أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 17 مايو 2026

تجربة المائة وثلاثين يوماً الرئيس محمود عباس بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تجربة المائة وثلاثين يوماً

الرئيس محمود عباس

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: برز اسمُ محمود عباس، المعروف بـ«أبي مازن»، بوصفه أولَ رئيسِ وزراءٍ فلسطيني يُنتخب في ظلّ السلطة الوطنية، ورجلَ سياسةٍ متمرّساً خَبِر دهاليز العمل الوطني عقوداً طويلة، حتى غدا أحد أبرز مهندسي المشروع السياسي الفلسطيني المعاصر. وبينما يمعن بعض خصومه في إطلاق الألقاب الساخرة عليه، في حالةٍ من التبسيط المخلّ والخصومة المنفلتة، تبقى تجربته السياسية شاهدةً على مرحلةٍ مفصلية حاول فيها أن يؤسّس لمسارٍ إصلاحيّ داخل بنية السلطة الوطنية، قائمٍ على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وترسيخ المؤسسية، ومعالجة التشوّهات التي أنهكت المجتمع الفلسطيني وأضعفت بنيته الداخلية.

لقد دعا أبو مازن، في مرحلةٍ شديدة التعقيد والاضطراب، إلى حماية أمن المواطن الفلسطيني، وتطوير الجهاز القضائي والمحاكم، وإسناد الوظائف العامة إلى أصحاب الكفاءة والخبرة، وإنهاء ظاهرة فوضى السلاح، ووضع حدٍّ لتعدّد مراكز القرار العشوائية التي مزّقت هيبة النظام العام، وأدخلت الحالة الفلسطينية في دوائرٍ من الارتباك والفوضى. ولم تكن تلك الدعوات مجرّد شعاراتٍ خطابية، بل رؤية سياسية أرادت أن تنتقل بالقضية الفلسطينية من منطق الارتجال والانفعال إلى منطق الدولة والنظام والمؤسسات.

ومن هنا، تبرز أهميةُ العودة إلى هذا الكتاب في هذا الظرف الحرج؛ حتى لا تُطمس حقائقُ التجربة الوطنية تحت ضجيج التعبئة الحزبية العمياء، وخطابات الشعبوية المتهوّرة التي لا تُجيد سوى صناعة التخوين والتكفير السياسي، والطعن برموز النضال الفلسطيني وتاريخه. إن القراءة المنصفة للتجربة الفلسطينية تقتضي فهماً واقعياً لظروفها وتعقيداتها، بعيداً عن إسقاط نماذج بعيدة زماناً ومكاناً، أو استدعاء تجارب لا تشبه السياق الفلسطيني في شيء. فالمستفيد الأوحد من هذه الخطابات العبثية المنفلتة هو الاحتلال، الذي طالما تغذّى على الانقسام الداخلي، وتآكل الثقة الوطنية، وتشويه الرموز الجامعة.

ويحكي هذا الكتاب قصة الإنجازات والعقبات التي واجهت الحكومة الفلسطينية الثانية برئاسة محمود عباس، تلك الحكومة التي مثّلت محاولةً جادّة لإعادة بناء المشروع الوطني على أسسٍ أكثر اتزاناً وواقعية. وهو، في جوهره، وثيقةٌ سياسية ووطنية تعبّر عن ميثاقٍ جامع، ينبغي للفاعلين في الشأن الفلسطيني أن يتأملوه بعين الإنصاف والدراسة، لا بعين الخصومة والانفعال. وقد صدر الكتاب بعد ثلاث سنواتٍ من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في أعقاب استقالة رئيس الوزراء محمود عباس، وخطابه الشهير أمام المجلس التشريعي الفلسطيني بتاريخ 6/9/2003م، وهو خطابٌ عكس حجم التحديات الداخلية والخارجية التي كانت تعصف بالحالة الفلسطينية آنذاك.

يقول "محمود عباس" -في خطاب الاستقالة- له: 

"لقد بذلت كل ما أستطيع؛ كي أحقق انجازات سياسية وأخرى داخلية،… [ويبدو] أن هناك تصميم مسبق وإصرار على إفشال هذه الحكومة (الفلسطينية الأولى)، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بما في ذلك استباحة الدم، والإهانة، والتخوين، والتعرض لسُمعتنا وأخلاقنا"!

ويقول أيضاً -في إطار استخلاص العبر في مسيرة النضال الوطني-:

"إننا نستخلص العبر من الهدنة، ليس باتجاه القيام بعمليات ثأرية يمارسها كل فصيلٍ وفق اجتهاده، ورداً على الأفعال الإسرائيلية .. مما يوفر لإسرائيل غطاءً واسعاً لنسف كل شيء.. وإغلاق طرق الحل السياسي لمصلحة فتح طريق التصعيد العسكري، ولا بالتغاضي عن معادلة مدمرة، قوامها (ردود فعل انفعالية) قد تُسفر عن تحطيم زجاج منزل في مستوطنة، لقاء تدمير حيٍّ بأكمله .. وقتل عشرات الفلسطينيين الأبرياء، وتجريف الآلاف من الدونمات المزروعة.. إننا نستخلص العبر .. بدراسة المزيا والمحاذير، وبدراسة حجم الفعل ورد الفعل".

وقد سجّل الرئيس محمود عباس تجربته السياسية خلال هذه المدة فيما يلي:

١-الانتفاضة الفلسطينية الثانية- لوحدها لم تكن مهيّأةً لإجبار إسرائيل على الاعتراف بحقوقنا الوطنية المشروعة.

٢-رغم كل الثغرات في خطة (خارطة الطريق)، إلا أنها ولأول مرة حققت اعتراف أصحابها بحق الفلسطينيين بدولة على حدود العام 1967، بما فيها الولايات المتحدة، والرباعية الدولية، ويُمكن أن تُقام في العام 2005م.

٣-كانت هذه الخطة تعتمد على ضبط الوضع الأمني، والسيطرة على الفصائل (= وهذا معناه الإقدام على المواجهة الداخلية) ولكننا آثرنا التوصل إلى هدنة مع إسرائيل مدة ثلاث سنوات.

٤- إن وضع الشعب الفلسطيني وحكومته الجديدة، يحتاج إلى فترة زمنية كافية للتهيؤ على كافة المستويات، سياسياً واقتصادياً، كما أنها تحتاج -وبشدة -إلى دعم داخلي: رسمي وشعبي، وذلك بالتجاوب مع خطواتها الرامية إلى إقامة الدولة الفلسطينة المنشودة.

٥-كان على الفصائل أن تلتزم بهذه الخطة؛ لتمنح الحكومة الفلسطينية الفرصة في النجاح في انتزاع حقوق شعبنا الوطنية، وعدم إعطاء الاحتلال فرصة التهرب من التزاماتها. والتي كانت حريصةً كل الحرص على التهرب من هذا الاتفاق.

٦- وللأسف جوبهت هذه المحاولة من الأطراف الداخلية والفصائل بالتشكيك، والتآمر، والتخوين، سعياً لإفشال مساعيها في إنجاز شيء من ما في مسيرة النضال الوطني، لتكون الحكومة الفلسطينية بين مطرقة المتطرف "أرئيل شارون"، وبين غباء الفصائل الفلسطينية.

٧-وقد انتهت الأمور وآلت إلى استقالة هذه الحكومة برئاسة "ابو مازن" بعد مائة يومٍ من تشكيلها. وقد أقر "أبو مازن" بأن حكومته لم تكن مثالية في كل شيء، لكنها أحدثت نقلة نوعية من حكم الأشخاص والأحزاب إلى حكم "المؤسسات الشرعية" التي تخضع للرقابة والمحاسبة، وكان مرامها تحقيق" الحلم الفلسطيني"، وسحب البساط من تحت الجانب الفلسطيني.

۸-وكان انتخاب "محمود عباس" كرئيس للوزراء، هو أول عمل انتخابي شرعي؛ وكان أول رئيس وزراء فلسطيني منتخب، تم تعيينه بتاريخ 3/ 4/ 2003م، ولا شك أن هذا الأمر له أهمية، كونه محاولة جديّذة لتطوير العمل الوطني، وإصلاح منظومة السلطة الفلسطينية، وكونه الخطوة الأولى في إعداد النظام السياسي الفلسطيني المستقل.

۹-ويرى "محمود عباس" أن الانجازات الوطنية التي حققتا السلطة الفلسطينية هي جزء من تضحيات هذا الشعب المعطاء، بشهدائه، وأُسراه، وجرحاه، كما يرى محمود عباس: أن هذا الشعب مليء بالطاقات والإمكانات المميزة، وقد أضحى في نظر العالم كله جديراً بدولة حقيقية، ذا تسيادة، مثل جميع دول العالم.

١٠- يقول محمود عباس في خطابه: وما أراه من ضمن مسؤوليات الحكومة هو الإعداد الجدي لاستكمال بناء أساسات هذه الدولة، بما في ذلك الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية على أساس الفنون الانتخابي. وأن جذر معانتنا ومبعث الألم الدائم في حياتنا هو الاحتلال وسياساته القمعية البغيضة.

١١-وكانت رسالة "عباس" الوطنية هو إزالة الاحتلال بكل أشكاله، وهذا يتطلب بالأساس ترتيب الوضع الداخلي، والالتزام بأحكام الفنون الذي وضعه المجلس التشريعي، وأقره الرئيس ياسر عرفات، وهو الصورة الواقعية لمصداقية جدارتنا بالدولة، والامتثال لدستورها.

١٢-كما دعا "عباس" الفصائل المعارضة إلى تطوير إطاراتها ومؤسساتها وحواراتها والتوقف عن لغة التحريض،  والتعبئة السلبية، واستغلال الصحافة الحرة، كما أن حكومته أتاحت الفرصة أمام التعددية السياسية في إطار الوحدة الوطنية الشاملة، تحت سقف القانون، ولكنه ضد التعددية الأمنيّة، وحثَّ على الدخول في تمثيل المؤسسات عن طريق الانتخابات.

١٣-السعي الحثيث على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ذات السيادة، وعصامتها القدس الشريف، دولة حقيقية متصلة الأجزاء، خالية من الاستيطان، على جميع الأراضي التي احتُلت في العام 1967م.

١٤-وأكد "الرئيس عباس" على أن منظمة التحرير الفلسطينية، بكافة مؤسساتها -هي الإطار السياسي الذي يمثل كل الشعب الفلسطيني، وهي القيادة العليا للشعب الفلسطيني.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق