أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 3 أغسطس 2026

إلى طالب اللجوء (السويد) صادر عن دائرة الهجرة السويدية بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

إلى طالب اللجوء (السويد)

صادر عن دائرة الهجرة السويدية

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: وأخيراً… قررت الشجرة أن تمنح العصفور فرصة ليعيش على شجرة أخرى خارج الحقل. وإنما قررت ذلك... لأن صوته لا يعجبها! مع إقرارها بأن جناحيه قصيران، ومنقاره صغير. لكن صوته... مزعج إلى حد الغثيان، بحسب تعبير الشجرة. الأمر الذي يراه الآخرون إجحافاً بحق عصفور آخر صغير، يبحث عن مأوى وعش له بين الأشجار. ولكن... إلى أين يذهب؟ وإلى أين يمضي؟

هذا... بالضبط ما يحدث لطالب اللجوء! ولأن أحسن حالات العصفور – إن نجا في رحلته من المخاطر –أن يجد شجرة أخرى... تتسع له أغصانها، وتفرش له أوراقها لهذا اللاجئ الصغير. وربما... وقع أسيراً في شبكة معقودةٍ على شجرة أخرى، فيدخل في قفص العبودية... ويستمر كذلك مدى الحياة!

ومع كوني الكتاب لا يعدو دليلاً إرشادياً… إلا أنني سأحاول طرق بعض الموضوعات... ذات الصلة بالعنوان. فأقول: لقد شكَّل الاستبداد السياسي، وما صاحبه من تضييق للحريات العامة، أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تشكيل الواقع العربي المعاصر، وألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. فحين تُغلق أبواب المشاركة السياسية، ويغيب حكم القانون، وتتراجع قيم العدالة والشفافية، يجد الإنسان نفسه في وطنٍ يضيق بأحلامه وطموحه، فيتحول البحث عن فضاءٍ أكثر حريةً وكرامة إلى خيارٍ تفرضه الضرورة أكثر مما تمليه الرغبة.

وقد عانت دول عربية عديدة من تغوّل السلطة التنفيذية، وغياب آليات التداول السلمي للسلطة، وضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة، الأمر الذي أفضى إلى تقييد الحريات العامة، وتضييق مساحات التعبير، وإقصاء الأصوات المخالفة. 

وفي مثل هذه البيئات تتراجع الثقة بين الدولة والمجتمع، ويحل الخوف محل المبادرة، والصمت محل الحوار، فتفقد المجتمعات كثيرًا من قدرتها على التجدد والإبداع.

ولم يكن المفكرون والعلماء والمثقفون بمنأى عن هذه التحولات؛ إذ تعرض كثير منهم، بدرجات متفاوتة، للتضييق أو التهميش أو الملاحقة أو الاعتقال أو النفي، بينما اضطر آخرون إلى الهجرة حفاظًا على حريتهم الفكرية أو أمنهم الشخصي. 

وهكذا خسرت الأوطان طاقات علمية وثقافية كان يمكن أن تسهم في نهضتها، في حين استفادت منها مجتمعات أخرى وفرت لها بيئات أكثر انفتاحًا واحترامًا للبحث والإبداع.

كما انعكست هذه السياسات على المجال الاقتصادي، فأضعفت المبادرة الفردية، وقيدت الاستثمار والإنتاج، ورسخت في بعض الحالات أنماطًا من المحسوبية والفساد، الأمر الذي أدى إلى تضييق الفرص أمام الكفاءات، ودفع أعدادًا متزايدة من أصحاب الخبرات ورؤوس الأموال إلى الهجرة بحثًا عن بيئات توفر الأمن الوظيفي، والاستقرار، وتكافؤ الفرص، واحترام الكفاءة. 

ومن ثم تحولت الهجرة العربية إلى الخارج من ظاهرة اقتصادية فحسب، إلى ظاهرة حضارية تعكس اختلال العلاقة بين الإنسان ووطنه.

وفي أوقات الأزمات، دفعت الصراعات المسلحة والاضطرابات الداخلية، التي شهدتها بعض الدول العربية، موجات جديدة من الهجرة والنزوح، بعدما وجد ملايين المواطنين أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في ظل أوضاع تهدد أمنهم ومستقبل أبنائهم، أو الرحيل إلى المجهول طلبًا للحياة الكريمة. 

وهكذا أصبحت الهجرة، في كثير من الحالات، نتيجةً مباشرة لتراكم الاستبداد، وضعف مؤسسات الدولة، وتعثر مشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي.

وليس من الإنصاف تعميم هذه الصورة على جميع الدول العربية بالدرجة نفسها، غير أن القاسم المشترك بين كثير من تجارب الهجرة العربية يتمثل في أن الإنسان لا يغادر وطنه طوعًا إذا وجد فيه حريةً تصون كرامته، وعدالةً تكفل حقوقه، وفرصًا تتيح له أن يحقق طموحه. فالوطن الذي يحتضن أبناءه، ويستثمر عقولهم، ويحترم حرياتهم، يتحول إلى بيئة جاذبة للكفاءات، أما حين تضيق مساحات الحرية، ويغيب الأمل في الإصلاح، فإن الهجرة تصبح لدى كثيرين خيارًا اضطراريًا، لا بحثًا عن وطنٍ بديل، وإنما بحثًا عن مستقبلٍ يستحق أن يُعاش.

يمكن جعلها امتدادًا طبيعيًا للفقرات السابقة التي تناولت الاستبداد، وقمع الحريات، وهجرة الكفاءات، بحيث لا تبدأ بالإحصاءات مباشرة، وإنما تمهد لها بفقرة انتقالية، ثم تتدرج إلى الأرقام والأسباب. وفيما يلي صياغة مترابطة:

ولم تكن النتائج المترتبة على الاستبداد السياسي، وتراجع الحريات العامة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مجرد آثار داخلية تمس بنية الدولة والمجتمع، بل تجاوزت ذلك لتنعكس في واحدة من أكثر الظواهر حضورًا في الواقع العربي المعاصر، وهي اتساع رقعة الهجرة إلى الخارج. فقد دفعت هذه الظروف أعدادًا متزايدة من الشباب، وأصحاب الكفاءات، والباحثين، والمستثمرين إلى مغادرة أوطانهم بحثًا عن بيئات أكثر استقرارًا، تضمن لهم الأمن، وتحفظ كرامتهم، وتتيح لهم فرصًا عادلة للإبداع والعمل والعيش الكريم. ولم تعد الهجرة في كثير من الحالات خيارًا شخصيًا تحكمه الرغبة في تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل أصبحت استجابةً لواقعٍ سياسي واقتصادي واجتماعي معقد، جعل البقاء في الوطن أكثر كلفة من الرحيل عنه.

وتؤكد التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الهجرة الدولية، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن العالم العربي يُعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بحركات الهجرة والنزوح، سواء بوصفه منطقة منشأ للمهاجرين، أو مقصدًا للاجئين، أو معبرًا لحركات الهجرة الدولية. 

وتشير أحدث البيانات إلى أن عدد المهاجرين والنازحين قسرًا من البلدان العربية تجاوز (37) مليون شخص، يتوزعون بين مهاجرين سعوا إلى تحسين فرص العمل والتعليم، ولاجئين وطالبي لجوء فرّوا من النزاعات المسلحة والاضطرابات السياسية. كما تستأثر المنطقة العربية بنسبة مرتفعة من أعداد اللاجئين والنازحين على مستوى العالم، إذ تضم ملايين المهجرين قسرًا، إلى جانب عشرات الملايين من النازحين داخليًا بسبب الحروب والصراعات المستمرة.

ولا تقتصر حركة الهجرة العربية على الاتجاه نحو الدول الغربية، بل إن نحو نصفها يتم داخل الإقليم العربي نفسه، حيث يتجه عدد كبير من المهاجرين من الدول العربية الأقل نموًا إلى دول مجلس التعاون الخليجي طلبًا لفرص العمل وتحسين الأوضاع المعيشية. 

وفي المقابل، تشهد المنطقة نزيفًا مستمرًا للكفاءات العلمية؛ إذ يغادر أكثر من (650) ألف طالب سنويًا الدول العربية لاستكمال تعليمهم الجامعي والعالي في الخارج، ولا يعود معظمهم بسبب غياب البيئة العلمية والبحثية القادرة على استثمار خبراتهم، وهو ما يمثل خسارة متواصلة لرأس المال البشري الذي تحتاج إليه المجتمعات العربية لتحقيق التنمية.

وترجع هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل المتشابكة؛ ففي مقدمتها تأتي النزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي، وما خلّفته الحروب في عدد من الدول العربية، مثل سوريا واليمن والسودان وليبيا، من موجات واسعة من اللجوء والنزوح الداخلي والهجرة عبر الحدود. 

كما أسهمت الأزمات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القوة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، وضعف العدالة في توزيع الثروات، في دفع أعداد متزايدة من الشباب إلى البحث عن مستقبل أفضل خارج أوطانهم. وإلى جانب ذلك، برزت التغيرات المناخية، والتصحر، وشح المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، بوصفها عوامل إضافية دفعت سكان كثير من المناطق الريفية إلى النزوح أو الهجرة، فضلًا عن ضعف البنية التعليمية والبحثية، وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات أسواق العمل الحديثة.

غير أن دوافع الهجرة العربية لا تقف عند حدود العوامل الاقتصادية أو الأمنية، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية ونفسية أكثر عمقًا؛ فكثير من الشباب والمثقفين وأصحاب الكفاءات يغادرون أوطانهم بحثًا عن بيئة تحترم كرامتهم، وتصون حقوقهم، وتوفر لهم حرية التفكير والتعبير، وتكافؤ الفرص، وتقدّر الجدارة والكفاءة. كما أن انسداد آفاق المستقبل، وسيادة المحسوبية، وضعف العدالة الاجتماعية، تجعل الهجرة، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر، خيارًا يراه كثيرون السبيل الوحيد لتحقيق ذواتهم وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

ومن ثم، فإن الهجرة العربية لم تعد مجرد حركة انتقال للأفراد بين الدول، بل أصبحت مؤشرًا واضحًا على حجم التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، ودليلًا على العلاقة الوثيقة بين الاستقرار السياسي، والحرية، والتنمية، وبين قدرة الأوطان على الاحتفاظ بعقولها وكفاءاتها. فكلما اتسعت مساحات الحرية، وترسخت العدالة، وتعززت فرص التنمية، تراجعت دوافع الهجرة، وتحولت الأوطان إلى بيئات جاذبة لأبنائها بدلًا من أن تكون طاردة لهم.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق