أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 10 أغسطس 2026

شيخ الإسلام الدكتور عبد الحليم محمود محمد خالد ثابت بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

شيخ الإسلام الدكتور عبد الحليم محمود

محمد خالد ثابت

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: عند النظر في سيرة الشيخ عبد الحليم محمود، تراه العالم الفريد الذي أقام مجده في أروقة الأزهر، والصوفي الزاهد الذي انصرف عن الدنيا إلى خلوته، والعبقري المفكر الذي لم يكتفِ بالنظر والتنظير؛ فترى فيه الشخصيةً الجامعة بين العلم والعمل، وبين الشريعة والحقيقة، وبين صفاء الروح وقوة المواقف. 

نشأ الشيخ عبد الحليم محمود في رحاب القرآن والسنة، وتشرب آداب التصوف في مساجد قريته، حتى غدت تلك المعاني سلوكًا حيًّا في حياته قبل أن تكون أقوالًا في كتبه؛ فكان قليل الكلام، كثير الذكر والتأمل، عفيف اللسان، محبًّا للصالحين، متواضعًا في مجلسه، مهيبًا في حضوره، فإذا نطق بعد صمتٍ طويل جاء كلامه فصلًا في موضعه، جزيلًا في لفظه، محكمًا في حجته كما روى ذلك الكثيرون عنه. 

وفي مواطن الشدة كانت تتجلى حقيقة معدنه ورباطة جأشه وثباته مع الحق؛ فترى فيه العزيمة التي لا تلين، والرأي النافذ، والصبر الجميل، والأناة الراسخة، والطمأنينة التي لا يزعزعها اضطراب الأحداث ولا يثنيها شدة المواقف.

لقد اجتمعت في شخصية الشيخ عبد الحليم محمود خصال العالم المربي والمفكر المجاهد؛ فلم يكن يرى العلم ترفًا فكرياً، ولا التصوف انقطاعًا عن واقع الناس، بل كان أسلوبه وطريقته ربط العلم بالتربية، والمعرفة بالعمل، والإيمان بإصلاح الحياة. 

كما كان يتابع أحوال الدعاة والوعاظ في القرى والبلدات والمدن، فيشجع المخلصين منهم، وينبه المقصرين بالحكمة والأدب والموعظة، ويؤكد أن مقام المشيخة والتصدر للدعوة ليس وجاهةً ولا طلبًا للاتباع، وإنما هو أمانة ورسالة. ومن هنا جاءت عنايته بالتراث الروحي للصالحين، فكان يحرص على زيارتهم أحياءً وأمواتًا، بالإضافة إلى دراسته لآثارهم العلمية والسلوكية، وإيمانه بأن الكرامة لا تناقض العلم ولا العقل، ما دامت تُفهم في إطار الإيمان بقدرة الله، لا في إطار الوهم والخرافة

وكان تصوف الشيخ عبد الحليم محمود تصوفًا حيًّا سُنيّاً قريباً، يزكي النفس، ويهذب السلوك، ويدفع صاحبه إلى خدمة الناس والدفاع عن الحق، وهذا هو التصوف المحمود الذي دعا إليه كبار العلماء والزهاد في القرون الخالية والعصر الحديث.

ولم يقف مشروع الشيخ عبد الحليم الإصلاحي عند إصلاح الفرد، بل تجاوزه إلى إصلاح المجتمع والأمة، إذ كان يرى أن الحضارة لا تستقيم بمادتها وحدها، كما لا تنهض بالروح وحدها؛ وإنما تحتاج إلى قوة مادية يسندها إيمان، وعلم يقوده خلق، وتشريع يحفظ للإنسان دينه ونفسه وماله وعرضه. 

ومن هنا نظر الشيخ  إلى الحضارة الحديثة نظرة الناقد البصير؛ فلم يدعُ إلى رفضها جملة، ولا إلى الارتماء في أحضانها بلا تمييز، وإنما دعا إلى الإفادة من منجزاتها المادية القائمة على الملاحظة والتجربة، مع الحفاظ على المرجعية الإسلامية في العقيدة والأخلاق والتشريع. 

وكان يؤكد أن المسلمين ليسوا غرباء عن النهضة العلمية الحديثة، وأن كثيرًا من مناهجها وأصولها العلمية امتداد لما أسسه علماء المسلمين في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، وأن تأخر المسلمين في هذا الميدان لم يكن بسبب الإسلام، وإنما بسبب الخمول والجمود والانقطاع عن روح الرسالة.

ومن أجل ذلك كان حديثه عن الشريعة حديثًا عن استعادة الأمة لميزانها الدقيق، وعن عودة المسلم إلى ذاته الحضارية (التي أسسها القرآن)، لا إلى ماضيه هروبًا من حاضره، وإنما يعود إلى أصوله ليستأنف منها طريق البناء. ولذا دعا إلى القوة المادية، وعدها واجباً من واجبات الشرع، كما عدّ العلم رسالة المسلم إلى العالم، كما أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، والتشريع لا يقوم على أهواء البشر المتغيرة، وإنما يستمد ثباته من الوحي، ودعا إلى ترك العنان لاجتهادات العقول في الاستفادة من الوسائل الحياتية الحديثة في ضوء المقاصد والمبادئ الإسلامية الرفيعة. 

وحين عاد الإمام عبد الحليم محمود إلى ربه بعد حياة حافلة بالعلم والدعوة والزهد والجهاد، خرج من الدنيا كما دخلها، خفيفًا من أثقالها، تاركًا وراءه تراثًا علميًّا وروحيًّا وفكريًّا واسعًا، وسيرةً بقيت شاهدًا على عالم لم يفصل بين العلم والإيمان، ولا بين التصوف والإصلاح، ولا بين محبة الله وخدمة خلقه. 

ومن هنا تأتي أهمية الوقوف على سيرته وفكره؛ باعتبارها تجربةً إنسانية وفكرية ما تزال قادرة على إثارة السؤال: كيف يستعيد المسلم توازنه بين روحٍ تهديه، وعقلٍ يبني، وشريعةٍ تضبط، وحضارةٍ يصنعها ولا تستعبده؟

وفيما يلي عرض موجز لأهم فصول الكتاب، وفي خاتمة المقال فهرسة الكتاب أيضاً:

_________________________________________________

يتناول الفصل الأول سيرة الشيخ عبد الحليم محمود بوصفه واحدًا من أبرز علماء الإسلام في العصر الحديث، ويقدمه الكاتب نموذجًا للعالم الرباني الذي جمع بين العلم والعمل والتجرد لله تعالى. ويؤكد أن السنوات الخمس التي قضاها شيخًا للأزهر كانت كافية لإبراز إخلاصه، إذ «لم يدخر من طاقته طاقة.. ولا من وقته وقتًا.. ولا من ماله مالًا.. إلا بذله كله لله»، وابتعد بالمنصب عن المصالح الدنيوية، وانشغل بقضايا المسلمين وآمالهم، حتى «اجتمعت حوله القلوب»، ورأى الكاتب أن سر هذه الشخصية يعود إلى «التربية الصوفية الصحيحة، التى ترفع أهلها إلى مراتب الربانيين».

وُلد الشيخ عبد الحليم محمود سنة 1910م في قرية السلام ببلبيس في أسرة شريفة متدينة، وكان والده حريصًا على تربيته الدينية، وقد وصف الشيخ أجواء أسرته بقوله: «نشأت فى أسرة تتسم - فى الظاهر والباطن - بالتدين، وكان والدى رحمه الله يفرض جو التدين فى إرادة لا تلين». كما أشاد بأمه التي «وهبت حياتها فى سماحة لوالدى، ولأبنائها»، وكانت تعطف على الفقراء والمساكين وتواسيهم بالطعام والكسوة. 

وحفظ الإمام القرآن الكريم في سن مبكرة، وظلت ذكرى ختمه للقرآن حاضرة في نفسه، فقال: «كان يومًا مشهودًا ذلك اليوم الذي ختمت فيه القرآن الكريم»، واصفًا فرح والده وأهل البيت واحتفالهم بالذكر وشكر الله.

ثم انتقل إلى الأزهر، حيث تلقى علومه على أيدي عدد من كبار العلماء، ولفت نظره ارتباط العلم بالمسجد، فدعا إلى إحياء هذا النموذج، قائلًا: «ويجب أن نحييها من جديد ونعود إليها، فإنه فرق هائل بين أن تدرس تفسير القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف والفقه فى المسجد، وأن تدرس ذلك فى غرفة فى مبنى لا يشع منه ما يشع فى المسجد من نور الإيمان وجلال المكان وعبير العبادة». 

كما أثنى على أساتذته، وخصوصًا لما اتصفوا به من الجد والاجتهاد، فقال: «كانوا يمتازون بالجد فى تحصيل العلم، وما من شك فى أنهم لم يضيعوا وقتًا فى اللغو، وإنما سهروا الليالى فى تحصيل العلم»، وكان من الشخصيات العلمية التي تأثر بها: أحمد محمد الغمراوي، ومحمد الخضر حسين، ومحمد فريد وجدي.

وتكشف سيرته المبكرة كذلك عن نشأته الاجتماعية المحافظة؛ فقد تزوج في سن الثالثة عشرة، وروى تفاصيل زواجه المبكر، ثم عبّر عن نظرته إليه بوصفه وسيلة للعفة، فقال: «إنه عصمة وعفة»، محذرًا من مخاطر تأخير الزواج، ومؤكدًا أن المسألة تتصل بحفظ الأخلاق وصيانة الشباب. 

وبعد حصوله على العالمية، كان والده يتطلع إلى أن يصبح مدرسًا بالأزهر، غير أن عبد الحليم اختار السفر إلى فرنسا لاستكمال دراسته، فذهب إلى جامعة السوربون ودرس علم النفس والاجتماع وتاريخ الأديان، ثم تخصص في التصوف الإسلامي، وحصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عن الحارث بن أسد المحاسبي.

وكانت سنواته في فرنسا اختبارًا حقيقيًا لثباته الديني؛ فقد عاش في بيئة مختلفة ثقافيًا وأخلاقيًا، لكنه ظل متمسكًا بقيمه، ولم ينخدع بالمظاهر الحضارية، بل كان ينظر إليها من منظور الإسلام. ويقول عنه الدكتور رؤوف شلبي إنه خرج من مصر «محصنًا عفيفًا، عالمًا معتزًا بأزهره»، بينما يروي الشيخ نفسه أنه رفض أن يتعلم الفرنسية على يد فتاة في غرفته حفاظًا على عفته، واختار بدلًا من ذلك الالتحاق بمدرسة ليلية. 

ويعزو ثباته إلى عون الله، فيقول: «ولولا عون من الله سبحانه - وتوفيق منه - لصرت كواحد من الآلاف الذين يدرسون فى الجامعات الأوروبية ثم يخرجون منها وقد تحطمت فى نفوسهم المثل الدينية الكريمة».

كما انتقد الشيخ بعض المناهج الفكرية التي تلقاها في الجامعات الأوروبية، ولا سيما في علم الاجتماع والنفس والأخلاق وتاريخ الأديان، لأنها ـ في رأيه ـ كانت تنظر إلى الدين بوصفه ظاهرة بشرية ولا تعترف بالوحي مصدرًا للمعرفة. 

وقد انتهى من تأمله إلى التمييز بين العلوم التجريبية التي لا تتعارض مع الدين، وبين قضايا الدين والأخلاق والمجتمع التي لا يجوز إخضاعها للعقل المجرد وحده. ومن هنا تمسك بيقين ديني في مواجهة التيارات الإلحادية، ورأى أن العقل، مع أهميته، لا يستطيع وحده أن يستقل بمعرفة عالم الغيب.

وكانت دراسته للتصوف الإسلامي نقطة التحول الكبرى في حياته؛ إذ رفضت موضوعات بحثية اقترحها أولًا، حتى اتصل بالمستشرق لويس ماسينيون، وانتهى إلى دراسة الحارث بن أسد المحاسبي، فقال: «وكان هذا أول اتصال منظم وجاد بالتصوف الإسلامى بالنسبة لى». 

ولم ير الشيخ ذلك مجرد مصادفة، بل عدّه «هداية وتوفيقًا من الله سبحانه وتعالى، وهى عناية أعجز عن شكر الله سبحانه وتعالى عليها». وقد جاءت الحرب العالمية الثانية لتزيد رحلته صعوبة، لكنه واصل بحثه رغم اضطراب الأوضاع وسقوط فرنسا، حتى أتم رسالته ونال أعلى تقدير، ثم عاد إلى مصر بعد رحلة شاقة.

ومن خلال دراسة المحاسبي تبلورت لدى الشيخ رؤيته الأساسية لمنهج المسلم في الحياة، وهي الاتباع؛ فقال بوضوح: «انتهيت من دراسة الدكتوراه وأنا أشعر شعورًا واضحًا بمنهج المسلم فى الحياة، وهو منهج "الاتباع"»، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم». 

ومن هنا أصبحت دراسة التصوف بالنسبة إليه ليست بحثًا أكاديميًا فحسب، بل مدخلًا إلى فهم روح الإسلام ومنهج إصلاح الفرد والمجتمع.

ويبرز في حديثه عن المحاسبي تصوره لموقع التصوف بين تيارات الفكر الإسلامي؛ فقد رأى أن الصراع التاريخي دار بين أهل السنة الذين يمثلون سلطة النص، والمعتزلة الذين غلبوا العقل، بينما قدم المحاسبي طريقًا ثالثًا يقوم على الجمع بين النص والعقل والبصيرة، مع إخضاع العقل للنص في مجال الغيب. 

وقد لخّص الشيخ هذا المنهج بقوله: إن المحاسبي جعل سلاحه «عبودية حقة، وإخلاصًا لا حد له، وتقوى تغمر كل الجوارح»، إلى جانب «دراسة مستفيضة للدين»، فكان التقوى والعلم سلاحه في مواجهة الخصوم.

ويصف الشيخ أثر المحاسبي في النفوس بأنه لم يكن قائمًا على الجدل وحده، بل على التربية الروحية؛ فقد كان يتحدث عن «الإخلاص، والورع، والزهد، والخشوع الخالص لله»، وعن «هيبة الله، وجلاله وعظمته»، و«محبة الله، والأنس به، والقرب منه»، حتى «كانت تخشع له الأفئدة، وتلين له القلوب، وتسيل له الدموع». 

ومن هذا النموذج يستخلص الكاتب صورة الطريق الذي سار فيه الشيخ عبد الحليم محمود نفسه، والذي يمكن التعبير عنه بقولنا: علم راسخ، وتقوى، وعبودية، وتصوف سني، وإصلاح يتجاوز الجدل النظري إلى تغيير الإنسان من الداخل.

وينتهي الشيخ عبد الحليم محمود إلى إبراز الامتداد التاريخي لهذا المنهج؛ ففكرة المحاسبي استمرت في الغزالي ومن جاء بعده من الصوفية، في حين امتد منهج الإمام أحمد في العناية بالنص حتى ابن تيمية ثم رشيد رضا. و

هكذا كان الشيخ عبد الحليم محمود -حلقة مميزة في هذا المسار العلمي والروحي؛ عالمًا جمع بين الأزهر والجامعة الحديثة، والعقل والنص، والعلم والتزكية، والتجربة الغربية واليقين الإسلامي، حتى غدا ـ في نظر الكاتب ـ جديرًا بلقب شيخ الإسلام.

ثم يُتابع الكتاب في رسم ملامح المنهج الفكري الذي انتهى إليه الشيخ عبد الحليم محمود، مبينًا أن التيارات الإسلامية الكبرى ـ النصية والعقلية والبصيرية ـ ليست مجرد مذاهب عابرة، بل نزعات إنسانية متجذرة. 

فقد رأى أن النزعة العقلية التي مثلتها المعتزلة امتدت عبر التاريخ، ثم تجدد ظهورها مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وحمل لواءها بعد ذلك الشيخ المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق. 

ويخلص إلى أن هذه الاتجاهات الثلاثة ستظل متعايشة؛ فبعض الناس يميل إلى النص، وبعضهم إلى العقل، وبعضهم إلى البصيرة والتصوف، ولذلك «نزعات ثلاثة، تقوم على فطر مختلفة»، ومن الخطأ محاولة القضاء على أي منها. 

ومن خلال دراسته للفلسفات والأديان والمذاهب، انتهى الشيخ إلى أن التصوف هو «لب لباب الإسلام، وجوهره وحقيقته»، فاتخذه طريقًا للحياة ومنهجًا للإصلاح.

عاد الشيخ إلى مصر أكثر تمسكًا بدينه ووعيًا برسالته، وأصبح أكثر إدراكًا لمكانة الأزهر ودوره في حفظ هوية الأمة؛ فوصفه بأنه يعيش فيه الإنسان «فى جو الإيمان، وفى جو العلم»، وأن تاريخ الأزهر «كله يدور حول العلم»، وأنه خاض جهادًا طويلًا حفظ للأمة لغتها وتراثها ووعيها الديني. 

ولذلك جعل إصلاح الأزهر والحفاظ على استقلاله ومكانته قضية أساسية في حياته. فكتب تقارير في إصلاح تدريس الفلسفة وعلم النفس وتاريخ الأديان، ثم وضع مذكرة شاملة بعنوان «الأزهر في دور الاحتضار» تناول فيها مكانة عالم الأزهر، وإدارة المؤسسة، وإصلاح مناهجها، فقوبلت مذكرته بالاستهجان وأُحيل بسببها إلى المحاكمة.

وتكشف هذه المذكرة عن نظرته الصارمة إلى رسالة العالم الأزهري؛ إذ كان يرى أن العالم ينبغي أن يكون صاحب إيمان راسخ، وداعية إلى الله، ومرشدًا للناس، ومجاهدًا في سبيل الحق، لا أن يتحول إلى موظف يسعى وراء المناصب. 

ويصرخ الإمام عبد الحليم محمود في نقده لحال بعض علماء عصره: «أين علماء اليوم مما ينبغي أن يكون عليه العلماء الصادقون؟»، مؤكدًا أن العالم الحقيقي يجب أن يمنح الضعفاء الثقة، واليائسين الأمل، والقانطين الرجاء بالله. ومن هنا يلخص الكاتب شخصية الشيخ بكلمة واحدة هي «الاستقامة»، ويرى أنها كانت الخط الواضح الذي لم ينثنِ في حياته مهما تغيرت الظروف.

وقد تدرج الشيخ عبد الحليم محمود في المناصب العلمية حتى أصبح عميدًا لكلية أصول الدين، ثم أمينًا عامًا لمجمع البحوث الإسلامية، ثم وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر، إلى أن عُيّن شيخًا للأزهر.

وكان وصوله إلى هذا المنصب بداية مرحلة جديدة من الجهاد في سبيل إصلاح المؤسسة؛ فلم ينظر إلى المشيخة بوصفها جاهًا أو مغنمًا، بل بوصفها أمانة ثقيلة ومسؤولية أمام الله. 

وكان يرى أن الأزهر تعرض لعوامل إضعاف متعددة، من الاستعمار والتبشير إلى السخرية من علمائه والتشكيك في العقيدة والقيم، ولذلك وقف مدافعًا عنه باعتباره حصنًا للهوية الإسلامية.

واستعاد الشيخ صورة الأزهر في عصور قوته، حين كان شيخ الأزهر يمثل مرجعية الأمة، وكان العلماء بعيدين عن التنافس على المناصب، عاكفين على العبادة والعلم. 

واستشهد بمثال الشيخ عبد الرحمن الشربيني الذي عُرضت عليه مشيخة الأزهر في وقتها- فأبى، ثم امتنع عنها غيره من العلماء؛ لأنهم رأوا أن الشيخ عبد الحليم محمود هو أحق الناس بها. 

ومن هنا أكد أن قيمة العالم ليست في المنصب، وإنما في العمل بالعلم، وربط ذلك بجوهر التصوف، فقال عن الإمام الدردير إن سر خلوده لم يكن في كثرة علوم الكتب وحدها، وإنما في «الروح الصوفية، والشعور الصوفى»، أي «روح الإخلاص، روح: إياك نعبد وإياك نستعين، روح الربانية».

وكان استقلال الأزهر المالي والإداري من القضايا التي شغلت الشيخ عبد الحليم بشدة؛ إذ رأى أن الاستيلاء على أوقافه أضعف مكانته وجعله محتاجًا إلى الدولة، بعدما كان قائمًا بأوقافه «كريم النفس، رافع الرأس». ولذلك دعا إلى إعادة أوقاف الأزهر إليه، باعتبار أن استقلاله المالي جزء من استقلال رسالته. 

وعندما تولى المشيخة، وجد أن القوانين قد وضعت أجزاء أساسية من اختصاصات الأزهر تحت وصاية الحكومة، فعمل على استعادة مكانته، ثم واجه قرارًا جمهوريًا رأى فيه مسخًا لدور المؤسسة وشللاً لرسالتها، فقدم استقالته بهدوء، دون ضجيج، مؤكدًا أن الاستقالة كانت بالنسبة إليه «الإجراء الوحيد» للتنبيه إلى خطورة الوضع، وأنه باستقالته «قد أديت واجبى أمام الله، وبذلت غاية وسعى فى تأدية الأمانة».

ثم عاد إلى منصبه بعد تدخل الرئيس وإقرار تنظيم جديد لحقوق شيخ الأزهر، فعاد وسط احتفاء واسع، وبدأ مرحلة من الإصلاح والعمل. فوسع انتشار المعاهد الأزهرية ومكاتب تحفيظ القرآن، ونشر التعليم الأزهري في الأقاليم، وأنشأ معاهد ذات طابع عسكري لغرس روح الرجولة والجهاد في الشباب، وسعى إلى تقنين بعض أحكام الشريعة، وحافظ على الرسم العثماني للمصحف، ودافع عن الإسلام في مواجهة الشيوعية والعلمانية والاستشراق والتبشير. 

كما رفض الشيخ مشاريع مشبوهة، رأى فيها مساسًا بثوابت الإسلام، ووقف بحزم أمام قانون للأحوال الشخصية رأى أنه مخالف للشريعة الإسلامية، حتى اضطرت الحكومة إلى التراجع عن تعديله.

ولم يحصر الشيخ رسالته في مصر، بل تحرك في العالم الإسلامي، وسافر إلى عدد من البلدان للتعرف إلى أحوال المسلمين ومشكلاتهم، وسعى إلى إيقاظ الحركة الإسلامية والدفاع عن قضايا الأمة، كما اهتم بقضية القدس ودافع عنها في المحافل المختلفة. 

ومن أبرز مشروعاته وضع دستور إسلامي يمكن أن تستفيد منه الدول التي تريد إقامة نظامها التشريعي على أساس إسلامي، وقد طُبع هذا الدستور في أكتوبر 1978م، قبل وفاته بأيام، فكان من آخر أعماله الكبرى.

وتظهر صلابته في الدفاع عن الإسلام، وكذلك في موقفه من مؤتمرات الحوار الإسلامي المسيحي؛ فلم يرفض الحوار من حيث المبدأ، لكنه رفض أن يتحول إلى وسيلة للتنازل عن العقائد أو الإساءة إلى مقدسات المسلمين. 

وأكد الشيخ في رسالته إلى إحدى الجهات الداعية للحوار أن الإسلام نفسه يكرم المسيح وأمه، وأن التفاهم الحقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على الاعتراف المتبادل والاحترام الصريح للمقدسات، ووقف حملات التنصير والإساءة إلى النبي ﷺ. وكان منطقه قائمًا على أن الحوار لا يكون حقيقيًا إذا طُلب من المسلمين احترام مقدسات الآخرين، بينما تُنتهك مقدساتهم وحرماتهم.

كما ارتبط اسم الشيخ عبد الحليم محمود بحرب أكتوبر، عام 1973م، إذ اهتم بدور علماء الأزهر في رفع الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية، وحث على اعتبار المعركة دفاعًا عن الوطن والدين، وروى بعض تلامذته أنه استبشر بالنصر بعد رؤيا رآها للنبي ﷺ، ثم أبلغ الرئيس السادات بها. وهذا يعني أن الشيخ كان جزءًا من معركة الأمة، لا شخصاً منفصلًا عن قضاياها الكبرى.

ثم أورد المؤلف الجانب العملي في شخصية الشيخ عبد الحليم محمود؛ فقد وصفه الدكتور عزيز صدقي بأنه كان أكثر رجال الدين تأثيرًا في الجماهير، لأن الناس «تستطيع أن تميز بين رجل الدين الصادق كعبد الحليم محمود، ورجل الدين المنافق للسلطة». 

أما تلميذه الدكتور رؤوف شلبي فيصف منهجه في الإدارة بأنه قائم على القيم الإسلامية: «إنما بعثتم ميسرين»، و«الراحمون يرحمهم الرحمن»، و«من كان في عون أخيه كان الله في عونه»، و«طوبى لمن كان مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر». 

فكان رحيمًا بالضعفاء، مقدرًا للعاملين، عافيًا عن المسيء، لكنه في الوقت نفسه شديد التروي والدقة في اتخاذ القرار، يستشير ويفحص الآراء ويختبر ثبات أصحابها، وقد يمتد تفكيره في المسألة الواحدة أشهرًا. وحتى في أسفاره لم يتغير برنامجه التعبدي؛ فكان يأوي إلى فراشه بعد العشاء، ثم يقوم للتهجد وقراءة القرآن، ويصلي الفجر ويبدأ يومه بالأوراد وتلاوة كتاب الله، لتبقى الاستقامة والعبادة والعلم والعمل خيطًا واحدًا يربط حياته كلها.

كما كان الشيخ عبد الحليم محمود نموذجًا للعالم العامل المنضبط؛ فقد كان يبدأ يومه بالاستماع إلى الإذاعات العالمية وقراءة الصحف، ثم يتفرغ للكتابة والتأليف، سواء في الحضر أو السفر، قبل أن ينصرف إلى أعماله اليومية وفق برنامج محدد. 

وعُرف الشيخ عبد الحليم محمود بحسن رعايته لمرافقيه المحيطين به، وعدم ردّه طالبًا قصده أو محتاجاً تشوّف إلى ما عنده من الخير، كما اشتهر منذ طفولته بالصدق الشديد، فلم يُعرف عنه الكذب حتى في المزاح، ولا الإكثار من الحلف. 

وتكشف قصة الأستاذ إسماعيل سري الدين مع كتاب «أسرار الحج في الإسلام» عن الأثر الروحي العميق لمؤلفات الشيخ؛ إذ قرأ الكتاب كاملًا في ليلة واحدة، فلم يخرج منه بمادة لخطبة الحج فحسب، بل خرج بتجربة إيمانية جعلته يتعلق بالحج وبالشيخ، ثم قادته المصادفة إلى لقاء الشيخ فأصبح يزوره كل جمعة ما دام في القاهرة.

وجعل الإمام عبد الحليم محمود الإصلاح قائمًا على الخضوع لله والسجود له، وحذّر من تقديم العقل البشري على الوحي في العقائد والأخلاق والتشريع، وقد بسط هذه الفكرة في كتابه «الإسلام والعقل»، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1966م، واعتبره تعبيرًا عن منهجه في الحياة الفكرية، القائم على «الاتباع» للقرآن والسنة. 

وميّز الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه «الإسلام والعقل» بين علوم الطبيعة التي دعا إلى الإفادة فيها من تجارب الشرق والغرب، وبين العقائد والأخلاق والتشريع التي جعل مرجعها الوحي. وانتقد الاتجاهات التي تحاكم الدين إلى العقل، وذكر في هذا السياق الملاحدة والفلاسفة العقليين الإلهيين والمعتزلة، كما ناقش بعض تأويلات الشيخ محمد عبده، ولا سيما ما يتعلق بقصة آدم وتطور الرسالات.

ورأى الإمام أن الأمة الإسلامية تواجه تيارين رئيسيين: تيارًا غربيًا ماديًا حمله الاستعمار وسعى إلى تغيير الثقافة والتشريع والقيم، وتيارًا آخر أسهم في إفراغ الدين من جوهره الروحي والتربوي.

ومن ثم أقام مشروعه الإصلاحي على ثلاثة محاور: إصلاح الأزهر والمؤسسات الدينية، ومواجهة الأفكار والمؤثرات الغربية، وإحياء التصوف والربانية في حياة المسلمين. وقد عبّر عن المحور الأول في كتاب «الحمد لله هذه حياتي»، كما تناول قضايا التشريع والقرآن وآثار الاستعمار في التعليم واللغة والقوانين، بينما جعل «الإسلام والعقل» أحد أهم كتبه في نقد التيارات الفكرية الغربية والدعوة إلى تحكيم الوحي في مجاله.

وامتدت مواجهته للتيارات الفكرية إلى الشيوعية، فبعد احتكاكه المباشر بالجدل حولها ألّف كتاب «أبو ذر والشيوعية»، الذي درس فيه الفكر الشيوعي ونقده من منظور إسلامي، وعدّه من أخطر التيارات المناوئة للدين. وكان يؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة الأمة إلى القرآن؛ ولذلك شدد على أن القرآن هو مصدر الهداية في العقيدة والأخلاق والتشريع ونظام المجتمع.

كما دعا إلى إعادة الاعتبار للشريعة الإسلامية، وانتقد استمرار القوانين الوضعية التي خلفها الاستعمار، وناقش ذلك في كتاب «الحمد لله هذه حياتي»، وفي محاضرته المهمة «القانون الإلهي والقانون الوضعي» التي ألقاها أمام قضاة مصر.

أما المحور الثالث، وهو إحياء الربانية والتصوف، فقد كان من أبرز ملامح شخصيته العلمية؛ إذ لم يكتفِ بالحديث النظري عن التصوف، بل عرّف بأعلامه وحقق تراثهم وكتب في مناهجهم وأحوالهم. ومن كتبه في هذا المجال «المنقذ من الضلال» و«المدرسة الشاذلية».

إلى جانب مؤلفاته في السيرة والعبادات، مثل «دلائل النبوة» و«الرسول ﷺ» و«السنة الشريفة» و«الحج المبرور» و«في رحاب الأنبياء والرسل».

وفي العبادات والذكر: «الحج إلى بيت الله الحرام» و«الجهاد والنصر» و«جهادنا المقدس» و«القرآن في شهر القرآن» و«فاذكروني أذكركم» و«يا رب».

كما اتسع إنتاجه إلى الفلسفة، فألّف «الفكر الفلسفي في الإسلام» و«فلسفة ابن طفيل» و«الفلسفة والحقيقة».

إلى جانب كتبه في إحياء المفاهيم الإسلامية، ومنها «القرآن والنبي» و«الإسلام والإيمان» و«العبادة» و«الإسلام والعقل أو التوحيد الخالص». 

ويكشف هذا التنوع عن مشروع علمي لم ينحصر في مجال واحد، بل جمع العقيدة والفكر والفلسفة والفقه والتصوف والسيرة والعبادة والقضايا الاجتماعية ومواجهة التيارات الفكرية، فضلًا عن تحقيق التراث الإسلامي والكتابة بالفرنسية والترجمة عنها.

وهكذا ترك الإمام عبد الحليم محمود تراثًا علميًا واسعًا متعدد الميادين، وكان جوهر مشروعه قائمًا على الجمع بين الاتباع والوحي، والعقل في مجاله الصحيح، والتربية الروحية، والإصلاح المؤسسي، ومواجهة التيارات الهدامة. 

ولذلك لم تكن كتبه مجرد دراسات منفصلة، بل كانت حلقات متكاملة في مشروع إصلاحي واحد؛ يبدأ بإحياء القرآن والسنة، ويمر بإصلاح الفكر والمؤسسات، وينتهي بإحياء القلب والروح والربانية في حياة المسلم.

كما يكشف تراث الشيخ عبد الحليم محمود عن مشروع علمي وفكري واسع، جمع بين الدفاع عن الإسلام، ومواجهة التيارات الفكرية المعاصرة، والإصلاح الديني، والترجمة، والتفسير والفتاوى. 

ففي مجال الفكر الإسلامي ألّف: الإسلام والشيوعية (1991)، وفتاوى في الشيوعية (1999)، وأبو ذر الغفاري والشيوعية (1996)، ومنهج الإصلاح الإسلامي (1999). 

كما ترجم عدداً من المؤلفات الفكرية والفلسفية، منها: الفلسفة اليونانية (1991)، والأخلاق في الفلسفة الحديثة (1993)، والمشكلة الأخلاقية والفلاسفة (1996)، ووازن الأرواح (1993)، والمسيحية نشأتها وتطورها (1992)، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1960). 

وإلى جانب ذلك ترك أعمالاً متنوعة، منها أجزاء من التفسير (1961)، وفتاوى في الأخلاق والمعاملات (1969)، وأوروبا والإسلام (1966)، والحمد لله.. هذه حياتي (1969)، فضلاً عن أبحاث ومقالات ومحاضرات وأحاديث إذاعية وتلفزيونية جُمعت في مجلدات متعددة.

ويحتل التصوف مساحة بارزة في مؤلفاته، إذ خصّ عدداً كبيراً من أعلامه بالدراسة والتعريف، فكتب عن: السيد أحمد البدوي (1963)، وسفيان الثوري (1966)، وشمس الدين الحفني (1963)، وعبد الله بن المبارك (1962)، والحارث المحاسبي (1990)، وإبراهيم بن أدهم (1991)، وأبو العباس المرسي (1999)، وعلي زين العابدين (1996)، وأبو مدين الغوث (1999)، وسعيد بن المسيب (1991)، وأبو بكر الشبلي (1993)، وأبو الحسن الشاذلي (1996)، وأبو يزيد البسطامي (1993)، والفضيل بن عياض (1992)، وبشر الحافي (1910)، وذو النون المصري (1911)، والليث بن سعد (1919)، وسهل بن عبد الله (1916)، وعبد السلام بن بشيش (1919). 

ولم يكتف بالتأليف، بل أسهم في إحياء التراث الصوفي وتحقيقه ونشره، فحقق الرعاية لحقوق الله (1911)، واللمع (1913)، والفلسفة الهندية (1916)، والتعرف على مذهب أهل التصوف (1913)، والرسالة القشيرية (1912)، والطريق إلى الله أو كتاب الصدق (1930)، وعوارف المعارف (1931)، وغيث المواهب العلية (1939)، وحكم ابن عطاء الله (1936)، ولطائف المنن (1939). كما تناول قضايا الرقائق والأدب السلوكي في كتب منها: السنة في مكانتها وفي تاريخها (1931)، وكيف يستقبل المسلمون شهر رمضان؟ (1933)، والتصرف عند ابن سينا (1936)، ووربك الغفور ذو الرحمة (1933)، وهو آخر كتبه.

ويبرز من هذا الإنتاج أن التصوف عند الشيخ لم يكن انصرافاً عن قضايا الحياة، بل كان منهجاً لإصلاح القلب وبناء الإنسان وتجديد روح الدين؛ ولذلك جمع بين التأصيل العلمي والتربية الروحية، ودافع عن أعلام التصوف في مواجهة ما نُسب إليهم من افتراءات، واهتم بزيارة الأولياء والتعريف بسيرهم وإحياء تراثهم. كما سعى إلى إعادة الروح الربانية إلى الأزهر، ورأى أن العلم لا يكتمل من غير تربية، وأن حقيقة التصوف هي العمل بالعلم، ومجاهدة النفس، والذكر، والتأدب مع الله والخلق. وقد تجسّد ذلك في حياته العملية، فلم تمنعه المناصب العلمية والإدارية والسياسية من الزهد والتواضع وخدمة الفقراء والمحتاجين، وظل الذكر والتعلق بالله حاضرين في سلوكه حتى آخر حياته.

أما كتابه «الحمد لله.. هذه حياتي» فقد خصصه لسيرته الذاتية، وهو من آخر مؤلفاته، وكان ينوي أن يستكمله في جزء ثانٍ، إلا أن وفاته حالت دون ذلك

ويُضاف إلى هذه الكتب تراث ضخم من الأحاديث الإذاعية والتلفزيونية، والمقالات، والندوات، والمحاضرات، مما يجعل آثاره مشروعاً علمياً وفكرياً وروحياً متكاملاً، امتد من قضايا العقيدة والإصلاح ومواجهة التيارات الفكرية، إلى التفسير والفتاوى، ومن الفلسفة والترجمة إلى إحياء كتب التصوف وأعلامه. ومن ثم فإن جمع هذا التراث وتحقيقه ونشره يمثل ضرورة علمية وثقافية؛ لما ينطوي عليه من مادة واسعة لفهم فكر الشيخ ومنهجه في الإصلاح والتجديد والربانية والتصوف السني.

ومما سبق نجد أن الإمام عبد الحليم محمود يُمثّل النموذج الكريم للعالِم الرباني الذي جمع بين الأخلاق القرآنية والآداب الصوفية والعلم والعمل؛ فعاش بين الناس في حياتهم اليومية، مع بقاء قلبه متعلقًا بالذكر والتأمل، وقد تميز بعفة اللسان، والتواضع، والوقار، ومحبة الصالحين، والاهتمام بتراثهم العلمي والسلوكي، كما ظهرت في الأزمات قوة عزيمته، ورجاحة رأيه، وصبره، وأناة طبعه. 

ولذلك وصفه الشيخ محمد زكي إبراهيم بأنه «أبو العارفين» و«غزالي مصر»، ورأى فيه ظاهرة روحية فريدة تجمع القلب والعقل والإيمان والأدب والتواضع، وتصل العلم بالعمل والصلة بالله.

وتكشف مواقفه العملية عن عالم لم يجعل التصوف مقامًا للوجاهة، بل رسالة للهداية والإصلاح؛ فقد كان يتابع أحوال الوعاظ، يشجع المخلصين منهم، وينبه المقصرين إلى مسؤوليتهم تجاه الناس. 

ومن أبلغ المواقف الدالة على ذلك موقفه من الشيخ صالح الجعفري، إذ لم يستجب لشكوى أحد مشايخ الطرق منه، بل حضر مجلسه متواضعًا، واستمع إليه، ثم قبّل يده أمام الناس، ليحوّل الموقف إلى درس في التواضع ونقد التعصب، مؤكدًا أن مشيخة الطريق ليست وجاهة اجتماعية، وإنما أمانة ورسالة في هداية الخلق. 

كما عرضت المصادر نماذج من الكرامات التي نُسبت إليه، وربطها المؤلف بموقفه من التصوف؛ فهو يرى أن الكرامة لا تناقض العقل ولا العلم، بل يمكن أن تكون من خوارق العادات التي يكرم الله بها أولياءه.

لقد عاش الشيخ عبد الحليم محمود متجردًا عن الدنيا، وباع ما يملك، وأنفق أمواله على الطلاب والمحتاجين والأرامل والمرضى والفقراء، حتى خرج من الدنيا ـ كما دخلها ـ فقيرًا متخففًا من علائقها. وكانت زيارته الأخيرة إلى المدينة المنورة، ثم عاد إلى القاهرة حيث أُجريت له الجراحة التي توفي على إثرها، وكان آخر ما جرى على لسانه: «الله حق.. الموت حق». 

وشُيّع في جنازة حاشدة من الجامع الأزهر إلى قريته بالشرقية، وترك وراءه تراثًا علميًا وفكريًا وروحيًا واسعًا، وظل اسمه حاضرًا في الذاكرة العلمية والشعبية، تُقام له الذكرى وتُستعاد سيرته ومؤلفاته. وهكذا صوّرته المراثي شاهدًا على العالم الذي جمع بين العلم والزهد والدعوة، ولم يجعل العلم منفصلًا عن الإخلاص والتجرد وخدمة الناس.

وكن خلاصة منهج الشيخ أنه يرى أن تطبيق الشريعة يحقق الأمن على النفس والمال والعرض، ويعيد للمجتمع توازنه، ويهيئ أسباب القوة والنصر بتوفيق الله. وبذلك يتكامل في شخصية الإمام وسيرته العلم والتصوف والدعوة والإصلاح الاجتماعي والفكر الحضاري.

وقد دعا الإمام عبد الحليم محمود إلى إعادة الشريعة الإسلامية إلى حياة المسلمين، مؤكدًا أن على العلماء والقضاة والمفكرين والزعماء مسؤولية تاريخية في سنّ القوانين التي تحفظ للناس أمنهم على النفس والمال والعِرض، وتعيد للأمة أسباب القوة والنصر، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

وفي حديثه عن موقف المسلم من الحضارة الحديثة، يرفض الإمام عبد الحليم محمود المواقف المتطرفة منها، سواء القبول الكامل بها أو رفضها جملة، كما يتحفظ على شعار الأخذ منها بالصالح وترك الطالح؛ لأن تحديد الصالح والطالح لا ينبغي أن يُترك للعقل البشري وحده، لاختلاف الناس وتبدل معاييرهم. 

كما أنه يميز بين جانبها المادي القائم على الملاحظة والتجربة والاستقراء، وجانبها الثقافي والنظري المتصل بالعقيدة والأخلاق والتشريع. ويرى أن الجانب المادي لا يتعارض مع الإسلام، بل إن المنهج التجريبي الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة له جذور راسخة في الحضارة الإسلامية، ويستشهد بإسهامات علماء مثل ابن الهيثم والرازي وابن سينا وجابر بن حيان والكندي، مؤكدًا أن المسلمين حين يستأنفون مسيرتهم العلمية إنما يستعيدون تراثًا انقطعوا عنه، لا أنهم يقلدون الحضارة الغربية.

أما الجانب الثقافي والنظري، فيرى الإمام ضرورة إخضاعه للمرجعية الإسلامية؛ لأن العقيدة والأخلاق والتشريع مجالات لا يستطيع العقل البشري وحده أن يبلغ فيها حقيقة مطلقة ثابتة. فالعقيدة الإسلامية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وكذلك أصول الأخلاق.

أما التشريع فيجمع بين مبادئ ثابتة ووسائل متغيرة يتركها الإسلام لاجتهاد المسلمين وفق ظروفهم. ومن هنا يوضح معنى الاجتهاد، فهو ليس اختراعًا لدين جديد ولا تطورًا في أصوله، وإنما هو بذل الوسع لربط النوازل المستجدة بالقواعد الشرعية، واستنباط الحكم الذي ينسجم مع مقاصد الوحي وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويحذر كذلك من الانخداع بالمقولات الثقافية الغربية من قبيل «العلم للعلم» و«الأدب للأدب» و«الفن للفن»، ويرى أن هذه الشعارات قد تفصل المعرفة والفن والأدب عن الأخلاق والقيم الإيمانية. فالأدب في التصور الإسلامي ينبغي أن يسمو بالفطرة ويهذب الأخلاق ويوقظ الشعور بالخير، والفن ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لإثارة الغرائز أو هدم القيم. ولذلك يدعو إلى بناء ثقافة إسلامية تستمد أصولها من القرآن والسنة، بدل الارتهان للنظريات البشرية المتغيرة التي تشبه، في نظره، «موضة» فكرية تتبدل من عصر إلى آخر.

وينتهي الإمام إلى خلاصة جامعة تقوم على «العودة إلى الإسلام» في جانبي الحضارة معًا: العودة إليه في المجال المادي بالعلم والملاحظة والتجربة والقوة وتسخير موارد الأرض والسماء والبحار والأنهار وسائر سنن الكون، والعودة إليه في المجال الثقافي بالاعتزاز بالعقيدة الإسلامية، والاحتكام إلى مبادئها في الأخلاق والتشريع والفكر. فالإسلام عنده لا يعارض التقدم الحضاري، وإنما يوجهه ويمنحه غايته الأخلاقية والإنسانية، بحيث تجتمع قوة المادة مع هداية الروح، ويجتمع التقدم العلمي مع ثبات القيم.

_________________________________________


فهرس

مقدمة ................................................................ 1

الفصل الأول: السيرة الطيبة ......................................... 2

المولد والنشأة .............................................. 11

فى الأزهر الشريف ........................................ 19

أساتذته بالأزهر ........................................... 13

السفر إلى فرنسا ............................................ 12

دكتوراه فى التصوف الإسلامى ........................... 91

العودة إلى مصر ............................................ 63

الاستقامة .................................................. 62

الفصل الثانى: شيخ الأزهر ........................................ 91

ثقل المسئولية .............................................. 96

مكانة الأزهر .............................................. 91

التضييق على الأزهر ...................................... 10

إنجازات ومواقف .......................................... 11

مؤمر الحوار بن الإسلام والمسيحية ....................... 13

مواقف وطنية ............................................. 39

من أخلاقه وصفاته ........................................ 39

مكرمة ..................................................... 33

الفصل الثالث: المصلل ............................................ 61

المواجهة ................................................... 63

الإمام محمد عبده .......................................... 39

التصدى للشيوعية ......................................... 33

وحى السماء .............................................. 20

شريعة الإسلام ............................................ 23

من أقواله .................................................. 26

آثاره العلمية ............................................... 22

جوهر الإصلاح ......................................... 103

الفصل الرابع: الصوفى .......................................... 102

العالم الربانى ............................................. 111

من قضايا التصوف ...................................... 111

دفاع عن رجال الله ...................................... 112

كرامات الأولياء ......................................... 199

فى رحاب السيد البدوى ................................ 191

الطريق الصوفى ......................................... 192

الصوفى المجاهد .......................................... 161

در بليغ ............................................... 166

من كراماته .............................................. 190

الفصل الخامس: الختام ........................................... 191

وفاته ..................................................... 196

الاحتفال بمولده .......................................... 119

ملحق رقم :1 القانون الإلهي والقانون الوضعى ................. 116

ملحق رقم :2 موقف المسلم من الحضارة الحديثة ................ 132

مراجع ............................................................ 131

كتب المؤلف ...................................................... 121



هل لبس الشماغ والغترة مكروه على مذهب الحنابلة؟ كتَبه التميمي عايد بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

هل لبس الشماغ والغترة مكروه على مذهب الحنابلة؟

كتَبه التميمي عايد

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يتناول هذا الكتاب مسألة هامة ومُلحّة في الأوساط العلمية والدعوية، وهي مسألة حكم الطيلسان وصلته بالشماغ والغترة، وهو بالأساس ردٌّ على دعوى أن ما يلبسه أهل الخليج من ذلك يدخل في الطيلسان المكروه عند الحنابلة وغيرهم. 

ويؤكد الكاتب أن هذه الدعوى تحتاج إلى تحرير فقهي دقيق؛ لأن الخلاف في الطيلسان لم يكن حكمياً فحسب، بل شمل تحديد حقيقة الطيلسان وتصوير هيئته وأنواعه. وقد استدل المؤلف على أن الأصل في الطيلسان الإباحة والاعتياد، وأورد من الآثار عدداً كبيراً، عن الصحابة والتابعين والعلماء، الأمر الذي يدل على جواز لبسه، لعدم وجود نقل فيه نهي مطلق عن لبسه؛ كما أن كتب الفقه والتراجم تؤكد على كونه لباساً معتاداً بين العرب.

بل ارتبط "لطيلسان" في عصور لاحقة بزي الفقهاء والقضاة والعلماء. ونقل عن الإمام مالك أنه رأى الناس يلبسونه، وعن عدد من أئمة المذاهب ما يدل على اعتيادهم لُبسه، حتى ذهب بعض الفقهاء إلى أن تركه قد يُعد إخلالاً بالمروءة بحسب العرف.

كما يؤكد المؤلف أن القول بكراهة الطيلسان أو منعه ليس محل اتفاق بين الفقهاء، وأن جانباً من الخلاف مرتبط بتمييز بعض صوره أو أنواعه عن غيرها، ولا سيما ما كان منه شعاراً لبعض أهل الكتاب أو مشتملاً على هيئة مخصوصة. 

فقد نُقل عن عمر بن عبد العزيز النهي عن لبسه للنصارى، وعن بعض الفقهاء أن التمييز بين المسلمين وأهل الذمة يتحقق بغير الطيلسان، فلا يلزم منعهم منه مطلقاً. وبذلك يظهر أن إطلاق الحكم بالكراهة على الطيلسان، ثم بناء الحكم نفسه على الشماغ والغترة، يحتاج إلى إثبات أن هذه الألبسة هي عين الطيلسان المنهي عنه من حيث الهيئة والوصف والعلة، وهو ما لا يثبته مجرد الاشتراك في كونها أغطية للرأس أو من الملابس الملقاة على الكتفين. 

ومن ثم يقرر المؤلف أن المسألة تاريخياً وفقهياً أكثر تعقيداً من مجرد نسبة القول بالكراهة إلى المذهب الحنبلي، وأن تحرير محل النزاع يقتضي أولاً تحديد حقيقة الطيلسان والصورة التي تعلّق بها الحكم، ثم النظر في علة المنع ومدى انطباقها على الألبسة المعاصرة.

ثم يناقش المؤلف نسبة كراهة الطيلسان إلى المذهب الحنبلي، ويرى أن إطلاق هذه النسبة (أي: نسبة الكراهة) على سبيل الجزم إلى المذهب يحتاج إلى مزيد من التحرير؛ لأن مستندها الأساس نقلٌ عن ابن تميم يفيد أن السلف كرهوا الطيلسان، ثم بنى المرداوي عليه في تصحيح الفروع القول: بأن الكراهة هي الصحيح من المذهب. 

غير أن مؤلف الكتاب يُضعّف الاعتماد على هذا النقل منفردًا؛ لعدم وضوح توثيق عبارته، ولأنه حكاية عن السلف لا نصًّا عن الإمام أحمد، فضلًا عن أن الطيلسان لم يحظَ بذكر منتظم في كتب الحنابلة، وأن عددًا من علمائهم نقلوا فيه الإباحة، كابن حمدان وابن مفلح، بينما اقتصر آخرون على نقل القولين دون ترجيح. 

ومن ثم يرى المؤلف أن القول بأن الكراهة هي المذهب الحنبلي المعتمد- ليس قويًّا، ولا سيما مع وجود اختلاف واضح داخل المذهب في أصل الحكم. ثم يحرر المؤلف محل الكراهة عند من قال بها، فيبين أن طائفة من المتأخرين لم تقصد مطلق الطيلسان، وإنما خصّت النهي بالطيلسان المقوّر، الذي ارتبط عندهم بهيئة اليهود أو النصارى أو العجم. ويستعرض في ذلك أقوال ابن تيمية والسيوطي والهيتمي وغيرهم، مبينًا أن بعضهم حمل عبارات العلماء المطلقة في ذم الطيلسان على هذه الصورة الخاصة.

كما ناقش المؤلف تفسير «الساج» الوارد في بعض الأحاديث والآثار بأنه الطيلسان المقوّر. غير أنه لا يعد هذا التفسير حاسمًا؛ إذ يشير إلى ضعف بعض الروايات المحتج بها، وإلى اختلاف العلماء في معنى «الساج»، فبعض أهل اللغة والحديث فسّره بالطيلسان الأخضر، وقيل الأسود، وقيل هو الطيلسان مطلقًا، أو الكبير والواسع والغليظ. ولذلك يرى أن بناء الحكم على مجرد لفظ «الساج»، ثم تخصيصه بالطيلسان المقوّر، يحتاج إلى دليل أقوى مما استند إليه بعض المتأخرين.

ويؤكد المؤلف أن أصل الإشكال يعود إلى اختلاف العلماء في تصوير الطيلسان وتحديد صفته؛ فكثير من المتقدمين ذكروه دون وصف دقيق، بل اكتفى بعضهم بقولهم: «معروف»، مما يجعل تنزيل الأحكام الفقهية عليه أمرًا لا يستقيم قبل تحديد هيئته المقصودة. 

ومن أهم ما يبحثه المؤلف في سياق هذا الكتاب: هل وضع الطيلسان على الرأس داخل في حقيقته أم لا؟ إذ نقل عن بعض العلماء، كابن الأثير، أنه يوضع على الرأس، بينما ربط آخرون بين الطيلسان والتقنع. ويترتب على هذا الخلاف أثر مباشر في الحكم على الألبسة المعاصرة؛ لأن إلحاق الشماغ والغترة بالطيلسان المكروه لا يصح بمجرد التشابه في كونهما من أغطية الرأس، بل لا بد من إثبات اتحادهما في الهيئة التي تعلق بها الحكم والعلة التي من أجلها قيل بالكراهة

وبناءً على ذلك يميل المؤلف إلى أن التوسع في تعميم حكم الكراهة على كل ما يسمى طيلسانًا، ثم إلحاق الشماغ والغترة به، لا يستقيم دون تحقيق دقيق لحقيقة الطيلسان المقوّر وصفته التاريخية.

ثم ينقل المؤلف الخلاف في صفة الطيلسان وهيئة لبسه، مبينًا أن أقوال العلماء فيه لا تتفق على صورة واحدة؛ فمنهم من وصفه بأنه ثوب يوضع على الكتفين والظهر، ومنهم من جعله مما يلقى على الرأس والأكتاف، واختلفوا كذلك في مدى تغطيته للوجه، وفي اشتراط التحنيك. 

كما ناقش اختلافهم في لونه، فقيل: الأخضر، وقيل: الأصفر، وقيل: شديد الصفرة. ويؤكد أن هذه الاختلافات ليست مسائل شكلية محضة، بل لها أثر مباشر في تحديد محل الحكم؛ إذ إن بعض العلماء حصر الطيلسان المكروه في المقوّر، بينما خلط آخرون بين المقوّر والمدوّر، أو جعلوا «الطرحة» مرادفة له. 

ويرى المؤلف أن هذا الاضطراب في المصطلحات والتعريفات يجعل التسرع في إلحاق الألبسة المعاصرة بالطيلسان المنهي عنه غير دقيق.

ويولي المؤلف عناية خاصة لتحرير معنى الطيلسان المقوّر، فيبين أن طائفة من الشافعية فسرت التقوير بالتدوير والاستدارة، بينما فرّق بعض الحنابلة بين المقوّر والمدوّر، وجعلوا الكراهة في المقوّر دون المدوّر. كما يناقش نسبة المقوّر إلى «الطرحة»، فيرى أن إطلاق السيوطي هذا الترادف ليس مطّردًا ولا يخلو من التردد؛ إذ صرّح في بعض المواضع بأن المقوّر هو الطرحة، ثم قيّد ذلك في مواضع أخرى بما يفيد أنه مجرد تشابه بينهما. 

ويستند المؤلف إلى الدلالة اللغوية لكلمة «التقوير»، التي تدل على قطع الوسط قطعًا مستديرًا، وإلى أوصاف عدد من العلماء التي تجعل المقوّر ثوبًا يحيط بالكتفين والظهر ويُخرج الرأس من وسطه، لا ثوبًا يُدار على الرأس كما يلبس الشماغ والغترة. 

ومن هنا يؤكد أن الشماغ والغترة يختلفان عن الطيلسان المقوّر في الهيئة وطريقة اللبس، فلا يدخلان في وصفه لمجرد أن بعض الناس قد يطلق عليهما أو على غيرهما أسماء متقاربة.

ثم يبحث المؤلف عن علة النهي عن الطيلسان، فيردها عند القائلين بالكراهة إلى التشبه، سواء من جهة الهيئة أو السدل أو التدوير أو عدم التحنيك. غير أنه يناقش الاستدلال بحديث الدجال الذين يخرج معه اليهود و«عليهم الطيالسة» على الكراهة، موضحًا أن مجرد لبس اليهود للطيلسان لا يكفي لإثبات تحريمه أو كراهته؛ وقد نبه ابن حجر والسيوطي إلى أن التشبه لا يتحقق بمجرد المشاركة في اللباس إذا زالت خصوصية الشعار.

 ويقارن المؤلف بين الطيلسان اليهودي المعروف بـ«الطليت» وبين الشماغ والغترة، فيبرز اختلافهما في المادة والهيئة والزوايا والأهداب وطريقة الاستعمال والوظيفة، كما يشير إلى اختلاف صور الطليت نفسه تاريخيًا. 

وبناءً على ذلك يرى أن علة التشبه لا يمكن تنزيلها على الشماغ والغترة بمجرد دعوى مشابهتهما للطيلسان، بل لا بد من إثبات تحقق الهيئة أو الشعار الذي تعلق به النهي، وهو ما لا يظهر من الأوصاف التي عرضها المؤلف.

يبيّن المؤلف أن السدل من أبرز العلل التي ذُكرت في كراهة بعض صور الطيلسان، وأن بعض العلماء ربطوا بين التحنيك في الطيلسان المشروع وبين التخلص من هيئة السدل المكروهة. غير أن تحرير معنى السدل نفسه يكشف عن اختلاف معتبر؛ فابن تيمية عرّفه بأن يطرح الرجل الثوب على أحد كتفيه ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر، ونقل عن الإمام أحمد أنه من لبس اليهود، بينما عرّفه آخرون بصور مختلفة، منها إسبال الثوب من غير ضم جانبيه، أو الالتحاف به وإدخال اليدين من داخله، أو وضعه على الرأس وإرسال طرفيه. 

ويشير المؤلف إلى أن بعض هذه التعريفات لا تنطبق أصلًا على هيئة لبس الشماغ والغترة، مما يمنع التسرع في وصف إرخائهما بأنه السدل المنهي عنه.

ويستخلص المؤلف من اختلاف الفقهاء في حكم السدل وصفته ومحل النهي عنه عدة وجوه تمنع تنزيل الكراهة على الشماغ والغترة؛ فمن العلماء من قصر النهي على الصلاة، ومنهم من كرهه مطلقًا، ومنهم من فرّق بحسب وجود القميص أو الرداء وطريقة إلقاء الثوب، بل إن بعض التعريفات جعلت السدل متعلقًا بإلقاء الثوب على الأكتاف، وأخرى بإلقائه على الرأس، وأخرى بهيئة خاصة في الصلاة. 

ويستشهد المؤلف بفتوى ابن تيمية في طرح القباء على الكتفين من غير إدخال اليدين في أكمامه، إذ قرر أنه لا بأس به، وليس من السدل المكروه؛ لأن هذه الهيئة ليست من لباس اليهود. ومن ثم يقرر أن مجرد إرخاء طرفي الشماغ أو الغترة لا يكفي لإدخالهما في السدل المكروه، خاصة مع كون هذه الهيئة لباسًا معتادًا، والأصل في اللباس الإباحة ما لم يتحقق التشبه بشعار خاص بالكفار، مع ملاحظة أن قدرًا من التشابه في أصول الألبسة أمر طبيعي بين الشعوب.

وفي خاتمة البحث، يجمع المؤلف وجوه الإشكال في دعوى إلحاق الشماغ والغترة بالطيلسان المكروه عند الحنابلة، فيؤكد أن الكراهة نفسها ليست من المسائل المستقرة المحررة في المذهب، وأن تخصيصها بالطيلسان المقوّر محل خلاف، فضلًا عن اختلاف العلماء في حقيقة المقوّر والساج والسدل.

كما أن الشماغ والغترة، بحسب طريقة لبسهما المعتادة، لا توافقان الهيئة التي جعلها بعض العلماء محل النهي، ولا تشبهان في صورتها الطيلت اليهودي أو لباس رهبان الملكيين. ويضيف المؤلف أن الاستناد إلى التشبه يقتضي تحقق شعار مختص ومتميز، لا مجرد المشاركة في أصل اللباس، مستدلًا بأقوال فقهية تجيز ملابس شارك فيها غير المسلمين متى لم تعد شعارًا خاصًا بهم. 

ولذلك ينتهي إلى أن القول بكراهة الشماغ والغترة لمجرد كونهما في حكم الطيلسان قولٌ بعيد، وأن إرجاع طرفيهما إلى الخلف، أو لبسهما مع العقال، أبعد عن صورة الكراهة التي وقع فيها الخلاف، ثم يلفت إلى مفارقة يرى أنها جديرة بالنظر، وهي أن من يعيب الشماغ والغترة بهذه العلة قد يلبس عمامة صماء غير محنكة، مع أن كراهة هذه الهيئة نفسها منقولة عن الإمام أحمد وجماعة من السلف والحنابلة.