أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

المستوطنات اليهودية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم د. أحمد علي المجدوب بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المستوطنات اليهودية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

د. أحمد علي المجدوب

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: لقد شهدت يثرب (المدينة المنورة) تحولات سكانية عميقة قبل الإسلام؛ إذ تعاقبت عليها قبائل عربية قديمة مثل العماليق، الذين يرجع وجودهم إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تنزل بها لاحقًا قبائل لحيان ودادان، ومن بعدهم الأوس والخزرج، الذين وفدوا من اليمن في أعقاب تصدع سد مأرب. وقد عانوا في بدايتهم من شظف العيش وسط نفوذ يهودي واسع، تمثّل في سيطرة بني قريظة والنضير وقينقاع على الأراضي والموارد.

أما اليهود، فقد استوطنوا المدينة وغيرها من واحات الحجاز في أعقاب اضطهادهم في فلسطين، فبنوا الحصون وامتلكوا الثروات، وتسلّطوا على العرب واستضعفوهم، حتى بلغ الأمر بهم أن اعتدوا على النساء وفرضوا الخراج، كما في قصة الفطيون. ولم تتبدل موازين القوى إلا بعد تدخل أبي جبيلة الغساني، الذي قتل رؤساء اليهود ومكّن الأوس والخزرج، فكانت تلك لحظة فاصلة في الصراع العربي اليهودي المبكر في يثرب.

وقد انتهج اليهود سياسة التحريض الدائم بين الأوس والخزرج، فكانوا يؤيدون طرفًا على آخر، ليضمنوا استمرار النزاع ومنع وحدة العرب. فاندلعت بينهم حروب متعددة مثل: يوم الفجار الثاني، ويوم بعاث، حيث كان لليهود دور مباشر في إذكاء نار الفتنة، بما في ذلك انتهاك المواثيق وخيانة العهود، الأمر الذي مهّد الطريق لظهور الإسلام الذي جاء فأنهى تلك الخصومات ووحّد تلك القبائل.

ولم تقتصر المستوطنات اليهودية على يثرب، بل امتدت إلى تيماء وتبوك وخيبر ووادي القرى وغيرها من الواحات الشمالية، حيث مارس اليهود فيها نفس أساليب الهيمنة والسيطرة، واستعانوا في ذلك بعلاقاتهم مع الفرس تارة، ومع الروم تارة أخرى. وقد كان موقفهم من دعوة النبي ﷺ عدائيًا، فقاوموا الرسالة وتحالفوا مع أعدائها، حتى أُخرجوا منها وطُهرت الجزيرة من نفوذهم، كما يُرجى أن تُطهّر فلسطين اليوم من بقايا الاحتلال الغاصب، بعون الله ووعده الحق.

ويناقش هذا الكتاب تاريخ الوجود اليهودي في الحجاز وفي جزيرة العرب، من منظور نقدي وتحليلي، ويبحث في الكيفية التي دخلوا بها إليها، وكيف استيطانهم تلك البقاع، والفترة الزمنية، مركزًا على جذور استيطانهم في يثرب وغيرها من الواحات مثل تيماء وتبوك، منذ ما قبل الإسلام وحتى بزوغ دعوة النبي محمد ﷺ. 

ويستعرض كيفية اغتصاب اليهود للأراضي والثروات، وماذا فعلوا بأصحاب البلاد الأصليين إبان قدومهم الجزية، ونظرتهم الاستعلائية على العرب دينيًا واجتماعيًا واقتصادياً، وكيف أنهم مارسوا التحريض والفتن بين القبائل؛ للحفاظ على نفوذهم وسيطرتهم.

كما تتبع الكتاب مراحل المقاومة العربية لهذا التسلط والنفوذ القوي في الجزيرة، وأثر التحولات السياسية والدينية في إنهاء الهيمنة اليهودية، مبرزًا البعد الرمزي لذلك في ضوء الواقع المعاصر، حيث يُستحضر التاريخ كرافعة لفهم الصراع مع المشروع الصهيوني في البلاد العربية.

  وتطرق هذا البحث إلى حقائق عجيبة؛ منها: أن اليهود لم يكونوا في المدينة وخيبر فقط، بل كانوا فى مناطق أخرى كثيرة تربو على العشر؛ ذلك لأنهم كما هو شأنهم دائما ما إن اجتازوا حدود الجزيرة العربية مع فلسطين حتى انتشروا في الحجاز بطريقة سرطانية، ينشئون المستوطنات في المواقع الاستراتيجية، وذات الأهمية الاقتصادية في آن واحد، ويقيمون الحصون القوية، ويقتلون السكان العرب أو يطردونهم أو يسخرونهم لأداء الأعمال الشاقة نظير أجور تافهة.

يقول المؤلف:

ولم أجد فى كتب التاريخ ذكراً للطريقة التي دخل بها اليهود إلى الحجاز، وهل دخلوه عنوة وبواسطة الحرب، أو دخلوه متسللين مهاجرين بعد أن أعمل الرومان فيهم سيوفهم؛ فقتلوا منهم مئات الألوف، فاستدروا عطف العرب بالدموع والتوسلات، كما فعلوا في فلسطين بعد ذلك بألفي عام ؟.

أما الذي وجدته بشأن تصرفاتهم بعد أن استقروا واطمأنوا، فيشبه إلى حد بعيد ما فعله اليهود ويفعلونه في فلسطين في الأربعينيات من هذا القرن وإلى الآن؛ مما جعلني أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة !! وهذا صحيح: ففى البارحة التي يفصلنا عنها قرابة العشرين قرناً، استغل اليهود اختلاف العرب وتناحرهم وتفرقهم، ففرضوا سيطرتهم عليهم وأخضعوهم لهم واستغلوهم، بل وأذلوهم، كما سوف نرى

واليوم يفعلون نفس الشيء، إلى أن قدر للبارحة أن تنتهى، وندعو الله العلى القدير أن ينتهى اليوم كما انتهت البارحة، وذلك لن يكون إلا إذا فعلنا كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي لم ترهبه دعايات اليهود، ولم يُخفه استظلالهم بحماية إحدى الدولتين العظميين فى زمنه، وهى دولة فارس، ولم يقف مكتوف اليدين أمام محاولات المنافقين والانتهازيين، ولم ترهبه قوة اليهود الحربية، وإنما اعتمد على الله، وتحت قيادة واحدة، ومضى في طريقه بإرادة قوية وعزيمة لا تلين؛ ليستأصل المستوطنات اليهودية الواحدة بعد الأخرى دون أن يساوم أو يفاوض فيوقع نفسه في حبائل اليهود ويتوه في دروب ألاعيبهم.

والواقع أن الجهد الذي بذلته فى هذا الكتاب لم يخرج عن حدود جمع ما تناثر في كتب التاريخ والتفسير من معلومات تتعلق بموضوعنا، والتنسيق بينها، وتحليل وتفسير ما وجدته منها بحاجة إلى تحليل أو إلى تفسير، وتمحيص ما غمض أو استبهم، واستيفاء ما نقص، وبسط ما أجمل، وبخاصة ما كانت له علاقة بالغزوات والمعارك التي لم يحظ الجانب الهام منها، وهو النشاط العسكرى، باهتمام المؤرخين المسلمين، ناهيك عن المفسرين، فجاء الكلام بشأنها ناقصا إلى درجة معيبة جعلته يبدو كما لو كان نزهة أو هجمة عشوائية تسودها الفوضى وينقصها التخطيط.

ليس ذلك وحسب، بل إن كتب التاريخ الإسلامي تركز بشكل واضح على المرحلة المكية من الدعوة بشكل يوحى للقارئ أن معاناة الرسول صلى الله عليه وسلم قد انتهت أو كادت بهجرته إلى المدينة، والغريب في الأمر أن وسائل الإعلام - وبالذات الإذاعة المسموعة والمرئية - تركز على هذه المرحلة، وتظهر المرحلة المدنية؛ كما لو كانت مرحلة استرخاء وراحة وطمأنينة، مما جعل الغالبية العظمى منا نحن المسلمين نظن أنه بالهجرة إلى المدينة خفت متاعب المسلمين بدرجة كبيرة وأحسوا بالطمأنينة والأمن بعد أن أصبحوا بين ظهراني الأنصار، في حين أن الحقيقة خلاف ذلك تماماً: 

ففى المدينة واجه الرسول صلى الله عليه وسلم متاعب من نوع جديد، كما أن إحساسه بالطمأنينة والأمن كان شبه منعدم لأسباب عديدة: منها أن الذين أسلموا من الأوس والخزرج كان عددهم ضئيلاً للغاية بالمقارنة مع الأعداد الكبيرة للقبيلتين، كذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأمن نشوب الصراع فى أى وقت بين هاتين القبيلتين، وأن يذهب كل ما بذله من أجل القضاء على أسباب الخلاف بينهما سُدًى، وأكبر دليل على صحة هذا حالنا الآن عرب القرن العشرين، فإننا ما نكاد نلتقى إلا وسرعان ما نفترق، مما يجعل جمع الرسول لكلمة العرب معجزة بحق، ندعو الله أن تتكرر كذلك؛ فإنه كان يوجد بين الذين أسلموا من أفراد القبيلتين كثيرٌ من المنافقين، الذين تظاهروا بالإسلام لسبب أو لآخر، في حين أنهم يضمرون الكفر، أو على الأقل يشكون في صدق النبوة، وكان على رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول. 

ومن الأسباب أيضا، بل على رأسها، اليهود الذين أقاموا فى يثرب، منذ زمن بعيد وكانت لهم بها ثلاث قبائل كبرى هي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، والتي كان عدد أفرادها يتجاوز الخمسة عشر ألف فرد، منهم حوالى الألفين والخمسمائة من المقاتلين الأشداء، ولهم حصون منيعة وسلاح وعتاد جيّدان، فضلاً عن الثروة الطائلة والتأثير الشديد في العرب، وما كان لهم من تحالفات مع الأوس والخزرج على السواء.

وفضلاً عن كل ذلك؛ فقد كانت قريش ومعها القبائل العربية الأخرى لا تكف عن مهاجمة المدينة، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يواجه خطراً أو تهديدا مزدوجا، من الداخل ومن الخارج. وعادة فإن التهديد الخارجى يكون أهون من التهديد الداخلي؛ حيث إنه يمكن رصد الأول وتوقعه قبل وقوعه، واتخاذ ما يلزم لمواجهته، في حين أن الثاني: -أى: الداخلى -يأتى بغتة، ويكون أخطر؛ لأنه يؤدى إلى شق الجبهة الداخلية، وبالتالى إصابتها بالضعف فالانهيار. 

فما بالنا إذا تزامن التهديدان، الخارجي والداخلي، فأحدق الأول من الخارج، وتفجر الثاني من الداخل، إنها الكارثة التي لا يعلم مداها إلا الله ومع ذلك يزعم بعض من لا عقل لهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتزوج ليستمتع بالنساء !! وكأن كل ماذكرناه من أخطار لا وجود لها، وكأن الرجل ليس رسولاً يتلقى الوحى فيحفظ عنه ثم يُعلم أتباعه، ويدعو من لم يتبعوه بعد، وينظم شئون الجماعة، ويشرف على مصالحها، ويتعهدها بالنصح والتوجيه والإرشاد. 

ولو أنه كان كما يقولون، ما استطاع أن ينجح في أي عمل قام به، والعجزَ عن استئصال المستوطنات اليهودية، وللجأ إلى التوسل إلى هذه الدولة أو إلى تلك: لكى تفعل له شيئا يحفظ به ماء وجهه. وهكذا نرى أن أحداث الماضى ليست منبتة الصلة بالحاضر الذي نعيشه، وإنما هي مرتبطة به أشد الارتباط، فهاهم اليهود أعداء الله وأعداء الإسلام يعاودون الكرة، فيعيدون إقامة مستوطناتهم في فلسطين بمساعدة الغرب الصليبي، ويسعون إلى إقامة دولة كبرى تمتد من النيل إلى الفرات، يكون المسلمون فيها عبيدا لهم وأتباعا أذلاء، وتساعدهم الدول الصليبية نكاية في الإسلام وأهله. 

وعندهم في التواراة -سفر التكوين: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات". ولعل الذين هللوا لمعاهدة كامب ديفيد، واعتبروها نصرًا لـ ( مصر ) قد أدركوا أن الأمر لم يكن كذلك، وإنما هو نذير بالهزيمة الساحقة الماحقة التي يدبر اليهود وغيرهم لإنزالها بنا جميعاً، ومن ورائهم الغرب -مصريين وغير مصريين؛ ذلك لأن اليهود الصليبي - لن يهدأ لهم بال أو يطمئن خاطر، إلا بعد أن يقضوا على الإسلام ويجعلوا من المسلمين قطيعا ذليلا تقوده إسرائيل، التي سيمتد ملكها من النيل إلى الفرات تنفيذا للنبوءة التي يؤمن بها الصليبيون أيضا مثلما يؤمن بها اليهود، ولم لا وكتابهم المقدس يتكون من التوراة والإنجيل معا ؟

وليس بخافٍ على أحد أن القضاء على الإسلام يقتضى القضاء على مقدساته، وفي مقدمتها الكعبة، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، والمسجد الأقصى في القدس. ولقد بدأ اليهود بالأخير فاستولوا عليه عام ١٩٦٧ تحت بصر المسلمين وسمعهم.. وأخذوا منذ ذلك الحين يقومون بأعمال تخريبية ضد المسجد الأقصى، فأشعلوا فيه النار مرات، وحفروا تحته، وما يزالون يحفرون، وكل ذلك بقصد هدمه وإقامة معبدهم مكانه. وإذا كانت بعض الاعتبارات قد حالت دون ذلك، في الوقت الراهن، فإن هذه الاعتبارات سوف تضعف ثم تزول فى وقت قريب، وبالتالي يقدمون على هدم المسجد الأقصى دون أن يواجهوا أدنى مقاومة يعتد بها من جانب المسلمين الذين ستكون جماهيرهم مشغولة بمتابعة إحدى مباريات كرة القدم، أو منصرفة إلى متابعة أخبار إحدى الراقصات.

أما الحكومات العربية والإسلامية العظيمة؛ فلا بأس من أن تصدر بيانات تشجب فيها ما حدث، وتستنجد بالحكومات الصديقة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد السوفيتي؛ لكي تتدخل وتمنع إسرائيل الكبرى من هدم المسجد، وطبعاً لن تخيب هذه الحكومات ظن أصدقائها فيها، ولن تتركهم ليفتضح أمرهم أمام شعوبهم، وسوف تحتج بدورها وتشجب في حين أن أيديها ممتدة من تحت الطاولة تصافح أيدى اليهود، وتشد عليها، تأييدا وتشجيعا، بل وتهنئة بتحقق النبوءة وقيام الهيكل. 

وبعد ذلك سيأتى الدور على المسجد النبوى بالمدينة، التي يزعم اليهود أن لهم حقوقا فيها لا تقل عن حقوقهم في فلسطين والشام والعراق ومصر. فقد أقاموا فيها زمنا طويلا قبل الإسلام، وكانت لهم فيها مساكن ومزارع وحصون وأموال استولى عليها المسلمون، ولا نستبعد أن يخرجوا علينا، في الوقت المناسب، بادعاءات تقول: إن المسجد النبوى أقيم على أراض كانت مملوكة لهم، أو كان عليها بعض معابدهم، أو مقدساتهم التي غطتها الرمال، ويكرروا ما يفعلونه الآن في القدس من التنقيب تحت المسجد الأقصى توطئة لهدمه. وسوف يفعلون ذلك بسهولة أكبر، حيث لن يكون للعرب الأشاوس أى وزن أو قيمة بعد نزع سلاحهم والقضاء على قوتهم بتفتيتهم وإضرام نار العداء بينهم وجعلهم يخافون من بعضهم البعض، ويطمئنون للغرب ولإسرائيل.

وأخيرا وليس آخرا، أوجه كلمة للواهمين من الإخوة المصريين، الذين يظنون أن اليهود قد تركوا سيناء نهائيا، فأقول لهم: أفيقوا من وهمكم قبل أن تنتبهوا فجأة على قعقعة المدرعات وأزيز الطائرات الإسرائيلية على أرض سيناء وفى سمائها، وعندئذ تمطون شفاهكم في بلاهة، وتزعمون أنكم خدعتم فيما قيل لكم وما سمعتموه، وهو ما قلتموه من قبل؛ لأنكم لا تقرءون التاريخ ولا تعملون عقولكم، وإنما ترددون في ثقة الجهال ما يصل إلى أسماعكم من كلام المنافقين والكذابين دون أن تُمَحِّصوه، أو لأنكم تجدون فيما حدث مافيه مصلحة لكم. 

إن سيناء ياسادة لا تقل أهمية وقداسة بالنسبة لليهود عن هيكل سليمان والقدس، إن لم تكن تزيد، فعلى جبلها قابل موسى الرب حيث أعطاه العهد لبنى إسرائيل (شعبه المختار)، كما نزل الرب على الجبل أمام عيون بنى إسرائيل "لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء" . وتصور التوراة ما حدث فى اليوم الثالث؛ فتقول: "وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح، أنه صار رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جداً؛ فارتعد كل الشعب الذي في المحلة، وأخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله، فوقفوا في أسفل الجبل، وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار، وصعد دخان كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جداً، فكان صوت البوق يزداد اشتداداً جداً وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت، ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل، ودعا الله موسى إلى رأس الجبل فصعد موسى".

كذلك فقد ظل موسى -عليه السلام -يُذكر اليهود، إلى آخر لحظة في حياته بما لجبل سيناء ولسيناء كلها من قداسة: "وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بنى إسرائيل قبل موته. فقال، جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألاً من جبل فاران". فهل يمكن لعاقل أن يقول إنهم سيتركونها ؟

كذلك فقد أصروا على أن تتضمن اتفاقية كامب ديفيد، نصوصًا تعترف لهم ببعض الحقوق التي تضمن لهم عدم انقطاع صلتهم بسيناء. وهم يحرصون أشد الحرص على زيارتها في كل عام؛ لكي يعمقوا الإحساس بالانتماء إليها، ويؤكدوا ارتباطهم بها. ليس ذلك وحسب، بل إنهم يروجون أكاذيب أخرى بشأن أماكن أخرى يزعمون أن لهم حقوقا فيها، بعضها يقع في الوجه البحرى، والبعض الآخر يقع في الوجه القبلى. 

من ذلك - وعلى سبيل المثال لا الحصر قولهم: إنه كانت لهم مستوطنة دائمة ومستقرة في "جزيرة الفنتين" عند أسوان، وهو ما ذكرته دائرة المعارف الأمريكية أو بالأحرى كاتبها اليهودى اللئيم الذي أرجع تاريخ إنشاء هذه المستوطنة إلى زمن الملك البابلي "نبوئل نصر" الذي كان قد نفى اليهود من فلسطين فرحل بعضهم إلى مصر، وكان بصحبتهم نبي لهم يدعى "جيريميا". 

وأنهم ظلوا يقيمون بهذه المستوطنة من القرن السادس قبل الميلاد إلى أن حدث ما أسماه الكاتب بالخروج الأخير من مصر في الفترة ما بين عام ١٩٤٨م وعام ۱۹۷۰م. وأن نبيهم (جيريميا) مدفون بالجزيرة أى: أنها، هي الأخرى، مكان مقدس عندهم !!

وهكذا لن تفلت دولة من إدعاءات اليهود بوجود حقوق لهم في جزء أو أكثر من أجزائها حتى هذه الدول الصليبية التي تقف الآن إلى جانب إسرائيل ضد العرب والمسلمين لن تفلت هي الأخرى، كل ما في الأمر أن الوقت لم يحن بعد لخروج إسرائيل عليها بادعاءاتها، ويوم تقوم إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات، بفضل تخاذل العرب وتهالكهم على الدنيا، وبيعهم للآخرة، وتخليهم عن أعظم ميراث ورثته أمة من الأسم - فسوف يكون الوقت قد حان بالنسبة لإسرائيل للانتقام من الغرب الذى وقف إلى جانبها وأيدها وأمدها بالسلاح لتفتك بنا.

نصوص مختارة من الكتاب:

وقبل أن نبحث في تاريخ المستوطنات اليهودية في الحجاز قد يكون من المهم معرفة من هم اليهود؟ ولماذا سموا بذلك؟ وما الفرق بين الصفات: یهودی، وعبرى، وإسرائيلي؟ ثم بعد ذلك نبين كيف نشأت العلاقة بين العرب واليهود، وكيف تطورت على مدى التاريخ؛ لما لذلك من علاقة بموضوع المستوطنات اليهودية 

العبرانيون، اليهود، بنو إسرائيل

يزعم اليهود - وبجرأة عجيبة اعتادوها ـ أنهم نسل من أسموهم بالعبرانيين وهم فرع آرامى من الساميين. وقد اختلف في أصل الكلمة (عبرى) فقال البعض: إنها نسبة إلى (عابر) أو (عبر)، وهو اسم الجد الأعلى لإبراهيم -عليه السلام، ولذلك أسمته التوراة إبراهيم العبرى. فقد جاء في سفر التكوين: "أنه لما تم أسر جماعة لوط أتى من نجا وأخبر إبرام العبراني بوقوع لوط في الأسر" 

وفي سفر الخروج: "قال موسى وهارون لفرعون: إله العبرانيين قد التقانا". وتكرر ذلك في الإصحاح السابع فقرة ١٦ عندما قال موسى لفرعون: "أما الرب إله العبرانيين أرسلني إليك قائلاً، أطلق شعبي ليعبدوني في البرية"، كذلك تكرر ذكر العبرانيين في مواقع أخرى. 

وهكذا يكون وصف العبرى الذى أطلق على إبراهيم قد انتقل إلى نسله أو إن شئنا الدقة إلى نسل حفيده يعقوب دون بقية نسله من أبنائه وأحفاده الآخرين، وذلك على الرغم مما هو معروف من أن اسم الجد الأعلى أو صفته تنتقل إلى كل أحفاده ونسله دون تمييز.

ولقد كان لإبراهيم عليه السلام أبناء آخرون غير إسحاق، وأحفاد آخرون غير يعقوب بن إسحاق، فالابن الأكبر لإبراهيم: هو إسماعيل، الذي ولدته له السيدة هاجر. كذلك كان له أبناء آخرون، حسب ماجاء في التوراة ذاتها: ففى سفر التكوين "أن إبراهيم عليه السلام تزوج بعد وفاة السيدة سارة بامرأة اسمها قطورة"، ولدت له ستة أبناء ذكور، هم زمران، ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشوحا. وأن هؤلاء الأبناء تزوجوا وأنجبوا، فولد ليقشان: شبا وددان، ولمديان ولد: عنية وعفر وحنوك وابيداع والدعه. 

كذلك فإن ددان بن بقشان تزوج وأنجب: أشوريم ولطوشيم ولأميم. ومعنى هذا أن بنى الأعمام ليسوا أبناء إسماعيل وإسحاق فقط، بل وأبناء هؤلاء الستة أيضا فهم إخوة لإسماعيل وإسحاق.

كذلك فإن التوراة أيضا ذكرت أنه كان لإسحاق ابن آخر هو (عيسو) توءم يعقوب الذى أنجب عددا كبيرا من الأبناء. فلماذا استأثر أبناء يعقوب وأحفاده دون هؤلاء جميعا بوصف العبرانيين، وهو اسم الجد الأعلى لإبراهيم، كما يقولون.

وهناك رأى آخر يذهب إلى أن "عبرانيين" هو وصف أطلق على عشيرة إبراهيم التي هاجرت معه من موطنهم في "أور" الكلدانيين، فعبرت الفرات في طريقها إلى (كنعان) فى فلسطين، وأنه في هذه الأثناء تعرضت لأخطار أنجاها الله منها، ثم تلا ذلك إعطاؤه العهد لإبراهيم. أى: أنهم سموا (عبرانيين) لأنهم عبروا الفرات.

وهذا التفسير لأصل كلمة (عبرانيين) ينطبق عليه ما قلناه في شأن التفسير السابق بل وأكثر؛ فطبقا للتفسير الأخير: لا يكون أبناء وأحفاد، بل ونسل إبراهيم بصفة عامة هم "العبرانيون"، بل كل العشيرة أو القبيلة التي كانت معه عند هجرته من "أور" الكلدانيين، وكذلك أولادهم ونسلهم جميعا. فلا ندري لماذا استأثر نسل يعقوب بهذا الاسم دون الجميع ؟

ليس ذلك وحسب، بل إن من يسمون بالعبرانيين، الذين عبروا مع إبراهيم عليه السلام لما دخلوا "كنعان" تزاوجوا مع من كان يقيم بها من العناصر الأخرى، وبعد ذلك لما فتح بنو إسرائيل (كنعان) بعد خروجهم من مصر، انضم إليهم أقاربهم الذين كانوا قد بقوا في البلاد ولم يهاجروا إلى مصر. وهكذا انضم الذين لم يعبروا إلى الذين عبروا، فكانت النتيجة هي ما يسمى بالشعب العبراني الذي امتزجت فيه عروق مختلفة ومتنوعة تضم عناصر سامية وحورية وحثية وغير ذلك من العناصر غير السامية.

أما اللغة المسماة بالعبرية، فهى ليست اللغة الأصلية للقبيلة التي هاجرت مع ابراهيم من بلاد الرافدين، فتلك كانت لهجتها سامية قديمة، أما اللغة التي اتخذها العبرانيون فهى الكنعانية. وقد لوحظ أن اللغة الفينيقية القديمة واللغة العبرانية القديمة، أي: التي استعارها العبرانيون، كما هي مدونة في العهد القديم - لا تختلفان إلا من حيث اللهجة. وتعتبر اللغة الكنعانية من بين مظاهر حضارية كنعانية أخرى كثيرة ورثها العبرانيون.

أما الرأى الأخير، وهو أضعف الآراء، فيذهب إلى أن "العبرانيين" هم أنفسهم الخبيرو الذين ورد ذكرهم في ألواح تل العمارنة على أنهم غزوا مصر فى القرن الخامس عشر أو الرابع عشر قبل الميلاد. ولكن الخبيرو كانوا شعبا شبه رعوى، كما أن الكلمة خبيرو، لا تدل على جماعة عرقية أو لغوية، فضلاً عن أن مجيئهم إلى مصر كان أثناء وجود أبناء يعقوب وأحفاده فيها، ولو أن الخبيرو كانوا آراميين أيضا.

وبالنسبة لكلمة (يهود)، فإن مصدرها هو إقليم يهودا، فسمى من كان يقيم به من نسل يعقوب باليهود نسبة إليه، وإن كان الإقليم قد اكتسب هذا الاسم من أبناء وأحفاد يهوذا بن يعقوب الذين أقاموا فيه. ولم يظهر هذا الاسم في الاستعمال إلا بعد أن تم نفى اليهود إلى بابل عام ٥٨٧ ق.م فقد سمى المنفيون باليهود نسبة إلى إقليمهم، على الرغم من أن كثيرين ممن ينتمون إلى بقية الأسباط كانوا يقيمون معهم، فضلا عن آخرين من سكان البلاد الأصليين

أما كلمة (إسرائيل) فهى الاسم الذي أطلقه الله على يعقوب عليه السلام. ومعناها ليحفظ إيل، وبذلك أصبح أبناء وأحفاد إسرائيل (يعقوب) يدعون بنى إسرائيل. وهم الذين ولدوا بمصر في الفترة الواقعة بين مجيء يعقوب وأبنائه وخروج موسى وأتباعه

وهكذا يتبين لنا أنه ليس هناك أي تطابق بين الصفات الثلاث: عبرى، ويهودى، وإسرائيلي. فليس كل من عبروا مع إبراهيم عليه السلام يهودا أو إسرائيليين، وليس كل اليهود أو الإسرائيليين عبريين، وإنما هي ألاعيب وحيل من بني إسرائيل أرادوا بها أن يجعلوا لأنفسهم عرقا ووطنا ودينا.

علاقة العرب باليهود

كما هو معروف، فإن العرب واليهود أحفاد جد واحد هو إبراهيم عليه السلام فهم - إذن - أبناء عمومة، فالجد المباشر لليهود هو إسحاق أخو إسماعيل جد العرب. وهو في نفس الوقت عم يعقوب (إسرائيل) الذي أطلق اسمه على اليهود ليصبحوا بني إسرائيل وإن كانت هناك تفصيلات أخرى تتعلق بكلا الفريقين، أي العرب واليهود، منها أن بداية العرب لم تكن بإسماعيل وأبنائه، فقد كان للعرب وجود بالجزيرة العربية قبل أن يذهب إليها إسماعيل مع أبيه إبراهيم عليهما السلام وأمه السيدة هاجر، حيث شب عن الطوق وأصبح شابا فتزوج منهم وأنجب.

كما أن بداية اليهود لم تكن بإسحاق أو بيعقوب عليهما السلام، حيث إن كليهما تزوج من الجماعات التي كانت تقيم في الشام والعراق، وهم بالقطع لم يكونوا إسرائيليين أو يهودا.

وعلى الرغم مما يقوله العرب من أن إسماعيل عليه السلام تزوج عربية، حيث كان يقيم بالقرب من مكة، فإن اليهود يزعمون أنه لما بلغ الحلم تزوج من مصر، وهو ما ذكرته التوراة (تكوين، الإصحاح ۲۱، فقرة ٢٠): «فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر».

 وهذا كذب محض؛ فإسماعيل عليه السلام لم يقم فى برية فاران التي توجد في شبه جزيرة سيناء، وإنما أقام في واد غير ذي زرع، حيث توجد الكعبة في مكة، والمثير للدهشة حقا هو أن التوراة كانت قد ذكرت حين حديثها عن مفارقة السيدة هاجر وابنها للمكان الذى كان يقيم فيه إبراهيم عليه السلام والسيدة سارة - أنها، أى هاجر تاهت مع ابنها في برية بئر سبع، لا في برية فاران: 

(فبكر إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا إياهما على كتفها والولد وصرفها، فمضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار، ومضت وجلست مقابله بعيدا نحو رمية قوس؛ لأنها قالت: لا أنظر موت الولد، فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت، فسمع الله صوت الغلام، ونادى ملاك الله هاجر من السماء، وقال لها: مالك ياهاجر ؟ لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو، قومى احملي الغلام وشدي يدك به؛ لأني سأجعله أمة عظيمة) [ تكوين، الإصحاح ۲۷، الفقرات من ١٤ إلى ١٨].

ويبدو أن الذين حرفوا التوراة بإضافة مثل هذا الكلام إليها نسوا أنه سبق لهم أن قالوا - وفي نفس السفر - إن إسماعيل حين ختنه أبوه إبراهيم كان في الثالثة عشرة من عمره: ( وكان إسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم إسماعيل ابنه، وكل رجال بيته ولدان البيت والمبتاعين بالفضة من ابن الغريب ختنوا معه) [تكوين، الإصحاح ۱۷، الفقرات من ٢٥ إلى ٢٧].

وهكذا يكون إسماعيل قد بلغ الرابعة عشرة من العمر حين أخذته أمه ورحلت، حيث إن ذلك حدث بعد ولادة إسحاق. فكيف بالله تطرح هاجر صبيا مراهقا تحت إحدى الأشجار ؟ وكيف تحمله وهو الذي لا يقل عنها طولا ؟ بل كيف يبكى أصلا ومثله في الريف أو في البادية يعمل ويكد ويرعى أمه وإخوته ؟ إذا كان هذا غير صحيح، فمن باب أولى ماذكرته التوراة من أن إسماعيل عاش في برية فاران في سيناء وتزوج وأنجب فيها أولاده الاثنى عشر ذكراً، فالثابت أن إسماعيل أقام بالقرب من مكة وتزوج من العرب وأنجب وأنه جد ما يسمى بالعرب المستعربة، وليس ما يمنع أن يكون قد تزوج فيما بعد بامرأة من مصر بلد أمه التي قد تكون استأنفت صلتها بأهلها وزارتهم بامرأة من مصر بلد أمه التي قد تكون استأنفت صلتها بأهلها وزارتهم وزاروها، فقد كانت القوافل رائحة غادية بين مصر وما جاورها من بلاد.

ولقد أطلق اليهود على نسل إسماعيل اسم الإسماعيلية، كما سنرى فيما بعد، أما هم فلم يعرفوا باسم بنى إسرائيل إلا بعد أن أطلق الله هذا الاسم على يعقوب كما بينا، ونحن نعرف القصة التي تصف غدر أبناء يعقوب (إسرائيل) بأخيهم يوسف وكيف ألقوه في البئر، وما انتهى إليه الأمر ببيعه في مصر حيث اشتراه «العزيز»، وما وقع له مع امرأة هذا العزيز، وأدى إلى سجنه، ثم تفسيره للحلم الذي رآه الملك إلى أن تعرف على إخوته وتم الصلح بينه وبينهم، ومجيء يعقوب وأسرته إلى مصر حيث أقاموا بها.

ويقال إن هذه الأحداث وقعت أثناء حكم الهكسوس لمصر، وهو الحكم الذي يوجد اختلاف بين العلماء بشأن المدة التي استغرقها: فهناك من يقولون: إنه دام أربعة قرون، وهناك من يقولون إنه دام قرنين أو ثلاثة، ويحددونه لذلك بالحقبة من القرن ١٨ إلى القرن ١٦ قبل الميلاد. فربما يكون مجيئهم في أولها أو في منتصفها، فلم يعثر بعد فى آثار المصريين القدماء على ما يشير إلى هذه الأحداث، وإن كان لا يوجد أدنى شك في حدوثها.

ولقد كان عدد الذين دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام لا يزيد أي حال عن سبعين فردا، بما فيهم أبناؤه الإحدى عشر وزوجاتهم وأحفاده، وبعض الأتباع كالخدم وغيرهم. ففي التوراة: (جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون).

وفي القرن الثالث عشر قبل الميلاد خرج بنو إسرائيل من مصر تحت قيادة موسى عليه السلام، أى أنهم أقاموا في مصر أربعة قرون، وفي التوراة: (وأما إقامة بنى إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربعمائة سنة وثلاثين سنة).

وفيما يتعلق بعدد من خرجوا مع موسى زعم اليهود أن عددهم كان أكثر من ستمائة ألف رجل؛ ففى التوراة: (فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت نحو ستمائة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد، وصعد معهم لفيف كثير أيضا مع غنم وبقر ومواش وافرة جدا ). 

ويضاف إلى هؤلاء (۲۲۰۰۰) هم ذكور سبط لاوى الذين لم يدخلوا في العدد وهذا معناه أن العدد الإجمالي لمن خرجوا مع موسى يزيد على المليون ونصف المليون، وهو ما لا يمكن لعاقل أن يتصوره؛ إذ كيف تسنى لموسى قيادة هذا العدد الهائل من البشر والخروج بهم من مصر ؟ وكيف عبر بهم البحر حين انشق ؟ وكم من الوقت دام انشقاق البحر ليمر هذا العدد الهائل، خاصة مع ماعرف من أن اليهود قد حملوا معهم ممتلكاتهم التي وضعوها على عربات ثقيلة تجرها الثيران، ولم يتركوا شيئا للمصريين، حتى البط والأوز، وكل ما يحتوى البيت، حملوه معهم.

ولقد ذكرت التوراة: أن عبور البحر استغرق بضع ساعات هي مدة الليل، (وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم، فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل، وصار السحاب والظلام وأضاء الليل، فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل، ومد موسى يده إلى البحر، فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر، وكان فى هزيع الصبح أن الرب أشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب وأزعج عسكر المصريين الرب لموسى مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين، على مركباتهم وفرسانهم، فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة ).... 

فهل يتصور عاقل أن مليوناً ونصف المليون من البشر، مع كل ممتلكاتهم يمكن أن يعبروا البحر من ضفة إلى ضفة في مدة لا تزيد على تسع ساعات، أو حتى اثنتى عشرة ساعة ؟ طبعا مستحيل. ولما كنا لانشك في واقعة انشقاق البحر وعبور موسى ومن كانوا معه، فلم يبق إلا أن نشك في العدد الذي ذكرته التوراة، خاصة بعد أن أصابها التحريف الواضح بسبب عبث اليهود بها. 

وقد اعترض كاتب دائرة المعارف الأمريكية على هذا التقدير المبالغ فيه جداً؛ وقال: إنه فى أفضل الحالات، فإن الذين خرجوا من مصر مع موسى ليسوا إلا عدداً قليلا من القبائل أو العشائر، وإن النظرية المعقولة، والتي تبدو مقبولة أكثر من غيرها، هي التي تقول: إن الذين خرجوا من مصر هم نسل يوسف ثانى أصغر أبناء يعقوب. أى أن من رأي الكاتب أن بقية إخوة يوسف لم يقيموا بمصر، وبالتالي لم تكن لهم ذرية فيها، وإنما ظلوا يقيمون حيث كانوا.

ولكن الصحيح هو ما ذكره القرآن الكريم من أن الخارجين من مصر كان منهم ذرية الأسباط كلهم (يوسف وإخوته) وهم اثنا عشر سبطا؛ ولذلك فإنهم لما أصابهم العطش وهم في سيناء فجر لهم الله اثنتي عشرة عينا، لكل سبط منهم عين. حيث يقول الله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَنَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْنُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.

 فلو أن الذين خرجوا هم أحفاد يوسف فقط ما كانت هناك حاجة إلى تفجير هذا العدد من العيون الذى كان السبب فيه منع الخلاف بين اليهود ودرء الصدام بين أحفاد كل سبط.

ویری کاتب دائرة المعارف الأمريكية: أن العدد الإجمالي لمن خرجوا من مصر مع موسى لم يكن يزيد على بضعة آلاف؛ حيث إنه على الرغم من أن بنى إسرائيل مكثوا فى مصر حوالي أربعة قرون، مما يحتمل معه أن يصل عددهم إلى المليون أو قريب منه، غير أنه بالنظر إلى أنهم كانوا مجتمعا مغلقا يتزوج أفراده من داخله، فقد أدى هذا إلى انخفاض معدل الإنجاب لديهم وضعف نسلهم مما رفع من معدل الوفيات بين أطفالهم. وهو ما لوحظ أيضا لدى يهود الشتات في القرون الأخيرة، وهم اليهود الذين أقاموا في الدول المختلفة داخل ما يسمى بالـ (جيتو) واستمروا فى التزواج فيما بينهم. 

ولكن منذ أن أقام اليهود دولتهم في فلسطين السليبة أخذ معدل المواليد يزيد بشكل ملحوظ، وأصبحت هناك أسر لديها عشرة أبناء، بل واثنا عشر ابنا، وهو ما لم نكن نسمع به من قبل.

كذلك فإنهم لو كانوا - كما زعموا - أكثر من مليون ونصف مليون يهودى خرجوا من مصر، لكان بمقدور فرعون وجيشه أن يقضوا على معظمهم قبل أن يتمكنوا من عبور البحر حين انشق لهم. وكان ذلك، كما ذكرنا، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث إنه يعترف الآن بصفة عامة أن موسى عليه السلام عاش في الفترة بين ۱۳۵۰ و ۱۲۵۰ قبل الميلاد وهكذا ظهر بنو إسرائيل بعد أن خرجوا من مصر، ولم يكن لهم إلا وجود لا يكاد يلحظه أحد، قبل ذلك بأكثر من أربعمائة سنة.

وكان أبناء عمومتهم قد استقروا هنا وهناك: أبناء عمهم إسماعيل في الحجاز، وأبناء عيسو عمهم المباشر، توءم أبيهم في المنطقة التي تجاور الحجاز من الضفة الشرقية للأردن وليس معروفا على وجه التحديد ما إذا كانت هناك علاقات بين إسحاق وأبنائه وأحفاده من ناحية، وبين إسماعيل وأبنائه وأحفاده من ناحية أخرى أم لا ؟. وإذا كانت هذه العلاقات قد وجدت فماذا كانت طبيعتها ؟ هل كانت وديَّة أو عدائية ؟. 

فالتوراة وهي المصدر الوحيد في هذا الشأن لا تذكر شيئا عن إسماعيل بعد مجيئه ليشترك مع أخيه إسحاق في دفن أبيهما إبراهيم عليه السلام، فهي تقول: (ودفنه إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة في حقل عفرون بن صوحر الحثي الذي أمام ممرا).

ولقد كان هذا هو اللقاء الأخير بين الأخوين على ما يبدو؛ حيث لم تشر التوراة إلى أن ذلك قد حدث. ولكنها ذكرت أن الابن البكر الإسحاق وهو عيسو توءم يعقوب ذهب إلى عمه إسماعيل وتزوج ابنته ومحله) التي غيرت التوراة اسمها في موضع آخر فجعلته بسمة، فقالت (بسمة بنت إسماعيل أخت نبايوت).

وبغض النظر عن هذه الأخطاء الفاحشة ممن عبثوا بالتوراة، فإن معنى ما ذكرته أنه كانت توجد صلات بين عيسو وعمه إسماعيل وربما يكون عيسو قد حرص على الاتصال بعمه بدافع من العاطفة، ولكن لا شك أيضا أنه كان لموقف أبيه منه وتفضيله ليعقوب عليه، حيث اختصه ببركته دونه - أثر فى تصرفه على هذا النحو حيال عمه الذي كان هو الآخر قد حرم من الإقامة مع أبيه ومن وراثته، على الرغم من أنه كان الأكبر. ولكن لأنه كان ابن جارية فقد استبعد وهكذا جمع الاضطهاد بين عيسو وعمه إسماعيل عليه السلام. وإن كان إسماعيل نفسه لم يساوره هذا الإحساس أبدا؛ فقد نظر إلى أمر إبعاده هو وأمه إلى ذلك المكان المقفر باعتباره مما لا مناص من تنفيذه؛ لأنه صادر من الله، تماما كما نظر إلى الأمر الصادر بذبحه والذي امتثل له تماماً، ولكن يبدو من عدم وجود علاقات بين أبناء يعقوب وكل من أبناء عمهم عيسو وعم أبيهم إسماعيل، أنهم كانوا يعانون من إحساس كاذب بالتميز عليهم جميعاً، على الرغم من أن أبناء عيسو ـ على حد ما ذكرته التوراة - صاروا ملوكا وأثرياء، وذلك على خلاف ما حدث لأبناء يعقوب الذين عانوا الكثير، وهو ما يمكن أن يكون سببا في حقدهم على بني عمومتهم، ولعلنا نذكر حقدهم وغيرتهم من أخيهم يوسف عليه السلام وتأمرهم عليه، فمن باب أولى أبناء عمهم وعم أبيهم.

وبطبيعة الحال، فإن انتقال يعقوب عليه السلام ومعه أبناؤه للعيش في مصر يحتمل أن يكون قد أدى إلى ضعف الصلات بأبناء إسماعيل، أو انقطاعها، بل يبدو أنها كانت مقطوعة قبل ذلك ففيما ذكرته التوراة من أن قافلة الإسماعيليين هي التي ابتاعت يوسف من إخوته يظهر أن الفريقين كانا يتعاملان مع بعضهما البعض كغرباء، فبعد أن ألقى أبناء يعقوب بأخيهم في البئر: (ثم جلسوا ليأكلوا طعاما فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد وجمالهم حاملة كثيراء وبلسانا ولاذنا ذاهبين لينزلوا بها إلى مصر).

وبعد هذه الواقعة لم يرد ذكر للإسماعيليين في التوراة، حيث انقضت أربعة قرون أو أكثر على بنى إسرائيل في مصر، ثم خرجوا تحت قيادة موسى عليه السلام ليبدأ احتكاكهم من جديد بالناس خارج مصر، ونقرأ في التوراة أنهم اشتبكوا في حرب مع العماليق.

( وأتى عماليق وحارب إسرائيل في ريفيديم، فقال موسى ليشوع انتخب لنا رجالا واخرج حارب عماليق، وغداً أقف أنا على رأس التلة وعصا الله فى يدى، ففعل يشوع كما قال موسى ليحارب عماليق، ولما هزم يشوع عماليق فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكارا في الكتاب وضعه فى مسامع يشوع فإنى سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء، فبنى له موسى مذبحا ودعا اسمه يهوه نسى، وقال إن البلد على كرسى الرب، للرب حرب مع عماليق من دور إلى دور).

وهناك شبه إجماع بين المؤرخين على أن العماليق هم عرب. فجورجي زيدان يقول: إن العماليق هم أصل سائر العرب البائدة، أو هو اسم يشملهم جميعاً. ويقول: إن المؤرخين يريدون بالعمالقة قد ماء العرب، وخصوصا أهل شمال الحجاز مما يلى جزيرة سيناء. 

ويقول الدكتور حسين مؤنس في تعليقه على جورجي زيدان: إن العماليق كانوا على أصح الآراء يسكنون جنوبي فلسطين، ومن هنا كان العداء الشديد بينهم وبين العبرانيين، وهذا يفسر لنا سر عداوة التوراة لهم، وبسبب هذه العداوة كثر تردد اسم العماليق في التوراة، ورويت عنهم القصص، وبالغ الناس في أوصاف أجسامهم وضخامتها، وجعلوهم أقدم شعوب الأرض، وكانت لهم غارات على ما جاورهم من أراضى الرافدين ومصر، واستقر بعضهم فيها.

ومما ورد في التوراة توصية، أو أمر من الله لموسى: (اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر، كيف لاقاك في الطريق وقطع من مؤخرك كل المستضعفين وراءك وأنت كليل ومتعب ولم يخف الله، فمتى أراحك الرب إلهك من جميع أعدائك حولك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبا لكي تمتلكها تمحو ذكر عماليق من تحت السماء، لاتنس ). 

وفيما بعد أطلق اليهود على العرب أسماء أخرى منها بنو قيدار، وقيدار هو أحد أبناء إسماعيل، كما يقولون، وبنو المشرق، وغير ذلك مما سوف نصادفه أثناء الدراسة. وكان موقفهم منهم دائما عدائيا، فهم إذا لم يتوعدوهم بالحرب والانتقام الشديد والإبادة، تنبئوا لهم بالمصائب تحل بهم، وبالغوا في إظهار الشماتة فيهم إذا حلت بهم: 

ففى القرن السادس قبل الميلاد هاجم نبوخذ نصر الحجاز وهزم العرب قيدار - في البادية، وهذا الخبر جاء فى شكل نبوءة في سفر إرميا على الوجه الآتى: (على قيدار وممالك حاصور التي ضربها نبوخذ نصر ملك بابل، وهكذا قال الرب قوموا احصدوا إلى قيدار ودمروا أبناء المشرق، إنهم يأخذون أخبيتهم وغنمهم ويستولون على شققهم وجميع أدواتهم وإبلهم وينادون عليهم بالهول من كل جانب). 

ظهور اليهود في الجزيرة العربية

اختلفت الآراء فى شأن الوقت الذي ظهر فيه اليهود في الجزيرة العربية، وعلى وجه الخصوص فى المنطقة الممتدة من حدودها مع فلسطين إلى المدينة أو يثرب، كما كانت تسمى قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها. فهناك رأى يذهب إلى أنهم جاءوا إليها أيام موسى عليه السلام (القرن الثالث عشر) قبل الميلاد. 

ويورد ياقوت في معجمه قصة تتحدث عن السبب الذي من أجله جاء اليهود إلى المدينة أيام موسى فيقول: إن السبب هو أن موسى بن عمران عليه السلام، بعث إلى الكنعانيين حين أظهره الله تعالى على فرعون فوطئ الشام وأهلك من كان بها منهم، ثم بعث بعثا آخر إلى العماليق بالحجاز وأمر جنوده ألا يستبقوا أحدا ممن بلغ الحلم إلا من دخل في دينه، فقدموا عليهم فقاتلوهم، فأظهرهم الله عليهم فقاتلوهم وقتلوا ملكهم الأرقم وأسروا ابنا له شابا جميلاً، كأحسن من رئيَ في زمانه، فضنوا به عن القتل، وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم وقبض الله موسى قبل قدومهم، فلما قربوا وسمع بنو إسرائيل بذلك تلقوهم وسألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم بما فتح الله عليهم، قالوا: فما هذا الفتى الذي معكم، فأخبروهم بقصته. فقالوا: إن هذه معصية منكم لمخالفتكم أمر نبيكم، والله لا دخلتم علينا بلادنا أبدا، فحالوا بينهم وبين الشام، فقال ذلك الجيش: ما بلد إذ منعتم بلدكم خير لكم من البلد الذي فتحتموه وقتلتم أهله، فارجعوا إليه، فعادوا إليها فأقاموا بها، فهذا كان أول سكنى اليهود الحجاز والمدينة، ثم لحق بهم بعد ذلك بنو الكاهن بن هارون، عليه السلام، فكانت لهم الأموال والضياع بالسافلة، والسافلة ما كان في أسفل المدينة إلى أحد.

وهذه القصة من الإسرائيليات التي انتشرت في كتب العرب بعد الإسلام، دسها اليهود عليهم لكى يوهموهم بقدم وجودهم بالحجاز، الذي يرجع إلى ما قبل هجرة الأوس والخزرج بأكثر من ثمانية عشر قرنا، أى أنهم يقصدون أن يقولوا لهم: نحن هنا قبلكم. فما جاء فى التوراة ليس فيه شاب جميل ولا عودة للجيش إلى الحجاز.

أما الرأى الثانى فهو الذي يذهب إلى أن اليهود جاءوا إلى (يثرب) في عهد (نبوخذ نصر) عقب إنزاله الهزيمة بمملكة يهوذا عام ٥٨٦ قبل الميلاد وتدميره لهيكل سليمان عليه السلام. ففي ذلك الوقت نزح عدد كبير من اليهود إلى الجزيرة العربية حتى لا يقعوا في أسر البابليين الذين نفوا الآلاف من اليهود إلى بابل فيما يسمى بالنفي البابلي.

وهناك رأى ثالث، وهو الراجح، يذهب إلى أن انتقال اليهود إلى الحجاز كان أثناء حكم الرومان لفلسطين، وبعد ظهور المسيحية.

ويذكر ياقوت قصة أخرى طريفة تتحدث عن السبب في نزولهم المدينة، وهو أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل وملك الشام أراد أن يتزوج إحدى اليهوديات من أحفاد هارون، وكان اليهود جريا على عادتهم لا يزوجون بناتهم للنصارى، فخافوا إن هم رفضوا أن ينكل الملك بهم، فلجئوا إلى الحيلة. وذلك بأن قدموا له الهدايا ووجهوا إليه الدعوة لزيارتهم، فلما ذهب إليهم فتكوا به وبمن معه، ثم هربوا حتى لحقوا بالحجاز وأقاموا بها. وهذه خرافة أخرى من خرافات اليهود التي روجوا لها ليظهروا استعلاءهم على الشعوب الأخرى، فى حين أن الحقيقة خلاف ذلك تماما، فهم لم يتورعوا طيلة تاريخهم عن التضحية بشرف نسائهم من أجل بلوغ غاياتهم، فقد خرجوا من بابل بعد نفيهم إليها بفضل مجهودات امرأة منهم شديدة الجمال قدموها للقائد الآشورى لتكون محظية له، وهم الذين استغلوا الجنس في التجسس على أعدائهم وأشاعوا الفساد والانحلال في العالم كله، ولو أنه صح أن ملكا رومانيا رغب في الإصهار إليهم لقدموا له بدل المرأة عشرات. وإنما أرادوا أن يقولوا للعرب: إننا رفضنا أن نزوج ابنتنا لملك كبير روماني، فمن باب أولى لا نزوجكم بناتنا. 

ومع ذلك فإن في هذه القصة جزءا صغيرا له صلة بالحقيقة وهو الجزء الخاص بزمن هجرتهم إلى الحجاز؛ ذلك أنه لما أعلن اليهود التمرد على الرومان واشتبكوا معهم في معارك انتهت بهزيمتهم، أى هزيمة اليهود، هرب عدد كبير منهم من وجه الرومان إلى الجزيرة العربية، وكان ذلك في القرنين الأول والثاني الميلاديين، وعلى الرغم من أن بعض العلماء العرب ذكروا ذلك، فإنهم استمروا في ترديد أكاذيب اليهود، فها هو الأصفهاني يقول: لما ظهرت الروم على بنى إسرائيل جميعا في الشام فوطئوهم وقتلوهم ونكحوا نساءهم خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو يهدل هاربين منهم إلى من بالحجاز لما غلبتهم الروم على الشام. 

وهو ما كان يقوله يهود بنو قريظة من أنهم ولوا هاربين من الشام يريدون الحجاز الذي فيه بنو إسرائيل ليسكنوا معهم، يقصدون أنه كان بالحجاز يهود قبل الاضطهاد الروماني، كذلك زعموا أنهم لما غادروا الشام وجه ملك الروم في طلبهم من يردهم، فأعجزوا رسله وفاقوهم، وانتهى الروم إلى (ثمد) بين الشام والحجاز فماتوا عنده عطشا، قسمى ذلك الموقع ثمد الروم فهو معروف إلى ذلك اليوم، كما يقول ياقوت.

 والصحيح أن نزوح اليهود إلى الحجاز قد حدث مرتين: الأولى عام ٧٠م عندما شن (طيطس) الرومانى حربا على اليهود في فلسطين، فاقتحم أورشليم وأعمل القتل والسلب والتدمير فيها حتى تركها قاعا صفصفا وقد ذكر المؤرخ اليهودى «يوسيفوس» أن عدد قتلى اليهود زاد على المليون بالإضافة إلى من أسرهم طيطوس، والذين زاد عددهم على مائة ألف، ويقول: إنه نزح عدد كبير من اليهود إلى قبرص ومصر والقيروان والحجاز، ولم يبق منهم إلا شرذمة ضعيفة.

أما المرة الثانية فكانت عام ۱۳۲ ميلادية في عهد (هادريان) الذي كرر ما سبق أن فعله سلفه طيطوس. ويقول توماس أرنولد: إن هذا الإمبراطور نكل باليهود تنكيلا شديدا دفعهم إلى النزوح إلى الجزيرة العربية.

والملاحظ أنه لا توجد في المصادر اليهودية أية إشارة إلى ما كان يقوله يهود بنو النضير، وإنما الذي ذكرته هذه المصادر أن اليهود ظهروا في الحجاز بعد ميلاد المسيح. فقد جاء في الموسوعة الإسلامية الميسرة أن التلمود يشير إلى أنه كان ببلاد العرب يهود في القرون المبكرة من العصر المسيحى، وأن هذا يعنى شمال بلاد العرب بصفة أساسية. كما أن عددهم كان كبيرا بدرجة ملحوظة.

وبطبيعة الحال، فإن الطلائع الأولى لليهود الذين فروا من وجه الاضطهاد الرومانى لأول مرة أيام (طيطير) لم يندفعوا إلى عمق الحجاز، من قبيل الحذر والحيطة، فهم لا يدرون شيئا عما يمكن أن يصادفهم، وإنما بدأوا بالاستيلاء على الواحات القريبة من الحدود واستقروا فيها، ثم أخذوا، بعد ذلك يتقدمون إلى الداخل، في أعداد أخذت تتضاعف إلى أن بلغت أوجها في الاضطهاد الثاني أيام (هادريان) فلحق الهاربون الجدد بمن سبقهم من إخوانهم، الذين كانوا قد بلغوا (يثرب)، بعد أن استولوا في طريقهم على فدك وتبوك ومقنا وخيبر ووادي القرى وغيرها.

وغالبا، فإن بني النضير وبنى قريظة جاءوا في الموجة الثانية، أيام هادريان. ويذكر الاصفهاني أن هاتين القبيلتين ومعهم بنو يهدل جاءوا إلى يثرب أيام الاضطهاد دون أن يحدد أي اضطهاد، ولكنه يقول: فلما قدم بنو النضير وبنو قريظة وبنو يهدل المدينة نزلوا الغابة، فوجدوا أنها وبيه، أى غير صحية، فكرهوها وبعثوا رائدا أمروه أن يلتمس لهم منزلا سواها، فخرج حتى أتى العالية وهي بطحان و مهزور: واديان من حرة على تلاع أرض عذبة بها مياه عذبة تنبت حر الشجر فرجع إليهم، فقال: قد وجدت لكم بلدا طيبا نزها على حرة يصب فيها واديان على تلاع عذبة ومدرة طيبة في متأخر الحرة ومدافع الشرج، فقال: تحول القوم إليها من منزلهم ذلك، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، وكانت لهم إبل نواعم، فاتخذوها أموالا.

ونزلت بنو قريظة و يهدل ومن معهم على مهزور، فكانت لهم تلاعة وما سقى من بعاث وسموات فكان ممن يسكن المدينة. حين نزل بها الأوس والخزرج ـ من قبائل بني إسرائيل بنو عكرمة وبنو ثعلبة وبنو محمر وبنو زغورا وبنو قينقاع وبنو زيد وبنو النضير وبنو قريظة وبنو يهدل، وبنو عوف، وبنو القصيص، فكان يسكن يثرب جماعة من أبناء اليهود، فيهم الشرف والثروة والعز على سائر اليهود، وكان بنو مرانة في موضع بني -حارثة، ولهم كان الأطم الذي يقال له الخال. 

وكان معهم من غير بني إسرائيل بطون من العرب منهم: بنو الحرمان حتى من اليمن وبنو مرثد حتى من بلى، وبنو أنيف من بلى أيضا، وبنو معاوية حتى من بني سليم ثم من بني الحارث بن بهثة، وبنو الشظية حي من غسان هذا، غير اليهود الذين أقاموا في المستوطنات الأخرى، ومنها خيبر وفدك ومقنا وتبوك ووادي القرى. مما يدل على أن عددهم كان كبيراً.

وترجح الموسوعة العربية الميسرة: أن تكون القبيلة اليهودية التي اسمها بنو قينقاع هي أول القبائل اليهودية وطليعتها في غزو يثرب، ونقول الموسوعة: إن هذه القبيلة لعبت دورا بارزا في هجرة اليهود، ذلك أن اسمها أطلق فى تاريخ متأخر على أحد الأسواق الرئيسية بالحي العربي، ولكن بالتدريج أصبحت قريظة والنضير القبائل الرئيسية في صفوف يهود المدينة.

أما عن الكيفية التي دخل بها اليهود إلى الحجاز حيث أقاموا مستوطناتهم فإنه على الرغم من عدم وجود ذكر لها في المصادر اليهودية، وأيضا فى المصادر العربية، غير أنه من السهل تصور كيفية دخولهم، وذلك في ضوء ما ذكرته التوراة من توصيات لهم بشأن ما يجب عليهم أن يفعلوه بالشعوب والقبائل التي يوقعها سوء طالعها في طريق من كان مثلهم جبانا، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار كراهيتهم المتأصلة للعرب وحقدهم عليهم. 

ومن تلك الوصايا أو التعاليم: (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما).

وعلى خلاف عادة اليهود فى عصيان الله في معظم ما أمرهم به، نراهم يلتزمون - وبدقة متناهية - بما يزعمون أنه أمرهم به من إبادة الشعوب، ولنرَ ماذا فعلوا بمدينة بائسة اسمها (عاي) سقطت في أيديهم وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان «عاي» في الحقل في البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعا بحد السيف حتى فنوا أن جميع إسرائيل رجع إلى عاى وضربوها بحد السيف، فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا، جميع أهل عاي.

وفي هجومهم على مديان قالت التوراة تصف ما فعلوه، فتجندوا على مديان، كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم.. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم أتوا إلى موسى والعازار الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحلة إلى عربات مواب التي على أردن أريحا.

وهكذا وجد السكان العرب الذين كانوا يقيمون في الواحات التي اقتحمها اليهود أنفسهم هدفا لهجوم كاسح شرس لم يبق ولم يذر، قضى على الجميع من رجال ونساء وأطفال ودمر المساكن وأحرق الأسواق. ولم لا ؟ أليس هذا ما أوصتهم به التوراة ؟

وإذا كان قد حدث، وترك اليهود بعض السكان أحياء، فإن السبب في ذلك كان حاجتهم إلى من يعمل لهم دون مقابل أو بمقابل ضئيل للغاية، فهم ليسوا أكثر من عبيد يسخرونهم لأداء أشق الأعمال؛ لأنهم، أى اليهود، سادة العالم، والشعوب كلها عبيد لهم (لأنك شعب مقدس للرب إلهك وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبا خاصا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض).

وكما قلنا، فإنهم بدعوا بأقرب الناطق إلى فلسطين مثل (مقنا) و (فدك) و (تبوك) ثم انتقلوا إلى (تيماء، فخيبر، فوادي القرى؛ لينتهوا إلى يثرب). وفى هذه المناطق أقاموا الحصون القوية؛ ليحتموا بها من هجمات البدو الذين كانوا يقيمون في الجوار.

وليس صحيحاً ما ذكرته الموسوعة الإسلامية الميسرة من أن اليهود لم يكونوا أول من أقام الحصون فى هذه المناطق، وما استنتجته من أن السكان الذين كانوا هناك قبل ذلك لم يكونوا بدواً بحتا، ولا ماذكره المستشرق المتعصب (لامنس) من أن تلك الحصون بنيت على نحو أمثالها في اليمن. ذلك لأن عرب الحجاز، في الجاهلية، لم يعرفوا من وسائل الحماية غير الأسوار يقيمونها حول المدن القليلة التي كانوا يقيمون بها، وذلك على خلاف عرب اليمن الذين كانوا قد عرفوا الحصون بالإضافة إلى الأسوار، والمعروف أن عرب اليمن لم يهاجروا إلى الشمال وإلى الحجاز على وجه الدقة إلا في القرن الخامس الميلادي، حيث يحتمل أن يكونوا قد أخذوا معهم فكرة الحصون الصغيرة التي تكلم عنها (لامنس). 

أما اليهود فقد جاءوا من بلاد استخدمت الحصون منذ زمن بعيد، بل إن اليهود أنفسهم كان لهم الكثير من الحصون في المناطق التي تسلطوا عليها من فلسطين، فليس غريبا أن يقيموا مثلها في الحجاز، وأن يجعلوها من القوة بحيث نصمد في وجه أى هجوم يشنه البدو، أصحاب البلاد الأصليون.

ولا تعرف إلى الآن ملابسات اعتناق بعض العرب الديانة اليهودية، فالمعروف أن اليهود يعتبرون الموسوية حكرا عليهم لا يجوز أن يعتنقها غيرهم فهم (شعب الله المختار)، فكيف سمحوا لأولئك باعتناق اليهودية ؟ ولكن الثابت أن أعدادا غير محددة منهم تهودوا، ومن هنا جاء الخلط بين من كانوا يهودا خلصا ومن كانوا غير ذلك، فظهر فيما بعد خلاف بشأن أصل القبائل اليهودية. فهناك من يرى أنهم يهود خلص، وهناك من يرى خلاف ذلك، وأنهم، وبالذات قريظة والنضير، فخذان من قبيلة جذام العربية تهودوا. وهو ما ينفيه المستشرق (نولدكه). وإن كان قد تأكد من الناحية التاريخية أنه كان هناك كثير من العرب الذين تهودوا. 

ومن الذين يرون أن الغالبية العظمى من يهود الحجاز أصلهم عرب المستشرق الروسي بلياييف و الذي دلل على ذلك بأن بعضهم أجاد الشعر في الجاهلية، بل ونظمه، كما أن تنظيمهم القبلي والعشائري لا يختلف عن التنظيم العربي ولكن هذا الذي ذهب إليه (بلياييف) ليس صحيحاً، فليس هناك شك في أن بعض العرب اعتنقوا اليهودية لأسباب مختلفة منها رغبتهم في التقرب إلى اليهود باعتبارهم سادة.

ومنها أيضاً ضيق البعض بعبادة الأوثان واقتناعهم بفكرة الإله الواحد التي تقوم عليها اليهودية وهؤلاء وأولئك كان عددهم قليلاً، ولكن الراجح أن قريظة والنضير وبنو قينقاع هم من اليهود الخلص، فقد كان يطلق على القبيلتين الأوليين و الكاهنان، مما يبين أن اليهود كانوا يعرفون نسلهم ويشددون على تسلسلهم، ونرى الشيء نفسه من أن صفية النضيرية التي تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم توصف بأنها من آل هارون، وهو ما ذكره ابن سعد في طبقاته. 

كذلك فإن القرآن الكريم خاطب اليهود على أنهم بنو إسرائيل، مما يوحى بأكبر قدر من الوضوح بأنه كان يعتبرهم السلالة الصحيحة للإسرائيليين القدماء، وعلى ذلك لابد أنه كان هناك إلى جانب العرب الذين تهودوا، سلالة من اليهود بالمعنى الصحيح، والواضح في الحقيقة أنه لولا وجود سلالة كهذه لما كان هناك أقوام اعتنقوا اليهودية.

كذلك فقد حرص بعض المؤرخين المسلمين على وصف اليهود باعتبارهم من أسباط بني إسرائيل، فابن كثير يقول عن بني قريظة إنهم من بعض أسباط بنى إسرائيل كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديماً وهو المتيقن بالنسبة ليهود خيبر أيضا، فقد كانوا يتكلمون العبرية فيما بينهم، فضلا عن العربية التي كانوا يتكلمون بها مع العرب، أو أمامهم، وذلك على خلاف العرب المتهودين الذين لم يكونوا يعرفون العبرية. 

وكان عدد قليل من العرب الذين لم يتهودوا يتكلمون العبرية منهم عبد الله بن عتيك قائد المجموعة الفدائية التي تطوعت لقتل أبي رافع زعيم خيبر، وهو ما يسر له الدخول إلى الحصن للقيام بمهمته.

كذلك فإن اليهود كانوا يكتبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبرية، وليس بالعربية، فكان يرد عليهم بالعبرية أيضا. فقد أخرج الترمذي عن زيد بن ثابت أنه قال: أمرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أتعلم كتاب يهود، وقال: وإني والله ما آمن يهود على کتابی. قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم. وهذا دليل آخر على أنهم كانوا يهودا، ولم يكونوا عربا تهودوا.

أما يهود اليمن، فإن الثابت أنهم عرب تهودوا. وتذكر الروايات العربية وكذلك المدونات اليونانية والرومانية والحبشية القديمة أن ملكا من ملوك حمير اسمه (تبان أسعد أبو كرب) مر في إحدى غزواته بيثرب، فجاءه حبران من أحبار اليهود فتكلما معه، فأعجب بهما واتبع دينهما، وأخذهما معه إلى اليمن ودعا قومه إلى اعتناق اليهودية فأجابوه، وأن ذلك كان على ما يظن في القرن الخامس الميلادي.

ويفسر البعض اعتناق عرب اليمن لليهودية بأنه كان نوعا من التحدى للدولة الأكسومية في الحبشة التي كانت تساند البيزنطيين، الذين كانوا بدورهم يساندون سكان واحة نجران الذين كانوا قد اعتنقوا المسيحية، وأخذوا يعملون على نشر النفوذ البيزنطي، واستطاعوا بواسطة الأحباش وبمعونتهم أن يضمنوا للتجار البيزنطيين وبحارة السفن الأمان في طريقهم إلى الهند.

ولكن لجواد على رأى مخالف لما قيل من أن أسعد كامل أبو كرب اصطحب حبرين يهوديين، ويقول: إنه ليس هناك دليل على أنه أول من تهود من ملوك اليمن، وإنما الثابت أن هذا الملك كان يتعبد الإله يسمى ذو سموت أو إله السماء.

كذلك فإن الدكتور حسين مؤنس يقول في تعليقه على كتاب العرب قبل الإسلام الجورجي زيدان: إنه لم يرد فيما ذكره مؤرخو الرومان أن ملك حمير عندما غزا الأحباش اليمن كان يهوديا وإن (بروكوبيوس) اكتفى بالقول بأن النجاشي كان نصرانيا، وإنه بلغه أن الحميريين كانوا يضطهدون النصارى ويعذبونهم؛ ولذلك أرسل -أسطولا استولى على أرض حمير وأقام عليها ملكا حميريا نصرانيا، وذكر أن بعض الحميريين كانوا على اليهودية، أما بقيتهم فكانوا وثنيين على مذهب الهلينيين. 

أما الرواية الحبشية فتذهب إلى أن معظم أهل سبأ كانوا وثنيين، وأن بعضهم كان يهوديا، وأن اليهودية دخلت اليمن بعد تشتت اليهود عقب قضاء الرومان على دولة إسرائيل، وهدم الإمبراطور طيطوس المعبد سليمان في أورشليم والمفهوم أن اليهودية دخلت اليمن عن طريق الحجاز.

وبدخول اليهودية إلى اليمن بدأ النزاع بين اليهود والمسيحيين، ثم ما لبث أن اشتد وأخذ كلا الفريقين يكيد للآخر، ومما ضاعف من كراهية اليهود للنصارى ماكان يصل إلى أسماعهم من أخبار الاضطهاد الذي أنزله الرومان بإخوانهم فى مصر والشام، إلى أن كان عهد الملك و ذي نواس، فبلغ اضطهاد النصارى أشده وتمثل في حادثة الأخدود التي ذكرها القرآن الكريم، حيث وضع هذا الملك النصارى في أخدود أشعل فيه النار فأحرقهم. ودفعت هذه الحادثة الأحباش إلى غزو اليمن بحجة الدفاع عن النصارى، فقضوا على الدولة الحميرية، وضربوا اليهود ضربة شديدة حتى أفنوهم، أو كادوا.

وفضلا عن الحجاز واليمن فقد كان هناك يهود في العراق ممن تخلفوا بعد أن سمح قورش لليهود بالعودة إلى فلسطين عقب سقوط بابل، وقد انضم إلى هؤلاء الذين تخلفوا آخرون ممن فروا من الاضطهاد الروماني. وكما هو معروف عن اليهود فإن جماعاتهم هذه كلها كانت على اتصال ببعضها البعض، فلم يكن يهود يثرب معزولين عن يهود تيماء أو خيبر، ولا هؤلاء كانوا منقطعين عن يهود العراق ومصر والشام. 

وقد يتساءل البعض عن السبب الذي جعل اليهود يختارون مناطق مثل وادي القرى ويثرب وتيماء وتبوك ومقنا في الحجاز للإقامة فيها دون غيرها، كما قد يتساءلون عما إذا كانت هذه الأماكن قد عرفت في التاريخ قبل أن ينتقل اليهود إليها أم أنهم هم الذين أدخلوها التاريخ وجعلوا لها أهمية، وللإجابة عن هذه التساؤلات نبدأ بيثرب، ثم نتبعها بالمناطق الأخرى.

يثرب، أو المدينة

اختلفت الآراء بشأن أصل اسم يثرب، ومن هذه الآراء ما قاله المسعودي في مروج الذهب أن يثرب الذي أطلق على المدينة قديما أصله اسم رجل يدعى يثرب بن قانية بن مهليل بن إرم بن عبيل، نزل بالمدينة هو وولده و من تبعه، فسميت به يثرب، فهلك هؤلاء أيضا ببعض غوائل الدهر وآفاته. 

أما ابن منظور فله رأى آخر، وهو أن يثرب من ثرب، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب، وسماها طيبة، كأنه كره ثرب؛ لأنه فساد عند العرب. وسواء كان أصل الاسم هو هذا أو ذاك، فإن الثابت في الحالين أن العرب هم أول من أقام فى هذه المنطقة وعمرها وأطلقوا عليها الاسم الذي عرفها به الناس، وهذا منطقى؛ فهي تقع في بلادهم، في حين أن اليهود طرءوا عليها في زمن لاحق.

أما لماذا استوطن اليهود يثرب فلأنها تقع بواحة وفيرة المياه، يزرع بها الكثير من الفواكه والحبوب، فضلا عن موقعها الاستراتيجي الهام، فهى تقوم في سهل ينحدر طفيفا نحو الشمال، ويحدها من الشمال والغرب جبل أحد وجبل عير، على بعد حوالي أربعة أميال، وهما نتوءان خارجيان من السلسلة التي يتكون منها الحد الفاصل بين مرتفعات بلاد العرب والأرض الساحلية المنخفضة (تهامة).

ويحد السهل من الغرب والشرق حرتان أو لابتان وهما مناطق جرداء مفروشة بالبازلت الأسود، ولكن الحرتان الشرقيتان تقعان على مسافة أبعد، وبينهما وبين المدينة قطع أوفر خصبا، بحيث إن الحد الشرقي للسهل يتكون فى الحقيقة من صف من تلال سوداء منخفضة، وفي الجنوب يمتد السهل إلى أبعد ما يصل إليه البصر.

والصورة التي يكونها المرء في خياله عند قراءته لما كتبه المؤرخون وأصحاب كتب السيرة تظهر فيها المدينة (يثرب) كما لو كانت أحياء يقيم اليهود في بعضها، ويقيم العرب فى البعض الآخر. وربما ساعد على رسم الصورة على هذا النحو ما هو شائع اليوم من إطلاق وصف کرسم أسطورة على هذا النحو ما هو سابع اليوم من إحدى وصف الحي على أجزاء من المدن لا يفصلها عن بعضها سوى طريق أو حتى حارة ضيقة. في حين أن الحال كان خلاف ذلك في المدينة (يثرب)، التي كانت أحياؤها منفصلة بعضها عن بعض بما يصل إلى ثلاثة أميال وأحيانا أكثر من ذلك.

[الحرار: جمع حرة، والحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنما احترقت. ويقول الجيولوجيون إنها احترقت بفعل البراكين].

ومما ذكرته الموسوعة الإسلامية الميسرة أن المدينة لم تكن منذ البداية الأولى بلدة نظامية، وإنما كانت مجموعة من البيوت والأكواخ تحيط بها البساتين والحقول المزروعة، وكان سكانها ممن يشتغلون بالزراعة؛ ولهذا أطلق عليهم الأعراب اسم (النبطة) من قبيل الازدراء. هذه المستوطنات المتفرقة لم تصبح تجمعات على هيئة مدينة إلا بالتدريج، وإن امتدت برغم ذلك نحو الشمال مسافة أبعد مما وصلت إليه البلدة المتأخرة.

والمدينة التي قامت بهذه الطريقة لم يكن بها سور، بحيث إن وسائل الدفاع عنها كانت أحراشا كثيفة من أشجار النخيل والبساتين التي تحيط بالبيوت. وكانت أقل كثافة سكانية على الجانبين الشمالي والغربي؛ لهذا كانا أكثر الأجزاء تعرضا لهجمات الأعداء. وكانت الحصون الصغيرة التي كان العرب يسمونها أطما وجمعها آطام، أو أجما والجمع آجام، التي أقيمت بأعداد كبيرة ـ تشكل بديلا عن السور، وكان في إمكان السكان أن يلجئوا إليها في أوقات المتاعب.

وهناك خلاف بشأن التاريخ الذي نشأت فيه يثرب، ولكن الراجح أن أول من نزل بمنطقة يثرب هي قبيلة (عبيل) العربية التي أهلكها السيل المسمى بسيل (الجحفة) وعبيل يعود أصلها إلى العماليق، و (جرهم الأولى). والعماليق من العرب العاربة الذين يسبقون في الوجود العرب المستعربة، أي أبناء إسماعيل عليه السلام وأحفاده. 

وعلى ذلك فإن تاريخ يثرب يرجع إلى بداية الألف الثاني قبل الميلاد، أى إلى ما قبل ميلاد موسى عليه السلام بأكثر من خمسمائة عام. ويقول الأستاذ أمين مدنى: إن العماليق الذين سكنوا يثرب كانوا خليطا من بطون (عاد) و (ثمود)، وخلفائهم من قبائل (لحيان) و (دادان)، وغيرهما من القبائل في شمال الحجاز.

ومما قاله الأصفهانى فى هذا الشأن، أن ساكني المدينة في أول الدهر، قبل بني إسرائيل - كانوا قوما من الأمم الماضية يقال لهم: العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل عز وبغى شديد، فكان ساكنو المدينة منهم بنو هف، وبنو سعد، وبنو الأزرق، وبنو مطروق. وكان ملك الحجاز منهم رجلاً يقال له الأرقم، ينزل ما بين تيماء إلى فدك، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزروع.

 ثم يذكر الأصفهانى قصة الجيش الذي بعث به موسى بن عمران للقضاء على العماليق. فإذا كان اليهود قد جاءوا إلى الحجاز في القرن الأول أو الثاني الميلادي وهو الراجح على ما ذكرنا سابقا - فمعنى ذلك أنهم دخلوا إلى يثرب وفيها اللحيانيون، حيث ذكر الكاتب الروماني (بلينيوس) أن بطونا منهم كانت منتشرة بين ينبع وأيلة، وفي داخل البلاد وفى العلا وهضبات خيبر، وأنهم كانوا فى القرن الأول الميلادي خاضعين للأنباط.

ومعنى هذا أن العرب الذين كانوا يقيمون في يثرب عندما غزاها اليهود كانوا من اللحيانيين الذين كان عددهم قليلا للغاية، وربما يكون السبب أن اليهود قتلوا منهم أعدادا كبيرة لكي تكون لهم الغلبة. ولقد ظلت لهم الغلبة حتى بعد أن جاء الأوس والخزرج إلى يثرب قادمين من اليمن في أعقاب تصدع سد مأرب.

وتاريخ انتقال الأوس والخزرج إلى يثرب موضع خلاف هو الآخر، فهناك رأى يربط بين تصدع السد وهجرة الأوس والخزرج، وعلى ذلك تكون هذه الهجرة قد حدثت في عام ٥٢٠ ميلادية وهو تاريخ انهيار السد، وهو رأى جواد على. أما الدكتور حسن إبراهيم فيقول: إن السد انهار سنة ٥٦٥ م. وهناك رأى آخر يذهب إلى أن هذه الهجرة حدثت قبل ذلك بأكثر من نصف قرن، أى أنهم لا يربطونها بانهيار السد وإنما بتصدعه، ويستند أصحاب هذا الرأى إلى ما ورد في رواية (ابن إسحاق) التي نقلها لنا، و (ابن هشام) والتي تقول: إن الذين غزاهم (تبان أسعد التبعي) في المدينة هم الأوس والخزرج. 

ولما كانت هذه الغزوة قد حدثت بين عام ٤٠٠م وعام ٤٢٠م فمعنى هذا أن الأوس والخزرج كانوا يقيمون في يثرب قبل عام ٤٠٠ م وهو العصر الذي عاش فيه و (تبان أسعد). وللأستاذ أحمد أمين رأى، وهو أن هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب حدثت حوالي عام ٣٠٠ م.

ويصف الأصفهاني هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب فيقول: فلما أرسل الله سيل العرم على أهل مأرب، وهم الأزد، قام رائدهم فقال.... ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فكان الذين نزلوها الأوس والخزرج، فلما توجهوا إلى المدينة ووردوها نزلوا في صرار (موضع على قرب من المدينة)، ثم تفرقوا وكان منهم من لجأ إلى عفاء (يباب) من أرض لا ساكن فيه، فنزلوا به ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، وسكنوا مع أهلها، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم التي نزلوها بالمدينة في جهد وضيق من المعاش، ليسوا بأصحاب إبل ولا شاة؛ لأن المدينة ليست بلاد نعم، وليسوا بأصحاب نخل ولا زرع وليس للرجل منهم إلا الأعذاق اليسيرة، والمزرعة يستخرجها من أرض موات، والأموال لليهود، فلبثت الأوس والخزرج بذلك حينا.

وكانت قريظة والنضير تتيهان على العرب، بل والقبائل اليهودية الأخرى بنسبهما إلى الكاهنين، وهما هارون والعازار، وهذا يعنى المكانة الدينية الرفيعة وفى نفس الوقت التعصب المقيت. وهذا كعب بن سعد القرظي يزهو ويفاخر بنسبه إلى الكاهنين فيقول: 

بالكاهنين قررتم في دياركم … كما ثواكم ومن أجلاكم جدبا

وسواء أكانت هجرة الأوس والخزرج في هذا التاريخ أو في ذاك فإن الثابت أنهم حين نزلوا يثرب لم يكونوا ها نعيم وشاء وخيل وأموال، وإنما كان ذلك لليهود فعاشوا بين اليهود و بالضواحي القرى في شظف من العيش وهوان وذل؛ إذ تحكم اليهود فيهم حكموهم. وأصبح الأوس والخزرج موالى لهم. 

وكان اليهود ستمدون قوة إضافية من الفرس، حيث إن هذا الجزء من شمال بلاد العرب كان آنذاك تحت حكمهم، وذلك تمشيا مع السياسة اليهودية المعتادة في الإبقاء على علاقات ودية مع فارس بعد ما أنزله بهم الرومان من اضطهاد وتعذيب.

وهكذا عامل اليهود العرب أسوأ معاملة، فلم يكتفوا بالاستيلاء على أراضيهم وسلب أموالهم والتضييق عليهم في العيش وإلزامهم بأداء الخراج، وإرغامهم على السكنى في مناطق مجدبة، بل أضافوا إلى ذلك الاعتداء على بناتهم. ويروى ياقوت في معجمه قصة الملك اليهودي المسمى بـ (الفطيون) فيقول:

وكانت اليهود والأوس والخزرج يدينون له، وكانت له فيهم سنة: ألا تزوج امرأة منهم إلا أدخلت عليه قبل زوجها حتى يكون هو الذي يفتضها، إلى أن زوجت أخت لمالك بن العجلان بن زيد السالمي الخزرجي، فلما كانت الليلة التي تهدى فيها إلى زوجها خرجت على مجلس قومها كاشفة عن ساقيها وأخوها في المجلس، فقال لها: قد جئت بسوءة بخروجك على قومك وقد كشفت عن ساقيك، قالت: الذى يراد في الليلة أعظم من ذلك؛ لأنني أدخل على غير زوجي، ثم دخلت إلى منزلها، فدخل إليها أخوها وقد أرضاه قولها؛ فقال لها: هل عندك من خبر ؟ قالت: نعم، فماذا ؟ قال: أدخل معك في جملة النساء على الفطيون، فإذا خرجن من عندك ودخل عليك ضربته بالسيف حتى يبرد، قالت: افعل، فتزيا بزي النساء وراح معها، فلما خرج النساء من عندها دخل الفطيون عليها، فشد مالك بن العجلان عليه بالسيف وضربه حتى قتله، وخرج هارباً حتى قدم الشام، فدخل على ملك من ملوك غسان يقال له أبو جبيلة، وفي بعض الروايات أنه قصد اليمن إلى تبع الأصغر بن حسان، فشكا إليه ما كان من الفطيون وما كان يعمل في نسائهم، وذكر له أنه قتله وهرب، وأنه لا يستطيع الرجوع؛ خوفاً من اليهود، فعاهده أبو جبيلة ألا يقرب امرأة ولا يمس طيبا ولا يشرب خمراً حتى يسير إلى المدينة ويذل من بها من اليهود، وأقبل سائرا من الشام في جمع كثير مظهرا أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة ونزل بذى حرض، ثم أرسل إلى الأوس والخزرج أنه على المكر باليهود عازم على قتل رؤسائهم، وأنه يخشى متى علموا بذلك أن يتحصنوا في آطامهم (حصونهم) وأمرهم بكتمان ما أسره إليهم، ثم أرسل إلى وجوه اليهود أن يحضروا طعامه ليحسن إليهم ويصلهم، فأتاه وجوههم وأشرافهم ومع كل واحد منهم خاصته وحشمه، فلما تكاملوا أدخلهم في خيامه ثم قتلهم عن آخرهم، فصارت الأوس والخزرج من يومئذ أعز أهل المدينة وقمعوا اليهود وسار ذكرهم وصار لهم الأموال والآطام.

وكما كان إذلال اليهود للعرب شديدا وقاسيا، فإن فرحتهم بهزيمتهم كانت شديدة، وكعادتنا الآن عندما نحرز نصرا، مهما كان ضئيلا، نغنى ونهلل، فكذلك فعل الأوس والخزرج، فقد تبارى شعراؤهم في نظم الأشعار التي تعبر عن الزهو والفخر بما فعله أبو جبيلة. فقال الرمق وهو عبيد بن سالم بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الخزرج يمدح أبا جبيلة الغساني:

 لم يقض دينك في الحسا  … ن وقد غنيت وقد غنينا

الراشقات المرشقا .. ت الجازيات بما جزينا

أمثال غزلان الصرا … هم يأتزرن ويرتدينا 

الربط والديباج و… الزرد المضاعف والبرينا 

وأبو جبيلة خير من ..  يمشى وأوفاهم يمينا

وقال الصامت بن أصرم النوفلي يذكر قتل أبي جبيلة لليهود:

سائل قريظة من يقسم سبيها … يوم العريض ومن أفاء المغنما

جاءتهم الملحاء يخفق ظلها … وكتيبة خشناء تدعو أسلما 

عمى الذي جلب الهمام لقومه… حتى أحل على اليهود الصيلما 

أما اليهود فقد أخذوا يبكون عزهم الذي ولى أوكاد ويرثون قتلاهم، وها هي امرأة منهم تدعى سارة القرظية قالت في رثاء من قتلهم أبو جبيلة:

بنفسي أمة لم تغن شيئا … بذى حرض تعفيها الرياح

کهول من قريظة أتلفتها … سيوف الخزرجية والرماح

رزئنا والرزية ذات ثقل … يمر لأهلها الماء القراح

ولو أربو بأمرهم لجالت … هنالك دونهم جاءوا رداح

ثم انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام، وقد ذلل الحجاز والمدينة للأوس والخزرج، فعندها تفرقوا في عالية المدينة وسافلتها، فكان منهم من جاء إلى القرى العامرة فأقام مع أهلها قاهرا لهم، ومنهم من جاء إلى عفا من الأرض لا مساكن فيه فبنى فيه ونزل، ثم اتخذوا بعد ذلك القصور والأموال والآطام. 

ويقول الدكتور حسن إبراهيم: إن ذلك كان في نهاية القرن الخامس الميلادى. وهكذا كانت المرأة. العربية الحريصة على عفتها من أن يدنسها يهودى - السبب فيما نزل باليهود، وأدى إلى القضاء على بعض قوتهم ولكن ليس كلها.

قال أبو هلال أحد بنى المعلى: إنهم، أي العرب، أقاموا زمنا ما صنع أبو جبيلة، ويهود تعترض عليهم، وتناوئهم، فقال مالك العجلان لقومه والله ما أثخنا يهودا غلبة كما نريد، فهل لكم أن أحملكم طعاما، ثم أرسل فى مائة من أشراف من بقى من اليهود، جاءوني فاقتلوهم جميعا، فقالوا نفعل، فلما جاءهم رسول من قالوا: والله لا نأتيهم أبدا، وقد قتل أبو جبيلة منا من قتل، فقال مالك: إن ذلك كان على غير هوى منا، وإنما أردنا أن نمحو وتعلموا حالكم عندنا، فأجابوه، فجعل كلما دخل عليه رجل. أمر به مالك فقتل حتى قتل منهم بضعة وثمانين رجلا، ثم إن ر منهم أقبل حتى قام على باب مالك فتسمع فلم يسمع صوتا فقا أرى أسرع ورد وأبعد صدر (يريد أن من دخل لا يرجع) فر وحذر أصحابه الذين بقوا، فلم يأت منهم أحد، فقال رجل اليهود لمالك بن العجلان:

فسفهت قيلة أحلامها … ففيمن بقيت وفيمن تسوم

فقال مالك: فإني امرؤ من بني سالم بن عوف وأنت امرؤ من قال، وصورت اليهود مالك بن العجلان في بيعهم وكنائسه فكانوا يلعنونه كلما دخلوها. 

فقال مالك في ذلك قوله:

تمامی اليهود بتلعائها … فماذا على بأن يلعنوا 

تحامي الحمير بأذابها … وتأتى المنايا بإذ يُطعنوا

قال: فلما قتل مالك من يهود من قتل ذلوا، وقل امتناعهم، وخافوا خوفا شديدا، وجعلوا كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم إلى بعض، كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهودى إلى جيرانه من العرب يحتمي بهم.

وللأسف فإن ما كان يفعله الفطيون ظل سبة في جبين سكان المدينة (يثرب) حتى بعد أن ساد الإسلام بمدة طويلة. ففي هجاء ابن قنبر المسلم بن الوليد ردا على هجاء هذا لقريش وفخره بالأنصار قال ابن قنبر في سكان المدينة:

فعزوا وقد كانوا وفطين فيهم … من الذل في باب من العز مبهم

يسومهم الفطيون مالا يسامه…  كريم ومن لا ينكر الظلم يظلم 

وقال في قصيدة أخرى:

فاخر الغر من قريش بإخوا …ن خنازير يثرب والقرود

يتولى بني النضير ويدعو …بهم الفخر من مكان بعيد

وبني الأوس والخزارج أهل الذ …م هم وبنو عمها شهود

إذ رضوا بافتضاض فطيون … لهم في سالف الزمان التليد

خلف باب فطيون والبعل منهم … لا بذى غيرة ولا بنجيد

كل بكر ريا الروادف رود … على فطيون قبحوا من شهود 

فإذا ما قضى اليهودي منها … نحبه قنعوا بخزي جدید

وإذا كان اليهود قد فقدوا الملك، إلا أنهم لم يفقدوا غيره من عناصر القوة؛ فقد احتفظوا بكل أراضى المدينة الخصبة تقريبا ملكاً لهم، كما كانت التجارة في أيديهم، وكذلك الصناعات القليلة، ومن بينها صناعة الأسلحة مثل السيوف والخناجر، وصياغة الذهب التي كانت صناعتهم الرئيسية، فضلا عن المال الذي كانوا يقرضونه للعرب المحتاجين بالربا الفاحش. 

ولعل ما قاله أحد زعماء الخزرج لقومه يبين لنا سوء الأوضاع التي كان العرب يعيشون فيها. فقد قال عمرو بن النعمان البياضي لأهله: إن أباكم أنزلكم منزل سوء بين سبخة (أرض ذات نز وملح، ومفازة الفلاة لا ماء فيها) وإنه والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل. وفى هذا القول دليل على أن العرب كانوا محرومين من الماء العذب وكريم النخل فضلا عن عدم صلاحية البيئة للإقامة.

وعمرو بن النعمان هو ثانى عربى بعد مالك بن العجلان يدرك أن اليهود دخلاء مغتصبون ينعمون بما اغتصبوه من العرب من أرض وثمار، فأقسم أن يمنع ذلك، كما سبق لمالك أن منع الفطيون من اغتصاب النساء العربيات. هذا على الرغم من أن العرب كانوا قد حسنوا ظروفهم بعض الشيء في أعقاب هزيمة أبو جبيلة لليهود، فقد أقام الخزرج فى مركز البلد الذي تشغله المدينة (الحديثة)، وإلى الغرب والجنوب منهم كانت تعيش قبائل أخرى من الخزرج أيضا، في حين امتدت أرض الحارث إلى الشرق. 

أما الأوس - وكانوا يضمون أسرات عدة أيضا - فكانوا يقيمون في جنوب وشرق إخوانهم. وكان بنو الحارث يفصلون أهل الشمال الشرقي عن أقربائهم.

أما اليهود من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة فقد كانوا يقيمون خارج المدينة فيما نسميه الآن «ضواحي» المدينة. في مناطق ذات أهمية استراتيجية وطبيعة حاكمة. فبنو قريظة مثلا كانوا يقيمون على أميال من المدينة في حصونهم القوية التي كانت تقع على ربوة تشرف على المدينة من الشرق، وقريب منها تقع أراضيهم التي كانوا يزرعونها. وكانت حصون اليهود مغلقة في وجه العرب يجهلون تماما ما بداخلها من سلاح وعتاد، كما أنه كان لديهم مقاتلون يتميزون بالقوة الجسمانية والمهارة في استخدام السلاح. 

وكان العرب يهابونهم، لا عن تجربة وخبرة، فهم لم يخوضوا حربا ضدهم منفردين، وإنما كان اليهود يحرصون على أن يكونوا مع أحد الفريقين، الأوس أو الخزرج، ضد الفريق الآخر، وغالبا ما كانوا يختارون الفريق الأقوى، حتى إذا انتصر نسبوا لأنفسهم الفضل في انتصاره، أما إذا هزم فإذا لم يلقوا عليه بالمسئولية عن الهزيمة، فإنهم على الأقل يتقاسمونها معه، وفى أغلب الأحوال فإنهم كانوا يتحاشون أن تلحق بهم خسائر، أما المكاسب فإنهم كانوا أول من يبادر إلى قطف ثمارها. 

وحينما كان العرب يتوقفون عند حد معين، طالما أنهم قد انتصروا فإنهم، أى اليهود، كانوا يصرون على المضي حتى النهاية، فينكلون بالطرف الذي لحقت به الهزيمة، يعملون في فلوله التقتيل، وينهبون المساكن، ويسبون النساء، أو يعتدون عليهن متظاهرين بالحماس للطرف الغالب وبالرغبة الشديدة في الانتقام له.

وعلى الرغم من ضآلة المكاسب التي حققها العرب نتيجة لغزوة أبي جبيلة لليهود، فإن هؤلاء أبوا أن يرضحوا للأمر الواقع ويعترفوا للعرب بما استردوه من حقوق ضئيلة، وإنما أخذوا يسعون لبث الفرقة بين العرب، فيؤلبون الأوس على الخزرج، ويحرضون الخزرج على الأوس، ويقفون مع هؤلاء تارة ومع أولئك تارة أخرى، وغرضهم الحيلولة دون زيادة قوة إحدى القبيلتين على حساب القبيلة الأخرى، حتى لا تشكل خطرا عليهم، وإنما السعى إلى إضعاف الجميع حتى يكونوا هم وحدهم الأقوياء، فإذا سنحت لهم فرصة انتهزوها للانقضاض على الفريقين وإخضاعهما لسلطانهم مرة أخرى. 

ومن هنا كانت كثرة الوقائع بين الأوس والخزرج التي تكبد فيها الفريقان أفدح الخسائر، في الأرواح والممتلكات. وفي حرب سمير التي نشبت بين الأوس والخزرج عقب زوال ملك اليهود بفضل مساعى مالك بن العجلان وجهود أبو جبيلة، انضم يهود بني قريظة وبني النضير إلى الأوس ضد الخزرج الذين كان مالك بن العجلان منهم. وقد استمرت هذه الحرب عشرين عاما، وانتهت بالصلح بين الجانبين. 

ثم بعد ذلك بذل اليهود تأييدهم للخزرج ضد الأوس، وذلك في الحرب التي نشبت بينهما بسبب قيام أحد اليهود بركل عربى فى مؤخرته، وكان هذا العربي ضيفاً على أحد أشراف الأوس واسمه حاطب بن قيس، فلما أصابته الركلة استغاث بمضيفه الذي أقبل مسرعا، ولما علم بما فعله اليهودى ضربه بسيفه ضربة فلق بها هامته، وهكذا قامت الحرب بين الأوس والخزرج، وهزم الخزرج الأوس.

ولكن اليهود عادوا فانحازوا إلى الأوس مرة أخرى، فهم لا يرغبون أن يروا فريقا من العرب يزداد قوة؛ لما في ذلك من خطر عليهم. فلما رأى الخزرج ذلك أنذروا اليهود وهددوهم إن هم استمروا في مساندة الأوس، فرد عليهم اليهود بما يتضمن الوعد بالكف عن نصرة الأوس، ولكن الخزرج لم يكتفوا بذلك، وطلبوا منهم أن يودعوا لديهم رهائن من أبنائهم لكي يضمنوا عدم مساعدتهم للأوس، فبعثوا إليهم بأربعين غلاما منهم، ففرقهم الخزرج في دورهم، ومكثوا بذلك مدة. ولكن حدث أن رجلا من الخزرج يدعى يزيد بن فسحم شرب يوما فسكر فتغنى بشعر يذكر فيه موضوع الرهائن، وعرض باليهود قائلا:

هلم إلى الأحلاف إذ رق عظمهم … وإذ أصلحوا مالاً لجذمان ضائعا

إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة … بعثنا عليه من بني العير جادعا 

فأما الصريح منهم فتحملوا … وأما اليهود فاتخذنا بضائعا 

أخذنا من الأولى اليهود عصابة … لغدرهم كانوا لدينا ودائعا

فذلوا لرهن عندنا في حبالنا … مصانعة يخشون منا القوارعا

وذاك بأنا حين نلقى عدونا … نصول بضرب يترك العز خاشعا 

فبلغ قوله قريظة والنضير فغضبوا، وتوعد كعب بن الأشرف الخزرج، وسعى فى تأليب الأوس عليهم، فلما سمعت الخزرج بذلك قتلوا كل من عندهم من الرهن من أولاد قريظة والنضير. وعندئذ اجتمعت الأوس وقريظة والنضير على حرب الخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا، وسمى ذلك اليوم بيوم الفجار الثاني لقتل الغلمان.

ويقول ابن الأثير: إن الخزرج إنما قتلوا الرهائن بسبب غدر اليهود فأحرى أن يسمى الفجار لغدر اليهود لا العرب.

أما آخر حرب بين الأوس والخزرج فتسمى يوم بعاث. وكان السبب في وقوعها أن قريظة والنضير جددوا العهد مع الأوس على المؤازرة والتناصر، واستحكم أمرهم وجدوا في حربهم، ودخل معهم قبائل من اليهود غير من ذكرنا، فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت وحشدت وراسلت حلفاؤها من أشجع وجهينة، كذلك راسلت الأوس حلفاءها من مزينة، ومكثوا أربعين يوما يتجهزون للحرب، والتقوا ببعاث، وهى من أعمال قريظة، وتخلف عبد الله ابن أبي بن سلول فيمن تبعه من الخزرج. 

وفي أول الأمر انهزم الأوس ومعهم اليهود، ثم ما لبثت الدائرة أن دارت على الخزرج، فقتل قائدهم، ووضعت الأوس فيهم السلاح، ولكن أحدهم صاح: يا معشر الأوس، أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم؛ فجوارهم خير من جوار الثعالب، فانتهوا عنهم ولم يسلبوهم، ولكن اليهود استمروا في سلب الخزرج انتقاما وتشفيا.

وأقسم كعب بن أسد القرظي ليذلن عبد الله بن أبي؛ ظنا منه أنه اشترك في الحرب إلى جانب إخوانه الخزرج. ولم يكف إلا بعد أن ثبت له أن عبد الله بن أبى لم يشترك في الحرب.

وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج، فقد جاء الاسلام فجمع بينهما ووحد كلمتهما، وضيع على اليهود الفرصة نهائيا، بل وأصبح المسلمون يحاسبونهم على أي إساءة تقع منهم في حق الآخرين مستوطنة تيماء.

أما المناطق الأخرى غير (يثرب) فإنها لم تكن تقل عنها خصوبة وقيمة من الناحية الاستراتيجية والموقع الاقتصادي، ومنها تيماء التي ذكرت المراجع أنها تقع فى واحة كثيرة الماء في شمالي الجزيرة العربية على مسيرة أربعة أيام إلى الجنوب من دومة الجندل، ويقول المقدسي: إنها على مسيرة ثلاثة أيام من الحجر، وأربعة أيام من وادى القرى، وهى فى غور طوله ميلان، وعرضه خمسمائة ياردة، وكانت تيماء محطة هامة للقوافل. 

ويقول الأستاذ محمد عزة دروزة: إن تيماء كانت ملتقى قوافل التجارة تغدو وتروح بين الجنوب والشمال وإن أهلها كانوا ماهرين فى الأعمال التجارية، وإنهم دفعوا الجزية لتغلات بلاشر؛ فدية ورغبة في الاستمرار على نشاطهم التجاري بعد أن وقعت البلاد الشمالية تحت سيطرته. 

والسبب في غزو تغلات بلاسر لتيماء أن سمسى ملكة عريبي انضمت إلى تحالف كبير في عام ۷۳۲ ق. م ضم دولة سبأ وملك دمشق وواحة تيماء الهامة، وقبائل أخرى قرب تيماء وديدان (العلاء) ضد تغلات بلاسر الثالث الذي كان يطمع فيما يعود على هذه المناطق من ثروة نتيجة لامتداد ما كان يسمى بـ (طريق البخور) خلالها، وكان هذا الطريق يبدأ من البحر الأبيض عند غزة، ومن دمشق عن طريق معان وديدان ويثرب إلى رجمة (نجران) وسباً، فما كان منه إلا أن شن حربا عليها فأخضعها بما فيها تيماء.

ويزعم اليهود أن أشعياء تنبأ بما سيحدث للعرب في تلك الحرب، ففي الإصحاح ۲۱ من سفر أشعياء يقول: (وحى من جهة بلاد العرب. في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين. هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان واحة تيماء وافوا الهارب بخبزه. فإنهم من أمام السيوف قد هربوا. من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدودة ومن أمام شدة الحرب. فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار وبقية عدد قسى أبطال بني قيدار تقل لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم).

وكانت اليهود تسمى العرب من أبناء إسماعيل باسم قيدار الذي قيل إنه أحد أبناء إسماعيل، ونلاحظ كراهية أشعياء الشديدة لهم، وسروره بما سيحيق بهم من هزيمة. وكان ذلك في القرن الثامن قبل الميلاد.

كذلك غزا الملك ببوئد ملك بابل تيماء عام ٥٥٠ ق.م وحكمها ثماني سنوات وأنفذ حملة وصلت إلى يثرب. وشيد قصرا ومعبدا في تيماء وجعل منها مركزا لديانة عريقة فى القدم هي عبادة الإله سين رب القمر الآرامي.

وفى سنة ٣٧٥ ميلادية خضعت تيماء للملك الحبشى المدعو عيزان، ولكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ ما لبثت أن خضعت للفرس، وكان شأن تيماء كشأن غيرها من الواحات العربية الخصبة التي نزح إليها اليهود من فلسطين أيام الاضطهاد الروماني، غير أن تيماء اجتذبت أعدادا أخرى من اليهود الذين كانوا يقيمون في مناطق أخرى من الحجاز لا تتمتع بما كانت تتمتع به فنزحوا إليها وأقاموا فيها.

ويبدو أنهم كانوا مثل يهود المدينة (يثرب) يسيئون معاملة العرب، وإن كان هؤلاء - على ما يبدو – أقل حمية من إخوانهم عرب يثرب، حيث اكتفوا بالشكوى ولا يحاولون أن يحطموا نير التسلط اليهودى، وها هو أحدهم ينظم شعرا يعبر فيه عن معاناته هو وإخوانه من ظلم اليهود فيقول:

إلى الله أشكو، لا إلى الناس … أنني بتيماء تيماء اليهود غريب

وأنى بتهباب الرياح موكل … طروب إذا هبت عليَّ جنوب

وإن هب علوى الرياح وجدتني… كأني لعلوى الرياح نسيب

فالرجل، كما نلاحظ، ضائع فى بلده بسبب تعنت اليهود واستغلالهم ووقاحتهم، وكما فعل يهود يثرب، لما علموا ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعل يهود تيماء، فقد ناصبوه العداء وارحوا يتآمرون مع بني عمومتهم في يثرب وخيبر ووادى القرى وقمنا وتبوك وفدك يريدون القضاء عليه، ولكن شاءت إرادة العلى القدير أن يقضى عليهم، وأن تخلص الحجاز واليمن وكل الجزيرة لأبنائها العرب كما ستخلص فلسطين إن شاء الله.

 مستوطنة تبوك

وتبوك من الواحات العامرة التي استوطنها اليهود أيضا، وهي تقع على مسيرة أربعة أيام من الحجر، واثنى عشر يوما من يثرب، وهى واقعة على نشر في سهل رملى وبها بئر صالح، ومن الراجح أن يكون هو الوارد ذكره فى القرآن الكريم. وكانت تبوك أيام النبي صلى الله عليه وسلم على الحدود الشمالية لبلاد العرب وتبدأ بعدها حدود الدولة البيزنطية (دولة الروم ). وكان يهود تبوك يُنكلون بمن يقيم بين ظهرانيهم من العرب، فلما ظهر الإسلام أخذوا يتآمرون ضده مع بني عمومتهم في المستوطنات اليهودية الأخرى، وظنوا أن وجود.

وتبوك على مسافة بعيدة من يثرب وقربها من الحدود البيزنطية سوف يمنع المسلمين من غزوها وتأديبهم وكسر شوكتهم، ولكن خاب فألهم، فقد طالتهم أيدي المسلمين كما طالت بني عمومتهم في يثرب ثم في خيبر ووادي القرى.

مستوطنات أخرى

وهناك -فضلا عما تقدم ذكره من مستوطنات لليهود ـ كثير -من الواحات والأقاليم التي اغتصبوها من العرب، منها أذرح، ومقنا، وبنى جنبه، وبنى عريض، وبنى غاريا، والجرباء، وفدك وأذرح كانت فى أطراف الشام من أعمال الشراة، ثم من نواحي البلقاء. ويقول ياقوت: إن الوضاح قد أخطأ إذ قال إنها من فلسطين، وإنما هي في قبلى فلسطين من ناحية الشراة. 

وجاء في کتاب مسلم بن الحجاج أن بين أذرح والجرباء، وهي مستوطنة يهودية أيضا، ثلاثة أيام، بينهما ميل واحد أو أقل؛ لأن الواقف في هذه ينظر هذه.

أما أذرعات التي نفى إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بنى قينقاع، فكانت تقع في أطراف الشام بجوار أرض البلقاء وعمان، ينسب إليها الخمر. ويقول ياقوت: إن العرب ذكرتها في أشعارها؛ لأنها لم تزل من بلادها في الإسلام وقبله، فقد قال امرؤ القيس:

ومثلك بيضاء العوارض طفلة … لعوب تنسيني - إذا قمت - سربالي

تَنَوَّرتها من أذرعات وأهلها…  بيثرب، أدنى دارها نظر عال

يريد أن يقول، أى ياقوت، إنها لم تكن يهودية أبدا، وإنما اغتصبها اليهود، فلما استردها المسلمون عادت -كما كانت -عربية.

__________________________________

الخلاصة:

يتناول الكتاب دراسة تاريخية وتحليلية للوجود اليهودي في الحجاز ويثرب منذ ما قبل الإسلام، مسلطاً الضوء على أساليب هيمنتهم الاقتصادية والاجتماعية والتحريض المستمر بين القبائل العربية لمنع وحدتهم، وصولاً إلى مواجهة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لهذا الخطر الداخلي والخارجي بحكمة وعزيمة حتى طُهرت الجزيرة العربية من نفوذهم. 

كما يعقد الكاتب مقارنات مسقطة بين سياسات اليهود التاريخية في الحجاز وتصرفاتهم المعاصرة في فلسطين وسيناء، معتبراً أن أحداث الماضي امتداد للصراع الحالي مع المشروع الصهيوني.

ومن جهة أخرى، يستعرض النص تحليلاً تفصيلياً لأصل اليهود والعبرانيين وبني إسرائيل وتتبع العلاقات التاريخية بينهم وبين العرب والعشائر الإسماعيلية عبر النصوص التوراتية والتاريخية، مصحوباً بنقد واسع للمبالغات العددية والتناقضات الواردة فيها. 

ويختتم الكتاب بربط هذه الجذور التاريخية بالواقع السياسي المعاصر، محذراً من الأطماع الإسرائيلية الممتدة في المنطقة العربية ومقدساتها الإسلامية، وداعياً إلى قراءة الواعي للتاريخ لعدم الوقوع في فخ الخداع والأوهام السياسية.

كما يتطرق إلى جذور الوجود اليهودي في الحجاز ويثرب، مناقشاً الروايات المختلفة بشأن توقيت وكيفية قدومهم -من هجرات مبكرة إلى نزوحهم إثر الاضطهادات الرومانية في عهد طيطوس وهادريان- ومبيناً كيف سيطروا على الأراضي والزراعة والتجارة وأقاموا الحصون المنيعة. 

كما يسلط الضوء على طبيعة علاقتهم بالقبائل العربية (الأوس والخزرج)، مشيراً إلى سياسة التحريض وبث الفرقة التي انتهجوها لضمان بقائهم في موقع القوة وهيمنتهم الاقتصادية، وصولاً إلى التغير الجذري الذي أحدثه ظهور الإسلام وتأسيس المجتمع النبوي في المدينة.

وفي النهايات، يعمد الكاتب إلى إسقاط هذا التاريخ القديم على الواقع السياسي المعاصر، رابطاً بين ممارسات اليهود التاريخية في الحجاز وما يجري في فلسطين وسيناء، ومحذراً من الأطماع الإسرائيلية والمشروعات التوسعية الممتدة في المنطقة العربية. 

ويختتم بالتأكيد على أن فهم الأحداث التاريخية واستخلاص العبر منها ضرورة واعية لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة بالأمة ومقدساتها، كالمهددات التي تواجه المسجد الأقصى والمسجد النبوي الشريف.

أما قصة أبي جبيلة الغساني؛ فتدور حول استبداد اليهود في يثرب وفرضهم القهر على العرب، وتحديداً عبر زعمهم بوجود ملك يدعى "الفطيون"، والذي فرض سنة ظالمة تقضي بدخول كل عروس عربية عليه قبل زوجها. 

وعندما طال هذا الظلم أخت أحد أشراف الخزرج (مالك بن العجلان)، تنكر الأخير بزي النساء ودخل فقتل الفطيون بسيفه، ثم فرّ إلى الشام والتجأ إلى الملك الغساني أبي جبيلة شاكياً له حال العرب، فعاهده الأخير على نصرتهم وتأديب اليهود.

استدرج أبو جبيلة رؤساء اليهود وأشرافهم إلى خيامه في يثرب تحت غطاء دعوة طعام وهمية، بعد أن تستر بحملة متجهة ظاهرياً نحو اليمن، وهناك قضى عليهم جميعاً وقتلهم عن آخرهم. 

أدت هذه العملية المدبرة إلى تحطم شوكة اليهود وضعف نفوذهم، مما مكّن الأوس والخزرج من استرداد سيادتهم وأموالهم وحصونهم، وخلّدت شعراء العرب هذا النصر الكبير في قصائد الفخر والاعتزاز.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق