الوصية: ضوابط وأحكام
أ. د. عبد الله بن محمد الطيار
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: شرع الله لعباده من الأحكام ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأحاطهم برحمته وهدايته، فما من أمرٍ فيه خيرٌ للعباد إلا دلّهم عليه، وما من أمرٍ فيه ضررٌ عليهم إلا حذّرهم منه، ومن جملة ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأحكام العظيمة أحكام الوصية، التي شرعها الله تعالى لعباده رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحفظًا لحقوقهم بعد انقضاء آجالهم.
فالإنسان في هذه الدنيا مسافرٌ إلى دار الآخرة، ولا يدري متى يدركه الأجل، وقد يترك وراءه مالًا وحقوقًا وأهلًا وذريةً، فجاءت الوصية لتكون سببًا في حفظ الحقوق، وأداء الأمانات، وإبراء الذمم، واستبقاء أبواب البر والإحسان بعد الموت. وهي في حقيقتها تذكيرٌ للعبد بلقائه ربَّه، وحثٌّ له على أن يختم حياته بما ينفعه عند الله تعالى.
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة ببيان أصل مشروعيتها، وحثّت على المبادرة إلى الوصية وكتابتها، كما قال النبي ﷺ: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». ومن تأمل أحكام الوصية وجد فيها كمال الشريعة وحكمتها؛ إذ لم تتركها لأهواء الناس ورغباتهم، بل ضبطتها بضوابط تحفظ حق الموصي والموصى له والورثة وأصحاب الحقوق، وتمنع الظلم والعدوان والإضرار، وتفتح للعبد أبوابًا من الصدقة والإحسان ينتفع بها بعد موته.
وتتصل الوصية بجملة من الأحكام والمسائل التي يحتاج المسلم إلى معرفتها، من تعريفها ومشروعيتها وحكمها وحِكَمها، إلى أركانها وشروطها، وما يتعلق بالموصي والموصى له والموصى به والموصى إليه، وطرق إثباتها وتنفيذها ومبطلاتها، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وأحكام أموال الوصايا وحفظها واستثمارها. ومعرفة هذه الأحكام من تمام الفقه في دين الله تعالى؛ حتى يلقى المسلم ربه وقد برئت ذمته من حقوق العباد، وأدّى ما عليه من الأمانات، وجعل من ماله وعمله ما يرجو أن يكون له ذخيرةً يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وفيما يأتي بيانٌ لأهم أحكام الوصية وضوابطها، مستمدٌّ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما قرره أهل العلم، رجاءَ أن يكون فيه تذكيرٌ للموصي، وإرشادٌ للموصى إليه، وحفظٌ لحقوق الورثة والمستحقين، وتحقيقٌ لمقاصد الشريعة في العدل والإحسان وصيانة الأموال والأمانات.
_________________________________________________
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآتٍ، وما أنتم بمعجزين.
إن من محاسن شريعتنا أنها شرعت لأهلها ما ينفعهم دينًا ودنيا، وليس ذلك حال كونهم أحياء فحسب، بل شرعت لهم ما ينفعهم بعد موتهم، حرصًا منها على إيصال النفع الذي به يصلون إلى أرفع الدرجات.
فإذا كانت صحيفة العبد تُطوى بعد موته، فإن هناك من لا تُطوى صحائف أعمالهم بعد موتهم، بل هناك حسنات تُرصد وتُكتب لهم بعد وفاتهم، وهذا من فضل الله تعالى.
وإن من أعظم ما شرعته هذه الشريعة الغرّاء لأتباعها الوصية؛ فقد حثت عليها ورغبت فيها، وحينما شرعت ذلك حذرت من الغلو فيها والإضرار بها، بل وضعت لها ضوابط وأحكامًا تحفظ حقوق الموصي والورثة وغيرهم.
وبيّنت أن خير الأمور أوسطها، فمن حاد عن الوسط فهو على خطر عظيم.
ولما كانت الوصية لها دورها الفعّال في حياة الناس، ويكثر السؤال عنها وعن بعض المسائل المتعلقة بها، جعلت هذه الرسالة قليلة الحجم؛ لكي يُستفاد منها. وقد كانت بدايتها خطبة جمعة ألقيتها في جامع (العذل) عبد الله بن مسعود في عام 1420هـ، وألحّ عليَّ بعض من حضروا الخطبة بنشرها على شكل مطوية، لكنني فضّلت أن أضيف إليها؛ لتكون رسالة صغيرة، لعل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها.
كما أسأله سبحانه أن يعظّم الأجر لصاحب الاقتراح الذي دفعني لإخراجها، فكان سببًا لبث العلم ونشره في المجتمع.
وقد بحثت مسائل ذات أهمية بالغة في الوصية، منها:
تعريف الوصية.
أدلة مشروعيتها.
الحكمة من تشريعها.
حكمها.
حكم تنفيذها.
الإضرار في الوصية.
أركان الوصية
الركن الأول: الموصي.
الركن الثاني: الموصى له.
الركن الثالث: الموصى به.
الركن الرابع: الموصى إليه.
كما تناولت مبطلات الوصية، والأمور المعتبرة في إثبات الوصية، وحكم الرجوع في الوصية.
المسائل المهمة في الوصية
ومن هذه المسائل:
مسألة في طريقة كتابة الوصية.
مسألة في حكم الزكاة في المال الموصى به.
مسألة في استثمار أموال الوصايا وضوابطه الشرعية.
حكم المال المستفاد بعد تعيين الوصية.
وهناك مسائل أخرى مهمة في موضوعها.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
والمرجو والمؤمَّل ممن قرأ هذه الرسالة ألا يحرمنا من ملاحظاته واقتراحاته، وله مني الدعاء والمثوبة والأجر من رب العالمين، إن شاء الله تعالى.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
ضحى يوم الأحد
17 / محرم / 1423هـ
المملكة العربية السعودية
الزلفي، ص.ب: 188
الرمز البريدي: 11932
__________________________________________
الوصية
أولًا: تعريف الوصية
أ- الوصية في اللغة:
الوصية مأخوذة من قولهم: «وصيت الشيء» إذا وصلته، وسُمِّيت الوصية بذلك؛ لأنها وصل لما كان في الحياة بما يكون بعد الموت.
ب- الوصية في الشرع:
اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الوصية، ومن ذلك قول بعض العلماء:
«الوصية هي هبة الإنسان غيره عينًا أو دينًا أو منفعة، على أن يملك الموصى له الهبة بعد الموت».
وعُرِّفت أيضًا بأنها:
«التبرع بالمال بعد الموت».
وهناك عبارات أخرى للفقهاء في تعريف الوصية، وإن كانت جميعها ترجع إلى معنى واحد، وهو: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
ثانيًا: الفرق بين الوصية والهبة
يتضح من تعريف الوصية الفرق بينها وبين الهبة؛ فالتمليك المستفاد من الهبة يثبت في الحال، أما التمليك المستفاد من الوصية فلا يثبت إلا بعد الموت.
ومن الفروق بينهما أيضًا أن الهبة لا تكون إلا في الأعيان، بينما الوصية تكون بالعين، وبالدين، وبالمنفعة.
وخلاصة الفرق: أن الهبة تمليك في حال الحياة، أما الوصية فهي تمليك مؤجل إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
دليل مشروعية الوصية
ثبتت مشروعية الوصية بالكتاب والسنة والإجماع، وقد جاءت النصوص الشرعية الدالة على ذلك.
أولًا: دليل مشروعيتها من القرآن الكريم
وردت عدة آيات تدل على مشروعية الوصية، منها قول الله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].
وقوله تعالى:
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
وقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 106].
فهذه الآيات تدل على اعتبار الوصية ومشروعيتها في الشريعة الإسلامية.
ثانيًا: دليل مشروعيتها من السنة النبوية
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
«ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
قال ابن عمر رضي الله عنهما:
«ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي».
والحديث يدل على أهمية المبادرة إلى كتابة الوصية وعدم تأخيرها؛ لئلا يفاجئ الإنسان الموت قبل أن يبيّن ما يريد أن يوصي به.
ثالثًا: دليل مشروعيتها من الإجماع
نقل ابن قدامة رحمه الله في المغني إجماع العلماء على جواز الوصية، فقال:
«وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية».
وبذلك يتبين أن الوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، وأنها من التصرفات التي أقرّتها الشريعة، لما فيها من تحقيق مصالح الموصي والموصى لهم، وتنظيم ما يتركه الإنسان بعد وفاته.
______________________________________________
الحكمة من مشروعية الوصية
تمهيد
ينبغي التنبيه إلى أن الله تعالى حين شرع لعباده أمرًا أو نهاهم عن شيء، قد يبيّن لهم الحكمة من ذلك التشريع، وهذا كثير في كتاب الله تعالى، وقد لا يبيّن الحكمة في بعض الأوامر والنواهي. وعدم بيان الحكمة لا يعني التوقف عن امتثال أمر الله تعالى، بل يجب على المسلم أن يعمل بما أمر به، وإن لم تظهر له الحكمة من التشريع.
والوصية من الأمور التي لم تبيّن نصوص الكتاب والسنة الحكمة من مشروعيتها على وجه التفصيل، إلا أن من تأمل فيها بعين البصيرة والفقه يجد جوانب عديدة من الحكمة والمصالح التي شرعت من أجلها. ومن هذه الجوانب:
1. الوصية بالتمسك بتوحيد الله تعالى
قال الله تعالى عن يعقوب عليه السلام:
﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].
فهذه وصية من يعقوب عليه السلام لأبنائه بالتمسك بعبادة الله وحده لا شريك له، وهي وصية جامعة للموصي والموصى إليه، ومن أنفع الوصايا على الإطلاق؛ لأنها تتعلق بأصل الدين وأساس النجاة.
وقد غفل كثير من الناس عن هذا النوع من الوصايا، وانصرفوا إلى الوصايا الدنيوية، مع أن وصية التوحيد هي وصية الأنبياء والمرسلين لأبنائهم وأتباعهم، بل هي في حقيقتها وصية رب العالمين لعباده.
الحكمة من مشروعية الوصية
1. الوصية بالتمسك بالتوحيد
ينبغي للمسلم أن يوصي أولاده عند حضور الوفاة بما وصّى به يعقوب عليه السلام أبناءه، وهو التمسك بتوحيد الله تعالى وعبادته وحده، حتى يثبتوا على ذلك إلى أن يلقوا ربهم.
2. إبراء ذمة الموصي مما يحدث بعد موته
من حكم مشروعية الوصية أنها تبرئ ذمة الموصي مما قد يحدث بعد وفاته، ولا سيما في المجتمعات التي يكثر فيها الجهل بأحكام العقيدة والشريعة. فيوصي الإنسان أهله وأقاربه بالابتعاد عن مظاهر النياحة وأعمال الجاهلية، كشق الجيوب ولطم الخدود وحلق الرؤوس عند المصيبة، ويعلن براءته منها. وبذلك لا يتحمل تبعة ما يفعله أهله بعد وفاته مما نهاهم عنه، إذا كان قد أوصاهم بتركه.
3. انتفاع الميت بالعمل الصالح بعد موته
ومن حكم الوصية أنها قد تكون سببًا في استمرار انتفاع الميت بعد وفاته، وذلك إذا أوصى بعمل خيري دائم النفع، فيبقى أجره جاريًا له بعد موته. وقد قال النبي ﷺ:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
فالوصية بصدقة جارية أو عمل نافع يمكن أن تكون رصيدًا مستمرًا للميت من الحسنات بعد وفاته.
4. إبراء الذمة من الديون وحفظ حقوق الدائنين
ومن حكمها كذلك إبراء ذمة الموصي من الديون والحقوق التي عليه، وحفظ أموال الدائنين وأصحاب الحقوق؛ فالوصية تذكّر بما في ذمة الإنسان من حقوق للآخرين، وتعين على أدائها بعد موته. وفي ذلك دليل على عناية الشريعة بحقوق الآدميين، وأنها لا تسقط بموت من وجبت عليه.
5. حماية الأموال ورعاية القُصَّر
ومن حكم الوصية أنها وسيلة إلى حفظ أموال الورثة ورعاية القُصَّر منهم؛ فإذا مات الرجل وترك مالًا وأولادًا صغارًا لا يحسنون التصرف في أموالهم، وأوصى بأن يكون شخص معين وصيًا عليهم، قام الوصي مقام والدهم في رعايتهم والمحافظة على أموالهم، بما يحقق مصلحتهم ويحفظ حقوقهم.
6. الوصية صدقة للموصي
ومن حكمها أنها صدقة يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى بعد وفاته، ولذلك ينبغي لمن وسّع الله عليه في المال ألا يحرم نفسه من الخير، وأن يجعل في وصيته نصيبًا من أعمال البر والإحسان، وفق ما أذن به الشرع، رجاء أن يكون ذلك ذخيرة له بعد موته.
حكم الوصية
يدور حكم الوصية في الشريعة الإسلامية بين الوجوب والاستحباب والكراهة والتحريم، ويختلف حكمها باختلاف حال الموصي والموصى له والوصية نفسها.
أولًا: الوصية الواجبة
تجب الوصية في بعض الحالات، ومنها:
1. إذا كان على الإنسان دين لا بيِّنة له به
أي أن يكون الإنسان مدينًا بدين لا يعلم به إلا الله تعالى والموصي وصاحب الدين، ففي هذه الحالة تجب الوصية؛ لأن وفاء الدين واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والوصية وسيلة إلى حفظ حق الدائن وأداء الدين بعد وفاة الموصي.
2. الوصية للأقربين الفقراء الذين لا يرثون
تجب الوصية للأقربين الذين لا حق لهم في الميراث، إذا كانوا فقراء وكان الموصي غنيًّا، فيوصي لهم بما يحقق حاجتهم، وفق الضوابط الشرعية.
ودليل ذلك قول الله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية:
«كُتِبَ عَلَيْكُمْ» أي: فرض الله عليكم يا معشر المؤمنين، «إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» أي أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك وحضور أسباب المهالك، وكان قد «تَرَكَ خَيْرًا» وهو المال الكثير عرفًا، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله، من غير سرف ولا اقتصار على الأبعد دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى بأفعل التفضيل.
ثم قال رحمه الله:
«وقوله: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ دل على وجوب ذلك؛ لأن الحق هو الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى».
حكم الآية وعلاقتها بآيات المواريث
اختلف أهل التفسير في حكم هذه الآية؛ فجمهور المفسرين يرون أن حكم الوصية للوالدين والأقربين منسوخ بآيات المواريث، بينما ذهب بعضهم إلى أن الآية باقية في الوالدين والأقربين غير الوارثين.
والأحسن في ذلك أن يقال: إن الوصية للوالدين والأقربين جاءت في الآية مجملة، وردَّها الله تعالى إلى العرف الجاري، ثم بيَّن نصيب الوالدين وغيرهما من الأقارب الوارثين في آيات المواريث، فصار ما يتعلق بالوارثين مقدرًا بما فرضه الله تعالى، وبقيت الوصية لغير الوارثين في إطار ما شرعه الله تعالى.
حكم الوصية
أولًا: الوصية الواجبة
يقول ابن سعدي رحمه الله:
«ويبقى الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث، وغيرهما من حجب شخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء، وهم أحق الناس ببره. وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين؛ لأن كلًّا من القائلين بهما لحظ ملحظًا، واختلف المورد. فهذا الجمع يحصل الاتفاق بين الآيات، فإن أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ الذي لم يدل عليه دليل صحيح».
وعليه، فالصحيح أن الوصية للأقارب غير الوارثين تجب، ولا سيما إذا كانوا محتاجين؛ لأنهم أحق الناس بالبر والإحسان، وبذلك يمكن الجمع بين آية الوصية وآيات المواريث دون الحاجة إلى القول بالنسخ من غير دليل صحيح.
ثانيًا: الوصية المستحبة
وهي الوصية المسنونة، وتكون إذا كان الموصي ذا مال، وكان ورثته أغنياء، وكذلك أقاربه لا يحتاجون إلى المال؛ ففي هذه الحالة يستحب له أن يوصي بما يراه نافعًا له بعد موته، كأعمال البر والصدقات وجوه الخير.
ثالثًا: الوصية المكروهة
تكون الوصية مكروهة إذا كان مال الموصي قليلًا، وكان ورثته محتاجين؛ لأن الوصية في هذه الحالة قد تؤدي إلى التضييق عليهم والإضرار بمصالحهم.
وقد قال رسول الله ﷺ لسعد رضي الله عنه:
«إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس».
فدل الحديث على أن مراعاة حاجة الورثة وعدم الإضرار بهم أمر معتبر عند الوصية.
رابعًا: الوصية المحرمة
وهي الوصية التي لا تجوز شرعًا، ويأثم صاحبها بفعلها، ومن صورها:
1. الوصية بأكثر من الثلث
فلا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من ثلث ماله؛ لورود النهي عن ذلك في حديث سعد رضي الله عنه المتقدم، حين استأذن النبي ﷺ في مقدار ما يوصي به، فأرشده إلى الثلث، وقال:
«والثلث كثير».
وبذلك يتبين أن حكم الوصية يختلف باختلاف حال الموصي وماله وحال ورثته والموصى لهم، فقد تكون واجبة، أو مستحبة، أو مكروهة، أو محرمة.
حكم الوصية
رابعًا: الوصية المحرمة
2. الوصية لوارث
ومن صور الوصية المحرمة أن يوصي الإنسان بشيء من ماله لأحد ورثته؛ لأن ذلك تعدٍّ لحدود الله تعالى ومعصية له ولرسوله ﷺ، وقد قال الله تعالى بعد ذكر أحكام المواريث:
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14].
وقال النبي ﷺ:
«لا وصية لوارث».
خامسًا: الوصية المباحة
وهي ما عدا صور الوصايا المتقدمة التي لم يرد فيها وجوب أو استحباب أو كراهة أو تحريم، ومن أمثلتها: أن يكون مال الموصي قليلًا وورثته غير محتاجين، أو يكون ماله كثيرًا جدًا مع حاجة ورثته، ففي مثل هذه الحالات تباح الوصية بحسب ما يراه الموصي مناسبًا، ما دامت مستوفية للضوابط الشرعية.
حكم تنفيذ الوصية
يغفل كثير ممن أُسندت إليهم الوصية عن حكم تنفيذ ما أوصى به الموصي، وقد يتهاون بعضهم في ذلك، وهذا خطأ؛ لأن تنفيذ الوصية واجب على الموصى إليه إذا كانت الوصية صحيحة، ويأثم بترك تنفيذها أو بتأخيرها إذا كانت محددة بوقت.
وعليه، فعلى من كان وصيًا على أمر من الأمور أن ينتبه إلى مسؤوليته، وأن يؤدي ما أُسند إليه على الوجه الذي أوصى به الموصي.
متى يشرع تنفيذ الوصية؟
يشرع تنفيذ الوصية بعد وفاة الموصي؛ لأن أثرها لا يترتب إلا بعد الموت.
فإن كانت الوصية تتعلق بأمر يجب تنفيذه مباشرة بعد الوفاة، وجب المبادرة إلى تنفيذها، كأن يوصي الميت أهله بترك بعض المخالفات الشرعية أو القيام بعمل معين بعد وفاته.
أما إذا كانت الوصية متعلقة بأمور مالية، فيشرع تنفيذها كذلك بعد وفاة الموصي، وفق ما تقتضيه الوصية والأحكام الشرعية المتعلقة بها.
الإضرار بالوصية
قد يقع الإضرار بالوصية من الموصي، وقد يقع من الموصى إليه.
أما إضرار الموصي بالوصية فمن صوره أن يوصي بأكثر من الثلث، أو أن يوصي لغير الوارثين بما يؤدي إلى الإضرار بحقوق الورثة، أو يقصد بالوصية الإضرار بهم والتحايل على أحكام الميراث.
الإضرار بالوصية
قد يقع الإضرار بالوصية من الموصي أو من الموصى إليه.
فأما إضرار الموصي بها، فمن صوره أن يوصي بأكثر من الثلث، أو يوصي لغير الوارثين مع كون الورثة محتاجين، أو يفضّل بعض الورثة على بعض، أو يتعمد إخراج المال بطريقة يقصد بها مضارة الورثة.
وأما الإضرار بالوصية من جهة الموصى إليه، فيكون بإهمالها وعدم القيام بحقها، أو التصرف فيها على وجه لا يحقق مصلحتها، بل يؤدي إلى إفسادها أو إنقاصها، ونحو ذلك.
أركان الوصية
للـوصية أربعة أركان:
الموصي.
الموصى له.
الموصى به.
الموصى إليه.
أولًا: الموصي
المراد بالموصي: صاحب الوصية الذي صدرت منه الوصية.
الشروط المعتبرة في الموصي
يشترط في الموصي عدد من الشروط، منها:
1. أن يكون أهلًا للتبرع
أي أن يكون كامل الأهلية، ويكون كمال الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية والاختيار، وألا يكون محجورًا عليه لسفه أو غفلة ونحو ذلك مما يعتبر في شروط الأهلية.
2. ألا يكون قد عاين الموت
فإذا عاين الموت لم تصح وصيته؛ لأنه في هذه الحال يكون في حالة لا يُعتد فيها بقوله على الوجه المعتاد.
3. ألا يكون مدينًا بدين يستغرق جميع ماله
فإذا كان الدين يستغرق جميع ماله، فلا تصح الوصية؛ لأن سداد الديون مقدم على تنفيذ الوصية، ولأن حقوق الدائنين متعلقة بمال المدين.
4. ألا يكون هازلًا أو مكرهًا أو مخطئًا
فيشترط أن تصدر الوصية عن قصد واختيار، لا عن هزل أو إكراه أو خطأ.
5. ألا يكون معتقل اللسان
فإذا طرأ على لسان الموصي مرض منعه من النطق، فإن حكم وصيته يختلف بحسب حاله:
أولًا: إذا استمر اعتقال لسانه مدة طويلة حتى صار في حكم الأخرس، صحت وصيته بالإشارة والكتابة ونحوهما مما يدل دلالة واضحة على مقصوده.
أركان الوصية وشروطها
أولًا: الموصي
5. ألا يكون معتقل اللسان
سبق بيان أن حكم وصية معتقل اللسان يختلف بحسب حاله، ويضاف إلى ذلك:
ثانيًا: إذا كان الموصي مصابًا بمرض مزمن في لسانه، وقد يئس من شفائه، فإن وصيته تصح بالإشارة المعهودة التي يخاطب بها الناس؛ لأنها تقوم مقام الكلام في هذه الحال.
أما إذا كان مرضه عارضًا مؤقتًا، ولم تكن له إشارة معهودة، وكان لا يستطيع الكتابة، فإن وصيته لا تصح؛ لعدم وجود وسيلة واضحة تدل على مقصوده.
تنبيهات حول الموصي
الأول: تصح الوصية من الأخرس بإشارته أو كتابته، إذ قد يكون بعض الخرس قادرًا على القراءة والكتابة، فتكون الكتابة وسيلة واضحة للتعبير عن إرادته.
الثاني: تصح الوصية من السفيه وضعيف العقل والصغير المميز إذا كانت الوصية مشتملة على نفع لهم، ولا يترتب عليها ضرر؛ لأن المقصود في هذه الحال تحقيق مصلحتهم.
ثانيًا: الموصى له
المراد بالموصى له: الشخص أو الجهة التي عُيّنت لها الوصية.
الشروط المعتبرة في الموصى له
1. ألا يكون وارثًا للموصي
فلا تصح الوصية للوارث؛ لقول النبي ﷺ:
«لا وصية لوارث».
وفي رواية:
«إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث».
أما إذا خالف الموصي ذلك، فأوصى بشيء لأحد ورثته، فهل تصح هذه الوصية أم لا؟ فهذه المسألة من المسائل المهمة التي سيأتي بيان حكمها وتفصيلها في موضعها.
2. أن يكون الموصى له معينًا أو معلومًا
يشترط أن يكون الموصى له معلومًا، فإن كان مجهول العين بحيث لا يمكن تحديده، فلا تصح الوصية له.
ولا يشترط أن يكون الموصى له معينًا باسمه، بل يكفي العلم بوصفه، كأن يقول الموصي:
«أوصي للمساكين والفقراء».
أو يقول:
«أوصي لفلان بن فلان».
ففي الحالتين يكون الموصى له معلومًا ويمكن تحديده.
ثانيًا: الموصى له
الشروط المعتبرة في الموصى له
3. أن يكون أهلًا للتملك
يشترط أن يكون الموصى له ممن يصح تملكه للمال، فإن كان ممن لا يصح تملكه فلا تصح الوصية له، كالجن والبهائم والميت ونحوهم.
4. أن يكون حيًّا غير ميت
يشترط في الموصى له أن يكون حيًّا، وتلحق بذلك الحياة التقديرية، كالجنين في بطن أمه.
وتصح الوصية للحمل إذا تحقق وجوده قبل صدور الوصية، أما إذا لم يكن موجودًا حين الوصية، كأن يقول: «أوصيت لحمل فلانة» وهي لم تكن حاملًا، فلا تصح؛ لأنها وصية لمعدوم.
فإن أوصى لحمل تحقق وجوده ثم نزل ميتًا، بطلت الوصية.
متى يتحقق وجود الحمل؟
يتحقق وجود الحمل إذا وُلد لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية؛ لأن ستة أشهر هي أقل مدة الحمل التي يمكن أن تضع فيها المرأة حملها حيًّا.
5. ألا يكون الموصى له قاتلًا للموصي
إذا أوصى شخص لآخر، ثم قام الموصى له بقتل الموصي بعد صدور الوصية، فإن الوصية تبطل إذا كان القتل عمدًا؛ قياسًا على الميراث، وللقاعدة التي ذكرها الفقهاء:
«من تعجّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه».
أما إذا أجاز الورثة الوصية بعد ذلك، فالصحيح أنها لا تصح، وذهب الحنفية إلى صحتها.
أما إذا كان القتل خطأً، فإن أجاز الورثة الوصية جازت، وإلا فلا.
6. قبول الموصى له الوصية
يشترط قبول الموصى له للوصية، فإن لم يقبلها بطلت.
فلو قال الموصي: «أوصيت لفلان بن فلان بكذا»، ثم أُبلغ الموصى له بالوصية فقيل له: «هذه وصية فلان لك»، فقال: «لا أريدها»، فإن الوصية تبطل، ويرد المال الموصى به إلى الورثة.
هل يشترط إسلام الموصي والموصى له؟
لا يشترط إسلام الموصي ولا الموصى له لصحة الوصية، فيصح أن تصدر الوصية من غير المسلم، كما تصح الوصية لغير المسلم، وفق الضوابط والأحكام الشرعية المتعلقة بذلك.
الوصية والموصى به
أولًا: الوصية للمسلم والكافر
تجوز الوصية من المسلم إلى الكافر، بشرط أن يكون معينًا، وألا يكون محاربًا للمسلمين.
أما إذا كان الموصى له مرتدًا، فقد اختلف أهل العلم في صحة الوصية له على قولين، والصحيح أنها لا تصح؛ لأن ملكه غير مستقر، ولا يرث ولا يورث، كما أن ملكه لماله يزول بسبب الردة، فلا يثبت له الملك بالوصية.
وأما الوصية من الكافر للمسلم، فإذا صحت الوصية من المسلم للكافر، فمن باب أولى أن تصح الوصية من الكافر للمسلم.
ثالثًا: الموصى به
تعريف الموصى به
المراد بالموصى به: ما تشتمل عليه الوصية من مال أو منفعة أو حق، مما يوصي به الموصي للموصى له، سواء كان ذلك بالقول أو الكتابة أو ما يقوم مقامهما.
الشروط المعتبرة في الموصى به
1. أن يكون استحقاقه بعد موت الموصي
فإن كان التمليك في حياة الموصي، فهو هبة وليس وصية؛ لأن الوصية إنما تضاف آثارها إلى ما بعد الموت.
2. أن يكون قابلًا للتمليك
فلا تصح الوصية بما لا يمكن أن يثبت ملكه للموصى له.
فلو أوصى بشيء يزول ملك الموصى له عنه، أو أوصى بشيء لم يملكه بعد ثم مات قبل أن يملكه، فلا تصح الوصية به.
أما إذا أوصى بشيء لا يقدر على تسليمه حال الوصية، فإن الوصية تصح، وعلى الموصي السعي في تحصيله وتسليمه.
3. أن يكون الموصى به مباحًا
يشترط أن يكون الشيء الموصى به مما يجوز الانتفاع به شرعًا، فلا تصح الوصية بما كان محرمًا أو كان استعماله يؤدي إلى معصية.
فلو أوصى شخص بالتبرع بالمجلات الخليعة المفسدة للدين والدنيا، فلا يجوز تنفيذ هذه الوصية. وكذلك لو أوصى باستراحة أو مكان لزيد من الناس، مع العلم بأنهم سيستعملونه في معاصي الله تعالى، فلا يجوز تنفيذ الوصية؛ لأنها مشتملة على ما حرم الله ورسوله ﷺ.
وعليه، يحرم تنفيذ الوصية التي تشتمل على معصية، ولا يجوز أن تكون الوصية وسيلة إلى الإعانة على الحرام.
أما إذا كانت الوصية متعلقة بأمر من أمور الطاعة والخير، فهل يلزم تنفيذها؟ فهذا هو الموضع الذي يحتاج إلى بيان وتفصيل في المسائل الآتية.
4. حكم الوصية في أمور الطاعة
اختلف في الجهة التي يرجع إليها تنفيذ الوصية في أمور الطاعة، فقيل: يرجع الأمر إلى الورثة، والصحيح أن الأمر يرجع إلى الحاكم؛ وذلك لاختلاف الأنظار والاجتهادات في تقدير هذه الوصايا وتنفيذها.
رابعًا: الموصى إليه
تعريف الموصى إليه
الموصى إليه هو النائب عن الموصي في تنفيذ وصيته، أي الشخص الذي يُكلَّف بالتصرف في الوصية بعد موت الموصي، ويسمى أيضًا الوكيل على الوصية أو الناظر عليها.
الشروط المعتبرة في الموصى إليه
يشترط في الموصى إليه عدة شروط، منها:
1. التكليف
أي أن يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن غير المكلف لا يصلح لتحمل مسؤولية تنفيذ الوصية والتصرف فيها.
2. الرشد
والمراد به حسن التصرف، أي أن يكون الشخص قادرًا على التصرف فيما ينفعه وينفع غيره، وأن يكون أهلًا لحفظ المال وتنفيذ الوصية على الوجه الصحيح.
3. الإسلام
يشترط أن يكون الموصى إليه مسلمًا؛ فلا تصح نيابة غير المسلم عن الموصي في تنفيذ الوصية.
4. العدالة
يشترط أن يكون الموصى إليه عدلًا، فلا تصح نيابة من كان مخروم العدالة؛ لأن الوصاية تتطلب الأمانة والاستقامة.
والمراد بالعدالة: الاستقامة على الدين والمروءة.
أما الاستقامة على الدين فتكون بفعل المأمورات وترك المحرمات؛ فالمأمورات هي الواجبات التي أوجبها الكتاب والسنة، والمحرمات هي ما ورد النص بتحريمه. ويدخل في ذلك ارتكاب الكبائر مطلقًا، وكذلك الإصرار على الصغائر، فكل ذلك يقدح في العدالة، أما ارتكاب صغيرة واحدة من غير إصرار فلا يقدح في العدالة.
وأما المروءة، فهي: فعل ما يجمل الإنسان ويزينه، واجتناب ما يدنسه ويشينه، أي المحافظة على ما جرت به العادة من مكارم الأخلاق وحسن السلوك، والابتعاد عما يخل بقدر الإنسان ومكانته.
تنبيهات على هذا الركن:
الأول: يتم تحديد التصرف من قبل الموصى إليه بما أوصي إليه فقط، فإذا أوصى إليه أن ينظر في المال فليس له أن يزوج البنات مثلاً، وكذا إذا أوصى إليه بأن ينظر في الوقف الفلاني فلا يحق له أن ينظر في غيره.
الثاني: في الموصى إليه ضرورة.
صورة هذا الأمر أن الميت لم يوصه بشيء لكن هو الذي تولى مال الميت بعد موته لأجل الضرورة.
مثاله: إنسان سافر ومعه صاحب في سفره فأتت إليه المنية ففارق الدنيا ولم يوص فهذا الصاحب يتولى مال صاحبه الميت وجوباً ولا يمكن أن يتركه وماله بل علیه أن یغسله ویکفنه منه.
الثالث: لا يجوز للموصى إليه عزل نفسه إذا كان في عزله ضرر على الوصية.
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:
لكن يمكن أن يستثنى من ذلك حالة الخطورة والضرر من تخلية الوصية، فإن بعض الأحيان تكون حالةٌ لو فقدت الوصيَّ شيئاً قليلاً حصل الضرر الكثير، فلعل هذه مستثناة لعلها تستثنى، إن استثنيت فهو في محله.
قلت: وقد حدد بعض أهل العلم عزل الموصى إليه نفسه بشروط منها:
١ - إنا لم يوجد هناك حاكمٌ لأن العزل فيه تضبيع للأمانة وإيطال لحق المسلم.
٢ - أن يتعذر تنفيذ الحاكم للموصى به لعدم ثبوته عنده أو لغيره من الأسباب.
٣ - أن يعرف الموصى إليه ظلم الحاكم وعدم مبالاته بأوقاف المسلمين ووصایاهم.
٤ - أن يخاف الموصى إليه أن يُسند الحاكم الوصية إلى غير أهل.
مبطلات الوصية:
تبطل الوصية بعدم استيفاءها الشروط المعتبرة في أركانها . لكن أظهر ما يبطلها ثلاثة أمور:
١ ۔ موت الموصی له:
وذلك لأن الوصية حقه فإن مات قبل الموصي بطلت الوصية.
٢ - قتل الموصى له الموصي:
لأنه كما ذكرنا أن القتل يمنع الوصية، فلو قلنا بعدم بطلان الوصية بالقتل لفتحنا باب شر عظيم، فكل موصى له إذا أبطأ عليه موت الموصي قد يقتله ليأخذ الوصية.
٣ ۔ تلف الموصی به:
فمتى تلف الموصى به بطلت الوصية، فلو أوصى الميت لزيد بمال أو سيارة مثلاً فتلفت باحتراق أو غيره فإن الوصية تبطل.
٤ - رد الموصى له الوصية كما ذکرنا ذلك.
٥ ۔ إنکار الموصي للوصية وجحودها.
فمتى أنكر الموصي أنه أوصى لزيد بكذا فإنها تبطل لكونه لا يريد إيصالها له.
الأمور المعتبرة في إثبات الوصية:
أولاً: الكتابة:
دليل ذلك الحديث السابق: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فیه یبیت لیلتين إلا ووصیته مكتوبة عندم)).
فإذا كتب الموصي وصيته بقلمه وتحقق أنه قلمه وخطه فإن هذا يكفي في ثبوت الوصية ولو لم يُشهد، لكن هل يلزم أن تكون الوصية مختومة بخاتم الوصي أو هل يلزم الإمضاء عليها؟
أما الختم عليها فهذا لابأس به فإن وجد فهو زيادة في التوثيق لكن كونه لازم الوجود فهذا لا نقول به لأن الخط أبلغ وأوكد وبخاصة إذا كان الورثة يعلمون خط الموصي فإن إقرارهم بخطه كاف في ثبوت الوصية، أما كون الختم لا يلزم من ثبوته ثبوت الوصية وذلك لأمرين:
الأول: أن الختم قد يزور عليه.
الثاني: أن الختم يمكن فيه التغيير والتصوير.
وهذا مما نشاهده كثيراً ونسمع عنه أكثر.
أما الإمضاء فهذا العمل به أعجب من سابقه بل هو غريب وعجيب في الاکتفاء به فإنه مما هو معلوم لدی الجمیع أن الإمضاءات قد تتشابه بل يمكن تزويرها بعد الممارسة وهذا أيضاً مشاهد فالمعمول به في الوصية هو الخط.
ولهذا نجد أن أهل العلم إذا جاءت إليهم وصية لا يبحثون إلا على الخط.
لكن هناك أمر لا يمكن تجاهله وهو: أن عدم لزوم العمل بالوصية إذا كانت مختومة ليس على إطلاقه، بل إذا كانت الوصية مختومة بخاتم الموصي وهناك قرائن أخری حفت بها وانتفت قرائن العكس فيعمل بالختم عندئذٍ.
ثانياً: الإشهاد:
فإن كان الموصى أُميَّا يجهل الكتابة فالمشروع في حقه الإشهاد على وصیته عند تعذر کتابتها من قبله أو من قبل غیره.
لكن إن تمكن من الجمع بين الكتابة والإشهاد على الوصية فهذا فيه خير لأن فيه زيادة توثيق وإثبات وهو لا يلزم كما ذكر آنفا إذا كان الخط معروفاً.
لكن كلامنا عن الإشهاد العاري عن الكتابة فهل هو كاف في ثبوت الوصية، نقول: نعم الإشهاد العاري عن الكتابة كاف في ثبوت الوصية ولذا عدّه أهل العلم ممـا تثبت به الوصیة.
دليل ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهدَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائلة: ١٠٦].
فدلت الآية على مشروعية الإشهاد على الوصية، لكن لا بد من استيفاء الشروط التي جاءت الشريعة بها في الوصية المشهود عليها.
فمن هذه الشروط:
١ - كون الشاهدين مسلمين فإن تعلر الحصول عليها فتكفي شهادة غيرهما من أهل الكتاب.
فإذا كان المسلم في سفر وحضره الموت ولا مسلمان عنده جاز له أن يُشْهِد على وصيته كافرين للضرورة.
٢ - کونهما ذکرین:
أما شهادة المرأة فهي مقبولة في الوصية له وغير مقبولة في الوصية إليه.
٣ - کونهما عدلین:
وهذا الشرط هو الذي اشترطه رب العالمين حرصاً منه سبحانه على المحافظة على أموال الناس ووصاياهم.
أما صفة العدالة فقد مرت بنا في الشروط المعتبرة في الموصى إليه فلتراجع.
ثلثاً: ومما تثبت به الوصية الإشارة:
فإن كان الموصي عاجزاً عن الكلام لاعتلال في لسانه أو لخرس فإن إشارته كافية في ثبوت وصيته لكن بشرط كونها مفهومة.
وقد أشرنا إلى شيء من ذلك سابقاً.
حكم التغيير أو الرجوع في الوصية:
الوصية عقد من العقود الجائزة التي يصح للموصي أن يغير فيها ما يشاء أو أن يرجع فيها.
فمتى أراد الموصي أن يرجع في وصيته أو أن يغير فيها شيئاً جاز له ذلك ما دام على قيد الحياة، مثل لو أوصى لبناء مسجد من ثلث ماله ثم رجع جاز ذلك فإن الوصية لا تلزم إلا عند الموت، ولا تلزم أيضاً إلا بالقبول إذا كان الموصى له معيناً أو محصوراً يملك، فإذا كان كذلك فإنه يجوز أن يرجع فيها أو أن يبدل ويغير فيها ما شاء ما دام على قيد الحياة.
المسائل العامة في الوصية:
المسألة الأولى: في حكم الوصية للوارث:
ذكرنا فيما سبق أنه من شروط الموصى له أن لا يكون وارثاً فإن كان وارثاً فهنا تصبح الوصية محرمة لكن هب أن هناك شخصاً أوصى لوارثه من ماله هل تثبت هذه الوصية في حق الموصى له أم أنها تبطل لكونها اشتملت على محرم.
نقول اختلف أهل العلم في هذه المسألة فذهب جمهور أهل العلم إلى إجازتها إذا سمح الورثة بذلك فإن سمح البعض بها ورفض الآخرون فهنا لا تصح.
وقال آخرون: بل هي باطلة حتى وإن سمح الورثة بها لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا وصية لوارث)) فالنهي يدل على الفساد والبطلان فهي باطلة وإن أجازها الورثة، والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من صحتها بشرط إذن الورثة فإن أذنوا جاز له ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة)).
لكن نقول لكل صاحب وصية لا ينبغي له فعل ذلك حتى وإن أذن الورثة بذلك لما يترتب عليه من أضرار عظيمة لا يجهلها أحد، ففيه إلقاء العداوة بين الورثة الذي ينتج عنه الحسد وقطيعة الرحم وغيرها من المشاكل المترتبة على هذا الخطأ، فنصيحتي لكل عاقل موص أن لا يوصي لوارث خروجاً من الإثم، ولما فيه من النفع العظيم للورثة.
المسألة الثانية: إذا أسقط الموصي عمن يرثه ديناً أو أوصى بقضاء ما علیه من دیون.
فهنا لا تصح أيضاً هذه الوصية لما فيها من النفع المحض للموصى له فلا يجوز للموصي أن يوصي بذلك إلا أن يجيزها الورثة، ولكن إذا كان الورثة أغنياء وهذا الموصى له فقير لا يملك وعليه دين فالأولى في حقهم إجازتها لما فيها من التعاون على البر ويؤجرون على ذلك ولكن نقول لا يلزمهم إجازتها لكن إن أجازوا فهي من تمام البر والصلة.
المسألة الثالثة: إن أوصى لابن بنته هل تصح الوصية:
فإن كان يريد بذلك نفع ابنته الوارثة فهذا لا شك أنه لا يجوز فيما بينه نقول هنا إن الأمر مبناه على قصد الموصي.
وبين ربنا جل وعلا لقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قمُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاّ إِثْمَ عَلَيْه﴾.
قال بعض المفسرين في تفسيرها:
أن یوصي لولد ابنته وهو یرید ابنته.
أما إن كان مريداً لابن ابنته فقط فهنا تصح ولا إثم عليه.
المسألة الرابعة: إن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث.
فهنا الأمر يرجع إلى الورثة بعد موت الموصي فإن أجازوها جازت وإن لم يجيزوا ردت إلى الثلث وهذا هو قول جميع العلماء.
المسألة الخامسة: إن أوصى قبل موته لغير وارثه بأكثر من الثلث فأجازها الورثة فلما توفي رجعوا فيما أجازوه هل يعتد بردهم؟
هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال بسقوط حقهم ما داموا أذنوا للموصي بذلك، ومنهم من قال بأن لهم الرد ولا تلزمهم إجازتهم حال حياة الموصي لأن الأصل أنهم لا يملكون ذلك إلا بعد موت الموصي وهذا هو الصحيح وعليه جمهور أهل العلم، فمتى أجاز الورثة لغير وارث
بالزيادة عن الثلث أو أجازوا بالوصية لوارث حال حياة الموصي فلهم الرجوع فیها بعد مماته لکونهم قبل موته غیر مالکین لها.
المسألة السادسة: إذا مات الموصى له قبل موت الموصي فما الحكم؟
فمنهم من قال: إنها تكون لولد الموصى له إذا كان حياً، ومنهم من قال: لا تصح الوصية في هذه الحالة.
قال ابن قدامة تخذّثهُ: ولنا أنها عطية صادفت المعطى ميتاً فلم تصح.
المسألة السابعة: أيهما أفضل للموصي أن يوصي بالثلث أم الأفضل أن يوصي بأقل من الثلث؟
الأفضل في حق الموصي أن يوصي بأقل من الثلث لقوله وماو: ((الثلث والثلث كثير))، وقول ابن عباس ثها: ((لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ((الثلث والثلث كثير))، وأوصى الصديق ر له بالخمس، فإذا أوصى الإنسان بالربع أو بالخمس كان أفضل من الثلث ولا سيما إذا كان المال كثيراً وإن أوصى بالثلث فلا حرج».
المسألة الثامنة: رجل كتب في وصيته أن في ذمته لزوجته مبلغاً مالياً وقدره كذا ولم تكن هذه الزوجة تعلم أن في ذمته شيئاً فهل الوصي يعطي هذه الزوجة هذا المبلغ بغير يمين؟
نقول: في هذه الحالة لا يجوز لهذه المرأة أن تأخذ من ذلك شيئاً، فإن هذا يكون وصية لوارث وهي لا تجوز بإجماع المسلمين إلا إذا أجازها الورثة.
أما من حيث الحكم فهنا لا تعطى هذه المرأة شيئاً من هذا المال حتى تصدقه على الإقرار في مرض الموت وإلا كان باطلاً عند أكثر أهل العلم.
فإن صدقته على الإقرار وادعى الورثة أو الوصي أن هذا الإقرار من غير استحقاق فهنا لا تعطى شيئاً حتى تحلف.
المسألة الناسعة: لو أن رجلاً أوصى لأولاده بسهام مختلفة وأشهد على ذلك عند وفاته فهل تنفذ هذه الوصية؟
هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - في هذه المسألة:
لا يجوز للمريض تخصيص بعض أولاده بعطية منجزة ولا وصية بعد الموت ولا يقر له بشيء في ذمته وإن فعل ذلك لم يجز تنفيذه بدون إجازة بقية الورثة وهذا كله باتفاق المسلمين.
ولا يجوز لأحد من الشهود أن يشهد على ذلك شهادة يعين بها على الظلم وها التخصيص من الكبائر الموجبة للنار، حتى قد روى أهل السنن ما يدل على الوعيد الشديد لمن فعل ذلك لأنه كالمتسبب في الشحناء وعدم الاتحاد بين ذريته لا سيما في حقه فإنه يتسبب في عقوقه وعدم بره.
المسألة العاشرة: في طريقة كتابة الوصية:
أولاً: من المستحب أن يذكر في وصيته ما هو معروف في الوصايا؛ فيقول:
هذا ما أوصى به فلان بن فلان (ويذكر اسمه كاملاً) بأنه يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق.
ثانياً: ومما يندب له أيضاً في ذكر صدر وصيته أن يوصي أولاده وأهله بتقوى الله - تعالى - وتحقيق التوحيد الذي لا نجاة لبني آدم إلا بالموت عليه وأن يوصيهم بأن يصلحوا ذات بينهم وأن يطيعوا الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب المحذور.
ثالثاً: ویجب علیه إن کان علیه دین أن یذکره في صدر وصیته ثم يدعو عياله وأهله إلى المبادرة بتسدیده وعدم التأخير في ذلك.
رابعاً: ومما يندب إليه أيضاً أن يطلب من أهله عند موته بأن يتحروا فعل المسئون عن النبي صلى الله عليه وسلم من توجيهه إلى القبلة بعد موته وتغميض عينيه وتغسیله وتکفینه وفق ما جاءت به نصوص السنة.
خامساً: ومما ينبغي أن يوصي به إذا كان في مجتمعات يكثر فيها الجهل.
أن يمنع ما جرت به عادة النساء وجهلة الرجال من لطم الخدود وشق الجيوب ورفع الأصوات بالنياحة والعويل فإن هذا كله مما جاءت نصوص السنة بالنهي عنه.
سادساً: ومما يندب له أيضاً أن يوصي بأن يصلي عليه فلان المشهود له بالصلاح والتقى والورع والاستقامة على دين الله والعلم الذي هو ميراث النبوة، فقد أوصى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه أوصى أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير.
سابعاً: أن يوصي أيضاً باجتناب البدع حال شروعهم في الذهاب به إلى المقبرة من رفع الصوت بالذكر أو غيره مما هو ليس من هدي السلف وهذا موجود في بعض البلدان الإسلامية.
ثامناً: إن كان الموصي في أماكن تغطى فيها الرجال في نعوشهم فإنه يوصي بعدم تغطية نعشه مطلقاً وذلك للعظة والعبرة وكونه مخالفاً للسنة.
تاسعاً: ومما يوصي به الميت الإسراع بجنازته إسراعاً وسطاً لا يضطرب منه الميت ولا تحصل منه مشقة للحاملين للجنازة أو المشيعين لها.
عاشراً: ومما ينبغي أن يوصي به أن تمزق كل صورة له قام بعملها في حياته للضرورة فإن الشارع نهى عن التصوير إلا لضرورة وهنا ليس هناك ضرورة لبقاء هذه الصورة.
الحادي عشر: ومما ينبغي أن يوصي به أيضاً إذا كان في بلد تكثر فيها المخالفات الشرعية.
الوصية بمنع ما يفعله أهل زمانه من تفاخرهم بإقامة السرادقات وإتيانهم بمقرئين للقراءة على روح الميت واجتماعهم لذلك سواء في ذلك يوم الوفاة أو الخميس أو ليلة الأربعين أو السنة الثانية وغيرها من الأيام، فإن هذا كله لا يجوز بل حرام في ديننا.
الثاني عشر: وهو أنفعها للموصي بعد موته وهي الوصية بالثلث أو الأقل منه من مال أو عقار ونحوه للمحتاجين وإذا كان الورثة محتاجين فالوصية بالأقل أولى.
الثالث عشر: أن يركز في وصيته التى اشتملت على نفع دنيوي من مال أو عقار أو محاصيل على نوي الحاجات من أقاربه الفقراء والمساكين وكذا الأرامل بشرط كونهم غير وارثين فهم الأولى بالمعروف.
الرابع عشر: الإشهاد على وصيته بعد الفراغ منها أو ختمها أو الإمضاء عليها لكي يكون ذلك أوقع في الالتزام بتنفيذها ولعدم التلاعب بمضمونها.
الخامس عشر: يحسن أن يضع عبارة جامعة تريح الموصى إليه كأن يقول: ((أوصي بخمس مالي يصرف بأعمال البر فيما يناسب الزمان والمكان والأحوال والأشخاص يتولى ذلك فلان حسب ما يراه مناسباً ونافعاً)).
وخلاصة كتابة الوصية المشتملة على نفع ديني أو دنيوي أن يقول فيها:
أوصيت من مالي بعد قضاء ديني بكذا (ويذكر مالاً) يصرف منه للمحتاجين كل شهر بكذا (ويذكره) أو كل سنة مما يحصد من المحاصيل (بكذا ويذكره) مع ذكر جهة المحاصيل.
أو ما يجمع من إيجار العقار كل شهر بكذا (ويذكر المبلغ مع ذكر جهة العقار).
وإن كان عالماً أو طالب علم وله كتب شرعية وأراد أن يوصي بها فيقول:
وكذا وقفت من كتبي الشرعية ما يلي (ويذكر أسماء الكتب).
وجعلت مقرها بمسجد (كذا ويذكر اسم المسجد).
وقفاً صحيحاً شرعياً على من يريد أن يتعلم الأحكام الشرعية ويعمل بها من العاملين بالسنة.
وجعلت المنفذ لهذه الوصية أرشد واحد من الصالحين من أولادي، فإن أراد أن يوصي أحد أولاده فيذكره بعينه وإن أطلق فكما ذكرنا، فإن لم يكن فأرشد واحد من الصالحين من بلدتي.
وبالجملة فأنا برئ من كل فعل أو قول يخالف الشريعة ومن خالف في ذلك فعلیه إثم مخالفته.
وسأطالبه بتلك الوصية يوم العرض على أسرع الحاسبين قال الله - تعالى -: ﴿فَمَنُ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَِّذينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَليمُ﴾ [البقرة: ١٨١].
وفي الختام أسأل الله - تعالى - أن يغفر لي ولوالدي ولأصحاب الحقوق علي ولجميع المسلمين وأن يوفقني وإياهم لما يرضيه إنه سميع قريب مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حررت هذه الوصية في يوم تاريخ اسم الموصي الإمضاء أو الختم
الشاهد الأول: الاسم: التوقیع:
الشاهد الثاني: الاسم: التوقیع:
المسألة الحادية عشرة: من توفي وعليه دين هل تنتقل التركة للدائنين أم للورثة؟
المقدم في هذه الحالة أن تنتقل التركة للورثة لكن لا بد أن يلتزموا بسداد الديون. وهناك قول آخر أنها تنتقل إلى الدائنين إلا إذا خيف على التركة إهمالها أو أنهم سيأكلونها فيحال بينهم وبينها.
والصواب: أنها تنتقل إلى الوكيل لسداد هذه الديون أو إلى القاضي لینظر فيها.
المسألة الثانية عشرة: إذا توفي الوصي هل يشرع إقامة غيره؟
لا بأس بذلك بشرط الاتفاق من قبل أهله وعلى نظر الحاكم الشرعي وذلك لحفظ الوصية وإنفاذها.
المسألة الثالثة عشرة: في استثمار أموال الوصايا وضوابطه الشرعية.
من محاسن شريعتنا الإسلامية أنها جاءت بحفظ الأموال من التلف والضياع ولذا عد المال أحد الضروريات الخمس التي يجب حفظه والاهتمام به وتنميته بالطرق المباحة شرعاً. ولما كانت أموال الوصايا من أهم الأموال
التي يجب الموصي حفظها فإذا رغب في استثمارها وتنميتها مع الحرص التام على وضعها فيما يؤدي بها إلى ذلك. لكن لذلك ضوابط معتبرة وإلا فلا يجوز للموصي أن يستثمرها عند فقدان هذه الضوابط. ومن هذه الضوابط:
الضابط الأول: أن لا يستثمرها إلا في المواضع الآمنة والمراد بالآمن هنا الأمن الدنيوي والأمن الأخروي.
فالأمن الدنيوي المراد به استثمارها مع من يأمنهم عليها ولا يدفعها إلا لأمين ولا يغرر بماله وغير ذلك من الأمور المنهي عنها شرعاً.
أما الأمن الأخروي: فالمراد به عدم استثمارها فيما نهى عنه الشرع كوضعها في البنوك الربوية مثلاً أو الاتجار بها في الأمور المحرمة.
الضابط الثاني: لا يجوز للموصى إليه بيع عقارات الأوصياء إلا بثلاثة مواضع:
الموضع الأول: أن يكون به ضرورة إلى كسوة أو نفقة أو قضاء دين أو ما لا بد منه.
الموضع الثاني: أن يكون في بيعه غبطة، وهو أن يدفع فيه زيادة كثيرة على ثمن المثل أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب ونحوه.
الموضع الثالث: أن يكون في بيعه منفعة عامة للأوصياء كأن يكون في مكان لا ينتفع به أو نفعه قليل فيبيعه ويشتري في مكان ما يكثر نفعه، أو أن تكون داره في مكان يتضرر الأوصياء بالإقامة فيها كسوء الجوار أو غيره فیبيعها ویشتري له بثمنها داراً یصلح له المقام فیها.
الضابط الثالث: عدم الأكل من مال الأوصياء إلا بقدر الحاجة فإن كان موسراً فلا يأكل من مالهم شيئاً، أما القدر الذي يأكله إن كان فقيراً فله أقل الأمرين من أجرته أو قدر كفايته لأنه يستحقه بالعمل والحاجة جميعاً.
الضابط الرابع: عدم الإقراض من مال الأوصياء إلا إذا كان في الإقراض مصلحة، كأن يخاف عليه من الهلاك أو يكون مما يتلف بتطاول مدته أو حدیثه خیر من قدیمه.
أما إذا كان الإقراض من باب الإرفاق بالمقترض وقضاء حاجته فهذا الأولی عدمه.
بعض الأمور المتعلقة بهذه المسألة:
الأمر الأول: يجوز للوصي أن يشتري للأوصياء أضحية إذا كان مالهم كثيراً ولا يتضرر بشراء الأضحية. وهذا من باب التوسعة في النفقة في هذا اليوم الذي هو عيد وفرح وسرور بل فيه جبر قلوب الأوصياء وتطييب قلوبهم وخاصة إذا كانوا أيتاماً فإن هذا العمل يلحقهم بمن له أب.
الأمر الثاني: لا يلزم الوصي إذا أكل من مال الأوصياء حال فقره ثم أغناه الله لا يلزمه عوض ما أكله حال فقره بخلاف من قال بإلزامه؛ لأن الله - تعالی ۔ أمر بالأکل بدون ذکر عوض فإلزام الوصي بذلك لا دلیل علیه.
الأمر الثالث: لا يجوز رهن مال الأوصياء إلا بأمرين:
الأول: أن يكون الرهن عند ثقة يرده إذا قام الوصي برد ما كان سبباً في الرمن.
الثاني: أن يكون للأوصياء حاجة ضرورية في هذا الرهن كحاجتهم إلى نفقة أو كسوة أو بهائمهم وغيرها مما هم في حاجة ضرورية له.
الأمر الرابع: إذا أخذ الموصى له قرضاً من هذه الوصية لنفع نفسه به فلا بد من وجود الضوابط المعتبرة في ذلك ومنها:
١ - كتابة هذا القرض.
٢ - الإشهاد عليه.
٣ - إبلاغ الأوصياء بما استقرضه من مالهم.
٤ ۔ تحلید الیوم الذي سیتم فیه تسدید هذا القرض.
٥ - أن لا يتضرر المال بحبسه عنده فإن كان هذا المال يستثمر فلا یقترض منه شیئاً.
المسألة الرابعة عشرة: في حکم زکاة الموصی به:
من الشروط المعتبرة شرعاً في وجوب إخراج الزكاة الملك التام للمُزَكى، وهذه الملكية يتناولها صاحب المال والمستحق له فمتى ملكها أحدهما وجبت عليه الزكاة. ومن خلال هذا الشرط نقول: لما كان صاحب المال الحقيقي غير موجود بقي المالك الثاني له وهو المستحق لهذا المال ولكنه لا يخلو من حالتين:
الأولى: إما أن يكون معيناً من قبل الموصي كزيد من الناس أو جماعة معينة من الناس فهنا الصحيح أن الزكاة تجب في هذه الحالة.
الثانية: أن تكون الوصية عامة أي لا تشمل أحداً بعينه أو جماعة بعينها كالفقراء والمساجد والغزاة واليتامى والأرامل وغيرهم ممن لم يعينوا من قبل الموصي فلا خلاف بين أهل العلم في عدم وجوب الزكاة فيها لافتقار شرط الملكية.
قال النووي تلّثهُ في المجموع:
قال أصحابنا إذا كانت الماشية موقوفة على جهة عامة كالفقراء أو المساجد أو الغزاة أو الیتامی وشبه ذلك فلا زکاة فیها بلا خلاف، وإن کانت موقوفة على معين واحد أو جماعة فإن قلنا بالأصح أن الملك برقبة الموقوف لله - تعالى - فلا زكاة بلا خلاف كالوقف على جهة عامة وإن قلنا بالضعيف أن المال في الرقبة للموقوف عليه ففي وجوبها عليه الوجهان المذكوران في الكتاب أصحها (لا تجب).
قلت: والصحيح ما ذكرناه من وجوب الزكاة على الوصية المعينة لأن ملكية الوصية انتقلت إلى هذا المعين وهو يملكها ملكاً مستقراً فكان وجوب الزكاة فيه أرجح عندي من عدم الوجوب.
المسألة الخامسة عشرة: إذا أوصى زيد من الناس بأن يصلي عليه فلان إذا توفي هل یجب تنفیذ ما أوصی به؟
نقول أجمع صحابة النبي على أن الأحق بالصلاة على الميت من أوصى له أن يصلي عليه ونقل إجماع الصحابة ابن قدامة تظلثُ في المغني.
لكن هناك أمران:
الأمر الأول: إذا كان الوصي فاسقاً أو مبتدعاً فهل تقبل وصيته؟
نقول لا تقبل وصيته لكون الموصي جهل الشرع فترد الوصية.
الأمر الثاني: إذا كانت الجنازة سيصلى عليها في المسجد فمن الأحق بالصلاة عليه الإمام أم الوصي؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة.
والصحيح عندي أن الأحق بها الوصي بعد أن يستأذن الإمام تنفيذاً للوصية ومراعاة لحق الإمام الراتب.
المسألة السادسة عشرة: من أوصى بشيء من المال ثم استفاد قبل الموت مالاً آخر فهل يدخل في الوصية؟
الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم أن الوصية تعتبر من جميع ما يخلفه من المال سواء زاد هذا المال بعلمه أم بغير علمه، وذهب مالك وغيره إلى أنه لا يدخل مع وصيته إلا ما علم والصحيح ما ذکرناه من دخوله فیه.
المسألة السابعة عشرة: في الوصية المطلقة والوصية المقيدة:
أما صورة الوصية المطلقة أن يقول إن مت فثلثي للمساكين أو لفلان من الناس (ویذکر اسمه).
أما صورة الوصية المقيدة: أن يقول:
إذا مت من مرضي هذا أو في هذا البلد أو في سفري هذا فثلئي للمساکین.
فإذا عوفي من مرضه المذكور أو خرج من بلده أو عاد من سفره بطلت الوصية المقيدة لكونه علقها بشرط ولم يوجد شرطها.
المسألة الثامنة عشرة: إن أوصى الموصي لرجل ثم أوصى رجلاً آخر فأیهما یعد وصیاً له؟
إن أوصى الموصي بالتصرف بعد موته فيما أوصاه بعد قضاء ديونه وتفريق وصيته والولاية على أولاده ونحوه، ثم أوصى رجلاً آخر بما أوصى به الأول فهاهنا وصيان يتوليان أمر الوصية حسب طلب الموصي إلا أن يقول قد عزلت الأول.
المسألة التاسعة عشرة: في حكم الوصية بالنكاح.
لو أن رجلاً أوصى وصيه بتزويج بناته فهل يعتد بهذه الوصية؟
نقول هذه مسألة محل خلاف بين أهل العلم.
والذي يترجح عندي أن هذه المسألة لا تخلو من حالتین:
الأولى: أن يكون لهؤلاء البنات ولاية عليهن من أخ أو عم أو جد ونحوه ممن يكونون محارم لهن من عصبات أبيهن فهنا لا يعتد بهذه الوصية لأنها ولاية تنتقل من الوصي إلى غيره شرعاً لقوله : ((لا نكاح إلا بولي)).
الحالة الثانية: أن لا يكون للبنات ولي فهنا يجوز للموصي أن يستنيب عنه من يرعى بناته إلى تزويجهن حفاظاً عليهن وحرصاً على تزويجهن أهل الكفاءة والصلاح والدین.
لكن إذا عين الموصي أزواج بناته فعلى الوصي إجبارها تنفيذاً للوصية إلا إذا كان من عينه أبوها ليس من أهل التقوى والصلاح والدين فهنا يجوز له إبدالها غيره نظراً لمصلحتها.
وإن لم يعين الأب أحداً لبناته وكانت ابنته كبيرة صحت الوصية واعتبر إذنها وإن كانت صغيرة انتظرنا بلوغها.
المسألة العشرون: هل يحق للوصي أن يقوم بتزويج ولد الموصي قبل بلوغه؟
في هذه المسألة تفصيل.
الحالة الأولى: أن يعلم حاجته إلى النكاح.
فهنا على الوصي تزويجه لأنه بزواجه يصون دينه وعرضه ونفسه فإنه ربما تعرض بترك التزويج إلى الزنا والحد وهتك العرض ونحوه من الأمور المحرمة ولا يلزم طلب الولد من الوصي تزويجه.
الحالة الثانية: أن لا يكون للولد حاجة إلى الزواج.
فهنا لا يزوجه لأنه فيه ضياع للمال في غير فائدة والوصي مأمور بحفظ مال الموصي.
المسألة الحادية والعشرون: هل يحق للقاضي أو الحاكم النظر في أمر الأوصياء الذين عينهم الموصي؟
نعم ینظر في أمرهم الحاکم أو من ینوب عنه کالقاضي مثلاً وذلك لكونهم ناظرين في أموال اليتامى وتفرقة الوصية بين المساکین.
فإذا جاء الوصي إلى الحاكم أو من ينوب عنه فقبله نفذت وصيته ولم يعزله ولكن يراعيه فإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف أضاف إليه أميناً قوياً.
فإن كان الوصي أميناً ضعيفاً ضم إليه من يعينه، أما إن كان الوصي فاسقاً فإن عليه أن يعزله ويقيم غيره حفاظاً على الوصية.
المسألة الثانية والعشرون: في حكم شهادة الوصي على من هو موصى علیهم.
هذه المسألة لا تخلو من حالتين:
الأولی: أن یشهد علیهم في أمر ما فهنا شهادته علیهم مقبولة بلا خلاف لأنه لا يجر بشهادته نفعاً لهم ولا يدفع عنهم بها ضرراً.
الثانیة: أن یشهد لهم.
فهنا فيها تفصيل أن يكونوا في حجره أي صغاراً فهنا أكثر أهل العلم على عدم قبول شهادته لأنه هو الذي يطالب بحقوقهم بل هو خصم فلم تقبل شهادته.
أما إذا كانوا كباراً ولا ولاية له عليهم فهنا تقبل شهادته لهم.
المسألة الثالثة والعشرون: إذا مات الشخص بعد أن أُحيل إلى التقاعد وعليه دين فلمن يصرف المعاش الذي حدد له من قبل الهيئة التي كان يعمل فيها للغرماء أم الورثة؟ من المعلوم أن هذا المبلغ الذي يتقاضاه الموظف بعد تقاعده على المعاش هو حق محض له، ولهذا فإن هذا المال يصرف منه للغرماء أولاً وما بقي فللورثة.
المسألة الرابعة والعشرون: لا ينبغي لمن حضر مريضاً في مرض موته أن يقول له أوص بمالك في سبيل الله وتصدق وافعل كذا على سبيل استغراق ماله والإضرار بالورثة.
قال الله - تعالى -: ﴿وَلَيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيَهِمْ فَلْيَتقُوأ اللَهَ وَلَيَقُولُواْ قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
قال القرطبي تخذّثهُ في تفسير هذه الآية:
وقول ثالث قاله جمع من المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته: إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك وأوص بمالك في سبيل الله وتصدق وأعتق حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر بذلك الورثة فنهوا عن ذلك، فكأن الآية تقول لهم: كما تخشون على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله إلى أن قال رحمه الله..
قال ابن عطية رحمه الله: ( .... بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد والآخر القول الثاني، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ويحمل أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثته ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة إنما هو الضعف فیجب أن یمال معه)).
قلت: ((والقائل هو الإمام القرطبي تخّثُ)).
وهذا التفصيل صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) فإن لم يكن للإنسان ولد أو كان غنياً مستقلاً بنفسه وماله عن أبيه فقد أمِنَ عليه فالأولى حينئذ تقديم ماله بين يدیه حتى لا ینفقه من بعده فیما لا یصلح فیکون وزره عليه.
المسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز جعل المرأة وصياً؟
اختلف أهل العلم في ذلك وأكثرهم على جواز أن تكون المرأة وصياً فإن عمر رلله أوصى إلى حفصة ولم يقم دليل صريح صحيح في عدم جواز ذلك.
قال الشیخ محمد بن إبراهیم رحمه الله:
لا مانع من إقامة المرأة وصياً على ثلث ماله بشرطه؛ لأن العلماء صرحوا بأنه تصح الوصية إلى كل مسلم مكلف عدل رشيد ولو امرأة، وإذا صارت وصية فإنها تحوز جميع الثلث سواء كان نقوداً أو أثاثاً أو عقاراً وغير ذلك.
المسألة السادسة والعشرون: إذا تنازل الورثة عن حقهم للميت فما العمل في حق القاصرين وهل يكفي أن ينوب عنهم الوصي؟
إذا تنازل الورثة الغير قاصرين عن حقهم للميت فلا مانع من ذلك ويرد نصيبهم إلى غير القاصرين، ولا يجوز للوصي أن يتصرف في حق القاصرين بأي حال من الأحوال بل يبقى مالهم من الإرث إلى بلوغهم ثم يكون لهم الخیار بعد ذلك.
المسألة السابعة والعشرون: إذا أوصى الموصي بأن ماله له ولعياله وعيال عياله فهنا يدخل فيها الذكور والإناث الصغار والكبار ولا فرق أيضاً بين كون والد العيال حياً أو ميتاً.
المسألة الثامنة والعشرون: إذا أوصى الموصي لشخص ما بشيء، ثم ذكر وصايا أخرى ولم يذكر ذلك الشخص فيها فهل يمنع من الوصية؟.
لا يمنع من الوصية ما دام أن هناك وصية منصوصاً عليه فيها فلا يمنع إلا بنفي تلك الوصية أو بينة تدل على نفي وصيته له.
المسألة التاسعة والعشرون: إذا أوصى الموصي لشخص ما وأولاده محتاجون هل یعمل بها؟
من أوصى بذلك فإنها تصرف على عياله المحتاجين فإن بقي شيء صرف الباقي لمن عینه.
المسألة الثلاثون: إذا قال الموصي للموصى له تصرف في مالي كيف شئت أو تصدق على من شئت هنا لا يجوز له أن يأخذ من مال الموصي شيئاً لأنه لم يأذن له بذلك إلا أن يكون فقيراً كما ذكرنا ذلك سابقاً فيجوز له الأخذ منه بقدر حاجته.
المسألة الحادية والثلاثون: إذا توفي شخص ولم يوص فهل يشرع لأولاده إخراج شيء من ماله على أنه وصية؟
لا يلزم الورثة أن يخرجوا له شيئاً من ماله، ولكن إن فعلوا ذلك فأخرجوا له شيئاً مشاعاً معيناً كالشلث أو الربع أو أخرجوا دراهم معلومة يتصدقون بها عنه أو يشترون عقاراً يجعلونه وقفاً لله - تعالى - فكل هذا جائز بل هو من البر بأبیهم.
المسألة الثانية والثلاثون: المال الذي أُوصى به في أمر مبتدع أين یصرف؟
لو قام شخص فأوصى بأن ماله يصرف في أمور مبتدعة فلا يجوز للموصى له تنفيذ الوصية، فإن قام بتنفيذها أثم وكانا مشتركين بالإئم.
وللوصي صرف هذا المال في أعمال البر المشروعة.
المسألة الثالثة والثلاثون: إذا أوصى شخص بمنع بعض أولاده من الإرث منه فما الحكم؟
لا يجوز لأحد أن يوصي بإلغاء أمر لزمه شرعاً فهذه وصية غير جائزة مصادمة لنصوص الشريعة فلا يعمل بها.
المسألة الرابعة والثلاثون: إذا أوصى شخص بأنه إذا مات يقوم الوصي بذبح شاة أو غيرها مما يحل هل يعمل بهذه الوصية؟
نقول هذه المسألة لا تخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون قصد الموصي النفع له وذلك بالدعاء له من قبل الفقراء والمساكين وغيرهم وكذا من جهة العمل أيضاً لأن الذبح أمر دعت إليه الشريعة، فهنا لا بأس بذلك ويجب تنفيذ هذه الوصية.
الثانية: أن تكون هذه العادة جارية كمن يعتاد ذبح ذبيحة للميت بعد أسبوع أو أربعين يوماً أو سنة لإقامة مأتمٍ لوفاة كما هو مشاهد في بعض البلدان، فهذا بلا شك غير جائز لما فيه من الابتداع والمخالفة لنصوص الشريعة وبناءً عليه فلا ينبغي تنفيذ هذه الوصية.
المسألة الخامسة والثلاثون: في ذكر الوجوه التي تصرف فيها الوصية إذا كان الموصي لم يعين أحداً في الوصية.
ذكرنا فيما سبق أن الأولى للموصي أن يضع عبارة جامعة تريح الوصي ومن هنا كان ولا بد على الموصى إليه أن يصرفها في الأمور التي فيها نفع عام للمسلمين كأعمال البر والقرب وأفضل ما يكون على فقراء الموصي الغير وارثين، أما أعمال البر فكثيرة منها مياه الشرب وبناء المساجد وقضاء ديون الفقراء والصدقة عليهم وعلى طلبة العلم الشرعي وكذا تعليم القرآن وكذا مستظل للمسافرين وغير ذلك مما فيه نفع عام للمسلمين، ويوصى للجهات الخيرية الموثوقة التي يقوم عليها أشخاص موثوقون يتولون صرفها في مصارف الخير التي تنفع المسلمين وهذه الجهات الخيرية كثيرة ولله الحمد في بلدنا وصرف أموال الوصايا إليها أصلح وأنفع من صرفها إلى غيرها.
المسألة السادسة والثلاثون: قال الله - تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي ِبهَاّ أَوْ دَيْن﴾.
ذكرنا فيما سبق أنه يبدأ عند تنفيذ الوصية بالدين أولاً فما الحكمة من أن القرآن - بدأ بالوصية وأخِّر الدين؟
الحكمة في تقديم ذكر الوصية على الدين في الآية الكريمة وإن كانت تتأخر في التنفيذ أنها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض كان في إخراجها مشقة على الوارث فقدمت في الذكر حثاً على إخراجها واهتماما بها وجيء بكلمة (أو) للتسوية فيستويان في الاهتمام وإن كان الدين مقدماً عليها.
المسألة السابعة والثلاثون: من أوصى بمال يحج به عنه لا يخلو المال من كونه قليلاً أو كثيراً فإن كان كثيراً فإنه يصرف منه حجة بعد أخری حتى ينفد إلا إذا نص في الوصية على أن يصرف في حجة واحدة.
المسألة الثامنة والثلاثون: إذا قال الموصي إنني أوصيت بسهم من مالي ولم يعين قدر السهم.
فهنا المعتبر في كلام العرب هو السدس ولأن السهم أقل شيء مفرد قد تنصرف الوصية إليه.
لكن إذا قال أوصيت بشيء من مالي فهنا الشيء لا حد له في لغة العرب ولا في الشرع فهنا يصدق على أقل شيء مما يتمول.
المسألة التاسعة والثلاثون: هل يؤجر الموصى إليه عند قبول وصية الموصی؟
لا شك أن قبول الموصى إليه هذا العمل أمر مندوب إليه وقربة يثاب عليها لكن بشرط أن تكون عنده قدرة على هذا العمل ويجد من نفسه توفر الأمانة، أما إن كان لا يقدر عليها لاعتلال في بدنه أو لكونه لا يأمن نفسه على حفظها فلا يجوز له الدخول في الوصية.
لكن إذا كان به اعتلال بدني وعنده تفكير سليم جاز له قبولها ويضم إليه قادراً أميناً يتعاون معه.
******* ******* ******* ****** *****
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق