمة التي أوردها الإمام النووي في أول كل باب، وشرح مفرداتها اللغوية مستفيداً من كلام المحدثين المتقدمين.
فاشتمل شرحه لهذا الكتاب على إيضاح الألفاظ الغريبة بالاعتماد في ذلك على الكتب المتداولة بين العلماء، وإعراب بعض الكلمات التي يحتاج إليها الدارس لتوضيح المعنى المراد، وذكر أسماء الأشخاص غير المعروفين في متن الحديث الشريف، وتخريج الأحاديث الشريفة في الأمكنة المحتاجة، وذكر فوائد الحديث من ناحية ما أرشدنا إليه نبينا ، وأشار إلى الأبواب المتكررة مع أرقامها ليرجع القارئ إليها في معرفة تخريجها وشرحها.
وبذلك يصبح هذا الشرح للكتاب موسوعة علمية، وشرحاً نافعاً معنى ولفظا، وميسوراً لفهم القارئ الناشئ، وأصبح بذلك أكثر إفادة للعاملين بالدعوة وإصلاح النفوس، يستعينون به في تربية الناس وإصلاح السيرة والسلوك في أوساط المسلمين.
ولقد سبق أن شرح هذا الكتاب كثير من المتقدمين من علماء الحديث الشريف أيضاً، مثل كتاب "دليل الفالحين" للشيخ محمد علان الشافعي، ولتلك الشروح مكانتها العلمية، ويستفيد منها المدرسون والمشتغلون بالعلم النبوي الشريف- غير أن فضيلة الشيخ محمد إلياس رأى حاجة إلى شرح جديد -حسب ما يقتضيه عمل الدعوة والتبليغ في عامة المسلمين، وفي الناشئة الإسلامية؛ فعكف على هذا العمل، وقد ذكر لي فضيلته أنه عزم على هذا العمل باقتراح من سماحة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي - رحمه الله تعالى - كما أن أمير جماعة الدعوة والتبليغ في ذلك الوقت سماحة الشيخ محمد إنعام الحسن الكاندهلوي رحمه الله شجع أيضاً على هذا العمل النافع المبارك.
أهمية هذا الكتاب:
إن كتاب رياض الصالحين للإمام الهمام حافظ الإسلام والمسلمين، شيخ الفقهاء والمحدثين أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي - تغمده الله بفضله الجاري - طبيب العلل الظاهرة والباطنة في القديم والحديث، وهو مما قد كثر نفعه، فهو في صغر الحجم، وغزارة العلم لا يوجد شبهه، لما حوى من الآداب الفاضلة والأخلاق الكاملة- مما ورد عن سيد الأنبياء، ومن خيرة أصحابه العظماء، ومن تبعهم من العلماء الأتقياء؛ فهو من أحسن ما ألف، وألطف ما صُنّف، وأحكم ما رصف، وأجدر ما يرغب فيه ويحرص عليه.
وغرض المؤلف - رحمه الله - من تأليفه هذا أن يضع بين يدي المسلم الأحاديث النبوية الواضحة الدلالة التي لها أثر كبير في تقوية الإيمان بالله تعالى، وتوثيق الصلة به، وإخلاص العبادة له، وغرس محبة النبي ﷺ في القلوب، وتوقيره، والاقتداء بهديه، والاعتصام بسنته، وتزكية النفوس وإصلاحها وطهارة القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وتقويم اعوجاجها، وغير ذلك من المقاصد السامية، التي تحقق لمبتغيها رضوان الله وتُنِيلُه السعادة في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة.
وغيرُ خافٍ أن هذه الأحاديث التي اشتمل عليها هذا الكتاب صادرة عن النبي المعصوم، الذي افترض الله على العباد طاعته واتباع سنته، والرجوع إليها فيما اختلفوا فيه، والرضا بها والتسليم لها، وطرح ما سواها، وعدم الاعتداد بقول أحدٍ -كائناً من كان إذا كان يخالفها، أو يتأولها على غير وجهها. وقد جاء ذلك صراحة في عدة آيات من كتاب الله؛ فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ۱۳۲]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: ٧].
فليس للمسلم الخيار في أن يأخذ من أحاديثه ما شاء ويدع منها ما شاء، أو يتردد في قبولها -كما هو الشأن في الكتب التي تتضمن آراء الرجال وأفكارهم واجتهاداتهم-، بل عليه أن يأخذها كلها جملة وتفصيلاً عن رضا وطواعية وخضوع وتسليم.
عمل الشارح في هذا الكتاب :
۱ - مقابلة نصوص أحاديث هذا الكتاب بالأصول التي أخذ منها الإمام النووي رحمه الله واختارها لكتابه المبارك، ولم نكتف بالنسخ المطبوعة المختلفة؛ ليكون مقابلة الفرع بالأصل.
۲- ضبط متون روايات هذا الكتاب على كتب الأصول المصححة الموثوق بها عند العلماء.
۳- عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها من المصحف الشريف، مع ترقيم السور والآيات بجانبها.
٤- شرح ألفاظ الأحاديث الغريبة التي يصعب فهمها على القارئ الكريم، ولكنه مبسط بقدر الحاجة إليه. وبه يفهم القارئ معنى الحديث الشريف- إن شاء الله .
٥ - ترقيم الكتب والأبواب والأحاديث الواردة فيه.
٦ - ضبط الآيات ومتون الأحاديث وأسماء رواتها وجميع ألفاظ الأبواب بالشكل التام.
۷- وضع فهارس للكتب والأبواب في آخر الكتاب.
۸- وضع فوائد عقب الأحاديث الشريفة؛ لتفهم الأمة إلى أي شيء يرشدهم النبي ﷺ ويدعوهم لأن في كل حديث دعوة وإرشادا من النبي ﷺ إلى الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.
وإني قد أخذت واجتنيت هذه الفوائد من شروح من بساتين سادتنا الأخيار، وفقهاء الدين خاصة من: المنهاج للنووي، وفتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وابن رجب الحنبلي، وشرح ابن بطال، وشرح بدر الدين العيني، ومرقاة القارئ، وأوجز المسالك لشيخ الحديث زكريا بن يحيى الكاندهلوي؛ وكذلك اقتبست من شروح الكتاب كـ: دليل الفالحين، ومنهل الواردين، وشرح الصابوني وغيرها من المراجع الملحقة المذكورة في آخر الكتاب. فجزاهم الله حسب شأنه.
فاجتلبت من إشاراتهم - المحتاجة إلى إمعان النظر - ما غزرت به مادته، وانتقيت من تعليقاتهم النافعة بعد أن أجلت الفكر فيما استقامت جادته، وسلكت منهجاً وسطا في البيان والإظهار. فلم أطل في البداية؛ حذرًا من الإملال والإضجار. ولا قصرت فيما بعد في الوسط والنهاية لئلا يصعب دركه على من يريد كشف الحجب ورفع الأستار.
وتحاميت الإعادة والتكرار إلا حيث كانت نكتة أوفق للمقام، أو وجه من وجوه البحث يستدعي شرح الكلام. فأوضحت ذلك، وأرخيت العنان قليلاً هنالك. ولقد وفقت بعون الله تعالى إلى ذلك ولم آلُ جهدا هنالك. فله الحمد أولاً وآخراً وله الشكر ظاهراً وباطناً. فأسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به النفع العميم.
المراجع والمصادر:
الكتب التي رجعت إليها أثناء قيامي بالشرح والتعليق على رياض الصالحين من كتب التفسير والأحاديث والتاريخ والسيرة وكتب غريب الحديث واللغة وغيرها مما يلي:
فمن كتب التفسير:
۱ - تفسير ابن كثير.
٢- تفسير القرطبي.
۳ - زاد المسير.
٤- الكشاف
٥ - الدر المنثور.
٦- تفسير الرازي.
۷- فتح القدير.
۸- تفسير البيضاوي.
٩ - تفسير الخازن
۱۰ - أضواء البيان.
۱۱ - تفسير الجلالين.
١٢ - في ظلال القرآن لسيد قطب.
١٣ - أيسر التفاسير للجزائري.
١٤ - تفسير السعدي.
١٥ - التفسير الميسر .
١٦ - مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل.
۱۷ - جامع البيان في تفسير القرآن الكريم للطبري.
وغير ذلك من التفاسير المعتبرة وحواشيها.
ومن كتب الحديث وشروحها :
١ - المنتقى شرح الموطأ.
٢ - تنوير الحوالك.
٣- فتح الباري لابن رجب
٤- فتح الباري لابن حجر.
٥- شرح ابن بطال.
٦ - شرح النووي على مسلم المسمى بالمنهاج.
۷- عون المعبود.
۸- تحفة الأحوذي.
۹- شرح سنن النسائي.
۱۰ - حاشية السندي على ابن ماجه.
۱۱ - شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية.
۱۲ - الديباج على مسلم.
١٣ - فيض القدير.
١٤ - جامع العلوم والحكم.
١٥ - عمدة القارئ.
١٦ - مرقاة المفاتيح.
۱۷ - شرح أبي داود للعيني.
۱۸ - أوجز المسالك للشيخ زكريا الكاندهلوي.
١٩ - فتح الملهم شرح صحیح مسلم.
۲۰ - بذل المجهود شرح سنن أبي داود.
۲۱ - حواشي الكتب الستة.
۲۲ - دليل الفالحين، ونزهة المتقين شرحا رياض الصالحين.
۲۳ - شرح الطيبي المشكاة المصابيح.
٢٤ - حواشي مشكاة المصابيح.
٢٥ - التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح.
٢٦ - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح .
۲۷ - الشرح للشيخ ابن العثيمين.
ومن كتب السير والتاريخ:
١ - الإصابة في تمييز الصحابة.
٢ - البداية والنهاية.
٣- زاد المعاد للحافظ ابن القيم.
٤- سيرة ابن هشام.
٥ - التاريخ الكبير والصغير للإمام البخاري.
٦ - أخبار مدينة الرسول للحافظ محمد بن محمد بن النجار.
۷- أسد الغابة في معرفة الصحابة.
۸- الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر.
وغيرها من الكتب المعتبرة.
ومن كتب الفقه وشروحها:
١ - الميزان الكبرى للشعراني.
٢- فتح القدير لابن همام.
٣- البحر الرائق شرح كنز الدقائق.
٤ - العناية لشرح الهداية.
٥- حاشية رد المحتار.
٦ - الدر المختار.
۷ - كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة.
وغيرها من الكتب المعتبرة.
ومن كتب غريب الحديث:
١ - النهاية للإمام مجد الدين المعروف بابن الأثير الجزري.
٢ - مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار للشيخ محمد طاهر الهندي.
٣- كتاب الأموال لأبي عبيد.
٤- الفائق للزمخشري
٥ - غريب الحديث لأبي عبيد.
ومن المعاجم:
۱ - كلمات القرآن.
٢- لسان العرب.
٣- أسرار البلاغة.
٤ - تاج العروس.
٥ - أقرب الموارد للشرطوني.
٦ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
۷- فقه اللغة.
۸ - القاموس المحيط.
٩ - الصحاح في اللغة.
١٠ - تهذيب اللغة.
۱۱ - المغرب.
١٢ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير.
وغيرها من القواميس المعتبرة.
ومن معاجم الأمكنة والبقاع:
۱ - معجم البلدان؛ للشيخ شهاب الدين ياقوت الحموي البغدادي.
۲ - مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لعبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي - وهو مختصر معجم البلدان لياقوت.
٣- معجم معالم الحجاز لعاتق بن غيث البلادي.
٤- المعالم الأثيرة.
٥ - البلدان.
٦ - الأزمنة والأمكنة.
۷- التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة.
۸- تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية.
٩- الجغرافيا.
١٠ - المعالم الجغرافية الواردة في السيرة النبوية.
۱۱ - معجم قبائل العرب.
ومن كتب أسماء الرجال:
۱ - تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني.
٢ - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للإمام الحافظ ابن عبد الله الخزرجي.
٣- تهذيب الأسماء واللغات للإمام الحافظ أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي.
٤- المغني في ضبط أسماء الرجال للشيخ محمد طاهر الفتني الهندي صاحب مجمع البحار.
٥ - لسان الميزان.
وغيرها من الكتب المعتبرة.
ومن كتب الأنساب:
١ - الأنساب للسمعاني.
٢ - اللباب في تهذيب اللسان للشيخ عز الدين بن الأثير الجزري.
٣- مراصد الاطلاع.
ورصعت أيضا شرح الكتاب بجواهر من عبارات مشايخ الإسلام في الهند:
١ - الشيخ حجة الإسلام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله.
٢ - الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي رحمه الله.
٣- الشيخ العلامة محمد إبراهيم البلياوي رحمه الله.
٤- سماحة الشيخ الأستاذ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله.
٥ - الشيخ الداعية محمد إنعام الحسن الكاندهلوي رحمه الله.
٦ - الشيخ المقرئ محمد طيب رحمه الله المدير السابق لدار العلوم دیوبند.
٥- الشيخ الداعية سعيد أحمد خان المدني رحمه الله.
۸- الشيخ المحدث نعمة الله الأعظمي، مد ظله العالي رئيس قسم التخصص في الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية بديوبند الهند.
***
ترجمة المؤلف الإمام النووي (رحمه الله)
مولده ونشأته:
هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن حزام، الشيخ الإمام العلامة، محيي الدين أبو زكريا النووي الدمشقي الشافعي.
ولد بنوى من أرض حوران، من أعمال دمشق، في المحرم سنة (٦٣١ هـ) وكان أبوه رجلاً صالحا صاحب دكان بها، فنشأ الشيخ في ستر وخير.
ذكر أبوه أنه كان نائماً إلى جنبه، وقد بلغ من العمر سبع سنين- ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، فانتبه نحو نصف الليل وقال: يا أبت ما هذا الضوء الذي ملأ الدار ؟ فاستيقظ الأهل جميعاً، قال: فلم نر كلنا شيئاً. قال والده: فعرفت أنها ليلة القدر.
قال السبكي في "الطبقات": قال شيخه في الطريقة الشيخ ياسين بن يوسف الزركشي: رأيت محيي الدين وهو ابن عشر سنين بـ«نوى، والصبيان يكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي حبُّه وجعله أبوه في دكان فجعل لا ينشغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت الذي يُقرئه القرآن فأوصيته به، وقلت له: هذا الصبي يُرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجم أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك. فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام.
حياته العلمية:
ولما بلغ التاسع عشر من عمره سنة (٦٤٩هـ) انتقل به والده إلى دمشق؛ فاشتغل بها إذ كانت حينئذ عاصمة العلم والعلماء، ومهوى أفئدة طلبة العلم، فنزل بـ "الرواقية"، يتقوت بالجراية ويدرس في "التنبيه"؛ فحفظه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع "المهذب" في تمام السنة، وهو يشرح ويصحح على الشيخ الكمال إسحاق بن أحمد المغربي، ثم حج مع والده وقد لاحت عليه أمارات النجابة والفهم، ومرض أكثر الطريق، ولما رجع أكب على طلب العلم ليلاً ونهاراً اشتغالاً، فما كان ينام من الليل إلا أقله.
قال الذهبي: وضرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلا ونهارا، وهجره النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة، أو التردد على الشيوخ، حتى إنه إذا مشى في الطريق، كان يشتغل في تكرار ما يحفظ أو يطالع ما يحتاج إلى مطالعة، واستمر على ذلك ست سنين ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة، وقول الحق.
وكان مع ملازمته التامة للعلم ومواظبته عليه- فائق الورع، وتزكية النفس من شوائب الهوى، وسيئ الأخلاق، ومحقها من أغراضها، عارفاً بالحديث، قائما على أكثر فنونه، عارفاً برجاله، رأساً في نقل المذهب، متضلعا في علوم الإسلام.
وكان - رحمه الله - قوي المدرك، حاضر البديهة تنثال عليه المعاني انثيالاً في وقت الحاجة إليها، وكان عميق الفكرة، بعيد الغوص، لا يكتفي بدراسة ظواهر الأمور، بل يذهب إلى أعمق أغوارها وكان بعيد المدى في الفهم، لا يقف عند حد حتى يصل إلى الحق كاملاً فيما يراه.
وكان يتمتع بحافظة قوية مستوعبة جعلته يستولي على أبواب العلم استيلاء، فإن الحافظة القوية تمكن العالم من السيطرة الفكرية على ما يقرأ؛ بحيث يربط أقصاه بأدناه، وأوله بآخره وأجزاءه بعضها ببعض. فتلقى الفقه واللغة والصرف ومتون الأحاديث وأسماء الرجال وأصناف العلوم على جماعة من كبار العلماء.
إكبابه على طلب العلم:
لم يكد الإمام النووي يستقر في المدرسة الرواحية حتى أقبل على طلب العلم بنهم وشغف وجد واستعداد، وهمة لا تعرف الكلل والملل، فكان يقرأ كل يوم أحد عشر درسًا على العلماء شرحًا وتصحيحًا: درسين في «الوسيط للغزالي»، وثالثاً في «المهذب» للشيرازي، ودرساً في الجمع بين الصحيحين للحميدي، وخامساً في صحيح مسلم، ودرساً في إصلاح المنطق لابن السكيت، ودرساً في اللمع لابن جني، ودرساً في أصول الفقه في «اللمع» للشيرازي، و «المنتخب» للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، وكان يُعلّق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، وإيضاح عبارة، وضبط لغة.
صفاته وثناء العلماء عليه:
قال الذهبي: النووي الشيخ الإمام القدوة الحافظ الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرباني، شيخ الإسلام أحسبه، صاحب التصانيف التي سارت بها الركبان، واشتهرت بأقاصي البلدان.
وقال ابن كثير: هو العالم العلامة، شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه، كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس، على جانب كبير لا يقدر عليه أحدٌ من الفقهاء غيره.
وقال قطب الدين موسى: كان أوحد زمانه في العلم والزهد والورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش.
وقال الفقيه شمس الدين محمد بن الفخر: كان إمامًا بارعًا حافظًا مفتيًا، أتقن علومًا شتى وصنف التصانيف الحسنة، وكان شديد الورع والزهد، تاركًا جميع ملاذ الدنيا من المأكل، إلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين، وكان يلبس الثياب الرثة المرقعة، ولا يدخل حمامًا، وترك الفواكه جميعها، ولم يتناول من الجهات.
وقال شيخنا الرشيد الحنفي ابن المعلم: عذلت الشيخ محيي الدين في تركه الحمام، وضيق العيش، وخوفته من مرضٍ يعطله عن العلم، فقال: إن فلاناً صام حتى اخضر جلده. كان الشيخ يمتنع جملة من أكل الخيار والفاكهة، ويقول: أخاف ترطبني وتجلب النوم، وكان يأكل في اليوم والليلة غالبًا أكلة واحدة، ثم يشرب مرة عند السحر.
وقال ابن العطار كلمته في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وأملاك المحجور عليهم، ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها حلف، فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك. وكان أسمر، كث اللحية، ربعة مهيباً، لا يرى الجدال ولا تعجبه المغالبة، ويتأذى ممن يجادل، ويعرض عنه، وقلمه أبسط من عبارته - رحمه الله تعالى - فقد كان عديم النظير.
وقال الإمام الذهبي: كان عديم الميرة والرفاهية والتنعم مع التقوى والقناعة والورع والمراقبة لله تعالى في السر والعلانية، وترك رعونات النفس، من ثياب حسنة ومأكل طيب، وتجمل في هيئة، بل طعامه جلف الخبز بأيسر إدام، ولباسه ثوب خام، وسختيانة لطيفة.
(هذا ما كان يأخذ به نفسه، ولكنه في باب الفتيا كان ينهج منهج القصد والاعتدال؛ فقد علق على حديث عائشة منها المخرج في مسلم (رقم الحديث: ١٤٧٤): كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل؛ فقال: فيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق. وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة، لا سيما إذا حصل اتفاقا).
قال تلميذه ابن العطار: شيخي وقدوتي الإمام.. ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة وحيد دهره وفريد عصره الصوام القوام الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطامحة والمكرمات الواضحة.
وكان تؤثر عنه كرامات وأحوال، وكان صاحب فراسة، فمنها ما روي عن الشيخ شمس الدين بن النقيب مدرس الشامية: قال لي الشيخ محيي الدين النووي، وما عندنا ثالث، وقد قرأت نصف «التنبيه» وأنا مراهق: أنت مدرس بالشامية، يا قاضي شمس الدين. (أي ستصبح مدرسا وقاضيا).
وقد ولي – فيما بعد -ابن النقيب قضاء حمص، ثم قضاء القضاة بطرابلس، ثم بحلب ثم رجع ودرس بالشامية بعد.
وكان قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جد صرف، يقول الحق وإن كان عليه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ويواجه الأمراء الظلمة بالإنكار، ويكتب إليهم، ويخوفهم بالله.
وقال ابن فرح، وكان ممن يشرح على الشيخ: صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث رتب لو نهض رجل منها بواحدة لشدت إليه الرحال: العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد توافرت في النووي صفات العالم الناصح الذي يُجاهد في سبيل الله بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. شجاع لا يخشى في الله لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه. وكان الناس يرجعون إليه في الملمات والخطوب ويستفتونه، فكان يقبل عليهم ويسعى لحل مشكلاتهم، فمنها ما جرى في قضية الحوطة على بساتين الشام:
وذلك لما ورد دمشق من مصر السلطان الملك الظاهر بيبرس بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيرًا من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها، أي: بحجزها وتكليف واضعي اليد على شيء منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلى الشيخ في دار الحديث، فكتب إلى الملك كتابًا، فيه: وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف إثباته"؛ فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب.
ولما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفد، مشى بنفسه إليه، وقابله، وكلمه كلامًا شديدًا، وأراد السلطان أن يبطش به؛ فصرف الله قلبه عن ذلك، وحمى الشيخ منه، وأبطل السلطان أمر الحوطة وخلص الله الناس من شرها.
المدارس التي درس فيها:
ولي - رحمه الله - مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد الإمام أبي شامة سنة (٦٦٥هـ) إلى أن مات، وهي في دمشق بجوار باب القلعة الشرقي غربي العصرونية، بناها الملك الأشرف من ملوك الدولة الأيوبية ( ٥٧٩ - ٦٣٥ هـ) وقد نشر بها علما جماً وأفاد الطلبة وحدث بـ «الصحيحين سماعا وبحثا، وبقطعة من سنن أبي داود و«صفوة التصوف» و«الحجة على تارك المحجة» و «شرح معاني الآثار للطحاوي. وكان ينوب بالمدرسة الركنية التي بناها ركن الدين منكورس عن القاضي شمس الدين بن خلكان مؤلف وفيات الأعيان، وقال القطب اليونيني: إن الشيخ باشر «الإقبالية» و«الفلكية».
مسموعاته:
سمع «الجامع الصحيح للبخاري» و «صحيح مسلم» و «سنن أبي داود» و «جامع الترمذي و «سنن النسائي» و «موطأ مالك» و «مسند الشافعي» و «مسند أحمد بن حنبل» و «سنن الدارمي و «صحيح أبي عوانة الإسفراييني» و «أبي يعلى الموصلي» و «سنن ابن ماجه» و «الدارقطني و «البيهقي» و «شرح السنة و معالم التنزيل» للبغوي في التفسير و «كتاب الأنساب» للزبير بن بكار، و«الخطب النباتية» و«رسالة القشيري» و «عمل اليوم والليلة» لابن السني و «كتاب الجامع الآداب الراوي والسامع» للخطيب البغدادي وأجزاء كثيرة غير ذلك.
ومن تلاميذه:
۱ - علاء الدين بن العطار.
۲ - شمس الدين بن النقيب.
٣- شمس الدين بن جعوان.
٤- شمس الدين بن القماح.
٥ - الحافظ جمال الدين المزي.
٦ - قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة.
٧- رشيد الدين الحنفي.
۸- أبو العباس الإشبيلي.
وكان - رحمه الله - تتمثل فيه الآداب التي ذكرها في كتابه «المجموع» لمن ينصب نفسه للتعليم. وهي:
۱ - أن يقصد بتعليمه وجه الله، ولا يقصد توصلا إلى غرض دنيوي كتحصيل مال أوجاه أو شهرة أو سمعة، أو تميز عن الأشباه أو تكثر بالمشتغلين عليه، أو المختلفين إليه. ولا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع من مشتغل عليه من خدمة أو مال أو نحوهما، إن قل، ولو كان على صورة الهدية التي لولا اشتغاله عليه لما أهداها له.
۲- أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، وحث عليها، والخلال الحميدة والشيم المرضية التي أرشد إليها من التزهد في الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بفواتها، والسخاء والجود ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، والحلم والصبر، وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والإقلال من المزح، وملازمة الآداب الشرعية الظاهرة والخفية.
٣- الحذر من الحسد والرياء والإعجاب واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات.
وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان، فلا يعترض ولا يكره ما اقتضته الحكمة.
وطريقه في نفي الرياء: أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة، فلا يتشاغل بمراعاتهم، فيتعب نفسه ويضر دينه، ويحبط عمله ويرتكب سخط الله، ويفوته رضاه.
وطريقه في نفي العجب أن يعلم أن العلم فضل من الله تعالى ومعه عارية، فإن الله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فينبغي ألا يُعجَبَ بشيء لم يخترعه وليس مالكًا له، ولا هو على يقين من دوامه.
وطريقه في نفي الاحتقار: التأدب بما أدبنا الله تعالى - قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ۳۲]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فربما كان هذا الذي يراه دونه أتقى الله تعالى وأطهر قلبًا، وأخلص نيةً وأزكى عملاً.
٤- دوام مراقبته الله تعالى في علانيته وسره محافظا على قراءة القرآن والأذكار والدعوات ونوافل الصلوات والصوم وغيرها، معولاً على الله في كل أمره، معتمدا عليه، مفوضاً في كل الأحوال أمره إليه.
٥ - أن يستمر مجتهدًا في الاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ومطالعة وتعليقاً ومباحثة ومذاكرة وتصنيفاً، ولا يستنكف عن التعلم ممن هو دونه في سن أو نسب أو دين أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، وإن كان دونه في جميع هذا، وينبغي ألا يمنعه ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه، فقد كان كثير من السلف يستفيدون من تلامذتهم ما ليس عندهم.
٦ - ينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له، فبه يطلع على حقائق العلم ودقائقه، ويثبت معه؛ لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتحقيق والمراجعة والاطلاع على مختلف كلام الأئمة ومتفقه، وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض عليه من غيره.
وليحذر كل الحذر أن يشرع في تصنيف ما لم يتأهل له، فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه، ولا يخرج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه وتكريره. وليراع في تصنيفه وضوح العبارة، والإيجاز غير المخل، وليتطرق إلى المواضيع التي لم يسبق إليها، ويعم الانتفاع بها، وتدعو الحاجة إليها.
٧- وينبغي له أن يحرض طلابه على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم بحفظ ما يلزم حفظه، وينير أذهانهم بطرح الأسئلة المهمة عليهم، فيثني على المجتهد منهم، والنابغة فيهم ترغيباً له، وشحذاً لهمم الآخرين، ويوجه إلى المقصر منهم اللوم غير المنفر، ويبسط له ما أشكل عليه ليتضح له، وعليه أن ينصفهم في البحث، فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيراً، ولا يحسد أحداً منهم لوفرة تحصيله، وحدة ذهنه، وحضور بديهته، فإن الحسد حرام لغير طلابه وهنا أشد، فإنه بمنزلة الولد، وفضيلته يعود إلى معلمه منها نصيب وافر؛ فإنه مربيه وله في تعليمه وتخريجه في الآخرة الثواب الجزيل وفي الدنيا الدعاء المستمر، والثناء الجميل.
ومن أهم ما يؤمر به ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره، وهذه مصيبة يبتلى بها جهلة المعلمين لغباوتهم، وفساد نيتهم، وهو من الدلائل الصريحة على عدم إرادتهم بالتعليم وجه الله .
مؤلفاته:
وقد ألف الإمام النووي رحمه الله كتباً كثيرة في علوم شتى من الفقه، والحديث والمصطلح، والتراجم؛ وكلها تتميز بالتحقيق والإتقان والاستيعاب الشامل، والاستدلال الكامل والأسلوب السهل الواضح مما يندر أن يجده القارئ عند غيره من علماء عصره، حتى إن ابن مالك شيخ النحاة كان يشتهي أن يحفظ أحد كتبه لعذوبة ألفاظه، ونصاعة بيانه، إلا أنه عاقه عن ذلك كبر سنه، وهذا ما حدا بطلبة العلم من مختلف البلاد الإسلامية أن يقبلوا على اقتناء تصانيفه، وتدارسها، والانتفاع بما فيها.
تأليفه في الفقه:
۱ - روضة الطالبين.
٢ - المنهاج.
۳- الإيضاح في المناسك.
٤- المجموع .
٥ - الفتاوى المسماة بالمسائل المنثورة.
تأليفه في الحديث والمصطلح:
۱ - شرح صحیح مسلم.
- رياض الصالحين وهو كتابنا هذا وقد سبق الكلام عليه.
۳- الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار.
٤- الخلاصة في أحاديث الأحكام.
٥ - الأربعون النووية.
٦ - الإرشاد.
في التراجم واللغة:
۱ - تهذيب الأسماء واللغات . ۲ - طبقات الفقهاء . ٣- تحرير ألفاظ التنبيه.
وفاته:
وفي سنة ست وسبعين وستمائة هجرية قفل راجعاً إلى نوى بعد أن أقام في دمشق نحواً من ثمانية وعشرين عاماً، وبعد أن ردّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلى نوی فمرض بها وتوفي في ليلة الأربعاء في الرابع والعشرين من رجب. وكان قد بلغ من العمر خمسا وأربعين سنة وسبعة أشهر.
ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفًا شديدًا، وتوجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه في قبره.
قال الذهبي: ورثاه غير واحد يبلغون عشرين نفسًا بأكثر من ستمائة بيت.
فممن رثاه الصدر الرئيس الفاضل أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب، ومطلعها:
أكتم حزني والمدامع تبديه .. لفقد امرئ كل البرية تبكيه
وممن رثاه المحدث أبو الحسن علي بن إبراهيم بن المظفر الكندي، ومطلعها:
لهفي عليه سيدا وحصورا .. سندا لأعلام الهدى وظهيرا
ومنهم محمد بن أحمد بن عمر الحنفي الإربلي، وقد اخترت هذه الأبيات من قصيدة بلغت ثلاثة وثلاثين بيتاً:
عز العزاء وعم الحادث الجلل .. وخاب بالموت في تعميرك الأمل
واستوحشت بعدما كنت الأنيس لها .. وساءها فقدك الأسحار والأصل
وكنت للدين نورا يستضاء به .. مسدد منك فيه القول والعمل
مات محيي الدين لكن .. لم يمت فيضانه .. إنما مات المسمى.. واسمه ما لا يموت رحمه الله رحمة واسعة وحشره وإيانا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
**