أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 30 أغسطس 2026

السير والسلوك إلى ملك الملوك الشيخ قاسم الخاني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 السير والسلوك إلى ملك الملوك

الشيخ قاسم الخاني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

        

 تمهيد: هذا الرسالة النفيسة، في بيان الطريقة الكاملة، والخطة الشاملة في سلوك سبيل الحق عز وجل، والوقوف مع جملةٍ من الآداب الشرعية، الظاهرة والباطنة الموصلة إلى الكمال، والطريقة: هي تتبع أفعال النبيّ صلى الله عليه وسلم والعمل بها ظاهراً وباطناً، الأمر الذي يسّره الله على من أراد به الخير، ولهذا السلوك منازل معلومة، يقطعها السالك واحدةً بعد واحدة، حتى يتم له قصده، ويفوز بالمطلوب.

وتنبع أهمية هذه الرسالة من كونها تقدم تصوراً متكاملاً عند مؤلفها لطريق السلوك الروحي، فلا تقف عند بيان بعض الآداب والأذكار والأعمال، وإنما تحاول رسم طريق متدرج ينتقل فيه السالك من مجاهدة النفس وتخليتها من الصفات المذمومة إلى التحلي بالصفات المحمودة، ثم الترقي في المقامات والأحوال حتى يبلغ ما يسميه المؤلف مقام الكمال. ومن ثم فالكتاب يجمع بين التربية الأخلاقية، ومجاهدة النفس، وتهذيب السلوك، وبين مصطلحات صوفية دقيقة تحتاج إلى معرفة اصطلاح أهل هذا الفن لفهمها على وجهها.

ويظهر من ترتيب الكتاب أن المؤلف أراد أن يجعل السلوك طريقاً عملياً متدرجاً، يبدأ بالنظر في علائق الدنيا وشهواتها، ثم ينتقل إلى التوبة والإنابة ومجاهدة النفس، وينتهي ببيان المرشد والمريد ومداخل الشيطان. وهذا التدرج يكشف عن عناية المؤلف بالجانب التربوي، وعن رغبته في تحويل التصوف من مجرد مفاهيم نظرية إلى برنامج عملي لتقويم النفس وتهذيبها.

يقول المؤلف: وقد بيّنت في هذه الرسالة كيفية السلوك، وأحوال السالكين، والمسلك وما يحتاج إليه السالك في قطع الطريق، والوصول إلى التحقيق، لتنقطع أعذار المقصرين، وتقوى همم الراغبين في السير لرب العالمين.

ويمتاز أسلوب المؤلف بكثافة اصطلاحية واضحة، وبنزعة رمزية وتأملية تظهر خصوصاً في مقدمته، حيث يستخدم ألفاظاً مثل: الحجب، والأنوار، والأسرار، والحضرة، واللطيفة الإنسانية، والخلعة القيومية، وتجليات الأفعال والصفات والأسماء. ولذلك قد يبدو الكتاب عسيراً على القارئ غير المتخصص، لا بسبب تعقيد عبارته اللغوية فحسب، وإنما بسبب اعتماده على منظومة من المصطلحات التي لها دلالات مخصوصة عند أهل التصوف. ومن ثم كانت مقدمة الكتاب ذات أهمية خاصة؛ لأنها تمثل مفتاحاً لفهم كثير من ألفاظه ومقاصده.

وقد أخذ الشيخ في تفصيل هذه المقامات؛ فقال: وهي سبعة. ثم بيّنها بقوله: الأول: مقام ظلمات الأغيار، وتسمى النفس فيه بالأمارة، والثاني: مقام الأنوار، وتسمى النفس فيه باللوامة، والثالث: مقام الأسرار، وتُسمى النفس فيه المُلهمة، والرابع: مقام الكمال، وتُسمى النفس فيه المطمئنة، والخامس: مقام الوصال، وتُسمى النفس فيه بالراضية، والسادس: مقام تجليات الأفعال، وتُسمى النفس فيه بالمرضية، والسابع: مقام تجليات الصفات والأسماء، وتُسمى النفس فيه الكاملة، وكلما كان الإنسان في مقام كان محجوباً عمّا بعده.

المقامات السبعة والمراتب النفسية

أبرز ما يميز الرسالة تقسيمها مراتب السلوك إلى سبعة مقامات، وربط كل مقام بنوع من أنواع النفس: الأمارة، واللوامة، والملهمة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، والكاملة. وهذا التقسيم ينبغي فهمه في سياقه الاصطلاحي؛ فالقرآن الكريم نصّ على النفس الأمارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وعلى النفس اللوامة في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، وعلى النفس المطمئنة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، أما بقية التقسيم المذكور في الرسالة فهو من الاصطلاحات التي جرى عليها بعض أهل التصوف في وصف تطور النفس في طريق التزكية، وليس من الضروري أن تكون هذه المراتب السبع ثابتة بهذا الترتيب والتقسيم بنص شرعي.

وعليه فإن قيمة هذا التقسيم يظهر في كونه محاولة لتصوير التحول الأخلاقي والروحي للإنسان: من غلبة الشهوة والهوى، إلى لوم النفس ومحاسبتها، ثم استقرارها وطمأنينتها، وما يصفه المؤلف بعد ذلك من مراتب الرضا والمرضية والكمال.

كما ذكر المؤلف أن بين العبد وربه سبعين حجاباً من ظلمةٍ ونور، والسلوك هو تمزيقٌ لهذه الحجب، عبر الترقي في المقامات السبع، فالنفس محجوبة في كل مقام بعشر حُجب، وكل حجابٍ أكثف من الذي يليه، ولكل مقام نفسٌ كما ذكرنا، ولكل نفسٍ ستةُ أمور: أوصاف وسيرٌ وعالمٌ ومحل وحالٌ ووارد، واعلم أن النفس الأمارة محجوبةٌ بالحجب الظلماتية، بينما بقية النفوس محجوبةٌ بالحجب النورانية.

تنبيه: ذكر المؤلف أن بين العبد وربه سبعين حجاباً من ظلمة ونور، وجعل لكل مقام عشرة حجب. وهذه الصورة التفصيلية للحجب السبعة والسبعين ليست من الأمور التي ينبغي حملها على أنها تقرير شرعي قطعي، وإنما هي من التصويرات الاصطلاحية في كتب السلوك. وينبغي التثبت من الأحاديث والآثار التي ترد في هذا الباب، وعدم نسبة كل ما اشتهر في كتب التصوف إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد التحقق من ثبوته.

يقول المؤلف: ولكل مقامٍ اسمٌ لله تعالى يُردده السالك في نفسه، حتى يتبين له عيوبه التي انطوى عليها، فيتوب عنها، ويسعى إلى التخلص منها، وكلما ازداد ذكره لذلك الاسم، زاد بُغضه لتلك العيوب ونفرته منها، قال: وهذا مُحقّقٌ لا يُنكره إلا من لم يُجربه.

تنبيه آخر: والحق أن تخصيص كل مقام باسم من أسماء الله تعالى، وربط تكراره بكشف عيب معين من عيوب النفس، فهو من المنهج التربوي الخاص الذي اختاره المؤلف لنفسه، وينبغي التفريق فيه بين مطلق الذكر المشروع، وهو ثابت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وبين تخصيص اسم معين بعدد أو هيئة أو اعتقاد أثر مخصوص؛ إذ لا بد فيه من دليل صحيح. ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين أصل العبادة وبين الطريقة الخاصة في ممارستها.

وهذه النسخة كتبها محمد بن أحمد النبهان، وهو أحد تلامذة المدرسة الخسروية، وذلك في ليلة الاثنين، في 17 من شهر شعبان، سنة 1344 هـ، وذلك بعد وفاة المؤلف -رحمه الله -بأكثر من مائتين وثلاثين سنة.

السلوك في ميزان الشريعة

وينبغي عند قراءة هذه الرسالة التفريق بين أصل السلوك إلى الله تعالى، وهو معنى شرعي، أصيل يقوم على الإيمان والتوبة والعبادة ومجاهدة النفس والتحلي بمكارم الأخلاق، وبين الاصطلاحات الخاصة التي نشأت في كتب التصوف لوصف مراتب السالكين وأحوالهم. فالأصل في تزكية النفس ثابت بالكتاب والسنة، غير أن التفصيلات والمصطلحات التي وضعها بعض أهل التصوف في بيان المقامات والأحوال ليست كلها في مرتبة واحدة من جهة الدليل؛ فمنها ما يرجع إلى معانٍ شرعية صحيحة، ومنها ما هو اصطلاح تربوي، ومنها ما يحتاج إلى نظر وتمييز بحسب موافقته للأصول الشرعية.

ولهذا لا ينبغي أن تُقرأ الرسالة على أن جميع ما ورد فيها من المقامات والأحوال والحجب والأسماء والمصطلحات أحكامٌ شرعية ثابتة بالنص، بل تُقرأ بوصفها تصوراً خاصاً للمؤلف في التربية والسلوك، ثم تُعرض عباراته على الكتاب والسنة وقواعد الاعتقاد والشريعة. وهذا المنهج أدعى إلى الإنصاف؛ فلا يُردّ الكتاب كله بسبب بعض مصطلحاته، ولا تُقبل جميع عباراته لمجرد اشتماله على معانٍ صحيحة في تزكية النفس.

ترجمة المؤلف قاسم الخاني

هو الشيخ الزاهد قاسم بن صلاح الدين الخاني، الحلبي، الحنفي.

ولد في حلب سنة (1028 هـ). وسافر إلى العراق والحجاز وتركيا، ثم عاد إلى حلب سنة (1060 هـ). تزهد وقرأ على بعض المشايخ، ودرّس وولي الإفتاء إلى أن توفي سنة (1109 هـ).

ومن كتبه " السير والسلوك إلى ملك الملوك - ط " في التصوف، وله " شرح على الجزرية - خ " في التجويد، وله "رسالة في المنطق - خ "، وله "التحقيق في الرد على الزنديق -خ"، و"رسالة في مصطلح الحديث -خ".

عودة إلى الكتاب

وجاء في أوله: الحمد لله الذي أهبط بحكمته أسرار ذاته في سماء العمى إلى أرض الطبيعة الكلية، وأودعها بقدرته في صدف النُّطف إظهاراً لخواص الأسماء، فانحجبت بالظلمات النفسانية، حجاباً أنساها ما كانت عليه من الكمالات؛ فمالت إلى الشهوات، وركنت إلى المحسوسات، وألفت العادات، فلم تذكر اوطانها، ولا خطر ببالها مباديها العليّة، ثم أرسل إليها رسلاً على صورتها الظاهرة، ورُسلاً على صورتها الباطنة، أوقدوا في ظلمتها مصابيح ملكوتية، فأدركت ما هي عليه من الخيانات، وما فيها من الاستعداد إلى وصول الكمالات والدرجات العلية، فجدّت واجتهدت، وطلبت من مباديها كشف ما سترها من الحجب النورانية والظلمانية، فتقرّب منها لم تقربت منه بهذا الطلب، وجذبها جذبةً أمستها طباعها، وما كانت عليه من العادات، فوصلت بها إلى الحضرة الأحدية، فاستهلكت صفاتها في صفاته؛ إذ لم يبق فيها ما يُنازعه في ربوبيته؛ لاتصافها بكمال العبودية، فناداها ببعض أسمائها {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية}، وأمرها بالدخول في عباده، تحقيقاً للخلافة الآدميّة، فخلعت عليها الخلعة القيومية، والكمالات الأيدية، والصلاة والسلام على سيد الأنام، ومصباح الظلام، وخير البرية، وعلى آله وصحبه الفائزين ببركة صحبته الأفضلية، ومقام القطبية الخ.

تنبيه: يكثر في كتب التصوف المتقدمة استعمال ألفاظ من قبيل «الفناء» و«استهلاك الصفات في الصفات» و«الحضرة الأحدية» و«الوصال»، وهي ألفاظ اصطلاحية تختلف دلالاتها باختلاف أصحابها ومصنفاتهم. ولا يصح حملها مباشرة على المعنى الحرفي الذي قد يتبادر إلى الذهن، بل ينبغي تفسيرها في ضوء اصطلاح المؤلف وسياق كلامه، مع التأكيد على أصل التوحيد: فالله سبحانه وتعالى خالقٌ غير مخلوق، والعبد عبدٌ لا يتحول إلى شيء من صفات الربوبية، مهما بلغ في العبادة والزهد والتزكية. وإذا أريد بالفناء فناء حظوظ النفس وشهواتها وغلبة محبة الله وطاعته على العبد، فهذا معنى تربوي معروف، أما ما تجاوز ذلك إلى معانٍ تمس التمييز بين الخالق والمخلوق فلا يصح حمله على وجه صحيح.

وقد جعل المؤلف كتابه في مقدمة، وعشرة أبواب وخاتمة، فالمقدمة في تعريف ما يحتاج إلى ذكره هنا من اصطلاحات أهل التحقيق؛ حتى كلما مرت بك كلمة غريبة المعنى ترجع إلى المقدمة، فتراها مُفسرة بكلامٍ تفهمه؛ لن من لم يعرف اصطلاحات القوم لا يفهم كلامهم. (8 -19)

الباب الأول: في ذم الدنيا ولذاتها وبيان حقيقتها. (20 -31)

الباب الثاني: الحث على سلوك هذه الطريقة، وبيان فضلها، وذكر الصفات الذميمة المانعة عن الوصول إلى الكمال، وذكر الأوصاف الحميدة الموصلة للكمال. (31 -41)

الباب الثالث: في بيان الحب التي بين الله والعبد، وما يحتاج إليه في تمزيقها ودفعها عن اللطيفة الإنسانية: من التوبة، والإنابة، والتجرد عن الأسباب، وغير ذلك، مما لا بد منه. (43 -53).

تنبيه: من المصطلحات التي تحتاج إلى قدر من البيان قول المؤلف: «التجرد عن الأسباب»، إذ لا ينبغي أن يفهم منه ترك الأسباب المشروعة أو تعطيل مصالح العباد، فإن الشريعة جاءت بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى. وإنما يحمل هذا المصطلح، في سياقه التربوي، على تخلي القلب عن الاعتماد على الأسباب استقلالاً، وردّ الأمر كله إلى الله تعالى، مع بقاء العبد آخذاً بما أذن الله فيه من الأسباب المشروعة.

الباب الرابع: في بيان النفس الأمارة وسيرها وعالمها، ومحلها وحالها وواردها وصفاتها، وقبائحها، وكيفية الخلاص منها، والترقي عنها إلى المقام الثاني، الذي تكون النفس فيه لوامة. (53 -62)

الباب الخامس: في بيان النفس اللوامة، ومحاسنها، وقبائحها، وصفاتها. (62 -88)

الباب السادس: في بيان النفس الملهمة وما يشتمل عليه من الجمع بين الخير والشر، والصفات الحسنة إلا أنها محل الخطر. (88 -114)

الباب السابع: في بيان النفس المطمئنة، وما فيها من الكمال بالنسبة إلى ما دونها في النفوس. (114 -121)

الباب الثامن: في بيان النفس الراضية، ومحاسنها. (121- 123)

الباب التاسع: في بيان النفس المرضية وعجائبها. (123 -127)

الباب العاشر: في بيان النفس الكاملة، وقربها، وعبوديتها. (127 -129)

والخاتمة في بيان المرشد، وبيان أوصافه، وأحواله، وبها يُعرف من يصلح للإرشاد ومن لا يصلح، وفي بيان صفات المريد القابل للسلوك، والمريد الغير قابل، وفي بيان مداخل الشيطان، وأنواع ظهره، وكيف يظهر لهم في كل مقام؛ ليستعين بهذا على إضلالهم. (129 لآخر الكتاب).

وأختم بتنبيه أيضاً: في هذه الرسالة تتداخل في الرسالة ثلاثة مستويات من الخطاب: مستوى شرعي يعتمد على معاني التوبة والعبادة ومجاهدة النفس والأخلاق، ومستوى تربوي يصف أحوال السالك ومراحل ترقيه، ومستوى صوفي اصطلاحي يستخدم ألفاظاً ومفاهيم تحتاج إلى تفسير خاص. وهذا التداخل هو الذي يمنح الكتاب أهميته من جهة، ويجعل قراءته قراءة نقدية موثقة أمراً ضرورياً من جهة أخرى 

وأختم الحديث في هذه الرسالة بمعجم صغير لبعض المصطلحات الواردة فيه:

السير والسلوك:
السير هو التوجه إلى الله تعالى بالطاعة والعبادة، والسلوك هو سلوك طريق تزكية النفس وتهذيبها ومجاهدتها حتى تستقيم على أمر الله. والمراد به عند المؤلف الانتقال من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، طلباً للكمال الروحي.

السالك:
هو العبد الذي اختار طريق التزكية والمجاهدة، وسعى إلى إصلاح نفسه وترقية أحواله بالطاعة والذكر ومخالفة الهوى، حتى يبلغ الغاية التي رسمها أهل هذا الطريق.

المريد:
هو الطالب الراغب في سلوك طريق التزكية، ويطلق في اصطلاح الصوفية على من أراد الوصول إلى الله تعالى بالسلوك والمجاهدة، ولذلك يحتاج ـ في تصور المؤلف ـ إلى مرشد يوجهه ويعينه على الطريق.

الطريقة:
هي المنهج العملي الذي يسلكه العبد في تزكية نفسه وتقويم سلوكه للوصول إلى مرضاة الله تعالى. وقد يراد بها في اصطلاح المتصوفة منظومة من الآداب والأذكار والمجاهدات التي يتلقاها المريد عن شيخه.

المقام:
هو منزلة روحية يكتسبها السالك بالمجاهدة والعمل، ويستقر فيها بقدر ما يحقق أسبابها. ومن ثم جعل المؤلف للسلوك مقامات متدرجة ينتقل السالك بينها.

الحال:
هو معنى أو وارد روحي يعرض للقلب من غير تكلف من العبد، كالخشوع والمحبة والخوف والرجاء والأنس. ويفرق الصوفية عادةً بين «المقام» الذي يُكتسب بالمجاهدة، و«الحال» الذي يرد على القلب من غير اكتساب مقصود.

الوارد:
هو ما يرد على القلب من معنى أو خاطر أو شعور مؤثر في سير السالك، وقد يكون باعثاً على التوبة أو المحبة أو الخوف أو الرجاء، ويختلف حكمه بحسب مصدره وموافقته للشرع.

النفس الأمارة:
هي النفس التي يغلب عليها اتباع الشهوات والأهواء، وتأمر صاحبها بالسوء. وأصل هذا الوصف قوله تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].

النفس اللوامة:
هي النفس التي تلوم صاحبها على التقصير والمعصية، وتدفعه إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها. وقد ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2].

النفس الملهمة:
يطلقها المؤلف على مرتبة من مراتب النفس بعد النفس اللوامة، وهي النفس التي يشتد فيها تمييز الخير من الشر، ويظهر فيها الميل إلى الطاعة مع بقاء أسباب الصراع والمجاهدة. وهذا التقسيم بهذا التفصيل من الاصطلاحات التربوية عند أهل التصوف، وليس جميعه وارداً في النصوص الشرعية بهذا الترتيب.

النفس المطمئنة:
هي النفس التي سكنت إلى الإيمان والطاعة واطمأن قلبها بذكر الله، وقد وصفها القرآن بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].

النفس الراضية:
هي النفس التي رضيت عن الله تعالى، وعن قضائه وتدبيره، واستقرت على التسليم له. وهي عند المؤلف مرتبة أعلى من النفس المطمئنة.

النفس المرضية:
هي النفس التي رضي الله عنها، وقد جمع القرآن بين الرضا من العبد والرضا من الرب في قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ويجعل المؤلف «المرضية» مقاماً من مقامات الترقي بعد «الراضية».

النفس الكاملة:
هي أعلى مراتب النفس في التقسيم الذي اعتمده المؤلف، وهي النفس التي اكتملت في تصور الكتاب عبوديتها واستقامت أحوالها، وصارت غايتها تحقيق العبودية لله تعالى.

الحجب:
الحجاب في الأصل ما يستر الشيء ويمنع من الوصول إليه. ويستعمله المؤلف استعمالاً روحياً للدلالة على الموانع التي تحول بين العبد وبين كمال معرفته بالله وقربه منه، كالشهوات والغفلة والتعلق بالدنيا. وما ذكره المؤلف من سبعين حجاباً وتقسيمها إلى ظلمات وأنوار هو من اصطلاحه في تصوير مراحل السلوك.

الحجب الظلمانية:
هي الموانع المرتبطة بالشهوات والغفلة والذنوب والتعلق بالمحسوسات وأهواء النفس، وسميت ظلمانية لما فيها من حجب القلب عن الهدى والمعرفة.

الحجب النورانية:
هي ـ في اصطلاح المؤلف ـ حجب دقيقة تعرض للسالك بعد تجاوزه الموانع الظلمانية، وقد تكون متعلقة ببعض المقامات الروحية أو المعاني التي قد ينشغل بها السالك عن الغاية المقصودة.

الظلمات:
يراد بها في لغة المؤلف العوائق التي تحجب النفس عن معرفة الحق والسير إليه، وفي مقدمتها الجهل والغفلة والشهوة والركون إلى الدنيا.

الأنوار:
هي المعاني الروحية التي تظهر للقلب عند الإيمان والطاعة والمجاهدة، كالهداية والبصيرة والخشوع والمعرفة. ويستعملها أهل التصوف غالباً للدلالة على انكشاف بعض المعاني الإيمانية للقلب.

الأسرار:
يطلق «السر» في اصطلاح الصوفية على المعنى الباطن الدقيق الذي يتعلق بالقلب أو الروح، ويقصد به أحياناً ما خفي من المعاني الروحية عن عامة الناس.

تجليات الأفعال:
يقصد بها في الاصطلاح الصوفي ملاحظة آثار أفعال الله تعالى في الكون والنفس، كالخلق والتدبير والإحياء والإماتة والرزق، بحيث يزداد القلب شهوداً لقدرة الله وتدبيره.

تجليات الصفات والأسماء:
يقصد بها ما يصفه أهل التصوف من انكشاف معاني أسماء الله وصفاته وآثارها في قلب السالك، كظهور آثار الرحمة والقدرة والعلم والحكمة في مشاهداته وتأملاته. وهذه تعبيرات اصطلاحية تحتاج إلى حملها على المعنى الذي يريده المؤلف، مع مراعاة أصول العقيدة في باب الأسماء والصفات.

اللطيفة الإنسانية:
من المصطلحات الصوفية التي يراد بها الجانب الباطن من الإنسان المتعلق بالقلب والروح والإدراك والمعرفة، في مقابل الجسد والحواس الظاهرة. وقد تختلف دلالتها وتفصيلاتها من مدرسة صوفية إلى أخرى.

المجاهدة:
هي بذل الجهد في مخالفة النفس والهوى، وحمل النفس على الطاعة وترك المعصية والصبر على العبادة. وهي من المعاني الشرعية الثابتة في تزكية النفس.

التجرد:
هو تخلي القلب عن التعلق المذموم بما سوى الله، ولا يعني بالضرورة ترك الأسباب الدنيوية أو تعطيلها، وإنما المقصود ألا يعتمد القلب عليها استقلالاً عن الله تعالى.

التجرد عن الأسباب:
يقصد به في سياق الرسالة تخلي القلب عن الاعتماد على الأسباب، لا ترك الأسباب المشروعة بالكلية؛ فالشريعة تجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب.

التوبة:
الرجوع عن المعصية إلى طاعة الله، وتكون بالإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، وتضاف إلى ذلك رد الحقوق إلى أهلها إذا تعلقت بحقوق العباد.

الإنابة:
الرجوع إلى الله تعالى بالطاعة والمحبة والخضوع، وهي أخص من مجرد ترك الذنب؛ لأنها تتضمن إقبال القلب على الله تعالى.

الذكر:
هو استحضار عظمة الله تعالى وتعظيمه بالقلب واللسان والجوارح، ويدخل فيه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن والدعاء وسائر ما شرعه الله من الأذكار.

الاسم الإلهي:
هو ما سمى الله تعالى به نفسه في كتابه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم. ويذكر المؤلف تخصيص أسماء معينة بالمقامات، وهذا التخصيص من الأمور الاصطلاحية التي تحتاج إلى دليل عند إرادة جعله عبادة مخصوصة.

الحضرة الأحدية:
تعبير صوفي يشير إلى مقام التوحيد وشهود وحدانية الله تعالى. وهو من الألفاظ الاصطلاحية التي ينبغي تفسيرها وفق مراد المؤلف وعدم حملها على معانٍ تخالف أصل التوحيد.

الفناء:
من أشهر المصطلحات الصوفية، ويقصد به عند كثير منهم فناء تعلق القلب بحظوظ النفس وشهواتها، وغلبة محبة الله وطاعته على القلب. وقد استعمل بعبارات متعددة في كتب التصوف، ولذلك لا بد من النظر في سياق كل مؤلف لتحديد مراده.

الوصال:
يراد به في لغة أهل التصوف بلوغ السالك غاية القرب والمحبة والأنس بالله تعالى، وهو تعبير مجازي اصطلاحي، وليس المقصود به اتحاد العبد بربه أو حلول أحدهما في الآخر.

العبودية:
هي غاية خضوع العبد لله تعالى، وامتثاله أوامره واجتنابه نواهيه، مع كمال المحبة والذل له سبحانه. وهي أشرف مقامات الإنسان؛ لأن الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعلى المقامات.

الكمال:
يراد به في الرسالة بلوغ الإنسان درجة عالية من تزكية النفس واستقامة السلوك وكمال العبودية بحسب التصور الذي يقدمه المؤلف، وليس المقصود كمالاً مطلقاً يساوي كمال الله تعالى؛ فالكمال المطلق لله وحده.

المرشد:
هو الشيخ الذي يتولى توجيه المريد في طريق السلوك، وتعليمه آداب الطريق، وتنبيهه إلى عيوب نفسه ومداخل الشيطان. ويشترط فيمن يتصدر للإرشاد العلم والاستقامة والخبرة بالتربية، ولا يكفي مجرد الانتساب إلى التصوف أو ادعاء الولاية.

المريد القابل للسلوك:
هو من كانت لديه إرادة صادقة في إصلاح نفسه، وقابلية للتعلم والمجاهدة والالتزام بالطاعة وقبول النصح.

مداخل الشيطان:
هي الطرق التي يدخل منها الشيطان إلى الإنسان لإغوائه، كالهوى والشهوة والكبر والحسد والغفلة والعجب والرياء. وقد اعتنى علماء التزكية ببيانها والتحذير منها؛ لأنها من أعظم ما يعوق السالك عن الاستقامة.

القطبية:
من المصطلحات الصوفية التي تطلق عند بعض الطرق على مرتبة روحية عالية، ويقال لصاحبها «القطب». وهذا المصطلح بتفصيلاته وخصائصه من المصطلحات الصوفية، وليس أصلاً من أصول العقيدة الإسلامية.

تنبيه: وينبغي التنبيه إلى أن هذه التعريفات إنما يقصد بها بيان مراد المؤلف ومصطلحات الكتاب، لا الحكم بصحة جميع التصورات التي تتضمنها تلك المصطلحات؛ إذ إن كتب التصوف تختلف في استعمال ألفاظها ودلالاتها، وقد يحمل المصطلح الواحد عند مؤلف معنى يختلف عن معناه عند غيره. ولذلك فالموقف العلمي من الرسالة يقتضي التفريق بين المعاني الشرعية التي دل عليها الكتاب والسنة، وبين الاصطلاحات التربوية التي اصطلح عليها أهل السلوك، وبين العبارات التي تحتاج إلى تأويل أو نقد أو تحقق من موافقتها للأصول الشرعية والعقدية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق