أصول الحركات السياسية في قطاع غزة
(1948 - 1967)
د. زياد أبو عمرو
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تُعدّ الفترة الممتدة بين عامي 1948 و1967، والتي عُرفت تاريخياً بفترة "الإدارة المصرية" لقطاع غزة، من أكثر المراحل حساسيةً وثراءً وتعقيداً في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر؛ إذ لم يكن القطاع في تلك الحقبة مجرد مساحة جغرافية مكتظة باللاجئين والحرمان، بل تحوّل إلى ساحةٍ مركزية لإعادة تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني بعد الصدمة الكبرى التي أحدثتها النكبة. ففي ظل انهيار البنية السياسية والاجتماعية لفلسطين التاريخية، وغياب الكيان الوطني المستقل، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام ضرورة إنتاج أدوات جديدة للبقاء السياسي والفكري، فكانت غزة ـ بما حملته من كثافة بشرية، وفقر، واحتقان، وقرب مباشر من خطوط الاشتباك ـ بيئةً خصبةً لنشوء الحركات والتنظيمات التي ستقود لاحقاً المشروع الوطني الفلسطيني بأشكاله المختلفة.
ولم تكن هذه الحركات مجرد أطر حزبية تقليدية، بل كانت انعكاساً لمحاولات الفلسطينيين استعادة المبادرة التاريخية بعد أن تحولت قضيتهم، في أعقاب النكبة، إلى ملف تتنازعه الأنظمة العربية والمشاريع الدولية. فبين الخطاب القومي العربي، والرؤية الإسلامية، والتنظير اليساري الأممي، والنزعة الوطنية الفلسطينية المستقلة، تشكلت ملامح الجدل السياسي الفلسطيني المبكر، وهو جدل لم يكن فكرياً خالصاً، بل ارتبط بالصراع على تمثيل الشعب الفلسطيني، وعلى تحديد طبيعة المعركة وأدواتها وأولوياتها. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الدكتور زياد أبو عمرو، التي تتبعت "الأصول" الأولى للحركات السياسية في قطاع غزة، كاشفةً عن البيئة الاجتماعية والفكرية التي أنجبت تلك التنظيمات، وعن كيفية انتقالها من النشاط المحدود إلى الفعل السياسي المنظم الذي مهد لانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة.
ويتناول الكتاب خمس قوى فكرية وثورية رئيسة شكّلت البنية الأولى للحياة السياسية في القطاع، وهي: الحزب الشيوعي، وجماعة الإخوان المسلمين، وحركة فتح، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب. وقد عرض المؤلف للسياقات التاريخية التي أفرزت هذه الحركات، والظروف الاجتماعية والسياسية التي ساعدت على تمددها، كما درس الأصول الطبقية والاجتماعية لمؤسسيها وأعضائها، وطبيعة تطورها خلال الفترة الممتدة بين النكبة والنكسة. ولم يقتصر الكتاب على السرد التاريخي، بل كشف كذلك عن المواقف السياسية والأيديولوجية التي تبنتها تلك القوى، والعلاقات المعقدة التي جمعتها، وما بينها من تلاقٍ وافتراق، ضمن إطار وطني عام فرضته ضرورات القضية الفلسطينية نفسها.
غير أن القراءة المتأنية لهذه التجربة تُظهر أن تلك الحركات، رغم ما قدمته من تضحيات وأدوار تأسيسية، لم تكن بمنأى عن التناقضات الحادة التي أضعفت العمل الوطني الفلسطيني في مراحل كثيرة. فقد وقعت بعض التنظيمات في أسر التبعية الفكرية للمراكز الإقليمية أو العقائدية الكبرى، حتى بدا أحياناً أن الصراع الأيديولوجي يتقدم على الصراع مع الاحتلال ذاته. فالقوميون ربطوا فلسطين بمشروع الوحدة العربية الشاملة، واليساريون أخضعوها لتحليلات الصراع الطبقي والأممي، بينما تعامل بعض الإسلاميين معها باعتبارها جزءاً من مشروع النهضة الإسلامية العامة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى تأجيل بناء القرار الوطني الفلسطيني المستقل. كما أن الأنظمة العربية، التي رفعت شعارات التحرير، لم تكن دائماً معنية بقيام حركة فلسطينية مستقلة وقوية، بل سعت بعض هذه الأنظمة إلى احتواء التنظيمات الفلسطينية أو توظيفها ضمن حساباتها الإقليمية، وهو ما جعل الساحة الفلسطينية عرضةً للتجاذبات والانقسامات المبكرة.
ومع ذلك، فقد استطاعت هذه الحركات أن تؤسس لحالة سياسية واجتماعية تجاوزت حدود العمل الحزبي الضيق؛ إذ اعتمدت في بداياتها على التغلغل النخبوي والشعبي عبر النقابات والجامعات والمدارس، مستفيدةً من وجود مؤسسات وكالة الغوث (الأونروا) بوصفها فضاءات أقل خضوعاً للرقابة الأمنية المباشرة. ثم تطورت أدواتها من النشاط الدعوي والسياسي السري إلى تشكيل مجموعات الفداء والمقاومة الشعبية، الأمر الذي حوّل القطاع من مجرد مخيم كبير للاجئين إلى مركز ثقل نضالي وسياسي. وقد أفرز هذا الحراك جيلاً من الكوادر القيادية التي لعبت لاحقاً أدواراً محورية في قيادة منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية المختلفة، بما حافظ على استمرارية القضية الفلسطينية ومنعها من الذوبان في المحيط العربي أو التحول إلى مجرد قضية إغاثية وإنسانية.
وتجلت أهمية هذه المرحلة كذلك في قدرة القوى الفلسطينية، رغم اختلافاتها العميقة، على صهر تناقضاتها داخل إطار المصلحة الوطنية عند المنعطفات المصيرية؛ فكانت مواجهة مشاريع التوطين في الخمسينيات نموذجاً مبكراً للوحدة الميدانية العابرة للأيديولوجيات. كما أن التنافس بين التيارات القومية والوطنية والإسلامية، على حدته أحياناً، أسهم في إثراء الفكر السياسي الفلسطيني وتعدد أدواته النضالية، وهو ما منح القضية الفلسطينية قدراً من المرونة السياسية حال دون ارتهانها الكامل لمحور واحد أو مشروع إقليمي بعينه.
ولعل الأثر الأبرز لهذه الحركات تمثل في نجاحها في إعادة تعريف القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني لشعب يمتلك إرادة سياسية وهوية مستقلة، لا مجرد أزمة لاجئين أو نزاع حدودي بين دول عربية وإسرائيل. فقد أسهمت هذه التنظيمات في تثبيت مفهوم الشخصية الوطنية الفلسطينية، ومنعت تذويب الفلسطينيين داخل البنى الإدارية للدول المضيفة، كما أرست الأسس الفكرية والتنظيمية للكفاح الوطني بأشكاله المختلفة، بما في ذلك الكفاح المسلح الذي أصبح لاحقاً العنوان الأبرز للحركة الوطنية الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين.
_____________________________________
خاتمة
وفي سياق تقيم التجربة السياسية في قطاع غزة، لاحظنا أن هذه الحركات رغم ما واجهته من عراقيل وصعوبات في بداياتها ونشأتها، إلا أنها أفلحت في إفشال كل المحاولات االهادفة إلى تذويب القضية الوطنية (كمشروع التوطين، ومشروع التدويل)، كما نجح بعضها في الحفاظ على القضية الفلسطينية ككقضية شعب ووطن، وليس مجرد مسألة لاجئين!
وكانت هذه الحركات الخمس هي النواة التي ساهمت فيما بعد في ظهور وبروز حركات وطنية أكثر حضوراً، وتعبيراً عن آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني.
كما أن بعض هذه الحركات حافظت على الشخصية الوطنية داخل ما تبقى من أجزاء الوطن.
أما أهم ما يُميز الحركات السياسية في القطاع إجمالاً -من وجهة نظر المؤلف؛ فهو كما يلي:
(1) الضعف النسبي بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والانقطاع بين الأجزاء المتفرقة من الوطن.
(2) بعض قيادات هذه الحركات اضطر للسفر إلى الخارج بحثاً عن الرزق، كما خرج آخرون هرباً من الملاحقة والتصفية في فترة الحكم المصري.
(3) شكل عبد الناصر في فترة الإدارة المصرية للقطاع تحدياً كبيراً، ساهم في إضعاف الحركات السياسية، لأنه كان مُنافساً قويّاً لها على صعيد كسب ولاء الجماهير.
(4) كان لبعض الشخصيات الوطنية دوراً أقوى من بعض التنظيمات السياسية؛ لأن الجذور التنظيمية لم تنضج ولم تتطور بالشكل الكافي والمطلوب بعد.
(5) كانت نواة هذه التنظيمات معظمها يتشكل في الجامعات، والكليات، ومجالس الطلاب. وخصوصاً في الجامعات المصرية، وبالتحديد في جامعة القاهرة على وجه الخصوص، وكان للطلاب الدور البارز في إنشائها، وتشكيل قادتها، وإرفادها بالقواعد المنبثقة عنها، وهذا ينطيق على حركة القوميين العرب، والبعث، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".
(6) وفّرت الجامعات المصرية فرصاً للالتقاء والاتصال بين هذه الحركات السياسية والأطر الطلابية التي مثّلت هذه التنظيمات.
(7) تشكلت قيادات تلك الحركات من أصول اجتماعية متباينة، مع تفاوت كبير في المستويات الاقتصادية، بين القيادات نفسها، وبينها وبين القواعد الطلابية، فكان كثير من تلك القيادات ينتمي إلى صفوف النُّخبة، بينما الأعضاء يجيئون من أصول اجتماعية واقتصادية متواضعة (أبناء مخيمات -فقراء المدن والريف).
()8 لعبت العائلات دوراً كبيراً في مجال الاستقطاب لتلك الحركات والأحزاب السياسية، فشكلت العائلة او مجموعة الإخوة وأبناء العم طريقاً للانتماء إلى التنظيم الواحد، ومع ذلك لم تأخذ تلك التنظيمات طابعاً عشائرياً أو قبلياً، وعلى سبيل المثال: الإخوة سميرووفا الصايغ من حزب البعث.
(9) تأثير الأيدلوحيا على الانتماء لهذه الأحزاب، فلم يكن هناك مجالٌ لانضواء المسيحيين مثلاً داخل القطاع إلى تنظيم الإخوان المسلمين أو حركة فتح.
(10) كانت المركزية الفكرية لهذه الأحزاب -تتمحور في ثلاث طرق: (القوميين = حزب البعث)، و(الأمميين =الحزب الاشتراكي)، و(الإسلاميين =الإخوان وفتح).
(11) يلاحظ وجود عدد كبير من قادة ورواد الحركات السياسية في القطاع كانوا يعملون في وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وقد وفّر هذا العمل في الوكالة أجواءً أكثر بعداً عن الرقابة المباشرة لسلطات الإدارة المصرية، ووفر كذلك نوعاً من الحريات لممارسة النشاط الحزبي والسياسي.
(12) تركّز ثقل التنظيمات السياسية في مدينة غزة وتوزعت على سائر مناطق القطاع، وبالنسبة لحزب البعث فقد كان مركزه الرئيس في منطقة الوسطى، بينما تركزت حركة القوميين العرب في شمال القطاع.
(13) تأثرت بعض التنظيمات السياسية بالحركات القومية في العالم كالشيوعية والإخوان، وذلك لوجود دعم وإرشاد خارجي، بينما حافظت الحركات الأخرى على وطنيتها كفتح، أو قوميتها كحزب البعث، دون تغيير أو تأث بالأفكار الأخرى.
(14) تعرضت بعض الحركات السياسية في القطاع إلى القمع والسجن من قبل السلطات المصرية، وكان للشيوعيين نصيب الأسد في ذلك، ثم تلاهم الإخوان المسلمين، والذين ساءت علاقتهم بالنظام المصري بعد العام 1954، وكذلك حركة فتح كانت علاقتها سلبية بالنظام المصري.
(15) ساهم وجود التنظيمات في بعض النقابات العاملة في القطاع في إتاحة الظروف الملائمة لتشكيل قاعدة شعبية كبيرة، ومن ذلك فوز الإخوان في انتخابات نقابة العاملين في مدارس وكالة الغوث.
(16) يلاحظ أن حركة فتح هي التنظيم السياسي الوحيد الذي ارتبط تأسيسه ووجوده بالقضية الوطنية، بخلاف التنظيمات الأخرى التي لها امتدادات خارجية، وربما ساهم هذا الأمر -مع عوامل أخرى -في النجاح الملحوظ الذي حظيت به هذه الحركة بعد عام 1967، بالمقارنة مع الحركات السياسية الأخرى.
(17) نشأت بعض التحالفات بين هذه التنظيمات، مثل "الجبهة الوطنية"، و"جبهة المقاومة الشعبية"، وغيرها من التحالفات السرية والعلنية، وقد أثبتت مثل هذه التحالفات إمكان إيجاد أرضية مشتركة لممارسة العمل الوطني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق