موقف الإسلاميين من قضية فلسطين
جمع وإعداد محمد الحسن
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تحتلُّ القضية الفلسطينية مكانةً محوريةً في فكر جماعة الإخوان المسلمين، إذ تنظر إليها بوصفها قضيةً عربيةً وإسلاميةً كبرى، تمسُّ هوية الأمة ومقدساتها، وليست مجرد نزاعٍ سياسي أو إقليمي، وترى الجماعة أن فلسطين تمثل همَّ كل عربي يعتز بانتمائه إلى أمته، وقضية كل مسلم يستشعر مسؤوليته تجاه دينه ومقدساته، مستندةً في ذلك إلى ما لفلسطين من مكانة دينية وتاريخية وحضارية في الوجدان الإسلامي.
وتؤكد أدبيات الجماعة أن فلسطين تحتضن المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله ﷺ ومعراجه، كما أنها أرض باركها الله تعالى، وشهدت دعوات عدد من الأنبياء والمرسلين، وفي مقدمتهم موسى وعيسى عليهما السلام. وإلى جانب هذه المنزلة الدينية، تعدُّ فلسطين – في نظر الجماعة – جزءًا لا يتجزأ من الوطن العربي، وعنصرًا أساسيًا في وحدة العالم الإسلامي، الأمر الذي يضفي على قضيتها أبعادًا دينية وقومية وحضارية متداخلة.
وانطلاقًا من هذا التصور، ترى جماعة الإخوان المسلمين أن الدفاع عن فلسطين، والعمل على استعادة حقوق شعبها، والسعي إلى تحرير أرضها من الاحتلال، يُعدُّ واجبًا شرعيًا وقوميًا، يستلزم تضافر جهود الشعوب والحكومات والمؤسسات، والتعاون مع جميع القوى المخلصة التي تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، سواء على المستويين العربي والإسلامي أو في المحافل الدولية، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.
ولهذا السبب أولت الجماعة القضية الفلسطينية عنايةً خاصة منذ نشأتها، وجعلتها في مقدمة اهتماماتها الفكرية والدعوية والسياسية، وسعت إلى تعبئة الطاقات والإمكانات المختلفة لخدمتها، وعدَّت ذلك أداءً لواجبها الديني والقومي، ووفاءً بما تراه مسؤوليةً تجاه الأمة ومقدساتها، ابتغاء مرضاة الله تعالى.
ويرى الإخوان المسلمون أن النتائج التي انتهت إليها حرب فلسطين سنة 1948 لم تكن وليدة التفوق العسكري الصهيوني فحسب، وإنما ارتبطت – في تصورهم – بجملة من العوامل السياسية والعسكرية، كان في مقدمتها ارتباط عدد من الأنظمة العربية بالسياسات الاستعمارية الغربية التي دعمت المشروع الصهيوني، وهيأت الظروف لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
ومن ثمَّ، تذهب أدبيات الجماعة إلى أن تلك الأنظمة لم تُحسن توظيف الإمكانات العربية والإسلامية المتاحة، بل حالت – في بعض الحالات – دون مشاركة القوى الشعبية والإسلامية في معركة التحرير، وفرضت عليها قيودًا سياسية وأمنية، كما تعرض عدد من المتطوعين والمجاهدين للاعتقال والملاحقة بعد انتهاء الحرب.
وانطلاقًا من هذا الفهم، اعتبرت الجماعة أن هزيمة عام 1948 لم تكن نهاية الصراع، وإنما مثلت مرحلةً من مراحله، وأن الأمة الإسلامية ما تزال تمتلك من المقومات البشرية والعسكرية والاقتصادية والحضارية ما يؤهلها لاستعادة حقوقها إذا توفرت أسباب النهضة ووحدة الصف. ولذلك أكدت في أدبياتها أن تحرير فلسطين يتطلب توحيد جهود الأمة، وتحرير إرادتها السياسية، وتعبئة طاقاتها العلمية والاقتصادية والعسكرية، والتعاون بين الشعوب والحكومات والمؤسسات في إطار مشروع حضاري شامل، يعيد للأمة زمام المبادرة ويمكنها من استرداد أرضها ومقدساتها.
وتؤكد أدبيات الإخوان المسلمين أن النصر لا يتحقق بالوسائل المادية وحدها، وإنما يقوم – إلى جانب إعداد القوة – على ترسيخ الإيمان، وإصلاح المجتمع، ووحدة الكلمة، والأخذ بأسباب النصر التي قررها القرآن الكريم والسنة النبوية. ومن هذا المنطلق، تربط الجماعة بين مشروع تحرير فلسطين ومشروع النهضة الشاملة للأمة، وترى أن استعادة الأرض جزء من استعادة الأمة لفاعليتها وريادتها الحضارية، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: 4-5].
وعلى الرغم من إدراك الإخوان المسلمين لطبيعة المؤامرات الدولية التي أحاطت بالقضية الفلسطينية، وما تعرضت له بعض الأنظمة العربية من ضغوط سياسية حالت – في نظرهم – دون القيام بالدور المنشود في مواجهة المشروع الصهيوني، فإن ذلك لم يثنهم عن أداء ما رأوه واجبًا شرعيًا وقوميًا. فعملوا على توعية المسلمين بخطورة القضية، وتعبئة الجماهير، وإعداد المتطوعين وتدريبهم، ثم شاركوا في ميادين القتال بروح من الإخلاص والتضحية، حتى شهد لهم كثير ممن عاصر تلك الأحداث بالشجاعة وحسن الأداء.
وقد استقطبت معسكرات الإخوان المسلمين أعدادًا كبيرة من المتطوعين القادمين من مختلف الأقطار العربية، ولم يقتصر المنتسبون إليها على أعضاء الجماعة، بل انضم إليها عدد من الإسلاميين وغيرهم ممن وجدوا فيها إطارًا منظمًا للعمل والجهاد. كما تعاونت الجماعة مع الجهات العاملة في الساحة الفلسطينية آنذاك، ومن أبرزها الجامعة العربية، وجيش الإنقاذ، والهيئة العربية العليا، وأسهمت في مجالات التدريب والتسليح، والتوجيه المعنوي، والإعداد العسكري، إلى جانب مشاركتها المباشرة في القتال.
ولأهمية هذا الجانب من تاريخ القضية الفلسطينية، أفردت له مؤلفات ودراسات متعددة، غير أن هذه المادة – في نظر المؤلف – ما تزال في حاجة إلى الجمع والتحقيق وإعادة العرض في صورة علمية موثقة. ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة محاولةً لاستقصاء ما أمكن الوصول إليه من المصادر والوثائق والشهادات المتعلقة بدور الإسلاميين في حرب فلسطين، مع إبراز إسهاماتهم في مختلف الأقطار العربية، وتوثيق جهودهم في ميادين العمل السياسي والدعوي والعسكري.
وقد حرص المؤلف على استكمال الصورة التاريخية من خلال الاستفادة من الكتابات المتخصصة والشهادات المباشرة؛ فضمَّن هذا العمل خلاصة ما كُتب عن أدوار الإخوان المسلمين في عدد من الأقطار، ومن ذلك عرض للدور الدبلوماسي للإخوان المسلمين في سورية، وآخر لجهود الإخوان المسلمين في فلسطين، وذلك بقصد استكمال الجوانب التي لم تحظ بالعناية الكافية في الدراسات السابقة، وتقديم مادة تسهم في توثيق هذا الجانب من تاريخ القضية الفلسطينية.
وعلى الرغم من مشاركة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين، فإن خبرتهم في العمل العسكري كانت محدودة؛ إذ لم تكن لديهم في تلك المرحلة كوادر عسكرية مدرَّبة تدريبًا كافيًا، ولا تجهيزات ومعدات مهيأة لحرب منظمة، وإنما كان حضورهم في كثير من جوانبه قريبًا من حضور المتطوعين القادمين من بلدان وجماعات مختلفة. وقد سجلت بحقهم إخفاقات وأخطاء ميدانية كبيرة، أودت بحياة العشرات منهم، وكشفت عن ضعف في التنظيم والإدارة والخبرة العسكرية.
ومع ذلك، كانت لديهم يقظة واضحة في الحس الديني، وشعور قوي بالانتماء إلى الأمة وقضيتها، غير أن هذا الحماس لم يكن مصحوبًا بالخبرة العسكرية والتنظيمية التي تمكنهم من إدارة العمليات بكفاءة واستقلالية. ولذلك جرى عليهم في كثير من الوقائع ما جرى على الجيوش النظامية نفسها من إقدام وإحجام، وتراجع وتقهقر، ووقوف والتزام بالاتفاقيات والهدن، كما أن أميرهم كان من ضباط الجيش النظامي المصري، الأمر الذي حدَّ من استقلالية قرارهم العسكري، وأفقدهم في بعض المواقف زمام المبادرة، وجعلهم أكثر ارتباطًا بالقرار العسكري المصري.
ويبدو أن كثيرًا من مظاهر الإخفاق وسوء الإدارة لا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة تلك المرحلة المضطربة، وما أحاط بها من تعقيدات سياسية وعسكرية، وفيض من الأحداث المتلاحقة التي تعاقبت فيها حالات المد والجزر، وتداخلت فيها قرارات المتطوعين مع قرارات الجيوش النظامية. ومن ثم فإن تقويم تجربة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين يحتاج إلى قراءة تفصيلية لمجريات تلك الأحداث، بعيدًا عن التمجيد أو التشويه، وبما يميز بين صدق الدافع الديني من جهة، ومحدودية الخبرة والتنظيم والأداء العسكري من جهة أخرى.
ويخلص المؤلف (الشيخ النحوي) إلى أن تحرير الأوطان لا يقوم على الحماسة المجردة، وإنما يحتاج إلى إعداد إيماني وعلمي وعملي، وإلى رجال يجمعون بين صدق العقيدة، وحسن الإعداد، وقوة العزيمة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. ويرى أن الإيمان الصادق كان – ولا يزال – من أهم العوامل المحركة للعطاء والتضحية والثبات في ميادين الجهاد، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
ولإثبات الدور الذي اضطلع به الإسلاميون في حرب فلسطين، استعرض المؤلف شهادات عدد من الشخصيات التي عايشت تلك المرحلة أو أسهمت فيها، فعرض مواقفهم بإيجاز، مستخلصًا منها أبرز ما يتصل بمشاركة الإسلاميين في معركة فلسطين. ومن أبرز هؤلاء: كامل إسماعيل الشريف، وعبد المنعم عبد الرؤوف، والدكتور مصطفى السباعي، ومحمد محمود الصواف، والدكتور محسن محمد صالح، وعوني جدوع العبيدي، وعبد المعز عبد الستار، وعمر بهاء الدين الأميري، ومحمود عبد الحليم، والدكتور عبد الله عزام.
وقد تناول المؤلف شهادات هؤلاء باختصار، مبينًا ما قدموه من روايات ومواقف ووثائق تسلط الضوء على جوانب مختلفة من مشاركة الإسلاميين، ولا سيما الإخوان المسلمين، في الجهاد بفلسطين، وما رافق ذلك من جهود عسكرية ودعوية وتنظيمية، بما يسهم في استكمال الصورة التاريخية لتلك المرحلة.
كما حرص المؤلف على تتبع أدوار الإخوان المسلمين في مختلف الأقطار العربية، مبينًا إسهاماتهم السياسية والعسكرية في القضية الفلسطينية. فاستعرض الدور التعبوي والسياسي الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر في تعبئة الرأي العام، وجمع التبرعات، وحشد المتطوعين، والضغط على الحكومة المصرية للمشاركة الفاعلة في الدفاع عن فلسطين، ثم تناول مشاركتهم العسكرية، من خلال تنظيم كتائب المتطوعين، وخوضهم عددًا من المعارك التي برز فيها أداؤهم القتالي.
وأفرد المؤلف جانبًا من حديثه لمعركة عَصْلوج، بوصفها من أبرز المعارك التي شارك فيها متطوعو الإخوان المسلمين، كما عرض لجولات القائد أحمد عبد العزيز، مبينًا تعاون الإخوان المسلمين معه، ومشاركتهم في العمليات العسكرية التي قادها داخل فلسطين.
ثم تناول موقف الجماعة عقب صدور قرار حلها في مصر سنة 1948، موضحًا أن ذلك لم يحل – في نظره – دون استمرار اهتمامها بالقضية الفلسطينية، كما استعرض مشاركتها في المعارك الأخيرة التي دارت في منطقة النقب.
ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى أدوار الإخوان المسلمين خارج مصر، فبيّن النشاط السياسي والعسكري للإخوان المسلمين في سورية بقيادة الدكتور مصطفى السباعي، ودورهم في تنظيم المتطوعين والمشاركة في القتال، ثم تناول إسهامات الإخوان المسلمين في العراق، وما قاموا به من جهود سياسية وشعبية وعسكرية دعماً لفلسطين، كما عرض لجهاد الإخوان المسلمين الليبيين، وما قدموه من مشاركة في ميادين الجهاد والتطوع.
ولم يغفل المؤلف الحديث عن دور الإخوان المسلمين في فلسطين والأردن، فاستعرض جهودهم في مقاومة الاحتلال، وتنظيم العمل الدعوي والعسكري، وربط ذلك بما شهدته الساحة الفلسطينية من تطورات لاحقة. كما أورد بعض الذكريات الشخصية للشيخ عبد المعز عبد الستار، التي تناول فيها نشاط الإخوان المسلمين في قطاع غزة قبيل العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وما اتسمت به تلك المرحلة من إعداد وتنظيم واستمرار للعمل الإسلامي.
وتناول المؤلف كذلك مشاركة عدد من شباب الإخوان المسلمين في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وانخراطهم في العمل الفدائي، ثم عرض جانبًا من مذكرات الدكتور عبد الله عزام، وما تضمنته من شهادات حول القضية الفلسطينية والجهاد، قبل أن يختتم حديثه بالإشارة إلى تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مبينًا علاقتها بالفكر الإصلاحي للإخوان المسلمين، ثم عرض موقفه من قضية الصلح مع اليهود، موضحًا الأسس التي بنى عليها رؤيته في هذا الشأن.
وقد استعرض المؤلف جملةً من التصريحات التي ينسبها إلى عدد من الساسة والقادة الغربيين، ويرى أنها تكشف عن طبيعة الموقف الغربي من الإسلام والقضية الفلسطينية. فمن ذلك ما أورده منسوبًا إلى غلادستون في مجلس العموم البريطاني: «لن نستطيع أن نحكم الشرق ما دام القرآن يحكمه»، وإلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج، والرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، وغيرهم من الشخصيات السياسية والعسكرية، كما أشار إلى ما يُروى عن الجنرال الفرنسي غورو، وإلى المقولة المشهورة المنسوبة إلى الجنرال اللنبي عند دخوله القدس سنة 1917، «ها قد عدنا يا صلاح الدين»، والتي عدّها المؤلف تعبيرًا عن الامتداد التاريخي للصراع بين الغرب والعالم الإسلامي.
ثم انتقل إلى بيان الخلفية السياسية للقضية الفلسطينية، فتناول اتفاقية سايكس–بيكو، ووعد بلفور، ومعاهدة لوزان، عارضًا رؤيته لما ترتب عليها من آثار في تفكيك الدولة العثمانية، وإنهاء نظام الخلافة، وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بما يخدم المصالح الاستعمارية. حيث اشترطت فيه بريطانيا على تركيا أنها لن تنسحب من أراضيها حتى تقوم بإلغاء نظام الخلافة، وطرد الخليفة ومصادرة أمواله، وقطع كل علاقة بالإسلام، واختيار دستور مدني بعيد عن الإسلام.
كما استعرض مؤتمر بازل الصهيوني المنعقد في سويسرا سنة 1897، مبينًا دوره في وضع الأسس السياسية للمشروع الصهيوني، وأشار كذلك إلى بعض المؤتمرات والأنشطة الاستشراقية التي يرى المؤلف أنها أسهمت في خدمة ذلك المشروع وتعزيز النفوذ الغربي في العالم الإسلامي، والمتمثل في مؤتمر المستشرقين الذي دعا إليه وايزمان عام 1902، واجتمع له 3000 مستشرق ضد الإسلام.
ويختتم المؤلف هذا العرض بالتأكيد على أن تحرير فلسطين لا يتحقق إلا بعودة الأمة إلى دينها، ووحدة صفها، واستعادة عوامل قوتها، مستشهدًا بأبيات شعرية يدعو فيها إلى الإيمان الصادق، والجهاد، والثبات، ويجعل من ذلك الطريق الأقوم لتحرير فلسطين واستعادة مجد الأمة الإسلامية.
يا خطة الإيمان إن جلاءها … بين النزال وبين رأي محكم
شرف الفعال يصان بين أسنة… تجلو عن الميدان نهجا المسلم
يا أمة الإسلام، دربك مقفر … ما بين أوهام تدور ومزعم
ويتجلى موقف الإسلاميين من قضية فلسطين في النقاط التالية:
يرون أن المبادرات والحلول السلمية التي طُرحت لتسوية القضية الفلسطينية لم تتوافر لها إرادة حقيقية للتنفيذ، وأنها كانت في كثير من الأحيان وسيلة لإدارة الصراع أكثر من كونها سبيلًا لإنهائه، ولم تفضِ إلى استعادة الحقوق الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال.
ويعتقدون أن مسار التسويات السياسية أدى إلى استنزاف طاقات الأمة، وإشغالها عن مشروع التحرير، وإضعاف حركات المقاومة، وإهدار كثير من التضحيات والإنجازات التي تحققت على أرض الواقع.
ويؤكد الإسلاميون أن الحقوق المتعلقة بفلسطين تمثل حقوقًا ثابتة لا تقبل المساومة أو التجزئة، وأنها ترتبط – في نظرهم – بأصول شرعية ووطنية تجعل التنازل عنها أمرًا غير مقبول.
كما يرفضون نظرية التنازلات المرحلية، ويرون أن التفريط بجزء من الحقوق لا يؤدي إلى استعادة ما بقي منها، بل يفتح الباب أمام مزيد من التنازلات، ويؤدي في النهاية إلى خسائر أكبر على المستويين السياسي والوطني.
وينظر الإسلاميون إلى شعار «السلام العادل» على أنه يفتقر إلى مقومات التطبيق ما دامت موازين القوى الدولية – في تقديرهم – لا تقوم على العدل والإنصاف، وما دام الاحتلال مستمرًا في فرض الأمر الواقع.
واستند الإسلاميون في نقدهم لمسار التسوية إلى عدد من القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، فمن ذلك:
- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، المعروف بقرار التقسيم، الذي عدُّوه مجحفًا بحق الشعب الفلسطيني؛ لأنه منح الحركة الصهيونية جزءًا كبيرًا من أرض فلسطين دون موافقة سكانها العرب.
- كما استدلوا بقرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، الذي أكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، ورأوا أن عدم تنفيذ هذا القرار يمثل دليلًا على غياب الإرادة الدولية لتطبيق قرارات الأمم المتحدة.
- كذلك استشهدوا بقرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967، وعدّوا استمرار الاحتلال وعدم تنفيذ القرار شاهدًا آخر على ضعف فاعلية المنظومة الدولية في إلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الصادرة بحقها.
ومن خلال هذه المبادئ، يؤكد الإسلاميون أن معالجة القضية الفلسطينية لا يمكن أن تقوم – في تصورهم – على التسويات السياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى مشروع شامل يجمع بين وحدة الأمة، والإعداد الشامل، والحفاظ على الحقوق، والتمسك بالثوابت، مع الاستفادة من الوسائل السياسية والقانونية التي لا تمس هذه المبادئ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق