تعقب الإمام الذهبي على الأئمة الذين أبهمهم في تعقبه في كتابه الميزان
د. رأفت منسي نصّار
بقلم: أ. محمد انهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يتناول هذا البحث دراسةً نقديةً مقارنة لتعقبات الإمام الذهبي على بعض أئمة الجرح والتعديل في كتابه ميزان الاعتدال، حينما يصف أقوالهم في بعض الرواة بأنها «بلا حجة» أو «بغير حجة» أو «بلا مستند» مع إبهام اسم المتعقَّب عليه أحياناً. وقد جمع الباحث هذه المواضع ودرسها دراسة تحليلية، مع تعريف موجز بالذهبي ومصطلح التعقب. كما اعتمد على مقارنة أقوال النقاد في كل راوٍ للوصول إلى الحكم الراجح. وبلغ عدد الرواة الذين تناولتهم الدراسة سبعة رواة.
وتوصلت الدراسة إلى أن الإمام الذهبي كان معتدلاً ومنصفاً في تعقباته، وأن بعض النقاد الذين ضعفوا هؤلاء الرواة اتسموا بالتشدد في الجرح. كما ظهر أن أغلب هؤلاء الرواة في مرتبة الثقة أو الصدوق، وأن التضعيف الموجه إليهم لم يكن قائماً على دليل قوي في كثير من الأحيان. وبينت الدراسة أهمية التعقبات العلمية بين علماء الحديث في حفظ السنة وتمحيص الروايات. وأوصى الباحث بإجراء دراسات أوسع لتعقبات العلماء بعضهم على بعض لما تحمله من فوائد منهجية في علم الحديث.
_______________________________________
بداية البحث
تناولت هذه دراسة نقدية مقارنة في الرواة الذين تعقبهم الإمام الذهبي على الأئمة بقوله بلا حجة، وغير حجة، وبلا مستند ، و أبهم من تعقبهم من خلال كتابه الميزان، وقد تعرض فيه الباحث لتعريفٍ مختصر بالإمام ً الذهبي، وبالتعقب لغة واصطلاحا، كما بذل وسعه في معرفة الراجح من أقوال الإمام الذهبي مع من تعقبه من الأئمة في كل راو من هؤلاء الرواة، وقد قارن الباحث بين قول الإمام الذهبي، و أقوال النقاد الآخرين، ثم وضع خلاصةً لكل راو من الرواة الذين تبين حكمه بحسب ما رجّحه، سواء كان الراجح من أحد أقواله أو من قول غيره من النقاد.
وقد بلغ عدد الرواة الذين تناولتهم الدراسة سبع رواة، ثم وضع الباحث خاتمة اشتملت على أهم النتائج
والتوصيات.
مشروعية الاستدراك على الأئمة السابقين (أهمية الدراسة)
د َرج العلماء على تكميل عمل من سبقهم، إما تذييلا أو تعقيباً أو استدراكا؛ لبيان ما فاتهم أو ما وقعوا فيه من وهم أو نحوه، على اختلاف مذاهبهم في تدوين ذلك، إيمانا منهم بأن العلم َرحم بين أهله، ويقينا منهم بخطأ المقولة المشهورة: (لم يترك الأول للآخر شيئاً)، بل ترك له كثيراً، ويكفي من ذلك وجود التعقبات والاستدراكات على السابقين، فألفوا في ذلك مؤلفات نافعة كثيرة، أو ذكروا ذلك على هوامش كتب السابقين، أو جعلوها تذييلا عليها، أو ذكروها في كتبهم عند ذكر قول سابق من السابقين.
وما كان ذلك منهم حباً لتوهيم الآخرين، وتخطئتهم، أو إظهارا للنفس وحبا لها، وإنما كان ذلك لإظهار الحق، وبيان الصواب من الخطأ؛ لحفظ السنة النبوية، التي تكفل الله تعالى بحفظها، لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، والتي بها يحفظ الدين.
وكان من أسباب حفظها بأن سخر لها علماء أفذاذاً مخلصين، قدموا من أجلها الغالي والنفيس، فحفظوها في صدورهم وكتبهم، وبينوا المقبول منها من دونه، وبينوا الوهم والخطأ والتصحيف ونحوه من رواتها إذا وقعوا في ذلك، بل تعقب بعضهم على بعض في الحكم على الأحاديث ورواتها.
وكان من هؤلاء العلماء الجهابذة الذين كثرت تعقباتهم على السابقين الإمام الذهبي، فلذا كان حري بنا أن نبرز شيئاً من تعقباته الكثيرة في كتبه المتنوعة النافعة؛ لنفيد منها، ولأهميته العلمية عند أهل التخصص من أهل الحديث، ولكثرة التعقبات التي ذكرها في كتبه المختلفة على النقاد، فانتقيت تعقباته على الأئمة بقوله: بلا حجة وبغير حجة، وبلا مستند وأبهم في تعقبه سوى تعقبه بقوله: بلا مستند فإنني ذكرت واحداً معرفا وهو إسماعيل القناد، ووسمته بـ(تعقبات الإمام الذهبي على الأئمة الذين أبهمهم في تعقبه في كتابه الميزان بقوله: بلا حجة وبغير حجة وبلا مستند، دراسة نقدية مقارنة).
أولاً- أهمية البحث, ودوافع اختياره:
تكمن أهمية البحث ودوافع اختياره، فيما يلي:
أهمية التعقبات و أثرها في بناء الشخصية العلمية المستقلة، والملكة النقدية لدى علماء الحديث، كما أن دراسة هذه التعقبات ومناقشتها تزيد القارئ قناعة ورسوخا في الاطمئنان لمنهج النقاد في بيان رتبة الرواة جرحاً وتعديلاً، والذي يترتب عليه معرفة مروياته رداً وقبولاً.
يعد الإمام الذهبي من المشتغلين بالحديث وعلومه، وكذا بنقد الرواة؛ لذا آثرت التعرف على تعقبات الذهبي على غيره من الأئمة في الرواة، جرحاً وتعديلا؛ لتميزه عن غيره، ومكانته العلمية في علوم الإسلام عامة، وعلم الحديث والجرح والتعديل خاصة، فتوجب علي دراسة تعقباته على من سبقه من النقاد.
أن الإمام الذهبي جمع بعض أقوال النقاد في الرواة جرحااً أو تعديلا بعبارة موجزة، أيد فيها بعضهم، واعترض على بعض مما يحتاج إلى تحرير ووقوف على الصواب من دونه فيها.
مكانة الإمام الذهبي وعلو شأنه في هذا الباب؛ مما يجعل البحث في مسائل التعقبات أمراً جديراً بالدراسة والعناية، ومما يستدعي الاهتمام بعلمه والعناية بأثره.
قلة العناية من قبل الباحثين في التعقبات على شهرتها وأهميتها، فإن ما كُتب في هذا الباب من العلم يعد بالآحاد، وهو قليل جداً بالنسبة إلى غيره من أبواب علم الحديث.
هذه الدراسة ستكون ذات نتائج مفيدة - بإذن الله تعالى – للكاتب، ولمكتبة الحديث؛ لأنها في حقيقتها دراسة نقدية مقارنة، تجمع الأقوال في الراوي الواحد من كتب الرجال، وتبين من هو الذي تعقبه مع ذكر الراجح من المرجوح منها.
الموضوع لم يكتب فيه دراسة علمية سابقة فيما أعلم
ثانياً- أهداف البحث:
تكمن أهداف البحث، فيما يلي:
جمع تعقبات الإمام الذهبي على الأئمة من علماء الجرح والتعديل في نقد الرواة، ومحاولة الوقوف على الراجح والمرجوح منها، بعد عرضها ومناقشتها, ودراستها دراسة نقدية مقارنة.
معرفة منهج الذهبي في تعقباته على الأئمة، والمصطلحات التي استخدمها في تعقباته.
التعرف إلى مرتبة الإمام الذهبي بين أئمة الجرح والتعديل, من حيث الاعتدال، أو التشدد، أو التساهل؛ ويظهر هذا من خلال دراسة أقوالهما ومقارنتها بأقوال الأئمة.
بيان منهج العلماء في التعامل مع أخطاء من سبقهم والرد عليهم، وبيان وجه الصواب، كل ذلك بالأدلة العلمية دون نقد أو تجريح؛ للاستفادة من روح النقد.
إبراز الأئمة المتعقبين، وذلك من خلال جمع أقوال النقاد في الراوي، لأن الإمام الذهبي يبهم المتعقب أحيانا.
محاولة الوقوف على شيء من جهود العلماء السابقين ومناهجهم في الانتهاض والاعتراض والنقد والتصويب.
ثالثاً - الدراسات السابقة:
بعد البحث والتنقيب عن موضوع الدراسة من خلال المراسلة مع مراكز البحوث العلمية، عبر شبكة الإنترنت، وسؤال أهل العلم والتخصص من مشايخنا وأساتذتنا، لم نعثر على دراسة مستقلة في هذا الموضوع، وهو الرواة الذين تعقبهم الإمام الذهبي على الأئمة وأبهمهم في تعقبه بقوله: بلا حجة، وبغير حجة، وبلا مستند دراسة نقدية مقارنة من خلال كتابه الميزان، ولكن هناك دراسة سابقة لأحد الباحثين "تعقبات الإمام الذهبي على الأزدي في كتب الجرح والتعديل"، وقد نشر البحث في مجلة الجامعة الإسلامية غزة- فلسطين، وهناك دراسات عدة من أهمها "تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في كتابه الميزان للدكتور علي العمران".
رابعاً- منهج البحث: يتمثل منهج البحث في التالي:
اعتمدت منهج الاستقراء التام لكتاب الميزان وغيره، لجمع الرواة الذين تعقبهم الإمام الذهبي على الأئمة و أبهمهم في التعقب.
قسمت البحث إلى مبحثين، وكل مبحث منها قسمته إلى مطالب على حسب الحاجة.
رتبت الرواة الذين تم دراستهم على حسب حروف الهجاء، تحت كل مطلب من المطالب.
التعريف بكل راو منهم بذكر اسمه ونسبه وكنيته وتاريخ وفاته إن وجد، ثم تعقب الذهبي على الأئمة في الراوي، ومن ثم ذكر أقوال العلماء فيه ومناقشتها ومقارنتها، وأخيراً بيان خلاصة القول الراجح في الراوي سواء كان الراجح من قول أحد الأئمة أو من قول غيرهم.
ضبط ما استشكل من الكلمات.
التعريف بالأماكن والبلدان والأنساب غير المشهورة، وذلك بالرجوع إلى الكتب المختصة بذلك.
الاقتصار على ذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة ورقم الترجمة في الحاشية، وباقي التعريف بالكتاب ذكرته في قائمة المصادر والمراجع للاختصار.
خامسا- خطة البحث: يتكون البحث من: مقدمة، ومبحثين، وخاتمة، وذلك على النحو التالي:
♦ المقدمة: اشتملت على:
أهمية البحث ودوافع اختياره، وأهدافه، والدراسات السابقة، ومنهج الدراسة، وخطة البحث.
♦ َّ المبحث الأول: تعريف بالإمام الذهبي، وبالتعقب: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف بالإمام الذهبي.
َّ المطلب الثاني: تعريف التعقب لغة واصطلاحا.
♦ المبحث الثاني: الدراسة التطبيقية للرواة الذين تعقبهم الإمام الذهبي على الأئمة وأبهمهم في تعقبه في كتابه الميزان بقوله: بلا حجة وبغير حجة وبلا مستند، دراسة نقدية مقارنة.
♦ الخاتمة: تتضمن أهم النتائج والتوصيات التي توصل إليها الباحث.
المبحث الأول التعريف بالإمام الذهبي، وبالتَّعَقُّب:
ذكرت فيه تعريفاً موجزا للإمام الذهبي، وعرفت بالتعقبات لغة واصطلاحاً، وكان ذلك في مطلبين على النحو التالي:
المطلب الأول - تعريف بالإمام الذهبي:
يُعد الإمام الذهبي مثالاً للذهب الخالص النقي من الشوائب، فهو عالم متبحر في علم الحديث، ورجاله، فقد صنَّف الكتب الكثيرة في علوم شتى، وآثر التفرغ لخدمة علم الحديث والاعتناء به، وكتب هذا الإمام ما زالت تسير بها الركبان، بل هو عمدة في الترجيح بين أقوال الجرح والتعديل المتعارضة عند الأئمة، وما تزال الجامعات، وأقسام الحديث بها تأخذ بقولي الذهبي، وابن حجر للترجيح بين ما تعارض.
● أولاً: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه وميلاده ووفاته:
1- اسمه: محمد بن أحمد بن عثمان بن قاْمياز بن عبد الله.
فاسم هذا الإمام هو خير الأسماء فهو على اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا اسم أبيه.
2- نسبه: الإمام الذهبي هو: تركماني الأصل، الفارقي، الذهبي، الشافعي.
والشافعي نسبة إلى المذهب العريق مذهب الإمام القرشي محمد بن إدريس الشافعي – رحمه الله تعالى-.
3-كنيته: يكنى الإمام الذهبي بأبي عبد الله.
وقد سمى ابنه بخير الأسماء فهو عبد لله العظيم.
4- لقبه: يلقب الإمام الذهبي شمس الدين.
وهو شمس للدين أضاء الله به بقاع الأرض، وما تزال منيرة، فهو شمسها التي لا تنطفئ إلى حين تكويرها ليوم القيامة.
5- ميلاده ووفاته: ولد الإمام الذهبي في أفضل البلدان وهي بلاد الشام حيث ولد في دمشق عام 673هـ، وتوفي فيها عام 748هـ. رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته.
● ثانياً: شيوخه وتلاميذه:
إن لكل شيخ عظيم أساتذة عظماء، فلولا الله – عزوجل- ثم هم لكان نسياً منسيّاً، فهم أهل الفضل والعطاء، كما أن لكل واحد منهم تلامذة ساروا على نفس الدرب والنهج، ولولا الله – عزو جل- ثم التلاميذ لمات علم الأئمة كما مات مذهب الليث بن سعد – رحمه الله تعالى،- فقد اندثر لعدم وجود تلاميذ يحملونه لمن بعدهم، ونذكر شيوخ الذهبي وتلاميذه على سبيل المثال لا الحصر:
1- شيوخه:
للحافظ الذهبي العديد من الشيوخ منهم: أحمد بن عساكر، والحافظ شرف الدين الدمياطي, والعماد بن بدران الفخر التوزي، و أحمد بن أبي الخير بن سلامة الحَّداد، وغيرهم.
2- تلاميذه:
للحافظ الذهبي تلاميذ كثر منهم: عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه بن عبد الله بن علي بن المبارك التاجر الواسطي، وشيخ الإسلام تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي، وأبو سعيد خليل بن كيكلدى بن عبد الله العلائي، وغيرهم.
● ثالثا: أقوال العلماء فيه:
إن شهادة العلماء على نبوغ أحد في علم معين هي مصدر فخر واعتزاز، وهي مما يقوي ما في النفس حول هذه الشخصية، فكيف إذا كانت الشهادة من عظماء العصر، ومفاخر الأمة؟ والإمام الذهبي حاز على إعظام علماء عصره ومن بعدهم، بل وعدوه أنقى من التبر الأحمر إذا عرضَ على النار، ومن أمثلة ذلك:
قال ابن كثير: (الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين).
وقال أبو الفداء بن شاهنشاه: (محدث كبير، مؤرخ).
وقال الصفدي: (حافظ لا يجارى ولافظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، من ذهن يتوقد ذكاؤه ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه، جمع الكثير ونفع الجم الغفير وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف).
وقال ابن تغري بردي: (الإمام الحافظ المؤرخ صاحب التصانيف… أحد الحفاظ المشهورين).
وقال ابن الوردي: (منقطع القرين في معرفة أسماء الرجال محدث كبير ومؤرخ).
وقال عبد القادر بن محمد النعيمي: (الإمام العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء مؤرخ الشام ومفيده).
قلت: فهو منقطع القرين في معرفة أسماء الرجال، شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء مؤرخ الشام، فهو لا يسأل عنه مثله.
المطلب الثاني: تعريف التَّعَقُّب لغة واصطلاحا:
1- التعقب لغة:
قال ابن فارس: (عَقِبَ) الْعَيْنُ وَالْقَافُ وَالْبَاءُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ: أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ شَيْءٍ وَإِتْيَانِهِ بَعْدَ غَيْرِهِ. وَالْأَصْلُ الْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعٍ وَشِدَّةٍ وَصُعُوبَةٍ. فَالْأَوَّلُ قَالَ الْخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ يَعْقُبُ شَيْئًا فَهُوَ عَقِيبُهُ، كَقَوْلِكَ خَلَفَ يَخْلُفُ، بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذَا مَضَى أَحَدُهُمَا عَقَبَ الْآخَرِ. وَمِنْهُ سُمِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْعَاقِبَ " لِأَنَّهُ عَقِبَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -. وَهُمَا عَقِيبَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُقَالُ: اسْتَعْقَبَ فُلَانٌ مِنْ فِعْلِهِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، وَاسْتَعْقَبَ مِنْ أَمْرِهِ نَدَمًا، وَتَعَقَّبَ أَيْضًا. وَتَعَقَّبْتُ مَا صَنَعَ فُلَانٌ، أَيْ تَتَبَّعْتُ أَثَرَهُ. مقاييس اللغة (4/ 77 - 80).
وقال ابن منظور: التعقُّب: التتبع، يُقال وتَعَقَّبَ الخَبَر تَتَبَّعَه ويقال تَعَقَّبْتُ الأَمْرَ إِذا تَدَبَّرْته والتَّعَقُّبُ التَّدَبُّرُ والنظرُ ثانيةً، وَيُقَالُ: تَعَقَّبْتُ الخَبَرَ إِذا سأَلتَ غيرَ مَنْ كنتَ سأَلته أَوَّل مَرَّةٍ. وَيُقَالُ: أَتَى فلانٌ إِليَّ خَيْرًا فعَقَبَ بِخَيْرٍ مِنْهُ، والمُعقّب: المُتّبع حقّاً له يستردُّه، وعَقَّبَ عَلَيْهِ: كَرَّ ورَجَع. وَفِي التَّنْزِيلِ: {وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10]، وأَعْقَبَ عَنِ الشيءِ: رَجَعَ. وأَعْقَبَ الرجلُ: رَجَعَ إِلى خَيْر، وَقَالُوا: العُقْبَى إِلى اللَّهِ أَي المَرْجِعُ. والعَقْبُ: الرُّجُوع، والمُعَقِّبُ: المُنْتَظِرُ. والمُعَقِّبُ: الَّذِي يغْزُو غَزوةً بَعْدَ غَزْوةٍ، ويَسير سَيْراً بعدَ سيرٍ، وَلَا يُقِيمُ فِي أَهله بَعْدَ القُفُولِ، والعَقِيبُ: كلُّ شيءٍ أَعْقَبَ شَيْئًا. وَهُمَا يَتَعاقَبانِ ويَعْتَقِبانِ أَي إِذا جاءَ هَذَا، ذَهَب هَذَا، وَهُمَا يَتَعاقَبانِ كلَّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، والليلُ والنهارُ يَتَعاقَبانِ، وَهُمَا عَقيبان، كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا عَقِيبُ صَاحِبِهِ. وعَقِيبُك: الَّذِي يُعاقِبُك فِي العَمَل، يَعْمَلُ مرَّةً وتَعْمَلُ أَنت مَرَّةً، وأَعْقَبَ الرجُلَ: رَدَّ إِليه ذَلِكَ، واسْتَعْقَبْتُ الرجلَ، وتَعَقَّبْتُه إِذا طَلَبْتَ عَوْرَتَهُ وعَثْرَته. لسان العرب - ط المعارف (4/ 3027 وما بعدها)
فيظهر مما سبق أن من معاني التعقب: التتبع، والتد ُّبر، والنظر في الشيء ثانية، الكرُّ، والرجوع، والتداول، ومجيء الشيء بعد، الشيء، والورود مرة بعد مر َّة، وسؤال غير من كنت سأَلته أَول مرة، وطلب عورة الآخر وعثرته.
2- التعقب اصطلاحاً:
لم يعرّفه أحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين اصطلاحا – على حسب علمي- وحصلت على تعريف له عند بعض الباحثين المعاصرين، ووجدت فيه الغنية؛ لقلة ألفاظه مع إعطائه البغية منه، فلذا سأكتفي بذكره، قال الباحث منصور سلمان نصر نصار: (نظر العالم استقلالاً في كلام غيره أو كلامه المتقدم تخطئةً أو استدراكا).
وتبعه عليه الباحثان المتممان للدراسة نفسها ، وهما: مناف توفيق سليمان مريان، وعطا الله بن خليف بن غياض الكويكبي.
ويمكن أن نعرفه: هو تتبع أقوال النقاد في الراوي المتكلم فيه لرفع التهمة عنه أو إثباتها.
___________________________________________
المبحث الثاني: الدراسة التطبيقية لتعقبات الإمام الذهبي على الأئمة الذين أبهمهم في تعقبه في كتابه الميزان بقوله: بلا حجة وبغير حجة وبلا مستند، دراسة نقدية مقارنة
جمعت في هذا المبحث الرواة الذين تعقبهم الإمام الذهبي في كتابه الميزان على الأئمة بقوله بلا مستند، وبلا حجة، وبغير حجة، وقمت بدراسة هؤلاء الرواة دراسة نقدية مقارنة، بينت فيها الراجح من المرجوح من الأقوال، ولخصت القول في كل راو منهم بعبارة موجزة تبين رتبة الراوي بوضوح، وبينت المبهمين الذين تعقبهم الإمام الذهبي.
1- إِسماعيل القناد، إِبراهيم بن عبد الملك الببَصْرِي [الوفاة: 171 - 180 هـ]
تعقب الذهبي بقوله: (ليَّنَه زكريا الساجي)، وقال الذهبي في موضع آخر: (ضعفه زكريا الساجي بلا مستند)، أي: بغير دليل.
أقوال النقاد في النّقاد:
قال النسائي: (لا بأس به)، وقال علي بن المديني: (كان ضعيفاً عندنا)، وفي موضع آخر: (كان ذلك شيخا ضعيفاً، ليس بشيء)، وذكر ابن البرقي عن يحيى بن معين أنه: (ضعيف)، وذكره حافظ القيروان في جملة الضعفاء، وكذلك أبو القاسم البلخي، وقال العقيلي: (يهم في الحديث)و، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال(:يخطئ)، وذكره أبو نعيم في (الضعفاء)، وقال الذهبي: (صدوق)، وفي موضع آخر: (له أوهام)، وقال ابن حجر: (صدوق في حفظه شيء).
خلاصة القول في الراوي: تعقب الذهبي الساجي في الراوي إسماعيل القناد، وتبين للذهبي أن كلام زكريا الساجي فيه بلا مستند، حيث لينه مرة وضعفه مرة، وقد تبين للذهبي خلاف ذلك؛ فقال عن الراوي: صدوق، وفي موضع آخر: صدوق له أوهام بعد أن استعرض أقوال النقاد فيه وأنه لا يصل إلى الضعف المطلق، ومن ضعفه كابن المديني، وابن معين ففيهما تشدد، ودليل ذلك قول النسائي المتشدد: (لا بأس به)، أما الساجي، فكان متعنتاً. والله أعلم.
2- أحمد بن عبد الله ببن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الإمام الحافظ، الثقة العلامة، شيخ الإسلام، أبو نُعيم، المِهرَاني، الأصبهاني، الصُّوفي، الأحول، سبط الزاهد حمد بن يوسف البنّاء، وصاحب الحليلة [المتوفى: 430هـ].
تعقب الذهبي: قال الذهبي: (أحد الأعلام، صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى).
أقوال النقاد:
قال الذهبيُّ في "السّير": وكان حافظا مبرزا عالي الإسناد، تفرد في الدنيا بشيء كثير من العوالي، وهاجر إلى لقيه الحفاظ. قال أبو محمد السمرقندي: سمعت أبا بكر الخطيب يقول: لم أر أحدا أطلق عليه اسم الحفظ غير رجلين؛ أبو نعيم الأصبهاني وأبو حازم العبدويي.
وقال أحمد بن محمد بن مردويه: كان أبو نعيم في وقته مرحولاً إليه، ولم يكن في أفق من الآفاق أسند ولا أحفظ منه، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، فكان كل يوم نوبة واحد منهم يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام إلى داره، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزء، وكان لا يضجر، لم يكن له غداء سوى التصنيف والتسميع.
وقال حمزة بن العباس العلوي: كان أصحاب الحديث يقولون: بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى منه إسنادا، ولا أحفظ منه. وكانوا يقولون: لما صنف كتاب "الحلية" حمل الكتاب إلى نيسابور حال حياته، فاشتروه بأربع مائة دينار اهـ.
وقال ابن النجار: (تاج المحدثين وأحد أعلام الدين ومن جمع الله له في الرواية والحفظ والفهم والدراية، فكانت تشد إليه الرحال. وعاجز إلى بابه الرجال) اهـ.
وقال ابن خلكان: (من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ الثقات، أخذ عن الأفاضل، و أخذوا عنه، وانتفعوا به) اهـ.
وقال ابن كثير: (رزق من علو الإسناد ما لم يجتمع عند غيره وصنف كتبا حسنة، وحديثه بالمشرق والمغرب، وكان ثقة في الحديث عالما فهما)، وقال في موضع آخر: (الحافظ الكبير، ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة) اهـ.
وقال أيضاً: (هو الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة منها: حلية الأولياء في مجلدات كثيرة دلت على اتساع روايته وكثرة مشايخه وقوة اطلاعه على مخارج الحديث، وشعب طرقه) اهـ.
وقال السبكي: (الجامع بين الفقه والتصوف، والنهاية في الحفظ والضبط) اهـ.
وقال ابن الملقن: (الحافظ الجامع بين الفقه والحديث. والتصوف) اهـ.
وقال محمد صديق خان: (كان من الأعلام المحدثين، و أكابر الحفاظ، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به) اهـ.
وقال ابن نقطة: (رزق من علو الإسناد ما لم يجتمع عند غيره وصنف كتباً حسنة وحديثه بالمشرق والمغرب، وكان ثقة في الحديث، عالماً فهماً) اهـ.
وقال صلاح الدين الصفدي: (تاج االمحدثين، وأحد أهعلام الدين، له العلو في الرواية، والحفظ والفهم والدراية، وكانت الرحال تُشد إليه، أملى في فنون الحديث كتباً، سارت في البلاد، وانتفع بها العباد، وامتدت أيامه حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، وتفرد بعلو الإسناد، وكان أبو نُعيم إماماً في العلم والزهد والديانه) اهـ.
وقال ابن تيمية: (من أكابر حُفّاظ الحديث، ومن أكثرهم تصنيفات، وممن انتفع الناس بتصنيفاته، وهو أجل من أن يُقال له: ثقة؛ فدرجته فوق ذلك) اهـ.
ونقل الذهبيُّ عن أبي طاهر السَّلفيّ، قال: سمعت أبا العلاء محمد بن عبد الجبار الفرساني يقول: حضرت مجلس أبي بكر بن أبي علي الذكواني المعدل في صغري مع أبي، فلما فرغ من إملائه، قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم، فليقم. وكان أبو نعيم في ذلك الوقت مهجورا بسبب المذهب، وكان بين الأشعرية والحنابلة تعصب زائد يؤدي إلى فتنة، وقيل وقال، وصداع طويل، فقام إليه أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد الرجل يقتل.
قلت -أي: الذهبي-: ما هؤلاء بأصحاب الحديث، بل فجرة جهلة، أبعد الله شرهم.
ثم نقل عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، قال: ذكر الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد الأصبهاني عمن أدرك من شيوخ أصبهان أن السلطان محمود بن سبكتكين لما استولى على أصبهان، أمّر عليها والياً من قبله، ورحل عنها، فوثب أهلها بالوالي، فقتلوه، فرجع السلطان إليها، وآمنهم حتى اطمأنوا، ثم قصدهم في يوم جمعة وهم في الجامع، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وكانوا قبل ذلك منعوا الحافظ أبا نعيم من الجلوس في الجامع، فسلم مما جرى عليهم، وكان ذلك من كرامته.
قال: وقال محمد بن طاهر المقدسي: سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: رأيت بخط أبي بكر الخطيب: سألت محمد بن إبراهيم العطار مستملي أبي نعيم، عن جزء محمد بن عاصم: كيف قرأته على أبي نعيم، وكيف رأيت سماعه؟ فقال: أخرج إلي كتاباً، وقال: هو سماعي، فقرأته عليه. ثم قال الخطيب: قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة: أخبرنا. من غير أن يبين.
وقال الحافظ أبو عبد الله ابن النجار: جزء محمد بن عاصم قد رواه الأثبات عن أبي نعيم، والحافظ الصادق إذا قال: هذا الكتاب سماعي، جاز أخذه عنه بإجماعهم.
قلت -يعني الذهبي-: قول الخطيب: كان يتساهل ... إلى آخره، هذا شيء قل أن يفعله أبو نعيم، وكثيرا ما يقول: كتب إلي الخلدي.
ويقول -يعني أبا نُعيم-: كتب إليَّ أبو العباس الأصم، وأخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه. ولكني رأيته يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارس الذي سمع: منه كثيرا وهو أكبر شيخ له: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرىء عليه. فيوهم أنه سمعه، ويكون مما هو له بالإجازة، ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف قد غلب استعماله على محدثي الأندلس، وتوسعوا فيه. وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في مثل الأصم وأبي الميمون البجلي والشيوخ الذين قد علم أنه ما سمع: منهم بل له منهم إجازة، كان له سائغا، والأحوط تجنبه.
قال الذهبيُّ: حدثني أبو الحجاج الكلبي الحافظ، أنه رأى خط الحافظ ضياء الدين قال: وجدت بخط أبي الحجاج بن خليل أنه قال: رأيت أصل سماع الحافظ أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم.
قلتُ -الذهبيّ-: فبطل ما تخيله الخطيب، وتوهمه، وما أبو نعيم بمتهم، بل هو صدوق عالم بهذا الفن، ما أعلم له ذنبا -والله يعفو عنه- أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثم يسكت عن توهيتها.
خلاصة القول في الراوي: إمام حافظ ثقة، وحجة الخطيب البغدادي ضعيفة، وقد رد عليها الذهبي.
3- الحارث بن محمد بن أبي أسامة -داهر-، أبو محمد التميمي، البغدادي، الخضيب [المتوفى: 282هـ.]
تعقب الذهبي: قال الذهبي: (كان حافظا ً عارفا بالحديث، عالي الإسناد بالمرة، تكلم فيه بلا حجة).
أقوال النقاد فيه:
وثقه إبراهيم الحربي، و أحمد بن كامل، وأبو العباس النباتي، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه الأزدي وابن حزم، وقال الذهبي معقباً: (هذه مجازفة، وليت الأزدي عرف ضعف نفسه).
وقال الذهبي: (مسند بغداد في وقته... ثقة، وربما أخذ على التحديث)، وقال أيضًا: (صاحب المسند.. وكان حافظاً عارفا بالحديث، عالي الإسناد بالمرة، تكلم فيه بلا حجة... ولينه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية)، وقال أيضاً: (الحافظ، الصدوق، العالم، مسند العراق، صاحب المسند المشهور...ولا بأس بالرجل، وأحاديثه على الاستقامة، وذنبه أخذه على الرواية، وهو الظاهر لأنه كان محتاجاً، فلا ضير).
وقال الدارقطني: (اختلف فيه أصحابنا، وهو عندي صدوق)، وسئل البرقاني، عن يحيى بن أبي طالب، والحارث بن أبي أسامة، ففضل يحيى، وقال: (أمرني أبو الحسن الدارقطني أن أخرج عنهما في الصحيح).
خلاصة القول في الراوي: ثقة، وتضعيف الأزدي وابن حزم وبعض البغداديين بلا حجة، فهو مسند العراق في وقته، وقد رد الذهبي على من ضعفه، والله أعلم.
4- الحُسين بن عياش بن حازم، أبو بكر السَّلمي، مولاهم، اللغوي.َ الجزري الباجدائي الرقي. [الوفاة: 210 - 201هـ].
تعقب الذهبي: قال الذهبي: (لينه بعضهم بلا مستند).
أقوال النقاد فيه:
قال الذهبي: (لينه بعضهم بلا مستند)، ووثقة النسائي، وابن حجر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخطيب: (كان أديبا فاضلاً)، وذكره ابن خلفون في جملة (الثقات)، وقال: هو عندي في الطبقة الثالثة من المحدثين. وكان خريتاً فاضلاً دينَاً، وقال الساجي والذهبي: (فيه ضعف)، وقال الأزدي: (ضعيف).
خلاصة القول في الراوي: ثقة، وتليين الأزدي، والساجي له بلا مستند، والعجب من قول الذهبي كيف يقول فيه ضُعّف، ومرة يدافع عنه، ولعل الذهبي اطلع على حاله بعد ما ضعفه فدافع عنه، والله أعلم.
5- قَيس بن عَباية، أبو نعامة الحنفيّ، البصّريّ [75 هـ - 110 هـ].
تعقب الذهبي: قال الذهبي: (صدوق تكلم فيه بعضهم بلا حجة).
أقوال النقاد فيه:
وثقه ابن معين، وابن شاهين، وابن عبد البر، وابن عبد الهادي، وابن حجر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: (وُثّق)، وفي موضع آخر: (وثقه غير واحد)، وقال الخطيب: (لا أعلم أحداً رماه بكذب ولا ببدعة)، وقال البيهقي:(لم يحتج بِه الشيخان والله أَعلم).
خلاصة القول في الراوي: ثقة، وقول الخطيب يؤكد ذلك، وأما قول البيهقي: (لم يحتج به الشيخان) لا يضره، فكثير من الرواة الثقات لم يحتج بهم الشيخان، والله أعلم.
6- مُبشّر بن إسماعيل الحلبيّ، أبو إسماعيل الكلبيّ، مولاهم.
تعقب الذهبي: قال الذهبي: صدوق عالم مشهور، من أهل حلب، من طبقة وكيع، تكلم فيه بلا حجة، خرج له البخاري مقروناً بآخر.
أقوال النقاد فيه:
وثقه ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والذهبي، وزاد ابن سعد (كان مأمونا)، وزاد أحمد (شيخ صالح الحديث). وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي وأحمد في رواية: (ليس به بأس)، وزاد أحمد: (كتبت عنه خمسة أحاديث أو ستة)، وقال الذهبي في موضع آخر: (صاحب حديث و إتقان)، وقال الذهبي أيضاً وابن حجر: (صدوق)، وزاد الذهبي: (عالم مشهور).
وضعفه ابن قانع في الوفيات، وقال الذهبي معلقا: (تكلم فيه بلا حجة)، ورد ابن حجر أيضا على ابن قانع بقوله: (وابن قانع ليس بمعتمد)، وهو أضعف منه - يعني من مبشر.
خلاصة القول في الراوي: ثقة، وقد تكلم فيه بلا حجة، والذي ضعفه وتكلم فيه ابن قانع كما هو واضح من خلال الترجمة ورد ابن حجر عليه ي ؤكد ذلك، والله أعلم.
7- موسى بن عامر يعرف بابن أَِبي الهيذام دمشقي، يكنى أََبا عامر.
تعقب الذهبي: قال الذهبي: صدوق صحيح الكتب، تكلم فيه بعضهم بغير حجة، ولا ينكر له تفرده عن الوليد، فإنه أكثر عنه.
أقوال النقاد فيه:
قال الذهبي: ثقة مكثر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، وعن عبدان قال: سمعت أَب داوود السجستاني يقول، حدثنا ابن أَبي الهيذام عن الوليد عن الأَوزاعي يشبه حديثه قال: وكان أبو داود لا يحدث عنه، وقال ابن عدي: ولموسى هذا غير حديث مما يعز وجوده عن الوليد وعن غيره، ويروي إفرادات، وكان يروي عن الوليد ما كان يروي المتقدمون عن الوليد، وكانوا يجعلونه من لم يلحق هشاماً ودحيما عوضا منهما، وكان عنده بعض أصناف الوليد.
خلاصة القول في الراوي: صدوق صحيح الكتاب، ولعله تكلم فيه من جهة إفراداته، ولا ينكر له تفرده عن الوليد كما قال الذهبي فإنه أكثر عنه، وأما قول ابن حجر له أوهام فلعله نزل به إلى ذلك لأجل كلام ابن حبان فيه بالإغراب. والله أعلم.
الخاتمة
تم بحمد الله تعالى ختام هذا البحث، وهذه أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها:
أولاً: النتائج:
بعد الدراسة النقدية المقارنة للرواة الذين تعقبهم الإمام الذهبي على الأئمة و أبهمهم في تعقبه، تم التوصل إلى نتائج من أهمها ما يلي:
1.اتفق العلماء في الثناء على حفظ الإمام الذهبي وجلالته وإمامته وورعه، بل أقر له من عاصره ومن بعدهم بانفراده عن غيره بالإمامة في علوم شتى، فهو منقطع القرين في معرفة أسماء الرجال، شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء، مؤرخ الشام، وظهرت فضائله لعلماء عصره فاغتبطوا به.
2. بلغ عدد الذين تعقبهم الإمام الذهبي على الأئمة بقوله بلا مستند، وبلا حجة وبغير حجة: سبعة رواة.
3. استعمل الإمام الذهبي في تعقبه على الأئمة، صيغاً متنوعة، كلها صيغ صريحة، وواضحة.
4. بعض الصيغ التي استخدمها الأئمة كان فيها بعض التشدد، كما سبق.
5. بينت الدراسة أن من تكلم فيهم العلماء فيهم بلا حجة، وتعقبهم الإمام الذهبي فأبهم؛ كانت على النحو التالي: أن من تكلم في إسماعيل القناد، هو ابن المديني وابن معين، ومن تكلم في أبي نعيم الأصبهاني هو الخطيب البغدادي ووصفه بالمتساهل، ومن تكلم في الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي، هو الأزدي، وابن حزم، ومن تكلم في الحسين بن عياش السلمي، هو الأزدي والساجي، ومن تكلم في مبشر بن إسماعيل هو ابن قانع، ومن تكلم في موسى بن عامر، هو ابن حبان بوصفه يغرب، وابن حجر بأن له أوهاماً، وهذا لا يضره كما سبق.
6. بينت الدراسة أن سبب تعقب الذهبي على من تكلم في قيس بن عباية، هو أن البخاري ومسلم لم يحتجا به، وهذا مردود عليه.
7. أن الإمام الذهبي كان معتدلاً، منصفاً في تعقبه على الرواة الذين تكلم فيهم العلماء، فهو لم يخالف العلماء في أغلبهم.
8. بينت الدراسة أن من تكلم فيهم العلماء وتعقبهم الإمام الذهبي، كانوا من المتشددين الذين فيهم شيء من الإسراف في تضعيف الرواة؛ إذ لم أوافقهم في جميع الرواة.
9. كان الإمام الذهبي أحيانا في تعقبه على العلماء، يتعقبهم دون إصدار حكم على الراوي، كما في ترجمة الحسين بن عياش السلمي.
10. لم يخرج أصحاب الصحيحين لأي أحد منهم ما عدا مبشراً أخرج له البخاري مقروناً بغيره.
ثانيًا- التوصيات:
1. أوصي بأن تكون دراسة علمية واسعة لتعقبات الذهبي على غيره من العلماء في كتبه المتنوعة.
2. وكذلك أوصي بدراسات علمية لتعقبات العلماء بعضهم على بعض، كتعقبات ابن حجر على العيني، وغيرها من الدراسات المتعلقة بالتعقبات؛ لما في تتبع تعقبات العلماء بعضهم على بعض من الفوائد العلمية الجمة.
وأخيرا أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، و أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، آمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق