أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 8 أغسطس 2026

ذكريات علي طنطاوي جمعها حفيده (مجاهد مأمون ديرانية) بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

ذكريات علي طنطاوي

جمعها حفيده (مجاهد مأمون ديرانية)

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: لقد كان كتاب "الذكريات" للشيخ علي الطنطاوي، حُلماً مؤجلاً، وهب له الشيخ الطنطاوي جُلّ وقته، وهو يعيش بين تفاصيل الكتب، ويستقرئ ملامح الأحداث، ويعيش فيها مرة بعد أخرى، ليكتب ويملي بنفسه قرابة المائتين وخمسين حلقة في شتى المواضيع العلمية والثقافية والأدبية والتاريخية، ليقوم حفيده مجاهد ديرانية لاحقاً بمراجعة هذا النتاج الضخم، وتصحيح أخطائه الطباعية المتراكمة وإعادة تنسيقه في طبعة جديدة تليق بقدره ومكانته.

وقد بدأت تفاصيل تحقيقه عام 1981م بإلحاح شديد من الإعلامي زهير الأيوبي، الذي استعدّ لنشرها في مجلة "المسلمون" إلى موسوعة كبيرة من ثمانية أجزاء؛ حيث انطلق المشروع من حديث شفهي حرره الأديب إبراهيم سرسيق في حلقتين، قبل أن تتوقد حماسة الطنطاوي ليكتب تلك الحلقات، ويُسجّل فيها أجمل الذكريات التي عاش في ظلالها الوارفة، وأحسّ بها بكل كياته.

وقد جمع طنطاوي في ذكرياته بين حياته الشخصية والطرائف والنقد الاجتماعي والديني، ويعرض فيها تجاربه الكثيرة في بلدان العالم العربي والإسلامي والغربي: مصر، السعودية، بيروت، ودمشق، وجاكرتا، واندونيسيا، والهند، وباكستان، وهولندا، وسنغافورة، وإنجلترا، وألمانيا، ويرسم من خلالها صورًا نابضة للأمكنة وأهلها وعاداتها وأحوالها. ويظل أسلوبه المعروف حاضرًا في كل ذلك؛ أسلوب يجمع بين خفة الروح وعمق التجربة، وبين الفكاهة والعبرة، وبين الحكاية والتأمل، فلا تكاد تبتسم لطرْفة حتى تجد وراءها درسًا، ولا تنتهي من حكاية حتى تفتح لك بابًا من أبواب الحكمة. 

وحيث أن طنطاوي اختار أن يفتح لنا قلبه، فإنه يؤكد على تجدد الإنسان مع تجدد الزمان، لكنه يحافظ على بقايا الزمان الأول، حيث نشأ وتربى وسار وتعلم ولقي الكبار، وتأثير ذلك في فكره وقلمه وذاكرته، مستخلصاً من ذلك أن الدنيا متقلبة، وأن المناصب والثروة والجاه لا تدوم، وأن الناس تتبدل أحوالهم بين رفعة وانخفاض.

وتحتل دمشق في ذكريات الطنطاوي مكانًا لا ينافسه فيه مكان؛ فهي مسقط الرأس، ومهد الطفولة، وفضاء الذكريات الأولى، والمدينة التي بقيت تسكن وجدانه مهما تباعدت به البلاد. يستعيد أحياءها وضواحيها، ويستنشق في ذاكرته أنفاسها القديمة، ويعبّر عن فراقها وحرمانه من العودة إليها بعبارات يشوبها الحنين والألم. 

كما يرسم لها صورة تجمع عظمة التاريخ وروعة الطبيعة، ويستعيد تفاصيل الحياة اليومية فيها؛ من النزهات واللقاءات العائلية إلى الأغاني الشعبية ونداءات الباعة التي كانت تضفي على المدينة روحًا حية نابضة. 

ولم يكن الطنطاوي يرى في تلك النداءات مجرد أصوات عابرة في الأسواق، بل كان يجد فيها صورًا شعرية عفوية تكشف عن ذوق الناس وبساطة حياتهم، كما يستعيد وفرة العنب الدمشقي وتنوع أصنافه، ولا سيما ما كان يُعرف به دوما وداريا من كروم وثمار. 

ثم ينتقل للحديث عن المدرسة ونشأته العلمية، فيذكر عدداً من كبار المربين الذين تتلمذ عليهم أو عرفهم، ويشيد بمكانتهم العلمية والتربوية، ويبين أثرهم في تخريج رجال الثقافة والعلم، كما يصف في ذكرياته الأجواء الوطنية في دمشق تحت الاحتلال الفرنسي، وكيف تحولت مدرسة مكتب عنبر إلى مركز للحراك الطلابي. ويستطرد في بيان  أن أخطر آثار الاستعمار ليست الاحتلال العسكري، وإنما الأفكار والقوانين والمناهج التي بقيت بعد رحيل الجيوش.

وفي سياق هذه المرحلة، يستعرض الطنطاوي مرحلة النضال الوطني في صباه، التي تشكل وعيه الأول في أروقة مكتب عنبر، ثم تجربته في قيادة الحركة الطلابية وما أتاحته له تلك التجربة من دروس في القيادة وتحمل المسؤولية والعمل العام. غير أن الحياة سرعان ما نقلته من أجواء الشباب إلى مواجهة مبكرة مع قسوة الواقع؛ فقد جاءت وفاة والده نقطة تحول حاسمة في حياته، إذ خرج بعدها من عالم الطمأنينة والاستقرار إلى عالم المسؤولية والكفاح، وترك فقد أبيه في نفسه جرحًا عميقًا، لكنه كان في الوقت نفسه من الأحداث التي أسهمت في تشكيل شخصيته وصقلها. 

وهكذا يصور الطنطاوي انتقاله من حياة الاستقرار والدعة إلى الفقر وتحمل المسؤولية، ويكشف كيف كانت المحنة مدرسةً أخرى لا تقل أثرًا عن مدرسة العلم. فقد اضطرته الظروف إلى الاعتماد على نفسه، ومواجهة أعباء الحياة في سن مبكرة، غير أن الصبر والإيمان كانا زاده في تلك المرحلة، حتى تحولت الشدة التي بدت له يومًا مصيبةً ثقيلة إلى باب من أبواب النضج والتكوين. 

ولعل من أجمل ما تكشف عنه تجربته أن بعض المنعطفات التي نظنها في وقتها نهايات مؤلمة قد تكون، بعد سنوات، بدايات خفية لطرق لم نكن لنسلكها لولاها. كما يبين طنطاوي أنه جرّب ميادين العمل والتجارة فلم يجد نفسه فيها، فعاد إلى طريق العلم الذي هيأه الله له، كما يؤكد أن تكوين العالم لا يكون بالدراسة وحدها، بل كذلك بمجالسة العلماء والصالحين، وأن القدوة الصالحة والإخلاص في الدعوة أبلغ أثرًا من كثرة الكلام والخطب.

ويتحدث طنطاوي عن طبيعة كتابة المذكرات، مبينًا أنها لا تقوم على التسلسل الزمني الدقيق، بل على ما تستحضره الذاكرة من أحداث ومواقف وفق تداعي الأفكار. وقد تميّز الشيخ الطنطاوي أنه لم ينضم الطنطاوي طوال حياته إلى حزب أو جماعة، بل كان يتصرف بحرية قلمه ولسانه ورأيه، فاقتصر دوره في المؤتمر على الخطابة والكتابة والمشورة.

ومع اتساع تجربة الشيخ الطنطاوي في الحياة، إلا أنه يلفت النظر إلى حقيقة أخرى تتصل بالشهرة والتاريخ؛ فبقاء الاسم في كتب التاريخ لا يدل بالضرورة على عظمة صاحبه، كما أن ذيوع الصيت ليس مقياسًا حقيقيًا للفضل. فكثير من الأسماء التي ملأت الدنيا ضجيجًا خفت ذكرها، بينما بقي أثر أناس لم يعرفهم جمهور الناس، لأن قيمة الإنسان لا تقاس بمقدار ما يقال عنه، وإنما بما يتركه من أثر صالح في حياة الآخرين، وبما يقدمه من خير يبقى بعد غيابه. 

ويصل طنطاوي في نهاية ذكرياته إلى خلاصة تجربته الطويلة في الحياة؛ فقد خلص له المجد الأدبي، وحقق شهرة واسعة، وخطب في بلدان كثيرة، ونال الثناء والتكريم، وترجمت بعض أعماله، لكنه أدرك أن كل ذلك يزول ولا يبقى للإنسان منه شيء بعد موته. ويرى أن الرصيد الحقيقي هو العمل الصالح وثواب الله، مستشهداً بسورة القرآن الكريم: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...﴾. داعياً أن يغفر الله له ما مضى، ويوفقه فيما بقي من عمره، وأن يريه عز المسلمين ووحدتهم، وأن يحسن خاتمته.

ويشير الشيخ طنطاوي إلى قاعدة مهمة في علم التاريخ، وهي: أن التحولات التاريخية الكبرى لا تقع فجأة، وإنما تتم بصورة تدريجية لا يشعر بها المعاصرون لها، شأنها شأن انتقال الليل إلى النهار أو انتقال الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة، ولذلك لا يمكن تقييم الأحداث تقييماً صحيحًا إلا بعد مرور قدر كافٍ من الزمان عليها، والنظر إليها من منظور تاريخي شامل.

________________________________________________

عرض حلقات الكتاب باختصار

بدايةً يستحضر طنطاوي دمشق القديمة، فيصف مكانتها التاريخية وجمالها الفريد، ويأسف لما أصابها وغوطتها من تشويه عمراني وبيئي، قبل أن ينتقل إلى تصويرها كما عرفها في صباه، بما حفلت به من عمران، وخضرة، وروح حضارية أصيلة. ثم يصف شعوره بالغربة بعد مفارقته دمشق، ثم يصف عودته إليها وقد تبدلت معالمها حتى لم يكد لا يعرفها، فيبحث عن دمشق القديمة بين أحيائها وأسواقها، مسترجعًا صور الدور الشامية وما امتازت به من جمال معماري وخصوصية اجتماعية، متحسرًا على اندثارها واستبدالها بعمارات حديثة أفقدتها هويتها.

ثم يفتتح حديثه عن انتقاله من الكُتّاب إلى المدرسة التجارية، مبينًا أنها كانت من أبرز المدارس الأهلية في دمشق، وأن والده كان مديرها، ومع ذلك لم يحظَ فيها بمعاملة خاصة، بل ذاق قسوة التعليم والعقاب، حتى كاد ينفر من العلم لولا معلمون اتصفوا بالرحمة والإنسانية، فأعادوا إليه حب الدراسة والثقة بنفسه. ومع ذلك فقد كانت مدرسة عريقة، خرّجت عددًا كبيرًا من القضاة والسياسيين والأطباء والمثقفين، واهتمت إلى جانب العلوم الشرعية والحديثة بالرياضة البدنية، وكان من خريجيها وأساتذتها عدد من الشخصيات التي أسهمت في النهضة العلمية والإدارية في بلاد الشام.

ثم يسترسل في استحضار جمال ربيع الشام، ويقارن بين تجدده كل عام وبين شباب الإنسان الذي إذا مضى لا يعود، مستذكرًا ما فقده من قوة العاطفة وتدفق الإبداع مع تقدّم العمر، حيث أن أكثر المشاهد والمواقف كانت توقظ قلمه، حتى بلغ ما نشره آلاف الصفحات، بينما جاءت الشيخوخة، فكّد معها البصر، وضعفت الذاكرة، وخبت جذوة الإبداع، لكنه لم ييأس في بذل ما يستطيع في الكتابة، وعدم الاستسلام للزمانة والكِبَر.

ثم ينتقل إلى ذكريات الحرب العالمية الأولى، فيبين أن تغيرات العصر جلبت تقدمًا علميًا وحضاريًا كبيرًا، لكنها صاحبتها خسائر في الأخلاق والقيم، ويستعرض بدايات مظاهر الحداثة في دمشق، كالسيارات والطائرات والطرق الجديدة، إلى جانب بعض الطرائف الاجتماعية المرتبطة بها.

ويتناول أثر سياسة جمعية الاتحاد والترقي في إثارة العصبية القومية داخل الدولة العثمانية، منتقدًا الدعوة إلى التتريك، ومؤكدًا أن الإسلام يجمع المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم. كما وصف السنوات التي حدث فيها غزو الجراد وما تبعه من قحط، ثم انتقال آثار الحرب إلى حياة الناس اليومية، حيث ظهرت المجاعة واشتد شحّ الخبز، فرأى بعينيه بدايات معاناة المجتمع مع تلك الأحداث الجسيمة.

فقد كانت الشام قبل الحرب العالمية الأولى مضرب المثل في وفرة الخيرات ورخص الأسعار، حتى لُقِّبت بـ«أنبار روما»، إلا أن اجتياح الجراد للمحاصيل، واستيلاء الجيش العثماني وحلفائه الألمان على الأقوات، أدّيا إلى مجاعة قاسية، فاختفى الخبز الجيد، وارتفعت الأسعار أضعافًا مضاعفة، وانتشرت مشاهد الجوع، حتى اضطر الناس إلى نبش أكوام القمامة بحثًا عن بقايا الطعام، مع فقدان السكر والكاز وكثير من السلع الأساسية.

ثم تحدث عن التجنيد الإجباري؛ حيث تم إفراغ الشام من شبابه، بعد سوقهم قسرًا إلى ميادين الحرب العالمية الأولى، ولا سيما إلى جبهة السويس وجناق قلعة، وانتشر الهاربون من التجنيد، والذين كانت تطاردهم السلطات العسكرية وتعتقلهم بعنف. ويرى طنطاوي أن فرارهم لم يكن جبنًا، وإنما لأنهم كانوا يُساقون إلى حرب لا يرونها جهادًا في سبيل الله ولا حربًا تحقق مصلحة للأمة.

ورغم شدة المجاعة وفتكها بآلاف الأسر، ونكبة المسلمين في الشام بذلك، إلا أن الدولة العثمانية خصصت حصصًا من القمح للعلماء وطلبة العلم حفظًا لمكانتهم. وفي تلك الفترة ترك والد المؤلف إدارة المدرسة، وتولى منصب «أمين الفتوى» لدى مفتي دمشق، وكان من مسؤولياته إعداد قوائم العلماء وطلاب العلم المستحقين لهذه المخصصات.

ويستطرد طنطاوي في التفريق بين القتال الذي يكون في سبيل الله، والقتال الذي تُساق إليه الأمة لتحقيق مصالح سياسية لا تعود عليها بالنفع. ويؤكد أن المسلمين عبر تاريخهم عُرفوا بالشجاعة والإقدام متى كان الجهاد قائمًا على العقيدة ولأجلها، مستشهدًا بغزوات النبي ﷺ المختلفة، وفتوح المسلمين بعده، وصمود المسلمين في مواجهة القوى الكبرى، مبينًا أن الإيمان هو مصدر البطولة والثبات.

ثم يعود طنطاوي ليحمل قادة جمعية الاتحاد والترقي مسؤولية إضعاف الدولة العثمانية، ويرى أنهم أثاروا العصبيات القومية، وسعوا إلى تتريك الشعوب الإسلامية، مما أدى إلى تمزيق وحدة الأمة، كما شكك في صدق التزام كثير من قادتها بالإسلام، وربط سياساتهم بما انتهى إليه الأمر لاحقًا في عهد مصطفى كمال أتاتورك من القضاء على الخلافة العثمانية، وعلمنة الدولة التركية، وقطع صلاتها بالعرب والمسلمين.

كما يذكر طنطاوي صورًا مؤلمة من سنوات الحرب، كالجوع، وارتفاع الأسعار، والهاربين من التجنيد، ثم يبين كيف كانت أخبار الحرب تصل إلى الناس ببطء، في ظل غياب وسائل الإعلام الحديثة، وكيف بقي المجتمع معزولًا عن العالم، بأحداثه الكبرى والعظيمة، يعيش حياة بسيطة، مع ما فيها من فضائل اجتماعية وأخلاقية كثيرة.

وتحدث بعد ذلك عن نهاية الحكم العثماني بفعل الثورة العربية الكبرة، حيث يصف مشاهد مؤثرة من انسحاب الجيش العثماني من دمشق سنة 1918، وانفجار مستودع الذخيرة، ثم دخول قوات الأمير فيصل بن الحسين، وتبدل الشعارات والأعلام، وانتقال الناس من الهتاف للسلطان العثماني إلى الهتاف للاستقلال العربي، وما رافق ذلك من مظاهر الفرح والنشوة، والحق في التغيير.

وبعد سقوط الحكم العثماني أُغلقت المدرسة التجارية بسبب اقتران اسمها بجمعية الاتحاد والترقي، رغم أن صلتها بها لم تتجاوز الاسم. ويرى طنطاوي أن الجمعية خالفت حقيقة ما تدل عليه تسميتها؛ فلم تحقق اتحادًا ولا ترقّيًا، بل كانت سببًا في تفكك الدولة العثمانية وانحدارها والقضاء عليها.

ويشير طنطاوي إلى أن انتهاء الحرب أعاد الأمن ووفرة السلع والأسواق، فعادت المواد الغذائية إلى الظهور، وخفّت معاناة الناس، واستبدلت الأناشيد والأعلام العثمانية بأخرى عربية، إلا أن عامة الناس كانوا يفرحون بزوال المجاعة والحرب أكثر من اهتمامهم بالدلالات السياسية العميقة لهذه التحولات. والتي كان أبرزها استبدال اللغة التركية بالعربية، والفرنسية بالإنجليزية، وتغيّرت الشعارات من تمجيد السلطان إلى الدعوة للاستقلال العربي. ويُشيد بتصاعد الروح الوطنية في المدارس بعد انتهاء الحكم العثماني.

وبعد إغلاق المدرسة التجارية بانتهاء العهد العثماني، توزع الطلاب على مدارس أخرى، والتحق طنطاوي بالمدرسة السلطانية العربية في جامع يلبغا بدمشق. ويستعرض في خضم حديثه عنها: نشأتها، كما يذكر عددًا من شيوخه وزملائه الذين أصبحوا من الشخصيات العلمية والإدارية البارزة في المجتمع.

ومن بين هؤلاء الأساتذة، يخصُّ طنطاوي بالذكر الأستاذ حسني كنعان فيُثني عليه، ويعدّه أول من علّمه الإنشاء العربي، ويثني على جمال صوته ودوره في تعليم الأناشيد الوطنية. كما يروي موقفًا طريفًا مع القائد رضا باشا الركابي، حين ظنّ أحد المعلمين أنه سيُعاقب بسبب تعديل أبيات شعرية ضد الأتراك والألمان، فإذا بالركابي يفاجئه بالمصافحة والإشادة بشجاعته.

ويروي أصل تسمية منطقة «ستّي زيتونة»، مبينًا أنها تعود إلى حادثة إعدام ستة من الثوار، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى موضع تُنسج حوله الخرافات والمعتقدات الشعبية. ثم يطلق العنان لخياله لانتقاد تغيُّرات الزمان، وزحف العمران ليأكل مآثر الزمان الماضي، فيُقارن  بين معالم دمشق القديمة وما انتهت إليه من هدم وتغيير، كاختفاء المدرسة والعدلية والبريد القديم.

ثم يصف طنطاوي فيضان نهر بردى سنة 1918، وكيف غمرت المياه المدرسة السلطانية، وطفت المقاعد فوق الماء، واستنفر المعلمون والشرطة لإنقاذ التلاميذ. وكالعادة؛ فإنه يستثمر هذه الذكرى في الإشادة بنهر بردى، فبيّن مكانته في حياة دمشق، وانتقاد ما آل إليه لاحقًا من تغيير مجراه وإخفائه تحت الطرق.

وتحدث طنطاوي عن انتقال المدرسة السلطانية إلى مقر جديد، وتولى إدارتها الدكتور كامل نصري، وحينئذٍ درّس فيها عدد من كبار العلماء والمربين، مثل الشيخ زين العابدين التونسي، والشيخ أبي الخير القواس صاحب الطريقة المبتكرة في تعليم النحو. ويحكي كيف أنه شارك المؤلف في أول مظاهرة مدرسية تطالب بالاستقلال العربي، ثم شهادته على احتفالات تتويج الأمير فيصل ملكًا على سوريا سنة 1920، ولم يكن على دراية حقيقية بما يجري في عالم السياسة.

ثم يصور طنطاوي أجواء الحماسة الوطنية التي عمّت مرافق دمشق ونواديها، وما رافقها من الخطب في النادي العربي، ومن ازدهار الأناشيد الوطنية. حيث أن اطلاعه المبكر على الموسيقى والأناشيد مكّنه من معرفة الألحان العربية، مع تأكيده رفض استخدام ألحان الأغاني في المدائح الدينية. كما بيّن أصول ومصادر ألحام بعض الأناشيد المشهورة، مثل نشيد «بلادي بلادي».

ويروي مستطرداً: موقفًا لطيفًا مع أستاذه الشيخ زين العابدين التونسي، إذ ظن الأستاذ أن تلميذه كان يكذّبه أثناء الدرس، بينما كان الأمر نتيجة لشرود ذهن وسوء فهم. كما يثني على جهود الشيخ العلمية، ولا سيما تأليفه «المعجم في النحو والصرف»، ويقترح إعادة طبعه لما فيه من نفع كبير للطلاب.

ثم يحكي انتقاله إلى المدرسة الجقمقية، وذلك بسبب صغر سنه وتعرضه لمضايقات بعض الطلاب، حيث نقله والده إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني في المدرسة الجقمقية. واستغل ذلك كالعادة ليستعرض القيمة التاريخية لمنطقة الجقمقية وما حولها من المدارس والأوقاف الإسلامية، مثل العادلية والظاهرية، وما تمثله من تراث علمي وحضاري عريق.

ثم يُحدثنا عن معركة ميسلون وبداية الانتداب الفرنسي لسوريا، فكانت معركة ميسلون منعطفًا مصيريًا في تاريخ سوريا، كما كانت نقطة تحول في حياته الشخصية، واهتماماته بالسياسة، بيد أن عامة الناس لم يكونوا يدركون حقيقة المؤامرات الدولية، مثل اتفاقية سايكس بيكو، وكذلك تفاصيل الأحداث التي سبقت دخول الفرنسيين.

ويُقيّم طنطاوي معركة ميسلون بأن اندفاع الجماهير لم يكن مصحوبًا بإعداد عسكري كافٍ، وأن تجاهل نصائح القادة العسكريين أدى إلى الهزيمة السريعة، وفي المقابل فإنه يخلّد بطولة يوسف العظمة، ويعتبر استشهاده رمزًا للتضحية الوطنية، ويخلص إلى أن هزيمة ميسلون أنهت الحكم العربي القصير، وفتحت مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا.

ثم يذكر طنطاوي بعد ذلك عدداً من أشهر مدارس دمشق التاريخية، مثل السُّميساطية، والإخنائية، والعادلية، والظاهرية، ويشير إلى مؤسسيها وتواريخ إنشائها، دلالةً على ازدهار الحركة العلمية في دمشق، نافياً وصف تلك العصور بعصور الجهل والانحطاط. كما يثني على جهود وزارة الأوقاف في ترميم المدرسة الجقمقية، ويصفها بأنها من أجمل المباني المملوكية.

ويُفرد طنطاوي مساحة واسعة للحديث عن الشيخ عيد السفرجلاني، الذي يعدّه "معلّم الشام"، إذ قضى أكثر من ستة وستين عاماً في التعليم، وربّى أجيالاً متعاقبة، حتى تعلّم على يديه الأبناء والآباء والأحفاد. وأن أثر الشيخ السفرجلاني لم يكن في الدروس النظامية فحسب، وإنما في كلماته التربوية ونصائحه العملية التي كانت تغرس القيم في نفوس تلاميذه، وظلت راسخة في الذاكرة والقلب. ويستطرد طنطاوي في وصف أسلوب السفرجلاني في التربية، وذلك في كونه يجمع بين اللين والحزم، ويؤدب برفق، ويضرب الأمثال المؤثرة، مثل تشبيهه المؤمن بشجرة الحور التي تلين للريح فلا تنكسر.

ثم يروي طنطاوي تجربته مع ناظر المدرسة الجمقمقية الشيخ محمود العقاد، والذي كان لطيفاً خارج المدرسة، شديداً داخلها، ويعلّق بأن الشدة كانت سمة شائعة في التربية آنذاك، مع اعترافه بحسن نية المربين.ويوضح كيف أن هذه المدرسة رسمت له منهج الجمع بين التعليم المدرسي النظامي والتلقي عن العلماء، وهو المنهج الذي أثّر كثيراً في تكوينه العلمي.

ثم يتحدث بإسبهاب عن أثر الشيخ صالح التونسي، الذي كان يدرّسه في المدرسةالجمقمقية وفي حلقات خاصة بأمر والده، وقد حفظه متوناً علمية، كألفية ابن مالك والجوهر المكنون، فانتفع بها في كبره. ثم يحدد ثلاث شخصيات أساسية أسهمت في بناء شخصيته وفكره، وهم: الشيخ عيد السفرجلاني. والشيخ صالح التونسي. وأحد علماء المالكية المقربين من أسرته. 

بالإضافة إلى دور الجامع الأموي وحلقاته العلمية، حيث يصف تعلقه الشديد بالجامع الأموي منذ صغره، إذ كان يرتاده باستمرار، ويحفظ أخباره وتاريخه، ثم ألّف لاحقاً كتاباً بعنوان (الجامع الأموي) ليكون دليلاً لزواره. كما أنه يصور الجامع الأموي في مطلع القرن العشرين مركزاً علمياً نابضاً، تعقد فيه حلقات التدريس طوال اليوم، ويتصدرها كبار علماء الحديث.

ويبرز طنطاوي أبرز علماء الجامع الأموي في زمانه، وعلى رأسهم: الشيخ المحدث الكبير بدر الدين الحسني بوصفه شيخ علماء الشام، ويذكر عظيم أثر وفاته في البلاد، كما يثني على الإمام العلامة محمد بن جعفر الكتاني، ويصفه بأنه من أعلام علوم الحديث، وأن كتابه (الرسالة المستطرفة فيما يحتاج إليه طالب الحديث من الكتب المشرفة) من أنفس ما أُلّف في هذا الفن، مع بيان طريقته الدقيقة في شرح الأحاديث وأحوال رواتها.

ومن علماء الأموي المدرسين فيه: الشيخ البلغيثي، والشيخ بهجة البيطار، والشيخ عبد القادر الإسكندراني، والشيخ عبد الله العلمي، وكذلك الشيخ خالد النقشبندي، والذي مع انتسابه إلى الطريقة النقشبندية، كان سلفي العقيدة، ويشير إلى أن السلفيين كانوا يُلقبون آنذاك بـ«الوهابيين» على سبيل الاتهام وغيرهم، والذي تميز كل واحد منهم في العلم والتدريس.

ثم يصف طنطاوي بعض العادات العلمية والدينية في الجامع الأموي، ومنها انتقال نغمة الأذان المدني إلى دمشق، والابتهالات التي كانت تُرتل بعد العشاء وفق مقامات موسيقية تختلف باختلاف أيام الأسبوع. ويشير إلى أن الجامع الأموي كان ملتقى لعلماء العالم الإسلامي، فكان كل عالم يزور دمشق يلقي فيه درساً يُظهر علمه ومنهجه. كما يروي قصة لقائه بعد أربعين سنة بالشيخ حسن فدعق في مكة، الذي عرفه وتذكر والده وأعمامه رغم مرور الزمن، مما أدهشه وأثر فيه.

ثم تحدث طنطاوي عن شيخه صالح التونسي، ويصف دروسه بأنها جمعت بين العلم والأدب والتاريخ والوعظ، وتميزت بأسلوب بلاغي جذاب، مع إشراك الطلاب في الحوار والخطابة، مما نمّى ملكاتهم العلمية والبيانية. وبيّن أنه استفاد كثيراً من دروسه التي استمر عليها بأمرٍ من والده، وحفظ على يديه عدداً من المتون العلمية، منها ألفية ابن مالك، والجوهر المكنون، وجوهرة التوحيد، وصفوة الزبد.

ويذكر طنطاوي انتقال أسرته من حي العقيبة إلى الصالحية، مما اضطره إلى مغادرة المدرسة الجقمقية والابتعاد عن الجامع الأموي الذي كان يمثل قلب الحياة العلمية والروحية في دمشق. وفي ذلك يعرض لمحات من تاريخ دمشق، فيذكر أبوابها، وأصل تسمية شارع النصر، وأبرز معالمها، ثم يصف منزله الجديد في الصالحية، المطل على دمشق والجامع الأموي، ويبين اختلاف استعمال اسم «الشام» بين أهل البلاد.

ثم يذكر طنطاوي عودته إلى المدارس الرسمية بعد الانتداب الفرنسي، واضطراره إلى إعادة الصف الخامس للمرة الثالثة بسبب تغير الأنظمة السياسية، لكنه يؤكد أن تلك السنوات لم تضع هدراً، إذ اكتسب خلالها علماً شرعياً وإيماناً واطلاعاً واسعاً يفوق ما تمنحه المدارس النظامية.

كما يصف التحول السياسي الذي عاشه؛ فقد انتقل من أجواء الفرح بالاستقلال العربي إلى صدمة الاحتلال الفرنسي بعد معركة ميسلون، وانهيار المملكة العربية السعودية، وتقسيم بلاد الشام إلى عدة دويلات، معبّراً عن خيبة الأمل والحزن الذي عمّ البلاد.

ثم يصف طنطاوي بداية مرحلة الانتداب الفرنسي بأنها فصل حزين في تاريخ بلاد الشام، امتزجت فيه الهزيمة بالاحتلال، ثم انطلقت بذور المقاومة التي أثمرت لاحقاً الثورة السورية، والتي انتهت بالاستقلال والحرية، وعدّ طنطاوي هذه المرحلة (الاحتلال الفرنسي) مرحلة استثنائية لم تعرفها دمشق منذ الفتح الإسلامي؛ فقد صُدم اهل الشام بحكم الأجانب، إذ لم يألفوا أن يحكمهم غير المسلمين، ذلك أن دمشق لم تخضع لحكم أوروبا حتى في أوج الحروب الصليبية.

ويؤكد طنطاوي رفضه اعتبار الحكم العثماني استعماراً تركياً، بل عدّه حكماً إسلامياً، وأن الاعتراض عليه كان على سياسات الاتحاديين لا على أصلهم التركي. كما ربط بين النصر والهزيمة بمدى التمسك بالدين، ويرى أن العودة إلى الشريعة سبب لاستعادة الحرية والاستقلال.

ثم يروي طنطاوي انتقاله من المدرسة الجقمقية ذات البيئة الإسلامية إلى مدرسة حكومية يديرها مدير نصراني، كما يصف تطور حي المهاجرين واتساعه، ويثني على جهود الوالي العثماني ناظم باشا في إنشائه، وإيصال مياه عين الفيجة إلى دمشق، كما يرسم صورة بديعة لجبل قاسيون، مع تفضيله لجبل أحد؛ لشرفه وارتباطه برسول الله ﷺ.

ثم يذكر أبرز معلمي مدرسة المهاجرين، ومنهم الشيخ حامد التقي، وعبد الحميد عبد ربه الذي علّمه الرسم والخط، ويؤكد أن المناهج القديمة كانت تجمع بين العلوم والمهارات الفنية، كما يشيد بالخطاط ممدوح الشريف، ويراه أعظم خطاط عرفه في عصره، ويصف دقته في تعليم أنواع الخط العربي وإتقانها.

أيضاً، فإنه يقارن بين حياة الطلاب في الماضي والحاضر، فيبين أن حياتهم كانت قائمة على الجد والقراءة، مع قلة وسائل اللهو، وأن معظم أوقات فراغه كان يقضيها في مطالعة كتب مكتبة والده، مما كوّن ثقافته الواسعة منذ الصغر.

كما ينتقد نظام امتحانات الشهادة الابتدائية آنذاك، إذ كان يعتمد على الامتحان الشفهي أمام كبار العلماء والمسؤولين، وكانت الأسئلة في بدايتها شديدة الصعوبة لإظهار علم الممتحنين أكثر من اختبار الطلاب. ويشير  إلى تفوقه في امتحان الشهادة الابتدائية، إذ حصل على الدرجة الكاملة في جميع المواد، باستثناء السلوك، ممهداً لذكر سبب ذلك في الفصل التالي.

ثم يعود ليذكر سياسة الانتداب الفرنسي في تقسيم سوريا إلى عدة دويلات، ويعد ذلك تطبيقاً لسياسة "فرّق تسد"، مؤكداً أن رابطة الإسلام أقوى من كل الروابط القومية أو الحزبية.

ويروي طنطاوي أن السلطات الفرنسية أمرت المدارس بالخروج لاستقبال الجنرال "ويغان" خلفاً للجنرال "غورو"، وكان ذلك سبباً لأول موقف سياسي بارز في حياته. ويذكر أنه في يوم الخطابة المدرسية ألقى، وهو في الرابعة عشرة من عمره، خطاباً ارتجالياً دعا فيه إلى مقاطعة استقبال المندوب الفرنسي، وعدّ الفرنسيين أعداءً للدين والوطن، فتأثر به كثير من التلاميذ وبعض المعلمين وامتنعوا عن المشاركة.

وقد عوقب طنطاوي بسبب خطبته بإنقاص درجة السلوك وتوجيه التكدير إليه، لكنه يعدّ هذا الموقف بداية مسيرته الطويلة في الخطابة والعمل الوطني، وكانت بداية تمهد لاندلاع الثورة السورية. كذلك يروي حادثة دالة على عزة أهل دمشق؛ إذ هبّ الناس لإنقاذ امرأة مسلمة تحرش بها جنود فرنسيون، وانتزعوا أسلحتهم، وعدّ ذلك من إرهاصات الثورة الكبرى.

ثم بعد ذلك يتحدث عن انتقاله إلى مرحلة مكت عنبر (وهي المرحلة الثانوية من دراسته)، والتي امتدت ست سنوات، ويصفها بأنها أهم مراحل حياته وأكثرها أثراً في تكوين شخصيته وفكره، إذ أنه المدرسة التي تخرج فيه كبار العلماء والأدباء والسياسيين، وكان منارة للعلم والوطنية، وفي هذه الفترة شهد وفاة والده، وتكريم الأديب محمد كرد علي، ثم بداية عمله، واهتمامه بالعلم والأدب، ومشاركته في الحركة الوطنية والثورة السورية حتى أصبح كاتباً وخطيباً معروفاً.

ويأخذنا بخياله الواسه؛ ليرسم صورة أدبية جميلة لمبنى المدرسة وحدائقها وإيوانها، ويعترف بأن الذكريات التي عاشها فيها أوسع من أن تستوعبها الكلمات. ذلك أن الألفاظ مهما بلغت فصاحتها؛ فإنها لا تستطيع أن تنقل حقيقة التجربة الإنسانية كاملة.

ثم يصف طنطاوي تأثره البالغ عندما وصله كتاب «مكتب عنبر» للأستاذ ظافر القاسمي ليكتب مقدمته، إذ أعاد إليه ذكريات شبابه وأيام الدراسة، حتى شعر وكأنه عاد يعيش تلك المرحلة من جديد، مع يقينه بأن الماضي لا يعود إلا في عالم الذكرى والخيال. 

ثم يستعرض نخبة من زملائه الذين أصبحوا فيما بعد من كبار العلماء والأدباء والأطباء والقضاة والوزراء، مثل سعيد الأفغاني، وأنور العطار، وأبي سلمى، ومصطفى الزرقا، ورشاد فرعون، ومحمد المبارك وغيرهم، مبيناً المكانة العلمية والوطنية التي خرج بها طلاب هذه المدرسة.

كما يثني على أساتذة مكتب عنبر، ويؤكد أنهم كانوا علماء راسخين لا مجرد حملة شهادات، وأنهم كانوا مراجع في تخصصاتهم، بخلاف ما يراه في واقع التعليم الحديث الذي اتسعت فيه المدارس وضعف فيه عمق التأصيل العلمي. وقد شبّه التعليم القديم بالبئر العميقة قليلة الاتساع كثيرة الفائدة، بينما يشبّه التعليم الحديث بالبركة الواسعة الضحلة؛ كثرت مساحتها لكن قلّ عمقها.

ويبدأ طنطاوي بذكر أول أساتذته، عبد الرحمن سلام البيروتي، ويصفه بأنه من أفصح الخطباء وأبلغهم، ويستحضر خطبته الحماسية قبيل معركة معركة ميسلون التي أعلن فيها تحديه للجنرال هنري غورو، ثم يعلّق بأن الفرنسيين دخلوا دمشق بالقوة، لكنهم خرجوا منها لاحقاً عندما نهض الشعب واستعاد أسباب القوة.

وبعد انتقال الشيخ سلام إلى لبنان، تولى التدريس بالمكتب الأستاذ سليم الجندي، ويضعه مع عبد القادر المبارك في مقدمة أعلام العربية الذين كان لهم أعظم الأثر في تكوينه العلمي والأدبي. ويصف الشيخ عبد القادر المبارك بأنه إمام في اللغة العربية، واسع المعرفة بتاريخ العرب وأشعارهم، وأن دروسه كانت تجمع بين الفقه والحديث والتفسير والأصول واللغة، وتتميز بالأسلوب الحي، والأمثلة العملية، والقواعد المختصرة التي ترسخ في الأذهان.

استمرت صلة طنطاوي بشيخه عبد القادر مبارك قرابة خمسة وعشرين عامًا، يزوره ويلازمه، حتى وفاته سنة 1945م، وقد عبّر عن حزنه العميق عليه، وأشاد بأدبه وعلمه وأصله الجزائري، كما ذكر أخاه الشيخ محمد الطيب، ودورهما في خدمة التراث الإسلامي.

ثم يذكر أشهر أساتذة اللغة العربية في التعليم المدرسي؛ ومنهم: الشيخ عبد الرحمن سلام. والشيخ المبارك. والشيخ سليم الجندي. والشيخ الداودي، الذي عُرف بحسن الخلق ولطف التدريس، وكان محبوبًا بين طلابه، يتسابقون إلى خدمته واحترامه.

ثم استطرد في الحديث ليخبرنا عن الشاعر محمد البزم، أحد كبار شعراء دمشق، ويذكر أنه لم يدرس عليه مباشرة، لكنه عرف فضله من تلاميذه، ثم يروي خلافًا أدبيًا وقع بينهما بسبب نقد البزم لأستاذه الجندي، قبل أن تتحول العلاقة إلى مودة واحترام. ويسرد طرفًا من نوادر البزم، ومنها سجنه بسبب سوء فهم السلطات الفرنسية لإحدى قصائده، ثم يذكر ما انتهى إليه من مرض وفقر حتى وفاته، مع الإشادة بقيمته الأدبية.

ثم ينتقل إلى أساتذة العلوم، فيذكر: الدكتور يحيى الشماع (الكيمياء). والدكتور جودة الكيال (الفيزياء). كما يذكر سفرهم إلى "لوزان" لاستكمال دراستهم، واستقبالهم بقصيدة للشيخ الداودي. كما يشيد بأستاذ الرياضيات جودة الهاشمي، ويصفه بأنه من أمهر معلمي الرياضيات، حتى سميت إحدى أكبر ثانويات سوريا باسمه، لما امتاز به من العلم والقدرة على الشرح وضبط الصف.

كما يذكر مدرس الموسيقى مصطفى الصواف، ويثني على براعته العلمية والموسيقية، مبينًا أنه كان يدرّس الموسيقى بأسلوب أكاديمي متقدم، مع أن حصصه كانت تشهد شيئًا من الفوضى والعبث والضوضاء.ومع ذلك فإنه لم يستفد منها كثيرًا؛ بسبب ضعف ضبط الأستاذ للفصل، وعدم احترام الطلبة للمادة، ورفض أغلبهم التدريب العملي على الآلات، فاقتصر استفادته على الجانب النظري دون أسف على ما فاته.

ثم ينتقل بأسلوب مفاجئ شبيه بقطع نشرات الأخبار، ليقطع سلسلة ذكرياته متأملًا حادثة ولادته في دمشق، إذ وُلد في أسرة علمية فقيرة نسبيًا، في يوم الجمعة 23 جمادى الأولى سنة 1327هـ، ويستعرض تفاصيل ولادته كما وردت في سجل عائلي، مع تأمل فلسفي في معنى الولادة والموت، وربط بين الخروج إلى الدنيا والخروج منها.

بعد ذلك يتوسع في الحديث عن أحد أجداد أسرته، وهو محمد بن مصطفى الطنطاوي، الذي وُلد في طنطا بمصر، ثم انتقل إلى دمشق في القرن الثالث عشر الهجري، ويعرض سيرته العلمية ولقبه ونسبه، مع الإشارة إلى اختلاف المصادر في تفاصيل اسمه وأسرته الأصلية، وكونه من العلماء الذين ذاع صيتهم في بلاد الشام.

ويعرض طنطاوي صورة تاريخية عن وحدة البلاد الإسلامية آنذاك، حيث كانت الهجرة بين مصر والشام سهلة بلا حدود أو جوازات، في مقابل واقع التفكك السياسي الحديث الذي يشعر فيه الكاتب بتشتت الأسرة بين دول متعددة، مع مقارنة ذلك بحرية التنقل في أوروبا أيضًا.

ثم يسرد سيرة ذلك الجد العالم في طلب العلم، حيث درس في حلب ودمشق والأزهر، وأخذ عن كبار العلماء والمشايخ في الشام ومصر، وتلقى العلوم الشرعية والعقلية، ثم عاد إلى دمشق بعد تكوين علمي واسع، ليصبح من أعلام عصره الذين تتلمذ عليهم كثير من العلماء.

ويختم النص بالإشارة إلى بعض أقاربه وأصول العائلة، مثل علي بن مصطفى الذي ارتبط اسمه بالهجرة والعمل في دمشق ومصر، مع ذكر لمحات اجتماعية عن حياته، بما يعكس تداخل السيرة العائلية بالتاريخ الاجتماعي والسياسي لتلك المرحلة.

ثم تحدث عن عودة جدّه إلى دمشق بعد طلب العلم، حيث اتخذ غرفة للتدريس في مسجد سيدي صهيب بحي الميدان، وكان يدرّس طوال يومه لسنوات. ثم استدعاه الأمير عبد القادر الجزائري، فأكرمه ووفّر له دارًا واسعة وراتبًا، وخصّص له مكانًا لتعليم أبنائه وطلبة العلم في المدرسة البادرائية، فاستمر في التدريس العام والخاص، واشتهر بسعة علمه ودقته في التحقيق في مختلف العلوم، وله آثار علمية مرتبطة بالفلك والرياضيات.

ويذكر طنطاوي حادثة إصلاحه لآلة فلكية تُسمّى “البسيط” في منارة الجامع الأموي، حيث كان أصلها من صنع الفلكي ابن الشاطر، وقد تعرّضت للخلل فكُلّف الجد بإصلاحها، لكنها انكسرت في يده، فتعرض لهجوم وسخرية من بعض أهل الشام، وهجاه أحد الشعراء، كما وقع خلاف حول الموضوع وصل إلى إجراءات عقابية بتدخل الأمير عبد القادر. ومع ذلك أعاد صنع “بسيط” جديد أكثر دقة، ونال تقديرًا واحتفاءً من العلماء.

ويوضح طنطاوي أن جدَّه المذكور ظل يعيش براتب من الأمير حتى وفاته، وبعد وفاة الأمير رفض راتبًا حكوميًا ورفض أن يأخذه أبناؤه، فعاش ببيع كتبه رغم قيمتها العلمية الكبيرة، إلى أن توفي سنة 1306هـ في دمشق، ودُفن في مقبرة الباب الصغير، وخلّف مؤلفات في الفلك والحساب والرياضيات، إضافة إلى شروح وتعليقات علمية على الكتب التي درّسها.

ثم انتقل طنطاوي إلى موضوع آخر، يتأمل نقدي في فكرة “وحدة الوجود” عند ابن عربي وبعض الكتب المتأثرة بها، منتقدًا محتواها العقدي، ومقترحًا معالجة تراث “الفتوحات المكية” بحذف ما يراه مخالفًا للعقيدة، مع إبقاء الجانب الفلسفي والعلمي فيها للاستفادة منه، في محاولة للجمع بين حفظ التراث وتنقيته.

ثم تعود ذاكرة طنطاوي للحديث عن أحياء دمشق القديمة ومعالمها، مثل “حارة تحت المئذنة” و“حارة السمّانة”، وما فيها من بيوت العلماء والأصدقاء، إضافة إلى وصف الطرق الضيقة المتعرجة، والأحياء التي ارتبطت بأسماء الصناعات والحرف في المدينة، مثل سوق القطن والحرير والصاغة والنحاسين.

ثم ينتقل إلى تأمل تاريخي واسع، فيقارن بين دمشق القديمة وعصورها المختلفة، ويستعرض أماكن تاريخية تحولت عبر الزمن؛ فمواقع قصور بني أمية والخلفاء تحولت إلى أسواق وحِرف، مثل سوق القباقبية، وسوق الخياطين، وغيرهما، ليخلص إلى فكرة أن كل شيء في الدنيا يتغير: يعظم ثم يزول، ويزدهر ثم يضمحل، حتى أعظم المراكز السياسية والدينية.

ويعقب ذلك بتأمل في تحولات التاريخ، مبرزًا أن “الدار الخضراء” التي كانت مركز حكم الأمويين صارت مجرد سوق بسيط، ولم يبق من اسمها إلا أثر صغير، في دلالة على فناء الحضارات وتبدل الأحوال.

ثم يبدأ فصل جديد بالعودة إلى ذكريات “مكتب عنبر”، متسائلًا عن سبب الحنين إلى الماضي، ومقارنًا بين التعليم في زمنه والتعليم الحديث، وبين الطلاب والمدرسين قديمًا وحديثًا. ويذكر أن المناهج كانت تشمل علومًا متنوعة مثل الطبوغرافيا ومسك الدفاتر، وأن الطلاب كانوا أكثر إقبالًا على التعلم في زمن لم تكن فيه وسائل الترفيه الحديثة كالإذاعة والتلفاز والأسفار السهلة.

كما يصف البيئة التعليمية والأساتذة، فيذكر نماذج مختلفة منهم: بعضهم في غاية العلم والجد، وبعضهم ضعيف أو غير منضبط، ويستعرض شخصيات لافتة مثل مدرس الرسم الموهوب عبد الوهاب أبو السعود، ومدرس اللغة الفرنسية بمختلف أساليبه، بين الجاد والكفء والجاهل، مع تصوير حيّ لأساليب التدريس في تلك المرحلة.

ويختم بإبراز أثر “مكتب عنبر” في تكوينه العلمي، خصوصًا في اللغة العربية، ويشيد بأساتذته الكبار مثل المبارك والجندي وسلام، الذين كان لهم دور حاسم في صقل ملكته اللغوية والبيانية، ويستعيد لحظة وداع بعضهم كحدث مؤثر في حياته.

وتميّز الأستاذ سليم الجندي بأسلوب مختلف عن أساتذته السابقين، ناهيك عن سعة اطلاعه في النحو والصرف واللغة والأدب؛ إذ ركز على فهم المفردات والإعراب قبل الخوض في الشرح العام. وبذلك فإن الفهم الصحيح يبدأ من تعلُّم الأساسيات، لأنه لا يصح "بناء الدار قبل نحت الحجارة".

ووصفه طنطاوي بأنه من أعلام العربية في عصره، بل رأى أنه يضاهي كبار علماء العربية الأوائل. وبيّن أنه لم يكن متخصصًا في العربية فقط، بل كان ملمًا بأصول الفقه والحديث والتفسير، مما عمّق فهمه للغة. وكان الجندي يعتمد على الحفظ من الشعر العربي الفصيح الذي يُحتج به في اللغة. وحاول إبعاد طلابه عن الاحتجاج بشعر المولَّدين، مثل شعر المتنبي في مجال الاستشهاد اللغوي. كما حذّر من قراءة الصحف والمجلات خشية ضعف الملكة اللغوية.

وعبّر طنطاوي عن امتنانه للشيخين المبارك والجندي، وعدّهما مصدر معظم بضاعته في علوم العربية. ويرى طنطاوي أن سر تفوق جيله لم يكن الذكاء، بل شدة الحرص على العلم وقلة الملهيات. كذلك جعل القراءة شغله الدائم منذ الصغر، فكوّن ثقافة واسعة خارج المنهج المدرسية، بالإضافة إلى استفادته من مكتبة والده وجده، وقرأ كتبًا كثيرة في الأدب واللغة والتاريخ والفقه، مثل: حياة الحيوان. والمستطرف. والكشكول. والأغاني. وقد أسهمت هذه القراءات في بناء ثقافته اللغوية والأدبية.

أضف إلى ذلك قوة الذاكرة وأثرها؛ فقد امتاز طنطاوي بذاكرة بصرية قوية مكّنته من حفظ كثير مما يقرأ. وقد ندم لاحقًا على عدم تدوين ما حفظه واعتماده على ذاكرته وحدها، مما أدى إلى نسيان كثير من الفوائد. كذلك فإن كثرة المطالعة من أنفع أسباب التعلم، وقد استمر طنطاوي على القراءة طوال حياته بمعدل يقارب مئة صفحة يوميًا.

ثم تحدث طنطاوي عن الصعوبات التي واجهته في تعليمه، ومن ذلك معاناة الطلاب من قلة الكتب العربية المطبوعة. حيث كانوا ينسخون بأيديهم آلاف الصفحات من مذكرات المدرسين في مختلف العلوم، الأمر الذي يتطلب جهدًا وصبرًا كبيرين.

كما يُمثّل لحال المجتمع ببعض الأحداث المدرسية والوطنية؛ فقد شهد طنطاوي احتجاجًا طلابيًا في المدرسة أدى إلى تغيير الإدارة المدرسية، واستخلص من ذلك أن الأمة العربية إذا أرادت التغيير؛ فلا بد لها أن تثور على الظلم.

كذلك يُثني طنطاوي على المربي مصطفى تمر، وعدّه من كبار رجال التربية في بلاد الشام، مع أسفه لقلة من حضر جنازته، مؤكدًا أن الدعاء للعلماء أنفع لهم من مظاهر التأبين. وخلاصة القول أن الأمور التي تؤثر في تكوين الطالب هي: أثر المعلم المتمكن، وأهمية البدء بأصول العلم، وقيمة المطالعة المستمرة، والاجتهاد الشخصي، والصبر في طلب العلم، ويرى أن هذه العوامل هي الأساس الحقيقي في بناء العالم والأديب.

ثم ينتقل طنطاوي في حديثه ليصف زيارة آرثر بلفور لدمشق، حيث يوضح أنها الشرارة التي أشعلت المظاهرات الطلابية. واعتباره اعتداءً على حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وكان التحاق طنطاوي بالمظاهرت في مرحلة متأخرة، لأنه لم يكن ذو اهتمام بما يجري على الساحة العربية، ثم تحول بعد سنوات إلى قيادة الأطر الطلابية، احتجاجاً على فصل بعض الطلاب الذين خرجوا ضد الحكومة الفرنسية. وقد نتهت المظاهرة باعتقاله ووضعه في زنزانة انفرادية. وبعد السجن قرر ألا يجعل السياسة محور حياته، وأن يبتعد عن السعي إلى الزعامة.

ثم يعود طنطاوي ليصف حياة أسرته الميسورة، وكرم والده وكثرة ضيوفه، وما كان يحيط بالبيت من أجواء علمية واجتماعية. ويبين وفاء تلاميذ والده ومحبتهم له أثناء مرضه. ثم وفاة والده سنة 1343هـ ، والتي كانت أعظم نقطة تحول في حياة طنطاوي، وقد اكتشف أن والده ترك ديوناً كبيرة بسبب إنفاقه على أسرته، فتبدلت حياتهم من الاستقرار إلى المعاناة.

ويقف طنطاوي ليصف لنا جنازة والده الحاشدة التي تشهد بمحبة الناس له، ويؤكد أن هذه المحبة كانت ثمرة علمه وتعليمه وحسن خلقه، لا منصب أو جاه. ويتحدث عن المعاناة التي لحقت بأسرته بعد انقضاء أيام العزاء، حيث واجهت الأسرة واقعها الصعب؛ فقد تُركه والده وهو في السابعة عشرة، مسؤولاً عن أمه وإخوته دون مال أو مورد كافٍ. وقد اضطرت أسرته إلى بيع ممتلكاتها وأثاث البيت لسداد ديون والده، ولم يبق إلا المكتبة التي حرص الكاتب على الاحتفاظ بها.

ثم انتقلت الأسرة إلى بيت صغير متواضع يفتقر إلى مقومات الحياة الصحية، مليء بالرطوبة والحشرات، ومع ذلك فقد صبرت والدته على هذه الحياة القاسية، واجتهدت في رعاية أبنائها رغم الفقر والحرمان، محتسبة أمرها عند الله.

وفي لحظة ما شعر طنطاوي بأنه أصبح المسؤول الول عن الأسرة بعد وفاة والده، فتحمل مسؤولية إخوته وهو لا يزال شابًا. في الوقت الذي كانت أسرته تعتمد في معيشتها على معاش تقاعدي بسيط، وراتبه من إمامة المسجد وتلاوة القرآن، إضافة إلى مساعدة مالية شهرية من خاله محب الدين الخطيب. ومن صديق والده الشيخ طه الخطيب.

ثم ذكر طنطاوي مشاركته في التدريس بإحدى المدارس التابعة لحركة "نهضة المشايخ"، لكنه ترك التعليم بعدما رأى أن التعيين لم يقم على الكفاءة. معتبراً هذا القرار من أعظم نعم الله عليه؛ لأنه لولاه لبقي معلماً ابتدائياً دون أن يكمل تعليمه.

وبناءً على نصيحة عمه الشيخ عبد القادر، تعلم "أصول المحاسبة التجارية" على يد كامل بكر، رغم أنه لم يكن يحب الحساب بطبعه. وقد عمل طنطاوي محاسبًا عند التاجر "كامل بكر" في محل للأدوات الكهربائية، لكنه شعر بالغربة عن هذا العمل؛ لأنه كان شغوفًا بالعلم والدراسة. وقد حاول أن يعمل في تجارة السكر والأرز، إلا أن المشروع فشل بسبب قلة الأرباح، فعرف أن التجارة ليست المجال الذي خُلق له.

وأثناء زيارة "لمحكمة التمييز"، نبهه أحد معارف والده إلى أنه أخطأ بترك المدرسة؛ فاستعان بعمه الشيخ عبد القادر الذي ساعده على العودة إلى مكتب عنبر رغم تأخره في السنة الدراسية. فاجتهد في الدراسة حتى نال المركز الأول بين زملائه، وعدَّ هذه العودة من أعظم المنعطفات في حياته.

ثم ينقل تأثره بالشيخ أبي الخير الميداني، والذي يعدّه من أكثر الشخصيات تأثيرًا في نفسه، ويصفه بالزهد، وحسن الخلق، وصفاء القلب، وقوة التأثير دون كثرة الكلام.


يتناول هذا النص مرحلةً من حياة الكاتب بعد تركه التجارة وعودته إلى طلب العلم، ثم ينتقل إلى الحديث عن شيوخه وأسرته العلمية، ويختم بتمهيد للحديث عن الثورة السورية. ويمكن تلخيصه فيما يأتي:

  • العودة إلى الدراسة: عمل الكاتب فترةً في التجارة والمحاسبة، لكنه شعر أن هذا العمل لا يوافق ميوله العلمية، فاستعاد رغبته في مواصلة تعليمه. وبمساعدة عمه ومدير المدرسة عاد إلى مقاعد الدراسة رغم تأخره، واجتاز الامتحانات بتفوّق، وأحرز المركز الأول بين زملائه.

  • مشايخه خارج المدرسة: يذكر فضل الشيخ أبي الخير الميداني الذي تلقى عليه علوم العربية والحديث، وأشاد بأسلوبه التعليمي المؤثر وبشخصيته الزاهدة الهادئة، مؤكداً أن تأثير العالم الحقيقي يكون بصفاء قلبه وإخلاصه أكثر من فصاحته. كما أوضح أنه لم ينتمِ إلى طريقة صوفية ولا إلى حزب سياسي، واختار الالتزام بالكتاب والسنة والفقه المستند إليهما.

  • أسرة والدته والأسر العلمية في دمشق: يرد على من عاتبه لأنه لم يذكر والدته، فيترحم عليها ويصفها بالصلاح والصبر، ثم يستعرض نسبها إلى أسرة الخطيب، إحدى أشهر الأسر العلمية في دمشق، ويعرض بإيجاز تاريخها وأبرز علمائها. ثم يورد قائمة واسعة بالأسر العلمية الدمشقية، مثل: آل العمادي، والحمزاوي، والكزبري، والغزي، والعطار، والشطي، والسيوطي، والخاني، والبيطار، والقاسمي، والأيوبي، والأسطواني، والباني، وغيرهم، مبيناً دورهم في الإفتاء والقضاء والتعليم وخدمة العلوم الشرعية.

  • تمهيد للحديث عن الثورة السورية: يشير إلى أنه كتب كثيراً عن الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي في مؤلفاته السابقة، ثم يلفت النظر إلى إهمال الأمة لأبطالها الحقيقيين، مستشهداً بالمجاهد حسن الخراط، الذي كان حارساً ليلياً ثم حمل السلاح دفاعاً عن وطنه في مواجهة الاحتلال الفرنسي، تمهيداً للحديث عن الثورة السورية وأبطالها في الفصول التالية.

يتناول النص فكرتين رئيستين: سنّة التداول في حياة الأفراد والأمم، ثم الثورة السورية الكبرى وأسبابها وبطولاتها.

ثم بيّن طنطاوي أن بوادر اليقظة بدأت بحركات التحرر في مصر والعراق والمغرب، ثم بلغت ذروتها في الثورة السورية الكبرى، التي امتدت نحو ثمانية عشر شهرًا، وتمكن فيها ثوار قليلو العدد والعدة، بإيمانهم وشجاعتهم، من إلحاق الهزائم بالحملات الفرنسية المتفوقة عسكريًا. ويستشهد بمعارك جسر تورا وببطولة حسن الخراط الذي استطاع دخول دمشق مع الثوار والسيطرة عليها أيامًا، قبل أن تقصفها القوات الفرنسية بالمدفعية، فتحرق أحياءها التاريخية، ومنها حي الحريقة، في مشهد يناقض ما كانت تدّعيه فرنسا من الحرية والعدالة.

ويرى طنطاوي أن سر انتصارات المسلمين عبر التاريخ لم يكن كثرة العدد والعدة، وإنما الإيمان الذي صنع انتصارات القادة المسلمين الأوائل، وجعل الإسلام ينتشر في بلاد واسعة، ويوحّد الشعوب تحت رابطة العقيدة.

ويذكر طنطاوي أن زيارة كراين الأمريكي وما تبعها من نفي عدد من الزعماء الوطنيين، مثل عبد الرحمن الشهبندر وحسن الحكيم وزكي الخطيب، إلى جزيرة أرواد، كانت من أوائل أسباب تصاعد المقاومة ضد الانتداب الفرنسي. وأدت خطب الجمعة في الجامع الأموي والمظاهرات الشعبية إلى أول مواجهة دامية مع القوات الفرنسية، فسقط خمسة شهداء كانوا أول شهداء دمشق بعد معركة معركة ميسلون.

ويذكر أن الشيخ محمد إسماعيل الخطيب شارك في تنظيم المقاومة، حيث كان يستحلف آلاف الرجال على نصرة الوطن، ومن بينهم حسن الخراط وكبار "الزكرتية" (فتوات الأحياء)، الذين كانوا معروفين بحماية الضعفاء والدفاع عن الناس. ثم تحولت احتفالات المولد النبوي في تلك السنة إلى مهرجانات وطنية رفعت فيها الأعلام العربية وشعارات الاستقلال، وألقى فيها الخطباء الوطنيون كلماتهم، فأصبحت وسيلة لتعبئة الجماهير ضد الاحتلال.

ثم يوضح أن "أحداث جبل الدروز" بدأت بقضية لجوء أدهم خنجر إلى دار سلطان باشا الأطرش، فلما اعتقله الفرنسيون ثار سلطان الأطرش دفاعًا عن حق الجوار، ثم اتسعت الحركة بعد دعم الوطنيين في دمشق، وأُعلنت الثورة السورية رسميًا، مع تعيين سلطان الأطرش قائدًا عامًا لها.

ثم تحدث عن أثر الثورة في مكتب عنبر، حيث كُلّف بإلقاء قصيدتي أحمد شوقي وخير الدين الزركلي أمام الطلاب، فألهبت القصيدتان مشاعرهم الوطنية. ويشيد بقصيدة شوقي «سلام من صبا بردى» لما تضمنته من معانٍ خالدة في الحرية والتضحية، ولا سيما البيت المشهور:

وللحرية الحمراء بابٌ … بكل يدٍ مضرجةٍ يُدقُّ

كما يثني على قصيدة الزركلي التي صوّرت مأساة دمشق وحماة بصدق فني، وجمعت بين جمال الأسلوب ودقة تصوير أحداث الثورة، مؤكدة أن الاحتلال هو الذي دمّر البلاد، وأن الظلم لا يدوم، وأن فجر الحرية لا بد أن يطلع مهما طال ليل الاستعمار.

ثم تحدث طنطاوي عن مرحلة مهمة في حياته، بدأت بالنجاح في امتحان البكالوريا ثم السفر إلى مصر، وقد بيّن الصعوبات التي واجهته وزملاءه في الدراسة؛ فقد فُرض عليهم نظام البكالوريا الفرنسي ومناهجه قبل الامتحان بوقت قصير، مما جعل نسبة النجاح منخفضة جداً، لكنه اجتهد حتى كان من الناجحين، وعدّ ذلك من أسعد أيام حياته. وعد نجاحه تلقى دعوة من خاله محب الدين الخطيب لمرافقة أخته إلى مصر بعد خطبتها، فاستقبل الخبر بمزيج من الفرح والخوف؛ إذ كانت مصر في نظره مركز العلم والثقافة والنهضة العربية، لكنه كان قلقاً من فراق أمه وتحمل مسؤولية أخته لأول مرة. كما  يروي تفاصيل رحلته بالقطار عبر حيفا ثم فلسطين إلى مصر، ويعبر عن تفضيله السفر بالقطار لما يتيحه من راحة وتأمل، كما يذكر ما واجهه من رهبة وقلة خبرة في السفر والإقامة بالفنادق.

ثم تحدث عن أول رؤية له للبحر، وما رافقها من شعور بالقلق والمسؤولية، ثم عن مروره بفلسطين، متحسراً على ضياعها بسبب التفرق والتخاذل الذي حدث من العرب. ويختم بتقديم نصيحة مستفادة من تجربته، وهي ضرورة تدوين الأفكار والمشاعر في وقتها؛ لأن الذكريات تتغير مع مرور الزمن، ولا يمكن استعادتها كما كانت، مؤكداً أن الإنسان يتغير كما تتغير الأماكن والأزمان، وأنه عندما رأى خاله في محطة باب الحديد شعر أخيراً بالأمان بعد عناء الرحلة.

ويشير طنطاوي إلى أن بعض المصلحين في مصر، مثل الشيخ محمد عبده ورشيد رضا، حاولوا تقريب الفكر الحديث من الإسلام باعتدال، بينما بالغ آخرون مثل السيد أحمد خان حتى اقتربوا من مخالفة أصول الإسلام، كما برز علماء جمعوا بين الثقافة الحديثة والعلوم الشرعية مثل محمد أحمد الغمراوي وأحمد حمدي الخياط.

كما يبرز تأثر بعض المثقفين العرب بالأفكار العلمانية التي برزت عقب الثورة الكمالية في تركيا، وظهور ذلك في مؤلفات مثل في "الشعر الجاهلي والإسلام وأصول الحكم"، وما سبقها من كتابات شبلي شميل وسلامة موسى، الأمر الذي مثّلتحديثاً فكرياً، أيقظ العلماء، فظهرت الردود العلمية، ومن أبرزها كتاب نقض كتاب الشعر الجاهلي للشيخ محمد الخضر حسين، وكانت هذه الظروف منطلقًا لظهور الدعوة الإسلامية المنظمة في مصر.

ثم تحدث طنطاوي عن عودته من مصر إلى دمشق، وقد حمل معه خبرات وتجارب أثّرت في شخصيته وفكره، ومن أبرزها اكتسابه مهارة الخطابة، وخبرة العمل الصحفي، وفكرة إنشاء الجمعيات الإسلامية. وكيف أنه عرض على مجموعة من التجار وطلبة العلم تحويل لقاءاتهم الاجتماعية إلى جمعية تخدم الدعوة إلى الله، فأنشئت جمعية الهداية الإسلامية، وأُعلن عنها رسميًا سنة 1930 بمحاضرة ألقاها الكاتب ونُشرت خلاصتها في الصحف.

ويروي دور الشيخ عبد القادر العاني في توجيهه ودعمه، ويصفه بالشجاعة في قول الحق، والزهد في الدنيا، والإخلاص في خدمة الناس، ويعدّه من أكثر الشخصيات تأثيرًا في حياته. ثم ينتقل إلى الحديث عن الاحتفال بالمولد النبوي، مبينًا اعتراضه على قراءة كتب الموالد الشائعة؛ لما تتضمنه – في رأيه – من روايات لا تثبت تاريخيًا وأحاديث غير صحيحة، وانتقاده لبعض الممارسات المصاحبة لها، كعادة القيام عند ذكر المولد. ولذلك اقترح أن يُستبدل ذلك بمحاضرة علمية عن سيرة النبي ﷺ، فكان أول احتفال نظّمته الجمعية يعتمد على المحاضرة والتثقيف، بدل الروايات والأناشيد، وطُبعت المحاضرة ووزعت على الحاضرين.

ويورد الكاتب مقتطفات من محاضرته في الاحتفال بالمولد النبوي، حيث صوّر حال العالم قبل بعثة النبي ﷺ من فساد أخلاقي وسياسي، وتفرّق العرب وضعفهم، ثم بيّن كيف غيّر الإسلام هذا الواقع، فوحّد العرب، ونشر العلم والعدل، وأخرج أمة قوية تحمل رسالة الهداية. وعند حديثه عن النبي ﷺ دعا الحاضرين إلى الوقوف شكرًا لله والصلاة عليه، مستخدمًا أسلوبًا خطابيًا مؤثرًا.

وأكد أن الغاية من الاحتفال ليست مجرد الذكرى، بل تجديد الإيمان، والتمسك بالقرآن، ونصرة الفضيلة والعدل، وبث الأمل في المسلمين بأن دين الله باقٍ ومنصور. كما دعا إلى وحدة المسلمين، ومواجهة الأفكار التي تُضعف الدين، محذرًا من تأثير بعض المناهج والبيئات التي تُبعد الشباب عن عقيدتهم، وحثّ على الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، مستشهدًا بدعاء النبي ﷺ يوم بدر.

ثم انتقل طنطاوي للحديث عن مرحلة جديدة من حياته، ما بين عامي (1929–1931)، ويصفها بأنها فترة تجارب واختيارات كوّنت مستقبله؛ فقد برز في الدعوة والخطابة والكتابة والتعليم، وجرّب المسرح والصحافة، ثم استمر في الدعوة والتعليم والكتابة، بينما ترك التجارة والمسرح.

ويذكر أنه عاد إلى مصر مرةً أخرى للدراسة، فالتقى بطه حسين وعبد الوهاب عزام، لكنه عدل عن الجامعة إلى دار العلوم؛ ليبقى قريبًا من خاله محب الدين الخطيب. وهناك تميز في الإلقاء والخطابة حتى أصبح أبرز الطلاب في هذا المجال، وعند عودته إلى دمشق، وبعد فوات موعد القبول الجامعي، اضطر إلى العمل في التعليم لإعالة أسرته. فبدأ التدريس في عدد من المدارس الأهلية، وكانت المدرسة الأمينية نقطة التحول الكبرى في حياته؛ ففيها اكتشف موهبته في التعليم والخطابة، وابتكر طريقته الخاصة في الإلقاء، ثم عمل بعد ذلك في مدارس أخرى، ودرّس الأدب العربي في "الكلية العلمية الوطنية"، وجمع بعض محاضراته في كتاب عن بشار بن برد، وإن كان يرى لاحقًا أن ذلك الكتاب لا يمثل نضجه العلمي والأدبي.

ثم يستغرق طنطاوي في حديثه عن بداية علاقته بالصحافة، وذلك سنة 1926 عندما نشر أول مقالة له في جريدة المقتبس، بعد تشجيع صديقه أنور العطار، رغم شدة خجله وبكورته. وقد أعجب أحمد كرد علي بالمقالة واختبر قدرته في الكتابة، ثم نشرها مع كلمة ثناء، فكانت فرحته بهذا النشر من أعظم أفراح حياته. ويؤكد أن لذة البدايات لا تتكرر، فمع أنه كتب بعد ذلك آلاف المقالات، لم يشعر بفرحة تضاهي فرحة نشر مقالته الأولى.

ثم عاد إلى احتراف الصحافة مرةً أخرى سنة 1930، ويصفها بأنها أحب المهن إلى نفسه، لكنه يرى أن نجاحها لا يكون إلا مع الحرية الكاملة في التحرير والكتابة، ووجود مساعدين أكفاء، ولا سيما مصححين لغويين أمناء، لأن أخطاء التصحيح قد تفسد النصوص.

كما يذكر مشاركته في تحرير مجلتي الفتح والزهراء في مصر بدعوة من خاله محب الدين الخطيب. وكانت "الفتح" من أبرز الصحف الإسلامية المؤثرة في قضايا المسلمين، بينما كانت "الزهراء" تعاني أزمة مالية انتهت بتوقفها. وبعد عودته إلى دمشق عمل في جريدة "فتى العرب" مع الأديب معروف الأرناؤوط، فاستفاد كثيرًا من أدبه، وإن لم يحصل على أجره كاملاً.

وقد رسم طنطاوي صورة أدبية ونقدية لمعروف الأرناؤوط؛ فيصفه بأنه أديب موهوب واسع الخيال، بارع في التصوير الأدبي، لكنه كان شديد الغضب، سيئ اللسان، ضعيف المعرفة ببعض جوانب التاريخ العربي، يعتمد أحيانًا على معلومات غير دقيقة، مع إيمانه الصادق وحماسه لقضايا المسلمين. ويستطرد قليلاً ليصف واقع الصحافة في دمشق آنذاك، من قلة الإمكانات، واعتماد الصحف على وكالات الأنباء أو حتى على اختلاق بعض الأخبار لسد الفراغ في الصفحات، ويورد طرائف معروفة عن معروف الأرناؤوط، منها: اختلاقه معاهدة صلح في الحرب الأفغانية، حتى تناقلتها صحف أجنبية على أنها خبر صحيح.

ويذكر بعض مواقف "معروف" الساخرة مع المسؤولين، وفساد بعض الصحفيين الذين كانوا يقبضون المال مقابل تأييد الحكام. ويختم بذكر أنه قضى مع معروف خمسة أشهر استفاد فيها من خبرته الأدبية، وظل محافظًا على مبادئه واستقامته، ثم يروي حادثة حضوره مجلسًا لأمير الشعراء أحمد شوقي، حيث كسر أواني الخمر احتجاجًا على وجودها، تعبيرًا عن تمسكه بقيمه وعدم مجاملته فيما يراه منكرًا.

وكان طنطاوي يكتب مقالًا يوميًا، وأحيانًا افتتاحية المجلة أو الجريدة، حتى تجاوزت مقالاته 140 مقالًا، ضاع معظمها، لكنه بقي راضيًا عن أسلوبها وأفكارها. ومن أشهر مقالاته «إلى مجلس المعارف الكبير»، التي انتقد فيها سياسة التعليم بجرأة، حتى دفعت مستشار المعارف الفرنسي إلى زيارة الجريدة لمناقشته.

ويؤكد طنطاوي أنه كان من أشد معارضي الاحتلال الفرنسي، كتابةً وخطابةً، وأنه لم يجامل سلطات الانتداب قط، لكنه يعترف بأن الصحافة في عهد الفرنسيين كانت تتمتع بحرية قانونية أوسع من كثير من المراحل اللاحقة، إذ كانت الحكومة لا تستطيع معاقبة الصحف إلا عبر القضاء.

وقد انتقد سياسة الانتداب في التعليم، ويرى أنها استهدفت إضعاف الدين واللغة العربية؛ إذ جُمعت علوم الشريعة في مادة واحدة قليلة الساعات، وجُمعت فروع العربية في مادة واحدة، ولم يعد النجاح فيهما شرطًا للتفوق الدراسي. وقد استهل طنطاوي كلامه على ضياع التعليم -بقصة «الدرس الأخير» للكاتب ألفونس دوده، وجعلها رمزًا للتحذير من ضياع اللغة العربية كما ضاعت الفرنسية في الألزاس بعد الاحتلال الألماني.

وقد دعا طنطاوي في مقالته أعضاء مجلس المعارف إلى الدفاع عن الدين واللغة العربية، وانتقد المناهج التي تعطي تاريخ فرنسا ولغتها مكانة أكبر من التاريخ الإسلامي والعربي، كما رفض تعليم الأطفال لغة أجنبية قبل إتقان لغتهم الأم. وبالرغم من إثارة مقالاته للرأي العام، لكن الإصلاحات المرجوة لم تتحقق.

كما يذكر أيضًا مقالته «مسألة الأقليات»، التي رد فيها على آراء فايز الخوري، كما كتب سلسلة أدبية بعنوان «شعراؤنا المنسيون»، ورواية عن "حسن الخراط" في مجلة «الناقد»، لم تكتمل بسبب تدخل سلطات الانتداب. ويختم بتمييزه بين الأدباء الذين احترفوا الصحافة، مثل "معروف الأرناؤوط"، والعلماء الذين كتبوا فيها، مثل محمد كرد علي، ومحب الدين الخطيب، ممهدًا للحديث عن محمد كرد بعد ذلك.

ويصف محمد كرد علي بأنه أستاذ جيل كامل من كتّاب الشام، وأنه رائد النثر الحديث فيها، وقد امتاز بأسلوب واضح سهل، حتى فضّل عبارته على عبارة عبد الحميد الكاتب من حيث الذوق الأدبي، والأسلوب الواضح المباشر، ويمثله ابن المقفع، وسار على نفس النهج محمد كرد علي وشكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب وأحمد أمين، وتميّز أيضاً بأسلوبه الاستطرادي الممتع، ويمثله الجاحظ. ثم اهتمامه بزخرفة العبارة، ويمثله ابن العميد.ثم عنايته بالألفاظ عنايته بالمعاني، ويمثله الصاحب بن عباد والقاضي الفاضل، وبلغ ذروته في «مقامات الحريري».

ويرى طنطاوي أن أعظم كتّاب العربية هم: الجاحظ، وأبو حيان التوحيدي، والغزالي، وابن عربي (من الناحية الأدبية)، وابن خلدون، لما امتازوا به من عمق الفكر وقوة التعبير. كما يمتدح نموذج النثر السهل الممتنع، ويستشهد بكلام "ابن السماك" في "رثاء داود الطائي"، مع تنبيهه إلى أن بعض صور الزهد الواردة فيه ليست من الزهد المشروع في الإسلام.

وفي باب الشعر يرى محمود سامي البارودي كفؤاً لمحمد كرد علي الذي امتاز بالنثر، فكلاهما قاد نهضة أدبية رغم عدم تخصصه الأكاديمي العميق في علوم اللغة. وقد أشاد أيضاً بالأديب أحمد شاكر الكرمي، ورأى أنه من رواد النقد الأدبي والتعريف بالآداب الأجنبية، وأنه لم ينل ما يستحقه من التقدير.

ثم تحدث طنطاوي عن عمله في جريدة «ألف باء» مع يوسف العيسى، حيث كان يكتب مقالات عن الأفلام السينمائية تجمع بين تلخيص القصة والنقد والعبرة الأخلاقية، رغم أنه لم يكن من رواد السينما، وإنما كان يحضرها لأداء عمله. وأتبع ذلك بالحديث عن صدور أول مؤلفاته «رسائل الإصلاح» سنة 1348هـ، ويصف أثره بأنه أحدث حراكًا فكريًا في مجتمع كان يعاني انفصالًا بين علماء الشريعة وطلاب المدارس الحديثة.

ويرى طنطاوي أن من أبرز إنجازات تلك المرحلة: نشوء جيل جمع بين التعليم النظامي والدراسة على العلماء، وقد عدَّ طنطاوي نفسه والشيخ مصطفى الزرقا من أوائل من مهدوا لهذا الاتجاه، الذي أصبح بعد ذلك أساسًا لعدد كبير من الدعاة والمفكرين.

ويذكر طنطاوي تأثره بدراسة علوم الفلسفة وعلم النفس والمنطق، ويرى أن هذه الدراسة أثرت تكوينه الفكري، واستفاد منها لاحقًا في كتابه «تعريف عام بدين الإسلام»، نافيًا أن يكون قد نقل أفكاره من مؤلفات متأخرة كما زعم بعض النقاد. ويعجب من أنه ألّف هذا الكتاب وهو في الحادية والعشرين من عمره، ويرى أنها تدل على نضج مبكر، ويذكر أنها كتبت في جلسة واحدة.

وقد افتتح طنطاوي رسائله بدعاء يطلب فيه نهضة الأمة ووحدتها، وبيّن أن غايته ليست إظهار علمه، وإنما تنبيه المسلمين إلى أسباب ضعفهم. ثم تناول في القسم الأول: قضايا فلسفية وعقدية، فأكد أن الإيمان بالله فطرة إنسانية، وأن العقل والوحي لا يتعارضان، وأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان لثبات أصوله ومرونة فروعه، مع مناقشة بعض النظريات الفلسفية الغربية ونقدها. وانتقد ابتعاد كثير من العلماء عن علوم العصر، كما هاجم ما رآه من ممارسات صوفية لا أصل لها، وانتقد التعصب المذهبي، سواء عند بعض المنتسبين إلى السلفية أو عند المقلدين الجامدين، ودعا إلى الرجوع إلى القرآن والسنة بفهم صحيح.

ثم خصص جانبًا من رسائله لإصلاح الخطابة الدينية، فانتقد ضعف كثير من الخطباء واعتمادهم السجع المتكلف وسوء الإلقاء، ورأى أن المنابر تحتاج إلى خطباء أكفاء. كما وجه نقدًا شديدًا لإدارة الأوقاف بسبب الإهمال والفساد الإداري، وضرب مثالًا بنفسه، إذ كان يتقاضى راتبًا على قراءة جزء من القرآن في أحد المساجد بعد وفاة والده دون أن يؤدي هذا العمل، مبينًا أن هذا الخلل تتحمل مسؤوليته الإدارة، وقد توقع أن يؤدي نشر هذا الكلام إلى عزله وقطع راتبه، لكنه لم يندم على ما كتب.

ويظهر من مجمل رسائله «سيف الإسلام» أن الهدف الرئيس كان الدعوة إلى إصلاح الفكر الديني، وربط الدين بالعلم، ومحاربة الجمود، والنهوض بالأمة مع المحافظة على أصول الإسلام. كما انتقد المناهج التقليدية القائمة على المتون والشروح والحواشي المعقدة، ورأى أنها أبعدت العلم عن البيان والوضوح، وقارنها بكتب الأئمة الأوائل التي تمتاز بسلامة الأسلوب وقوة العرض.

وتعرض طنطاوي بسبب ذلك لهجوم شديد من الخطباء وبعض العلماء، حتى خصص الشيخ أحمد الصابوني كتاباً بعنوان «الإفصاح عن رسائل الإصلاح» للرد عليه، لكنه يذكر أنه لم يحمل عليه حقداً، وأنه تعلّم ألا يرد على كل من يهاجمه. كما أنه ظل طوال حياته يخوض معركتين: ضد الجمود الديني، وضد الإلحاد والانحلال الفكري. وقد طُبعت رسائل «سيف الإسلام»كلها على نفقة أهل الخير، ووزعت مجاناً دون أن يأخذ منها شيئاً.

وكان أبرز موضوعات الرسائل:

  • مقاومة الإلحاد والانحلال.

  • الدعوة إلى الله.

  • الصلاة وأسرارها.

  • قضية الظهير البربري في المغرب.

  • لماذا أنا مسلم؟

  • خطر الشيوعية.

  • الأدب القومي.

  • كشف مدّعي المهدية وغير ذلك.

وعلى الرغم من أن هذه الرسائل كان لها أثرها وانتشارها الواسع، لكن معظمها فُقد ولم يُجمع في كتاب.

ولما ظهر أمر الطنطاوي من خلال رسائله الإصلاحية، انقض عليه منتقدوه؛ فعابوا عليه ظهوره بالبدلة الأوروبية وعدوها تشبهاً بغير المسلمين، وقد رد الطنطاوي على رسالة ألفت في هذا الأمر، وأوضح أن الإسلام لا يفرض زياً معيناً، وإنما يشترط في اللباس:

  • ستر العورة.

  • ألا يكون شفافاً أو ضيقاً.

  • ألا يكون شعاراً خاصاً بغير المسلمين.

  • ألا يكون لباس شهرة أو حريراً للرجل.

  • كما استشهد بحال النبي ﷺ، إذ لم يكن له لباس مميز عن أصحابه.

ثم يناقش الشيخ طنطاوي الفرق بين صورته القديمة وحاله في الشيخوخة، مستعملاً أسلوبه الفلسفي المميز، متسائلاً: هل ذلك الشاب هو الشخص نفسه أم شخص آخر؟ ويجعل من هذا التأمل مدخلاً للحديث عن تغيّر الإنسان مع الزمن وحدود إدراك العقل.

كما يرد طنطاوي على رسالة أخرى اتهمته بأنه يبالغ في تصوير شهرته ونشاطه العلمي في شبابه، وقد ردّ هذه التهمة عن نفسه، مؤكداً أن ما ذكره من نشاطه وتأثيره كان حقيقة تشهد بها الصحف والمجلات في ذلك العصر. وقد أوضح أنه لا يحب التفاخر، لكنه اضطر للدفاع عن نفسه، ويذكر أنه سيورد شهادة من الأديب الكبير أحمد حسن الزيات تؤكد مكانته الأدبية في شبابه.

فبدأ بذكر كلمةٍ كتبها أحمد حسن الزيات في تقديم كتاب الطنطاوي «أبو بكر الصديق»، أثنى فيها على ثقافته الواسعة، وإسهامه في النهضة الفكرية والدينية، ودوره في قيادة الشباب والإصلاح. وبالطبع فإن هذا الثناء لم يكن مبالغة، فقد ترأس اللجنة العليا لطلاب سوريا في الفترة ما بين 1929 و1931.

ثم انتقل طنطاوي إلى الحديث عن الحرب على لبنان، فيندد بشدة بما ارتكبته إسرائيل من قتل ودمار، ويوجه نقدًا لاذعًا للدول الغربية بسبب دعمها لإسرائيل وصمتها عن معاناة المدنيين، مع استخدامه عبارات انفعالية وحادة جدًا في وصف قادة إسرائيل آنذاك. ويختم كلامه بالدعاء على الظالمين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون﴾، مؤكدًا أن العدالة الإلهية آتية لا محالة.

ثم يتناول مقالاً بعنوان: «في المقاومة الوطنية»، يبين فيه أنه عاد إلى الكتابة بعد اعتزال طويل، إذ كان قد ترك قلمه ظانًّا أنه لن يعود إليه، حتى أقنعه أحد تلامذته وأصدقائه بتدوين ذكرياته، فبدأ كتابتها دون خطة مسبقة، فإذا بها تمتد إلى أربعين حلقة- وهو لا يزال يروي أحداث سنة 1931، مؤكدًا أن قلمه كان سلاحه في معارك الفكر والإصلاح. وقد أشار فيه إلى عدد من أعماله البارزة، منها: مقال «مسألة الأقليات» ردًا على فايز الخوري، وسلسلة «شعراؤنا المنسيون»، وروايته التاريخية عن "حسن الخراط" التي نُشرت في مجلة «الناقد» ثم منعتها سلطات الانتداب، قبل أن يجمع بداياتها في كتاب «الهيثميات».

ثم يختتم بتصنيف الصحفيين في جيله (نحو عام 1930) إلى فئات، منهم: الأدباء الذين عملوا في الصحافة، والعلماء الذين مارسوا الكتابة الصحفية، ويذكر أسماءً بارزة مثل "معروف الأرناؤوط، وأحمد شاكر الكرمي، ومحمد كرد علي، وعارف النكدي، ومحب الدين الخطيب"

ثم يروي طنطاوي انتقاله للعمل في جريدة «الأيام» عام 1931، التي عدّها نقلة نوعية في الصحافة السورية، إذ كانت مستقلة وجريئة وتضم نخبة من الكتّاب. ويوضح أنه عُيّن مديرًا للتحرير فيها- وهو في الثالثة والعشرين من عمره، فتولى تحرير الأخبار والإشراف على المواد الصحفية، وعمل بحماس كبير، معتبرًا إدارة الجريدة أشبه بقيادة معركة، مع وجود اختلافات فكرية واسعة بين العاملين فيها من إسلاميين وقوميين وشيوعيين.

ثم يركز على شخصية رئيس تحريرها "عارف النكدي"، ويقدّمه بوصفه رجلًا استثنائيًا جمع الاستقامة والجرأة، وثبات المبدأ مهما تغيّرت المناصب التي شغلها (في العدل والشرطة والإدارة)، مع إشادة بنزاهته وقوة شخصيته وحرصه على الحق. كما يذكر فترة توليه الشرطة وإصلاحه للسلوك العام بحزم، مع التشديد على الأخلاق العامة، ويؤكد أنه كان نزيهًا منصفاً، رغم (كونه درزيًا). وأن اختلاف الدين لا يمنع الثناء المنصف، ويستشهد بأمثلة على شخصيات درزية مثل "شكيب أرسلان" الذي دافع عن الإسلام وبرز في الفكر والسياسة.

 ثم ينتقل إلى حديث اجتماعي نقدي حول مسؤولية الفتيات والشباب في الانحراف، وانتقاده لوسائل “التعارف” في المجلات وما تسببه من انفتاح غير منضبط، داعيًا إلى الحشمة والضوابط الأخلاقية، ومشيرًا إلى ازدواجية المجتمع في الحكم على الذكور والإناث في قضايا الخطأ الأخلاقي.

ثم ينتقل طنطاوي في خطابه إلى كونه وعظي اجتماعي، حول الحجاب والعلاقات خارج الزواج؛ فدعا الفتيات إلى التمسك بالستر وعدم الانخداع بخطاب “التكشّف والاختلاط”، محذرًا من استغلال الشاب لعواطف الفتاة، ومصورًا العلاقة غير المنضبطة على أنها إغراء ينتهي بالتخلي والندم، بينما الزواج هو الضمان الوحيد. ويقدّم مقارنة حادة بين حب الشاب الذي يراه مؤقتًا “خطف لذة”، وحب الفتاة الذي يراه ممتدّ الأثر ومسؤولًا. ويؤكد أن كثيرًا من دعاة الاختلاط لا يلتزمون به في بيوتهم.

ثم ينتقل إلى الصحافة والأدب ححيث يمتدح جريدة “الأيام” ويعتبرها علامة صدق ووضوح في الصحافة العربية، ويشيد بأسلوب افتتاحياتها الأدبية. ويقارن مقالة لها بقصيدة الشاعر الفرنسي فيكتور هوجو حول فكرة أن “المستقبل لله”.

ثم يوضح طنطاوي أن الأزمة ليست في نقص مال، بل في نقص الثقة في القائمين على العمل الخيري، حيث تتكرر حالات الاستغلال والنصب والاحتيال، ويحول جمع المال إلى قنوات كاذبة ومضللة، لكن الناس إذا وثقوا بالمشروع أقبلوا على التبرع بسخاء، ويشير إلى دور عارف النكدي في استعادة هذه الثقة من خلال مشروع “أطفال الصحراء” الذي كان يهدف إلى مساعدة أبناء الثوار السوريين الذين لجؤوا إلى الصحراء بعد فشل الثورة.

كما يعرض طنطاوي لآثار الاحتلال الفرنسي، وخاصة تقسيم سوريا إلى كيانات سياسية متعددة (دمشق، حلب، لبنان الكبير، الدروز، العلويون)، ويرى أن هذا التقسيم كان هدفه تفكيك وحدة الأمة وإضعافها. كما يذكر القضايا الوطنية التي رافقت ذلك مثل لواء الإسكندرون وفلسطين، مع نقد حاد للواقع السياسي العربي في التعامل مع هذه الملفات.

ويُقارن طنطاوي بين الديمقراطية البرلمانية، القائمة على “حكم الأكثرية” حتى لو كانت غير مؤهلة، في مقابل ما يراه “الديموقراطية المبصرة” في الإسلام القائمة على أهل الحل والعقد من العلماء وأهل الخبرة والأمانة. ويرى أن الانتخابات الحديثة تهدر الكفاءة وتساوي بين العالم والجاهل، ويضرب أمثلة مبالغًا فيها لتوضيح اعتراضه على خضوع القرارات للأغلبية العددية فقط. ولذلك فهو يدعو إلى نظام يقوم على اختيار النخبة الصالحة (العلماء، الوجهاء، أهل الخبرة) بدل الانتخابات العامة، ويرى أن ذلك أقرب للعدل والحكمة من النظام البرلماني الغربي.

ثم يُشير إلى الجمعية التأسيسية السورية عام 1928 التي وضعت الدستور، مع نقده لكونه مستوردًا من النظم الغربية ولم يراعِ المرجعية الإسلامية كما يراها الكاتب، خاصة فيما يتعلق بوحدة الأمة والشريعة.

بعد ذلك ينتقل إلى محور عاطفي شديد التأثير، يتعلق بمكانة الأم والأب. حيث يصف الأم بأنها مصدر الحنان والتضحية المطلقة، تحملت الألم في الحمل والولادة، ثم كرّست حياتها لرعاية أبنائها، ويؤكد أن حبها لا يرتبط بمصلحة أو ظرف، بل هو حب فطري دائم. ويجعل احترامها وطاعتها طريقًا للنجاة الأخلاقية والروحية. ثم يصف الأب بأنه رمز الجهد والتضحية في توفير الحياة، ويقارن بين عطف الأم وجهد الأب، ويؤكد أن كليهما يستحق الوفاء والبر.

بعد ذلك ينتقل إلى تجربته الشخصية مع الفقد، فيذكر موت أمه كأقسى حدث في حياته، ثم يشير إلى مأساة لاحقة بفقد ابنته في حادث قتل بألمانيا، موضحًا أن ألم فقد الابنة كان أشد من ألم فقد الأم، لكنه لا يستطيع الكتابة عنه.

ويتحدث طنطاوي عن تأثيره في تربية إخوته، فيرى أن أخاه ناجي تأثر بتربية الأب وبإشرافه، فأصبح قاضيًا وأديبًا، وأن عبد الغني أصبح عالمًا بارزًا في الرياضيات ونال شهرة علمية في باريس، بينما تولى هو -يعني طنطاوي- توجيه باقي الإخوة. ويؤكد أن الفضل في نجاحهم يعود إلى الله ثم إلى الجهود المشتركة داخل الأسرة. ويعرض فكرة أن البشر يختلفون في الوفاء وحفظ الجميل، وأنه يرجو أن لا يضيع عمله عند الله حتى لو جحده بعض الناس.

ويروي أن أمه عاشت بعد وفاة أبيه سبع سنوات مليئة بالتعب والمعاناة، دون ترف أو راحة، حيث تكفلت بكل شؤون البيت وحدها: الطبخ، الخياطة، الترتيب، وتربية الأطفال في ظروف صعبة وقلة ذات اليد. ويبرز دورها كأم وأب في آن واحد، تحملت المسؤولية كاملة دون خدم أو مساعدة.

ثم يصف الحياة المنزلية في الماضي، ويقدّم مقارنة واسعة بين حياة النساء قديمًا وحاضرًا، فيصف الجهد الكبير الذي كانت تبذله المرأة في إعداد الطعام وحفظه (كالخضار المجففة والمخللات والمربيات)، وغسل الملابس يدويًا، وصناعة الطعام والحلويات، ورعاية الأطفال دون أدوات حديثة أو خدم. ويشير إلى أن النساء اليوم يملكن وسائل الراحة والأجهزة الحديثة، ومع ذلك يكثر الشكوى، متسائلًا عن سبب هذا التغير: هل هو ضعف في التحمل أم تغير في نمط الحياة؟

ويستطرد طنطاوي في الحديث؛ ليخبرنا عن أصول أمه وأبيها الشيخ أبي الفتح الخطيب، وزهده وعدله، ثم يصف نشأة أمه في بيئة صارمة يغلب عليها الجِدّ والانضباط، حيث تولت تربيتها أختها القوية الحازمة بعد وفاة جدها، مما أكسبها شخصية قوية وصبورة. ثم يروي زواج أمه وانتقالها إلى بيت زوجها، حيث لم تجد رفاهية أو حياة مترفة، بل حملت مسؤولية الأسرة كاملة، خاصة بعد وفاة أبيه، إذ أصبحت هي المعيل الحقيقي، فربّت أبناءها، واهتمت بشؤون البيت، وعملت بيدها كل ما يلزم دون خدم أو وسائل راحة حديثة.

ويتحدث طنطاوي عن حيّ “شارع بغداد” في دمشق قبل التوسع العمراني الحديث، حين كان شبه خالٍ من المباني ويحيط به البساتين، مع وجود بعض الحارات والمقاهي الشعبية مثل “قهوة ديب الشيخ”. ويعرض صورة عن “الزكرتية” في الحارات، وهم رجال حماية اجتماعية عرفوا بالشجاعة وحفظ النظام والدفاع عن أهل الحي، ويقارنهم بشخصيات شعبية شبيهة في الثقافة الغربية.

ثم يصف الغوطة وجمالها الطبيعي بأسلوب أدبي شاعري، ويبرز علاقتها بدمشق كمصدر حياة وجمال. وينتقل بعدها إلى الحديث عن “القهوة” كمكان اجتماعي يجتمع فيه الناس، ويقام فيه أحيانًا حتى الصلاة، وكذلك كان يُستخدم لعقد اجتماعات الطلبة والنشاط السياسي، ومنها تنظيم المظاهرات، مع ذكر تدخل الشرطة أحيانًا بطريقة ودية أو مضطرة.

بعد ذلك يروي قصة “أبو عجاج”، وهو رجل من عامة الناس انخرط في الحركة الدينية ثم دخل سلك الشرطة بعد موقف طريف مع وزير الداخلية، حيث حلق لحيته مقابل وعد بوظيفة ثم اضطر للضغط على الوزير حتى نالها. وتُعرض القصة بروح ساخرة لتبيان طبيعة العلاقات والظروف في تلك الفترة.

ثم انتقل إلى حدث آخر في السنة نفسها، 1931: “الدعوة إلى العقال”، ويُعبّر ذلك عن نقاش اجتماعي حول تغيير اللباس التقليدي (الطربوش) واستبداله، في إطار صراع ثقافي بين التقليد والتحديث. ويعرض خلفية تاريخية ساخرة عن عيوب الطربوش، وحملة في العالم العربي لتغييره، مع آراء معارضة من شخصيات سياسية وفكرية ترى في ذلك مساساً بالهوية.

ثم ينتقل إلى وصف الواقع في الشام حيث بدأ الفرنسيون – بحسبه – الترويج تدريجياً للقبعات في المدارس والدوائر ضمن تأثير ثقافي “استعماري”، ما أثار ردود فعل وطنية وإسلامية. وفي هذا السياق كتب منشوراً يدعو فيه الشباب إلى ترك الطربوش واتخاذ العقال، متأثراً بخطاب زعيم هندي مسلم دعا للتمسك بالهوية الإسلامية والزي الوطني.

ثم ينقلنا طنطاوي إلى ذكرياته عن كلية الحقوق في دمشق، أثناء دراسته فيها ما بين سنة 1931–1933، فيذكر التحاقه بها، ونظام القبول آنذاك، وتأخره بسبب السفر وتبدّل الظروف السياسية، ومقارنته بينه وبين زملائه. ويصف مواد الدراسة المتعددة في الكلية (القانون الدستوري، المدني، الجزائي، الروماني، التجاري، أصول الفقه، اللغات…)، ويعرض صورة واسعة عن المناهج القانونية آنذاك، وتأثرها بالأنظمة الفرنسية والعثمانية.

ثم يستعرض نماذج من أساتذته في الكلية، فيذكر علماء بارزين في الطب والحقوق والفقه، مثل أطباء ومفكرين شاركوا في وضع المصطلحات العربية الطبية والقانونية، ويثني على مكانة كلية الطب والحقوق في دمشق ودورهما العلمي. كما يقدم نقداً عاماً للعلوم التقليدية في تلك الفترة، معتبراً أنها أصبحت تعتمد على الحفظ والنقل أكثر من الابتكار، ويقارن بين تطور العلوم في عصور الازدهار ثم ركودها في العصور المتأخرة، خصوصاً في الفقه والنحو والبلاغة.

ويختم بالحديث عن بعض شيوخه مثل الشيخ أبو اليسر عابدين، الذي جمع بين التدريس والطب والبحث والتأليف، ويقدمه نموذجاً للعالِم الموسوعي في ذلك العصر، إلى جانب أساتذة آخرين في القانون والفقه مثل فارس الخوري وسعيد المحاسني وستيف،كان لهم أثر كبير في تكوينه العلمي.

ثم ينتقل إلى الحديث عن وضعه كطالب، مبينًا أنه كان يعيش ضغط الجمع بين الدراسة والعمل في التدريس والصحافة والخطابة والنشاطات الاجتماعية، مما جعل حياته مرهقة ومليئة بالتشتت. كما يروي تجربة شخصية مؤثرة في التدريس الخصوصي، حين كُلّف بإعطاء درس لطالبة شابة، فوجد نفسه في صراع نفسي بين حاجته للمال وخوفه من الوقوع في الفتنة، حتى انتهى به الأمر إلى إنهاء الدرس والهروب من الموقف.

ثم ينتقل للحديث عن تجربته مع الصحافة والهجوم عليه بسبب مواقفه الفكرية، خصوصًا ما قيل عن “الوطنية والطائفية”، لكنه يبيّن أنه لم يكن يتأثر بالحملات الإعلامية، وأنه كان ثابتًا على موقفه في تقديم الدين على المجاملات السياسية، مع احترامه العلمي للآخرين.

ثم يقدّم طنطاوي عرضًا وجيزاً لكتابين للشيخ سعيد الباني، يبيّن فيهما أنه وضع مقدمات علمية واسعة ومفيدة تناولت قضايا أصولية وفقهية وفكرية مهمة مثل الاجتهاد والتقليد وتوحيد المذاهب، وأحكام الشريعة وتصرفات النبي ﷺ، مع تأكيد أن هذه المعالجات كانت متقدمة ويمكن أن تُعدّ مرجعًا مهمًا للشباب والباحثين.

ثم ينتقل إلى وصف رحلته من دمشق إلى سَلَمْيَة سنة 1932، بما فيها من مشاهد الطرق والقرى والمعالم التاريخية، وطبيعة السفر في ذلك الزمن، وما كان يحمله من كتب وقلق وتوقعات. ويعرض صورة سَلَمْيَة عند وصوله إليها: بلدة مرتبطة عنده بذكريات دراسته السابقة، لكنها بدت شبه خالية بعد تراجع مؤسساتها التعليمية، مما ولّد لديه شعورًا بالخيبة والفراغ.

ويستعرض طنطاوي تأملاته حول مفهوم الطرب والذاكرة والموسيقى، موضحًا أن الطرب الحقيقي ليس مجرد إعجاب بالأغنية، بل هو إحساس مرتبط بالذكريات والمكان والمشاعر التي صاحبت سماعها أول مرة. ويقارن بين الأغاني المصنفة كـ«فولكلور» مثل العتابا والأبوذية، وبين أغانٍ مشهورة ذات مؤلف معروف لكنها انتشرت حتى صارت قريبة من الفولكلور.

ثم يذكر أنه لم يبق في ذاكرته من أغنية لأم كلثوم إلا كلمات متفرقة، وأنه لم يشأ البحث عنها حتى لا يفسد الصورة الذهنية الجميلة التي بقيت في ذاكرته عنها. ويؤكد أن ذاكرته الموسيقية قوية من حيث حفظ الألحان وتمييزها، ويورد مثالًا على خلاف حول نسب بعض الألحان، حيث يرى أن بعض ما يُنسب حديثًا إلى ملحنين هو في الحقيقة أقدم مما يُقال.

وفي صباح الخروج من سلمية (1932)، استُقبل في الطريق بكرم البدو ومرّ بتجارب متعددة في السفر: ضيافة القهوة، مشاهد الصحراء، ثم خطر الطريق بسبب نعاس السائق ليلاً، قبل أن يصل أخيرًا إلى دمشق بسلام.ويعقد مقارنة شعورية بين سلمية ودمشق؛ فقد كان يشتكي في سلمية من السكون والفراغ، لكنه حين عاد إلى دمشق عاد إلى حياة الصخب والنشاط (سياسة، تعليم، صحافة، وجمعيات علمية ودينية)، ليؤكد أن لكل مكان أثره النفسي؛ فالوحدة توجع، لكن الضجيج أيضًا مرهق، وأن الإنسان يحنّ إلى الأماكن بحسب حالته النفسية لا بحسب جمالها المادي.

ويعرض طنطاوي أيضاً صورًا من شعر حافظ طوقان في تمجيد الزعماء مثل مصطفى كامل، وكيف كان شعره مليئًا بالحماسة والتجسيد والتفاعل الوجداني. كما تحدث عن وسائل النقل القديمة (سيارات فورد الصغيرة) بين دمشق والغوطة، مبينًا بساطتها وبطء حركتها مقارنة بالسيارات الحديثة، مع الإشارة إلى الحياة البسيطة آنذاك.

ثم يتحدث بإسهاب عن الأستاذ عزّ الدين التنوخي ومجموعة من الشخصيات العلمية والأدبية التي ظهرت في زمنه، مع إبراز قيمة إنتاجهم العلمي وخصائصهم الشخصية، وكان يصفه بأحد العلماء في البلاغة والعَروض، ومؤسسًا وأحد المساهمين في بناء المجمع العلمي بدمشق، وله مؤلفات نافعة مثل شرحه لـ«الإيضاح» وكتاب «إحياء العَروض». كما يثني على تواضعه وحسن معاشرته وسهولة طبعه، ويقارنه في صفاء النفس بعلماء مثل عبد الوهاب عزام.

ثم ينتقل إلى ذكر عدد من الشخصيات في الصورة أو في سياق الحديث، مثل: سعيد البحرة أستاذ الفلسفة. وكامل الكيلاني رائد أدب الأطفال، مع نقده لبعض ما في قصصه من عناصر خيالية (كالجن والعفاريت) رغم الإقرار بفضله الأدبي. والصافي النجفي الشاعر المتفرغ للشعر، مع الإشارة إلى كثرة شعره وقوة تصويره مقابل ضعف عمقه الفني أحيانًا. وفايز سلامة الشاعر الاجتماعي المحلي.

ثم ينتقل إلى بداية فصل جديد من الذكريات بعنوان “في مدرسة سقبا”، حيث يصف انتقاله للعمل في قرية سقبا في الغوطة، وحياته اليومية كمعلم، وطبيعة الطريق والبساتين، ونظام القرى، وتأملاته في التعليم والتربية، خاصة أهمية المعلم الصالح دينيًا وأخلاقيًا، ودوره في تشكيل وعي التلاميذ. ويعرض تجربة إدارية وتربوية عملية، حين تولّى إدارة مدرسة فيها أكثر من مئة طالب، فحاول أن يجمع بين التعليم النظامي والتربية الإيمانية والأخلاقية، مع التركيز على غرس الاستقامة، والصدق، والجرأة في الحق، والتحرر من الخوف من البشر.

ثم يذكر طنطاوي تأثره بكتاب “التربية الحديثة” لإدمون ديمولان، وذلك من خلال تطبيقه لفكرة إشراك الطلاب في العمل بدل التلقين، فكلّفهم بنظافة المدرسة وزراعة الأشجار، فتحولت المدرسة إلى نموذج ناجح. وكان يعيش حياة بسيطة جدًا ويأكل طعامًا متواضعًا، ويشارك طلابه فيه. كما نظم رحلات ونشاطات رياضية وزيارات للقرى، وطبّق أسلوب التعليم العملي والتعاون بين الطلاب، فنجح في خلق بيئة تعليمية نشيطة ومتماسكة.

ثم انتقل طنطاوي إلى نشاطه الصحفي والسياسي، حيث يكتب مقالات قوية مبكرة عن خطر المشروع الصهيوني في فلسطين، محذرًا من ضياعها بسبب التهاون العربي. ويدعو الأدباء والناس إلى التحرك، وإلى دعم القضية بالمال والعمل والوحدة والعودة إلى الله. ويؤكد أن الأدب يجب أن يكون أداة نهوض لا ترفًا، وأن فلسطين قضية وجود لا قضية عاطفة، محذرًا من أن العرب قد يصبحون “غرباء في أرضهم” إن لم يتحركوا.

كما يؤكد أن فلسطين ليست قضية قومية فقط بل قضية إسلامية، وأن واجب المسلمين نحوها، يتمثل في توجيه المال والجهد والجهاد إليها، وتعليم الأبناء ارتباطهم بها منذ الصغر، وبناء جيل جديد يحمل مشروع التحرير ويشدد أن النصر مرتبط بالإيمان والوحدة والعودة إلى الله، مستشهدًا بالآية: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وأن الأمة لن تنهض إلا باستعادة روح صلاح الدين ونور الدين وعماد الدين، وأن الانقسام هو سبب الهزيمة. ويقارن بين ضعف المسلمين قديمًا ومع ذلك انتصروا حين توحدوا، وبين واقعهم المعاصر رغم كثرة الموارد.

ويربط النصر الإلهي بالقوة المادية والمعنوية معًا، لكنه يؤكد أن العامل الحاسم هو الإيمان. ويستشهد بتجارب تاريخية (الفتوحات، الأفغان، وغيرها) ليؤكد أن العقيدة تصنع الفارق. كما ينتقد فكرة التسويات والتنازلات (مثل القبول بالتقسيم)، ويرى أنها نتيجة ضعف لا حلّ، ويشبهها بمن يفاوض اللص على ماله المسروق.

كما يقدّم شخصية أستاذ الرياضيات “مسلم بك عناية” بوصفه شخصية عبقرية شديدة الذكاء، تجمع بين العلم والغرابة، ويعرض أمثلة على ذكائه المفرط الذي يجعله أحيانًا يبدو شاذًا في تصرفاته. مع تناوله مقالة قديمة للكاتب بعنوان «الأدب القومي أيضاً»، كتبها قبل نحو خمسين سنة، وفيها دفاع عن فكرة “الأدب القوي” مقابل الأدب الرومانسي الباكي، مع نقد واضح لهيمنة الحزن واليأس على كثير من الشعر العربي آنذاك.

كما دعا طنطاوي إلى عدم اليأس من الشدائد او المحن التي تعرض للإنسان، مؤكدًا أن الفرج يأتي بعد الضيق، ويستشهد بكتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي التنوخي الذي قرأه مرارًا منذ طفولته، لما فيه من قصص تُخفف عن المبتلى وتُظهر اختلاف أحوال الناس وتجاربهم في الحياة.

ثم ينتقل للحديث عن تجربة قاسية عاشها أثناء انتقاله في الشتاء إلى صيدنايا ثم إلى رنكوس، حيث تحدى الثلوج والبرد وسار وحده بعد تعذر استمرار السيارة. وصل منهكًا إلى القرية، واستُقبل بدهشة من أهلها، ثم ألقى خطبة وطنية أثرت فيهم، فصار له موقف مؤثر بينهم، ثم عاد بسيارة متطوع. ويستخلص من ذلك أن الشدائد مهما اشتدت فإنها تتحول مع الزمن إلى ذكريات، وأن الفرج واقع لا محالة، داعيًا المتألمين إلى الصبر والأمل.

ثم يعرض طنطاوي لمعركة فكرية ساخرة بينه والأديبة ماري يَنّي حول قضية “المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة”، حيث حاول إقناعها بالحجج العقلية، ثم لجأ إلى السخرية عندما لم يُجدِ النقاش، فكتب مقالًا تهكميًا يقترح فيه “مساواة بيولوجية مستحيلة” بين الجنسين، مثل تبادل الحمل والرضاعة، ليبيّن أن المساواة المطلقة تتجاهل الفروق الطبيعية.

ثم يذكر بدايات نشره في جريدة "الرسالة"، وموقعه بين الكتّاب، وكيف كان يُميَّز بلقب “الأستاذ” ويُقدَّم في النشر، بل وكان من أوائل من حصلوا على مكافآت مالية فيها بعد كبار الأدباء. وينقل نص أول مقال له “سؤال”، الذي دعا فيه إلى تصور الرسالة كمنبر ملتزم يوازن بين الأدب والفن والأدب للحياة والإصلاح، ويرفض نشر ما يفسد الأخلاق أو يضعف القيم.

ويعرض إعجاب الزيات وأحمد أمين على مقالاته فيها، والتي أيدت أهمية الإصلاح الأدبي وربط الأدب بقضايا الأمة والارتقاء الأخلاقي، مع اختلاف في تفاصيل الرؤية ومنهج الالتزام الأدبي. ثم يوضح موقفه من بعض شيوخه (مثل الكوثري)، مؤكدًا أنه لا يتبع أحدًا تقليدًا أعمى، بل يأخذ من كل عالم ما يراه حقًا ويترك ما سواه، وأن معيار الحكم عنده هو الدليل لا الأشخاص.

ثم يذكر حصوله على شهادة الحقوق في العام 1933م، وما رافقها من ضيق نفسي، حتى كتب مقالة ساخرة بعنوان “شهادة ليسانس للبيع”، عرض فيها شهادته للبيع تعبيرًا عن شعوره بعدم جدوى الشهادة في الواقع، وقد أثارت المقالة صدى واسعًا رغم أنه لا يرضى عنها لاحقًا.

ثم يعودة مرةً أخرى ليذكرنا بأدوار شخصيات تاريخية بارزة، مثل صلاح الدين الأيوبي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، بوصفهم رموزًا لصناعة النصر بالإيمان والكلمة الصادقة. ويؤكد على أن الاحتلال الصهيوني، مهما طال، سيزول كما زالت قوى استعمارية سابقة كالصليبيين والمغول، وأن بقاءه مرتبط بالدعم الخارجي، أما سنن التاريخ فستؤدي إلى زواله كما زال غيره من الظالمين.

ثم تحدث طنطاوي عن منطقة الجولان وجبل الشيخ والحمة، وهي مناطق ذات ثراء مائي ومعادن طبيعية مهمة. وقد جمع في ذلك بين الوصف الجغرافي والتأمل التاريخي والسياسي والديني. ثم يذكر ما جرى فيها من معارك كبرى وقعت فيها مثل حطّين واليرموك وعين جالوت وشقحب، بوصفها محطات فاصلة في التاريخ الإسلامي.

ثم ينتقل إلى جبل الشيخ الذي يراه رمزًا طبيعيًا شامخًا مكللًا بالثلج، ويأسف لفقدان السيطرة عليه، ويجعل منه علامة وحدة جغرافية وتاريخية بين بلاد الشام التي يراها بلدًا واحدًا فرّقته الحدود السياسية الحديثة. ويربط ذلك بفكرة “الأمة الواحدة” في الإسلام.

ثم ينتقل إلى منطقة "الحمّة" على نهر اليرموك، فيصف ينابيعها الحارة وخصائصها العلاجية، ويذكر مشاريع تطويرها السياحية، وكيف كانت قبل ذلك مهملة ثم أصبحت منتجعًا مهمًا، قبل أن يشير إلى ضياعها سياسيًا. ويؤكد أن هذه المنطقة ذات قيمة طبيعية واستراتيجية واقتصادية كبيرة، وأنها “وقف إسلامي” من وجهة نظره.

ثم يربط الجغرافيا بالتاريخ والسياسة، ليصل إلى فكرة أساسية: أن بلاد الشام وحدة واحدة ذات تاريخ مجيد وثروات طبيعية هائلة، وأن ما حدث فيها من تقسيم واحتلال هو انحراف عن وحدتها الطبيعية والتاريخية، مع أمل باستعادتها.

ثم يتطرق إلى مقطع حيّ من ذكرياته، حيث يصف رحلته من دمشق إلى الحجاز، ويصف اضطراب الطريق واختيار أدلاء غير موثوقين، حتى ضلّوا في الصحراء ودخلوا موضعًا أثريًا مهجورًا يُسمى “أم الجمال”، مع ما رافق ذلك من تعب ومرض وانقطاع عن الوسائل الحديثة، واعتمادهم على ما حملوه من مؤن ووقود. ثم اضطرار الركاب لدفع السيارات وسحبها بالحبال وسط مشقة كبيرة حتى وصلوا في النهاية إلى منطقة “الأزرق”، ليتبين أنهم عادوا إليها من حيث هربوا منها.

وبعد مشقة طويلة استطاع هذا الوفد الخروج إلى أرض آمنة داخل السعودية، وظهر لهم مخفر حدودي يرفع شعار التوحيد، فاستقبلهم رجال الأمن بكرم عربي وواجب رسمي في الوقت نفسه، وتم التوفيق بين الضيافة والتحقق من الهويات. أُكرموا بالطعام البدوي (زبد ورز وتمر ولبن الإبل) ثم وُجه لهم دليل جديد اسمه “سلامة” قادهم إلى القريات.

ويصف طنطاوي بساطة المساجد في السعودية آنذاك وخلوها من الزخارف، ويناقش رأيه في ضرورة البساطة مع رفض التكلّف الذي يشغل المصلي. ثم يعرض للكرم البدوي في السعودية في مناطق تبوك وما حولها، ويصف تقاليد القهوة في البادية، من طرق دقّ البن في “المهباج” وما يصاحبه من إيقاع يشبه الموسيقى، وكيف تُعدّ القهوة وتُقدَّم وفق أعراف دقيقة في ترتيب الفناجين وآداب الضيافة، حتى يصبح لها نظام اجتماعي صارم يدل على الكرم والاحترام، ويستعرض طرافة بعض المواقف المتعلقة بها.

ثم انتقل إلى الحديث عن الخط الحديدي الحجازي الذي يربط دمشق بالمدينة المنورة، واعتبره مشروعًا إسلاميًا كبيرًا فُرح به عند إنشائه ثم انتهى إلى الدمار خلال الحرب العالمية الأولى. ويرى الكاتب أن سبب تدميره لم يكن مجرد الحرب، بل نتيجة صراعات سياسية وفكرية داخل العالم الإسلامي، وصعود القومية على حساب رابطة الدين، إضافة إلى تدخل قوى استعمارية وشخصيات أجنبية ساهمت في التخريب.

ثم تحدث بحزن بالغ عن تدمير الخط الحديدي الحجازي خلال الحرب العالمية الأولى، وما صاحبه من قتل الأبرياء وخراب المنشآت. ويذكر أنه بعد قيام الدولة العربية في الشام سنة 1918 بدأت جهود لإصلاح الخط اعتمادًا على أموال أوقاف الحرمين، لكنها توقفت بعد معركة معركة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق.

ويذكر أن السلطان عبد الحميد الثاني قرر إنشاء الخط، لتيسير الحج وربط بلاد المسلمين، فبدأ العمل سنة 1901، وجُمعت الأموال من تبرعات المسلمين، واستُحدثت رسوم خاصة، وساهم الجيش العثماني في البناء حتى وصل الخط إلى المدينة المنورة سنة 1908، مع فرع يصل إلى حيفا.

ويؤكد طنطاوي أن الخط سُجل وقفًا إسلاميًا سنة 1913 لحمايته من الرهن للدول الأجنبية، وأنه امتلك أوقافًا وأصولًا واسعة في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، منها أراضٍ ومرافئ وامتيازات استثمارية، وكانت جميعها مخصصة لخدمة الخط.

كما يوضح أن مؤتمر "لوزان" اعترف بالصفة الوقفية الإسلامية للخط، وأقرت الحكومات المتعاقبة في سوريا والأردن وفلسطين، وكذلك المملكة العربية السعودية، بهذه الصفة، مع استمرار استقلاله المالي والإداري. ويختم طنطاوي بالدعوة إلى إعادة تشغيل الخط الحجازي لما فيه من منفعة عظيمة للحجاج وتنمية المناطق التي يمر بها، كما يناشد الشعراء أن يرثوا محطاته المهجورة ويخلدوا تاريخه، متحسرًا على ما آل إليه بعد أن كان شريانًا يربط المسلمين ببلادهم ومقدساتهم.

ثم عاد طنطاوي ليحدثنا عن مظاهر رمضان وعاداته في الشام، فيصف أشهر الحلويات والمأكولات الموسمية، مثل الغريبة، والبرازق، والنهش، والجرادق، والكلاج، إلى جانب خبز المعروك، وأطباق الحمص والفول والتسقية، وشراب العرقسوس الذي اشتهر بعض صُنّاعه بإتقانه. كما يصف ازدحام الأسواق قبيل المغرب، ثم خلوَّها عند اقتراب الإفطار، واعتماد أهل دمشق على إنارة مئذنة الجامع الأموي أو مدفع الإفطار لمعرفة دخول وقت المغرب، حيث كان الأطفال يترقبون ذلك ثم يهرعون إلى بيوتهم.

ثم ينتقل إلى المعاني الإيمانية للصيام، مبينًا أن الصائم يمتنع عن الطعام والشراب مع قدرته عليه خوفًا من الله وحده، ولذلك اختص الله الصيام بقوله في الحديث القدسي: «الصوم لي»، ويرى أن ذلك لأن الصيام عبادة خفية يصعب أن يدخلها الرياء. وينتقد الإسراف الذي يقع فيه كثير من الناس عند الإفطار، إذ يحوّلون الصيام إلى مناسبة للإكثار من الطعام حتى يضروا بصحتهم، ويبين أن صلاة التراويح تحقق التوازن بما فيها من رياضة للجسد وراحة للروح.

كما يدعو إلى عدم إثارة الخلاف حول عدد ركعات التراويح، ويرى أن من صلى ثماني ركعات أو عشرين فقد أحسن، وأن الخطأ الحقيقي هو جعل هذه المسألة سببًا لتمزيق وحدة المسلمين والانشغال عن القضايا الكبرى. ويختم بذكر أحوال التراويح في دمشق قديمًا؛ فينتقد سرعة بعض الأئمة في الصلاة، ويثني على من كانوا يقرؤون القرآن بتؤدة وخشوع، ثم يروي كيف كان الجامع الأموي يضم أربعة محاريب وأربعة أئمة يصلون في وقت واحد بحسب المذاهب الأربعة، وهو نظام يراه مخالفًا للسنة ومفرقًا لجماعة المسلمين، قبل أن يُوحَّد الناس على إمام واحد، وعدَّ ذلك إصلاحًا محمودًا.

ثم يذكر طرفاً من أخبار الشيخ محمد نصيف، ويصفه بأنه كان موسوعي المعرفة، وصاحب مكتبة كبيرة، ومضيفًا كريمًا لا يسأل ضيوفه عن أسمائهم ولا يأخذ منهم مقابلًا، وأنه ظل مرتبطًا به نحو نصف قرن، داعيًا أبناءه والمثقفين إلى كتابة سيرته لتكون قدوة للأجيال.

يروي الكاتب انتقاله من جدة إلى مكة في رحلته الأولى سنة 1353هـ، فيصف مشقة الطريق القديم، إذ خرجوا من باب مكة إلى صحراء خالية بلا طرق معبدة، واستغرقت الرحلة اثنتي عشرة ساعة، حتى إن سيارة ذلك الزمن لم تسبق الحمار إلا بقليل بسبب الرمال الوعرة. ثم يقارن بين مكة القديمة ومكة الحديثة، مبينًا أن المدينة كانت صغيرة تنتهي عند القشلة ومسجد الجن، ولم تكن الأحياء والشوارع الواسعة الحالية قد وجدت بعد، كما كان الحرم محاطًا بالبيوت والأسواق الضيقة، وكانت الصفا والمروة ظاهرتين كجزء من الجبل، والمسعى مكشوفًا حتى أقام الملك عبد العزيز مظلة للمارة.

ويذكر لقاءه بعدد من علماء مكة وأدبائها، مثل محمد سعد العمودي، ومحمد حسان عوّاد، ويقترح نشر الدفتر الذي جمع فيه عبد الله المزروع خطوط وأقوال كبار العلماء والأدباء. ويتحدث عن الأثر الروحي العميق الذي تركته أول رؤية للكعبة، ثم رؤية المدينة المنورة، ويؤكد أن هذا الشعور لا تكاد الكلمات تصفه، ويرى أن مكة هي أحب البلاد إلى الله، بينما يجد في المدينة سكينة خاصة، مع تأكيده أن تعظيم المسلمين للحرمين إنما هو امتثال لأمر الله، لا تقديسًا للأحجار أو الأماكن بذاتها.

ثم يروي لقاءه بولي العهد آنذاك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، الذي أعجبه بسعة علمه وحكمته وحسن منطقه رغم حداثة سنه، قبل أن ينتقل إلى وصف لقائه بالملك عبد العزيز بن سعود، ويعرض صورة مفصلة لمجلس الملك عبد العزيز، فيصف تواضعه، واستقباله الناس بنفسه، وجلوسه اليومي لسماع كتب التفسير ومناقشتها، وسعة حفظه للحديث وأقوال العلماء، وإفساحه المجال للحوار. كما يذكر قربه من عامة الناس، حتى إن أبناء البادية كانوا يخاطبونه باسمه على عادة العرب، ويصف عدله في سماع الشكاوى، وبساطته في الطعام، وهيبته مع تواضعه.

ويختم بتقدير بالغ لشخصية الملك عبد العزيز، معتبرًا إياه واحدًا من كبار عباقرة التاريخ، لما جمعه من ذكاء فطري، وبعد نظر، وسرعة فهم، وحسن إدارة، ومعرفة بالرجال، وقدرة على الجمع بين الحزم واللين بحسب الموقف. وداع طنطاوي إلى المحافظة على الآثار الإسلامية في السعودية، وإنشاء متحف تاريخي في مكة يعرض تطور الكعبة والمدينة منذ عهد إبراهيم عليه السلام وحتى العصور الإسلامية، مؤكداً أن حفظ هذه الآثار لا ينافي التوحيد ما دام المسلم لا يعبدها ولا يعظمها تعظيماً شرعياً.

ويتحدث عن زياراته لعدد من الشخصيات البارزة أثناء تواجده في مكة، مثل: يوسف ياسين المشرف على جريدة أم القرى. وعبد الله السليمان وزير المالية، ويصف كرمه وبساطة مجلسه، كما يصف داره وحديقتها الجميلة. ومسؤولي دائرة الصحة، ومنهم أطباء سوريون أسهموا في تأسيس الخدمات الصحية. وكذلك المعهد السعودي، حيث ألقى فيه كلمة، ثم اضطر لاحقاً إلى نفي أقوال نسبت إليه زوراً.

ويذكر أثناء ذلك أسماء أحياء مكة القديمة، ويبين أن معظم الأحياء الحالية لم تكن موجودة آنذاك، وأن مساحة مكة تضاعفت مرات كثيرة. كما يروي قصة المحمل المصري، مبيناً أنه كان بدعة لا أصل لها، وأن حادثة وقعت في منى سنة 1344هـ عندما ظن بعض الحجاج النجديين أن المحمل يُعظَّم كالصنم، فرشقوه بالحجارة، فأمر قائد الحامية المصرية بإطلاق النار فسقط قتلى. فتدخل الملك عبد العزيز بنفسه لوقف القتال وحماية الجنود المصريين، ثم نشأ خلاف سياسي أدى إلى انقطاع إرسال كسوة الكعبة من مصر، فأنشأ الملك عبد العزيز صناعة الكسوة داخل المملكة، حتى أصبحت تُصنع محلياً بالكامل، وعدّ الطنطاوي هذا من الآثار الحسنة التي ترتبت على تلك الحادثة.

ويستعرض طنطاوي نماذج من أبطال القوة في سوريا، منهم صائب بك العظم بطل العالم في المصارعة سنة 1907، ومحمد الزول الذي أصبح بطل العالم الثاني في كمال الأجسام رغم بدايته المتواضعة.بالإضافة إلى عدد من الأشخاص الذين اشتهروا بقوة فطرية، مثل صلاح الدين الخطيب، والشيخ صلاح الدين الزعيم، وأحمد المغربي، ومحمد علي بك العظم الذي أوقف عربة جامحة بقوته، وكذلك عبد الحميد سعيد الذي حمل مصارعًا عنيدًا وأخرجه من الحلبة.

ثم يروي الطنطاوي مشاعره العميقة عند زيارة المدينة المنورة، فيشبّهها بالدخول إلى "نفق الزمان" الذي يعيده إلى عصر النبوة، فيشعر أنه يرتقي إلى قمم المجد والإيمان، ويغادر عالم الفرقة إلى عالم الأخوة الذي صنعه الإسلام. ويستحضر أحداث السيرة، كالهجرة وغزوة الخندق، ليدعو المسلمين إلى إقامة "خندق" معنوي يحميهم من الإلحاد والفساد والشهوات كما حمى الخندق المدينة من الأعداء. كما يؤكد أن أعداء الإسلام الأوائل زالوا، بينما بقي الإسلام وانتشر في أنحاء العالم.

ويتأمل في نشيد «طلع البدر علينا»، ويرى أن نور الإسلام لم ينطفئ، وإنما حجبت آثاره سحب المعاصي والضعف، وسيعود إشراقه متى عادت الأمة إلى دينها. ثم يختم بتحية خاصة للمدينة المنورة وأهلها، قبل أن يروي عودته إلى دمشق بعد رحلة الحج، حيث استقبله أهل بلده بحفاوة كبيرة رغم بساطة منزله، فتعاون الجيران في تنظيم الاستقبال، في صورة تعكس روح التكافل الاجتماعي التي كانت سائدة آنذاك. كما يذكر موقفًا طريفًا عندما استقبله عشرات الفرسان، فاضطر إلى استقبالهم في الشارع لضيق داره، وألقى فيهم خطابًا وطنيًا حماسيًا دعاهم فيه إلى المجد والاستقلال.

ويتحدث طنطاوي عن مشهد عظيم، وهو يوم عرفة بوصفه مشهداً فريداً في العالم؛ إذ تتحول صحراء خالية خلال يوم واحد إلى مدينة تضم أكثر من مليوني حاج، ثم تعود خالية بعد انتهاء المناسك. ويرى أن خلوّ عرفة من مظاهر الترف والجمال مقصودٌ شرعاً، ليخلو قلب الحاج من شواغل الدنيا ويتفرغ لذكر الله والدعاء والتوبة. داعياً الحجاج إلى اغتنام يوم عرفة بالإخلاص، وترك الغيبة والمعاصي، ومجاهدة الشهوات والغضب، لأن صلاح القلب أساس قبول الحج.

ويؤكد أن الحج يحقق أسمى صور المساواة الإنسانية، حيث يخلع الجميع ثيابهم ويلبسون الإحرام، فتسقط الفوارق بين الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والعربي والأعجمي، فلا يبقى إلا وصف واحد: الحاج. ويعدّ هذا التطبيق العملي للمساواة أسبق وأصدق من الشعارات الحديثة.

وينتقل إلى الحديث عن واقع الأمة الإسلامية، فيرى أن الحج مدرسة للوحدة، فيذكّر المسلمين بأنهم أمة واحدة رغم اختلاف الأجناس واللغات والأوطان، ويحذر من العصبيات القومية والحزبية والمذاهب الوافدة التي فرقت المسلمين وأضعفتهم. كما يؤكد أن النصر لا يتحقق بالدعاء المجرد، بل بالأخذ بأسباب القوة والإعداد المادي مع الاعتماد على الله، مستشهداً بآيات القرآن وغزوات المسلمين الأولى. ويرى أن القرآن والإيمان هما أعظم مصادر القوة، وأن أعداء المسلمين يخشون عودة الأمة إلى دينها ووحدتها أكثر من خشيتهم لعددها وعدتها.

ويختم بنداء للحجاج أن يجعلوا "لبيك" التزاماً عملياً بطاعة الله واجتناب معاصيه، وأن يعودوا من الحج بقلوب متجددة، يحملون رسالة الإصلاح والوحدة، داعين الله أن يردّ للأمة عزتها ومجدها، ويجعل الحج نقطة انطلاق لإحياء الإيمان وبعث نهضة المسلمين من جديد.

ويعرض طنطاوي إلى جانبٍ من معاركه الفكرية، إذ كتب مقالته الشهيرة «الوظيفة والموظفون» ردّاً على من رأى أن الموظف يجب أن يلتزم الصمت ويتبنى آراء رؤسائه. ودافع فيها عن أن الوظيفة عقدٌ لأداء عمل مقابل راتب، وليست تنازلاً عن حرية الفكر والضمير، وأن من حق الموظف أن يكتب وينتقد ويشارك في إصلاح المجتمع ما دام لا يخالف الشرع أو القانون. كما شدد على أن الموظف مسؤول أمام الأمة والتاريخ والله، لا أمام رئيسه وحده.

ثم ينتقل إلى ذكريات النضال الوطني في دمشق خلال عامي 1935–1936، حيث كانت المدينة تعيش أجواء الإضرابات والمقاومة ضد الانتداب الفرنسي. ويأسف لأن الأدباء لم يوثقوا تلك البطولات كما تستحق، معتبراً أنها لو وقعت في أوروبا لخلّدتها الكتب والقصائد. ويتناول بطولات أهل دمشق، ولا سيما الأطفال، خلال الإضراب العام ومقاومة الاحتلال الفرنسي، مستعرضًا مقالتين كتبهما آنذاك.

أحدهما مقال «أطفال دمشق»، حيث يروي أن خبر اعتقال الزعيم الوطني فخري البارودي، الذي فجّر غضب الدمشقيين بعد فترة من الصبر. وخلال إحدى المواجهات، اندفع نحو خمسين طفلًا، لا يتجاوز أكبرهم التاسعة، يحملون المساطر والعصي ويهجمون بها على دبابة فرنسية وهم يهتفون للوطن. وقد شاهد طنطاوي بنفسه الأطفال وهم يتسلقون الدبابة، مما أثار حماسة الجماهير، بينما تأثر أحد الجنود الفرنسيين بالمشهد فأوقف إطلاق النار وخرج ليلاطف الأطفال ويقدم لهم الحلوى، في موقف رآه الكاتب دليلاً على بقاء الإنسانية حتى في أوقات الحرب.

كما يذكر حوارًا مع طفل في السابعة من عمره شارك في المظاهرات، أخبره أن أمه شجعته على الشهادة، وسأله بحسرة: «لماذا ليس للإسلام جيش؟»، فأجابه الكاتب بأن هؤلاء الأطفال هم «عسكر الإسلام» ومستقبل الأمة، معبرًا عن إعجابه بشجاعتهم التي فاقت شجاعة الكبار.

ثم ينتقل إلى مقاله الثاني في ذات الموضوع، وهو «جهاد دمشق» الذي كتبه في عيد الأضحى عام 1936 أثناء استمرار الإضراب، وفيه يخاطب سلطات الاحتلال الفرنسي مستنكرًا القتل وانتهاك حرمة المساجد وسفك الدماء. ويشيد بصمود أهل دمشق طوال نحو خمسين يومًا، إذ بقيت الأسواق مغلقة، وتحمل الناس الجوع دون تذمر، ولم تمتد يد إلى السرقة، وتكافل الأغنياء مع الفقراء، وشارك الأطفال والنساء والشيوخ في المقاومة، وامتلأت السجون بالمعتقلين والمقابر بالشهداء.

ويختتم بتوجيه نقد شديد لفرنسا، متهماً إياها بالتناقض بين شعاراتها عن الحرية وحقوق الإنسان وبين ممارساتها الاستعمارية في سوريا، مؤكدًا أن الشعب السوري لا يعادي الثقافة الفرنسية، وإنما يرفض الاحتلال وسلب الحرية، وأنه وإن كان ضعيف القوة فإنه لم يفقد كرامته ولا شرفه، مستعدًا للموت دفاعًا عن وطنه إذا عجز عن العيش فيه حرًا.

وويرى طنطاوي أن انقضاء الأعوام ليس مجرد تغيُّر في التقويم الهجري أو الميلادي، بل هو ذهاب جزء من العمر والذكريات لا يعود أبداً. ويذكر أنه اعتاد منذ سنة 1928 أن يراجع نفسه مع مطلع كل عام، فيحاسب الحياة على ما أخذت وما أعطت، ويكتب مقالات في وداع العام واستقبال الجديد. ويستعرض بعض ما كتبه في تلك المناسبات، ومنها مقال كتبه في بغداد سنة 1937 بعنوان «بيني وبين نفسي»، صوّر فيه العام الراحل -كشبح يسير في طريق الزمن، وجعل النخلة وقبة مسجد أبي حنيفة ونهر دجلة والقمر تتحدث، وكلها ترى أن الأعوام تتعاقب دون أن يتغير شيء في الطبيعة، بينما الإنسان وحده هو الذي تتبدل أحواله، فتزول دوله وأمجاده.

ثم يوجه سؤاله لنفسه، قائلاً: إلى أين يمضي الإنسان؟ وما الغاية من هذا السفر في الحياة؟ وهل اقترب من أهدافه بعد مرور السنين؟ كذلك يذكر مقالاً كتبه في بيروت سنة 1938، حيث قضى ليلة رأس السنة وحيداً، فرأى الناس منشغلين باللهو والاحتفال، بينما كان هو غارقاً في التأمل في معنى الزمن والوجود. ويصف بيروت آنذاك بما كان فيها من مظاهر الترف والانحلال، ثم يدعو الله أن يعيد إليها الأمن والصلاح بعد ما أصابها.

ويذكر طنطاوي قراءاته الأولى في كتب الأدب العربي، وأنها مقتصرة على كتب التراث، مثل الأغاني، والعقد الفريد، والبيان والتبيين، ثم قرأ للمنفلوطي والعقاد والرافعي والمازني والزيات وغيرهم. ويقيّم هؤلاء الكتّاب: فيرى أن المنفلوطي جميل الأسلوب لكنه محدود العمق. ويعدّ أفضل ما كتبه الرافعي: "وحي القلم"، و"تحت راية القرآن". كذلك فهو يثني على الزيات، مع ملاحظته عنايته الشديدة بالألفاظ. ويعدّ أسلوب زكي مبارك من أجمل الأساليب، وإن كان أحياناً غامض المقصد. ومع أنه تأثر ببعض هؤلاء زمناً، لكنه لم يقلد أحداً، بل كوّن لنفسه أسلوباً خاصاً في الكتابة والخطابة.

وتحدث طنطاوي عن رحلته إلى بغداد في شبابه (عام 1936) ليعمل مدرساً، فوجد فيها زملاء كراماً وطلاباً نجباء، وهي تجربة يشبهها بتجربته الحالية في مكة المكرمة. وقد تحولت بغداد بعد العيش فيها إلى واحدة من أحب البلاد إلى قلب الكاتب بعد دمشق؛ فعشق معالمها (الكرخ، الرصافة، الكرادة)، ونيلها (دجلة)، وفنونها (الأبوذية)، وأكلها (السمك المسكوف).

وبدأ طنطاوي بوصف بغداد في عصر الخلافة الإسلامية، وكيف تسلل الإسلام إليها، وأنشأ بداخلها أعظم حضارة في التاريخ، ويصف عظمة بلاط الخلافة العباسية، بما فيه من فخامة وزينة وخدم وحرس، في مشهد يجسد ازدهار بغداد وقوة الدولة. ثم انتقل للحديث إلى مأساة سقوط بغداد على يد هولاكو، فيصف الخراب والقتل الواسع، وإحراق التراث العلمي بإلقاء الكتب في دجلة، ويعد ذلك من أعظم الكوارث التي أصابت الحضارة الإسلامية.

ويذكر طنطاوي جملة من المشايخ والأدباء، الذين صحبوه في تلك المرحلة ببغداد، وأنهم كانوا من كبار العلماء والأدباء (مثل: الشيخ محمد بهجة البيطار، الشيخ سعيد البرهاني، سعيد الأفغاني، أنور العطار، وسليم الزركلي).

,يواصل علي الطنطاوي وصف رحلته إلى بغداد، فيتأمل معنى الغربة، ويرى أن الإنسان لا يحيا بجسده فقط، بل بذكرياته وأهله ووطنه، ولذلك شبّه الهجرة بالموت؛ لأنها اقتلاع للإنسان من جذوره. وقد اشتد عليه الحنين إلى دمشق حتى نظم كلماتٍ عبّر فيها عن ألم الفراق، موضحًا أنها كانت تصويرًا لمشاعره في تلك اللحظة لا لحقيقة بغداد.

وعندما اقترب من العراق ورأى نخيله وسواده، امتلأ شوقًا إلى بغداد التي عرفها من كتب التاريخ والأدب، واستحضر مجدها بوصفها عاصمة الخلافة الإسلامية ومركز الحضارة والعلم. كما قارن بين مشقة سفره المريح نسبيًا وبين تضحيات الأجداد الذين قطعوا الصحارى على ظهور الإبل ثم فتحوا البلاد لنشر العدل والدين، لا طلبًا للغنائم.

ويصف وقوفه على جسر بغداد بأنه لحظة مؤثرة، ليس لعظمة الجسر في ذاته، بل لأنه شهد مرور الخلفاء والعلماء والفقهاء والشعراء، فصار رمزًا لتاريخ الإسلام وحضارته. ثم ينتقل إلى بداية حياته العملية في بغداد، فيتحدث عن وصوله مع صديقه أنور العطار، ونزولهما في فندق دجلة، ويصف بغداد آنذاك وجسرها المتحرك ووسائل النقل البسيطة في شارع الرشيد.

وفي أول يوم عمله بالثانوية المركزية، أُعجب بتنوع هيئة التدريس التي ضمت أساتذة من جنسيات متعددة، وذكر بعض الشخصيات الطريفة، مثل: الدكتور يوسف مسكوني واسع الثقافة، وأستاذ فلسطيني كان يحتال بحركات غريبة ليجلس وحده في الحافلات، وروى حادثة ساخرة أدت إلى اعتقاد مدير المدرسة أن مدرسًا إنجليزيًا مجنون، حتى تدخلت السفارة البريطانية.

ويختم كلامه بالإشارة إلى أول انقلاب عسكري في البلاد العربية في القرن العشرين، على يد بكر صدقي على حكومة ياسين الهاشمي، ويستذكر في ذلك المكانة الكبيرة التي كان يحتلها ياسين الهاشمي في وجدان أهل الشام منذ طفولته. ويروي بإيجاز كيف انتهى الانقلاب بمقتل جعفر العسكري وفرار ياسين الهاشمي، وتشكيل حكومة حكمة سليمان تحت نفوذ الحكم العسكري.

ثم ينتقل إلى تجربته التعليمية في الثانوية المركزية، فيشيد بانضباط الطلاب العراقيين، ويرجع ذلك إلى التربية القائمة على النظام والتدريب شبه العسكري، مؤكداً أنهم كانوا يحترمون المعلم إذا وجدوا فيه ثلاث خصال: العلم، والعدل، والطبيعية، مع الشجاعة والكرم والصدق في الاعتراف بما يجهله.

كما تعرُّفه إلى كبار علماء بغداد، مثل أمجد الزهاوي، وحمدي الأعظمي، وقاسم القيسي، وأشاد بمجالسهم العلمية. وفي الجانب الديني، يوضح أنه كان يزور مسجد أبي حنيفة للصلاة، لكنه تجنب زيارة القبر خشية ما قد يصاحبه من ممارسات عدّها من البدع، كما انتقد عادة تلحين خطبة الجمعة المنتشرة في بغداد آنذاك، مستغربًا اعتقاد بعض الناس أنها من لوازم الخطبة.

كما أشار إلى الفيضان الكبير الذي كاد يغرق بغداد سنة 1356هـ، حيث استُنفر السكان جميعًا لإقامة السدود، ثم يصف دجلة قبل الفيضان نهرًا هادئًا جميلًا، رمزًا للحياة والجمال في العراق، قبل أن يتحول فجأة إلى نهر هائج يهدد بغداد بالغرق. ويصور هذا التحول بأسلوب أدبي، فيشبه النهر بوحش ثائر فقد هدوءه وأخذ يصدم ضفافه ويقتلع ما أمامه.

وعندما ارتفع منسوب المياه إلى مستوى خطير، أعلنت حالة الطوارئ، فتكاتف السكان والحكومة لإقامة السدود ومنع الفيضان. ويصف الطنطاوي مشاهد التضامن الشعبي، حيث شارك آلاف الشباب والجنود والمتطوعين في العمل طوال الليل، بينما عاشت المدينة كلها في خوف وترقب. وبعد أن بدا أن الخطر قد انحسر وزال، عاد إلى منزله ونام، لكنه استيقظ على صرخات وصفارات الإنذار بعد أن انهار أحد السدود، فاندفعت المياه بقوة هائلة إلى الأراضي والمنازل. ويصف المشهد وكأنه يوم قيامة؛ أمهات يبحثن عن أطفالهن، وأسر تستعد لفقدان بيوتها، وشباب يهرعون لإنقاذ الناس، والجنود يعملون بلا توقف.

ويصور اندفاع الماء بقوة مدمرة، إذ اقتلع الأشجار وهدم البيوت واجتاح الحقول، مشبهًا دجلة بنمر مفترس خرج من قفصه. وفي الوقت نفسه، يلفت إلى أن الكارثة لم تكن من فعل الطبيعة وحدها، بل كان يمكن الحد منها لو أُنشئت منشآت وسدود تستوعب مياه النهر وتحسن إدارتها.

ثم يتناول حلقة للحديث عن "ذكرى استشهاد الحسين"، وأنه كان يتجنب إثارة الخلاف المذهبي أثناء إقامته في العراق، فلم يكن يسأل طلابه عن مذاهبهم، وكان يعامل الجميع على قدم المساواة. ثم يتحدث عن يوم عاشوراء في العراق، فيصفه بأنه يوم حزن عظيم عند الشيعة، ويؤكد محبة المسلمين جميعًا للإمام الحسين رضي الله عنه، ولعنهم قاتليه، لكنه يرى أن بعض المظاهر التي تُمارس في عاشوراء لا توافق هدي النبي ﷺ، وأن الأدب والشعر عبر القرون بالغَا في تصوير مأساة كربلاء حتى اختلطت الحقيقة بالخيال.

ويروي حادثة كادت تودي بحياته في تلك الذكرى؛ إذ دخل مع صديقه أنور العطار مجلسًا لإحياء عاشوراء في مدينة الحلة، فجلسوا في صدر المجلس، وأثناء تقديمه للحاضرين عرّفه أحد طلابه بأنه كاتب شامي ومؤلف كتابي «أبو بكر الصديق» و«عمر بن الخطاب». عندها ظن الطنطاوي أن الحاضرين سيعتدون عليه، خاصة مع أجواء اللطم والحماس، فاستعد للموت، لكنه فوجئ بانتهاء المجلس دون أن يصيبه أذى. وبعد ذلك أخبره صاحب المجلس: أنه لو علم الناس بحقيقة تقديم الطالب لما استطاع حمايته.

ويذكر بعد ذلك مناظرة علمية جرت له في البصرة مع علماء من الشيعة بعد أن أثارت دروسه اعتراضهم. وفي البداية دخل المناظرة معتمدًا على ثقته بنفسه، لكنه أدرك أثناء النقاش قوة خصومه، فتوجه إلى الله بالدعاء وترك الاعتماد على نفسه. وكان محور المناظرة بيعة الإمام علي رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه، فاحتج بأن عليًا إن بايع مختارًا فلا يمكن أن يكون قد بايع من لا يراه أهلًا للخلافة، وإن قيل: إنه بايع مكرهًا فإن ذلك يناقض شجاعته ومكانته. ويروي أن هذا الاستدلال أحرج خصومه، وأن لجنة التحكيم اعتبرت أنهم لم يجيبوا عن السؤال، فانتهت المناظرة لصالحه.

وكان طنطاوي يعرض لطلابه فلسفة الأدب والنقد، مبينًا أن: الأدب فن غايته الجمال. وأن النقد تقويم للأدب، وقد يكون علمًا إذا استند إلى قواعد ثابتة، أو فنًا إذا اعتمد على الذوق. ثم يعرض لهم طريقته في تحليل الشعر، فشرح قصيدة أبي تمام في فتح عمورية، مبينًا أن الشاعر اعتمد على صور متلاحقة ومتداخلة تبهر السامع أكثر مما ترسم مشهدًا واقعيًا دقيقًا، وبيّن الفرق بين الوصف الخيالي والوصف الواقعي.

وقد شرح أثناء تدريسه قصائد بشار بن برد بأسلوب يبرز دقة الصور الشعرية وعمقها، مثل تشخيص الشمس والغبار في وصف المعارك. كما تناول بالنقد والتدريس قصائد: امرؤ القيس، أبو تمام، المتنبي، وأحمد شوقي، ومن النوابغ: زهير بن أبي سلمى، البحتري، أبو فراس الحمداني، وحافظ إبراهيم. ونقل في ذلك المقارنة بين البحتري وبين أبي تمام: "جيدُه خيرٌ من جيدي، ورديئي خيرٌ من رديئه"، أي أن أبا تمام يبلغ قممًا أعلى لكنه قد يهبط إلى مستويات أدنى، بينما يحافظ البحتري على مستوى أكثر استقرارًا.

كما كان يشرح الشعر في ضوء التاريخ واللغة والخيال والذوق الفني؛ فعند شرح بيت المتنبي عن الجيش البيزنطي الذي "يجرون الحديد كأنما سروا بجياد ما لهن قوائم"، بيّن أن خيول الروم كانت ترتدي دروعًا تغطي قوائمها، فلا يُفهم البيت إلا بمعرفة هذه الحقيقة التاريخية. وكذلك فسّر ألفاظًا مثل "الزمازم" بأنها الأصوات المختلطة الناتجة عن اجتماع جنود من أمم ولغات مختلفة في الجيش البيزنطي.

ومن الموضوعات التشعرية التي شرحها لطلابه: قصيدة البحتري في وصف موكب الخليفة يوم العيد، ويبرز قدرتها على رسم مشهد حيّ يسمع فيه القارئ صهيل الخيل، ويرى بريق السيوف والغبار، ثم يبين كيف يصوّر الشاعر هيبة الخليفة وتقواه وتواضعه لله، حتى كأن الناس كبّروا عند رؤيته تذكّرًا بالنبي ﷺ.

كذلك قصيدة ابن هانئ الأندلسي في "وصف جيش جوهر الصقلي" عند فتح مصر، ويبين روعة صورها الشعرية؛ إذ يصور الجيش كأنه يوم الحشر، ويشبّه آلات الحرب بالجبال المتحركة، ويصف المعسكر الذي يتحول إلى مدينة كاملة، ثم يصف مشاعل الجيش ليلًا، وفزع الوحوش من هيبته، ويشير إلى أن بعض معاني ابن هانئ مقتبسة من البحتري، لكنه يمتاز بقصيدة فريدة في وصف الأسطول الإسلامي.

وتميزت طريقة طنطاوي في تدريس الشعر والأدب، بأنها تقوم على المقارنة بين النصوص وجمع الشواهد في الموضوع الواحد (كالوداع، والحب، والحرب)، ليغرس في طلابه الذوق الأدبي، ويأسف لأنه لم يدوّن تلك الدروس، ويرى أنها لو كُتبت لكانت عملاً مميزًا، لكنه يسلّم بأن ما فات قد فات.

ثم تحدث علي الطنطاوي عن ذكرياته مع رمضان في بغداد عام 1936، ويقارن بين رمضان الذي عرفه في دمشق قديمًا، حيث كان يغيّر حياة الناس كلها، وبين رمضان في بغداد الذي رأى أن أثره في المجتمع، ولا سيما بين الشباب، كان أضعف.

ولطنطاوي كلمات كثيرة أشاد فيها "بحسن البنا"، حيث وصف حسن البنا بأنه مجدد عصره؛ إذ أحيا روح الدعوة، وربط الدين بالشباب، مع اعترافه بفضل من مهدوا له مثل محمد عبده ومحمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب. ويذكر أنه عرف البنا منذ شبابه، وأنه بقي متواضعًا رغم مكانته.

ثم يصف الواقع الاجتماعي في بغداد، مشيراً إلى كثرة اليهود في المدارس والاقتصاد آنذاك، ويربط هجرتهم لاحقاً إلى إسرائيل بقيام الدولة الإسرائيلية، منتقداً موقفهم بعد ما لقيه اليهود - في رأيه - من حسن معاملة في العراق.

ويستعرض جمال بغداد، خاصة ضفاف دجلة، وشارع الرشيد، والأسواق المسقوفة، ووجبة السمك المسقوف، كما يمدح مهارة الصابئة في نقش الفضة، ويثني على جمال التلاوة العراقية للقرآن مع ملاحظته على بعض أخطاء التجويد. وبعد ذلك ينتقل إلى رحلاته العلمية مع طلابه، فيصف زيارته إلى إيوان كسرى وقبر سلمان الفارسي، ويذكر مغامرته في تسلق جدار الإيوان، ثم يروي حادثة إنقاذ الأستاذ عبد الرزاق السنهوري بطائرة بعدما عجز عن النزول من أعلى البناء.

يروي علي الطنطاوي رحلته إلى سامرّاء (سُرّ من رأى) مع طلاب دار المعلمين العالية في بغداد، برفقة الدكتور كامل عياد. وفي الطريق تأمل بقايا الحضارة العباسية، فرأى جسراً قديماً بقي قائماً بينما اندثرت المدينة التي كان يخدمها، ورأى منارة جامع المتوكل، التي جعلها رمزاً للمدينة كما تعد قبة الصخرة رمزاً للقدس وبرج إيفل رمزاً لباريس.  فاستشعر كيف تتغير الأمم والدول ويبقى أثر الإنسان شاهداً على الماضي.

ثم توقف طنطاوي في رحلته عند بركة المتوكل التي وصفها البحتري في شعره، فوجد أن وصف الشاعر لم يكن مبالغة، بل إن الواقع ربما كان أعظم من الوصف الشعري. كما وقف في الإيوان الكبير متأملاً عظمة الدولة العباسية، وتخيل مجالس الخلفاء والأدباء والحياة التي كانت تدبّ في تلك القصور، معتبراً أن سؤال الأطلال من أصدق فنون الشعر العربي.

بعد ذلك انتقل إلى موضوع آخر بعنوان "قصة انتهت بنقلي إلى البصرة"، فتحدث عن الصراع الذي عاشه جيله بين التربية التقليدية القائمة على الخضوع للكبار، وبين تعاليم الإسلام التي تدعو إلى عزة النفس والجرأة في الحق، وكان قد حدث له خلاف مع أحد "المفتشين" على المادة، انتهت بنقله، بعد أن كتب فيه مقالاً ينتقد فيه ذلك المففتش، وقبل مغادرة طنطاوي بغداد، خرج يتجول في شوارعها مودّعاً الأماكن التي عاش فيها ذكرياته، وكأنه يقرأ صفحات من حياته. ويستعيد موقفه من إقامة تمثال للملك فيصل في دمشق، فيذكر أنه كتب منشوراً بعنوان "لا تماثيل في الإسلام" وزعته جمعية الهداية الإسلامية، عارض فيه نصب التماثيل، ورأى أن تخليد العظماء يكون بالأعمال النافعة كإنشاء المدارس والمستشفيات لا بالأحجار الجامدة.

ثم يصف سفره بالقطار من بغداد إلى البصرة سنة 1937، ويعبّر عن حبه للسفر بالقطار لما فيه من حرية ومتعة مقارنة بالسيارة والطائرة، ويستعرض ذكريات رحلاته الطويلة بالقطارات في بلدان مختلفة. ويروي حادثة طريفة، وهي أنه عندما دخل على أحد المدرسين أثناء الدرس، فظنه المدرس طالباً غير منضبط، وطلب منه أن يشرح درساً عن البحتري، فألقى الطنطاوي شرحاً واسعاً أدهش المدرس، ثم اكتشف أنه المدرس الجديد، فأصبحت القصة حديث الطلاب والناس.

ثم تحدث عن حياته الخاصة في البصرة، حيث كان يفضّل السكن وحده بعيداً عن الفنادق والمجالس، ويحب العزلة والقراءة. لكنه عانى من أرق شديد بسبب ضجيج مقهى قريب كان يبث الأغاني ليلاً، حتى أثّر ذلك في صحته، فذهب إلى الأطباء دون أن يجد علاجاً ناجحاً، إلى أن أعطاه طبيب إنكليزي حبة منومة احتفظ بها بجانب فراشه، لكنه نام من دون استخدامها وظلت معه حتى غادر البصرة.

ثم انتقل طنطاوي؛ ليحدثنا عن ذكرياته في البصرة ثم انتقاله إلى بيروت للتدريس في الكلية الشرعية، وذلك بعد أن عرض عليه الشيخ صلاح الدين الزعيم التدريس في الكلية الشرعية في بيروت، فقبل العرض خشية أن يستمر التضييق عليه في العراق، مع تأكيده على حبه للعراق وأهله. ثم يستعيد صورة بيروت سنة 1937: ساحة البرج، الترام، المسجد العمري، وفندق الأهرام الذي كان ملتقى للشاميين. وعند وصوله إلى الكلية الشرعية يذكر أساتذتها وشخصياتها، ويشيد بمديرها الذي أحسن إليه، كما يتحدث عن الطلاب ونظامهم، ومن بينهم الطفل الذي أصبح لاحقاً الأديب والصحفي سهيل إدريس، مؤسس مجلة الآداب.

لكن طنطاوي انتقد في هذه المدرسة إلزام الطلاب بالزي الديني (العمامة والجبّة) قبل بناء الإيمان والعلم في نفوسهم، ويرى أن التربية الحقيقية تبدأ من القلب والعقل لا من المظهر، ويذكر نماذج من طلاب الكلية الذين جمعوا بين العلم والدين مثل حسن خالد وشفيق يموت، وسهيل إدريس وغيرهم، ويثني خصوصاً على الشيخ حسن خالد لما عُرف به من العلم والاستقامة. كما يستشهد ببيت أمين الجندي عن أثر الكتابة وبقاء أثر الإنسان بعد وفاته.

كان طنطاوي يقضي جزءاً من وقته بين بيروت ودمشق، ويصف رحلاته بسيارات الأجرة وما كان فيها من حيل السائقين. وكان يصطحب طلابه في رحلات مشي إلى الجبال والوديان،  ويذكر منافسة الكلية الشرعية لمدرسة المقاصد، وموقفه حين ألقى كلمة أمام وفد مصري مؤكداً أن قيمة الكلية في العلم لا في المظاهر والاحتفالات.

ثم ينتقل إلى حديثه عن بيروت ولبنان بعد ذلك بسنوات، فيعبّر عن حزنه لما أصاب البلاد من اضطرابات وحروب، ويرى أن علاج الأزمات يكون بالرجوع إلى الله لا بالاعتماد على القوى الدولية، مستشهداً بقوانين الله في المجتمعات وسنن العقاب والتوبة. ويعود إلى ذكرياته الجميلة في بيروت، حيث عاش حياة سعيدة بين طلاب الكلية الشرعية وزملائه من العلماء، وكانوا يجتمعون للمناقشة والأدب والطعام، وكان اختلافهم في الرأي لا يفسد المودة بينهم.

بعد ذلك يروي معاناته الصحية، إذ أصيب بآلام شديدة ظنّها في البداية من حصوة في الكلية، ثم تبيّن أنها التهاب في الزائدة الدودية. نُقل إلى طبيب في بيروت، ونُصح بإجراء عملية عاجلة، لكنه خاف وهرب إلى دمشق برفقة الشيخ صلاح الدين الزعيم.

وفي دمشق اضطر أخيراً إلى إجراء العملية في مستشفى فرنسي، ويصف ظروف الطب في ذلك العصر: طول فترة النقاهة، قسوة التخدير، منع الماء، وربطه في السرير بعد العملية. ويقارن بين الطب القديم والحديث، مشيراً إلى التطور الكبير الذي حدث لاحقاً.

وفي حلق بعنوان:  "وقفة في نهاية سبع وسبعين سنة" يتأمل علي الطنطاوي في بلوغه سبعاً وسبعين سنة، فيتوقف عند ذكرى ميلاده يوم الجمعة 23 جمادى الأولى سنة 1327هـ، لا بوصفها مناسبة للاحتفال، بل باعتبارها محطة لمراجعة العمر وما بقي منه. يرى أن الناس قد ينسون ميلاد الإنسان كما ينسون موته، وأن ما يبقى من الإنسان ليس مظاهر الاحتفاء ولا الشهرة، بل أثره وعمله. ثم يحاسب نفسه بقسوة بالغة، فيعترف بتقصيره وخوفه من الحساب، لكنه لا ييأس من رحمة الله، ويرجو أن تنفعه دعوات من أحبوه أكثر من كل ما حصّله من شهرة ومكانة.

تحدث كذلك عن تجربة أخرى جعلته قريباً من الموت، حين كاد يغرق في بيروت سنة 1954، وكيف شعر في تلك اللحظات بأن كل ما في الدنيا لا يساوي شيئاً، وأن الإنسان لا يبقى معه إلا ما عمله لله. ويستشهد بكلام ابن الجوزي عن الفرق بين لذات المعصية التي يبقى إثمها، وآلام الطاعة التي يبقى ثوابها.

بعد ذلك يستعرض حصيلة عمره العلمي والأدبي؛ فيذكر كثرة قراءته التي امتدت عشرات السنين، واهتمامه بالتفسير والحديث والفقه والتاريخ والأدب والعلوم، وأنه قرأ وكتب آلاف الصفحات، وألّف ونشر مؤلفات ومقالات كثيرة، وألقى الخطب في بلاد متعددة، وشارك في الإذاعة والتلفزيون والتعليم والقضاء، وأسهم في وضع بعض القوانين والمناهج التعليمية. ويختم حديثه بنظرة متواضعة إلى كل هذه الإنجازات؛ فهي مهما عظمت تبقى محدودة أمام الحساب الأخروي، فالنجاة ليست بكثرة العمل أو الشهرة، وإنما برحمة الله وقبول العمل.

ثم تحدث طنطاوي عن علاقته بالحركات الإسلامية والعلماء، موضحًا أنه لم يكن تابعًا لجماعة بعينها، بل كان يتعاون مع كل من يعمل للإسلام ما دام الطريق واحدًا، دون أن ينازع أحدًا على زعامة أو منصب، ولذلك كان مقبولًا عند مختلف الأطراف. ويقارن بينه وبين بعض الكتّاب الذين يعتمدون على علاقاتهم بأهل النفوذ والسياسة للحصول على الشهرة والمنافع، مؤكدًا أنه اختار العمل بعيدًا عن هذه الدوائر.

ثم يوضح أنه لا يطلب في هذه المرحلة من حياته (بعد سبعة وسبعين عاماً) مالًا ولا شهرة، فقد كفاه الله ورزقه قبولًا بين الناس، لكنه يروي حادثة قضاء دينه بفضل منحة من الملك سعود عبر صديقه الشيخ عبد الله بلخير. فقد كان عليه دين كبير بسبب بناء منزل، وعندما علم الملك بحاله أمر بسداد الدين بمبلغ 1600 جنيه إسترليني، وهي مساعدة بقيت في ذاكرته دليلاً على الكرم والوفاء، فدعا للملوك الذين أحسنوا إليه.

بعد ذلك يذكر أمنياته الأخيرة في الدنيا: أن يعود إلى الشام بحرية، وأن تُنقل مكتبته إليه، وأن يستقر أهله، وأن يحفظ الله صحته. أما أمنيته الكبرى للآخرة فهي المغفرة وحسن الخاتمة، وأن يرى المسلمين يعودون إلى دينهم فتعود لهم العزة والمجد.

ثم يبدأ حلقة أخرى بعنوان: "أخي المبتعث إلى باريس"، فيتحدث عن أثر الحرب العالمية الأولى في تغيير حياة المسلمين، إذ فتحت أبواب الاحتكاك بالغرب بما فيه من علوم ومحاسن ومفاسد. ويرى أن الغرب جاء للمجتمعات الإسلامية بالعلم والتقدم، لكنه حمل معه أيضًا تغيرات أخلاقية وفكرية أثرت في الدين والعادات.

كما يذكر الكاتب نشاطه مع زملائه داخل الكتلة الوطنية التي قادت النضال من أجل استقلال سوريا، ويوضح أن بعض رجالها الذين نجحوا في مرحلة المقاومة والنضال لم ينجحوا بالقدر نفسه عندما وصلوا إلى الحكم، إذ غيّرتهم السلطة والمناصب. ويخلص إلى أن تاريخ النضال الوطني يحتاج إلى توثيق حتى لا تضيع مواقف الرجال وتضحياتهم.

ويصف طنطاوي شدة النضال السوري ضد الانتداب الفرنسي في تلك الفترة، واصفاً إياه بأنه يفوق أحداث فلسطين ومصر (1919) بأضعاف؛ حيث كانت شوارع دمشق ساحات حرب، وكان الجامع الأموي مركزاً للقيادة الشعبية وانطلاق المظاهرات التي تصطدم بالدبابات والشرطة، وتستهدف مخافر الاحتلال ووسائل النقل التابعة للشركات الأجنبية.

ويستعرض في ذلك أسماء نخبة من الشباب والرفاق الذين شاركوه مرحلة الكفاح ومواجهة الحياة (مثل: محمود الرفاعي، وسعيد الجزائري، وإسماعيل قولي، وصبحي النبهان، وأنور العش)، متحسراً على ضياع التوثيق التاريخي لنضالهم (ككتاب "طريق الحرية")، ومؤكداً أن هذا التاريخ لو دُوِّن لكان سِفْراً من أسفار الأمجاد الكبيرة.

يُشير الكاتب إلى عمله هو وأصدقائه (مثل: منير العجلاني وصبري القباني وغيرهم) تحت لواء "الكتلة الوطنية" التي قادت النضال للاستقلال، وينتقد بعض رجالها الذين تبدلت أحوالهم بعد توقيع المعاهدة ودخولهم معترك السلطة، فخابوا في الحكم بمقدار ما نجحوا سابقاً في النضال. وذكر بعضهم بأسمائهم ووظائفهم.

ثم يُحدثنا طنطاوي عن حادثة اغتيال غازي بن فيصل ببغداد،وذلك بعد المظاهرة الحاشدة التي قامت لنصرته بأيام قليلة (عام 1939)، حيث تفاجأ الناس بوفاة الملك الشاب غازي (26 عاماً) إثر حادث سيارة مُدبّر واصطدامها بعمود كهربائي. وشاعت الأخبار حينها بأن حادث الاغتيال كان مُصنَّعاً بإخراج سيئ من قِبَل سلطات الاستعمار الإنجليزي وبمعاونة أيدٍ محلية ممثلة بـ (عبد الإله ونوري السعيد)، نظراً للطمات والضربات التي تعرّضت لها جمجمة الملك من الخلف، والتي لا تتوافق مع طبيعة الحادث العادي.

ولعل سبب حب الشعب لغازي: يُرجع الكاتب هذا التعاطف الشعبي الكبير إلى مواقف غازي الأخيرة التي أظهرت تمرد وحماسة الملك الشاب ضد الاستعمار وسعيه لنصرة القضايا العربية والوطنية.

ويذكر طنطاوي أنه بعد استشارة واستخارة شرعية، قرر الاستقالة والعودة من العراق إلى دمشق في ظل الظروف السياسية المتغيرة، مشدداً على مفهوم الاستخارة الشرعية القائم على بذل الجهد ثم التوكل على الله، ومفنداً المفاهيم الخاطئة عنها. وأنه عُيّن أستاذاً معاوناً في مدرسة التجهيز (مكتب عنبر سابقاً) خلفاً للشيخ عبد القادر المبارك.

وفي مقالة أخرى له يصف الكاتب دير الزور بأنها المحافظة السادسة في سوريا، وكان الفرنسيون يتخذونها منفيًّا للموظفين المغضوب عليهم. ويُبرز الشَّبه الكبير والروابط الوثيقة بينها وبين مدينة الموصل العراقية في العادات، والأبنية، والزي، واللغات.

وفي عطلة منتصف السنة، ألقى طنطاوي خطبة حماسية في أحد مساجد دير الزور، هاجم فيها الاحتلال الفرنسي بعد سقوط باريس، مما أثار مظاهرات عارمة بالمدينة. وأصدر المستشار الفرنسي أمراً بالقبض عليه، لكن الأهالي والركاب حموه حتى وصل دمشق، وهناك رفض الفرنسيون عودته للدير فَمُنح إجازة مرضية.

ثم يمتدح طنطاوي «مجلة الأحكام العدلية»؛ لبلاغتها وحسن سبكها، مشيراً إلى أنها تضمنت القواعد الفقهية الكبرى وأهم أحكام المعاملات. ويتحسّر على اقتصارها على المذهب الحنفي دون بقية المذاهب. ويذكر في ذلك اعتكافه المكثف على دراسة المجلة؛ حيث أغلق على نفسه الباب، واستظهر جميع مواد المجلة (1800 مادة)، ودَرَس قانون الأحوال الشخصية. وقد عمل على إصلاح أحد مواد هذه المجلة، وهي المادة التي تُبطل زواج من لم تُكمل التاسعة (الأمر الذي يخالف عقد النبي ﷺ على عائشة رضي الله عنها)، فظل يحاربها حتى ألغاها بنفسه لاحقاً عند وضعه مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري.

وقد تأهل طنطاوي في دراسته الشرعية، وكان من أوائل الناجحين في امتحان المحاكم الشرعية، وعُيِّن قاضياً شرعياً في قضاء «النبك». وقبل أن يستلم عمله، طلب إمهاله شهراً أقام فيه بالمحكمة الشرعية بدمشق ليتدرب على الإجراءات والمعاملات العملية كي لا يتحكم فيه أحد.

ثم يروي انتقاله إلى قضاء «دوما» (1942م) المحاذية لدمشق، والتي يربطها بها خط الترام المرور بـ «الغوطة»، ويتطرق في ذلك لأعلام القراء والعلماء في قرى الغوطة (مثل زملكا وعربين)، ويستحضر ذكريات الجيل العثماني القديم والعلماء المجودين في صفوف قادة الجيش العثماني، منتقداً من يقرن الحكم العثماني بالاستعمار الأجنبي.

ثم يذكر أهوال الحرب العالمية الثانية في دمشق (1941م)، من خلال التطرق إلى الضائقة الاقتصادية، المتمثلة بجشع التجار وغلاء الأسعار المفرط،كما يذكر مأساة الغارة الجوية على دمشق القديمة، وذلك في فجر ليلة (25 حزيران 1941م)،حيث ألقت طائرة قنابل غادرة خلال 50 ثانية على أحياء مدنية قريبة من الجامع الأموي (الكلاسة، باب السلامة، سيدي عامود)، فدمرت العشرات من الدور العربية الفقيرة والأسواق وأبادت أسرتين بكاملها، وحولت حي الكلاسة الآمن إلى تلٍّ من الأنقاض والمآسي، وكانت حصيلة الغارة: دمار 28 منزلاً، وسقوط 71 قتيلاً (غالبهم من النساء والأطفال) و50 جريحاً نتيجة عدوان غادر ومباغت.

كما زيف طنطاوي ادعاءات الحضارة الغربية في شعارات يرفعونها (كالديمقراطية وحقوق الإنسان) مع جرائمهم، والاستشهاد بـ إبادة هيروشيما وناغازاكي كأبشع صورة للرقي العلمي المدّعى.

كما يروي الشيخ علي الطنطاوي جانبًا من تجربته قاضيًا في مدينة دوما، مبينًا أنه اتخذ منذ البداية موقفًا حازمًا في رفض مجاملة أصحاب النفوذ أو الانتفاع بعلاقاتهم، فكان يقطع أي صلة قد تؤثر في استقلاله، مما أكسبه عددًا من الأعداء.

ثم ينتقل إلى ذكر بعض الطرائف القضائية، فيثني على الفرنسيين في إنشاء سجل الأحوال المدنية والسجل العقاري، مع تأكيده أن الاعتراف بفضلهم في هذا الجانب لا ينافي رفضه للاستعمار. ويختم بقصة طريفة عن امرأة جاءت لتثبيت نسب ابنها، فادعت عُمْرًا يجعلها قد أنجبته وهي في الخامسة، وبعد جدال طويل قبلت أن ترفع عمرها إلى خمس وأربعين سنة، ساخرًا من ميل كثير من الناس، ولا سيما النساء، إلى إخفاء أعمارهم الحقيقية.

ويروي حادثة أخرى عن امرأة جاءت تطلب إثبات طلاقها، فإذا بها تعترف ببساطة أن لها زوجين في وقت واحد، ويتبين أن إمام القرية زوّجها لآخر وهي لا تزال في عصمة زوجها الأول، بحجة أنه أراد إبعادها عن الحرام، فأحال الإمام إلى النيابة العامة لتحقق في الأمر.

كما يفيض بالحديث عن خبرته في إصلاح ذات البين بين الأزواج، فيبين أن كثيرًا من دعاوى النفقة كانت تخفي خلافات زوجية أكثر من كونها مطالب مالية، وأنه كان ينجح في الصلح بإبعاد تدخل الأهل وترك الزوجين منفردين ليتحاورا، وينصح بعدم تدخل الأقارب في الخلافات الزوجية إلا عند الضرورة، كما يشرح بإيجاز أحكام النفقة وبيت الطاعة، مبينًا أن الإكراه على الرجوع إلى بيت الزوجية ثبت عدم جدواه، وأن أثر الحكم بالمتابعة يقتصر على سقوط حق الزوجة في النفقة إذا امتنعت بغير حق.

ينتقل الشيخ علي الطنطاوي من الحديث عن القضاء إلى نقد بعض الممارسات الطبية، مؤكدًا أن نقده موجّه إلى بعض الأطباء لا إلى مهنة الطب نفسها؛ فيرفض تخويف الطباء لمرضاهم، ومبالغتهم في الأمور، مؤكداً على أن الكلمة الخاطئة قد تكون أشد ضررًا من المرض نفسه. كما يعيب على بعض الأطباء تغليب الربح على إتقان المهنة، سواء بالإكثار من المرضى فوق طاقتهم، أو استغلال شهرتهم لإقناع المرضى بعمليات أو علاجات غير ضرورية، أو تحويل الطب إلى وسيلة لجمع المال.

وفي المقابل يبيّن طنطاوي أن بعض المرضى يظلمون الأطباء بعدم الالتزام بتعليماتهم؛ فكثير منهم يترك الدواء قبل أن يُتمّ مدته، أو يسيء استعماله، ثم يتهم الطبيب بالجهل والفشل. ويسوق طرائف توضح سوء فهم المرضى، منها من ظن أن المقصود بـ"خضّ الدواء" هو هزّ المريضة نفسها، ومن فهم أن عليه شرب ثلاثة فناجين قهوة بدل ثلاثة فناجين من الدواء. كما ينتقد لجوء بعض الناس إلى غير المختصين، كالصيادلة أو طلاب الطب، وتركهم الأطباء الأكفاء، ويورد قصة ساخرة عن مساعد طبيب استنتج أن مريضًا أكل حمارًا لأنه رأى بردعته عند الباب.

ثم تناول طنطاوي قضية القاضي الشهيد (عادل العلواني - 1949م)، وهو جرم غير مسبوق، حيث هزّ نبأ اغتيال القاضي عادل العلواني دمشق؛ إذ لم يُعهد في تاريخ المسلمين اغتيال قاضٍ بسبب حكمه بالحق. وقد استغل الحادثة للمطالبة بـتحسين رواتب القضاة؛ لضمان كفايتهم وكرامتهم واستقلاليتهم عن أي إغراء أو ضغط. وكُشف أن القاتل والمحرض (رجل غني جبان استأجر قاتلاً بطعنة سكين)، ثم أتبع ذلك بالحديث عن مكانة القضاء في الإسلام، وتناول في ذلك بعض القضايا الهامة والخطيرة فيما يتعلق بمال الأيتام، ومراعاة المصلحة في الزواج، وتيسير العقود.

كما قدم طنطاوي استعراضاً تحليلياً شاملاً لحالة الأدب والحركة الفكرية في خمسة أقطار عربية (سوريا، العراق، السودان، لبنان، الحجاز)خلال ثلاثينيات القرن العشرين، مُبرزاً التحديات المقاومة للنماء الأدبي ومظاهر الصحوة والنماء وقادة الثورات والاستتقلال في كل بلد.

كما يستحضر الطنطاوي مواقف مشرفة لكبار القادة العرب؛ حيث استمع الحاج أمين الحسيني لمدة ساعة وربع لهجوم وتهم موجهة إليه من وفد دعوي (بينهما الأستاذ محمد كمال الخطيب وزهير الشاويش) دون أن تتحرك في وجهه عضلة، ثم ردّ عليها منطقياً بالدليل والبرهان حتى أقنعهم ودحض حُججهم.

ثم استعرض الطنطاوي زياراته المتعاقبة لفلسطين (منذ 1928 حتى 1947)، مشيراً إلى لقاءاته بعلمائها وأعيانها (مثل الشيخ الخالدي صاحب المكتبة الجامعة بالقدس، والشيخ نمر الخطيب)، وكشف عن محاولات الإفساد الأخلاقي والاجتماعي المُمَنهج التي قادها المستعمر واليهود في المدن الفلسطينية (كحيفا)، ومظاهر التمييز الخدمي التي مارستها البلديات البريطانية ضد الأحياء الإسلامية.

ثم ينتقد المؤتمراتالإسلامية التي يكثر انعقادها، دون ادنى فائدة، مؤكداً غلبة الكلام فيها على العمل، بمعنى الإكثار من الخطب دون وجود آليات تنفيذية، وغياب التمثيل الشرعي أي: عدم اختيار الأعضاء بوكالة رسمية وشعبية ملزمة من أقطارهم، ثم تحول اللجان المنبثقة عنها إلى وظائف ومصالح دنيوية بعد انتهاء الفعالية.

ثم ينقل طنطاوي رحلته المصرية (1945 م) وأهم الشخصيات التي التقى بها: (الشيخ محمد الحامد) حيث يصف صحبته له إلى مصر، وأنه رغم اختلافهما الفقهي والصوفي إلا أنه كان صادقاً مع الله ومع نفسه.ثم الشيخ (حسن البنا)؛ فيذكر لقاءه به في القاهرة، ويصفه بمجدد الإسلام في هذا القرن، مشيداً بتواضعه وطريقته الهادئة في الخطابة التي تهز القلوب دون انفعال. كذلك (الشيخ محمد محمود الصواف)؛ فيتذكر أول ظهور له عندما قام شاباً عراقياً موصلياً يُلقي خطبة حماسية متدفقة في دار الإخوان المسلمين بالقاهرة سنة 1945 م. كذلك الكاتب (إسعاف للنشاشيبي) ذو الثقافة الموسوعية واستشهاداته الأدبية النادرة، متطرقاً إلى تجريبه فن «شعر التفعيلة» في رثاء أحمد شوقي.

ثم يذكر طنطاوي تاريخ الخلاف الأدبي القديم بينه وبين الأستاذ سيد قطب أيام معركة الرافعي والعقاد، ثم التحول إلى الموافقة والتأييد بعد قراءة كتاب «التصوير الفني في القرآن» ثم كتاب «الظلال»، والتقدير العميق لشخصيته وثباته حتى نال الشهادة. ثم توثق صلته بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي والأستاذ عبد الرحمن خضر بعد لقائهما، حيث أثنى على فضلهما وعلمهما.

ثم يتأمل الشيخ علي الطنطاوي مصر الطغاة، ونهايات من استعلوا على الخلق وقادوا الفتن (مثل صاحب الزنج والقرامطة)، مؤكداً أن غيرة الله ودائرة الزمان تجعل كل ظالم وجبار عبرةً للناس، وموضحاً أن من يغترّ ببهرج الدنيا ومظاهر القوة فهو مغرورٌ أحمق.

كذلك أشاد بدور تكايا الطرق النقشبندية في إيواء وإطعام وكتاتيب العلم للغرباء والمحتاجين، كما أبدى استغرابه الشديد من عادة بعض المشايخ في المسجد بالتدخين أو شم "النشوق"، منبهاً على أن العادة قد تُضعف الشعور بنكارة الفعل.

ثم يوضح طنطاوي الفرق بين الفتح الإسلامي وبين الغزوات العسكرية العابرة (كالمنغول ونابليون) والفتح الإسلامي الذي تميّز بفتح القلوب والعقول وزرع الإيمان والعلوم ليصمد أثره على مر العصور.

ثم بدأ الحديث عن استعمار الهند؛ إذ دخل الإنجليز استعمار الهند بدكان/مركز تجاري استأذن السفير الإنجليزي (هوكنز) الملك الصالح أورانك زيب لافتتاحه سنة 1606 م في ميناء سورت. ثم توسعت هذه المراكز والمتاجر خلال 150 سنة لتتحول إلى شبكات تجسس وقلاع حربية، حتى طوقت البلاد بعد تصدع الدولة الإسلامية وتفرقها عقب وفاة أورانك زيب. وقد أعلن المسلمون الجهاد في مارس 1857م بقيادة ميرزا مغول (ابن آخر إمبراطور مسلم بهادر شاه)، لكن الإنجليز قمعوا الثورة بأسلحتهم الحديثة ودسائسهم. حينها دمر الإنجليز دهلي وقتلوا أهلها، وارتكبوا جُرماً بشعاً بحق الإمبراطور المسلم حين قدموا له رؤوس أبنائه الثلاثة المقطوعة في صحن مغطى فور طلبه الطعام!

وبعد العقود التي تلت الثورة وانزواء المسلمين، برز أحمد خان ليدعو المسلمين إلى تعلم العلوم الغربية والترقي الوظيفي، وأسس جامعة عليكرة (ومما يُروى عن حلمه أنه باع حذاءً قديماً أرسله له أحد المعارضين بتسليم سند إيصال تبرع، فاستحيا الرجل وتبرع بمبلغ كبير). وقد أدرك أحمد خان استحالة اتحاد المسلمين مع الهندوس (في حزب المؤتمر تأسيس 1885م) لاختلاف العقائد والطبائع الجذرية، وظهر الخلاف جلياً بتباين المصالح وتقسيم البنغال سنة 1905م.

ويشير طنطاوي إلى سقوط الخلافة وموقف الهندوس (وعلى رأسهم غاندي) المتستر بالنعومة، مع انتقاد الزعامات القيادية التي قادت الحركة الإسلامية (كـ "محمد علي جناح") لكونها حاربت الاستعمار ظاهرياً بينما تشرّبت فكره وسلوكه وسجلت مظاهر البعد عن تطبيق الشريعة الإسلامية. ثم تقسيم الهند وتأسيس باكستان، من خلال قيام دولة باكستان ("أرض الأطهار") مقطعة الأوصال، ومعاناة المسلمين في التقسيم الجغرافي (مثل قضية كشمير وحيدر أباد). ويؤكد الكاتب أن النصر والتمكين لا يتحققان إلا بالعودة الصادقة للاعتصام بشرع الله وتاريخه.

ثم استحضر طنطاوي تاريخ مدينة دهلي (دلهي)، وعظمتها باعتبارها "الفردوس الإسلامي المفقود" وعاصمة الحكم الإسلامي لثمانية قرون، متطرقاً إلى المفارقة بين طرازها القديم والحديث، ومعالمها المعمارية العظيمة (مثل المسجد الجامع وتاج محل في أغرة) التي تجسد دقة الفن الإسلامي وجلاله مقارنة بالمباني البريطانية.

ثم تناول (علي الطنطاوي) في ذكرياته محطات مفصلية في تاريخ الشام؛ بدءاً من أسباب ضعف تأثير العلماء وانحراف الاستقلال عن مساره الأخلاقي، وصولاً إلى أساليب الاستعمار الفرنسي في تفريغ التعليم واللغة والتاريخ من مضمونها الإسلامي والعربي.

ثم يسرد الشيخ طنطاوي مساعي كبار العلماء في الشام لتجاوز الخلافات (بين سلفية وصوفية وغيرهم) وتوقيع ميثاق عمل إسلامي مشترك يواجه التحديات الفكرية والاجتماعية.

ويتناول الشيخ الطنطاوي حقبة الوحدة والانفصال في سوريا عن مصر، موثقاً قصّة صلاة الاستسقاء الشهيرة بسفح جبل قاسيون عام 1960م وما أعقبها من نزول الغيث ببركة التوبة والالتجاء إلى الله. كما يعرض ردوده على المقالات والرسائل التي انتقدت موقفه من تجربة الوحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر وسياساتها الأمنية والاقتصادية، مبيناً أسباب ابتهاج الشعب السوري بالانفصال رفضاً للقمع ومحاربة الحريات والعلماء.

كما يستعرض تفاصيل ظهوره الأول على شاشة التلفزيون لتكذيب شائعة مقتله، متناولاً مضامين كلمته الوعظية والساخرة من الشائعات، إلى جانب تأكيده على استقلاليته التامة عن الأحزاب والسياسة، وزهده في التقرب للحكام، وثباته على الجهر بالحق وإنكار المنكر ابتغاءً لمرضاة الله وحده دون خوف أو مداهنة.

ثم يعود الشيخ علي الطنطاوي ليتذكر شيئاً من شبابه، حين جاب أطراف الأرض ووصل إلى أقطار بعيدة كإندونيسيا وهولندا، متحسراً على ضياع أيام الشباب وثقل الحركة عليه اليوم، ومستعرضاً تفاصيل رحلته عام 1954م إلى سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، حيث التقى بالجاليات العربية وأبناء حضرموت، وزار المعالم التاريخية والعلمية والقرى الساحرة كمدينة "جوكجا" وجبال سورابايا، منتقداً غفلة المسلمين عن التعرف على بلاد الشرق الإسلامية مقابل معرفتهم الواسعة بأوروبا وأمريكا.

ويوثق طنطاوي المواقف الإنسانية والاجتماعية البارزة التي عاشها الشيخ خلال رحلته؛ مثل تكريمه لجهود الإندونيسيين وتمسكهم بالدين وبناء المساجد والمعاهد، واحتفالهم بشهر رمضان وعيد الفطر، فضلاً عن مواقفه المؤثرة في إدخال السرور على الأطفال واللقطاء، وصولاً إلى استعراضه لمحطات من تاريخ دخول الإسلام إلى إندونيسيا وجهاد شعوبها ضد الاستعمار الهولندي الذي استنزف مقدرات البلاد حتى نالت استقلالها.

كما يستعرض النص تفاصيل معركته الأدبية الشهيرة سنة 1947م ضد أطروحة "القصص في القرآن" لمحمد أحمد خلف الله وإشراف أمين الخولي، مبيناً غيرته الشديدة على قدسية القرآن وتفنيده لآراء الأطروحة التي طعنت في صدقه التاريخي، إلى جانب رثائه المؤثر للدكتور شكري فيصل واسترجاعه لقصص الفقد المؤلمة باستشهاد ابنته "بنان".

ثم يستعرض طنطاوي التاريخ الجهادي والتحرري لشعب إندونيسيا في مقاومة الاستعمار الهولندي والياباني والإنجليزي عبر ثورات متتالية؛ كحرب الأمير ديبانيكارا وحرب أبتشيه، وصولاً إلى تأسيس الحركات والجمعيات الإسلامية الحديثة مثل «شركة إسلام» و«الجمعية المحمدية»، وإعلان الاستقلال في 17 أغسطس 1945م وما أعقبه من ملاحم بطولية في معركة سورابايا والدفاع عن سيادة الشريعة.

ثم يعرض الشيخ الطنطاوي رؤيته التربوية والتعليمية، مستعرضاً مقومات المعلم الناجح القائمة على الاستيعاب والمرونة والتواضع، مع مقارنة دقيقة بين التعليم القديم الحازم والحديث المليء بالملهيات، فضلاً عن أهمية غرس العقيدة والصدق في نفوس الأطفال، وتطوير أساليب تدريس اللغة العربية، وتحصين الأجيال وتربية البنات على التمسك بالقيم والحجاب عن قناعة واقتناع.

كذلك يستعرض ذكرياته القضائية الحافلة بالفكاهة والحزم في محكمة دمشق الشرعية، مُبرزاً مبادئ الحزم، والنزاهة، والاستقلالية التامة في رفض الوساطات والهدايا، إلى جانب استحضار مواقف وطنية بارزة مثل حملة «أسبوع التسلح» لدعم الجيش والتضحيات الشعبية الجليلة في سبيل الوطن، والعبر المستخلصة من مأساة فلسطين وأهمية البذل والاعتماد على النفس لحفظ الكرامة.

ويذكر طنطاوي صوراً مضيئة من حياة علماء دمشق الأجلاء في الماضي ومجالسهم العلمية في المساجد والبيوت، مستحضراً جهودهم في حفظ وتدريس العلوم الشرعية بمختلف مذاهبها، وصولاً إلى تأسيس الكلية الشرعية لتطوير التعليم الديني. كما يتناول محطات فكرية وعقدية بارزة؛ أبرزها موقف العلماء الحاسم في تفنيد أباطيل الطريقة التجانية دفاعاً عن عقيدة الأمة، مع تأصيل مفاهيم علمية دقيقة حول الثقافة الإسلامية ومصادر المعرفة وتصنيف مراتب اليقين.

ثم ينتقل تباعاً ليسلط الضوء على النهج الإصلاحي في الفقه الإسلامي، حيث انتقد طنطاوي الجمود المذهبي والتقليد الأعمى، داعياً إلى الاجتهاد والترجيح وفق قوة الدليل والمصلحة والواقع الطبي والعلمي. وقد توج هذه الجهود بريادته التاريخية في إعداد وإنجاز أول مشروع جامع لقانون الأحوال الشخصية في سوريا عام 1953م، والذي اعتمد على الانتقاء الدقيق من المذاهب الإسلامية واختيارات المحققين لتحقيق العدل ورفع الحرج عن الناس.

كما يوثق طنطاوي رحلة إيفاده الرسمية إلى مصر عام 1946م للاستفادة من خبراتها التشريعية والمؤسسية، حيث عمل في إدارة التشريع بوزارة العدل والتقى بنخبة من كبار العلماء والقضاة والأدباء كالدكتور السنهوري والأستاذ أحمد شاكر. وقد خاض خلال تلك الفترة نقاشات قانونية وفقهية هامة، وشارك في مجالس فكرية وأدبية واسعة عكست عمق حضوره العلمي وتأثيره البارز في مسيرة التشريع والإصلاح في العالم العربي.

ويتحدث الشيخ علي الطنطاوي عن خوضه لانتخابات البرلمان السوري عام 1947م بدعم من «رابطة العلماء» وسط منافسة محتدمة، وما شابها من تزوير جعله يستقيل ويعتبر عدم نجاحه رحمة إلهية تبعده عن السياسة الملتوية، متبوعاً بمشاهدات عودته عبر حيفا ورؤيته لانتشار الفساد فيها قبيل سقوطها.

كما يستعرض طنطاوي مقالاته وذكرياته التي كتبها حول تحديات الأمة وأسباب نصرها المرتبطة بالتمسك بالإيمان، مستذكراً رجال التعليم ومظاهر التبذير الاجتماعي والمقارنة بين أزمنة الماضي والسرعة في العصر الحديث، إلى جانب رثائه المؤثر للرفاق وذكريات الشام الخالدة.

ثم يختم بتوثيق رحلته إلى ألمانيا عام 1970م لزيارة ابنة شقيقته وحفيديه في آخن، واستعراض نشاط المركز الإسلامي هناك، ومحاوراته العقلانية مع القساوسة والرهبان لشرح محاسن الإسلام ومحاربة الانحراف والتبعية للغرب.

ثم يعود طنطاوي ليتأمل في سكرة الموت وعجز الإنسان المطلق أمام رد الروح، مشبهاً رحلة العمر بقطار يتساقط ركابه حتى لم يبقَ من جيله أحد، ومتمنياً حُسن الخاتمة والستر من الله عز وجل. 

كما يشيد بوعي الشباب المسلم في الغرب وزهدهم وإقبالهم الصادق على الدين، مستعرضاً مشاهدات من زيارته لبروكسل ومؤتمر ألمانيا، وداعياً إلى توحيد الكلمة على أصول الكتاب والسنة وترك التفرقة والبدع، فضلاً عن ذكريات رحلته لهند وسفر الحج ومواقف طريفة مع الحيوانات والطبيعة.

ثم يُنوّه بجهود العلامة الشيخ أبي الحسن الندوي ومعهد "ندوة العلماء" في التربية وإعداد الأجيال، مستعرضاً معاركه الفكرية للدفاع عن الإسلام ضد دعوات الانحراف، وشاهدًا على التحولات الكبرى وسقوط الإمبراطوريات خلال عمره، مع بقاء الأمل معقوداً على الجيل الجديد من شباب الأمة وشاباتها.

ثم يستحضر طنطاوي هيبة وتدبر تكليفه بإبداء الرأي الشرعي تمهيداً لأول مؤتمر قمة إسلامي، ناظراً إلى اجتماع حكام المسلمين تحت سقف واحد -لأول مرة منذ انقسام الأندلس- على أنه بشير فجر جديد للأمة التي ترتبط عزتها بالتمسك بشرع الله. 

ويعقب ذلك بموقف وفاء ودموع حزن لفراق نخبة من الأعلام والرجال المخلصين؛ كالوزير الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، والأستاذ عبد الرحمن بن صالح التونسي، والشيخ إبراهيم بن عبد العزيز، مستذكراً مآثر آبائهم وأثرهم العظيم في التربية والعلم، ومؤكداً في سياق متصل أن التلبية الصادقة لله في الحج يجب أن تنعكس استجابة شاملة في نصرة قضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين والمسجد الأقصى.

ثم يوجه طنطاوي استنكاره اللاذع لمن يهنأ بالعيش ويستطيب النوم بينما تُباد مخيمات اللاجئين وتتعالى صيحات المستضعفين في فلسطين ولبنان، منتقداً دعوات التفاوض العبثية مع المحتل ومهاجمًا انحراف ما يُسمى بـ «شعر الحداثة». وينتقل لاستعراض ذكريات انتقاله إلى الرياض والتدريس في كلية اللغة العربية، حيث ابتكر أسلوباً جديداً للإنشاء يقوم على النقد الموضوعي وتحليل أساليب كبار الأساتذة كالرافعي والمازني، مبدياً معاناته مع الوحدة والألم الصحي ومعالجته لفكرة التجديد في عرض العقيدة وتدريسها للشباب، والتي أثمرت عن كتابه «تعريف عام بدين الإسلام».

ثم يوثق طنطاوي تجربته الطويلة مع آلام حصى الكلية ورحلاته العلاجية بين الرياض ودمشق، مشيداً بروح التكاتف والتكافل التي يتميز بها المجتمع المسلم مقارنة بغربة الغرب، ومنوهاً ببراعة الأطباء في المملكة وسوريا. ثم يستعرض انتقاله للتدريس في مكة المكرمة وما شهده من نهضة عمرانية واسعة، عارضاً رؤيته في إصلاح نظام الامتحانات، واستحضاره لذكريات يوم الجلاء عن سوريا (17 أبريل 1946م) بكل ما فيها من مظاهر الفرح والبطولة والافتخار بنضال الشعب السوري وتضحياته الجليلة ضد المحتل الفرنسي.

كما يحذر الشيخ طنطاوي من تدرج الانحلال ومخاطر الاختلاط والتبرج المقلد للغرب في المدارس وميادين الحياة، مشدداً على أهمية الحجاب والتمسك بالقيم الشرعية لحماية الأجيال، وداعياً إلى توجيه مجالس وعظ خاصة بالنساء في المساجد. 

وينتقل طنطاوي لنقد واقع تدريس اللغة العربية ومستوى طلاب الجامعات، مستذكراً بشيء من الحنين والحسرة شظف العيش وقسوة أساليب التعليم والكتاتيب في طفولته بدمشق قديماً، ومقارناً بين مشقة الأمس ورفاهية اليوم التي تستوجب الشكر والتقدير من الأبناء.

ويختتم الكاتب ذكرياته ومسيرته الإصلاحية بالدعوة إلى العودة لراية الإسلام والاعتصام به بعيداً عن الرايات القومية، مستعرضاً عبقرية الشباب العصامية، ومنتقداً تراجع الملكات الأدبية وضعف اللغة بسبب المناهج الحديثة وما يُسمى بـ "أدب الحداثة"، فضلاً عن اختلال المقاييس الاجتماعية في تقدير المشاهير على حساب العلماء. كما يضيء على نموذج أخيه "ناجي" في ارتجال الشعر السهل وضرورة الجمع بين العلوم الشرعية والكونية، ليُنهي رحلته الطويلة بإعلان الاعتزال الفكري وتوثيق إتمام هذه المذكرات الشاملة في مكة المكرمة عام 1409هـ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق