حقيقة المعركة بين المسلمين والكيان الصهيوني
من كتاب الجهاد ليوسف القرضاوي
(ص 1201 -1213)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تتناول هذه الصفحات بيان حقيقة الصراع القائم بين المسلمين والكيان الصهيوني، مع تفكيك التصورات الخاطئة التي تروّج لها الدعاية العالمية، وخاصة الزعم بأن الصراع ديني أو عرقي. ويؤكد المؤلف أن القضية في جوهرها قضية أرض مغتصبة وشعب مشرّد، وأن سبب العداء ليس كون اليهود ساميين أو أصحاب ديانة معينة، بل هو الاحتلال القائم على القهر والإكراه، وما ترتب عليه من تهجير وظلم مستمر.
ويُبرز الكتاب عالمية الإسلام، ورفضه للعنصرية، وإقراره بالتعايش مع أهل الكتاب، مما ينفي الطابع الديني الصِّرف للصراع، ويؤكد أن منطلقه الأساسي هو العدوان والاغتصاب. كما يعالج النص الشبهات المتعلقة بتاريخ اليهود وعلاقتهم بفلسطين، مبينًا ضعف دعوى “الحق التاريخي”، ويؤكد على أن الوجود اليهودي لم يكن مستقرًا ولا دائمًا، بل تعرّض لانقطاعات طويلة، في حين استمر وجود غيرهم من الشعوب. ويعرض كذلك مواقف اليهود من دعوة الإسلام، وما تبعها من صدامات تاريخية، ثم يخلص إلى أن المعركة ذات بعد ديني من حيث الدوافع والقيم، لكنها ليست حربًا على الدين اليهودي ذاته، بل على مشروع استعماري قائم على الاحتلال.
كما يؤكد الكتاب على أن قضية فلسطين هي القضية المركزية في واقع المسلمين المعاصر، وأنها تمثل نموذجًا واضحًا لعدوانٍ استعماري قائم على اغتصاب الأرض وتشريد أهلها. وينتهي الطرح إلى أن المعركة مع الكيان الصهيوني ليست صراعًا دينيًا أو عرقيًا، بل هي صراع على الأرض والحقوق، وإن كان لها بُعد ديني من حيث القيم والمبادئ.فلا بد من تحقق الوعي بطبيعة هذا الصراع، وتحريره من الشعارات المضللة، والالتزام بالمنهج الشرعي الذي يجمع بين العدل، والواقعية، وحسن تقدير المآلات.
القواعد الفقهية المستفادة
يمكن إجمال أبرز القواعد الفقهية التي يقوم عليها هذا الطرح فيما يلي:
الأصل في القتال دفع العدوان لا مجرد المخالفة الدينية، فليس كل اختلاف عقدي موجبًا للحرب.
حفظ الأرض والعِرض من مقاصد الشريعة، ويُشرع القتال لتحقيق ذلك عند الاعتداء.
التفريق بين الدين وأتباعه، فلا يُحارب الناس لذواتهم أو أديانهم، بل لأفعالهم العدوانية.
اعتبار المآلات، بحيث تُقدّر نتائج الصراع وآثاره على الأمة قبل الإقدام عليه.
جواز الهدنة عند الحاجة إذا اقتضت مصلحة حفظ الدماء وتحقيق قدر من الاستقرار.
أولاً: قضية فلسطين
أولى قضايا الجهاد المعاصرة بلا شك قضية فلسطين التي اغتصبها اليهود جهاراً نهاراً، وفرضوا عليها أنفسهم بالنار والحديد والدم، وشردوا أهلها من ديارهم وشتتوهم في أنحاء الأرض. ولا نزاع في أن هذه القضية هي قضية المسلمين الأولى، التي لا يختلف فيها اثنان وهي سبب المعركة القائمة والمستمرة بيننا وبين اليهود الصهاينة من أوائل القرن الماضي (العشرين) إلى اليوم.
وأود أن أبين هنا بوضوح: نقطة مهمة كثيراً ما يشوبها الغموض أو الالتباس في أذهان كثير من الناس، ولا سيما من المتدينين المسلمين. وكثيراً ما تستغلها إسرائيل في دعايتها الصهيونية، لكسب الرأي العام - وخصوصاً الغربي - إلى صفها.
هذه النقطة تتعلق بأسباب المعركة بيننا وبين اليهود وحقيقتها، فما هذه الأسباب التي أشعلت نار الحرب بيننا وبين اليهود في فلسطين، قبل أن تقوم إسرائيل في سنة ١٩٤٨م وبعد قيامها إلى اليوم؟ وبعبارة أخرى: لماذا نعادي نحن المسلمين عامة والعرب خاصة - هذا الكيان الصهيوني الذي يسمونه (إسرائيل)؟
أ- هل نعادي إسرائيل لأنها سامية؟
هل سبب العداوة والحرب المستعرة بيننا - نحن العرب والمسلمين - وبين دولة الصهاينة (إسرائيل): أنها دولة سامية ؟
والجواب: أن هذا أبعد ما يكون عن تفكير المسلمين، ولا يتصور أن يرد هذا بخواطرهم؛ لسببين أساسيين:
الأول: أننا - نحن العرب - ساميون أيضاً، ونحن مع بني إسرائيل في هذه القضية أبناء عمومة، فإذا كانوا هم أبناء إسرائيل - وهو يعقوب - ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فنحن أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
ولا تستطيع إسرائيل أن تزايد علينا في ذلك، ولا أن تتهمنا بأننا أعداء (السامية) التي تتاجر بها في الغرب، وتشهرها سيفاً في وجه كل من يعارض سياستها، أو ينتقد سلوكياتها العدوانية واللاأخلاقية بل اعتبر القرآن المسلمين كافة: أبناء إبراهيم -عليه السلام-، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ من حرج ملَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم﴾ [الحج : ٧٨].
والثاني: أن المسلمين عالميون، إنسانيون بحكم تكوينهم العقدي والفكري، وليسوا ضد أي عرق من العروق أو نسب من الأنساب، وقد علمهم دينهم أن البشرية كلها أسرة واحدة، تجمعهم العبودية لله، والبنوة لآدم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات : ۱۲ ، ۱۳] .
وقال رسولهم الكريم في الجموع الحاشدة في حجة الوداع: «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب».
على أن اليهود اليوم لم يعودوا كلهم ساميين، كما يزعمون، فقد دخل فيهم عناصر شتى من سائر أمم الأرض، كما هو معروف عن يهود (مملكة الخزر) وغيرهم. ومنهم يهود من (الفلاشا)، ويهود من (اليمن) ويهود من (مصر)، ويهود من (المغرب)، ومن أجناس شتى، وهذا طبيعي، فاليهودية ديانة، وليست جنسية.
٢- هل نعادي إسرائيل لأنها يهودية؟
وإذا كانت (السامية) ليست واردة في أسباب حربنا وعداوتنا لإسرائيل، فكذلك (اليهودية) باعتبارها ديانة ليست هي السبب.
إن اليهودية في نظر المسلمين ديانة كتابية من الديانات السماوية، جاء بها رسول الله موسى الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وهو من أولي العزم من الرسل، وفي القرآن نقرأ قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةٌ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمْرُ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف : ١٤٤، ١٤٥].
والقرآن اختار لليهود والنصارى (لقباً) يوحي بالقرب والإيناس منهم، وهو أهل الكتاب، ويناديهم بذلك: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾، ويعني به التوراة والإنجيل، إشعاراً بأنهم - في الأصل - أهل دين سماوي، وإن حرفوا فيه وبدلوا. ولهذا خصهم بأحكام ليست لغيرهم، فأجاز للمسلمين أن يأكلوا ذبائحهم وأن يتزوجوا المحصنات من نسائهم، كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلَّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكتاب من قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة : ٥].
ثانياً: اليهود أقرب إلى ملة إبراهيم من النصارى
بل أزيد على ذلك فأقول: إن اليهود - من الناحية الدينية - أقرب إلى المسلمين في كثير من الأمور من النصارى المسيحيين، لأنهم أقرب منهم إلى ملة إبراهيم عليه السلام، سواء في العقيدة أم في الشريعة.
فإن النصارى غيروا كثيراً من أصول الدين وفروعه، على حين احتفظ اليهود ببعض هذه الأشياء مما ورثوا من ملة إبراهيم أبي الأنبياء عليه وعليهم السلام.
فاليهود لا يقولون بالتثليث الذي يقول به النصارى.
ولا يؤلهون موسى كما يؤله النصارى المسيح عيسى عليهما السلام.
وإن وقع اليهود في تشبيه الخالق بخلقه، كما يبدو ذلك بجلاء لكل من يقرأ أسفار التوراة، وحديثها عن الألوهية. على أن كل ما يؤمن به اليهود فيما يتعلق بالألوهية والنبوة، يؤمن به المسيحيون، لأن التوراة وملحقاتها (كتاب مقدس) عندهم.
ويزيدون على اليهود: ما انفردوا به من تأليه المسيح أو القول بالتثليث.
واليهود يختنون أبناءهم على سنة إبراهيم عليه السلام، كما يختن المسلمون، والنصارى لا يختنون.
واليهود يشترطون الذبح لحل أكل الحيوانات والطيور. كما يفعل المسلمون، والمسيحيون لا يذبحون لأن (بولس) قال لهم: كل شيء طاهر للطاهرين!
واليهود يُحرمون الخنزير، كما يُحرمه المسلمون، في حين أحله النصارى.
واليهود يحرمون التماثيل التي تصنع للملائكة أو للأنبياء والقديسين، كما يحرمها المسلمون، في حين لا يحرمها النصارى، ولذلك امتلأت كنائسهم ومعابدهم بهذه الصور والتماثيل من كل حجم ولون.
فلو كنا نحارب اليهود من أجل العقيدة لحاربنا معهم - بل قبلهم - النصارى المسيحيين أيضاً.
ومن أجل هذا يتبين لنا خطأ بعض عوام المتدينين الذين يتوهمون أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل العقيدة. ومعنى هذا: أننا نقاتل اليهود، لأنهم يهود كفروا برسالة محمد، وحرفوا كلام الله عن موضعه، وشوهوا حقيقة الألوهية في كتابهم، فقد شبهوا الخالق بالمخلوق، كما شبه النصارى بعدهم المخلوق بالخالق، ولوثوا صورة الرسل والأنبياء ... إلى آخر ما هو معروف عنهم، مما حكاه القرآن من قتلهم الأنبياء بغير حق، وتطاولهم على الله حتى قالوا: ﴿يَدُ اللهِ مَعْلُولَةٌ﴾ [المائدة : ٦٤]، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران : ۱۸۱].
وهذه النظرة التي قد تخطر في بال بعض الناس - حتى بعض علماء الدين أنفسهم - خاطئة تماماً، فاليهود كما رأينا يعتبرهم الإسلام أهل كتاب، يبيح مؤاكلتهم، ويبيح مصاهرتهم، وقد عاشوا قرونا بين ظهراني المسلمين، لهم ذمة الله تعالى، وذمة رسوله، وذمة جماعة المسلمين، وقد طردهم العالم، ولا سيما في أوروبا، ولفظهم لفظ النواة من أسبانيا وغيرها، ولم يجدوا صدرا حنونا، إلا في دار الإسلام، وأوطان المسلمين، ولم يفكر المسلمون يوماً أن يحاربوا اليهود.
بل هم قد بلغوا في بعض الأقطار الإسلامية من النفوذ والغنى والقرب من الخلفاء والأمراء مبلغا عظيمًا، جعل بعض المسلمين يغبطونهم عليه أو يحسدونهم، وقال في ذلك الشاعر المصري الساخر الحسن بن خاقان:
يهود هذا الزمان قد بلغوا …
غاية آمالهم وقد ملكوا …
المجد فيهم، والمال عندهمو …
يا أهل مصر، إني نصحت لكم
ومنهم المستشار والملك !
تهـــودوا، قــد تــــهوَّد الفلك!
سوء موقف اليهود من دعوة الإسلام
وربما كان سبب اعتقاد كثير من المسلمين أن اليهود أسوأ في العقيدة من النصارى: هو سوء موقف اليهود من دعوة الإسلام، ومن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام. كما يتجلى ذلك في موقف يهود المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.
فهو موقف في غاية السوء والعداوة للدين الجديد والنبي الجديد، رغم أنهم كانوا يبشرون قبل ذلك بنبي قد قرب رمانه، وكانوا يهددون جيرانهم من العرب الأوس والخزرج - أنهم سيؤمنون به، وينضمون إليه، ويقتلونهم معه قتل عاد وارم ! ويبدو أنهم كانوا يظنونه من بني إسرائيل، فلما وجدوه من بني إسماعيل، منعهم البغي والحسد أن يؤمنوا به.
وجاء في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَما جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدَقَ لَمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ، بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزَلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمَنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا تُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لما معهم﴾ [البقرة : ٨٩-٩١].
ومع كفرهم برسالة محمد؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد الهجرة، عاهدهم، وأقام معهم اتفاقية تقوم على التعايش والتناصر معاً، وكتب معهم (الصحيفة) الشهيرة التي اعتبرها الكثيرون بمثابة (الدستور) الذي يُحدد العلاقة بينهم وبين المسلمين. كما يُحدّد علاقة المسلمين بعضهم ببعض .
ولكنهم سرعان ما غلبت عليهم طبيعتهم في نقض العهود، وتعدي الحدود، والكيد للرسول وأصحابه والانضمام إلى الوثنيين في حربهم للرسول، حتى تحالفت بنو قريظة مع المشركين المغيرين على المدينة، الذين أرادوا استئصال شأفة المسلمين، وإبادة خضرائهم.
وكان لا بد أن يقع الصدام بين الفريقين، الذي انتهى بجلاء بني قينقاع، وإجلاء بني النضير، وقتل مقاتلة بني قريظة، وقتال أهل خيبر.
ونزلت آيات القرآن في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأحزاب والحشر وغيرها، تندد بموقف اليهود وشدة عداوتهم للمسلمين، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم موَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهم قسيسين ورهبانا وأَنَّهم لا يستكبرون﴾ [المائدة : ٨٢].
ولهذا تجد الذين دخلوا في الإسلام من اليهود معدودين، نتيجة لتعصبهم وغرورهم، وزعمهم أنهم شعب الله المختار، على حين دخلت شعوب كاملة من النصارى في الإسلام، مثل الشام ومصر وشمال أفريقية والأناضول وغيرها.
ثم كان من كيد اليهود للمسلمين بعد ذلك ما يحفظه التاريخ، وما ترك أثره العميق في أنفس المسلمين.
ثالثاً: السبب الحقيقي المعركتنا مع اليهود
والواقع أن المعركة بدأت بيننا وبين اليهود بسبب واحد لا شريك له، وهو: أنهم اغتصبوا أرضنا - أرض الإسلام، أرض فلسطين - وشردوا أهلنا، أهل الدار الأصليين، وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار، والعنف والدم.
تكلم السيف فاسكت أيها القلم !
وستظل المعركة قائمة بيننا وبينهم ما دامت الأسباب قائمة، وسيظل الصلح مرفوضاً إذا كان مبنياً على الاعتراف بأن ما اغتصبوه من الأرض حق لهم ! إذ لا يملك أحد أن يتنازل عن الأرض الإسلامية، إنما يمكن إقامة هدنة بيننا وبين إسرائيل، لفترة من الزمن، تقصر أو تطول يكف فيها الطرفان عن الحرب وتحقن الدماء، ويسود فيها الأمن، وتتبادل بعض العلاقات.
أما مبدأ الأرض مقابل السلام فهو مبدأ غريب حقاً، فرضه منطق القوة الغاشمة للعدو، لا غير؛ لأن الأرض أرضنا، لا أرضه، حتى يتفضل بتنازله عنها، مقابل سلامه هو!
وحتى هذا السلام الأعرج، رفضته إسرائيل في النهاية. فهي تريد أن تأخذ ولا تعطي شيئًا!.
الطابع الديني للمعركة
وهذا لا ينفي الطابع الديني عن المعركة، فالمعركة - وإن كانت من أجل الأرض -لها بواعثها الدينية، وأهدافها الدينية.
فكل معركة يدخلها المسلم للدفاع عن حق، أو لمقاومة باطل، أو لإقامة عدل، أو للثورة على ظلم، فهي معركة دينية، لأنها معركة في سبيل الله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء : ٧٦].
والإسلام يوجب على المسلمين - بالتضامن - الدفاع عن أرض الإسلام، ويعتبر ذلك من أقدس أنواع الجهاد، كما يعد من قُتل في ذلك شهيداً من أعظم الشهداء. والجهاد - دفاعًا عن الأرض - فرض عين على أهلها حتى تتحرر، وإذا لم يكف أهلها للدفاع عنها، وجب على من يجاورهم، حتى يشمل المسلمين كافة في النهاية، ولا يجيز شرع الإسلام للمسلمين أن يتنازلوا عن ذراع واحد من أرض الإسلام.
فإذا كانت أرض الإسلام هي أولى القبلتين وثالث المسجدين المقدسين، كان الجهاد في سبيل تحريرها أوجب وأعظم وأشرف، وأعلى مكانا في دين الله.
وإذا كان مغتصبوها يحاربوننا بدوافع دينية، وأحلام دينية، كان أوجب علينا، أن نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به، فإذا حاربونا بالتوراة حاربناهم بالقرآن، وإذا رجعوا إلى تعاليم التلمود رجعنا إلى البخاري ومسلم، وإذا قالوا: نعظم السبت. قلنا : نعظم الجمعة. وإذا قالوا : الهيكل. قلنا : الأقصى. وبالجملة إذا قاتلونا تحت راية اليهودية، قاتلناهم تحت راية الإسلام، وإذا جندوا جنودهم باسم موسی جندنا جنودنا باسم موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فنحن أولى بموسى منهم !
دعوى الحق التاريخي لليهود في فلسطين
ومن الدعاوى العريضة التي يدعيها اليهود في فلسطين: أن لهم حقاً تاريخيا فيها، بزعم أنهم ملكوها قبل العرب والمسلمين قرونا طويلة. وهذه الدعوى منقوضة من جميع جهاتها.
فالعرب كانوا قبل العبرانيين أو بني إسرائيل، أو اليهود في فلسطين بآلاف السنين، فهناك اليبوسيون والكنعانيون وغيرهم، سبقوا بالاستقرار في فلسطين، وجاء العبرانيون أو اليهود وهم فيها، وخرجوا وهم فيها، ولا يزالون إلى اليوم، فهم أهلها.
ومن درس تاريخ فلسطين في مصادره الوثيقة: تيقن أن اليهود لم يستولوا في يوم ما على فلسطين كل فلسطين، بل على أجزاء منها، وأن هذا الاستيلاء لم يدم طويلاً، فقد سلط القدر عليهم البابليين حينا، والرومان حينا، حتى انتهى وجودهم من فلسطين.
ولا بد أن نذكر - ولو بإيجاز - ما صنعه البابليون والرومان ببني إسرائيل، الذين سلطهم القدر عليهم لتأديبهم، جزاء إفسادهم في الأرض وطغيانهم بغير الحق.
ففي عام (٥٩٧ ق.م) زحف المالك البابلي (نبوخذ نصر) على أورشليم، وأخذ معظم سكانها أسرى إلى بابل، وبتحريض من مصر ثارت البقية من سكان المدينة على سادتهم الجدد. فقدم ملك بابل بنفسه وفرض على أورشليم حصاراً استمر عامين (۵۸۸ ق.م)، واستسلمت المدينة على إثره ودمرت، ولم يترك البابليون فيها إلا الضعفاء، أما بقية أهلها، فقد سيقوا في الأسر إلى نهر الفرات.
ومنذ ذلك الوقت - كما يقول الأستاذ محمد صبيح - انتهى وجود اليهود في فلسطين كحكومة لها سلطة وشعب يتبعها. وبقي لهم المعنى الديني، وهو أنهم شعبة من القبائل، تنتسب إلى إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه.
هذه هي خاتمة اليهود في أورشليم، أي فيما كان يسمى مملكة إسرائيل التي أنشأها داود عليه السلام ... ثم انقسمت من بعده إلى يهوذا وإسرائيل، وقد حكم في أورشليم من بعد سليمان عشرون ملكاً حتى ابتداء السبي البابلي، وذلك في الفترة من عام (۹۳۰ ق.م) (وفاة سليمان) حتى عام (٥٨٦ ق.م).
أما المملكة الشمالية، التي كان اسمها إسرائيل، وعاصمتها شكيم (نابلس)، فقد حكمها الابن الثاني لسليمان الحكيم، أي عام (۹۳۰ ق.م) وانتهى وجودها سريعاً. ففي عام (۷۲۲ ق. م) أغار عليها سرجون الثاني ملك بابل، ودمر وجودها، ونقل جميع أهلها إلى شرق الفرات، وأحل محلها سكانًا جددا من أبناء الرافدين. وكان عدد ملوك إسرائيل هذه تسعة عشر ملكاً عاشوا في شغب، ومخالفات خائبة مع الوثنيين لمهاجمة أبناء عمومتهم في أورشليم.
وإذا حسبنا عمر هاتين الدولتين، تكون أورشليم (يهوذا) قد عُمرت (٤٣٤) سنة بما فيها ملك شاول وداود وسليمان وإسرائيل عُمرت (۲۹۸) سنة فقط، منذ عهد شاول (۱۰۲۰ ق.م).
ونحن هنا نتحدث عن (السيادة) على قطعة من الأرض ونهايتها. أما ختام تأخر إلى عهد الرومان الوجود اليهودي في فلسطين فقد تأخر بعض الوقت إلى عام (۷۰ م).
حديث القرآن عن إفساد بني إسرائيل وعقوبتهم
وقد تحدث القرآن الكريم عن هاتين النهايتين: تدمير سيادتهم بالأسر البابلي، وإنهاء وجودهم بالسحق الروماني، وذلك في الآيات الكريمة:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عَلُوا كَبِيرًا فإِذَا جَاءَ وَعدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ليَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبَرُوا مَا عَلَوْا تَكْبِيرًا﴾ [الاسراء : ٤-٧] .
ذهاب بعض المعاصرين إلى أن الفساد الأول كان في عصر النبوة، وأن الفساد الثاني في عصرنا:
وقد ذهب بعض علماء العصر مثل الشيخ الشعراوي والشيخ عبد المعز عبد الستار وغيرهما، إلى أن المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر من كيد وبغي على الرسول وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم.
وكان العباد المسلطون عليهم هم النبي والصحابة. بدليل مدح هؤلاء بإضافتهم إلى الله بقوله: ﴿عِبَادًا لَّنَا﴾ أما إفسادتهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، وإهدار للحقوق، وسفك الدماء، وغيرها.
وسيتحقق وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سلطوا من قبل.
الرد على هذا التفسير وبيان وجوه ضعفه
ورأيي أن هذا التفسير ضعيف لعدة أوجه:
أولاً: أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب﴾، أي: أنهينا إليهم وأعلمناهم في الكتاب، والمراد به التوراة، كما قال قبلها: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾، وما جاء في الكتاب أي: أسفار التوراة يدل على أن هاتين المرتين قد وقعتا، كما في سفر تثنية الاشتراع.
ثانياً: أن قبائل بني قينقاع والنضير وقريظة لا تمثل بني إسرائيل في قوتهم وملكهم، إنما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل بعد أن قطعوا في الأرض أنما.
ثالثاً: أن الرسول والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل - كما أشارت الآية الكريمة - إذ لم تكن لهم ديار، وإنما هي ديار العرب في أرض العرب.
رابعاً: أن قوله تعالى: ﴿عِبَادًا لنا﴾، لا يعني أنهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفار والعصاة إلى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى: ﴿ويوم يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧]. وقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر : ٥٣].
خامساً: أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكثر نَفِيرًا﴾، يتضمن امتنان الله تعالى عليهم بذلك، والله تعالى لا يمتن على بني إسرائيل بإعطائهم الكرة على المسلمين.
سادساً: أن الله تعالى قال في المرة الآخرة: ﴿وليدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾ [الإسراء : ٧]. والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر ولم يتبروا ما علوا تتبيراً، بل لم يكن شأن المسلمين أبدا التتبير والتدمير في حروبهم وفتوحهم. إنما هو شأن البابليين والرومان الذين سلطوا على الإسرائيليين.
سابعاً: أن ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرتي الإفساد قد وقعتا، وأن الله تعالى عاقبهم على كل واحدة منهما، وليس هناك عقوبة أشد وأنكى عليهم من الهزيمة والأسر والهوان والتدمير على أيدي البابليين الذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمروا هيكلهم تدميراً، وكذلك ضربة الرومان القاصمة التي قضت على وجودهم في فلسطين قضاء مبرماً، وشردتهم في الأرض شَذر مذر، كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَمَمًا﴾ [الأعراف : ١٦٨].
ولو مشينا على التفسير الجديد، لكان معناه: أن القرآن لم يشر إلى هذه الأحداث الكبيرة والهائلة في تاريخ بني إسرائيل، مع ما كان لها من آثار مادية ومعنوية في حياتهم الدينية والسياسية والاجتماعية، ومع عناية القرآن بتاريخ القوم.
والواضح أنهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَإِن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ۸]، وهاهم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة التي تردعهم وتُؤدبهم، وتعرفهم قدر أنفسهم، كما قال الشاعر:
إن عادت العقرب عدنا لها … وكانت النعل لها حاضرة
يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيبعث عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف : ١٦٧].

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق