ابن خلدون (أبو علم الاجتماع)
سليمان فياض
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: عبد الرحمن بن خلدون، أبو علم الاجتماع، وأحد أعلام الفكر العربي والإسلامي، الذين تجاوز أثرهم حدود عصرهم وبيئتهم، حتى غدا اسمه مرتبطًا بتأسيس علم الاجتماع وفلسفة التاريخ ودراسة العمران البشري، والحضارة الإسلامية. وقد عاش ابن خلدون في القرن الثامن الهجري في مرحلة مضطربة كثرت فيها الحروب وتقلبت فيها الدول وتغيرت الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكان شاهدًا على أحداث عصره ومشاركًا في كثير منها، الأمر الذي أكسبه خبرة واسعة بالإنسان والدولة والمجتمع.
وعند النظر في سيرته ومسار حياته؛ نجد أنها امتازت بتنوع جوانبها؛ فقد نشأ في أسرة عريقة اشتهرت بالعلم والسياسة، وتلقى علوم عصره على أيدي كبار العلماء، ثم تنقل بين تونس والمغرب والأندلس ومصر، واتصل بالسلاطين والولاة، وتولى عددًا من الوظائف السياسية والقضائية، وعاش في الوقت نفسه تجارب المحن والسجن والعزلة والفقد. ولم تكن هذه الرحلات والتقلبات مجرد أحداث في سيرته، بل كانت مدرسة عملية أسهمت في تكوين نظرته العميقة إلى أحوال البشر، وأمدته بمادة واسعة صاغ منها رؤيته للعمران والدولة والتاريخ.
وفي هذا الكتيّب الرائع عن ابن خلدون، أبدى المؤلف سليمان فياض صورة موجزة عن هذه الشخصية الفذة، فتتبع نسبه ونشأته وأسرته ورحلاته وشيوخه ومحنه ووظائفه وعلاقاته السياسية، ثم تقف عند آثاره العلمية وأقرانه والدراسات التي تناولت فكره، وما خلّفه من عبارات وأفكار بقيت حاضرة في الذاكرة الفكرية.
ويقع هذا الكتاب ضمن سلسلة «علماء العرب» العدد 18، والتي استطاعت أن تقدم ابن خلدون كعالم ومُفكّر حاول أن يفهم سنن الاجتماع البشري، ويكشف القوانين التي تحكم صعود الأمم والدول وانحدارها، ولذلك ظل تراثه حيًّا تتجدد حوله الدراسات والبحوث في كل عصر.
⬤ اسمه ونسبه ومولده ونشأته:
هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد، المشهور بابن خلدون، وينتهي نسب أسرته إلى وائل بن حجر الحضرمي.
وُلد في تونس سنة 732هـ/1332م، ونشأ في بيت علم وفضل، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى علوم العربية والحديث والفقه وأصول الدين، ثم اتسعت معارفه إلى المنطق والفلسفة والرياضيات، على أيدي كبار علماء عصره.
⬤ أسرة آل خلدون:
كانت أسرة ابن خلدون من الأسر العربية ذات المكانة العلمية والسياسية، وكان لها حضور في الأندلس والمغرب، وتولى رجالها مناصب الكتابة والقضاء والوزارة والسياسة.
وقد اشتهرت الأسرة بالعلم والأدب والخدمة في دواوين الدولة، أما اسم «ابن خلدون» فيرجع إلى جدهم الأعلى خالد، الذي عُرف عقبُه ببني خلدون، كما جرت عادة الأسر العربية في الانتساب إلى أحد أجدادها. وقد أسهم هذا المحيط الأسري في تكوين شخصية ابن خلدون العلمية والسياسية منذ صغره.
⬤ رحلته من المغرب إلى الأندلس وصلته بالمشرق:
تنقل ابن خلدون في أقطار المغرب والأندلس، فانتقل بين تونس وفاس وبجاية وتلمسان وغرناطة، ثم انتهت رحلته إلى مصر. ولم تكن هذه الرحلات مجرد انتقال جغرافي، بل كانت مراحل متتابعة في تكوين شخصيته؛ فقد التقى خلالها بالسلاطين والوزراء والعلماء والأدباء، وشهد تقلب الدول وسقوطها وقيام غيرها، وهو ما أمده بخبرة سياسية واجتماعية عميقة انعكست في كتاباته التاريخية والفكرية.
⬤ طلبه للعلم وشيوخه:
نشأ ابن خلدون طالب علم جادًا، فجمع بين العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، وكان من أبرز شيوخه محمد بن عبد المهيمن الحضرمي، إمام المحدثين والنحاة في المغرب، وقد أخذ عنه الحديث والسيرة والإجازات العلمية، كما أخذ عن محمد بن إبراهيم الآبلي علوم المنطق والفلسفة والطبيعة والرياضيات، وكان للآبلي أثر بالغ في تكوين عقله النقدي ونزعته إلى النظر في القوانين التي تحكم الظواهر والأحداث.
⬤ سبب اهتمامه بالتاريخ:
لم ينظر ابن خلدون إلى التاريخ بوصفه مجرد أخبار وحوادث تُروى، وإنما أراد أن يكشف القوانين والأسباب التي تقف وراء قيام الدول وسقوطها، ونشوء العمران وتطوره، واختلاف أحوال الناس. ومن هنا تجاوز طريقة المؤرخين الذين يكتفون بنقل الروايات، ودعا إلى نقد الأخبار وتمييز الصحيح من الزائف بالنظر في طبيعة العمران وإمكان وقوع الحادثة.
⬤ المحن وتقلبات الحياة السياسية:
عاش ابن خلدون في عصر كثرت فيه الصراعات السياسية وتبدلت فيه الدول والولاة والسلاطين، فكان قريبًا من مراكز الحكم، وبين انقلاب نظام وقيام آخر يتعرض لألوان الإقصاء أو السجن، ثم يعود إلى المكانة والنفوذ. وقد أتاحت له هذه التجارب أن يرى السياسة من داخلها، وأن يختبر أثر العصبية والمصالح والتحالفات في قيام السلطة واستقرارها، ثم في ضعفها وانهيارها.
⬤ طاعون سنة 749هـ وأثره في حياته:
كان طاعون سنة 749هـ/1348م من أعظم الأحداث التي تركت أثرًا في نفس ابن خلدون؛ إذ فقد بسبب الوباء والديه وعددًا كبيرًا من شيوخه وأساتذته، ومن أبرز من فقدهم الشيخ عبد المهيمن. كما أدى الوباء إلى اضطراب الحياة العلمية والاجتماعية، وهجرة كثير من العلماء أرض تونس، فكان لهذا الحدث أثر عميق في مسيرته العلمية والنفسية، ودفعه إلى مرحلة جديدة من حياته.
⬤ الوظائف التي شغلها وعلاقته بالسلطان:
اتجه ابن خلدون بعد ذلك إلى العمل السياسي، وسلك سبيل أسرته في الكتابة وخدمة الدولة، فعمل في وظائف كتابية، ومن ذلك اتصاله بـ ابن تافركين في تونس. ثم انتقل إلى المغرب، واتصل بالسلطان أبي عنان، وأصبح عضوًا في مجلسه العلمي، ثم تولى الكتابة والترسيل عند أبي سالم، وتدرج في عدد من المناصب، فجمع بذلك بين العلم والعمل السياسي، وبين النظر النظري والخبرة العملية.
⬤ علاقاته بالملوك والولاة ومحنته معهم:
كانت علاقته بأصحاب السلطة متقلبة؛ فمرة يحظى بالتكريم والقرب، ومرة يقع في السجن أو العزل بسبب المنافسات السياسية والوشايات. وقد سُجن في عهد أبي عنان نحو عامين بعد اتهامه بالاتصال بأبي عبد الله محمد الحفصي أمير بجاية المخلوع، ثم أُفرج عنه بعد وفاة السلطان، وعاد إلى المكانة في عهد أبي سالم. وتكشف هذه التجربة عن مدى ارتباط حياة العلماء في ذلك العصر بتقلبات السياسة.
⬤ الحياة في الأندلس وغرناطة:
بلغ ابن خلدون غرناطة نحو سنة 764هـ، واتصل بسلطانها محمد بن يوسف بن الأحمر، كما توثقت صلته بلسان الدين ابن الخطيب. وأرسله السلطان في سفارة إلى ملك قشتالة، فنجح في مهمته وأظهر براعة في السياسة والدبلوماسية. غير أن المنافسات السياسية حالت دون استقراره، فعاد إلى المغرب، واستمرت رحلته بين العمل السياسي والتأمل العلمي حتى اتجه إلى العزلة والتأليف.
⬤ الأوضاع السياسية والاقتصادية في عصره:
عاش ابن خلدون في مرحلة اتسمت بتفكك سياسي واضطراب اقتصادي واجتماعي، وتنازع القوى بين المرينيين والحفصيين وغيرهم من دول المغرب والأندلس. وشاهد آثار الحروب والأوبئة وتراجع بعض المدن واضطراب طرق التجارة وتغير أحوال الناس. وقد أفادته هذه التجربة في بناء رؤيته للعمران، إذ ربط بين الاقتصاد والسياسة والسكان والسلطة، ورأى أن تغير أحد هذه العناصر يؤثر في سائر عناصر المجتمع.
⬤ انتقاله إلى الإسكندرية ومصر:
وصل ابن خلدون إلى الإسكندرية سنة 784هـ، ثم انتقل إلى القاهرة، فأعجب بعمرانها واتساعها وكثرة علمائها ومدارسها. وهناك وجد بيئة علمية رحبة، فاتجه إلى التدريس والتأليف، وتولى منصب قاضي القضاة المالكية، كما درّس في عدد من المؤسسات العلمية. وكانت إقامته في مصر مرحلة مهمة استقر فيها إنتاجه العلمي، ونضجت فيها تجربته الفكرية والقضائية.
⬤ زواجه وأبناؤه:
تزوج ابن خلدون، ورُزق بأبناء، وقد أصيب بفاجعة مؤلمة حين غرق بعض أفراد أسرته في حادثة السفينة أثناء انتقالهم من تونس إلى مصر، وكان لهذه المصيبة أثر بالغ في نفسه. ومع ذلك واصل حياته العلمية والقضائية، وظل منشغلًا بالتأليف والتعليم حتى آخر حياته، فغلب الجانب العلمي على سنواته الأخيرة.
⬤ آثاره العلمية:
أشهر آثاره كتابه العظيم «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وتأتي المقدمة في صدره، وهي أشهر أجزاء الكتاب وأوسعها تأثيرًا. وقد بحث فيها في العمران البشري، والعصبية، ونشأة الدول وأطوارها، والاقتصاد، والتعليم، والصناعة، والعلوم، والعادات، فجاءت عملًا تأسيسيًا في التفكير الاجتماعي وفلسفة التاريخ.
⬤ أقرانه ومعاصروه:
عاصر ابن خلدون عددًا من العلماء والأدباء والقضاة الذين كان لهم حضور في الحياة العلمية والسياسية بالمغرب والأندلس ومصر. ومن الأسماء التي ترتبط بعصره أبو عبد الله محمد المقري، وأبو القاسم محمد بن يحيى البرجي، وهما من أعلام عصره، وقد حفظت كتب التراجم أخبار مجالسهم وصلاتهم العلمية والسياسية، بالإضافة إلى العلوي المتفلسف، وابن الصفّار. بالإضافة إلى العديد من الشخصيات الأدبية والتاريخية.
⬤ أبرز الدراسات التي تناولت ابن خلدون:
حظي ابن خلدون بدراسات عربية وأجنبية واسعة، ومن أبرز الدراسات العربية القديمة نسبيًا: «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» لطه حسين، و «ابن خلدون: حياته وتراثه الفكري» لمحمد عبد الله عنان، و «فلسفة ابن خلدون» لعمر فروخ، و «رائد الاقتصاد ابن خلدون» لمحمد علي نشأت. كما تناولته دراسات أجنبية كثيرة في التاريخ والاجتماع والاقتصاد وفلسفة التاريخ، مما يؤكد اتساع أثره في الفكر الإنساني.
⬤ الدراسات الحديثة حول فكره:
استمرت الدراسات حول ابن خلدون إلى عصرنا، فتناولت أفكاره في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وفلسفة التاريخ ومناهج البحث العلمي. ومن الدراسات الحديثة دراسة بحثت (درجة استخدام أفكار ابن خلدون في مناهج البحث العلمي لدى طلبة الدراسات العليا)، وهو اتجاه يكشف استمرار حضور أفكاره في البحث الأكاديمي المعاصر. كما توجد اليوم دوريات ومراكز علمية متخصصة تنشر دراسات محكمة في فكره وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية المرتبطة به.
⬤ أشهر العبارات التي تُنسب إلى عبد الرحمن بن خلدون
«التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول.. وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للكائنات ومبادئها دقيق.. وعلمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق».
«الظلم مؤذن بخراب العمران».
«العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب».
«إنَّ العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».
«الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه».
«المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده».
«الناس على دين ملوكهم».
«الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل».
«من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث».
«من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين... صار عالة على غيره.»
«العلم بالتعلم».
«العادة طبيعة ثانية».
«إذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق