قضايا الثقافة العربية
د. محيي الدين صابر
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تُعدّ الثقافة من أعمق المقومات التي تحفظ للشعوب شخصيتها، وتصون ذاكرتها، وتعبّر عن وعيها بذاتها وموقعها في مسيرة الإنسانية؛ فهي حصيلة التجربة الحضارية للأمم، بما تحمله من قيم وأفكار ولغة وعادات وتراث، وما تتركه من آثار في سلوك أبنائها ونظرتهم إلى الحياة والإنسان. ومن هنا كانت الثقافة العربية مكوّنًا أصيلًا من مكونات الشخصية العربية، وجسرًا يصل حاضر الأمة بماضيها، ويمنحها القدرة على الاستمرار والتجدد ومواجهة ما يتهدد هويتها ووجودها.
وقد اضطلعت الثقافة العربية عبر تاريخها بدور يتجاوز حدود التعبير عن الذات؛ فكانت وعاءً للرسالة الحضارية التي أسهمت بها الأمة في بناء المعرفة الإنسانية، وكانت في الوقت نفسه من أهم عوامل التماسك والوحدة بين أبنائها، وميدانًا من ميادين المقاومة في مواجهة محاولات الاستعمار طمس الهوية ومحو الذاكرة وإضعاف مقومات الانتماء. ولذلك فإن المحافظة على الثقافة العربية جزء لا يتجزأ من المحافظة على هوية الأمة وخصوصيتها الحضارية، وعلى قدرتها على التواصل مع العالم والإسهام في صناعة مستقبله.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية النظر إلى الثقافة العربية في مفهومها الشامل، والوقوف على أبرز ما تواجهه من تحديات وتحولات، ثم تتبع الجهود التي بذلتها الأمة ومؤسساتها لصون تراثها الثقافي، وحماية ذاكرتها الحضارية، وتعزيز حضورها الفكري والإنساني. من خلال من إقامة المؤسسات الثقافية بدءًا بمعهد المخطوطات العربية، ثم معهد الدراسات العربية العالية، ثم المكتب الدائم للتنسيق والتعريب التابع لليونسكو في الرباط، ثم الجهاز الإقليمي العربي لمحو الأمية وغير ذلك.
وفي هذا السياق تأتي الثقافة العربية بوصفها عروة جامعة بين أبناء الأمة، وسبيلًا من سبل رسالتها إلى الإنسانية والعالم، بما تختزنه من رصيد فكري وفني وديني واجتماعي، وما تحمله من موروث حضاري جدير بالحفظ والرعاية والتجديد.
________________________________________________
من كتاب قضايا الثقافة العربية
للحضارة العربية أبعادٌ ضاربةٌ في تاريخ البشرية؛ لأنها قامت على القدرة المبدعة للإنسان العربي، واشتملت على شتى أنواع الفكر والفنون والصناعة والتجارة والقانون والأدب والدين.
وقد اختلط العرب بثقافات وحضارات واسعة ومتجددة، مثل حضارة بابل وآشور وآرام وكنعان وفينيقية، فاخترعوا الزراعة، وأنسوا بالحيوان، واستخرجوا المعادن، وشيدوا المدن والمعابد، واخترعوا الأبجدية فكتبوا، كما برعوا في الفنون التشكيلية، فأنتجوا النحت والتصوير، وابتدعوا النظام التجاري والإداري، وأسسوا النظم السياسية.
وإذا كنا نبحث عن دور متقدم للثقافة العربية، فقد أنشأ العرب دولتهم المتقدمة في اليمن، كالدولة المعينية والدولة السبئية، وفي الشمال كانت الدولة الأنباط في البتراء، والغساسنة في الشام، وفي بادية الشام في تدمر، ودولة كندة في اليمامة، ودولة المناذرة في الحيرة بالعراق.
بينما كانت مكة قبيل الإسلام مركزًا تجاريًا ودينيًا وسياسيًا، يستقطب كل القبائل في الجزيرة العربية، وتُقرأ فيها السياسات العالمية، وتنطلق منها الحركات الفكرية والأدبية. وكانت علاقة العرب بغيرهم مدفوعة بسلسلة العلاقات السياسية والتجارية الدائمة بين مختلف الدول الكبرى حولها في آسيا وأفريقيا وأوروبا، مع الفرس والبيزنطيين والإثيوبيين والمصريين واليونان والرومان.
وأحيانًا كانت الأجواء يسودها التفاهم والتحالف، وأخرى الصراع والاختلاف. وهكذا، داخل المجتمع العربي قبل الإسلام، كانت هناك علاقات حضارية وبشرية مع الأمم والشعوب حوله، والتعرف على الديانات السماوية، واعتنقها فريق منهم، وكان الحنفيون الموحدون المتبعون ملة جدهم إبراهيم عليه السلام.
وظهرت لغة قريش كإحدى اللغات الأكثر استيعابًا للمعاني ووضوحًا ومناسبة للغة الفكر والأدب، وبدت روائع الشعر العربي قبل الإسلام، وكذلك النثر الفني الذي يعبر عن هموم المجتمع وتطلعاته، والتي كانت منبرها الأسواق الأدبية، والتي كانت تتم في مواسم عربية جماعية في الحج.
وحين نزل القرآن بهذه اللغة، وفي لهجة قريش، تقرر لها البقاء، وضُمن لها الديمومة، فقد أصبحت وعاء العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي، ولغة العبادة ولغة العلوم الإسلامية، فاتسعت رقعتها تبعًا لاتساع رقعة الفتوحات الإسلامية وامتداد الإسلام إلى العالم.
وقد انتفع المسلمون بالمعارف والفنون التي عالجوها في سفرهم وتجارتهم، فانتفعوا بالنظم الإدارية للدول المجاورة، وعرّبوا دواوين الحكومة، وأقاموا النظم المحاسبية الدقيقة، ثم عمدوا إلى الترجمة، فترجموا عن السريانية والفارسية والهندية، كما عنوا بالتراث اليوناني الذي نُقل جزء كبير منه إلى السريانية.
وفي الحقبة الإسلامية العباسية، ظهرت قصص كليلة ودمنة، وقصة السندباد، وقصة ألف ليلة وليلة، التي ألقت بسحرها على مخيلة الأدباء الأسبان والفرنسيين، ومثلها قصة حي بن يقظان لابن طفيل، بالإضافة إلى الإنتاج العربي في مجالات التربية والاجتماع، مثل كتب الإمام القابسي وابن خلدون، وفي مجال الفلسفة كابن رشد والطوسي، وفي الطب كابن النفيس وابن الهيثم وابن سينا، وفي الهندسة والرياضيات كالخوارزمي وغيره.
لقد نشأ الاتصال بين العرب والأوروبيين منذ عصور مبكرة عبر التجارة وحركة الفتوحات والرحلات، ثم تطور هذا الاتصال في ميادين العلم والثقافة. وأسهم انتقال المعارف العربية إلى أوروبا في إثراء النهضة العلمية الأوروبية، فانتشرت كتب الطب العربي، ودرست في مراكز العلم الأوروبية، ولا سيما في طليطلة وسالرنو. وفي العصر الحديث، أسهم التقدم التكنولوجي والبعثات العلمية والدراسية في تعميق معرفة العرب بأوروبا، والتعرف إلى نظمها التعليمية والاجتماعية والفنية والاقتصادية، وطرائق بناء السياسات العامة فيها، كما أتاح ذلك التفكير بصورة أكثر وعيًا في مجالات التعاون الممكنة، وفي سبل المحافظة على الاستقلال الثقافي والفكري والسياسي للعالم العربي.
والحضارة الصناعية والتكنولوجية الحديثة تقوم في قدراتها واتجاهاتها ووسائلها على منجزات العلوم الطبيعية والحيوية والرياضية، الأمر الذي منحها قابلية واسعة للانتشار والتطبيق في مختلف البيئات والمجتمعات. وهي حضارة كونية تتجه إلى تعميم أنماط معينة في الحياة وقيمًا مشتركة في التعامل مع حاجات الإنسان، وتسعى إلى تطوير وسائل إشباع هذه الحاجات بصورة متزايدة. وقد ارتبط هذا المسار بالنشاط الاقتصادي والإنتاج السلعي، فأصبح للجهد الإنساني في كثير من المجالات معادل اقتصادي ومالي، كما طورت الحضارة الحديثة وسائل واسعة للانتشار والتأثير من خلال أجهزة الإعلام، والمؤسسات المالية والمصرفية، والمنظمات الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، وشبكات الاتصال العالمية. وبذلك أصبحت الحضارة الحديثة تمتلك أدوات واسعة للتأثير والإقناع والاستيعاب الفكري والقانوني والاقتصادي والسياسي.
وقد حققت هذه الحضارة إنجازًا بالغ الأهمية في علاقة الإنسان بالطبيعة؛ فبعد أن كان الإنسان القديم يعيش تحت وطأة المكان بما يحمله من جبال وبحار وأنهار وصحارى وغابات، وتحت تأثير الزمان بما يفرضه من ظلام وبرد وحر وتقلبات، أخذ يطور معرفته بالطبيعة عن طريق الخبرة والملاحظة والتفكير، حتى اتسعت قدرته على تسخير مواردها والتحكم في كثير من ظواهرها. ومع هذا التقدم ظهرت مسؤولية جديدة؛ إذ أصبحت القدرات العلمية والتكنولوجية قادرة على تهديد البيئة واستنزاف مواردها، بل وعلى تعريض البشرية نفسها لمخاطر واسعة تهدد أمنها ومستقبلها. وهكذا انتقل الإنسان من الخوف من الطبيعة إلى امتلاك القدرة على التأثير فيها، وأصبح مطالبًا بتوجيه هذه القدرة بما يحفظ الحياة ويصون الإنسان ويحقق التوازن بين التقدم العلمي والقيم الإنسانية.
والحضارة الحديثة ثمرة جهد إنساني مشترك، شاركت في بنائها حضارات وشعوب متعددة، وكان للحضارة العربية الإسلامية إسهام واسع وأساسي في تكوينها العلمي والفكري. فقد أسهم العلماء العرب والمسلمون في تطوير العلوم الطبيعية والرياضية والطبية، وفي ترسيخ مناهج البحث والملاحظة والتجربة، وأثروا في مسار المعرفة الإنسانية تأثيرًا امتد إلى أوروبا. وتحتاج الكتابة التاريخية للعلوم إلى إبراز هذه الإسهامات وإدراجها في سياقها الحضاري الموضوعي؛ لأن تاريخ العلم بناء إنساني متصل، تتعاقب فيه جهود الحضارات وتتفاعل فيه الخبرات والمعارف. وفي الوقت نفسه، أسهم الفكر الاجتماعي الأوروبي الحديث في توجيه القدرات العلمية والتكنولوجية نحو مسارات ارتبطت بالاتجاه العلماني، والاقتصاد الحر، والتنافس الدولي، والتفوق العسكري، فكان لهذا التوجيه أثر عميق في طبيعة الحضارة الحديثة وفي وظائفها واتجاهاتها.
ومن هنا تبرز قضية أساسية من قضايا العصر، تتمثل في كيفية توجيه القوة العلمية والتكنولوجية لخدمة الإنسان والحياة، وفي تحقيق التوازن بين التقدم المادي والقيم الإنسانية. وقد أصبح السير في طريق الحضارة المعاصرة واقعًا عالميًا فرضته طبيعة التطور العلمي والتقني، وأصبح التحدي الحقيقي يتمثل في امتلاك القدرة على التعامل مع هذه الحضارة بوعي، والإفادة من منجزاتها، والمشاركة في تطويرها، مع المحافظة على الخصوصية الثقافية والقيم الحضارية للشعوب.
ويأتي الحوار العربي الأوروبي في هذا السياق بوصفه إطارًا حضاريًا لفهم العلاقات التاريخية والراهنة بين الطرفين، وبناء رؤية أكثر موضوعية للذات وللآخر. فقد عرف العرب والأوروبيون اتصالًا طويلًا أسهم في تشكيل جوانب مهمة من التاريخ المشترك، وكان للحوار الفكري والعلمي بينهما أثر واضح في انتقال المعرفة وتطورها. كما أتاحت أوروبا في العصر الحديث للعرب فرصًا واسعة للتعرف إلى العلوم الحديثة، وأسهم العلماء والمستشرقون في دراسة الثقافة العربية الإسلامية ونقل جانب من تراثها إلى اللغات الأوروبية، كما شاركوا في تطوير أساليب البحث العلمي ودراساته. وقد أسهم هذا التفاعل المتبادل في استمرار الصلة العلمية والثقافية بين الجانبين، ويمثل أساسًا صالحًا لتوسيع التعاون وتعميقه في المستقبل.
ويستهدف الحوار كذلك بناء صورة موضوعية لكل طرف لدى الطرف الآخر، تقوم على المعرفة المباشرة والدراسة العلمية، وتتحرر من الأحكام المسبقة التي صنعتها ظروف الصراع والمنافسة السياسية والاستعمارية. فمعرفة العرب بأوروبا ينبغي أن تقوم على فهم واقعها الحضاري والثقافي والاجتماعي كما هو، ومعرفة الأوروبيين بالعالم العربي ينبغي أن تقوم على إدراك حقيقته التاريخية والثقافية وحضوره الإنساني. ومن شأن هذه الرؤية الموضوعية أن تحول التاريخ إلى مصدر للعبرة والخبرة، وأن تجعل المستقبل مجالًا للتعاون والتفاعل البناء.
ويشكل الحوار الفكري الأساس الذي تستند إليه مختلف أشكال الحوار الأخرى؛ فالتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي يزداد فاعلية حين يستند إلى فهم مشترك للغايات والمصالح والقيم. ومن ثم فإن الحوار الحقيقي يقوم على توسيع مجالات الالتقاء وتعميقها، وتقريب وجهات النظر في القضايا المختلف عليها، وتحويل الاختلاف إلى مجال للبحث والتفاهم، وصولًا إلى تحديد الأهداف المشتركة، وبناء المؤسسات والبرامج القادرة على تحقيقها.
وتتسع مجالات هذا الحوار لتشمل التعاون التكنولوجي، وإجراء البحوث العلمية المتقدمة، وتوطين التكنولوجيا وتطويرها، وتدريب القوى البشرية، وتبادل الخبرات والزيارات، وإقامة الصلات بين العلماء والفنانين والمفكرين والأساتذة والشباب والنساء والعمال والإعلاميين. ك
ما تشمل تطوير المناهج التعليمية، ودراسة التاريخ الفكري للمنطقتين، وتنشيط التبادل الفني، وتعميق التذوق المشترك لمختلف الفنون، وتوسيع تعليم اللغة العربية في المدارس والمعاهد الأوروبية، وتعليم اللغات الأوروبية في المؤسسات التعليمية العربية؛ بما يؤدي إلى توسيع دائرة المعرفة المتبادلة وتعزيز الفهم الحضاري المشترك. وتؤدي الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الثقافية والتنفيذية دورًا أساسيًا في متابعة هذه الأنشطة وتقويمها وتطويرها وتوسيع نطاقها.
ويتصل ذلك كله بطبيعة العالم المعاصر الذي تتشابك فيه المصالح والمشكلات. فقد أوجد التقدم التكنولوجي والاقتصادي قضايا مشتركة بين المجتمعات، وأصبح الاقتصاد العالمي شديد التأثر بأوضاع الدول النامية والمتقدمة على السواء.
كما تواجه المجتمعات المتقدمة قضايا الانكماش والتضخم والبطالة والتحولات الاجتماعية، بينما تتحمل المجتمعات النامية جانبًا كبيرًا من آثار الاختلالات الاقتصادية العالمية، وتواجه في الوقت نفسه تحديات التنمية وبناء المؤسسات وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولذلك فإن التعاون الدولي القائم على العدالة والتكافؤ يمثل مدخلًا أساسيًا لمعالجة هذه الاختلالات وبناء اقتصاد عالمي أكثر توازنًا.
كما تبرز في هذا الإطار قضية الطاقة العربية ومشكلاتها، باعتبارها جزءًا من منظومة الطاقة العالمية، إلى جانب القضايا السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة العربية خلال القرنين الماضيين. وقد ترك الاستعمار وآثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصمات عميقة في المنطقة، وجاءت القضية الفلسطينية في مقدمة القضايا التي ارتبطت بتاريخ الصراع الحديث، لما ترتب عليها من اقتلاع وتشريد للشعب الفلسطيني، ومن آثار سياسية واقتصادية وتنموية امتدت إلى المنطقة بأسرها. ومن ثم تكتسب هذه القضية بعدها الحضاري والإنساني إلى جانب أبعادها السياسية والاقتصادية، وتحتاج إلى معالجة تقوم على العدل والموضوعية واحترام حقوق الشعوب في أرضها وهويتها وحياتها.
ويكشف الواقع العالمي كذلك عن انقسامات كبرى تتجاوز الحدود الإقليمية، من أبرزها الفجوة بين الدول المتقدمة تكنولوجيًا واقتصاديًا والدول النامية، وما يرتبط بها من تفاوت بين الشمال والجنوب، إلى جانب الاختلافات السياسية والفكرية بين الشرق والغرب.
وقد أفرزت هذه التحولات شبكة معقدة من المصالح والتحديات المشتركة، مما يجعل الحوار بين الحضارات ضرورة من ضرورات بناء المستقبل، ويسهم في البحث عن حلول جماعية للمشكلات التي تتجاوز قدرة أي مجتمع منفرد.
ومن القضايا المهمة التي يتناولها الحوار مسألة التأثير الثقافي والإعلامي المتبادل، وما يرتبط بها من صورة كل مجتمع في وعي الآخر. فقد أسهمت بعض الممارسات الإعلامية والثقافية في تقديم الثقافة العربية في صورة تختزل ثراءها التاريخي في جوانب محدودة، وربطت أحيانًا بين العربية والتأخر عن مواكبة العلوم الحديثة، في حين أن تاريخ العربية يثبت قدرتها على استيعاب العلوم والفلسفة والطب والرياضيات وغيرها من مجالات المعرفة. كما أسهمت عوامل اقتصادية وعلمية واجتماعية في انتقال أعداد كبيرة من العلماء والمثقفين العرب إلى المؤسسات الغربية، وهو ما جعل قضية هجرة الكفاءات من أبرز قضايا العلاقة بين العالم العربي والغرب. ويقتضي التعامل مع هذه القضية تطوير البيئة العلمية والبحثية العربية، وتهيئة الظروف التي تمكن العلماء والمبدعين من الإسهام في نهضة مجتمعاتهم، مع الاستفادة في الوقت نفسه من جسور التعاون العلمي الدولي.
وتكتسب الندوة العربية الأوروبية أهميتها من تناولها قضايا تقع في صميم المشكلات الدولية المعاصرة، ومن سعيها إلى تصحيح الصور والمفاهيم المتبادلة، وتحديد مجالات التعاون ومؤسساته ووسائله، وبناء تصور مشترك للمستقبل. كما تنطلق من حقيقة أن كثيرًا من آثار التقدم التكنولوجي أصبحت مشكلات إنسانية عامة؛ فالتكنولوجيا تطور الأدوات والوسائل، بينما يحتاج المجتمع إلى تطوير منظومة القيم والسلوكيات القادرة على توجيه هذه الأدوات. وقد أدى التسارع التقني إلى ظهور ما يعرف بالفجوة الحضارية، أو فجوة التكيف الاجتماعي مع التطور التكنولوجي، وظهرت آثارها في أنماط الحياة وفي سلوك الأجيال الجديدة وفي عدد من الظواهر الاجتماعية التي تحتاج إلى دراسة علمية ومعالجة متوازنة. ومن هنا يمكن للحوار أن يفتح مجالًا للتعاون في دراسة هذه الظواهر والاستفادة من الخبرات المتبادلة في التعامل معها.
وإذا كان الحوار العربي الأوروبي يستهدف تطوير العلاقات بين الطرفين، فإنه يتجاوز ذلك إلى الإسهام في معالجة المشكلات العالمية؛ لأن القضايا المعاصرة أصبحت مترابطة، وأصبحت نتائجها تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
ومن هنا فإن نجاح هذا الحوار في بناء نموذج للتفاهم والتعاون يمكن أن يقدم تجربة ذات قيمة أوسع في العلاقات الدولية، ويسهم في تخفيف التوترات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويفتح المجال أمام أنماط جديدة من التعاون الحضاري.
وتستمد المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية والمجموعة الأوروبية، مشروعية هذا الحوار من روح العصر ومن حاجة العالم إلى أطر مؤسسية تنظم العلاقات بين الشعوب والحضارات. فقد شهد العالم نشوء عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها، إلى جانب المؤسسات الإقليمية والدولية المتخصصة، في محاولة لبناء آليات للتعاون ومعالجة المشكلات المشتركة. ويأتي الحوار العربي الأوروبي في هذا السياق بوصفه جهدًا مؤسسيًا يستند إلى التاريخ المشترك، ويتطلع إلى بناء مستقبل يقوم على المعرفة والتعاون والاحترام المتبادل.
وتقوم المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحوث بدور محوري في تحويل أهداف الحوار إلى برامج عملية، من خلال الدراسات المشتركة، والبحوث العلمية، وتطوير المناهج التعليمية، وإعادة قراءة التاريخ الفكري للمنطقتين، وتنشيط التبادل الفني والثقافي، وتوسيع حركة تعلم اللغات، وإقامة المؤتمرات والندوات والبرامج المشتركة. وبهذه الوسائل يتحول الحوار من فكرة عامة إلى عمل مؤسسي مستمر، تتحدد أهدافه ومجالاته وبرامجه، وتتابع نتائجه وتقوّم بصورة علمية.
وهكذا يكتسب الحوار العربي الأوروبي معناه الحقيقي من كونه لقاءً بين حضارتين لهما تاريخ طويل وإسهامات راسخة في الحضارة الإنسانية. وهو حوار يقوم على المعرفة المتبادلة، ويستثمر نقاط الالتقاء، ويعالج نقاط الاختلاف بروح علمية، ويفتح مجالات واسعة للتعاون في العلم والثقافة والاقتصاد والسياسة. ومن هذه الندوة، التي تنعقد في إطار مؤسستين إقليميتين تؤديان دورًا تاريخيًا في العالم المعاصر، يمكن أن ينطلق عمل حضاري طويل المدى، يؤسس لعلاقات أكثر توازنًا ووعيًا، ويجعل من الحوار وسيلة لبناء المستقبل المشترك. ولذلك فإن البداية الحقيقية تتمثل في عقول متفتحة، وإرادة إيجابية، ورؤية حضارية قادرة على فتح صفحة جديدة في العلاقات العربية الأوروبية، أساسها الاحترام المتبادل، والمعرفة المشتركة، والتعاون في خدمة الإنسان والحضارة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق