أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 30 مارس 2026

مع الجميع على حدة الكسندر غلمان بقلم: أز محمد ناهض عبد السلام حنونة

مع الجميع على حدة

الكسندر غلمان

بقلم: أز محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: "مع الجميع على حدة" عمل روائي مسرحي ينتمي إلى الأدب الروسي المعاصر، من تأليف الكاتب والمسرحي ألكسندر غِلمان، وهو من أبرز الأصوات التي عبّرت عن تناقضات الإنسان في المجتمع السوفييتي وما بعده.

أندريه وناتاشا زوجان بدت حياتهما في ظاهرها هادئة مستقرة، غير أنّ ما جمع بينهما منذ البداية لم يكن صفاء الروح بقدر ما كان بريق المال وسحره. ومع دوران عجلة القدر، يُرزقان طفلًا يُدعى "أليوشا"، لكن هذه البراءة الصغيرة لم تُكتب لها السلامة؛ إذ يُصاب الطفل في أحد معامل والده بحادثٍ مأساوي تُقطع فيه يداه، في لحظة تكشف قسوة العالم الذي يديره أندريه بلا اكتراث، منشغلًا بإرضاء "السادة" وعلى رأسهم "شتين"، ذلك النموذج البرجوازي المتسلّط الذي يتولى إدارة المهام الكثيرة، دون أن يملك في المقابل أدنى قدرة على تحمّل مسؤولية عماله أو نتائج قراراته.

ومن هنا يتفجّر الصراع بين الزوجين، إذ تنكشف الهوّة بين الضمير والمصلحة، وبين الإنسان والآلة الاقتصادية. يعود أندريه إلى زوجته وقد تبدّلت رؤيته، فيقرر أن يترك عالم الجشع والقسوة، وأن يعود إلى أسرته، معلنًا حاجته إليها واستعداده لبدء حياة جديدة معها حتى آخر العمر.

وفي خلفية هذا التحوّل، تُقرأ مأساة أليوشا بوصفها علامةً صارخة على خللٍ أعمق؛ إذ تُقدَّم حادثة قطع يديه كأنها عقوبة إلهية رمزية، نزلت على عالمٍ استشرى فيه الجشع، وتورطت فيه ناتاشا نفسها بحبّ المال وتغذية الطمع، حتى صار الألم نتيجةً حتمية لانحراف القلب عن المسؤولية والرحمة.

وليس الحديث في هذه الرواية عن العمل باعتباره وسيلة من وسائل العيش والكسب، بل عن سقوط المعنى داخل العمل وتلاشي معايير الإنسانية والرحمة، ولا تحكي عن  الاجتماع في أماكن تمثل مجتمعات العمل، بل عن عجزهم عن الاجتماع الحقيقي..

تبدأ القصة بشخصيةٍ محورية تمثّل "الإنسان العادي" داخل المؤسسة؛ موظف يعيش ضمن نظام جماعي صارم، حيث الشعارات تُرفع باسم العمل المشترك، لكن النفوس متفرقة، والضمائر متباعدة.

تتصاعد الأحداث حين يقع خلل أو تقصير في العمل، فتبدأ لعبة الاتهامات، ويتحوّل الجميع إلى قضاة يبرّئون أنفسهم ويُحمّلون غيرهم المسؤولية. وهنا تنكشف البنية الحقيقية للعلاقات: كلٌّ يعمل "مع الجميع" ظاهريًا، لكنه في العمق يعمل "لنفسه وحدها".

وفي لحظة المواجهة، تظهر شخصية تحاول كسر هذا النفاق، فتطالب بالصدق والمحاسبة، لكنّها تُواجَه بالرفض أو التهميش؛ لأن النظام غير قائم على الحقيقة، بل على التواطؤ الجماعي. وتنتهي القصة بنوع من المرارة المفتوحة: لا انتصار حاسم، بل انكشافٌ يعرّي الجميع.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق