أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 10 مايو 2026

جزء القراءة خلف الإمام للإمام البخاري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

جزء القراءة خلف الإمام

للإمام البخاري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا جزءٌ حديثيٌّ نفيس، أفرده الإمام محمد بن إسماعيل البخاري لجمع الآثار والأحاديث الواردة في مسألة القراءة خلف الإمام، وبيّن البخاري فيه مشروعية قراءة المأموم خلف إمامه، مستدلاً بما صحَّ من المرفوعات والموقوفات عن الصحابة والتابعين، مع مناقشة الروايات التي ظاهرها الأمر بالسكوت، أو ترك القراءة خلف الإمام، وبيان ما فيها من ضعف أو انقطاع يمنع الاحتجاج بها. وقد بلغت جملة ما أورده في هذا الجزء (195) مائةً وخمسةً وتسعين حديثاً وأثراً.

كما اعتنى الإمام البخاري بتوشيح رواياته بالشواهد والمتابعات التي تقوّي أصول الأحاديث، وتعضد دلالتها، الأمر الذي يدل على سعة حفظه، ودقة فقهه، ورسوخه في علم الحديث روايةً ودراية. كما تطرّق في أثناء ذلك إلى جملةٍ من مباحث علوم الحديث، كالعلل الخفية، والترجيح بين الرواة، والكلام في بعض رجال الإسناد جرحاً وتعديلاً، مع الإشارة إلى بعض طرق التحمل والأداء.

ولم يقتصر صنيعه على مجرد جمع الروايات، بل عُني كذلك بفقه الحديث وبيان معانيه؛ فكان يشرح بعض الألفاظ الغريبة، وينقل أقوال أهل اللغة في تفسيرها، ويستنبط الأحكام الفقهية من الأحاديث والآثار، حتى صار هذا الجزء مثالاً حيّاً على الجمع بين رواية الحديث وفقهه.

وقد تضمّن الجزء ذكر أنواعٍ من الصلوات وأحكامها، كـ (الصلوات الخمس، وصلاة الخوف، وصلاة التسبيح)، وذكر بعض الآيات المتعلقة بالصلوات وأسباب نزولها، وبيان فضل صلاة الجماعة، بالإضافة إلى ما كان يقرؤه النبي ﷺ في بعض صلواته السريّة والجهرية.

_____________________________________

ردّ الإمام البخاري على المانعين من القراءة خلف الإمام

ناقش الإمام البخاري الآثار التي قد يُتوهم منها وجوب ترك القراءة خلف الإمام، كأثر أبي ليلى: «من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة»، وأثر سعد بن أبي وقاص: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة»، وأثر عبد الله بن مسعود: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه نتناً»، وفي رواية: «رضفاً»، أي: حجارةً محمّاة. 

وبيّن البخاري رحمه الله أن هذه الآثار لا تثبت؛ لكونها مراسيل ومنقطعات لا تقوم بها الحجة، ثم ناقشها من جهة المعنى أيضاً، فقال: «وليس هذا -يعني المذكور من كلام أبي ليلى وسعد وابن مسعود- من كلام أهل العلم؛ لوجوه:

أحدها: قول النبي ﷺ: «لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بالنار، ولا تعذبوا بعذاب الله». 

وثانيها: أنه لا ينبغي لأحد أن يتمنى أن يملأ أفواه أصحاب النبي -ﷺ -مثل عمر بن الخطاب وأبي بن كعب وحذيفة ومن ذكرنا رضفاً ولا نتناً ولا تراباً. 

والثالث: إذا ثبت الخبر عن رسول الله ﷺ وأصحابه، فليس في الأسود ونحوه حجة. ثم نقل عن ابن عباس ومجاهد قولهما: «ليس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ».

وقد استفتح الإمام البخاري جزأه هذا بـ (باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، وأدنى ما يجزئ من القراءة) بتقرير أصل المسألة، فقال: «وتواتر الخبر عن رسول الله ﷺ أنه لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن». ثم أسند ذلك من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وفي رواية: «بأم القرآن».

وروى أيضاً عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ صلى صلاةً جهر فيها بالقراءة، فقرأ رجل خلفه، فقال: «لا يقرأن أحدكم والإمام يقرأ إلا بأم القرآن». 

وقد عضّد البخاري هذا المعنى بشواهد متعددة من حديث أبي هريرة، وعائشة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعاوية بن الحكم السلمي، وخلاد بن رافع الزرقي، وعبد الله بن مغفل، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج». ومن حديث عائشة رضي الله عنها: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج». ثم نقل البخاري عن أبي عبيد قوله: «يقال: أخدجت الناقة إذا أسقطت، والسقط ميت لا ينتفع به»، مبيناً معنى لفظ «خداج».

ومن الأحاديث التي أوردها أيضاً حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «تقرؤون خلفي؟» قالوا: نعم، قال: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن». وكذلك حديث أبي الدرداء رضي الله عنه حين سُئل النبي ﷺ: «أفي كل صلاة قراءة؟» فقال: «نعم».

وأورد كذلك حديث خلاد بن رافع الزرقي في قصة المسيء صلاته، وفيه قوله ﷺ: «ابدأ فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اركع حتى يطمئن صلبك».

ثم ذكر آثاراً عن جماعة من الصحابة في إثبات القراءة، منهم: عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مغفل رضي الله عنهم.

وأشار إلى اضطراب الرواية عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما -التي رويا فيها القراءة خلف الإمام وعدمها-، ثم نقل أقوال جماعة من التابعين والأئمة، كالزهري، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، في تقرير القراءة خلف الإمام.

فقه الإمام البخاري في المسألة

لم يقتصر الإمام البخاري على سوق الأحاديث والآثار، بل ناقش أدلة المخالفين مناقشةً حديثية وفقهية دقيقة. فقال في الرد على من احتج بحديث: «لا صلاة» وقال: لم يقل النبي ﷺ: «لا تجزئ»؛ قال البخاري: «إن الخبر إذا جاء عن النبي ﷺ، فحكمه على اسمه وعلى الجملة حتى يجيء بيانه عن النبي ﷺ».

وناقش الاستدلال بقوله تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204]، فقال: إن من أوجب الثناء حال قراءة الإمام -مع كونه عنده تطوعاً- ثم أسقط القراءة الواجبة، فقد فرّق بين ما جمعه الشرع، وجعل الفريضة أخف حالاً من النافلة.

كما ناقش حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، وبيّن أنه لا يثبت عند أهل العلم؛ لما فيه من الإرسال والانقطاع، ثم قال: «ولو ثبت الخبران كلاهما؛ لكان هذا مستثنى من الأول لقوله: لا يقرأن إلا بأم الكتاب».

ثم ناقش دعوى أن آية الإنصات تمنع القراءة مطلقاً خلف الإمام، ونقل عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن الآية نزلت في الخطبة يوم الجمعة، لا في القراءة في الصلاة. واستدل كذلك بحديث: «إذا أتيتم الصلاة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا»، فقال: «فمن فاته فرض القراءة والقيام فعليه إتمامه كما أمر النبي ﷺ».

ثم ناقش قول من زعم أن الفاتحة لا تجب في كل ركعة، واستدل بحديث المسيء صلاته، حيث بيّن النبي ﷺ له صفة كل ركعة، وفيها القراءة والركوع والسجود.

وأورد في الباب الثاني من هذا الجزء (باب هل يقرأ بأكثر من فاتحة الكتاب خلف الإمام) حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلاً قرأ خلف النبي ﷺ: {سبح اسم ربك الأعلى}، فلما انصرف قال: «قد عرفت أن رجلاً خالجنيها».

وكذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال بعد صلاة جهر فيها بالقراءة: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: أنا، فقال: «إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟».

ثم نقل عن الزهري قوله: «فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سراً فيما لا يجهر فيه الإمام».

______________________________________

تحقیق الامام السبکی فی القراءة خلف الإمام

الإمام تقى الدين السبكى فى سطور:

هو العلامة تقى الدين على بن عبدالكافى - السُّبكى (بضم السين) المصرى ولد سنة ٦٨٣ه. وتوفى بالقاهره سنة ٧٥٦ه. عن ثلاث وتسعين سنة، فقيه كبير للشافعية فى أوانه وقاضى القضاة. له تصانيف كثيرة منتشرة كثير الفائدة وما زال فى مدة القضاء يصنف ويكتب الى حين وفاته وكان كثير التلاوة وكان يقوم الليل (البداية والنهاية ٢٥٢/١٤). 

وذكر تأليفاته إسماعيل باشا البغدادى فى هدية العارفين، ٧٢٠/١-٧٢٢.

قال الحافظ فى فتح البارى (شرح باب ما أدركتم فصلوا وما فاتکم فأتموا، قاله أبو قتادة عن النبی ﷺ) واستدل به على أن من أدرك الامام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته لأنه فاته الوقوف والقراءة فيه- وهو قول أبى هريرة -حكاه البخارى فى "القراءة خلف الامام" عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والضبعى وغيرها من محدثى الشافعية، وقوّاه الشيخ تقى الدين السبكى من المتأخرين والله اعلم- انتهى.

وهاك ماکتبه الإمام السُّبكي حول هذه المسألة

قال الشيخ الإمام رضى الله عنه: الحمد لله الذى منَّ عليناً برسوله، وهدانا لاتباع سبيله وبيّن لنا معالم الكتاب والسنة، وأوضح لنا بها طريقاً الى الجنة بحمده، وهو المحمود على ما حكم وقضى، ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توحيد تضمحل عنده شبه التشبيه والتعطيل، وأشهد أن محمداً عبده الهادى الى سواء السبيل، ﷺ وشمل أصحابه بالرضوان وعمم. وبعد:

فإن أهم أمور المسلمين لصلاةٌ يجب على كل مسلم الاهتمام بها والمحافظة على أدائها وإقامة شعارها، وفيها أمور مجمع عليها لا مندوحة عن الإتيان بها، وأمور اختلف العلماء فى وجوبها، وطريق الرشاد فى ذلك أمران: إما أن يتحرى الخروج من الخلاف -إن أمكن-، وإما أن ينظر ماصح عن النبى ﷺ فيتمسك به؛ فاذا فعل ذلك كانت صلاته صواباً صالحة داخلة فى قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحاً). 

وإن مما اجتمع فيه هذان الأمران قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام؛ فإنه إذا فعل ذلك صحت صلاته بلا خلاف، فإن ابن عبد البر نقل إجماع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام الفاتحة فصلاته تامة ولا إعادة عليه، وكفى بهذا ترجيحاً لمن يقصد الاحتياط لصحة صلاته، فإنه إذا ترك القراءة خلف الإمام اختلف العلماء هل صلاته صحيحة أم باطلة فى السرية والجهرية معاً.

وقد رويت آثار كثيرة فى القراءة خلف الامام فى السرية والجهرية معاً عن الصحابة والتابعين، وآثار أخرى فى السرية والجهرية، وأما الآثار فى تركها فى السرية والجهرية فقليلة، ومن أراد الوقوف على آثار الصحابة والتابعين فى ذلك فليطالع كتاب القراءة خلف الإمام للبخارى، ولو سلمنا صحة الآثار فى تركها فى السرية والجهرية ومساواتها للآثار الأخرى فهى معارضة بها، وحينئذ نرجع الى رسول الله ﷺ الذی کان کلامة کله شفاء وهدی -بأبی هو وأمی- فما أحسن ما قال ابن عباس رضی الله عنه: (لیس أحد بعد النبی ﷺ إلا ویؤخذ من قوله ويترك إلا النبى ﷺ) وأخذ هذه الكلمة من ابن عباس مجاهد وأخذها منهما مالك رضی الله عنه واشتهرت عنه، ووجدنا الدليل الصحيح من السنة والنظر يقتضى وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام..

أما السنة فما روى عبادة بن الصامت أن النبى ﷺ قرأ فى صلاة الصبح فثقلت عليه القراءة؛ فلما فرغ قال: لعلكم تقرءون وراء إمامكم؟ قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأبها. رواه أبو داود والترمذى والدارقطنى والبیهقي، وقال الترمذی: حدیث حسن ، وقال الدارقطنی: إسناده حسن، وقال الخطابي: إسناده جيد لا مطعن فيه، وقال البيهقي: صحيح. 

قلت: وغاية ما اعترض به المخالفون علی هذا الحدیث أنه من رواية ابن إسحق وهو مدلس، وجوابه من وجهين: 

أحدهما: أن الدارقطني والبيهقي روياه بإسنادهما عن ابن إسحق، قال: حدثنى مكحول بهذا فذكره، قال الدارقطني فى إسناده: هذا إسناد حسن.

 الثانى: أن البخاري -فى كتاب القراءة- روى هذا الحديث عن هشام عن صدقة بن خالد عن زید بن واقد عن حزام بن حکیم ومکحول، فهذا إسناد صحيح إلى مكحول ليس فيه ابن إسحق بالكلية ولا من فيه مطعن، ولفظ حديثه عن أبى ربيعة عن عبادة صلى بنا النبى ﷺ بعض الصلوات التى يجهر فيها بالقرآن؛ فقال: (لا يقرأن أحدكم اذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)، وهذا نص صريح -هو والذى قبله -يدفع جميع شبه المخالفين؛ لوجوهٍ:

منها: تصريحه بالجهرية، وإذا ثبت ذلك فى الجهرية فالسرية أولى، ومنها: تصريحه بأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، وهو يدل فى هذا السياق على القطع بدخول المأموم فى ذلك، ومنها: أن جميع أدلة المخالفين إذا دلت؛ فهي عمومات ليس فيها قط نص خاص أن المأموم يترك القاتحة فى جميع الركعة، بل هى عامة فى المقروء فى محله، وأدلتنا خاصة؛ فيجمع بينها ويجعل المراد: أنه لا يقرأ مازاد على الفاتحة.

وأما الاستدلال بقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا). وقوله ﷺ: (وإذا قرأ فأنصتوا)؛ فهو من الأدلة العامة والجمع بينها بما تقدم، وأيضاً فإن للإمام سكتات إذا أمكن المأموم قراءة الفاتحة فيهن كان أولى ليجمع بين الاستماع والقراءة جمعاً بين الأدلة، ولهذا قال سعيد بن جبير: إنهم قد أحدثوا ما لم يكن يصنعونه -يعنى من ترك هذه السكتات -فإن تهيأ له ذلك، وكان للإمام سكوت فلا يعارض، وإن لم يتفق فيبقى البحث المتقدم وهو أن الآية عامة ودليلنا خاص فيجمع بينهما، وأيضاً: فإنا اتفقنا على أن الامر بالفاتحة فى الصلوات للوجوب والأمر بالاستماع والانصات ليس فى رتبته؛ فلو تحقق التعارض لكان تقديم ما اتفق على وجوبه أولى، هذا مع أن العلماء اختلفوا فى تفسيرها فقال جماعة: أنهم كانو يتكلمون فى الصلاة فنزلت، وعلى هذا يكون المراد بها المنع من كلام الآدميين لا من قراءة القرآن، وكيف يقال: إن من قرأ القرآن يمتنع على غيره أن يقرأ القرآن أيضاً، وتهويل المخالف بها قيل من الإجماع على أنها نزلت فى الصلاة -إن صح- لا ينافى ذلك، ولو سلمنا أن المراد الأمر بالانصات عند القراءة فهو عام يُحمل على الزائد عن القراءة خلف الامام؛ فأما من رأى القراءة فإن أبا هريرة قال: إقرأ بها فیى نفسك. 

قلتُ: وروی عن عائشة وأبی سعید: لا يرکع احدکم حتی يقرأ بأم القرآن، وممن ذهب إلى أنها لا تسقط عن المسبوق ويحتاج إلى أن يأتى بخامسة بعد أن يركع مع الإمام الركوع الذى أدركه أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة وأبو بكر أحمد بن إسحق الضبعي، وكلاهما من أصحابنا، وكأنهما جمعا بذلك بين الدليل المقتضي لوجوب الفاتحة فى كل ركعة، وبين قوله: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، وهو أقوى المذاهب دليلاً، وجمهور الشافعية القائلين بوجوب الفاتحة- قالوا: بسقوطها عن المسبوق إذا أدرك الركوع، ويعتد له بتلك الركعة، وكأنهم حملوا قوله: (لا تُعد) الإحرام دون الصف- مع كون المراد به التنزيه عندهم، فإن صح ذلك مع ما ورد: (من أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)؛ كان ذلك مخصصاً للدليل الدال على قراءة الفاتحة للمأموم فى كل ركعة، ويبقى فيما عدا هذه الصورة على مقتضى الدليل، وإن لم يصح اتجه مذهب الموجبين لقراءة الفاتحة على المسبوق، وعلى كل تقدير فالقراءة للمأموم في غير هذه الحالة لا مرية فيها. 

واعلم أن ما من أحد من الصحابة والتابعين نقل عنه ترك القراءة خلف الامام فىالسرية والجهرية معاً، إلا اختلف عليه فروى عنه ضد ذلك حتى أن ابن عبد البر استثنى من ذلك جابر بن عبد الله ظاناً أنه لم يختلف عليه فى ترك القراءة، ووجدت أنا النقل عنه بخلاف ذلك، وقصدت أن أثبت فى هذا الموضع الآثار فى ذلك وأذكر العدد الكثير الذين قالوا بالقراءة، ثم تركته لما أشرت اليه أولاً من الاعتماد على الأدلة الصحيحة الراجحة، والخروج من اختلاف العلماء.

وغاية ما فى الباب أنه إذا قرأ أن يكون قد ارتكب مكروهاً- عند بعضهم -مع صحتها عند جميعهم، وإذا ترك القراءة كان قد فعل مستحباً عند بعضهم وحراماً مبطلاً عند الباقين، ولا شك أن الأول أولى أو لم يظهر لنا وجه الدليل؛ فكيف وقد ظهر وإن ذلك هو الحق الذى لا معارض له أو يساويه أو يدانيه لمن أنصف واستعمل الأدلة على قواعد العلم المستقيمة.

نسأل الله ان يجعلنا ممن يطلب العلم ابتغاء وجهه، ويوفقنا للعمل الصالح، ويسدد أقوالنا وأفعالنا ويخاص نياتنا ويرزقنا حسن الخاتمة فى خير وعافية بلا محنة، ويجمع بيننا وبين نبينا محمد ﷺ فى دار كرامته ومن يحبه، كتبه على بن عبد الكافى السيكى فى يوم السبت ثالث عشر جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمنزلنا بالقسم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

________________________________________

أقوال ابن القيّم في "الهدي النبوي" في مسألة الجهر بالبسملة خلف الإمام

(1/ 199 -200): وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها.. ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس مرات أبداً، حضراً وسفراً، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلدا ضخماً.

(1/ 240) وكان هديه .. الإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يسمع الصحابة الآية فيها أحيانا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها أحياناً.

(1/ 266): فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على قنوت الفجر، ولا الجهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي وأفضله، والله المستعان.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق