المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين
محمد سليم العوّا
بقلم: أ. محمد ناهض حنونة
تمهيد: يتناول كتاب «المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين» تطور الأفكار السياسية في التاريخ الإسلامي، مع التركيز على نشأة الفكر المتشدد الذي يستند إلى تكفير المجتمع والخروج المسلح على الحكام. يقرر المؤلف أن فكر الخوارج لم ينته بانتهاء فرقهم التاريخية، بل بقي محفوظًا في التراث وقابلًا للاستدعاء حين تتوافر ظروف سياسية كظلم الحكام واضطراب الأوضاع وغياب العدل، مع وجود قيادة قادرة على تعبئة الشباب نحو التغيير بالقوة. ويعرض الكتاب نشأة جماعات العنف السياسي في العصر الحديث، مبينًا أن كثيرًا من أفكارها استند إلى مفاهيم مثل الجاهلية والحاكمية التي شاع تداولها في الفكر الإسلامي المعاصر، فترتب على ذلك تكفير الأنظمة السياسية واعتبار المجتمعات الإسلامية مجتمعات جاهلية، والدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثورة المسلحة. كما يبين أن هذه الجماعات تبنت جملة من المبادئ الفكرية، مثل العزلة عن المجتمع، ورفض الأنظمة السياسية القائمة، ووجوب قتال الحكام، وتقديم مواجهة “العدو القريب” على مواجهة الأعداء الخارجيين.
ويعرض الكتاب الأصول الفكرية التي قامت عليها هذه الجماعات، مثل فهمها الخاص للحاكمية وتفسيرها لبعض الآيات القرآنية لتبرير التكفير والعنف، إضافة إلى اعتمادها على فتاوى تاريخية –كفتوى ابن تيمية في قتال التتار– في غير سياقها الزمني. ويرى المؤلف أن هذا التأويل أدى إلى استباحة الدماء وإلى صدام واسع مع الدولة والمجتمع، وإلى بروز تنظيمات مسلحة متعددة في العالم الإسلامي. غير أن الكتاب يبرز أيضًا ظاهرة المراجعات الفكرية التي قامت بها بعض هذه الجماعات، وخاصة الجماعة الإسلامية في مصر، حين أعادت النظر في أفكارها بعد تجربة الصدام المسلح، فأقرت بخطأ منهج العنف داخل الأوطان، وأعادت تفسير مفاهيم الجهاد والحاكمية والتكفير تفسيرًا أقرب إلى منهج جمهور علماء أهل السنة، مؤكدة أن التغيير السياسي ينبغي أن يتم بوسائل سلمية وقانونية، وأن التشريع البشري يمكن أن يجتهد في إطار مقاصد الشريعة دون تعارض معها.
وقد تميزالكتاب بمحاولة قراءة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي قراءة تحليلية تربط بين التراث القديم والواقع المعاصر، كما ينجح في إبراز تطور أفكار الجماعات المتشددة وتحولاتها، خاصة ظاهرة المراجعات الفكرية. ومع ذلك فإن أطروحة المؤلف تميل إلى تفسير ظاهرة العنف الديني بردها أساسًا إلى امتداد فكر الخوارج أو إلى تأثير بعض المفكرين المعاصرين، وهو تفسير قد لا يستوعب التعقيد الكامل للظاهرة؛ إذ تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية متعددة. كما أن الربط المباشر بين بعض الأطروحات الفكرية وظهور العنف المسلح قد يحتاج إلى قدر أكبر من التفريق بين النصوص الفكرية الأصلية وبين التأويلات المتشددة التي تبنتها بعض الجماعات لاحقًا. ومع ذلك يبقى الكتاب إسهامًا مهمًا في فهم الجذور الفكرية للحركات الإسلامية المعاصرة وتحليل مسار تحولاتها.
وإذا كانت فرق الخوارج جميعًا قد بادت ولم يبق منها إلا حوادث تاريخية ينقلها المؤرخون أو أفكار سياسية أو دينية، ينقلها كُتاب الفرق، فإن بعض هذا الفكر الذي بقي محفوظاً في بطون الكتب، أثبت قابليته للاستدعاء والإحياء في العصر الحديث. وأغلب الظن أنه قابل للاستدعاء والإحياء في كل عصر بشرطين:
(أولهما) توافر الظرف السياسي المناسب، المتمثل في فشو الظلم وانتشار الجور، وطغيان الحكام على المحكومين، وهجر أحكام الشريعة الإسلامية في التطبيق وتقليص نطاقها في التعليم والتضييق على الدعوة والدعاة إليها.
(وثانيهما) وجود قيادة أو قيادات قادرة على تجميع الشباب حولها، وبث الأفكار المستقاة من فكر الخوارج بينهم ودعوتهم إلى حمل السلاح: لتغيير الباطل وإقامة الحق، أو تغيير المنكر وتحقيق المعروف.
وعلى الرغم من أن المكتبة الإسلامية ملأى بالكتب الفقهية والفكرية التي تتناول فكرة الخروج على الحاكم، والحكم على صاحب المعصية، ومدى اعتباره مستمرًا على إيمانه أو خارجًا عنه، ومدى جواز طاعة الحاكم الظالم أو الخروج عليه، وما إذا كان هذا الخروج جائزا أم واجبًا، إلا أن أمثال هذه الأفكار قادت بالكثيرين إلى انتهاج نحو العنف، وربما البقاء في صف المعارضة السلمية.
وعلى الرغم من أن كثيرين من الوعاظ والدعاة والعلماء يناقشون هذه الأفكار في حلقاتهم العلمية، أو خطبهم الدينية، ويؤيدونها أو ينتقدونها، ويبينون الخطأ فيها من الصواب، فإن ذلك كله لم يؤد، على مدى نحو اثني عشر قرناً، إلى نشأة عنف سياسي منظم في الدولة أو الدول الإسلامية.
لكنّه حدث، وأصبح واقعا مشهودًا، في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، عندما ظهرت جماعات العنف السياسي المتدثرة بدثار الإسلام، الداعية إلى تطبيق الشريعة، التي ظنت أن مواجهة المخالفين بالقوة المسلحة سيحقق لها أهدافها.
وهذه الجماعات أكثر من أن تحصى، وأسماؤها لا تكفي لتمييز إحداها عن سائرها. لأن أعضاء الجماعة كانوا يسمونها باسم، والأجهزة الأمنية والحكومية والإعلام الرسمي يسميها باسم ثان، والكتاب والمثقفون قد يطلقون اسما ثالثا أو أكثر (!)
ولنضرب مثلاً بجماعة شكري مصطفى أولى هذه الجماعات ظهوراً، سمى هو جماعته جماعة المسلمين، لأنه كان يرى أن من لم يدخل في جماعته، ويقبل أفكاره لا يُعد مسلما أصلاً، وسماهم الجهاز الأمني والإعلام الرسمي "جماعة التكفير والهجرة"، لأنهم كانوا يرون أن المجتمع كافر، وأن المسلم يجب أن يهاجر من هذا المجتمع الكافر، استعدادًا لتصفية النفس من أدران الكفر والشرك التي تخالطها، ثم الاستعداد بالقوة البدنية والعسكرية، ثم العودة إلى هذا المجتمع لفتحه ونشر الإسلام فيه، وسماها خصومها، ولا سيما الإخوان المسلمون جماعة شكري مصطفى، نسبةً إلى زعيمها عند نشأتها داخل السجن، وينطبق هذا على معظم جماعات العنف السياسي الإسلامية؛ وبعض هذه الجماعات غيّرت اسمها بسبب حوادث الاندماج والانشقاق بين بعضها بعضا، مما جعل التسميات أقل دلالة على المسمى لدى المتابع غير المتخصص.
وقد تكرر تطبيق هذه الأفكار في استباحة العنف ضد المخالفين في الدين، بل في المذهب وفهم أحكامه، على يد جماعات من الغلاة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين للميلاد، من أمثال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجماعات (نصرة الإسلام) في بلاد الشام وجماعة (بوكو حرام) في نيجريا وتشاد وبعض دول إفريقيا الغربية الأخرى. وعلى الرغم من تكون هذه الجماعات على فكر منحرف لا يقره الإسلام؛ فإن الظروف الإقليمية والدولية تتيح لها البقاء والإثخان قتلاً في البرءاء، ويعلم الله وحده متى يلحقون بأسلافهم من الخوارج.
ونستطيع أن نقول إن الجامع الرئيسي بين هذه الجماعات هو:
استباحتها لاستعمال العنف ضد سلطات الدولة، وضد المجتمع، بعضه أو كله، وفي أحيان كثيرة ضد الجماعات الأخرى المتفقة معها في أصل الأفكار، إذا اختلفت في تفاصيلها أو أساليب تطبيقها، أو تباينت بعض مواقف تحرك هذه الجماعة أو تلك.
وكثيرٌ من الأفكار التي اعتبرتها هذه الجماعات معبرة عن الإسلام الصحيح الذي تدعو إليه ليست إلا إحياء لفكر بعض طوائف الخوارج، دون اعتراف بذلك؛ ومن هنا كان التحذير الواجب من خطورة محاولات إحياء هذا الفكر في المستقبل - قريبه وبعيده -، وهي خطورة تقتضي مواقف شجاعة من العلماء والدعاة الموثوقين لدى جماهير الأمة، يبينون فيها الضرر الذي يترتب على اعتناق هذه الأفكار، ومخالفتها لصحيح الدين، وخطأ أصحابها في الماضي والحاضر، لتحذر الناشئة من الانقياد خلف الدعاة إليها، والانضواء تحت ألوية العنف التي يرفعونها.
وهذا الواجب متجدد، لا يكفي فيه قول علماء عصر وسكوت من بعدهم، وإنما هو واجب على علماء كل عصر، وعلماء كل قطر، وتجديد القول فيه بين وقت وآخر مسألة ضرورية لحماية الأمة من الفرقة والفتنة.
ومن أولى "مواقف التبيين" موقف جماعة الإخوان المسلمين من أفكار شكري مصطفى ومجموعته الذين كانوا نزلاء السجن مع الإخوان في القضية المعروفة بقضية ۱۹٦٥، فعارض الإخوان أفكاره معارضة تامة، ورفضوها رفضًا مطلقاً؛ لأنهم أدركوا أن فتنة التكفير، وفتنة وجوب اعتزال المجتمع - اللتين كان أول ظهور لهما في بعض تعبيرات وكتابات الأستاذ سید قطب -رحمه الله - إذا خرجتا من ضيق السجن إلى سعة الحياة ستدمر الجماعة المصرية بأسرها، وكان هذا بعد نظر هائل منهم في هذه المرحلة، لأن ما خشوا منه هو الذي حدث فعلاً بعد ذلك.
ولا ريب أن انتقاد الإخوان المسلمين في كتاب "دعاة لا قضاة"، الذي حمل اسم المستشار حسن الهضيبي، وكتبته مجموعة من علماء الإخوان داخل السجن، لأفكار "شكري مصطفى" دليل - أيضًا - على شجاعتهم في التصويب والتقويم، ولو أدى هذا إلى انتقاد أفكار رمز من رموزهم، قضى شهيدًا في سبيل استمساكه بأفكاره.
إحياء فكر العنف
كان أول إحياء معاصر لفكر الخوارج في النصف الثاني من القرن العشرين في مصر على نحو وصف التواصل والتوالي فيه، الدكتور رفعت سيد أحمد في مقدمة كتابه "النبيّ المسلّح".
ويُرجع أكثر الباحثين في شأن الجماعات الإسلامية، إلى الأستاذين أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب التأثير الفكري الذي أدى إلى نشوء جماعات العنف المسلح المنتمية إلى الإسلام والواقع أن تأثير الأستاذ أبو الأعلى المودودي تخلله في مصر وبلاد المشرق العربي، كلها، كان أقل كثيراً، وأضيق نطاقا من تأثير الأستاذ سيد قطب.
ولعل من أهم أسباب ذلك أن الأستاذ المودودي كان يكتب باللغة الأردية أو الإنكليزية، ثم تترجم كتاباته إلى اللغة العربية، أما الأستاذ سيد قطب فهو من هو في البيان العربي إجادة وإحكامًا، وأياً ما كان سبب اتساع نطاق التأثر بسيد قطب وأفكاره في المشرق العربي، فإن أفكاره وأفكار الأستاذ المودودي تستمدان من معين واحد.
كان الأستاذ سيد قطب: يرى ضرورة بعث الأمة المسلمة التي واراها ركام التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة التي لا صلة لها بالإسلام ولا بالمنهج الإسلامي .. وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمى بالعالم الإسلامي أهـ.
والإسلام عند الأستاذ سيد قطب يعرف نوعين من المجتمعات: مجتمع إسلامي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ونظاماً وخلقا وسلوكا، ومجتمع جاهلي لا تطبق فيه أحكام الإسلام ولا تحكمه تصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه ... وقد يكون المجتمع - إذا لم يطبق الشريعة - مجتمعًا جاهليًا ولو أقر بوجود الله سبحانه، ولو ترك الناس يقيمون الشعائر الله في البيع والكنائس والمساجد !! اهـ.
والخروج من هذه الجاهلية عند الأستاذ سيد قطب - يتحقق بأن تكون الحاكمية العليا في مجتمع ما الله وحده، متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية، فتكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررا كاملا وحقيقيا من العبودية للبشر ... والمجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد؛ ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده اهـ.
هاتان الفكرتان: (الجاهلية) التي أصابت المجتمعات الإسلامية، و(الحاكمية) التي يكون بها التحرر والانعتاق من أسر الجاهلية هما الإضافة الرئيسية للأستاذ سيد قطب في مجرى الفكر السياسي الإسلامي، وهما محور أفكاره الأخرى في كتبه ومقالاته بل وفي تفسيره للقرآن الكريم حيثما تعلق الأمر بالفكر السياسي أو الحياة الاجتماعية.
ومن باب هاتين الفكرتين القطبيتين أدخلت إلى الفكر السياسي الإسلامي، وإلى العمل الحركي، جميع أفكار المقاطعة، والتكفير والاستحلال، واستباحة الدماء والأموال، وعشرات النتوءات الفاسدة الأخرى التي نسبت إلى الإسلام ظلما وزوراً.
وقد تمثل التأثر بأفكار الأستاذ سيد قطب في فكر جماعات العنف السياسي في زعمهم أن المجتمع جاهلي كافر، وأن من واجبهم إقامة الدين كله في كل نفس وفوق كل شبر من الأرض ... داخل كل بيت وفي كل مؤسسة وفي كل مجتمع، وذلك يتحقق بـ تعبيد الناس لربهم، وإقامة خلافة على نهج النبوة وأن يكون النظام السياسي الحاكم المهيمن على الناس ... نظاما يدين بالإسلام ويعمل به ويحكم به، لأن دين الناس لا يكتمل إلا بإقامة هذا النظام الذي يقيم العل المقصود يقام فيه الإسلام اهـ.
والمنهج لتحقيق ذلك -عند هذه الجماعات - هو الانقلابية التي تعني الرفض المطلق لكل النظم والمجتمعات الجاهلية لصدورها عن غير الإسلام، والعمل على إرساء المبادئ والقيم الإسلامية في جميع المجالات ... والانقلابية التي نعنيها هي التغيير الجذري في شتى مناحي الحياة وصورها.
وليس أمام أمة الإسلام كي تستعيد مجدها سوى أن تنسلخ من تحت إمرة الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويشمل الإعداد لذلك إعدادًا قتاليًا للعناصر الصالحة وتوفير العدة اللازمة لهذه العناصر طبقا لخطة الخروج العام التي أقر رجحانها أهل الاختصاص!! والعمل على اكتساب المهارات والخبرات القتالية عمليا في الداخل والخارج!!؟
أصول فكر الخوارج الجدد
ويمكن تلخيص أفكار هذه الجماعات تحت تسعة عناوين:
۱ - العزلة الكاملة، فلا يصلون في المساجد لأنها أسست على غير التقوى، ويستثني شكري مصطفى أربعة مساجد هي: بيت الله الحرام والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي، ومسجد قباء بالمدينة، أما باقي المساجد فإنها إما لم تؤسس على التقوى وإما تستخدم كوسيلة من وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة لترويج ما يراه الحاكم.
أما المنتجات المادية العصرية؛ فهي منتجات كفر فلا يتعاملون فيها بيعاً ولا شراء لأنها منتجات كفار، والفكر المعاصر كله فكر كافر ينبغي أن يقاطع. ثم تراجعوا قليلاً وقالوا: إن المضطر إلى استعمال المنتجات العصرية من ملابس وأدوية ووسائل اتصال وانتقال لا تثريب عليه في ذلك، فاستثنوا حال الاضطرار من التحريم العام !!
ثم جاءت الطامة الكبرى في فكرة العزلة والمقاطعة، عندما قالوا: إن من قلد فقد كفر، واستدلوا بقول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة: ۳۱]. يريدون بذلك أن من قلد قول أحد من العلماء فهو كافر، وهذا قول بيِّنُ البطلان لأن المسلمين، من بعد عصر الصحابة، كان فيهم المجتهد وكان فيهم المقلد، ولا يزال الحال كذلك، والآية التي بنوا عليها هذا القول فسّرها رسول الله (ﷺ) بقوله: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه".
وقد سئل حذيفة بن اليمان؛ فقيل له: أكانوا يعبدونهم؟ قال: «لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه». وقد روي عن ابن عباس أنه فسر الآية: بأن الأحبار والرهبان زينوا لليهود والنصارى طاعتهم.
واتباع العلماء في التحليل والتحريم، كما كان يفعل أهل الكتاب، لا تصح مقارنته بتقليد العامة للعلماء المجتهدين في التاريخ الإسلامي، ذلك أن التقليد عند المسلمين هو سؤال العامي العلماء عن الحكم الشرعي في أمر ما، ثم عَمَلُهُ بما يخبره العلماء به، وذلك إنفاذاً لقول الله تعالى: {فَسْئلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣] فلا يوجد مسلم مقلد - مهما كان مغرقًا في التقليد - يقبل تحريم الحلال أو تحليل الحرام.
ولا يوجد عالم من الذين يقلدهم الناس يقول عن الحرام إنه حلال، ولا عن الحلال إنه حرام، والعلماء المسلمون عندما يفتون يذكرون دلیل ما يفتون به من قرآن أو سنة أو مصلحة، فيتبين الناس أنهم لا يقولون كلامًا يخترعونه وينسبونه إلى الدين، وإنما يقولون ما فهموه من أصول الإسلام ونصوصه، أي إنهم يقولون: هذا ما غلب على ظننا أنه مراد الله، أو مراد رسوله، بهذه الآية أو هذا الحديث، ولسان حالهم دائما ما قاله عمر بن الخطاب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر، أو ما قاله عبد الله بن مسعود: "إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان"، والمأثورات في هذا الباب كثيرة من أجملها كلام الإمام الشافعي لأصحابه: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عُرض الحائط.
فليس عندنا عالم يُتَّبَعُ اتباعًا أعمى إذا حرم الحلال أو حلل الحرام. فالاستدلال بهذه الآية من أبطل أنواع الاستدلال. ومما ينبغي ذكره أن فكرة العزلة والمقاطعة كانت من أفكار "جماعة المسلمين"، ولم تقبلها أو تأخذ بها سوى الجماعات الصغيرة المنشقة أصلاً عن هذه الجماعة.
٢ - الدولة كافرة، وأصل هذا الفهم هو صنيع الخوارج في حكمهم بكفر علي ومعاوية والحكمين، ومن كان مع علي ومعاوية من المسلمين، وجاءت تلك الجماعات فقررت أنه لا ولاية الحكام اليوم علينا- أي: على من استجابوا لدعوة تلك الجماعات لخروجهم عن دائرة الإسلام ... فهم أحق بالتغيير من غيرهم، والوثوب عليهم، من باب إنكار المنكر، واجب متعين في عنق المسلمين حتى تتحقق الإزالة وإلا أثم الجميع كل بحسب قدرته ... وأن الخروج على الحكام الكفرة وقتالهم وخلعهم وتنصيب إمام مسلم واجب بإجماع علماء المسلمين ... [و] لا عذر للجماعات الإسلامية العاملة في الساحة والتي تتفق في الاعتقاد معنا من أن يستفرغوا الجهد في السعي للاجتماع والوحدة فيما بيننا حتى تتم الواجبات الملقاة على عاتق المسلمين: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصُ} [الصف: ٤].
وبقدر ما كان قول الخوارج بكفر من خرجوا عليهم قولاً باطلاً، لا سند له من الكتاب أو السنة، كذلك قول تلك الجماعات هو قول باطل لا تقوم عليه حجة من نقل أو عقل.
٣- وجوب المواجهة مع الحكام، كانت تلك الجماعات ترى أن المواجهة مع حكام البلاد الإسلامية مواجهة واجبة شرعًا، أقرها الإسلام وأمر بها وفرضها من وجوه أربعة:
الأول: خلع الحاكم الكافر المبدل لشرع الله، وعندهم أن الحاكم الذي يحكم بالقوانين الوضعية كافر مرتد، وأن الحكم بها كفر بواح، وأن الحاكم المستبد الكافر يجب على المسلمين القيام عليه وقتاله وخلعه.
الثاني: قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام، والمقصود بها أي جماعة من المسلمين لا تطبق أحكام الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملاً. وهذه الطائفة تقاتل وإن كانت مقرة بوجوب ما امتنعت عنه، وإن كانت مسلمة تنطق بالشهادتين، ومن أعان هذه الطائفة قوتل كقتالها، ومن خرج في صف هذه الطائفة مكرهاً قوتل أيضًا، ويبعث يوم القيامة على نيته. وقتال هذه الطائفة واجب ابتداء وإن لم تبدأ هي بقتال، ولا يكف عن قتالها حتى تلتزم شرائع الإسلام التي تركتها أو تقتل عن آخرها. وقتال هذه الطائفة الممتنعة واجب ولو لم يكن للمسلمين إمام مُمَكِّن يقاتلون تحت رايته، وهذه الطائفة تقاتل ولو كان حكام بلاد المسلمين هم رؤساء هذه الطائفة الممتنعة، وقتال هذه الطائفة لأنها من جنس مانعي الزكاة والخوارج، ولا يحكم بكفر هذه الطائفة ما لم تجحد وجوب ما امتنعت عنه (!).
الثالث: إقامة الخلافة وتنصيب خليفة للمسلمين؛ فهم يقاتلون أيضاً لأجل ذلك.
الرابع: وجوب تحرير بلاد المسلمين المغتصبة واستنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الأعداء والجهاد لنشر الدين.
وهذه الأوجه كلها مبنية على القول بكفر الحكام، وهو قول لا يصح في الشرع، ومن ثم لا يصح ما رتبوه عليه من وجوب قتال الحكام ومن يطيعهم من المحكومين.
٤ - العدو القريب أولى بالمواجهة، ويريدون بذلك أن حكام المسلمين المخالفين للشريعة أولى بالقتال من العدو البعيد الذي يعنون به الصهاينة المحتلين لفلسطين. وهم يقولون: إننا لو حاربنا الصهاينة وطردناهم من فلسطين؛ فإن هذا النصر سينسب إلى هؤلاء الحكام الظلمة، ولن ينسب إلى الأمة الإسلامية التي حققته، فالأولى أن نبدأ بقتال هؤلاء الحكام حتى إذا انتهينا منهم، ومن قتال الطائفة الممتنعة، وأقمنا الخلافة، كان لنا عندئذ أن نقاتل الصهاينة تحت راية الخليفة؛ لأن القتال لا يجوز إلا تحت رايته (!!).
ولا ريب في أن من واجب المسلمين في كل بلادهم أن يحاولوا إصلاح أوضاعها الداخلية، وأن يبذلوا في ذلك كل جهد ممكن، ومن واجبهم أيضًا أن يعملوا على قتال الصهاينة بكل طاقة ممكنة، وعلى تقوية الذين يقاتلونهم من أهل فلسطين وغيرها، فليس هناك تعارض بين هذين الواجبين ولا بين مقتضيات أدائهما. وظن هذا التعارض أدى بأصحابه إلى الإخفاق في الالتزام بالواجبين جميعا، فلا هم أدوا ما عليهم نحو تحرير فلسطين ولا هم أصلحوا من أحوال أوطانهم. ثم كانت الخصومة بينهم وبين الدولة وبالا على الفريقين جميعا.
٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مبدأ إسلامي قرآني.
قال الله تعالى: {وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: ١٠٤].
وقال سبحانه: {كُنتُمْ خَيْر أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: ١١٠].
وفي الحديث الصحيح: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وقد اتخذت الجماعات المذكورة من هذا المبدأ الإسلامي سندا لما زعموا أنه تغيير للمنكر باليد، واستباحوا بذلك دماء وأبشارًا محرمة شرعًا، وقد ذكر القادة التاريخيون في بعض كتبهم نماذج من هذه الأفعال حدثت في الواقع، وكان لها أثر سيئ على قبول الناس لمن يقومون بها، وللأفكار التي يعتنقونها.
والصحيح في فهم هذا الحديث أن مراتب التغيير المذكورة فيه ليست على ظاهرها؛ لأن البدء يكون بالتغيير بالقلب، وهو كراهية المنكر باعتباره فعل محرم، أو كراهية ترك المعروف باعتباره إهمال واجب، ثم يأتي الإنكار باللسان وهو على درجات رتبها الفقهاء تبدأ بالتعريف، ثم الوعظ بالكلام اللطيف، ثم التعنيف، فإذا لم يُجْدِ الوعظ والتعنيف كان على من يقدر على تغيير المنكر بيده، أي: بالقوة رغمًا عن صاحبه، وكذلك على من يستطيع الإجبار على فعل المعروف أن يغير المنكر أو يجبر الممتنع عن المعروف على فعله.
والمقرر شرعًا أنه لا يجوز العدول عن الأمر السهل الذي يرتفع به المنكر أو يتم به المعروف إلى الأمر الأصعب منه، لأن الغرض من هذا الأصل هو إقامة المعروف وإزالة المنكر، ومتى تحقق ذلك بأمر يسير فلا يجوز العدول عنه عقلا وشرعا إلى أمر أشد منه.
ويجب أن يوازن المرء بين المنكر الواقع وما قد يترتب على منعه من منكرات أكبر، فإن التغيير لا يجوز إلا إذا لم يترتب عليه منكر أكبر من الأمر الواقع. ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية يأمر أصحابه: أن لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار ... ونحوهم وكان يقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض. ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوهم شر من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو، بل قد يستحب - أو يجب - دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره.
والتغيير باليد - في أصح الأقوال - يجب أن يكون من ذي سلطان منتخب من الشعب أو معين من قبل من له سلطة تعيينه، ما لم يكن صاحب المنكر أو تارك المعروف هو رئيس الدولة، أو من في حكمه، فعندئذ يجب أمره ونهيه؛ لقول النبي (ﷺ): "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وقوله: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله فهو في الجنة".
ومن هنا قال الإمام الغزالي: "إن اشتراط إذن الإمام فاسد، إذ تدل الآيات والأحاديث الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أن كل من رأى منكرًا وجب عليه تغييره، وكل من رأی معروفًا مهملاً وجب عليه الأمر به". وقال أيضا: "وأما جمع الأعوان وشهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة"، وقد نقل عن إمام الحرمين الجويني إجماع الأمة على عدم الحاجة إلى إذن الإمام في القيام بهذا الواجب.
٦ - فكرة الحاكمية والجاهلية، ومقتضى هذه الفكرة أن الحكم الله كله، وذلك يعني الخضوع التام للقرآن والسنة، بحيث إن من تركهما أو ترك حكماً من أحكامهما أصبح من أهل الجاهلية، فالناس عندهم فريقان: أهل الحاكمية، وأهل الجاهلية.
وأخذوا ذلك من قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ومن قوله تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ومن قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. ومن قول الله تعالى: ﴿أَفَحُكُمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فأما آيات سورة المائدة فهي في سياق كلام القرآن الكريم عن أهل الكتاب، والمقرر عند العلماء أن ما انتقدهم به القرآن الكريم يعتبر انتقادًا موجها إلينا إذا فعلنا مثل فعلهم، فتَرْكُ الحكم بما أنزل الله قد يكون كفرًا من أو ظلما أو فسقا.
وليس صحيحًا ما ذهب إليه شكري مصطفى من التسوية بين وصف الفسق ووصف الكفر؛ لأن آيات سورة المائدة نفسها دليل على عكس ذلك. وكون القرآن الكريم قابل في بعض آياته بين وصف الإيمان ووصف الفسق لا يؤدي إلى اعتبار وصف الفسق مساوياً -من حيث المدلول اللغوي - بصورة مطلقة لوصف الكفر في جميع الأحوال وفي كل السياقات.
وقول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ جاء تعقيبًا على سلوك أهل الكتاب الذي وصفه القرآن في الآيات الثلاث السابقة لهذه الآية من سورة المائدة .
وأما آيات سورة النساء؛ فإنها نزلت ردا على الذين ذكرهم الله تعالى في السياق قبلها في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أَمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالَا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى ما أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا، أُولَيكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٥].
فالآيات الست تحكي قصة منافق ويهودي تحاكما إلى رسول الله (ﷺ) فلما قضى لصالح اليهودي أبى المنافق أن يسلم بحكمه، وأراد أن يتحاكم إلى غيره، وهو كعب بن الأشرف الذي سماه الله الطاغوت أي: ذا الطغيان. وفي التفسير قصة هذا مفصلة، فنزل قول الله تبارك وتعالى ينعي عليه وعلى أمثاله أنهم لا يُحكمون رسول الله (ﷺ) ابتداء، وإذا حكموه لا يرضون بحكمه انتهاء.
والمختار عند أهل التفسير أن كل من اتهم رسول الله (ﷺ) في الحكم فهو كافر، وأن من يطعن في قاض - بعد رسول الله (ﷺ) - لا في حكمه، فإنه يُعزّر.
فهذه القضية الخاصة، قضية الاعتراض على القاضي لعدم الرضى بحكمه، هي التي نزلت فيها آيات سورة النساء، وأولت الجماعات الإسلامية المذكورة ألفاظ القرآن الكريم في شأنها من الحكم في تلك المسألة الخاصة إلى الحكم في قضية عامة هي قضية التشريع في الدولة الحديثة، ومدى كونه مخالفا لواجب تحكيم الرسول (ﷺ) فيما ينشب بين المسلمين - في حياته - من منازعات. وقد أوجب العلماء العمل بسنته باعتباره تحكيمًا له، بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
والتسليم بحاكمية الله تبارك وتعالى أمر لا مراء فيه، وهي تعني عند جماهير المسلمين مرجعية القرآن والسنة بحيث لا يخالفهما التشريع القائم، وإن وقعت المخالفة وجب على الأمة والدولة أن تسعى في تغييرها. وبهذا المعنى توضع الحاكمية باعتبارها المعيار الذي يطبق في ضوئه النص الدستوري على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع. أما أن توضع الحاكمية في مقابلة الجاهلية، وأن يستباح باسمها التغيير باليد، ولو أدى إلى سفك الدماء وعدم الحفاظ على حرمة الأموال، فهذا فهم غير صحيح في الآيات الكريمة سالفة الذكر، بل وهو مخالف لصحيح السنة.
وليس معنى ما ذكرت أن القوانين والقضاء في مصر، والبلاد العربية والإسلامية الأخرى، ليس فيها ما ينتقد، أو يؤخذ عليها إسلاميا، بل إن هذا قدر من الحكم على التشريع والقضاء نتفق فيه مع الجماعات الإسلامية سالفة الذكر. لكن خلافنا معهم هو في كيفية تغيير الأحكام المخالفة للشريعة الإسلامية: هم يقولون نغيرها بالثورة المسلحة وبالقوة؛ ونحن نقول نغيرها بالطرق السلمية المشروعة قانونا لنتجنب إراقة الدماء، وإهدار الأموال، والفتنة بين الناس، بما تحمله من أضرار لا يمكن تداركها.
٧- الحكم بكفر غير المسلمين، والمقصود بهم المقيمون في الدولة الإسلامية. وأسسوا هذا الحكم، باعتبار غير المسلمين في الدولة الإسلامية كفارًا، على أن الشريعة الإسلامية، وفقهها، كانا يعتبرانهم أهل ذمة عندما كانت الشريعة الإسلامية مطبقة في البلاد، أما وقد توقف تطبيق الشريعة الإسلامية فإنهم لم تعد لهم ذمة؛ فيجوز لنا استئصالهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وقد وقع بعضهم بسبب ذلك في الاعتداء على الكنائس، والاعتداء على رجال دين من الأقباط، وسرقة محال بيع الذهب المملوكة للمسيحيين، فعل بعضهم ذلك وهم يعتبرونه أمرًا مباحا لسقوط الذمة بانتفاء تطبيق الشريعة!!.
وهذا كلام باطل، مبني على عدم فهم أحكام الفقه الإسلامي فهما صحيحا، ذلك أن عقد الذمة في الشريعة الإسلامية عقد مؤبد، لا يجوز بإرادة الحكام المسلمين فسخه، ولا يجوز للأمة المسلمة أن تقبل ظلم أهل الذمة، أو تسكت عليه، إن وقع من هؤلاء الحكام أو من غيرهم.
وهذا الجوهر الذي يقوم عليه هذا العقد ملزم للمسلمين، وجد العقد أم لم يوجد، لأن الذمة التي تذكر فيه هي ذمة الله ورسوله، وليست ذمة حاكم بعينه، أو طائفة من المسلمين دون سواهم. وقد استمر هذا العقد قائما بشروطه وأحكامه بين الطرفين إلى أن سقطت الدول الإسلامية فريسة للاستعمار الغربي، فقاوم أهلها هذا الاستعمار، ما وسعتهم المقاومة، وشارك فيها المسلمون وغير المسلمين على حد سواء، ونشأت من هذه المقاومة الدول الإسلامية الحديثة التي يعيش المسلمون وغير المسلمين في ظلها الآن، ويستمدون مشروعية تنظيمها من الدساتير والقوانين التي تصدرها سلطاتها التشريعية، وما تكفله هذه القوانين والدساتير من حقوق، وما تلزم به الحكام والمحكومين من واجبات، ينطبق على المواطنين كافة مسلمين كانوا أم غير مسلمين.
ثم إن لغير المسلمين حق الحماية من الظلم وكفالة حرية دور العبادة وأداء الشعائر، والاستقلال باختيار رؤسائهم الدينيين، نصت على ذلك الدساتير أم لم تنص. وضامن ذلك وكافله هو جوهر العقد الذي ذكرناه مؤيدا بالنصوص الدستورية التي تحيل إلى الشريعة الإسلامية كما هو الحال في نص المادة الثانية من الدستور المصري.
والحقوق التي كان يكفلها عقد الذمة مكفولة في الواقع بفكرة الذمة نفسها لا بمقتضى العقد، فلم يكن العقد إلا إجراء ينظمها، ووثيقة يرجع إليها في إثباتها، أما هذه الحقوق في ذاتها فهي لا تسقط ولا تبطل ولا تتقادم أيا ما كان شكل الدولة ونوع نظامها ما دامت تتخذ من شريعة الإسلام شريعة أساسية لها، فحماية غير المسلمين في الدولة الإسلامية واجبة بمقتضى أحكام الشرع، لا بمقتضى أحكام العقد، وأحكام الشرع باقية لا تزول، والعقد يعتريه ما يعتري كل عقد من أسباب لانتهائه أو انقضائه.
وذهاب الجماعات الإسلامية المذكورة إلى خلاف هذا النظر مذهب فاسد، لا يقوم عليه دليل من الفقه الصحيح، وقد أدى بهم إلى استباحة المحرمات من الدماء والأموال، والله يغفر لنا ولهم.
٨- تطبيق أحكام إمارة المؤمنين على إمارة الجماعات، وهذا في حقيقته سلوك عملي، وليس مبدأ فكريًا، وقد أدى إلى هذا السلوك كون هذه الجماعات قامت في تنظيمات سرية مغلقة تعمل بالمخالفة للقانون وتسعى ما وسعها السعي أن تكون قصية عن أعين المتابعين والمراقبين من رجال الأمن، وفي ظل هذه السرية كان على المسؤولين عن هذه الجماعات أن يشترطوا سمعا وطاعة (عمياوين) لأنفسهم على أتباعهم، وهي طاعة غايتها الأولى حماية التنظيم من أن يكشف وجوده، وتذاع أسراره إذا سمح لأفراده بالمعارضة والاختلاف مع قادته.
ومن هنا أباحوا لأنفسهم توقيع العقوبات من الأعلى على الأدنى، وقَتَلَ بعضهم بعضا في مواجهات بينهم، وخرجوا كثيرًا من أعمالهم على قاعدة أن الدخول في التنظيم بيعة تجعل (الأمير) مستحقا للسمع والطاعة أيا كان ما يأمر به أو ينهى عنه.
وإمرة المؤمنين، والولاية، المقررة أحكامهما في كتب الفقه التراثية -على ما في هذه الكتب من اجتهادات تقتضي نظرًا جديدًا - لا تنطبق بحال من الأحوال على جماعة أو حزب أو مجموعة من الناس، بل إن أحكام إمارة المؤمنين لا تنطبق على أحد من حكام المسلمين اليوم، لأن الذي بين الشعوب وبين هؤلاء الحكام هو دساتير البلاد وقوانينها، ولا يجوز تسويغ الخروج على هذه الدساتير أو القوانين من قبل الحكام أو المحكومين، بزعم أن الخارج يطبق أحكام الفقه الإسلامي المقررة للخليفة أو أمير المؤمنين.
ولو أن أعضاء الجماعات الإسلامية - التي نتحدث عنها - أدركوا هذا المعنى لوفروا على أنفسهم اصطناع هذه الفكرة الخاطئة وتطبيقها على تنظيماتهم وجماعاتهم. والتنبيه هنا واجب للذين يتجمعون تحت مظلة الإسلام في أي مناسبة حالية أو مستقبلية، كي يجتنبوا هذا الخطأ، ويتحاشوا تكراره، لأن النتائج التي ترتبت عليه تكفي لاستبعاده تماما من نطاق الفكر السليم، فضلا عن الفكر الإسلامي الصحيح.
٩ - وضع الفتاوى في غير موضعها، وأوضح مثال على ذلك هو فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في شأن وجوب مقاتلة التتار، التي ذكر فيها أن: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وقد حكم ابن تيمية في هذه الفتوى، وفي مجموعة فتاوى متصلة بها بأن هؤلاء التتار ومن معهم خارجون عن الإسلام، وسوف يأتي كلام الجماعة الإسلامية في مراجعاتها حول رجوعهم عن تطبيق هذه الفتوى.
من الفهم الخاطئ إلى المراجعة
هذه المقولات كلها، ومقولات كثيرة غيرها، أدت بهؤلاء الشباب الذين انضووا تحت ظل هذه الجماعات، إلى أن يرفضوا التراث الإسلامي كله إلا ما اتفق مع وجهات نظرهم وأيد منهجهم في العمل، وأن يرى كثيرون منهم وجوب اعتزال مساجد المسلمين وعباداتهم وتكون لهم مساجدهم الخاصة التي يصلون فيها الفروض الخمسة، وأماكن أداء صلوات العيد والجمعة، دون أن يختلطوا في هذه المناسبات بعامة المسلمين، وأن يدعوا إلى القطيعة مع الفكر المعاصر وما أسموه منتجاته المادية، فالدولة كافرة، والديمقراطية نظام كفر، والحرية نمط عيش كفر فلا حرية في الإسلام.
واعتبروا كلمات اشتراكية ديمقراطية وطنية كلها كفرًا صريحا عميت على المسلمين، ففي الديمقراطية الشعب يحلل ويحرم كما يريد، وهذا في الإسلام لا يجوز، فالجمع بين الإسلام والديمقراطية كالجمع بين الإسلام واليهودية !
وأجمع تعبير عن هذا الفكر هو كتاب محمد عبد السلام فرج (الفريضة الغائبة)، وحاصل فكرة هذا الكتاب أن هدف الجهاد هو إقامة الدولة الإسلامية لإعادة الإسلام لهذه الأمة، والسبيل إلى تحقيقه هو القتال ضد الحكام المرتدين واستئصال طواغيت لا يزيدون عن كونهم بشرا لم يجدوا أمامهم من يقمعهم بأمر الله ... وإذا كانت الدولة لا تقوم إلا بقتال فوجب علينا القتال ... والكفر هو المعاصي وقد اسْتَشْرَت، فلم يعد لحكام اليوم على الرعية سمع ولا طاعة!!؟
وقد تأولت هذه الجماعات فيما وقع من مواجهات بالسلاح مع المواطنين ومع رجال الشرطة ما يسمونه - وقد سماه بعض القدماء قبلهم - آية السيف، وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
والواقع أنه ليس في القرآن الكريم آية تصح تسميتها بآية السيف، بل إن لفظ السيف نفسه لم يرد في كتاب الله قط، والنظر في سورة التوبة يظهر أن هذه الآية ترتبط بما قبلها من آيات متعلقة بالمشركين من العرب الذين كان بينهم وبين النبي (ﷺ) عهد أو عقد، فلا يجوز تعميم حكمها على كل من خالفنا في الرأي، ولو كان مسلما، كما نقلنا من أقوال بعض هذه الجماعات آنفاً.
ولذلك عدلت الجماعة الإسلامية في مراجعاتها، عن هذه الفكرة وكتبت تصحح مفهوم الجهاد منتهية إلى أنه - كما يقول جمهور أهل السنة -وسيلة لا غاية.
ورأت الجماعة الإسلامية في مراجعاتها، أن هناك موانع للقتال يجب الالتفات إليها، والوقوف عندها، منها: إذا غلب على الظن أن الجهاد لن يحقق المصلحة التي شرع من أجلها المقصود بالجهاد هنا هو ما كانت الجماعات الإسلامية الجهادية تصنعه من حمل السلاح داخل الوطن لإحداث التغيير السياسي بالقوة، وإذا تعارض القتال مع هداية الخلائق، وإذا عجز القائمون به عن تحقيق أهدافهم في مواجهة من يقاتلونهم، وإذا كان القتال يؤدي إلى أن يُلقي المقاتلون بأيديهم إلى التهلكة، عملا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وإذا وجد مسلم في صفوف المشركين، وإذا نطق الكافر بالشهادتين، أو تاب المرتد ورجع إلى الإسلام، وإذا كانت المفاسد المترتبة على القتال أعلى من المصالح المتوقعة منه، أو كانت المصالح التي يضيعها أعلى من المصالح التي يجلبها.
ومن أهم المصادر التي قامت عليها آراء الجماعات الإسلامية الجهادية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية الله في شأن التتار الذين غزوا بلاد الإسلام واستباحوا الشام على الرغم من إعلانهم الإسلام، فأفتى ابن تيمية بوجوب قتالهم وأقام الأدلة على ذلك، وحرض حكام مصر وأمراء الشام على هذا القتال.
وفي سياق مراجعة أفكارها السابقة عن هذا الموضوع؛ أصدرت الجماعة الإسلامية كتابًا بعنوان (فتوى التتار لشيخ الإسلام ابن تيمية دراسة وتحليل) ألفه الدكتور ناجح إبراهيم عبد الله، وأقره وراجعه السبعة الآخرون أعضاء القيادة التاريخية للجماعة الإسلامية. وفي هذا الكتاب نوقش موضوع "تغيير الفتاوى الفقهية" بسبب تغير الواقع، وتغير الزمان وتغير المكان، وتغير الأشخاص، وهو معنى لم تستحضره أدبيات الجماعات الإسلامية المسلحة التي بني عليها خروجهم على الدولة والأمة.
ثم نوقشت فتوى التتار نفسها، فأثبت الكتاب أنها مما لا يجوز العمل به في وقتنا لاختلاف الظروف والأوضاع بين وقت صدورها ووقتنا الحاضر، وانتهى الكتاب في هذا الصدد إلى أن الصدام المسلح مع الحكومات والخروج عليها ليس حلا مناسبا لما تريده الجماعات الإسلامية من تطبيق للشريعة. وكان أهم فصول الكتاب هو فصله "الثالث" الذي انتهى إلى أن التشريع البشري الوضعي ليس باطلا كله ولا مخالفًا للشرع كله.
ثم جاء كتاب (الحاكمية)، الذي ألفه الدكتور ناجح إبراهيم، وأقره وراجعه كل من الشيخ كرم زهدي والشيخ علي الشريف، والشيخ أسامة حافظ، والشيخ حمدي عبد الرحمن، والشيخ فؤاد الدواليبي. وفي هذا الكتاب تنتهي الجماعة الإسلامية إلى أن حاكمية الخالق لا تعني تكفير الخلائق، وإلى أن الحاكم المسلم لا يكلف من تطبيق أحكام الشرع إلا بما يدخل في مقدوره، وأن قياس الحكام المسلمين في عصرنا الحاضر على حكام التتار قياس مغلوط، وأن القوانين المصرية بعضها مأخوذ من الشريعة الإسلامية، وبعضها متفق معها، وهذان القسمان هما أغلبية التشريعات المصرية، وبعض التشريعات المصرية مخالف للشريعة مثل أحكام الحدود والجنايات ووجه اختلافه -فيما عدا جريمة الزنا - يتصل بالعقوبة لا بالجريمة، وأنه لذلك لا يجوز قياس تلك القوانين على قانون التتار (الياسق) الذي هو محض أهواء وضعها طاغية لا يلتزم بشريعة ولا يتقيد بدين.
وناقش كتاب (الحاكمية) في فصلين كاملين الآيات التي استدلت بها الجماعات الإسلامية على فهمها لموضوع حاكمية الله، كما أوردناه آنفًا وانتهى إلى تخطئة هذا الفهم جملة وتفصيلا، وجعل الكتاب حاكمية الله تبارك وتعالى، وحق البشر في التشريع في إطار القرآن والسنة، وفي إطار المصلحة المرسلة مفهومين متوافقين لا متعارضين.
وفي السنة التالية مباشرة (١٤٢٦هـ / ٢٠٠٥م) صدر كتاب (نهر الذكريات) حاملا أسماء الثمانية المعروفين بالقادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، وهو أول كتاب يحمل عنوانا ثانيًا هو المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية، والباب الثاني من هذا الكتاب هو أسئلة وجهت من شباب الجماعة الإسلامية الذين كانوا نزلاء في السجون إلى قادتهم الذين جابوا تلك السجون؛ ليقنعوا أبناء الجماعة بمبادرة إنهاء العنف. وقد كانت الردود على الأسئلة، التي بلغت ثلاثين سؤالاً، ردودا متسمة بوسطية الإسلام، وباستعمال صحيح للأدلة، ونزول عند مقتضاها بحيث يخرج السائل بجواب مفيد مقنع عما يختلج في صدره من شكوك وموجبات توقف.
ولا ريب أن هذين الكتابين هما أهم كتب المراجعات التي أصدرتها الجماعة الإسلامية، وهما مبنيان بناءً كاملاً على قراءة جديدة، سديدة، للأدلة النقلية والتاريخية التي كانت الجماعة الإسلامية وغيرها من الجماعات تستدل بها على عكس ما جاء به هذان الكتابان.
******
والحديث عن الأدلة العقلية والنقلية، وما بني عليها من مذهب قبل انتهاج الجماعات الإسلامية الجهادية سبيل العنف داخل الأوطان، وفي أثناء ممارسة هذا الأسلوب فعلاً، ثم عن الأدلة التي اتخذت أساسا للمراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية، ولجماعات الجهاد - هذا الحديث يوقفنا على ثلاث حقائق:
الحقيقة الأولى: أن الذين رأوا الخروج في عصرنا على الحكومات والأمة كتبوا رأيهم، وأسندوه إلى أدلة رأوها تسوّغ ذلك. وهم في هذا يختلفون عن فرق الخوارج البائدة، فلسنا نجد في التاريخ الفقهي لهؤلاء إلا نتفاً من الأقوال المتفرقة، أو الجمل المنقولة عنهم بغير سند يصحح هذا النقل، أو مناظرات في كتب التاريخ والأدب يبدو عليها أثر الصنعة والاختلاق، أكثر مما تبدو فيها بداهة الحجة، وقوة الدليل، والعمل على نصر الفكرة.
والمقصود بالصناعة أنها نصوص وضعت على ألسنتهم، وألسنة معارضيهم، إما لبيان فساد مذهبهم وإما للإشعار بقوة حجتهم، وقد لا يكون القصد هو أن ينتصر الخارجي في المناظرة المصنوعة بقدر ما يكون القصد هو إظهار أن الطرف الآخر غير قادر على ردّ الحجة بأقوى منها ونصر الفكرة التي تعبر عن الحق.
ولذلك لم يتلق أهل العلم بالرواية هذه النصوص (المانظرات) وقصص ما ينقل من أقوال - يزعم الذين يذكرونها أنها دارت بين الخوارج بعضهم وبعض بالقبول - بل إنهم أنكروا معظمها وهتكوا الأستار عن رؤوس رواتها.
فهذا لوط بن يحيى أبو مِخْنَفْ، يعتبره المحدثون «تالفا»، ولا ثقة بروايته.
وهو عند نقله قصص مناظرات الخوارج (الحجة الكبرى في أخبار العراق).
ونصر بن مزاحم المنقري يراه ابن أبي الحديد، (شارح نهج البلاغة المروي عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب)، «ثقة ثبتًا». ويراه الذهبي «متروكا». ويرى العقيلي أنه «لا يوثق بروايته ففي حديثه اضطراب». ويراه ابن أبي حاتم «زائغ الحديث متروكا».
وأبو بكر بن العربي يرى محمد بن يزيد المبرد لا يوثق به لنزعته الخارجية ولذلك لم يورد أبو بكر بن العربي في العواصم من القواصم شيئًا من أقواله ولا من أقوال المفسرين والمؤرخين وأهل الأدب وأخبارهم لأنهم إما أصحاب بدع، أو أهل جهالة بحرمات الدين، وبقوة إيمان السلف الذي لا مجال للطعن فيه.
ولا تجوز الثقة عند ابن العربي، ومن قبله عند خليفة بن خياط، إلا في رواية المحدثين من أئمة الحديث وأهل إسناده.
و ابن تيمية يقول في كتاب المسعودي المؤرخ، مروج الذهب ومعادن الجوهر من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله، وهو محتال مبتدع عند المحدثين.
وهؤلاء هم عامة أصحاب الرواية عن مواقف أتباع المدارس الفكرية الكبرى في الإسلام، فطريق القبول بما يروى في هذا الصدد، هو الوقوف عند ما صح سنده من الرواية دون سواه، لأن فيه الكفاية عن غيره من المنحول المكذوب تأييدا لهذا الرأي، أو مناهضة لذاك.
وآفة هؤلاء المبتدعة - كما يصفهم المحدثون - أنهم يتعصبون لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أم الباطل، فهذا من علامات أهل البدع والأهواء أنهم لا يلتزمون جادة الإنصاف، ولا يبحثون عن الحقيقة المجردة وإنما ينصرون بأي سبيل كان ما يعتنقونه من مذهب أو ما ينتمون إليه من جماعة أو حزب.
ولا يجوز أن يغتر أحد بأن هذه الروايات ترد في كتب بعض الأئمة كالطبري وغيره، لأن هذه الكتب جمعت كل ما كان معروفًا إلى عصور مؤلفيها، وهؤلاء المؤلفون خرجوا من العهدة بذكر سند رواياتهم اسما اسما، من مبدأ سلسلة الرواة إلى منتهاها، وتركوا لعلماء الرجال أن يفحصوا أحوال هؤلاء الرواة، ويبينوا من يؤخذ عنه منهم ومن لا يقبل قوله. وتلك كانت صناعة علمية هائلة وصفها بعض أساتذة التاريخ بقوله: أول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك، علماء الدين الإسلامي، فإنهم اضطروا إلى الاعتناء بأقوال النبي وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل.
والحقيقة الثانية: أن الذين تبنوا بعض رأي الخوارج، في العصر الحديث، كان من حسن حظ البحث العلمي أنهم كتبوا بأيديهم أفكارهم وحججهم، وشرحوا أوجه الاستناد إلى هذه الحجج، ونفذوا في الواقع العملي ما آمنوا به ودعوا إليه. ولم يغير من موقفهم هذا ما قام به علماء أثبات ثقات من تفنيد لمذاهبهم، ورد على أقوالهم.
وعندما تبين لهم، بعد طول مراجعة، وبعد أن أتيح لهم وقت كافٍ للمناقشة والمداولة وتبادل الرأي، وهيئت لهم ظروف علمية تتمثل في مدهم بما احتاجوا إليه من كتب التراث قديمه وحديثه والتقوا بعلماء كثيرين أفادوا من بعضهم وقت لقائهم، ولم يستفيدوا من بعض آخر منهم، لكنهم استعادوا آراءهم في أثناء مناقشاتهم ومداولاتهم ... عندما تهيأ لهم ذلك كله، وبدا لهم وجه خطأ فيما كانوا يدعون إليه، وينفذونه، ويعلمون الشباب إياه، أوتوا الشجاعة التي مكنتهم من أن يراجعوا أنفسهم، وينقحوا أفكارهم، ويصدروا مجموعة الكتب التي ذكرناها آنفا، والتي يجمعها عنوان واحد هو سلسلة تصحيح المفاهيم. وكان هذا عملا غير مسبوق في تاريخ الفكر الإسلامي: أن يرد قوم على أنفسهم، وينقضوا بأقلامهم ما كانوا يستندون إليه من حجج ويبينوا أن الصواب في خلاف ما اعتنقوه لنحو عقدين من الزمن. وقد بدأت هذه المراجعة تظهر علانية عندما أعلن أحد أعضاء الجماعة الإسلامية (محمد الأمين عبد العليم)، في قاعة إحدى المحاكم التي كان بعض أعضاء تلك الجماعة يحاكمون فيها، «مبادرة وقف العنف التي سميت فيما بعد مبادرة إنهاء العنف، وكان هذا هو عنوان أول كتاب صدر في سلسلة كتب تصحيح المفاهيم التي تضمنت الموقف الفكري والفقهي الجديد للجماعة الإسلامية .
والحقيقة الثالثة: أن الجماعات التي انتهجت العنف المسلح سبيلا لتغيير الأوضاع السياسية داخل الأوطان كانت متعددة المشارب، مختلفة المناهج، على نحو ما ذكرنا آنفًا، بحيث إن الباحث لا يكاد يجد جامعا
فكريا بينها إلا استباحتها الدماء المحرمة. ولو أن البحث اقتصر على جماعة واحدة منها لما استطاع أن يصنفها تحت عنوان من العناوين المعروفة في الفكر الإسلامي، ولكنها في مجموعها قد استدعت بغير شك جوانب من فكر الخوارج أثرت في مسلكها، فسوغت النظر إليها في مجموعها على أنها تمثل إحياء معاصراً لبعض فكر الخوارج، إن لم يكن كله فجله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق