خلق أفعال العباد
للإمام البخاري
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: مسألة «خلق أفعال العباد» من أعظم المسائل الكلامية التي اضطربت فيها العقول، وتشعّبت عندها المسالك، واحتدمت بسببها الخصومات بين الفرق الإسلامية قروناً طويلة؛ إذ لم تكن مسألةً نظريةً مجردة، بل قضية تتصل بجوهر العلاقة بين قدرة الله تعالى ومشيئته، وبين فعل الإنسان واختياره ومسؤوليته. ومن هنا كانت خطورتها، إذ يترتب عليها فهم معنى التكليف، والثواب والعقاب، والعدل الإلهي، وحدود الإرادة الإنسانية تحت سلطان القدرة الربانية المطلقة.
وقد انقسمت الفرق في هذه المسألة انقساماً بعيداً، حتى تفرقت فيها الأهواء بين إفراطٍ وتفريط؛ فزعمت الجبرية، وعلى رأسهم الجهم بن صفوان، أن العبد مسلوب الإرادة، لا فعل له على الحقيقة، وأن التدابير كلها لله تعالى وحده، وأن حركات الخلق بأجمعها اضطرارية، كحركة المرتعش، والعروق النابضة، واهتزاز الأشجار في مهب الريح، وما نسبة الأفعال إلى العباد إلا من باب المجاز اللغوي لا الحقيقة. وبذلك أفرغوا التكليف من معناه، وجعلوا الإنسان آلةً تجري عليه الأقدار بلا اختيار ولا قدرة.
وفي المقابل، ذهبت المعتزلة ومن وافقهم من المرجئة والخوارج وطوائف من الشيعة إلى الطرف النقيض، فزعموا أن العبد يُحدث أفعاله استقلالاً، وأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى، فراراً ـ بزعمهم ـ من نسبة الشر إلى الله، وتعظيماً لمفهوم العدل الإلهي كما توهموه. غير أن هذا القول أفضى إلى تضييق سلطان المشيئة الإلهية، وإخراج أفعال العباد عن عموم الخلق والتقدير الرباني.
أما أهل السنة والجماعة، فقد سلكوا سبيل الاعتدال الذي تجتمع فيه النصوص، وتأتلف معه معاني الشرع والعقل، فأثبتوا أن أفعال العباد خلقٌ لله تعالى من جهة التقدير والإيجاد، وكسبٌ للعباد من جهة الفعل والاختيار، فلا جبرَ يسلب الإنسان إرادته، ولا تفويضَ يخرجه عن سلطان الله ومشيئته، بل العباد يعملون حقيقة، والله خالقهم وخالق أعمالهم، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
ومن هنا تتجلى أهمية هذا الكتاب الذي صنفه محمد بن إسماعيل البخاري، إذ لم يكن تأليفه عملاً تجريدياً بعيداً عن واقع عصره، بل جاء في خضم محنة فكرية وعقدية اشتد فيها النزاع، وكثرت فيها التهم، وتطايرت بسببها سهام التشنيع بين العلماء والخصوم. ويبدو أن الإمام البخاري قصد بتأليفه لهذا الكتاب أن يبين حقيقة موقفه مما أُثير حوله بسبب قوله المشهور: «لفظي بالقرآن مخلوق»، وهي العبارة التي استغلها خصومه لإلصاق التهم به، حتى أوذِي بسببها، واتُّهم في معتقده، مع أنه من أئمة أهل السنة وحفاظها الكبار.
فأراد الإمام أن يرفع اللبس، ويكشف مواضع الاشتباه، ويذبّ عن نفسه وعن عقيدة أهل السنة والجماعة، موضحاً الفرق بين القرآن كلام الله غير المخلوق، وبين أفعال العباد وأصواتهم وألفاظهم التي هي من جملة أفعالهم المخلوقة. فجاء هذا الكتاب شاهداً على دقة الإمام البخاري في الاعتقاد، كما هو شاهد على عمق الفتنة الفكرية التي عاشها ذلك العصر، حين كانت العبارة الواحدة قد تُخرج الرجل من بلده، أو تثير حوله غوغاء الاتهام والخصومة.
الله خالق أفعال الناس
الإيمان بالله تعالى ووحدانيّته يقتضي أن نعتقد أن الله تعالى هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ في الكون، قال الله تعالى: ﴿اَللّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]، فهو سبحانَه خالق الشّجر والحَجَر والإنسان، كما أنَّه سبحانَه هو الخالق لأفعال النّاس وحركاتهم وتصرُّفاتهم من خيرٍ أو شَر، قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَّكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
وقد يسألُ سائل: إذا كان اللهُ خالقًا أفعالَ العباد، فما الذي يُحاسَب عليه العبدُ يومَ القيامة؟ فالجواب: إنَّ ما يُحاسَب عليه العبدُ يومَ القيامة، هو اختياره للأفعالَ التي يعملُها.
العبد مختارٌ أفعاله محاسبّ عليها
يُحاسَب العبد على اختياره أفعالَه كلَّها، فكلُّ فعلٍ يفعله باختياره وقصده يدخُل في الحساب والمسؤوليّة، لأنَّ التكليف يكون على الأفعالِ التي اختارها المُكلَّف، والاختيار هو السببُ في الثواب والعقاب، فإن اختار المُكلَّف العمل الصالحَ كُتِب له الأجر، وإن اختار العمل المحزَّمَ كُتِب عليه الإثم، وكذلك إن اختار ترك الواجباتِ يُعاقَب على تركه، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَأْ لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيّْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
معنى القضاء والقدر، وحكم الاحتجاج بأنّ الأمور مقدّرةً ومقضية
القضاء هو ما أراده الله منَ الأمور في الأَزل، وثبَتَ عنده سبحانه وتعالى في علمه الأزلي، والقضاء أمرٌّ محتوم، قال سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١].
وأمّا القدر فهو إيجاد الله تعالى الأشياء في الواقع على وَفق إرادته وعلمه، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىءٍ خَلَقْتَهُ يِقَدَرٍِ﴾ [القمر: ٤٩]، فالتقدير هو جعلُ الشيء بمقدارٍ معيَّن، يقال مثلًا: قدَّر المهندس البيت، أي جعله مُصمَّمًا على كيفيّةِ معيَّنة.
وليس للإنسان أن يعتذرَ بالقضاءِ والقدر ويتركَ واجباته المطلوبةَ منه، فإنّ الاحتجاجَ بذلك معصيةٌ أخرى سيُحاسَب عليها، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا آكَتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وهذه المسألة مرتبطةٌ بما سبق، فإنّ الإنسانَ يُحاسَب على أفعاله التي يختارُها بنفسه، كأدائه الصلاةَ فيثابُ على ذلك، وتركه الصلاةَ فيُعاقَب على ذلك، واحتجاجه بأنَّ الأمر كان مقضيًّا ومحتومًا لا يَصِح، فإنّ كلَّ عاقل يعلم أنّه اختار أفعالَه بنفسه، وهذا ما يُحاسَب عليه يومَ القيامة.
ويجب على المؤمن أن يَرضى بقضاء الله وقدره، ومعنى ذلك: ألَّا يعترضّ على حُكمِ الله في خَلقه وإيجاده، فلا يجوز أن يتبزَّم بِشرِّ وقع له، أو بمصيبةٍ قدرت عليه، فكما يكون فَرِحًا بالعطاء يكون راضيًا بالمنع، ولكلِّ شيء حكمةٌ عند الله تعالی.
وهذا لا يعني أن يرضى المؤمن بالكُفر والمعاصي والكيائرِ والذُّنوب، فإنَّه يجتهد في إصلاح نفسه، وفي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بحشب طاقته وقدرته.
ولذلك اشتُهِر عن العُلَماء أنّهم يقولون: نَرضى بالقضاء أي لا نعترِضُ عليه، ولا نَرضى بالمقضيّ إذا كان معصية، أي تكرهُ وقوعَها، وننهى عنها ونعمل على تغييرها، قال الله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَ اللَّه غَنِىّ عَنَكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِه الْكُفُرّ وَإِن تَشْكّْرُواَ يرَّضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
حكم ثواب الله تعالى لأهل الطاعة وعقاب أهل المعصية
وعد الله تعالى المؤمنين - فضلًا ورحمة منه سبحانَه - بأنَّ لهم مغفرةً مِنَ الله وأجرًا عظيمًا، وحَذَّر الكافرين والعصاة - عدلًا منه سيحاته - بأنّ لهم عقابًا مِنَ الله وعذابًا أليمًا، وذلك في كثيرٍ من الآيات القرآنيّة الكريمة، قال الله تعالى: ﴿فأمّا الَِّذينَ كَفَرُوا قَأْعَذِبُهُمْ عَذَاَبًا شَدِيدًا في الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَّهُم مِن نَّاصِِرينَ (٥) وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا لصََلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمٌّ وَاُلله لَا يُحِبُّ الظالمينَ﴾ [آلَ عمران: ٥٦ - ٥٧]،
وقال الله سبحانه: ﴿وَمَن يَعْصِ اَللّهَ وَرَسُولَهُ وَيتَعذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ تُمُهين﴾ [النساء: ١٤]. وهذا أمرَّ واضح في الكتاب والسّنة، بل إنّ إجماع المسلمين على ذلك بلا خلافٍ بينهم في ذلك، فالمؤمن بحسّب ما ورد في نصوصِ الشريعة مُثابٌ على طاعته وإيمانه، والعاصي مُعاقَبٌ على معصيته، ومن تاب وأناب تاتَ الله علیه.
ومن المعلوم عند أهلِ السّنة والجماعة أنّ الله تعالى مُتَّصفّ بالإرادة، وإرادته سبحانَه كاملةٌ مُطلقة، لا يحدُّها شيء، فليس مجبورًا على شيء، وليس مُكرَهًا على فعلٍ ما.
ومن هنا نقول في حُكم إثابة أهلِ الطّاعة ومعاقبة أهلِ المعصية: لا يجبُ على الله تعالى شيء، وكيف يجبُ عليه شيءٌ وهو الإله الحق، المعيودُ بحق، الذي لا يجري في مُلكه إلا ما يريد؟!
وقد ورد عنِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (سدّدُوا وقارِبُوا وأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لا يُدخِلُ أَحَدًا الجنّة عملُه)، قالُوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: (ولا أنا، إلَّا أَنْ يَتغمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ ورَحمة).
فهذا يدلُّ على أنّ الثواب للمؤمنين وأهل الطّاعة ليس استحقاقًا، بل هو تفضّلٌ مِن الله وإحسان.
بل نقول: كلُّ فعلٍ من أفعال الله عزّ وجلَّ يجري في الوجود بمشيئةِ الله وعِلمه وقدرته وحكمته، وكلّ فعلٍ صادر عن الله تعالى فهو حَسنٌ وجميل، والله تعالى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، لا يوجب أحدٌ عليه شيئًا، قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم -لبعض بناته: (قولي حينَ تُصبِحين: سُبحانَ الله وبِحَمدِه، لا قُوة إلّا بالله، ما شاءَ اللهُ كان، وما لَم يَشأُ لَمْ يَكُن، فإِنَّهُ مَن قالَهُنَّ حِينَ يُصبحُ حُفِظَ حتَّى يُمسِي، ومَن قَالَهُنَّ حِينَ يُمسِي حُفِظَ حَتَّى يُصبح).
وقال سبحانه: ﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئلون﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وإثابةُ الله تعالى العبادَ على طاعاتهم فضلٌ منه وإحسان، لا بوجوپٍ واستحقاقٍ من العباد، بل طاعاتُ العبد كلُّها لا تساوي شيئًا في الحقيقة، لأنّ العبد لا يستحقّ شيئًا على مولاء إلا تفضّلا وإحسانًا، وقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هُريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُول: (لنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عملُه الجَنَّة)، قالُوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: (لا، وَلا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتغمَّدنِي اللهُ بِفَضلٍ وَرَحْمَة، فَسَدَّدُوا وقارِبُوا، ولا يَتمنَيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوت: إمّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدادَ خَيْرَا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ).
وأمًا عقابه سبحانَه وتعالى للأشقياء؛ فهو عدلٌ منه بما كسبته أيديهم من الكُفر والأعمالِ القبيحة التي نهى الله تعالى عنها، وقد يعفو الله تعالى عن عُصاة المؤمنين -ولو فَعلوا الكبائر ولم يتوبوا عنها، لأنّ ذلك راجعٌ إلى مشيئة الله سبحانَه، فإن شاء عفا عنهم وإن شاء عذّبَهم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرََكَ بِهِ، وَيَغْفُِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءً وَمَن يُشْرِك يِأَلَّهِ فَقَدٍ افْتَرَ إِثْمَا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
معنى السعيد والشقي:
السعيد -هو: المؤمن الذي آمنَ وماتَ على الإيمان، وهو الذي يدخلُ الجنّة بفضلِ الله تعالى، وسُمّي المؤمن سعيدًا لأنَّ السّعادة الحقيقيّة هي في توفيقِ الله تعالى عبدَه للإيمان به، ولأنّ الإيمان بالله أساسٌ لكلّ خير يحصل للعبد، بل كلُّ شيء يصيبُ العبد يهون بالإيمان بالله، وتزول شدَّتُه إذا أرجع أمره إلى الله.
وأمّا الشقيُّ- فهو الكافر الذي ماتَ على الكفر، معَ أنه وصَلَته الدعوة وقامَت عليه الحُجّة، وهو الذي يخلد في النار، وسُمّي الكافر شقيًّا؛ لأنّ الشقاء الحقيقيَّ هو في الجهلِ بالله تعالى، بحيث لا يعرف الكافر أنّ له ربَّا وأنّ له دينًا وأنّ الله أرسل له رسولًا، فتصير كلُّ النعم الظاهريّة غير ذات نفع أو قيمة، لأنّ الكافر يعيش في فراغٍ روحيّ ومعرفيّ عميق لا يعرفه المؤمنون.
وقد جاء عن بعض العارفين أنّه قال: من وجد الله ما فقد شيئًا، ومن فقد الله ما وجد شيئًا، وما ذلك إلا لأنّ معرفة الله هي رأس كلِ الأمور، نسأل الله أن تموت على الإيمان، سعداءَ غير أشقياء.
وقد أثبت القرآنُ الكريم هذه المعاني المُهِمّة في آياته الحكيمة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ بَأْتٍ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُّ إلَّا ِإذْنِهً. فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِبَها زَفِيرٌ وَشَهِيقُ * خَِالدِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ التَسماوَتُ وَالأَرضُ إلَّاَ مَا شَآء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فعَّالٌ لِمَا يُرِيِدُ * وَأَمَّا اُلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيَهَا مَادَامَتِ السَّمَاوَتُ وَاَلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآء رَبُّكٌ عَطَاءً غَيْرَ مَجذُوذ﴾ [هود: ١٠٥ -١٠٨].
خلق أفعال العباد
أفعال العباد كلها۔ حسنھا وسئيها- داخلة في خلق الله - عز وجل - وقضائه، وقدره، فلا يقع في هذا الكون شيء إلّا وهو خالقه، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وهذه المسألة وإن كانت داخلة في عموم أدلة المرتبة الرابعة من مراتب القدر السابقة الذكر، إلّا أن إفراداها له أهميته؛ إذ هي المسألة التي صار الناس لأجلها - في باب القضاء والقدر - فرقاً وأحزاباً.
وهنا متعلقان بالمسألة:
المتعلق الأول: بالخالق - عز وجل.
وفي هذا المتعلق قال أهْل السنّة والجماعة ومن وافقهم - ولو ظاهراً - من الجبرية الجهميّة والأشاعرة: إن الله - عز وجل - هو خالق أفعال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وكما في غيرها من الأدلة المتقدمة في أدلة المرتبة الرابعة من مراتب القدر.
ونفت المعتزلة القدرية أن يكون الله - عز وجل - خالق أفعال العباد، وزعموا أنَ العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، فأثبتوا خالقين كقول المجوس، فكانوا مجوس هذه الأمة، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبّلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِزْ تَشَابهَتْ قُلُوبُهُمُّ﴾. إذ قال المجوس بأصلين هما: النور والظلمة، وزعموا أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله، والشر إلى غيره. والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر لا يكون شيء منهما إلّا بمشيته.
المتعلق الثاني: بالعبد نفسه
فهل له قدرة وإرادة واستطاعة على فعله؟ وهل هذه القدرة مؤثرة أم لا؟
وهنا اختلف أهل الأهواء إلى أقوال متعددة كان منها: -
القول الأول: قول المعتزلة القدرية.
قالوا: إن للعبد قدرة وإرادة واستطاعة على فعله، وهذا حق، وكونهم زعموا أن هذه القدرة والاستطاعة مستقلة عن إرادة الله وقدرته الشاملة، وأنَّهم هم الخالقون لأفعالهم!
ومن قال إنَ الله خالق أفعال العباد فقد عظم خطؤه عندهم !!
القول الثاني: قول الجهميّة الجبرية:
وهؤلاء زعموا أن لا قدرة للعبد ولا إرادة ولا اختيار ولا استطاعة له على فعله ألبتة، وأن العباد مجبورون على أفعالهم، وإنَّما حركاتهم كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركات الأمواج، وأنّهم على الطاعة والمعصية مجيورون، وأنّهم غير مُيَسْرين لما خلقوا له، بل هم عليه مقسورون مجبورون، وإنَّما تنسب أفعالهم إليهم على سبيل المجاز، ولسان حالهم أو قالهم قول الأول:
ألقاء في اليم مكتوفاً وقال له … إياك إياك أن تبتل بالماء
وهذا القول إن لم يكن شراً من القدرية؛ فليس هو بدونه في البطلان.
وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان يكذِّبْ هذا القول ويردُّه، والطائفتان في عمى عن الحق القويم والصراط المستقيم.
القول الثالث: قول الأشاعرة - ومن وافقهم -:
وهؤلاء وإن خالفوا خصومهم المعتزلة، ووافقوا أهل السنّة والجماعة فقالوا: إِن الله خالق أفعال العباد، إلاّ أنّهم قالوا في قدرة العبد وإرادته واستطاعته قولاً لم يسبقهم إليه أحد.
إذ قالوا: إن للعبد قدرةٌ على إحداث فعله - وهذا حق - ولكنّهم زعموا أن هذه قدرة لا تأثير لها في إحداث الفعل ألبتة، وهذا ما يعبرون عنه بـ (الكسب) وهو ما وصفه العلامة ابن قيم الجوزية بأنّه: (لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته).
بل هو كلام متناقض غير معقول، فإنَّ القدرة إِذا لم يكن لها تأثير أصلاً في الفعل؛ كان وجودها كعدمها، ولم تكن قدرة، إذاً من محالات العقول إثبات قدرة لا أثر لها بوجه ألبتة، بل هو كنفي القدرة أصلاًا، وهو ما اعترف به عدد من محققي المذهب الأشعري أنفسهم؛ كالإيجي، والجويني، والرازي.
ولذا سخر منهم خصومهم المعتزلة وسائر العقلاء فقالوا: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النظّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعريّ. الأمر الذي اضطربت معه أقوال اتباعه واختلفت حتى ذهب كل منهم إلى رأي، وفرّ إلى قول، لما رأوا ما في هذا القول من التناقض.
فنحا فريق منهم إلى التصريح بحقيقة المذهب - وهو الجبر -واقترب البعض من مذهب أهل السنة، وسعى آخرون إلى النهوض بالمذهب الأشعري من عثرته وتوجيه قول إمامهم أبي الحسن الأشعري في (الكسب) كيما يخالف النصوص النقلية والأدلة العقلية، وكان منهم أبو بكر الباقلاني وأبو حامد الغزالي اللذان تحرزا وتجملا بتعبيرات وتفسيرات كلامية متعددة، لم تجد القبول حتى بين بني جنسهم، ومن يتكلم بلساتهم من أهل الكلام.
واستقر مذهبهم على ما نحا إليه جمهورهم من أن للعبد قدرة لا تأثير لها في مقدورها، ولا في صفة من صفاتها !!
وحقيقة هذا القول يعود إلى قول الجهميّة الجبرية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يقول - أي الأشعري - إن العبد فاعل في الحقيقة بل كاسب، ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقاً معقولاً، بل حقيقة قولهم قول جهم: أن العيد لا قدرة له، ولا فعل ولا كسب).
ويعود سبب تناقض الأشاعرة في هذه المسألة إلى مسائل أخرى من أهمها مسألتین:
المسألة الأولى: قولهم: إن الفعلِ هو المفعول، والخلق هو المخلوق، وعدم تفريقهم بين ما يقوم بالله من الأفعال، وما هو منفصل عنه، وجعلهم كُلّها أفعال الله.
(والتحقيق الذي علية أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق). فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العيد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنَه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعيد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله فهي فعل العبد، وهي مفعول للرب.
ثم إن (المستقر في فطر الناس، أن من فعل العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب، فإذا لم يكن العبد فاعلاً لكذبه وظلمه وعدله، بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون هو المتصف بالكذب والظلم).
وأيضاً فإن (الشرع والعقل متفقان على أن العبد يُحمد ويُذمُ على فعله، ويكون حسنه له أو سيئه، فلو لم يكن إلّا فعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم عليها).
والقرآن والسنّة مملوءان بذكر إضافة أفعال العباد إليهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿جَزَّءُ بِمَا كَاتُواْ يَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿اعْمَلُواْ مَا شِئتُمْ﴾، وقوله: ﴿وَقُلِ أعْمَلُواْ فَسَيِرَىَ اَلَّهُ عَمَلَكم﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ﴾ وغيرها كثير جداً.
المسألة الثانية: أن الأشاعرة جعلوا قدرة العبد واستطاعته كلَّها مقارنة للفعل، لا يجوز أن تتقدمه، ولا أن تتأخر عنه، القول الذي أوقعهم في الحَيْرة والاضطراب ولم يجدوا معه توجيهاً سليماً للاستطاعة والقدرة، التي هي شرط للعمل، والتي بمعنى الصحة وسلامة الآلات.
بينما قال أهل الحق والهدى، أهل السنة والجماعة، إن لفظ القدرة والاستطاعة يتناول نوعين:
أحدهما: القدرة والاستطاعة التي بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، وهي القدرة الشرعية المصححة للفعل، والتي هي مناط الأمر والنهي.
وهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل تكون قبله متقدمة عليه، وهي صالحة للضدين، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُِّ الْبَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً﴾؛ فإن هذه الاستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلّا على من حج، فلا يكون من لم یحجّ عاصیًا بترك الحج، سواء کان له زاد وراحلة وهو قادر على الحجِ أو لم يكن.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم -لعمران بن حصين: (صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) وكذا قوله تعالى: ﴿فَاتقُواْ اللَّهَ مَا اَسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم)؛ فلو أراد أن استطاعة لا تكون إلّا مع الفعل؛ لكان قد قال "فافعلوا منه ما تفعلون"، فلا يكون من لم يفعل شيئاً عاصياً له، وهذه الاستطاعة المذكورة في كتب الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس.
والثاني: القدرة والاستطاعة الموجبة للفعل معها، وهي المقارنة للفعل، الموجبة له، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا كانُوا يَسْتَطِيعونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبصِرُونَ﴾، وقوله: ﴿اَلَّذِينَ كَنتْ أَعْيُّنهمْ ِفي غِطَآءٍ عَن ذِگْرِى وَكَانُوأْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعا﴾.
و المراد بعدم الاستطاعة: مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه، وهذه حال من صدَّه هواه أو رأيُه الفاسدُ عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له، وهي الاستطاعة الكونية ومناط القضاء والقدر.
وبهذا يزول الاشتباه الذي أَشْكّل على الأشاعرة وغيرهم في هذه المسألة، علماً أن كثيراً من فقهاء الأشاعرة أنفسهم يتناقضون؛ (فإذا خاضوا مع من يقول من المتكلمين - المثبتين للقدر إن الاستطاعة لا تكون إلّا مع الفعل وافقوهم على ذلك، وإذا خاضوا في الفقه أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي).
وأما الفرقة الناجية والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة؛ فيقولون: (إنَّ العباد فاعلون حقيقة. والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالفهم وخالقِ قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالی: ﴿لِمَن شَآء مِنكُم أَن يَسْتَّقيمَ وَمَا تَشَاَءُونَ إِلَّا أَن يشَآء اللَّهُ رَبُّ اَلْعَلَّمِينَ﴾.
وهذا الكلام وإن كان في غاية الوضوح إلَّا أنني أرغب في إثبات بعض النكت النافعة التي ذكرها شيخ الإسلام - ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فيما يتعلق بالمسألة.
الأولى: إذ كانت أفعال العباد مخلوقة لله، وهي فعل لهم حقيقة، فكيف نجمع بين الأمرين؟
يقول شيخ الإسلام - ابن تيمية:
(قول القائل: هذا فعَلَ هذا، وفعلَ هذا: لفظ فيه إجمال، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل، وتارة يراد به مسمى المصدر، فيقول: فعلت هذا أفعله فعلاً، وعملت هذا أعمله عملاً، فإذا أريد بالعمل نفس العمل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك، فالعمل هنا هو المعمول، وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل، وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله -كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك، فالعمل هنا غير المعمول، قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن محَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَحِفَانِ كَاْلْجَوَابٍ وَقُدُورٍ راسِيَات﴾؛ فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها … والمقصود أن لفظ ((الفعل)) و((العمل)) و((الصنع)) أنواع وذلك كلفظ البناء والخياطة والتجارة تقع على نفس مسمى المصدر وعلى المفعول، وكذلك لفظ ((التلاوة)) و((القراءة)) و((الكلام)» و((القول)) يقع على نفس مسمى المصدر، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القرآن المقروء المتلو، كما يراد بها مسمى المصدر.
والمقصود أن القائل إذا قال: هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد، فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين، وبصريح العقل، ولكن من قال: هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق) اهـ.
ثم وضَّح المسألة؛ فقال: (وأما من قال: خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته، قال: إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات، ومفعولة للرب كسائر المفعولات، ولم يقل: إنها نفس فعل الرب وخلقه، بل قال: إنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة، فإنه يقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلاً له، كما يفعلها العبد، وتقوم به، ولا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشکال والمقادیر والحرکات وغیر ذلك، فإذا کان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة أو طعماً مراً أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح، لم يكن هو متصفاً بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة والمكروهة والأفعال القبيحة، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها، وسبباً لذمه وعقابه، وجالبة لألمه وعذابه، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلاً لغيره).
المسألة الثانية: مسألة قدرة العبد، وهل لها تأثير؟
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: (التأثير اسم مشترك، قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع، فإن أريد بتأثير قدرة العبد على هذه القدرة فحاشا لله، لم يقله سنيٍّ، وإنّما هو المعزو إلى أهْل الضلال، وإن أريد بالتأثير نوع معاونةٍ إنما في صفة من صفات الفعل، أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات فهو أيضاً باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل، إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله - سبحانه - في ذرة أو فيل، وهل هو إلا شرك دون شرك، وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق.
وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله - سبحانه وتعالى - الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسببات، والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق، وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات، وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركاً، وإلّا فيكون إثبات جميع الأسباب شركاً، وقد قال الحكيم الخبير: ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ اُلثَّمْزَات﴾ ﴿فَأَنْبتْنَا بِهِ حَدَآئقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾.
فبين أنَّه المعذّب، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدٌ منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه، فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة). فالله سبحانه هو الذي يجعل الرحمة، وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا عليه الصلاة والسلام.
وقال ابن تيمية في موضع آخر: (الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنّة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، المخالفون للمعتزلة:
إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى - خلق الأسباب والمسببات والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أُخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا یکون حتی يخلق الله جمیع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو - سبحانه - يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالأسباب، فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصد عن السبيل كالعدو وغيره).
المسألة الثالثة: ما المراد بالكسب عند أَهْل السنة والجماعة؟
كثيراً ما نجد علماء أهل السنة يذكرون أن أفعال العباد كسب لهم؛ الأمر الذي قد يوقع في الالتباس أو الإيهام في ظل استخدام الأشاعرة نفس اللفظ للتعبير عن مذهبهم، فما مراد أهْل السنّة بالکسب؟
يقول شيخ الإسلام - ابن تيميّة - رحمه الله -:
(الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كُسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ فبين سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها، والناس يقولون: فلان كسب مالاً أو حمداً أو شرفاً كما أنه ينتفع بذلك، ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها، إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ناقصين صح إثبات السبب، إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم، والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله، فأفعاله عن أسمائه وصفاته ومشتقة منها، كما قال سبحانه وتعالى: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي). والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه).
١- مقدمة
٢ -الإمام محمد بن اسماعيل البخاري
٣ -نبوغه وسعة حفظه
- زهد البخاري وورعه
- ما حدث بين البخاري ويحيى الذهلي
٦ -فئنة القول بحلق القرآن
٧- حقيقة القول في القرآن الكريم
٨- الإمام البخاري والقول بخلق القرآن
٩ -عودة البخاري إلى بلده ووقاته
١٠- مؤلفات الإمام البخاري
١١- كتاب خلق أفعال العباد
١٢- باب ما ذكر أهل العلم المعطلة
١٣- أفعال العباد
١٤- التعرب بعد الهجرة
١٥ -الرد على الجهمية وأصحاب التعطيل
١٦- ما جاء في قول الله: بلغ ما أنزل إليك من ربك
١٧- باب ما كان النبيُّ يذكره ويرويه عن ربه
١٨- باب ما كان النبي يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره
١٩ -باب ما نقش النبي في خاتمه من كتاب الله
٢٠- باب قول الله جل ذكره عن أهل النار
٢١ -باب ما يدل على أصوات العباد
٢٢ -باب قول الله تعالى: (فأتوا بالتوراة فأتلوها).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق