الخلافة والمُلك
شيخ الإسلام ابن تيمية
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يتناول هذا الكتاب تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الخلافة والملك، حيث بسط القول في أن خلافة النبوة قد امتدت ثلاثين سنة، ثم آلت إلى طور الملك، مع بقاء أصل الطاعة لولاة الأمور في المعروف، وتحريم الخروج عليهم لما يفضي إليه من اضطراب الجماعة واستفحال الفتن.
كما قرر أن القتال إنما يُشرع لدفع البغي وردّ العدوان، مقرونًا بالعدل والانضباط، وأن الإمامة نظام جامع بين حفظ الدين وسياسة الدنيا، تقوم به مصالح الأمة وتنتظم به كلمتها. وعرّج كذلك على مذهب أهل السنة في الصحابة، مثبتًا عدالتهم، مع الإقرار بجواز وقوع الخطأ منهم من غير أن يُفضي ذلك إلى تفسيق أو تكفير.
ويُبيّن ابن تيمية أن المسلك الوسط الذي عليه جمهور أهل السنة: أن خلافة النبوة هي المثال الأكمل والمرتبة الأسمى لكل من يحوز الملك ، غير أن الانتقال إلى الملك قد يُرخَّص فيه عند الحاجة أو العجز، شريطة أن تُصان به مقاصد الشريعة من العدل وحفظ الدين. فلا يُذمّ الملك بإطلاق، ولا يُمدح على الإطلاق، بل يُوزن بميزان الشرع: فما وافقه قُبل، وما خالفه رُدّ، مع اعتبار مآلات الأفعال والموازنة بين الحسنات والسيئات.
وهذا هو العدل الذي توسط بين طرفين: طرفٍ غلا فأوجب الخلافة مطلقًا وذمّ الملك جملة، وآخر أطلق الإباحة دون قيد، فجاء منهج أهل السنة مثبتًا للحق حيث كان، محافظًا على جوهر الإمامة ومقاصدها.
___________________________________________________________________
يقول جامع الكتاب:
فهذا كتاب الخلافة والملك وقتال أهل البغي اخترناه من مجموع الفتاوي لشيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع بالمملكة العربية السعودية، والكتاب ذو أهمية كبيرة؛ حيث تحدث فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن طاعة الله ورسوله وولاة الأمور، والنصيحة لهم، وعدم الخروج عليهم بالسلاح، مؤكداً أن الطاعة إنما تكون في المعروف، كما تطرق للحديث عن خلافة النبوة والملك، وقتال أهل البغي وغير ذلك من الأمور مع الاعتماد على الأدلة البيئة والبراهين الساطعة.
خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً
قال النبي ﷺ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة؛ ثم يؤتي الله ملكه ـ أو الملك - من يشاء»، لفظ أبي داود من رواية عبد الوارث والعوام: «تكون الخلافة ثلاثين عاماً، ثم يكون الملك»، «تكون الخلافة ثلاثين سنة، ثم تصيـر ملكاً»، وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد، والعوام بن حوشب وغيره، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله ﷺ؛ رواه أهل السنن: كأبي داود، وغيره
ما بعد خلافة النبوة
وفي الحديث الذي رواه مسلم: «ستكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض» -أي: شديد فيه عسف وعنف
وقال في الحديث المشهور في السنن وهو صحيح: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة».
جواز تسمية الملوك خلفاء
ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين (خلفاء) وإن كانوا ملوكاً؛ ولم يكونوا خلفاء الأنبياء، بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر؛ قالوا فما تأمرنا ؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول؛ ثم أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم».
فقوله: «فتكثر» دليل على من سوى الراشدين، فإنهم لم يكونوا كثيراً.
وأيضاً قوله: «فوا ببيعة الأول فالأول» دل على أنهم يختلفون؛ والراشدون لم يختلفوا.
وقوله: «فاعطوهم حقهم» أي: يجب الوفاء ببيعة من كان أولاً في كل زمان، وبيعة الثاني باطلة.
وقوله: «فإن الله سائلهم عما استرعاهم» دليل على مذهب أهل السنة؛ في إعطاء الأمراء حقهم؛ من المال، والمغنم.
دلالة خبر الرسول بانقضاء خلافة النبوة
والغرض هنا بيان أن «جماع الحسنات والسيئات» الواقعة بعد خلافة النبوة: في الإمارة، وفي تركها؛ فإنه مقام خطر؛ وذلك أن خبره «بانقضاء خلافة النبوة» فيه الذم للملك والعيب له؛ لا سيما وفي حديث أبي بكرة: أنه استاء للرؤيا، وقال: «خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء».
ثم النصوص الموجبة لنصب الأئمة، والأمراء وما في الأعمال الصالحة يتولونها من الثواب: حمداً لذلك، وترغيب فيه؛ فيجب تخليص محمود ذلك من مذمومه، وفي حكم اجتماع الأمرين، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خيرني بين أن أكون عبداً رسولاً وبين أن أكون نبياً ملكاً، فاخترت أن أكون عبداً رسولاً».
هل خلافة النبوة واجبة ؟
فإن كان الأصل في ذلك شوب الولاية -أي: الدخول فيها-؛ من الإمارة، والقضاء، والملك: هل هو جائز في الأصل، والخلافة مستحبة ؟ أم ليس بجائز إلا لحاجة من نقص علم أو نقص قدرة بدونه ؟ فنحتج بأنه ليس بجائز في الأصل بل الواجب خلافة النبوة لقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها؛ وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فكل بدعة ضلة» بعد قوله: «من يعش منكم بعدي فسيري اختلافاً كثيراً».
فهذا أمر وتحضيض على لزوم سنة الخلفاء، وأمر بالاستمساك بها، وتحذير من المحدثات المخالفة لها، وهذا الأمر منه، والنهي: دليل بين في الوجوب.
ثم اختص من ذلك قوله: «إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر»، فهذان أمر بالاقتداء بهما.
والخلفاء الراشدون أمر بلزوم سنتهم، وفي هذا تخصيص للشيخين من وجهين:
أحدهما: أن «السنة» ما سنوه للناس.
وأما «القدوة» فيدخل فيها الاقتداء بهما فيما فعلاه مما لم يجعلوه سنة.
الثاني: أن السنة أضافها إلى الخلفاء؛ لا إلى كل منهم. فقد يقال: إنَّ ذلك فيما اتفقوا عليه؛ دون ما انفرد به بعضهم. وأما القدوة فعين القدوة بهذا، وبهذا. وفي هذا الوجه نظر.
ويستفاد من هذا: أنَّ ما فعله عثمان وعلي من الاجتهاد الذي سبقهما- بما هو أفضل منه- أبو بكر وعمر ودلت النصوص، وموافقة جمهور الأمة على رجحانه وكان سببه افتراق الأمة: لا يؤمر بالاقتداء بهما فيه؛ إذ ليس ذلك من سنة الخلفاء؛ وذلك أن أبا بكر وعمر ساسا الأمة بالرغبة والرهبة، وسلما من التأويل في الدماء، والأموال.
وعثمان- رضي الله عنه- غلَّب الرغبة، وتأول في الأموال.
وعليٌّ غلب الرهبة، وتأول في الدماء.
وأبو بكر وعمر كمل زهدهما في المال، والرياسة.
وعثمان كمل زهده في الرياسة. وعليٌّ كمل زهده في المال.
وأيضاً فكون النبي ﷺ استاء للملك بعد خلافة النبوة: دليل على أنـه متضمن ترك بعض الدين الواجب.
الملك المشوب وحُكْمُهُ
وقد يحتج من يجوز (الملك) بالنصوص التي منها قوله لمعاوية: «إن ملكت فأحسن» ونحو ذلك، وفيه نظر. ويحتج بأن عمر أقر معاوية لما قدم الشام على ما رآه من أبهة الملك، لما ذكر له المصلحة فيه، فإن عمر قال: لا آمرك، ولا أنهاك، ويقال في هذا: إن عمر لم ينهه، لا أنه أذن له في ذلك؛ لأن معاوية ذكر وجه الحاجة إلى ذلك، ولم يثق عمر بالحاجة. فصار محل اجتهاد في الجملة.
فهذان القولان متوسطان: أن يقال: الخلافة واجبة، وإنما يجوز الخروج عنها بقدر الحاجة. أو أن يقال: يجوز قبولها من الملك بما ييسر فعل المقصود بالولاية ولا يعسره؛ إذ ما يبعد المقصود بدونه لا بد من إجازته.
وإما (ملك مطلق) فإيجابه أو استحبابه محل اجتهاد.
وهنا طرفان «أحدهما»: من يوجب ذلك في كل حال وزمان، وعلى كل أحد، ويذم من خرج عن ذلك مطلقاً أو لحاجة، كما هو حال أهل البدع، من الخوارج، والمعزلة، وطوائف من المتسننة والمتزهدة.
«والثاني» من يبيح الملك مطلقاً؛ من غير تقيد بسنة الخلفاء؛ كما هو فعل الظلمة والإباحية، وأفراد المرجئة. وهذا تفصيل جيد، وسيأتي تمامه.
و «تحقيق الأمر» أن يقال: انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك:
* إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علماً وعملاً؛ فإن كان مع العجز علماً أو عملاً كان ذو الملك معذوراً في ذلك. وإن كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة؛ كما تسقط سائر الواجبات مع العجز، كحال النجاشي لما أسلم، وعجز عن إظهار ذلك في قومه؛ بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه؛ لكن الملك كان جائزاً لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف عليهم السلام.
وإن كان مع القدرة علماً وعملاً، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة، وأن اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا: فهذا التقدير إذا فرض أنه حق؛ فلا إثم على الملك العادل أيضاً.
وهذا الوجه قد ذكره القاضي أبو يعلي في «المعتمد» لما تكلم في تثبيت خلافة معاوية، وبني ذلك على ظهور إسلامه، وعدالته، وحسن سيرته، وأنه ثبتت إمامته بعد موت عليٍّ لما عقدها الحسن له، وسمي ذلك «عام الجماعة»، وذكر حديث عبد الله بن مسعود: «تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين».
قال: أحمد في رواية ابن الحكم: يروى عن الزهري أن معاوية كان أمرُهُ خمس سنين لا ينكر عليه شيء؛ فكان هذا على حديث النبي ﷺ «خمس وثلاثين سنة»: قال ابن الحكم: قلت لأحمد: من قال حديث ابن مسعود «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين»، إنها من مهاجر النبي ﷺ ؟ قال: لقد أخبر هذا، وما عليه أن يكون النبي ﷺ يصف الإسلام بسيره و [بالحكاية ] إنما يصف ما يكون بعده من السني.
قال: وظاهر هذا من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث؛ وأن خلافة معاوية كانت من جملة الخمس والثلاثين، وذكر أن رجلاً سأل أحمد عن الخلافة؛ فقال: «كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة لنا».
قال القاضي: وظاهر هذا: أن ما كان بغير المدينة لم يكن خلافة نبوة.
قلت: نصوص أحمد على أن الخلافة تمت بعلي كثيرة جداً.
ثم عارض القاضي ذلك بقوله: «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً»، قال السائل: فلما خص الخلافة بعده بثلاثين سنة: كان آخرها آخر أيام علي، وأن بعد ذلك يكون ملكاً: دل على أن ذلك ليس بخلافة، فأجاب القاضي: بأنه يحتمل أن يكون المراد به «الخلافة» التي لا يشوبها ملك بعده ثلاثون سنة، وهكذا كانت خلافة الخلفاء الأربعة، ومعاوية: قد شابها الملك؛ وليس هذا قادحاً في خلافته؛ كما أن ملك سليمان عليه السلام- لم يقدح في نبوته، وإن كان غيره من الأنبياء فقيراً.
جواز شوب الخلافة بالملك
قلت: فهذا يقتضي أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وأن ذلك لا ينافي العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل. وكل من انتصر لمعاوية، وجعله مجتهداً في أموره ولم ينسبه إلى معصية: فعليه أن يقول بأحد القولين: إما جواز شوبها بالملك، أو عدم اللوم على ذلك فيتجه إذا قال إن خلافة النبوة واجبة؛ فلو قدر أن عمل سيئة؛ فكبيرة وإن كان ديناً، أو لأن الفاسق من غلبت سيئاته حسناته؛ وليس كذلك، وهذا رحمته بالملوك العادلين؛ إذ هم في الصحابة ممن يقتدي به
وأما أهل البدع كالمعتزلة: فيفسقون معاوية لحرب علي، وغير ذلك؛ بناء على أنه فعل كبيرة، وهي توجب التفسيق، فلا بد من منع إحدى المقدمتين.
ثم إذا ساغ هذا للملوك: ساغ للقضاة والأمراء، ونحوهم.
حكم ترك خلافة النبوة
وأما إذا كانت خلافة النبوة واجبة وهي مقدورة؛ وقد تركت: فترك الواجب سبب للذم، والعقاب.
ثم هل تركها كبيرة أو صغيرة ؟ إن كان صغيرة لم يقدح في العدالة، وإن كان كبيرة ففيه القولان، لكن يقال هنا: إذا كان القائم بالملك والإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها، ويترك من السيئات المنهي عنها ما يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب، أو يفعله من محظور: فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته.
فإذا كان غيره مُقَصِّراً في هذه الطاعة التي فعلها مع سلامته عن سيئاته؛ فله «ثلاثة أحوال»: إما أن يكون الفاضل من حسنات الأمير أكثر من مجموع حسنات هذا أو أقل.
فإن كانت فاضلة أكثر كان أفضل، وإن كان أقل كان مفضولاً، وإن تساويا تكافاً. هذا موجب العدل؛ ومقتضى نصوص الكتاب والسنة، في الثواب، والعقاب.
وهو مبني على قول من يعتبر الموازنة، والمقابلة في الجزاء؛ وفي العدالة أيضاً. وأما من يقول: إنه بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد؛ ولو كان له حسنات كثيرة عظيمة: فلا يجيء هذا، وهو قول طائفة من العلماء في العدالة. والأول أصح على ما تدل عليه النصوص.
معنى الخليفة
«والخليفة» هو من كان خَلَفاً عن غيره. فعيلة بمعنى فاعلة. وكان النبي ﷺ إذا سافر يقول: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل»، وقال ﷺ: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا»، وقال ﷺ: «أو كلما خرجنا في الغزو خلف أحدهم وله نبيب كنبيب التيس، يمنح احداهن اللبنة من اللبن، لئن أظفرني الله بأحد منهم لأجعلنه نكالاً».
وفي القرآن: {سيقول المُخَلَّفُون من الأعراب}.
وقوله: {فَرِحَ المُخَلَّفُون بمقعدهم خلاف رسول الله}.
والمراد «بالخليفة» أنه خلف من كان قبله من الخلق. والخلف فيه مناسبة، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ، لأنه خلفه على أمته بعد موته، وكما كان النبي ﷺ إذا سافر لحج أو عمرة أو غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة. فيستخلف تارة ابن أم مكتوم، وتارة غيره، واستخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك.
وتسمى الأمكنة التي يستخلف فيها الإمام «مخاليف» مثل: مخاليف اليمن، ومخاليف أرض الحجاز، ومنه الحديث: «حيث خرج من مخلاف إلى مخلاف»، ومنه قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما آتاكم}.
وقوله تعالى: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} - إلى قوله تعالى - {ثم جعلناكم خلائف في الأرض}.
ومنه قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم؛ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} الآية.
الامير يتولى إمامة الصلاة والجهاد
ولهذا كانت سنة رسول الله ﷺ، وسائر خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من ولاة الأمور - في الدولة الأموية والعباسية: أن الإمام يكون إماماً في هذين الأصلين جميعاً: الصلاة، والجهاد. فالذي يؤمهم في الصلاة يؤمهم في الجهاد.
وأمر الجهاد والصلاة واحد في المقام والسفر، وكان النبي ﷺ إذا استعمل رجلاً على بلد: مثل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف. وغيرهما: كان هو الذي يصلي بهم، ويقيم الحدود.
وكذلك إذا استعمل رجلاً على مثل غزوة؛ كاستعماله زيد بن حارثة، وابنه أسامة، وعمرو بن العاص، وغيرهم: كان أمير الحرب هو الذي يصلي بالناس؛ ولهذا استدل المسلمون بتقديمه أبا بكر في الصلاة على أنه قدمه في الإمامة العامة.
وكذلك كان أمراء «الصديق» - كيزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة. وعمرو بن العاص وغيرهم - أمير الحرب هو إمام الصلاة.
وكان نواب «عمر بن الخطاب» كاستعماله على الكوفة عمار بن ياسر على الحرب والصلاة، وابن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على الخراج.
مبدأ ولاية الحرب وولاية الخراج وولاية القضاء
ومن هنا أخذ الناس ولاية الحرب، وولاية الخراج، وولاية القضاء، فإن عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين فلما انتشر المؤمنون، وغلبوا [أنشأ] لهم «الديوان» ديوان الخراج للمال المستخرج، وديوان العطاء والنفقات للمال المصروف، ومصَّر لهم الأمصار: فمصَّر الكوفة والبصرة، ومصر الفسطاط؛ فإنه لم يؤثر أن يكون بينه وبين جند المسلمين نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل؛ فجعل هذه الأمصار مما يليه.
قصة قصر سعد وأمر عمر بإحراقه
وكان سعد بن أبي وقاص قد بنى له بالكوفة قصراً، وقال: أقطع عني الناس، فأرسل إليه عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرقه، فاشترى من نبطي حزمة حطب، وشرط عليه حملها إلى قصره، فحرقه؛ فإن عمر كره للوالي الاحتجاب عن رعيته؛ ولكن بنيت قصور الأمراء.
ما بين آدم وداود من المناسبة التي من أجلها وهبه من عمره ستين سنة
ولهذا كان بين «داود، وآدم» من المناسبة ما أحب به داود حين أراه ذريته، وسأل عن عمره ؟ فقيل: أربعون سنة. فوهبه من عمره الذي هو ألف سنة ستين سنة. والحديث صحيح رواه الترمذي وغيره وصححه؛ ولهذا كلاهما ابتلي بما ابتلي به من الخطيئة.
كما أن كلا منهما مناسبة للأخرى؛ إذ جنس الشهوتين واحد، ورفع درجته بالتوبة العظيمة التي نال بها من محبة الله له وفرحه به ما نال.
ويذكر عن كل منهما من البكاء والندم والحزن ما يناسب بعضه بعضاً.
غلط ابن عربي- في زعمه أن الخليفة- بمعنى النائب عن الله
وقد ظن بعض القائلين الغالطين - كابن عربي- أن «الخليفة» هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله؛ وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفاً، وربما فسروا «تعليم آدم الأسماء كلها» التي جمع معانيها الإنسان: ويفسرون «خلق آدم على صورته» بهذا المعنى أيضاً.
وقد أخذوا من الفلاسفة قولهم: الإنسان هو العالم الصغير. وهذا قريب. وضموا إليه: أن الله هو العالم الكبير؛ بناء على أصلهم الكفري في وحدة الوجود، وأن الله هو عين وجود المخلوقات. فالإنسان من بين المظاهر هو الخليفة الجامع للأسماء والصفات، ويتفرع على هذا ما يصيرون إليه من دعوى الربوبية والألوهية المخرجة لهم إلى الفرعونية والقرمطية والباطنية.
وربما جعلوا «الرسالة» مرتبة من المراتب، وأنهم أعظم منها؛ فيقرون بالربوبية، والوحدانية والألوهية؛ وبالرسالة، ويصيرون في الفرعونية، هذا إيمانهم. أو يخرجون في أعمالهم أن يصيروا (سدى) لا أمر عليهم ولا نهي، ولا إيجاب ولا تحريم.
لا يجوز أن يكون الله خليفة، بل هو الخليفة لغيره
والله لا يجوز له خليفة؛ ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله ! قال: لست بخليفة الله؛ ولكني خليفة رسول الله ﷺ، حسبي ذلك. بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي ﷺ: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا»، وذلك لأن الله حي، شهيد، مهيمن، قيوم، رقيب، حفيظ، غني عن العالمين، ليس له شريك، ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف وسمي «خليفة» لأنه خلف عن الغزو، وهو قائم خلفه وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها؛ فإنه حي قيوم شهيد، لا يموت ولا يغيب، وهو غني يرزق ولا يُرزق، يرزق عباده، وينصرهم، ويهديهم، ويعافيهم: بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه، والتي هي مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها.
فالله هو الغني الحميد، له ما في السموات والأرض وما بينهما، و {يسألُهُ مَنْ في السموات والأرض كل يوم هو في شأن}، {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}، ولا يجوز أن يكون أحد خلفا منه، ولا يقوم مقامه؛ لأنه لا سمي له، ولا كفء له. فمن جعل له خليفة فهو مشرك به.
رأي السلف في معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهما
و «معاوية، وعمرو بن العاص، وأمثالهم» من المؤمنين؛ لم يتهمهم أحد من السلف بنفاق؛ بل قد ثبت في الصحيح أن عمرو بن العاص لما بايع النبي ﷺ قال: على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. فقال: «يا عمرو ! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله»، ومعلوم أن الإسلام الهادم هو إسلام المؤمنين؛ لا إسلام المنافقين.
وأيضاً فعمرو بن العاص وأمثاله ممن قدم مهاجراً إلى النبي ﷺ بعد الحديبية هاجروا إليه من بلادهم طوعاً لا كرهاً، والمهاجرون لم يكن فيهم منافق.
دلالة تولية عمر معاوية
ثم لما مات يزيد بن أبي سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية، وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة، وأخبرهم بالرجال، وأقومهم بالحق، وأعلمهم به، حتى قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر.
وقال النبي ﷺ: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه»، وقال ﷺ: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر»، وقال ابن عمر: ما سمعت عمر يقول في الشيء إني لأراه كذا وكذا، إلا كان كما رآه. وقد قال له النبي ﷺ: «ما رآك الشيطان سالكاً فجاً، إلا سلك فجاً غير فجك».
حكم لعن معاوية وغيره من الصحابة
وإذا كانوا مؤمنين، محبين الله ورسوله: فمن لعنهم فقد عصى الله ورسوله، وقد ثبت في صحيح البخاري ما معناه: أن رجلاً يلقب حماراً، وكان يشرب الخمر، وكان كلما شرب أتي به إلى النبي ﷺ لجلده، فأتي به إليه مرة، فقال رجل: لعنه الله ! ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ ؟! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فإنه يحب الله ورسوله».
وكل مؤمن يحب الله ورسوله، ومن لم يحب الله ورسوله فليس بمؤمن. وإن كانوا متفاضلين في الإيمان وما يدخل فيه من حب وغيره. هذا مع أنه ﷺ: «لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها». وقد نهى عن لعنة هذا المعين، لأن اللعنة من «باب الوعيد» فيحكم به عموماً. وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة، أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو غير ذلك من الأسباب التي ضررها يرفع العقوبة عن المذنب. فهذا في حق من له ذنب محقق.
لا يشهد بمجرد الظن لمعين بجنة أو نار
ولهذا لا يشهد لمعين بالجنة إلا بدليل خاص، ولا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص؛ ولا يشهد لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم؛ لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب؛ لقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}.
والعبد إذا اجتمع له سيئات وحسنات؛ فإنه -وإن استحق العقاب -على سيئاته فإن الله يثيبه على حسناته، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه؛ وإنما يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر، وأنهم لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها، وأن صاحب الكبيرة لا يبقى معه من الإيمان شيء. وهذه أقوال فاسدة، مخالفة للكتاب، والسنة المتواترة، وإجماع الصحابة.
رأي أهل السنة والجماعة في العصمة
وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم؛ بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفر لهم بالتوبة، ويرفع بها درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، أو بغير ذلك من الأسباب.
قال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون. لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين؛ ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون}.
وقال تعالى: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي؛ إني تبت إليك؛ وإني من المسلمين. أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا؛ ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة}.
الأنبياء معصومون من الإصرار على الذنوب
ولكن الأنبياء صلوات الله عليهم هم الذين قال العلماء: إنهم معصومون من الإصرار على الذنوب. فأما الصديقون، والشهداء؛ والصالحون: فليسوا بمعصومين. وهذا في الذنوب المحققة. وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأو فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم.
وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم؛ ويقولون: إنهم معصومون. وتارة يجفون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يؤثمون.
سبب تفسيق أهل البدع والضلال للسلف
ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال. فطائفة سبت السلف ولعنتهم؛ لاعتقادهم أنهم فعلوا ذنوباً، وأن من فعلها يستحق اللعنة؛ بل قد يفسقونهم؛ أو يكفرونهم، كما فعلت الخوارج الذين كفروا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، ومن تولاهما، ولعنوهم، وسبوهم، واستحلوا قتالهم.
إقرار الجميع بأن معاوية ليس كفئاً لعلي رضي الله عنهما
وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفئاً لعلي بالخلافة، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي رضي الله عنه؛ فإن فضل عليٍّ وسابقيته، وعلمه، ودينه، وشجاعته، وسائر فضائله: كانت عندهم ظاهرة معروفة، كفضل إخوانه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم. رضي الله عنهم. ولم يكن بقي من أهل الشوري غيره وغير سعد، وسعد رضي الله عنه قد ترك هذا الأمر، وكان الأمر قد انحصر في عثمان وعلي؛ فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا علي رضي الله عنه.
وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان، وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه من غيره أولى منه بالطاعة؛ ولهذا أمر الله بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف؛ ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون من الفرقة.
أهل البيت لم يُسبُّوا قط
وأما «أهل البيت»، فلم يُسبُّوا قط. ولله الحمد
لم يقتل الحجاج أحداً من بني هاشم
ولم يقتل الحجاج أحداً من بني هاشم، وإنما قتل رجالاً من أشراف العرب، وكان قد تزوج بنت عبد الله بن جعفر، فلم يرض بذلك بنو عبد مناف، ولا بنو هاشم، ولا بنو أمية حتى فرقوا بينه وبينها؛ حيث لم يروه كُفْئَاً. والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق