شخصيات فلسطينية
مؤسسة عشتاروت للثقافة والفنون
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يعرض هذا الكتاب لأربع قامات ثقافية وفكرية سامقة أدّت أدوارًا ريادية في الساحة الفلسطينية والعربية، وخلّفت بصماتٍ جلية في الوعي والذاكرة، هي: خليل بيدس، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وتوفيق زياد. وقد أسهمت هذه الشخصيات الثقافية، في وصل الماضي بالحاضر، وتشكيل جانب مهم من الوعي الثقافي والفكري الفلسطيني والعربي؛ ومن ثمّ تبرز أهمية دراسة سيرهم وإسهاماتهم، واستجلاء أثرهم في الحياة الثقافية والفكرية.
أولًا: خليل بيدس (1875–1949):
ويأتي في مقدمة هذه القامات خليل بيدس، الأديب والمثقف الناصري، نسبةً إلى مدينة الناصرة مسقط رأسه، وصاحب مجلة «النفائس العصرية»، ومؤلف «الوارث»، التي تُعدّ أول رواية فلسطينية، وقد صدرت عام 1920. وكان بيدس من أوائل المثقفين الفلسطينيين الذين أولوا عناية خاصة بالنقل والترجمة عن الآداب والثقافات العالمية، وسعوا إلى تعريف القارئ العربي بخلاصة الفكر العالمي عبر صفحات مجلته.
وقد احتلت «النفائس العصرية» مكانة بارزة في المشهد الصحفي والثقافي العربي، حتى غدت تضاهي في مستواها ومكانتها عددًا من كبريات المجلات والصحف العربية في ذلك العصر، مثل «المقتطف» و«الهلال» في مصر، وهو ما يعكس الدور الثقافي الرائد الذي اضطلع به خليل بيدس في حركة التنوير والتواصل الفكري بين الثقافة العربية والثقافات العالمية.
وكان خليل بيدس من أوائل الأدباء الذين أسهموا في التعريف بفن القصة القصيرة والرواية بوصفهما لونين من ألوان الإبداع الأدبي الرفيع، وذلك من خلال مؤلفاته وترجماته التي عرّفت القارئ العربي بهذا الفن وأساليبه. ويُعدّ بحق واحدًا من رواد القصة القصيرة في العالم العربي عمومًا، وقد حظي هذا الدور باهتمام نقدي وأدبي بارز، إذ ألّف الدكتور ناصر الدين الأسد كتابًا بعنوان «خليل بيدس: رائد القصة الفلسطينية الحديثة»، تناول فيه تجربته ومكانته في نشأة القصة الفلسطينية الحديثة وتطورها.
ثانيًا: إميل حبيبي (1922–1996)
إميل حبيبي سياسي وصحفي وناشط وطني ومناضل وروائي، ترك أثرًا بارزًا في الحياة الثقافية والسياسية الفلسطينية والعربية. وقدّم إلى المكتبة العربية رائعته الروائية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، التي شكّلت تجربة فريدة في الرواية العربية، واستطاع من خلالها أن يطرح، بأسلوب ساخر وعميق، سؤالًا جوهريًا حول إمكان بناء رواية عربية أصيلة، تجمع بين خصوصية التجربة العربية وحداثة الشكل الروائي، وتلتقي فيها براعة المبنى مع عمق المعنى.
ثالثًا: توفيق زياد (1929–1994)
توفيق زياد قائد فذ، وسياسي محنّك، وصاحب مبادرات وطنية واجتماعية، كرّس حياته لخدمة جماهير شعبه والدفاع عن قضاياهم. وقد امتزج في تجربته النضال السياسي بالفعل الثقافي والشعبي، فكان شاعرًا وصوتًا جماهيريًا حاضرًا، وأسهم في إطلاق المبادرات والفعاليات التي عبّرت عن روح الصمود والتكافل. ومن أبرز ما ارتبط بتجربته «ملحمة سرحان»، وأغانيه وأناشيده التي خاطبت الأطفال والجماهير، فضلًا عن دعوته إلى مهرجانات العمل التطوعي والمبادرات الرامية إلى إعادة إعمار الناصرة، بما جعل من تجربته نموذجًا لتلاحم الثقافة مع العمل الوطني والمجتمعي.
رابعًا: جبرا إبراهيم جبرا (1920–1994)
جبرا إبراهيم جبرا شاعر ومثقف وناقد موهوب وباحث رصين وروائي مجدّد، ويُعدّ من أبرز الأسماء التي أسهمت في إثراء الثقافة الفلسطينية والعربية الحديثة. وقد برزت مكانته الروائية في أعماله التي اتسمت بالنزعة الحداثية والتجريب الفني، ومن بينها رواية «الصراخ في ليل طويل»، التي كشفت عن قدرته على تطوير البناء الروائي العربي والانفتاح على آفاق الحداثة. كما أثرى المكتبة العربية بترجمات أدبية متعددة، ولا سيما ترجماته لأعمال شكسبير المسرحية، ولم يقتصر عطاؤه على الأدب والنقد، بل امتد أثره إلى الحياة الثقافية والفنية في العراق، وأسهم في تنشيط الحركة التشكيلية وإغناء المشهد الثقافي العربي بمختلف تجلياته.
وهكذا تتكامل هذه التجارب الأربع، على اختلاف مجالاتها وتنوّع منطلقاتها، لتشكّل صفحات مضيئة في تاريخ الثقافة الفلسطينية والعربية الحديثة؛ فقد جمع أصحابها بين الإبداع الأدبي، والعمل الفكري، والنضال الوطني، والانفتاح على الثقافة الإنسانية، فأسهموا في بناء وعي ثقافي لا يزال حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية.
_________________________________________________
يُعدّ خليل بيدس من الرواد الأوائل للنهضة الأدبية والثقافية في فلسطين، وقد توزعت إسهاماته على مجالات معرفية وأدبية متعددة، شملت التعليم والصحافة والترجمة والقصة والأحاديث الإذاعية. كما تأثر بيدس بالأدب الروسي تأثرًا واضحًا، وكان من أوائل الفلسطينيين الذين ترجموا عن اللغة الروسية، وأسهم من خلال ترجماته في تعريف القارئ العربي بجوانب من الأدب والثقافة الروسية. ويُعدّ كذلك صاحب أول رواية فلسطينية مكتملة البناء الفني، وهي رواية «الوارث» التي صدرت عام 1920، وسارت في بنائها وأحداثها وفق القواعد الفنية المعروفة لفن الرواية في ذلك العصر.
حياته ونشأته:
وُلد خليل إبراهيم بيدس في مدينة الناصرة، وقد اختلف الباحثون في تحديد سنة ميلاده، غير أن دراسة الآراء والروايات المختلفة ترجّح أنه وُلد عام 1875 تقريبًا. وكان والده، إبراهيم بيدس، تاجرًا جوّالًا يبيع الأقمشة المصنّعة، لكنه توفي في سن مبكرة، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره، وكان خليل آنذاك في الخامسة من عمره.
وبعد وفاة والده، لم تلبث والدته وردة، أن تزوجت، فتركته مع أخته في رعاية جدتهما دُلّة. ثم تولى عمه إلياس الصباغ جانبًا من رعايته والقيام على شؤونه، فنشأ خليل وتربى في كنف عمه، وفي رعاية خالته، وسط بيئة أسرية كان لها أثر في تكوين شخصيته المبكرة ومسيرته اللاحقة، التي ستقوده إلى أن يصبح واحدًا من أبرز رواد النهضة الأدبية والثقافية في فلسطين.
أما أسرته فهي أسرة الصبّاغ، ولم يكن اسم «بيدس» في الأصل اسمًا للعائلة، وإنما كان لقبًا أُطلق على عمه يوسف، ثم غلب على الأسرة واشتهرت به. وتروي الرواية أن رجلًا غريبًا كان يقيم في الحي، وكان قوي البنية، شديد العضلات، يعمل في مهنة البناء، واسمه بيدس. وكان معروفًا بقوته البدنية وقدرته على رفع الأثقال، حتى لم يكن أحد يضاهيه في ذلك.
وقد اشتهر هذا الرجل بين أهل الحي بقوته وشدته، فأخذوا يلقبون عمه يوسف بـ«بيدس» تشبيهًا به، ثم شاع اللقب حتى طغى على اسم الأسرة الأصلي «الصبّاغ» وأصبح أفرادها يُعرفون به. وكانت لهذا الرجل أخت تُدعى مريم، وكانت من الشخصيات المعروفة في الحي، تحضر مناسبات الأفراح والأتراح، فإذا أقبلت قال المجتمعون: «جاءت مريم أخت بيدس»، فزاد ذلك في شيوع اللقب وترسيخه في الذاكرة الاجتماعية للأسرة.
تلقى خليل بيدس تعليمه الابتدائي في مدرسة الروم الأرثوذكس في الناصرة، على يد المعلم يوسف النصر، فتلقى عنه مبادئ القراءة والكتابة باللغة العربية، كما درس على يديه سفر المزامير والكتب الدينية، وهو ما أسهم في تكوينه العلمي والأدبي المبكر.
وعندما افتتحت الطائفة الأرثوذكسية الروسية مدرسةً عليا في الناصرة، عُرفت باسم دار المعلمين الروسية، التحق بها خليل بيدس، وظل فيها ست سنوات تلقى خلالها علوم التربية والتعليم، ثم تخرج فيها مؤهلًا للعمل في مجال التعليم والإدارة المدرسية. وبعد تخرجه عُيّن مديرًا للمدرسة الابتدائية الروسية في حمص، وأمضى فيها عامين، ثم انتقل إلى المدرسة الابتدائية الروسية في بسكنتا بلبنان، حيث عمل معلمًا ومديرًا.
وقد كان من بين تلاميذه في مدرسة بسكنتا الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة، الذي أشار إلى أستاذه خليل بيدس في كتابه «سبعون»، وذكر أن المدرسة كانت تضم خمسة معلمين وثلاث معلمات، وكان على رأسها مدير تخرج في دار المعلمين الروسية في الناصرة بفلسطين، وتلقى فيها علوم التربية والتعليم وأصول الإدارة المدرسية. وتكشف هذه الإشارة عن المكانة التعليمية التي احتلها بيدس في بدايات حياته المهنية، وعن أثره المبكر في تكوين عدد من الأدباء والمثقفين الذين أصبح لهم حضور بارز في الثقافة العربية الحديثة.
في لبنان، تزوج خليل بيدس السيدة إدال أبي الروس، وكانت من المعلمات في المدرسة التي كان يعمل فيها، وأنجب منها أربعة أبناء وبنتًا، وهم: إبراهيم، ويوسف، وإميل، وهندي، أما اسم ابنته فلم يرد في المصادر التي تناولت سيرته، ويُذكر أنها تزوجت وأقامت في القدس.
وفي عام 1908، انتقل بيدس إلى حيفا، وهناك وجد في الأجواء التي أعقبت إعلان الدستور العثماني فرصة مواتية لتوسيع نشاطه الثقافي والصحفي؛ فبادر إلى إصدار مجلة «النفائس»، التي سرعان ما ذاع صيتها في الأوساط الأدبية والثقافية في فلسطين وسائر البلاد العربية. وقد أولى بيدس مجلته عناية كبيرة، وجعل منها منبرًا رحبًا للأقلام الأدبية والفكرية من فلسطين وسورية ولبنان وبلاد المهجر، فكان لها حضور لافت في المشهد الأدبي العربي، واستمر تأثيرها قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.
ولم تقتصر مكانة «النفائس» على الانتشار المحلي، بل احتلت موقعًا متقدمًا بين المجلات العربية في عصرها، حتى غدت تُقارن بعدد من المجلات والصحف الثقافية الكبرى، مثل «المقتطف» و**«الهلال»** في مصر، لما تميزت به من تنوع في الموضوعات، وانفتاح على الآداب العالمية، واهتمام بالشؤون الفكرية والأدبية والثقافية.
وفي أعقاب إعلان الدستور العثماني، قررت الحكومة العثمانية إنشاء مجلس مختلط لإدارة شؤون الطائفة العربية الأرثوذكسية والإشراف على أوقافها في فلسطين والأردن، على أن يتوزع أعضاؤه بالتساوي بين ممثلين عن العرب الأرثوذكس من جهة، ورجال الكليروس اليوناني من جهة أخرى. وبحكم ما كان يتمتع به خليل بيدس من مكانة علمية وثقافية، اختارته الطائفة الأرثوذكسية ممثلًا لها في مقر البطريركية بالقدس، فاستقال من عمله في التعليم وانتقل إلى القدس.
وخلال إقامته في القدس، لم يقتصر نشاط بيدس على المجال الثقافي، بل انخرط في الحركة القومية العربية، وطالب السلطات العثمانية بإنصاف العرب ومنحهم حقوقهم السياسية والثقافية، كما نشر مقالات انتقد فيها سياسة الحكم العثماني ودعا إلى الإصلاح والعدالة.
وقد عرّضه نشاطه السياسي والصحفي للملاحقة، وصدر بحقه عام 1916 حكم بالإعدام. غير أن تدخّل البطريرك دميانوس الأول وحمايته له أسهما في إنقاذه من تنفيذ الحكم، فنجا بيدس من حبل المشنقة، واستمر بعد ذلك في عطائه الثقافي والفكري، ليصبح واحدًا من أبرز رواد النهضة الأدبية والصحفية في فلسطين.
بعد اندلاع الثورة العربية الكبرى ووقوع فلسطين تحت الاحتلال البريطاني، أدرك خليل بيدس طبيعة المشروع الاستعماري البريطاني ومطامعه في فلسطين، فانخرط في العمل الوطني والسياسي العربي، ودعا إلى مقاومة الانتداب ورفض التعاون مع سلطاته، محذرًا من سياسته الداعمة للمشروع الصهيوني الهادف إلى تهويد فلسطين. وكان بيدس من الأصوات الوطنية البارزة في تلك المرحلة، وشارك في المظاهرات التي شهدتها البلاد عام 1920، كما قاد أول مظاهرة عربية في القدس، وخطب في الجماهير محرضًا على الثورة ومقاومة الاحتلال.
وألقت السلطات البريطانية القبض عليه، وأصدرت بحقه حكمًا بالإعدام، وأودعته سجن عكا تمهيدًا لتنفيذ الحكم. غير أن المظاهرات والاحتجاجات الشعبية العارمة التي عمّت أنحاء فلسطين أسهمت في تخفيف الحكم من الإعدام إلى السجن مدة خمسة عشر عامًا. وخلال فترة سجنه، ألّف بيدس كتابه «حديث السجون»، الذي سجّل فيه تجربته داخل المعتقل، ووصف أوضاع السجن وأساليب التعذيب والمعاملة القاسية التي كان يتعرض لها المعتقلون، كما تناول ما رآه من مساواة المناضلين السياسيين باللصوص والمجرمين. وظل هذا الكتاب شاهدًا على مرحلة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني، وإن ضاعت آثاره لاحقًا وسط زحمة الأحداث التي عصفت بالبلاد، ولا سيما أحداث عام 1948.
وعندما وصل السير هربرت صموئيل إلى فلسطين بوصفه أول مندوب سامٍ بريطاني، أصدر عفوًا عن عدد من المحكومين السياسيين، وكان خليل بيدس من بينهم، فخرج من السجن واستعاد حريته. وعُرض عليه بعد الإفراج عنه العمل في مديرية المعارف العامة، غير أنه رفض التعاون مع سلطات الانتداب، مؤكدًا تمسكه بموقفه الوطني واستقلاله، وقال في هذا السياق ما عبّر عن اعتزازه بكرامته ورفضه أن يجعل من نفسه سلعة تُباع أو تُشترى.
وعاد بيدس بعد ذلك إلى مهنة التعليم، فعُيّن مدرسًا للغة العربية في مدرسة المطران الإنجليزية في القدس، وظل يعمل فيها حتى عام 1945، حين أُحيل إلى التقاعد. وأقام بعد تقاعده في القدس حتى وقوع النكبة عام 1948، حيث اضطر، في ظل أعمال القتل والسلب والتهجير التي رافقت النكبة، إلى مغادرة منزله طلبًا للنجاة. فتوجه أولًا إلى عمّان، ثم انتقل بعد أيام إلى بيروت، حيث التحق بأبنائه، لتنتهي بذلك مرحلة طويلة من حياته التي امتزج فيها التعليم بالأدب والصحافة والترجمة والنضال الوطني.
في التاسع من شباط/فبراير عام 1949، توفي خليل بيدس في بيروت، ودُفن فيها، بعد حياة حافلة بالعطاء في ميادين التعليم والصحافة والترجمة والأدب والعمل الوطني. وقد ذاعت شهرته في الأوساط الثقافية والأدبية، حتى شهد له معاصروه بفضله ومكانته، وتركوا شهادات مهمة تكشف جوانب من شخصيته وإسهاماته.
ومن الذين عرفوه عن قرب عجاج نويهض، الذي قال عنه: «لما كنت أدير الإذاعة العربية في القدس خلال الحرب العالمية الثانية، كان خليل بيدس موردًا فياضًا في أبواب جمة من الفضل؛ في الحديث والقصة والتاريخ والنقد اللغوي». وتكشف هذه الشهادة عن سعة ثقافة بيدس وتنوع معارفه، وعن قدرته على الإسهام في مجالات أدبية وفكرية متعددة، الأمر الذي جعله مرجعًا ثقافيًا لدى معاصريه.
أما نعمة الصباغ، إحدى قريباته، فقد رسمت صورة مختلفة لجانب من شخصيته الاجتماعية والإنسانية، فوصفته بأنه كان مرحًا محبًا للحياة، مولعًا بالتدخين والتسلية ولعب النرد، وكان لا يولي المال عناية كبيرة، حتى عُرف عنه الإسراف، لكنه في المقابل كان محسنًا كبيرًا، كريم النفس، مضيافًا، كثير العطاء، وهي صفات تكشف عن شخصية اجتماعية تجمع بين البساطة والكرم والانفتاح على الناس.
وكان بيدس كذلك خطيبًا بارعًا، وقد وصفه محمد المغربي في كلمة نشرها في مجلة «النفائس» بقوله: «خليل بيدس صاحب هذه المجلة تكاد ظلمات الشك تتبدد عند قوله، وفائدة السامعين تناجي روحه عند قوله». وهي شهادة تعكس قوة حضوره الخطابي، وقدرته على التأثير في مستمعيه وإيصال أفكاره بأسلوب يجمع بين قوة الحجة وجمال التعبير.
أما الدكتور ناصر الدين الأسد، صاحب كتاب «خليل بيدس: رائد القصة الفلسطينية الحديثة»، فقد أكد مكانة بيدس في تاريخ القصة الفلسطينية والعربية، مشيرًا إلى غزارة إنتاجه القصصي، المترجم منه والمؤلف، وإلى أن فلسطين لم تعرف في تلك الحقبة كاتبًا بلغ في هذا المجال ما بلغه بيدس من إنتاج. كما أشار إلى أن مجلة «النفائس» كانت من أوائل المجلات الفلسطينية التي أولت القصة المترجمة عناية خاصة، وجعلت منها بابًا أساسيًا من أبواب نشاطها الثقافي، مما أسهم في تعريف القارئ الفلسطيني والعربي بألوان جديدة من السرد العالمي.
وهكذا، لا تتجلى أهمية خليل بيدس في كونه صاحب أول رواية فلسطينية فحسب، بل في كونه رائدًا متكامل المشروع الثقافي، جمع بين التعليم والتأليف والترجمة والصحافة والقصة والخطابة، وأسهم في وصل الأدب الفلسطيني بالآداب العالمية، وترك وراءه أثرًا واضحًا في مسيرة النهضة الأدبية والثقافية الفلسطينية والعربية.
آثاره وأعماله الإبداعية
خلّف خليل بيدس إنتاجًا أدبيًا وثقافيًا غزيرًا، بلغ نحو أربعة وأربعين كتابًا بين مؤلَّف ومترجَم، تناولت موضوعات متعددة في الأدب والثقافة والمعرفة. غير أن «دليل الكتاب العربي الفلسطيني» الصادر عام 1946 لم يثبت من مؤلفاته سوى أربعة وثلاثين كتابًا، بينما أورد الباحثون في ما بعد سبعة وثلاثين كتابًا من آثاره، توزعت بين مؤلفات أدبية وترجمات عن الآداب العالمية، ولا سيما الأدب الروسي.
ويمكن تصنيف أبرز أعماله على النحو الآتي:
أولًا: الكتب الأدبية المؤلَّفة
الوارث: رواية صدرت في القدس عام 1920، وتُعد أول رواية فلسطينية مكتملة البناء الفني، وتمثل محطة أساسية في تاريخ الرواية الفلسطينية والعربية.
مسارح الأذهان: مجموعة قصصية صدرت في القاهرة عام 1924، وتضم عددًا من القصص التي تكشف عن اهتمام بيدس المبكر بفن السرد وتطوره.
أحلام الحياة: مجموعة من الأقاصيص التي بقيت في صورة مخطوطات.
أسرار الحياة: مجموعة قصصية مخطوطة، تنتمي إلى أعماله الأدبية المبكرة.
صور الحياة: مجموعة أخرى من الأقاصيص المخطوطة، وتندرج ضمن إنتاجه القصصي الذي لم يُطبع في حياته.
وتكشف هذه الأعمال عن انشغال بيدس بفن القصة والرواية، وعن محاولاته المبكرة لترسيخ هذا الفن في الأدب الفلسطيني، إلى جانب اهتمامه بتقديم موضوعات اجتماعية وإنسانية قريبة من حياة الناس وتطلعاتهم.
ثانيًا: الكتب الأدبية المترجَمة
كان للترجمة مكانة مركزية في مشروع خليل بيدس الثقافي، ولا سيما ترجماته عن الأدب الروسي، التي أسهمت في تعريف القارئ العربي بأعمال أدبية لم تكن متاحة له آنذاك. ومن أبرز ترجماته:
ابنة القبطان: للكاتب الروسي ألكسندر بوشكين، وقد طُبعت في جريدة «المنارة» في بيروت عام 1898.
القوزاقي الولهان: رواية نُشرت في جريدة «لبنان» لصاحبها إبراهيم الأسود، في سنتها السابعة، في بيروت عام 1898، ثم صدرت في كتاب مستقل عام 1899.
الطبيب الحاذق: رواية صدرت في بيروت عام 1898.
شقاء الملوك: رواية للكاتبة الإنجليزية ماري كوريللي، وقد ترجمها بيدس عن الروسية، إذ كانت الرواية قد نُقلت إلى الروسية بعنوان «تحت نير السلطة»، ثم نشرها بيدس بالعربية تحت عنوان «شقاء الملوك»، مسلسلة في أعداد المجلد الأول من مجلته «النفائس»، ابتداءً من العدد الثاني الصادر في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1908. ثم صدرت في طبعة مستقلة ثانية عام 1922 عن مطبعة دير الروم الأرثوذكس في القدس، وأعيد طبعها لاحقًا في القاهرة عن مكتبة مدبولي.
وتبرز هذه الأعمال مدى اتساع المشروع الأدبي لخليل بيدس، فلم يكن مؤلفًا للقصة والرواية فحسب، بل كان مترجمًا نشطًا سعى إلى نقل الآداب العالمية إلى القارئ العربي، وجعل من الترجمة وسيلة للانفتاح على الثقافات الأخرى وتوسيع آفاق الأدب العربي الحديث. وقد كان هذا الجانب من مشروعه الثقافي من أهم العوامل التي أسهمت في ترسيخ مكانته بوصفه واحدًا من رواد النهضة الأدبية والثقافية في فلسطين.
وتتواصل ترجمات خليل بيدس الأدبية، التي عكست تنوع مصادره وانفتاحه على الآداب الأوروبية والروسية، ومن أبرزها:
أحوال الاستبداد: للكاتب الروسي ليو تولستوي، وقد صدرت عن المطبعة الوطنية في حيفا عام 1909، ثم أعيد طبعها في القاهرة عام 1927.
الحسناء المتنكرة: للكاتب الإيطالي إميليو سالغاري، وقد صدرت ملحقة بالمجلد الثالث من مجلة «النفائس العصرية» عام 1911، ثم أعيد طبعها في طبعة ثانية عام 1925.
هنري الثامن وزوجته السادسة: للكاتبة الألمانية ف. ملباخ.، وقد صدرت في القدس عام 1921.
العرش والحب: رواية تاريخية غرامية، صدرت في القدس عام 1921.
ديوان الفكاهة: مجموعة من القصص القصيرة المترجمة، صدرت في القدس عام 1924، وتكشف عن اهتمام بيدس بالقصص ذات الطابع الفكاهي إلى جانب ترجماته الأدبية الجادة.
حنة كارنين: رواية للكاتب الروسي ليو تولستوي، وقد صدرت في القدس ضمن إصدارات «النفائس»، وكانت مقدمة هدية لقرّاء المجلة.
ثالثًا: الكتب الأخرى المتنوعة
إلى جانب مؤلفاته الأدبية وترجماته، ترك خليل بيدس عددًا من الكتب المتنوعة التي تناولت موضوعات التربية والتعليم واللغة والتاريخ والجغرافيا والآثار، فضلًا عن الكتب المدرسية والمعرفية. وتكشف هذه المؤلفات عن اتساع اهتماماته وتعدد مجالات نشاطه الثقافي والعلمي، ومن أبرزها:
العقد الثمين في تربية البنين: صدر في بيروت عام 1898، ويتناول مبادئ التربية وسبل تنشئة الأبناء.
القصور الدارجة: صدر في بيروت عام 1898.
القصور العشرين: صدر في بيروت عام 1898.
مرآة المعلمين: صدر في بيروت عام 1898، ويُعد من مؤلفاته ذات الصلة بالتعليم وشؤون المعلمين.
درجات الحساب: كتاب تعليمي في جزأين، صدر في القدس عام 1913.
درجات القراءة: كتاب تعليمي صدر في سبعة أجزاء، وتوالى نشر أجزائه في القدس بين عامي 1913 و 1921.
الكافي في الصرف: كتاب في علم الصرف، صدر في القدس عام 1925.
مختار البيان والتبيين: ألّفه بالاشتراك مع شريف النشاشيبي، وصدر في القدس عام 1924.
نحن واللغة: مجموعة من الأحاديث اللغوية التي أذاعها بيدس عبر الإذاعة الفلسطينية، وتتناول عددًا من القضايا المتعلقة باللغة العربية واستعمالاتها.
معجم عربي كبير: معجم لغوي واسع كان بيدس قد أعده في صورة مخطوطة، لكنه فُقد بعد النكبة عام 1948، شأنه شأن عدد من آثاره ومخطوطاته التي لم تصل إلى الأجيال اللاحقة.
كتاب العرب: أبطالهم وأشهر حوادثهم: صدر في القدس عام 1942، ويتناول نماذج من أبطال العرب وأبرز الوقائع والأحداث في تاريخهم.
الشاب المنتصر: صدر في القدس عام 1945.
الدولة الإسلامية: صدر في القدس عام 1912، ويتناول جوانب من التاريخ والحضارة الإسلامية.
رحلة إلى سيناء: صدر في بيروت عام 1912، ويعرض مشاهدات بيدس وانطباعاته عن المنطقة.
تسريح الأبصار فيما تحتوي بلادنا من الآثار: صدر في القدس عام 1920، ويتناول الآثار والمعالم التاريخية في البلاد.
الروضة المؤنسة في وصف الأرض المقدسة: كتاب في وصف فلسطين وأرضها ومعالمها، صدر في القدس.
تاريخ القدس: صدر في القدس عام 1922، ويتناول تاريخ المدينة المقدسة وأبرز مراحلها التاريخية.
ويكشف هذا الجانب من إنتاج بيدس عن شخصية موسوعية لم تحصر اهتمامها في الأدب والقصة والترجمة، بل امتدت إلى التربية والتعليم واللغة والتاريخ والجغرافيا والآثار. كما أن عنايته بالتأليف المدرسي وإعداد الكتب التعليمية تشير إلى إدراكه المبكر لأهمية الكتاب في بناء الأجيال وتكوين الوعي الثقافي، في حين تعكس كتبه في تاريخ فلسطين والقدس وآثارها اهتمامًا واضحًا بتوثيق المكان والتعريف بتراثه الحضاري.
ويُضاف إلى قائمة آثاره ومؤلفاته عدد من الكتب التي تناولت موضوعات التاريخ والسياسة والجغرافيا والأحداث العالمية، ومن أبرزها:
تاريخ الطيران: صدر في القاهرة عام 1912.
همّ البلقان: صدر في القدس عام 1914.
تاريخ روسيا القديم: صدر في بيروت عام 1898.
ملوك الروس: صدر في القدس عام 1913.
حفلات التتويج: صدر في بيروت عام 1898.
وقد تعرض جانب كبير من تراث خليل بيدس للضياع والتشتت في أعقاب نكبة عام 1948، إذ فُقدت أو نُهبت كتب ومخطوطات وآثار أدبية عديدة من منزله ومكتبته، ومن بينها أعداد من مجلته الشهيرة «النفائس العصرية»، فضلًا عن كتابه «حديث السجون» الذي ألّفه خلال فترة اعتقاله في سجن عكا، والذي يُعد من الشهادات المهمة على تجربة الاعتقال السياسي في عهد الانتداب البريطاني.
كما أن لبيدس عددًا كبيرًا من المقالات والأبحاث التي نُشرت في الصحف والمجلات العربية، ومنها «الأهرام» و«المقطم» وغيرهما من الصحف المصرية، إلى جانب ما نشره في بعض الصحف والمجلات الصادرة في الولايات المتحدة، الأمر الذي يدل على اتساع شبكة حضوره الصحفي والثقافي وتجاوزها حدود فلسطين.
ولم يقتصر نشاطه في الترجمة على الأدب الروسي والأوروبي، بل امتد إلى نقل الأدب العربي إلى اللغة الروسية؛ فقد ترجم رواية «المملوك الشارد» للروائي جورجي زيدان إلى الروسية، في خطوة تكشف عن اهتمامه بالتبادل الثقافي في الاتجاهين، وعن وعيه بأهمية أن تتفاعل الثقافة العربية مع الثقافات العالمية، لا أن تكتفي باستقبال نتاجها.
ومن المؤسف أن جانبًا مهمًا من هذا التراث ما يزال مفقودًا أو مبعثرًا، الأمر الذي يجعل من الضروري أن تتضافر جهود الباحثين والمؤسسات الثقافية والأدبية للبحث عن كتب خليل بيدس ومخطوطاته ومقالاته وآثاره التي لم تصل إلينا، والعمل على جمعها وتحقيقها وإعادة نشرها. فإحياء تراث بيدس ليس مجرد استعادة لأعمال أديب فلسطيني رائد، بل هو استعادة لصفحة أساسية من صفحات النهضة الأدبية والثقافية الفلسطينية والعربية، وتعريف الأجيال الجديدة بأديب ومثقف موسوعي خرج من الناصرة، وأسهم بجهده وعلمه في بناء الوعي الأدبي والثقافي الفلسطيني الحديث.
___________________________________________________
جبرا إبراهيم جبرا
النشأة والبدايات:
غاب جبرا إبراهيم جبرا، مع مرور الزمن، عن جزء من الذاكرة الفلسطينية، حتى إن بعض الكتاب تعاملوا معه بوصفه عراقيًا فحسب، متناسين الأرض الفلسطينية التي شهدت ميلاده ونشأته، وتلك المدينة التي اختلط ترابها بخطواته الأولى، بيت لحم، مهد المسيح.
ولم تستعد بعض الأذهان صلته بفلسطين إلا بعد رحيله، حين غاب جسده وبقي أثره الأدبي والفكري شاهدًا على انتمائه الأول. ومهما كُتب عن جبرا إبراهيم جبرا، فلن يستوعب ذلك جميع جوانب حياته وإبداعه، إذ لا تزال في تجربته مساحات واسعة تحتاج إلى مزيد من البحث والقراءة وإعادة الاكتشاف. وما نحاوله هنا ليس إلا إضاءة أولى، لعلها تحفز باحثين آخرين على توسيع دائرة الضوء، والكشف عن جوانب جديدة من هذه التجربة الاستثنائية.
في مدينة بيت لحم، وُلد جبرا إبراهيم جبرا في شهر آب/أغسطس عام 1920، وكان الثالث بين إخوته، ونشأ في أسرة متواضعة الحال عانت ضيق العيش وقسوة الحرمان. غير أن هذه الظروف لم تحول دون تشكل شخصيته المبكرة، فقد نشأ في بيئة مشبعة بالقيم الروحية والأخلاقية التي استمدها من تعاليم السيد المسيح، وظلت هذه القيم حاضرة في تكوينه الإنساني والفكري، وأسهمت في صقل شخصيته وقدرته على مواجهة الفقر والحرمان والتطلع إلى آفاق أوسع من الحياة.
التحق جبرا بالمدرسة في سن مبكرة، فدخل الصف الأول وهو في الخامسة من عمره. وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة السريان، ثم واصل دراسته في المدرسة الوطنية ببيت لحم، قبل أن ينتقل إلى القدس، حيث درس في المدرسة الرشيدية، وأنهى فيها الصف الثاني الثانوي عام 1935. وبعد ذلك انتقل إلى الكلية العربية، التي شكّلت مرحلة مهمة في تكوينه العلمي والفكري، ومهدت له الطريق نحو مسيرته الأكاديمية والثقافية اللاحقة، التي ستقوده إلى أن يصبح واحدًا من أبرز الأدباء والمفكرين الفلسطينيين والعرب في القرن العشرين.
في عام 1932، انتقل جبرا إبراهيم جبرا مع والديه من بيت لحم إلى مدينة القدس، المدينة التي تركت أثرًا عميقًا في وجدانه وفكره، وانعكس حضورها بصورة واضحة في أدبه وإبداعه. فقد ظلت القدس، بما تحمله من تاريخ وذاكرة ورموز، حاضرة في تجربته الأدبية، تكاد تتغلغل في رؤيته للإنسان والمكان والهوية.
وفي صيف عام 1938، تخرج جبرا في الكلية العربية، وحصل على دبلوم في التربية. وكانت الكلية تُعرف باهتمامها الكبير باللغتين العربية والإنجليزية، وبحرصها على استقطاب نخبة متميزة من الأساتذة والطلاب، الأمر الذي أتاح لجبرا بيئة علمية وثقافية أسهمت في صقل موهبته وتنمية اهتماماته الأدبية. وقد تأثر خلال سنوات دراسته بعدد من أعلام الثقافة الفلسطينية الذين كانوا من أساتذته، ومن أبرزهم إبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، ومحمد العدناني، والدكتور إسحاق موسى الحسيني، وسامح الخالدي، وخليل السكاكيني، وإسعاف النشاشيبي. وكان لهؤلاء الأساتذة أثر بارز في تكوينه الأدبي والفكري، وفي توجيه اهتمامه نحو الأدب والنقد والثقافة الإنسانية.
وفي أيلول/سبتمبر 1939، توجه جبرا إلى بريطانيا في بعثة علمية على نفقة إدارة المعارف العامة في حكومة فلسطين، والتحق بجامعة أكسفورد للدراسة، ثم واصل دراسته في جامعة كامبريدج، حيث أمضى سنوات في التحصيل الأكاديمي والثقافي، وتخرج بتفوق ملحوظ. وقد أتاحت له إقامته في بريطانيا فرصة واسعة للاطلاع على الأدب الإنجليزي ومدارسه واتجاهاته النقدية، فتأثر بعدد من كبار الشعراء والنقاد الإنجليز، ومنهم درايدن، وصمويل جونسون، وألكسندر بوب، وورد زورث، وكولردج، وشيلي، وت. س. إليوت، وإ. أ. ريتشاردز وغيرهم.
وكان لهذا الاحتكاك العميق بالثقافة الإنجليزية أثر واضح في تكوينه الأدبي؛ ففي أربعينيات القرن العشرين بدأ يكتب الأدب والنقد باللغة الإنجليزية، وإذا كتب بالعربية كان كثيرًا ما يتناول موضوعات تتصل بالأدب الإنجليزي والفنون والثقافة الغربية. وقد أسهم هذا الانفتاح المبكر على الثقافة الأوروبية في تكوين شخصيته الأدبية المتعددة المشارب، وفي ترسيخ نزوعه إلى الحوار بين الثقافتين العربية والغربية.
وفي عام 1943 عاد جبرا إلى فلسطين، وعُيّن مدرسًا للأدب الإنجليزي في الكلية الرشيدية بالقدس، وظل يعمل في مجال التدريس فيها حتى عام 1948، حيث كانت النكبة نقطة تحول حاسمة في حياته، كما كانت تحولًا عميقًا في تاريخ فلسطين والمنطقة بأسرها.
وفي عام 1933، شارك جبرا إبراهيم جبرا مع عدد من أصدقائه في القدس في تأسيس نادي الفنون، وانتُخب رئيسًا له. وكان النادي ينظم أسبوعيًا محاضرة تتناول أحد مجالات الفنون، كالرسم أو الشعر أو الموسيقى.
وفي عام 1948، وبعد سقوط حي القطمون، حيث كان يقيم، في أيدي العصابات الصهيونية، عاد جبرا مع أسرته إلى بيت لحم. ومع حلول النكبة وما رافقها من تشريد للشعب الفلسطيني من وطنه، بدأ يفكر في الهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل؛ فتوجه أولًا إلى بيروت، ثم إلى سوريا، ساعيًا إلى العثور على عمل، غير أنه لم يوفق في ذلك. وفي أثناء وجوده في سوريا، علم بوجود بعثة عراقية برئاسة الدكتور عبد العزيز الدوري، كانت مهمتها اختيار أساتذة للعمل في عدد من الكليات العراقية. ولما تعذر عليه الحصول على عمل في سوريا، تقدم إلى هذه البعثة، ولم يمضِ وقت طويل على لقائه بالدكتور الدوري حتى جرى التعاقد معه للعمل في العراق.
ولم يتأخر جبرا في التوجه إلى بغداد، إذ غادر إليها في 30 أيلول/سبتمبر 1948، حيث عُيّن محاضرًا في الكلية التوجيهية، التي تحولت فيما بعد إلى كلية الآداب في جامعة بغداد. وكان من بين المساهمين في تأسيس هذه الكلية وترسيخ دعائمها الأكاديمية.
وسرعان ما اندمج جبرا في الحياة البغدادية، وأصبح جزءًا من نسيجها الثقافي والاجتماعي، وأسهم إسهامًا فاعلًا في تشكيل المشهد الثقافي في تلك المرحلة. فمنذ بدايات إقامته في بغداد، أخذ يعمل على إرساء بيئة ثقافية جديدة أكثر انفتاحًا، من خلال مشاركته في مختلف الأنشطة الثقافية والفنية، فضلًا عن قصائده ومؤلفاته ودراساته التي أخذت تجد طريقها إلى الصحف والمجلات، فتغدو جزءًا من الحراك الفكري والأدبي آنذاك.
وفي عام 1951، شارك جبرا الفنان جواد سليم في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث، وتولى صياغة بيانها الأول. وقد أسهمت الجماعة في إحداث تحول بارز في مسيرة الفن التشكيلي العربي، إذ قدمت رؤية جديدة للرسم والفن الحديث، وشارك جبرا في معارضها وواصل إسهاماته الفنية من خلال أعمال ولوحات متميزة. واستمر في ممارسة الرسم حتى عام 1968، حين انقطع عنه نهائيًا.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1948 و1951، عاد جبرا إلى جامعة كامبريدج، حيث أجرى بحثًا لنيل درجة الماجستير، تناول فيه موضوع «أسطورة الشعرية في مسرحية الشيطان الأبيض لجون ويبستر».
تزوج جبرا إبراهيم جبرا عام 1952 من لمياء عباس العسكري، وأنجبا ولدين، سدير وياسر. وفي العام نفسه، انتقل إلى جامعة هارفارد، حيث أمضى عامًا ونصف العام زميلًا للبحث، وتركز اهتمامه خلال هذه الفترة على النقد الأدبي، ولا سيما أدب الكاتب الأمريكي وليام فوكنر.
وفي عام 1954 عاد جبرا إلى بغداد، والتحق للعمل في كلية الآداب بجامعة بغداد، ثم انتقل إلى عدد من المعاهد العليا، مواصلًا نشاطه الأكاديمي والثقافي. وإلى جانب عمله في المجال التعليمي، عمل في شركة نفط العراق حتى عام 1964، حين عُيّن مديرًا مساعدًا للشركة. وخلال عمله فيها، أنشأ مجلة «العاملون في النفط» التي اهتمت بالأدب والفن، واستمر في الإشراف عليها حتى عام 1972.
وفي مطلع عام 1972، انتقل جبرا إلى شركة النقل الوطنية العراقية، حيث تولى رئاسة مكتب الإعلام والنشر، وظل في هذا المنصب حتى عام 1977. واستمر في مسيرته المهنية حتى تقاعده عام 1984، بعد عقود حافلة بالعطاء الأكاديمي والثقافي والأدبي.
وخلال مسيرته الإبداعية الحافلة، نال جبرا إبراهيم جبرا عددًا من الجوائز والأوسمة المحلية والعربية والدولية، تقديرًا لإسهاماته الأدبية والفكرية والفنية. ففي عام 1983 حصل على جائزة أوروبا الثقافية، التي منحه إياها منتدى الآداب العالمية في روما. وفي عام 1987 نال جائزة الأدب والفنون التي تمنحها مؤسسة التقدم العلمي في الكويت.
وفي عام 1988 حصل، مناصفةً مع الكاتب المصري يوسف إدريس، على إحدى أبرز الجوائز الأدبية في العالم العربي، وهي جائزة الجمهورية العراقية للفنون، التي عُدّت في بعض الأوساط بمثابة جائزة نوبل العربية. وفي عام 1989 نال جائزة سلطان العويس الثقافية التي تمنحها دولة الإمارات العربية المتحدة.
كما حاز جبرا عام 1990 أعلى وسام فلسطيني، وهو وسام القدس للثقافة والفنون والآداب، الذي منحه إياه الرئيس ياسر عرفات، إلى جانب كوكبة من الكتاب والأدباء والفنانين الفلسطينيين، وذلك ضمن فعاليات ليالي فلسطين الثقافية والفنية التي أقيمت في القاهرة.
كان جبرا إبراهيم جبرا عضوًا في أسرة تحرير مجلة «الأديب» اللبنانية، كما تولّى رئاسة تحرير مجلة «الفنون العربية» التي أصدرتها دار «وصـد» في لندن خلال الفترة الممتدة بين عامي 1980 و1983. ونشر نتاجه الأدبي والفكري في عدد كبير من المجلات والدوريات العربية، من أبرزها: «الآداب» و«الأديب» و«الشعر» و«شؤون فلسطينية» و«الهلال» و«الدوحة» و«حوار» و«قضايا عربية»، وغيرها من المنابر الثقافية.
وألقى خلال مسيرته عددًا كبيرًا من المحاضرات العامة في جامعات أوروبية وأمريكية وعربية، من بينها جامعات كامبريدج ولندن ودرم ومانشستر وأدنبرة. ومن أبرز محاضراته محاضرة بعنوان «دور الفنان في العالم الحديث»، ألقاها في إحدى الجامعات الأمريكية، وشارك فيها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد. ولعل من آخر محاضراته وندواته تلك التي ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، خلال زيارته لها عام 1993.
وترأس جبرا رابطة نقاد الفن في العراق منذ تأسيسها عام 1982، كما أسهم في تأسيس الرابطة الدولية لنقاد الفن. وكان عضوًا في اتحاد الكتاب العراقيين، وشارك في أنشطة جمعية المترجمين العراقيين، كما كان عضوًا في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين. وقد عكست هذه المشاركات اتساع دائرة اهتماماته وتنوع إسهاماته في مجالات الأدب والنقد والفن والترجمة.
وفي 12 كانون الأول/ديسمبر 1994، توفي جبرا إبراهيم جبرا في بغداد عن عمر ناهز اثنين وسبعين عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع. وقد امتد الاهتمام بإرثه بعد رحيله إلى مجالات الاحتفاء والدراسة والترجمة، إذ لم يكد يبقى مجال من مجالات الثقافة أو الأدب أو الفن إلا كان له فيه أثر بارز، أو إسهام أصيل، أو دراسة وبحث تركا بصمتهما في المشهد الثقافي العربي.
وعلى الرغم من أن جبرا إبراهيم جبرا اختار العراق موطنًا للإقامة والاستقرار، فإن حنينه إلى فلسطين ظل حاضرًا في وجدانه وشاغلًا أساسيًا من شواغله، وقد انعكس ذلك بوضوح في أعماله الشعرية والقصصية والروائية، شأنه في ذلك شأن كثير من الفلسطينيين الذين عاشوا بعيدًا عن وطنهم.
وقد رأى عدد من النقاد أن جبرا كان يكتب عن الطبقة البرجوازية، وأن رؤيته الفكرية ومتصوراته الاجتماعية انعكست في طبيعة الشخصيات التي ابتكرها، وهو ما بدا جليًا في أعماله الروائية. غير أن الشخصيات البرجوازية في رواياته لم تكن شخصيات سلبية أو مستسلمة للواقع، بل كانت شخصيات فاعلة، تسعى إلى تطوير ذاتها والتفاعل مع محيطها. ومن هنا جاء موقع جبرا منها بوصفه موقع البرجوازي المستنير، صاحب الطموح الحضاري، الذي تحركه رغبة في تجاوز التناقضات وتهدئة الصراعات، بما يتيح التفرغ لمشروع بناء الحضارة وتحقيق النهضة.
واتخذ جبرا من قصيدة النثر شكلًا فنيًا للتعبير عن أفكاره وانفعالاته، التي اتسمت بقدر من القلق الميتافيزيقي، وبانشغال عميق بأسئلة الذات في مواجهة العالم. واستند في تجربته الشعرية إلى الأسطورة والرمز والطبع، في سياق التحولات التي شهدها الشعر العربي خلال مرحلة الرواد في أواخر الأربعينيات وأواسط الخمسينيات. وكان لجبرا دور بارز في الإسهام في تأسيس هذه الحركة الشعرية وترسيخ أسسها، مستفيدًا من ثقافته الواسعة واطلاعه العميق على الشعر الأوروبي، ومن ترجمته لنماذج منه، فضلًا عن جهده المتواصل في متابعة حركة الشعر الجديد ونقدها والتعريف بها.
أعماله الإبداعية
امتدت رحلة جبرا إبراهيم جبرا الإبداعية والفكرية والثقافية لأكثر من خمسين عامًا، كرّسها للعطاء في مجالات الأدب والفكر والفن والثقافة. وقد أثرى المكتبة العربية عامة، والفلسطينية خاصة، بعدد كبير من المؤلفات والدراسات في الشعر والرواية والنقد والمسرح والترجمة والفن، تجاوزت ثلاثة وستين كتابًا، شكّلت في مجموعها علامات بارزة في مسيرة الثقافة العربية الحديثة.
وقد لقيت أعماله الأدبية والنقدية صدى واسعًا لدى القراء والنقاد العرب، ورسخت مكانته بوصفه واحدًا من أبرز المثقفين العرب في عصره. ولم يقتصر حضور تجربته على العالم العربي، بل امتد إلى آفاق ثقافية عالمية، إذ تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عدة، منها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والسلوفاكية والألمانية والصربية الكرواتية والنرويجية. كما ترجم الباحث الإسرائيلي روجيه تافور، عام 1989، ديوان جبرا «لوعة الشمس» إلى اللغة العبرية.
وعلى الرغم من كثرة ما نُشر من مؤلفات جبرا وكتاباته، فإن من المرجح أن جانبًا من إنتاجه ظل خارج دائرة النشر، سواء مما نُشر في بطون الصحف والمجلات ولم يُجمع في كتب، أم مما بقي محفوظًا في مكتبته الخاصة وأوراقه الشخصية.
أولًا: أعماله الروائية والقصصية:
تأتي رواية «صراخ في ليل طويل» في مقدمة أعماله الروائية؛ فقد كتبها جبرا باللغة الإنجليزية عام 1946، ثم ترجمها بنفسه إلى العربية. ونُشرت ترجمتها العربية للمرة الأولى في مطبعة العاني ببغداد عام 1955، ثم أعيد نشرها في طبعة ثانية عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1974.
إلى جانب رواية «صراخ في ليل طويل»، قدّم جبرا إبراهيم جبرا عددًا من الأعمال الروائية والقصصية التي رسخت مكانته في الأدب العربي الحديث. ومن أبرزها مجموعة «عرق وقصص أخرى»، التي صدرت عن المؤسسة الأهلية عام 1956، ثم أعيد إصدارها تحت عنوان «المغنون في الظلال»، قبل أن تصدر لها طبعة جديدة عام 1983، أضيفت إليها قصة أخرى، وحملت عنوان «عرق وبدايات من حرف الياء».
ومن أعماله أيضًا رواية «الصيادون في شارع ضيق»، التي كتبها باللغة الإنجليزية، وصدرت عن دار هاينمان في لندن عام 1960، ثم ترجمها إلى العربية محمد عصفور، وصدرت ترجمتها في بيروت عام 1970. وتلتها رواية «البحث عن وليد مسعود»، التي صدرت في بيروت عام 1978، ثم رواية «عالم بلا خرائط»، التي كتبها بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف، وصدرت في بغداد عام 1983. كما صدرت له رواية «الغرف الأخرى» في بيروت عام 1986، ثم رواية «يوميات سراب عفان» في بيروت عام 1993.
ثانيًا: الدواوين الشعرية
ترك جبرا عددًا من الدواوين الشعرية التي تمثل مراحل مختلفة من تجربته الشعرية، ومن أبرزها «تموز في المدينة»، الصادر في بيروت عام 1959، و«المدار المغرق»، الصادر في بيروت عام 1964، و«دعوة إلى الشمس»، الصادر في بغداد عام 1979. كما صدر له عام 1993 ديوان «بعضها للطيف وبعضها للجسد»، الذي يمثل مرحلة متأخرة من تجربته الشعرية.
ثالثًا: الدراسات النقدية
وفي مجال النقد والدراسات الأدبية والفنية، أصدر جبرا عددًا من الكتب المهمة، من أبرزها «الحرية والطوفان»، الذي صدر في بيروت عام 1960، وكتاب «الفن في العراق اليوم»، الذي ألّفه باللغة الإنجليزية وصدر في لندن عام 1961. كما صدر له كتاب «الرحلة الثامنة» في بيروت عام 1976، ضمن أعماله التي عكست اهتمامه بالنقد والفن والفكر، وحرصه على مواكبة التحولات التي شهدتها الثقافة العربية الحديثة.
ثالثًا: الدراسات في الفن والنقد
تتسع قائمة أعمال جبرا إبراهيم جبرا لتشمل عددًا من الدراسات والكتب التي تناولت الفن التشكيلي العراقي والعربي، فضلًا عن المقالات والحوارات التي عكست اهتمامه بتاريخ الفن وتطوره وقضاياه الجمالية والفكرية. ومن أبرز هذه الأعمال:
«الفن العراقي المعاصر»، بغداد، 1973.
«جواد سليم ونصب الحرية»، بغداد، 1974.
«النار والجوهر»، بيروت، 1975.
«ينابيع الرؤية»، بيروت، 1979.
«جذور الفن العراقي»، بالإنجليزية، بغداد، 1984.
«جذور الفن العراقي»، بالعربية، بغداد، 1986.
«الفن والحلم والفعل: دراسات وحوارات»، بغداد، 1985.
«بغداد بين الأمس واليوم»، بالاشتراك مع الدكتور إحسان فتحي، بغداد، 1987.
«تمجيد الحياة: مقالات في الأدب والفن»، بغداد، 1989.
«تأملات في بنيان مارمرة: دراسات وحوارات»، 1989.
«معايشة النمرة: مقالات»، بيروت، 1993.
«أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال»، بيروت، 1993.
«الاكتشاف والدهشة»، بيروت، 1993.
«القدس»، كتاب موجّه للأطفال، صدر عن دار ثقافة الأطفال في بغداد.
رابعًا: السيرة الذاتية
وفي مجال السيرة الذاتية، ترك جبرا تجربته الشخصية والفكرية في عملين بارزين، استعاد فيهما مراحل من حياته وذكرياته وتكوينه الثقافي. أولهما «البئر الأولى»، وهو الجزء الأول من سيرته الذاتية، وصدر عن دار الريس في لندن عام 1989. ثم جاء الجزء الثاني بعنوان «شارع الأميرات»، وصدر عام 1994، مواصلًا فيه استعادة محطات حياته وتجربته الأدبية والثقافية.
خامسًا: السيناريو
لم تقتصر تجربة جبرا على الأدب والنقد والفن، بل امتدت كذلك إلى كتابة السيناريو الروائي. ومن أعماله في هذا المجال:
«الملك الشمس»، سيناريو روائي، بغداد، 1986.
«أيام العقاب: خالد ومعركة اليرموك»، سيناريو روائي، بغداد، 1988.
وتكشف هذه الأعمال عن تنوع تجربة جبرا الإبداعية واتساع اهتماماته، إذ جمع في مسيرته بين الشعر والرواية والقصة والنقد والفن التشكيلي والسيرة الذاتية والسيناريو، فغدا أحد الأسماء البارزة في المشهد الثقافي العربي الحديث.
ثانيًا: الكتب المترجمة
إلى جانب إنتاجه الإبداعي والنقدي، أسهم جبرا إبراهيم جبرا في إثراء المكتبة العربية بعدد كبير من الترجمات عن الأدب والفكر والفن العالمي، ولا سيما الأدب الإنجليزي والأمريكي. وقد عكست ترجماته سعة اطلاعه وتنوع اهتماماته، كما أسهمت في تعريف القارئ العربي بعدد من الأعمال الأدبية والفكرية البارزة. ومن أهم ترجماته:
«قصص من الأدب الإنجليزي المعاصر»، بغداد، 1955.
«أدونيس: فصول من كتاب الغصن الذهبي»، لجيمس فريزر، بيروت، 1960.
«من قبل الفلسفة»، لهنري فرانكفورت وآخرين، بغداد–بيروت، 1960.
«وليام فوكنر: فن وصور»، المكتبة الأهلية، بيروت، 1961.
«روبرت فروست»، للورانس تومبسون، المكتبة الأهلية، بيروت، 1961.
«الأديب وصناعته»، لعشرة نقاد أمريكيين، مكتبة منى، بيروت، 1963.
«آفاق الفن»، لإسكندر إليود، دار الكتاب العربي، بيروت، 1963.
«الصخب والعنف»، رواية لوليام فوكنر، دار العلم للملايين، بيروت، 1963.
«ثلاثة قرون من الأدب»، في ثلاثة أجزاء، تولى اختيار النصوص والمشاركة في الترجمة والإشراف على المترجمين، مكتبة الحياة، بيروت، 1965–1966.
«في انتظار جودو»، مسرحية لصمويل بيكيت، بغداد، 1966.
«ألبير كامو»، لجيرمين بري، بيروت، 1967.
«الحياة في الدراما»، لإريك بنتلي، بيروت، 1968.
«هاملت»، لوليام شكسبير، بيروت–بغداد، 1960.
«الملك لير»، لوليام شكسبير، بيروت، 1968.
«كوريولانوس»، لوليام شكسبير، الكويت، 1974.
«عطيل»، لوليام شكسبير، الكويت، 1978.
«العاصفة»، لوليام شكسبير، الكويت، 1979.
«ماكبث»، لوليام شكسبير، الكويت، 1979.
«الليلة الثانية عشرة»، لوليام شكسبير، الكويت.
«الأسطورة والرمز»، مجموعة من الدراسات والترجمات لنخبة من النقاد، بغداد، 1973.
وتكشف هذه القائمة عن الدور الذي أدّاه جبرا بوصفه مترجمًا ووسيطًا ثقافيًا بين الأدب العالمي والقارئ العربي، فقد لم تقتصر اختياراته على الرواية والشعر والمسرح، بل شملت كذلك النقد الأدبي والفن والفكر والأسطورة، الأمر الذي جعل الترجمة جزءًا أساسيًا من مشروعه الثقافي المتكامل.
وتتواصل ترجمات جبرا إبراهيم جبرا في مجالات الأدب والنقد والفكر، ومن أبرزها «قلعة إكسل» لإدموند ويلسون، بغداد، 1976، و**«شكسبير معاصرونا»، بغداد، 1979، و«شكسبير والإنسان المستوحى»** لجانيت ديلون، بغداد، و**«ما الذي يحدث في هاملت؟»** لجون دوفر ويلسون، بغداد، 1981. كما أصدر عام 1983 كتاب «سونيتات شكسبير»، متضمنًا دراسة وترجمة لأربعين سونيتة، وصدر في بيروت.
ومن بين الأعمال التي ترجمها كذلك مجموعة «أبريل بلا مطر»، التي تضم اثنتي عشرة قصة قصيرة من الأدب الأمريكي والإنجليزي، و**«برج بابل»** لأندريه مالرو، و**«الأمير السعيد وحكايات أخرى»** لأوسكار وايلد، و**«حكايات من لافونتين»**، فضلًا عن أعمال للشاعر ديلان توماس، من بينها «أربع عشرة نافذة».
وفي مجال جمع أعماله الشعرية، أصدرت دار رياض الريس للنشر في لندن، في خريف عام 1990، «الأعمال الشعرية الكاملة» لجبرا، وقد ضمت دواوينه الثلاثة، إلى جانب سبع قصائد لم تكن قد نُشرت ضمن دواوينه السابقة.
كما أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 1986 كتاب «المآسي الكبرى لشكسبير»، الذي يضم ترجمات «هاملت» و«الملك لير» و«ماكبث» و«عطيل»، مع مقدمات ودراسات نقدية.
وأصدرت منشورات جامعة أكسفورد في لندن مجموعة من القصص العربية بعنوان «القصص العربية الحديثة»، ترجمها من العربية إلى الإنجليزية المستشرق البريطاني دينيس جونسون-ديفيز، وكان من بين الأعمال التي تضمنتها قصة لجبرا لم تكن قد نشرت من قبل.
ولجبرا أيضًا مجموعة شعرية مكتوبة باللغة الإنجليزية لم تكن قد نُشرت كاملة، وإن كانت بعض قصائدها قد نشرت بصورة متفرقة في لندن والقدس. كما خلّف عددًا ضخمًا من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرها في العديد من المجلات الفكرية والفنية والأدبية في العالم العربي وخارجه. وكتب كذلك مقدمات لعدد كبير من الكتب، تحولت بعض هذه المقدمات إلى دراسات نقدية قائمة بذاتها لما تضمنته من قراءة معمقة لموضوعات الكتب وأفكار مؤلفيها.
ولم يقتصر إنتاجه النقدي والبحثي على اللغة العربية، بل نشر عددًا من الدراسات والمقالات باللغة الإنجليزية في دوريات ومجلات متخصصة، من بينها Middle East Forum في بيروت، Journal of Arabic Literature في كامبريدج، Middle East International في لندن، إلى جانب مشاركاته في كتب ودراسات تناولت قضايا الشرق الأوسط، منها كتاب حرره مايكل آدامز في لندن، وكتاب حرره بيتر مانسفيلد في أكسفورد، فضلًا عن كتابات منشورة في Ghazal وOr Magazine في لندن.
___________________________________________________
إميل حبيبي
السيرة التي كتبها الإبداع
يُعدّ إميل حبيبي من الشخصيات الأدبية الإشكالية التي لم تكتب سيرتها الذاتية والحياتية على النحو الذي فعله جبرا إبراهيم جبرا وإحسان عباس وغيرهما، بل اختار أن يختزل سيرته في عبارة رمزية أوصى بأن تُكتب على قبره: «باقٍ في حيفا». وقد قال في هذا السياق: «عندما أموت أوصيت أن يكتب على قبري: باقٍ في حيفا»، وكأنه أراد أن يترك إشكالية حياته مفتوحة بعد رحيله، كما ظلت إشكالية حياته قائمة في أثناء وجوده. فعبارة «باقٍ في حيفا» لا تشير إلى مكان فحسب، بل تحمل دلالة رمزية عميقة على التمسك بالحياة والوطن والهوية.
لقد كان إميل حبيبي، في هذا المعنى، نموذجًا للإنسان الصامد والمناضل والمدافع عن وطنه، إذ اختار البقاء في حيفا، وفضّل العيش في وطنه تحت واقع الاحتلال الإسرائيلي وما اتسم به من عنصرية وقمع وإرهاب، على الرحيل عنه والعيش في المنفى. وقد أصبح هذا الموقف الرمزي عنصرًا جوهريًا في تكوين سيرته، وانعكس بصورة واضحة في إنتاجه الإبداعي المتنوع، الذي جمع بين البعد السياسي والأدبي، وجعل من تجربته الشخصية والتاريخية مادة أساسية لأعماله.
وخلال مسيرته الأدبية، كتب إميل حبيبي أربع روايات، وعملين مسرحيين، وأربع قصص قصيرة، وقد شكّلت هذه الأعمال في بنيتها الداخلية صورة لسيرته وحياته ومواقفه، بحيث يمكن القول إن إميل حبيبي كتب سيرته من خلال إبداعه، وإن من أراد الاقتراب من حياته وفهم تجربته الفكرية والسياسية والإنسانية، فعليه أن يقرأ أعماله الأدبية بوصفها وثائق إبداعية تكشف جوانب متعددة من شخصيته.
وقد أكد حبيبي هذا المعنى بنفسه حين تحدث عن شخصية سعيد أبي النحس المتشائل في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، فقال، في معرض حديثه عن الشخصية: «كنت أكذب وأقول في الماضي: أنا شخصية سعيد أبي النحس المتشائل، ولكنني الآن في عمر لم أعد فيه بحاجة إلى الكذب». ثم أقر بأنه كان يتحدث في «المتشائل» عن نفسه إلى حد كبير. ويكشف هذا الاعتراف بوضوح عن حضور المؤلف داخل إبداعه، وعن تداخل التجربة الشخصية مع المتخيل الأدبي، بحيث يصبح العمل الأدبي مساحة للتعبير عن الذات وكشف ملامحها.
ومع ذلك، فإن حضور إميل حبيبي في أعماله لا يغني عن البحث في المحطات الأساسية من حياته، فلكل إنسان مراحل وتجارب مفصلية تسهم في تشكيل شخصيته الفكرية والإنسانية، وقد تكشف جوانب ظلت غامضة أو غير مكتملة في سيرته. ومن هنا تبرز أهمية تتبع مسيرته الحياتية إلى جانب قراءة أعماله، للكشف عن الصلات العميقة بين حياته وإبداعه، وفهم الكيفية التي تحولت بها تجربته الشخصية والوطنية إلى مادة أدبية وفكرية خالدة.
وُلد إميل شكري حبيبي في مدينة حيفا عام 1922، في العام الذي بدأ فيه الانتداب البريطاني على فلسطين، وكان أول أبناء أسرة انتقلت إلى حيفا من شفاعمرو طلبًا للرزق والعلم. وقد كان والداه قد هاجرا إليها برفقة أبنائهما الستة، الذين ارتفع عددهم فيما بعد إلى تسعة. وينحدر حبيبي من أسرة عربية مسيحية استقرت في شفاعمرو، التي تبعد نحو 22 كيلومترًا عن حيفا، قبل أن تنتقل الأسرة إلى المدينة بحثًا عن فرص أفضل في العمل والتعليم.
عمل إخوته الأكبر سنًا في ورشات السكك الحديدية وفي ميناء حيفا، بينما كان والده رجلًا متدينًا، وقد تولى منصب المختار في شفاعمرو، ثم أصبح مختارًا في حيفا بعد انتقال الأسرة إليها. وكان كذلك من أوائل من تلقوا التعليم في مدرسة CMS الإرسالية في بلدته، الأمر الذي يعكس اهتمام الأسرة بالتعليم وتحصيله.
تلقى إميل حبيبي تعليمه في مدارس حيفا وعكا، فدرس المرحلة الثانوية في مدرسة حيفا الثانوية، ثم في المدرسة الثانوية الحكومية في عكا، قبل أن يلتحق بكلية مار لوقا في حيفا، حيث حصل على شهادة الاجتياز عام 1939.
ويذكر الكاتب والناقد إحسان عباس، الذي زامل حبيبي في سنوات الدراسة، أنهما قطعا معًا مرحلة التعليم الابتدائي وسنتين من المرحلة الثانوية، مشيرًا إلى أن إميل كان في تلك المرحلة ذا توجه علمي، متفوقًا في الحساب والجبر والهندسة والرياضيات. ويرى عباس أن هذا التفوق كان في حد ذاته ضربًا من النبوغ، وأن حياة حبيبي، بما حفلت به من تحديات وتجارب، فجّرت لديه طاقة أدبية كبيرة، وحين اتجه قلمه إلى الأدب مضى فيه متفردًا في عالم الإبداع.
وبعد إتمام دراسته، بدأ حبيبي حياته العملية؛ فعمل عاملًا في بناء كاسر الأمواج في ميناء حيفا، ثم انتقل إلى العمل في معمل تكرير النفط في المدينة. وفي الوقت نفسه، واصل تحصيله العلمي، فدرس الهندسة البترولية بالمراسلة مع جامعة لندن مدة عامين، جامعًا بين العمل والتعلم في مرحلة مبكرة من حياته، وهو ما أسهم في تكوين شخصيته العملية والفكرية التي ستتبلور لاحقًا في تجربته الأدبية والسياسية.
يقول إميل حبيبي عن بدايات حياته العملية: «قُيّض لي أن أعمل في بداية حياتي العملية عطشلي، أي مساعد سائق قاطرة بخارية. وكانت مهمتي أن أزوّد القاطرة بالفحم، وأجتهد في إبقاء النار مشتعلة حتى يستمر البخار في التولد من الماء». وكان سائق القاطرة شابًا شيوعيًا ينتمي إلى الحزب الشيوعي السري آنذاك، وكان ذلك في عامي 1939 و1940.
وفي الوقت الذي كان فيه يعمل مساعدًا لسائق القاطرة، كان حبيبي يواصل دراسته في الهندسة البترولية بالمراسلة مع جامعة لندن، كما شارك في أعمال إنشاء مصفاة النفط في حيفا. ويذكر أنه عمل في نقل الصخور من عتليت إلى شاطئ حيفا، حيث كانت تُشيّد المصفاة وأبراج التبريد. وكان سائق القاطرة، واسمه ساطع جراح، يعامله باحترام ويستميله إلى الحديث، حتى فتح له حبيبي قلبه وأخبره بأنه يكتب القصص. فشجعه جراح على مواصلة الكتابة، وقال له إن انضم إلى الحزب الشيوعي فسوف يعملون على نشر قصصه. وكان ذلك من العوامل التي قادته إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي.
ومنذ عام 1941 حتى عام 1943، عمل إميل حبيبي مذيعًا في القسم العربي من محطة الإذاعة الفلسطينية، كما تولى مسؤولية القسم الثقافي، وأسهم من خلال عمله الإذاعي في نشر الوعي والمعرفة بين أبناء الشعب العربي الفلسطيني. وفي تلك المرحلة أخذ نشاطه السياسي يتنامى، ولا سيما مع احتدام الخلاف داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني حول استقلالية الحزب وطبيعة قيادته.
وكان حبيبي في الثانية والعشرين من عمره عندما شارك عام 1943 في مواجهة الهيمنة اليهودية على الحزب الشيوعي في فلسطين. وفي أعقاب ذلك، استقال من عمله ليتفرغ للنشاط السياسي داخل الحزب. غير أن الخلافات لم تتوقف، بل ازدادت حدة، الأمر الذي دفعه، مع عدد من رفاقه الشيوعيين، إلى إعلان تأسيس عصبة التحرر الوطني في فلسطين عام 1943.
وقد مثّلت العصبة في تلك المرحلة إطارًا سياسيًا جديدًا، أسهم في بلورة تيار وطني ديمقراطي واسع في صفوف العمال والمثقفين العرب في فلسطين، وكان لها حضور في الحياة السياسية الفلسطينية خلال السنوات التي سبقت النكبة، كما شكّلت محطة أساسية في مسيرة إميل حبيبي السياسية والفكرية.
لم تدم هذه التجربة السياسية الفريدة طويلًا، إذ جاءت نكبة عام 1948 لتحدث انقسامًا عميقًا في الحركة الشيوعية الفلسطينية، فانقسمت إلى مسارين؛ تمثل الأول في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، بينما استمر المسار الآخر في إطار الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي ارتبط لاحقًا بالحركة الشيوعية في الأردن وتطور إلى الحزب الشيوعي الأردني.
وفي أعقاب تأسيس الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ارتبط إميل حبيبي وعدد من رموز الحركة الشيوعية الفلسطينية بالحزب الذي جمع في صفوفه الشيوعيين العرب واليهود. وقد شارك حبيبي في الجهود الرامية إلى توحيد صفوف الشيوعيين، وأسهم في صياغة بيانات الوحدة التي أقرها المؤتمر المشترك للشيوعيين العرب واليهود في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1948، في قاعة سينما «ماي» في حيفا، وبذلك تكرست وحدة الحزب على أساس تنظيمي مشترك. وظل حبيبي عضوًا فيه حتى عام 1989.
وبعد قيام الحزب بصيغته الجديدة التي جمعت العرب واليهود، انخرط حبيبي في العمل بين الجماهير العربية، ونجح الحزب في توسيع حضوره بينها. وفي عام 1952، رشّح الحزب إميل حبيبي لعضوية الكنيست الإسرائيلي، ففاز بمقعد نيابي ممثلًا للجماهير العربية وللحزب، واستمر في عضوية الكنيست مدة تسعة عشر عامًا، مدافعًا خلالها عن القضايا الوطنية والاجتماعية للجماهير العربية داخل إسرائيل.
وفي عام 1972، استقال حبيبي من عضوية الكنيست، متفرغًا لأعماله الأدبية والثقافية، ولعمله في تحرير صحيفة الحزب الناطقة بالعربية «الاتحاد»، التي كان من المساهمين في تأسيسها منذ عام 1944. واستطاع خلال مسيرته الصحفية أن يطور حضورها، حتى صدرت بصورة يومية منذ عام 1983، وأصبحت من أبرز المنابر الصحفية والثقافية العربية داخل إسرائيل.
وفي عام 1979، استقال حبيبي من عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، لتنتهي بذلك مشاركته التنظيمية المباشرة في قيادة الحزب، وإن ظل حضوره الفكري والسياسي قائمًا. ثم اتجه منذ أواخر الثمانينيات إلى طرح رؤيته السياسية بصورة أكثر استقلالًا عن الأطر الحزبية التقليدية، داعيًا الأوساط التقدمية في إسرائيل والعالم العربي إلى إعادة النظر في عدد من المسلمات النظرية والسياسية، في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها العالم الاشتراكي، ولا سيما الزلزال السياسي والفكري الذي أخذ يهز أركان الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية.
كان إميل حبيبي، منذ مطلع الأربعينيات وحتى أوائل التسعينيات، عنصرًا فاعلًا ومؤثرًا في الأوساط الشيوعية الفلسطينية، كما كان قلمًا بارزًا في صحافتها المتعاقبة، ومن بينها «الغد» و«المهماز» و«الجديد» و«الاتحاد». وقد خصص لنفسه زاوية سياسية أسبوعية ذات طابع ساخر وناقد، عبّر فيها عن همومه وآلامه ومواقفه من القضايا السياسية والاجتماعية، واستمر في الكتابة فيها سنوات طويلة في صحيفة «الاتحاد»، موقّعًا باسم «جُهينة».
ومع بداية انهيار أركان المنظومة الاشتراكية، بدأ حبيبي يبحث عن مسارات فكرية وسياسية جديدة، متجاوزًا الأطر والقوالب التي عاش في ظلها طويلًا. وفي كتابه «عالم بلا أقفاص»، الصادر عام 1993، عبّر عن مراجعة عميقة لتجربته الفكرية والسياسية، معلنًا رفضه للجمود الفكري والتعصب العقائدي والخضوع الأعمى للإشارات والشعارات والصياغات الجاهزة، وداعيًا إلى فضاء أوسع من الحرية والتفكير النقدي.
وقد ذهب أحد الباحثين إلى الفصل بين إميل حبيبي السياسي وإميل حبيبي الروائي، مشيرًا إلى أن مسافة زمنية طويلة تفصل بين التجربتين؛ إذ انخرط حبيبي في العمل السياسي منذ أربعينيات القرن العشرين، بينما لم ينشر روايته الأولى «المتشائل» إلا عام 1974. وبناءً على ذلك، رأى الباحث أن نحو ثلاثة عقود تفصل بين حبيبي السياسي وحبيبي الأديب.
غير أن هذا التصور لا ينسجم تمامًا مع المسار الأدبي الفعلي لحبيبي؛ فموهبته الإبداعية ظهرت في وقت مبكر من شبابه، ولم يكن الأدب مرحلة متأخرة في حياته، بل رافق نشاطه السياسي منذ بداياته. بل إن دخوله إلى الحزب الشيوعي نفسه كان، في جانب منه، مرتبطًا بالأدب والكتابة، إذ نشر باكورته القصصية في صحيفة «الاتحاد» التي تأسست عام 1944، كما نشر قصصه في مجلة «المهماز» التي أصدرها عام 1946، فضلًا عن نشره عددًا من كتاباته في مجلات فلسطينية ولبنانية وعراقية ومصرية.
ومن ثم، فإن الفصل الحاد بين حبيبي السياسي وحبيبي الأديب يبدو غير دقيق؛ فقد تداخل المساران في تجربته منذ وقت مبكر، وكان الأدب بالنسبة إليه وسيلة للتعبير عن رؤيته السياسية والاجتماعية، كما كانت تجربته السياسية والوطنية مصدرًا أساسيًا من مصادر إبداعه الأدبي.
ترك إميل حبيبي عددًا من الأعمال الأدبية والفكرية التي تنوعت بين الرواية والقصة والمسرح والمقالة والدراسة التاريخية والسياسية. ومن أبرز أعماله «سداسية الأيام الستة»، الصادرة عام 1969، و**«الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»**، الصادرة عام 1974، وهي أشهر رواياته وأكثرها حضورًا في المشهد الأدبي العربي والعالمي. كما أصدر ثلاثية مسرحية بعنوان «لكع بن لكع» عام 1980، ورواية «الأخطية» عام 1985، والرواية الخرافية «سرايا بنت الغول» عام 1991، والمسرحية «أم الروبابيكا» عام 1992.
وفي المجال الفكري والسياسي، أصدر كتاب «نحو عالم بلا أقفاص» عام 1993، وهو مجموعة من الرسائل والمقالات الفكرية التي عكست مراجعاته السياسية والفكرية في أواخر حياته. كما نشر دراسة تاريخية سياسية بعنوان «بفرقاصة: المجزرة والسياسة» عام 1976.
أما في مجال القصة القصيرة، فقد نشر عددًا من المجموعات والقصص التي ظهرت في مراحل مختلفة من مسيرته، ومن بينها «بوابة مندلباوم» التي تعود إلى عام 1954، و**«النورية»** عام 1963، و**«قدر الدنيا»** عام 1962، و**«الطاعون»** عام 1967، إلى جانب قصص أخرى نشرها في الصحف والمجلات خلال مسيرته الأدبية.
وقد حظيت أعمال حبيبي بانتشار واسع خارج العالم العربي، إذ تُرجمت رواياته ومسرحياته إلى لغات متعددة، وكانت رواية «المتشائل» أكثر أعماله انتشارًا، إذ ترجمت إلى أكثر من خمس عشرة لغة، من بينها العبرية، كما عُرضت على المسرح باللغتين العربية والعبرية.
وقد قدّم الفنان محمد بكري الرواية في عمل مسرحي، كما قام الكاتب المصري رؤوف سعد بإعدادها للمسرح تحت عنوان «حبيبي المتشائل»، وصدرت ضمن سلسلة المسرح العربي، العدد الثاني، في القاهرة عام 1988، ثم أعادت دار «شاهدة» للنشر في القاهرة إصدارها عام 1989. وقد عُرضت المسرحية في عدد من البلدان العربية، ولاقت استقبالًا واسعًا، ورسخت مكانة الرواية بوصفها واحدة من الأعمال الأساسية في الأدب العربي الحديث.
وإلى جانب مؤلفاته المنشورة في الكتب والمجلات، خلّف إميل حبيبي مئات المقالات والدراسات التي ما تزال موزعة في بطون الصحف والمجلات العربية، إذ كان يكتب باستمرار في عدد كبير من المنابر الصحفية والثقافية، من بينها «الوطن العربي» و«القدس» و«الطليعة» و«الشرق الأوسط العربي» و«الأهالي» و«دراسات فلسطينية» و«اليوم السابع» و«عبير» و«القدس اللندنية» و«كل العرب» و«الغد» و«الطريق الجديد»، إلى جانب نشاطه الأدبي والصحفي المتواصل.
ومنذ عام 1990، تولى رئاسة مجلس إدارة دار عربسك للنشر في حيفا، وأولى اهتمامًا خاصًا بلجنة المبدعين الإسرائيليين والفلسطينيين ضد الاحتلال، ومن أجل السلام وحرية الإبداع، التي شارك في رئاستها مع الكاتب الإسرائيلي يورام كانيوك. ويكشف هذا النشاط عن إيمانه بأن المنبر الأدبي والإعلامي لا يقل أهمية عن المنبر السياسي في التعبير عن المواقف والدفاع عن القضايا الوطنية والإنسانية، وفي طرح قضايا شعبه أمام الرأي العام.
وفي أغسطس/آب 1995، أسس حبيبي مجلة «مشارف»، وهي مجلة شهرية تعنى بالأدب الفلسطيني، تصدر من القدس وحيفا، وتولى رئاسة تحريرها. وقد صدر منها ثمانية أعداد قبل وفاته، ثم واصلت المجلة صدورها بعد رحيله، لتبقى إحدى العلامات التي ارتبطت بمشروعه الثقافي والأدبي في سنواته الأخيرة.
وقد تجاوزت مكانة إميل حبيبي الأدبية الحدود الفلسطينية والإقليمية، وأصبح اسمه حاضرًا في المشهد الأدبي العربي بوصفه واحدًا من أبرز الروائيين والكتاب الفلسطينيين في العصر الحديث. ولم تكن هذه المكانة وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة أصالة تجربته وخصوصية أسلوبه وقدرته على الجمع بين الأدب والسخرية والنقد الاجتماعي والسياسي.
وتقديرًا لمكانته الأدبية والثقافية، كرّمه الرئيس ياسر عرفات ودائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية بمنحه وسام القدس، وهو من أرفع الأوسمة الأدبية الفلسطينية، وذلك خلال أسبوع الثقافة الفلسطينية الذي أقيم في القاهرة في كانون الثاني/يناير 1990. كما اختارته مجلة تصدر في لندن، في عددها الخاص الصادر في كانون الثاني/يناير 1993، بوصفه أفضل كاتب وروائي عربي لعام 1991، في حين عُدّت روايته «سرايا بنت الغول» من أبرز الروايات العربية لذلك العام، وحظيت بتقدير واسع في الأوساط الأدبية والنقدية.
وفي السابع من أيار/مايو 1992، منحت وزارة الثقافة الإسرائيلية إميل حبيبي جائزة إسرائيل في الأدب، وهي من أرفع الجوائز الثقافية في إسرائيل، وقد بلغت قيمة الجائزة ثمانية آلاف دولار. وقد اختار حبيبي أن يوجّه قيمتها إلى مؤسسة فلسطينية تُعنى برعاية جرحى الانتفاضة، في موقف يعكس ارتباطه الدائم بقضايا شعبه وحرصه على توظيف التكريم الذي حظي به في خدمة القضية الفلسطينية.
كما أعدّ التلفزيون الإسرائيلي فيلمًا وثائقيًا تناول سيرة حبيبي وحياته الشخصية، بمشاركته المباشرة. وكان من المقرر أن تُختتم أحداث الفيلم بلقاء يجمعه بالشاعر محمود درويش، غير أن اللقاء لم يتم، إذ توفي حبيبي قبل الموعد المحدد له بيوم واحد، فبقيت نهاية الفيلم مفتوحة، وكأنها امتداد رمزي لإشكالية حياته ومواقفه.
وعندما وقف محمود درويش أمام جثمانه، ألقى كلمة رثاء عبّر فيها عن عمق العلاقة التي جمعتهما، وعن مكانة حبيبي في الذاكرة الفلسطينية، مستعيدًا في كلماته معنى الوطن والمنفى والحضور الإنساني الذي تركه الراحل في حياة أبناء شعبه.
وفي فجر الثاني من أيار/مايو 1996، أعلنت وكالات الأنباء والصحف الفلسطينية والعربية والعالمية نبأ وفاة الكاتب الكبير إميل حبيبي، بعد معاناة مع مرض عضال لم يمهله طويلًا، عن عمر ناهز أربعة وسبعين عامًا. وبوفاته خسرت الثقافة الفلسطينية والعربية واحدًا من أبرز أعلامها، ممن جمعوا في تجربتهم بين الأدب والسياسة والصحافة والعمل الوطني.
وُضع جثمانه في كنيسة البشارة في الناصرة، حيث ألقى محبوه وتلاميذه نظرة الوداع الأخيرة عليه، ثم انطلق موكب التشييع عبر الشارع الرئيس في مدينة الناصرة، قبل أن يُنقل إلى حيفا ليوارى الثرى في مقبرة «سامير»، إلى جانب رفيقيه في النضال إميل توما وصليبا خميس.
وبحسب وصيته، كُتبت على ضريحه العبارة التي اختارها لتختزل علاقته بالمدينة والوطن: «باقٍ في حيفا». وهي العبارة التي ظلت مفتاحًا رمزيًا لسيرته كلها؛ فقد عاش إميل حبيبي متمسكًا بفلسطين، وظل قلمه، كما وصفه محبوه، أداةً تهدم جدران الصمت وتشق الطريق أمام أجيال فلسطين للخروج من النفق نحو النور.
وفي السابع من أيار/مايو 1992، منحت وزارة الثقافة الإسرائيلية إميل حبيبي جائزة إسرائيل في الأدب، وهي من أرفع الجوائز الثقافية في إسرائيل، وقد بلغت قيمة الجائزة ثمانية آلاف دولار. وقد اختار حبيبي أن يوجّه قيمتها إلى مؤسسة فلسطينية تُعنى برعاية جرحى الانتفاضة، في موقف يعكس ارتباطه الدائم بقضايا شعبه وحرصه على توظيف التكريم الذي حظي به في خدمة القضية الفلسطينية.
كما أعدّ التلفزيون الإسرائيلي فيلمًا وثائقيًا تناول سيرة حبيبي وحياته الشخصية، بمشاركته المباشرة. وكان من المقرر أن تُختتم أحداث الفيلم بلقاء يجمعه بالشاعر محمود درويش، غير أن اللقاء لم يتم، إذ توفي حبيبي قبل الموعد المحدد له بيوم واحد، فبقيت نهاية الفيلم مفتوحة، وكأنها امتداد رمزي لإشكالية حياته ومواقفه.
وعندما وقف محمود درويش أمام جثمانه، ألقى كلمة رثاء عبّر فيها عن عمق العلاقة التي جمعتهما، وعن مكانة حبيبي في الذاكرة الفلسطينية، مستعيدًا في كلماته معنى الوطن والمنفى والحضور الإنساني الذي تركه الراحل في حياة أبناء شعبه.
وفي فجر الثاني من أيار/مايو 1996، أعلنت وكالات الأنباء والصحف الفلسطينية والعربية والعالمية نبأ وفاة الكاتب الكبير إميل حبيبي، بعد معاناة مع مرض عضال لم يمهله طويلًا، عن عمر ناهز أربعة وسبعين عامًا. وبوفاته خسرت الثقافة الفلسطينية والعربية واحدًا من أبرز أعلامها، ممن جمعوا في تجربتهم بين الأدب والسياسة والصحافة والعمل الوطني.
وُضع جثمانه في كنيسة البشارة في الناصرة، حيث ألقى محبوه وتلاميذه نظرة الوداع الأخيرة عليه، ثم انطلق موكب التشييع عبر الشارع الرئيس في مدينة الناصرة، قبل أن يُنقل إلى حيفا ليوارى الثرى في مقبرة «سامير»، إلى جانب رفيقيه في النضال إميل توما وصليبا خميس.
وبحسب وصيته، كُتبت على ضريحه العبارة التي اختارها لتختزل علاقته بالمدينة والوطن: «باقٍ في حيفا». وهي العبارة التي ظلت مفتاحًا رمزيًا لسيرته كلها؛ فقد عاش إميل حبيبي متمسكًا بفلسطين، وظل قلمه، كما وصفه محبوه، أداةً تهدم جدران الصمت وتشق الطريق أمام أجيال فلسطين للخروج من النفق نحو النور.
________________________________________________
توفيق زياد
رمز الصمود والمقاومة:
يُعدّ توفيق زياد واحدًا من أبرز رموز الصمود والمقاومة في التاريخ الفلسطيني الحديث، وشاعرًا جسّد في حياته وأدبه معنى الانتماء إلى الإنسان والوطن. وقد ظل حاضرًا في ذاكرة شعبه؛ لأنه كرّس حياته وما امتلك من طاقة وجهد لخدمة أبناء شعبه والدفاع عن حقوقهم. وكان يقول، تعبيرًا عن عمق ارتباطه بوطنه وشعبه: «من شدة حبي سأموت، إن يومًا سأموت لا حسرةً ولا حسدًا، لكن من شدة حبي». وكانت هذه الكلمات تختزل مشاعر الشاعر تجاه وطنه، في ظل ما عاشه الفلسطينيون من ظلم وعنصرية وقهر. غير أن القدر لم يمهله طويلًا، فرحل وهو يحمل في وجدانه حب فلسطين وأبنائها.
وُلد توفيق أمين زياد في الحارة الشرقية بمدينة الناصرة في 7 أيار/مايو 1929، في أسرة شعبية فقيرة، عُرفت بوطنيتها ونضالها. وكان والده أمين زياد من المشاركين في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الاستعمار البريطاني، وقد تعرض للاعتقال عدة مرات بسبب مقاومته للظلم والاستعمار، كما عانى التعذيب، وهي تجارب تركت آثارًا عميقة في حياته وفي تكوين شخصية ابنه توفيق، وأسهمت في تشكيل وعيه الوطني والسياسي منذ سنواته الأولى.
وكان أمين زياد رجلًا عصاميًا يعتمد على نفسه، وقد انعكست هذه الصفات في تربية ابنه وفي تكوين شخصيته؛ فنشأ توفيق في بيئة اجتماعية متواضعة، لكنها غنية بالقيم الوطنية وروح الكفاح والصمود، الأمر الذي أسهم لاحقًا في تشكيل تجربته الشعرية والسياسية، وجعل من حياته امتدادًا طبيعيًا لنضال أسرته وشعبه.
أما والدته، فقد كانت تعمل في الأرض وفي البيت، وتشارك زوجها في أعباء الحياة والعمل، فأسهمت بذلك في توفير أسباب العيش للأسرة في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة. وفي هذا الجو الأسري نشأ توفيق زياد، وتشرب منذ طفولته كثيرًا من صفات والديه، وكان يقول في وصف أثرهما في تكوين شخصيته: «من والدتي تعلمت الطيبة ودماثة الخلق، ومن والدي تعلمت الشجاعة والنضال». وقد ظلت هذه القيم ملازمة له طوال حياته، وانعكست بوضوح في مواقفه السياسية وشعره وممارسته الوطنية.
تلقى توفيق زياد تعليمه في مدارس الناصرة، فدرس المرحلة الابتدائية والإعدادية، ثم أنهى دراسته الثانوية في المدرسة الثانوية البلدية في المدينة. وفي هذه المرحلة بدأت ملامح شخصيته السياسية والثقافية تتبلور، فانخرط في النشاطات الوطنية والشعبية، وشارك في الفعاليات التضامنية والمظاهرات التي شهدتها الناصرة في تلك الفترة، ومنها مظاهرة تضامنية عام 1946.
وبالتوازي مع نمو وعيه السياسي، أخذ اهتمامه بالأدب يتسع، فازداد شغفه بالشعر والقراءة، وأصبح الكتاب جزءًا أساسيًا من حياته الفكرية. وفي هذه المرحلة المبكرة تعرّف إلى الأفكار الشيوعية، التي كان لها أثر واضح في تكوينه السياسي والفكري لاحقًا، وأسهمت في توجيه اهتمامه نحو قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق العمال ومقاومة الظلم والتمييز.
تعرّف توفيق زياد إلى الأفكار الشيوعية في مرحلة مبكرة من حياته، وكان لبعض مدرّسيه دور في تعريفه بها، ثم انضم إلى الحزب الشيوعي عام 1948. وقد مثّل انخراطه في الحزب بداية مرحلة جديدة من نشاطه السياسي والنضالي، إذ سعى الحزب، في سياق الصراع على مستقبل الفلسطينيين العرب داخل وطنهم، إلى الدفاع عن بقائهم في أرضهم ومقاومة سياسات السلطات الإسرائيلية الرامية إلى التهجير ومصادرة الأراضي وفرض القيود على حياتهم ومجتمعاتهم.
وبسبب مواقفه السياسية ونشاطه في صفوف الحزب وبين الجماهير العربية، تعرض توفيق زياد للملاحقة والاعتقال والتعذيب، في ظل سياسة السلطات الإسرائيلية تجاه الشيوعيين والنشطاء العرب. وقد وضعت السلطات اسمه ضمن قوائم المعارضين البارزين، وظلت تلاحقه وتفرض عليه قيودًا متكررة؛ فتعرض للاعتقال مرات عديدة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية الليلية لسنوات طويلة، ومنعته من مغادرة الناصرة، واستمرت بعض هذه القيود، بحسب ما تذكره المصادر، نحو خمسة وعشرين عامًا. كما تعرض لاعتداءات ومحاولات اغتيال، الأمر الذي جعله واحدًا من أبرز رموز المعارضة الشعبية الفلسطينية داخل إسرائيل.
وكانت السلطات ترى في نشاط زياد السياسي صوتًا معارضًا لسياساتها تجاه المواطنين العرب، ولذلك سعت إلى الحد من تأثيره، إلا أن هذه الممارسات أسهمت في تعزيز مكانته الشعبية، وتحول إلى رمز للصمود والتحدي. وقد كان أهل الناصرة الأقرب إلى معرفة شخصيته ومواقفه، فازدادت شعبيته وترسخ حضوره بينهم مع مرور السنوات.
وفي عام 1954، خاض توفيق زياد انتخابات المجلس البلدي في الناصرة، وفاز بعضوية المجلس، حيث تولى مسؤولياته بجدية ونشاط، وركز على خدمة سكان المدينة والدفاع عن استقلال العمل البلدي في مواجهة تدخلات السلطات. وتمكن، بالتعاون مع زملائه في المجلس، من اتخاذ مواقف وقرارات معارضة لعدد من سياسات الحكومة والحكم العسكري، الأمر الذي عزز رصيده الشعبي ورسخ صورته بوصفه مدافعًا عن حقوق أهل الناصرة والجماهير العربية.
وعشية انتخابات بلدية الناصرة في أواخر عام 1975، ترشح زياد لرئاسة البلدية على قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وحقق نجاحًا كبيرًا، إذ حصلت القائمة على نحو 67% من الأصوات، وفازت بالأغلبية المطلقة في المجلس البلدي، فأصبح توفيق زياد رئيسًا لبلدية الناصرة، واستمر في هذا المنصب حتى وفاته، جامعًا بين العمل البلدي والنضال السياسي والدفاع عن حقوق أبناء شعبه.
في عام 1973، دخل توفيق زياد الكنيست الإسرائيلي عضوًا بعد معركة انتخابية حادة، حاولت خلالها السلطات الإسرائيلية والأحزاب الصهيونية الحيلولة دون فوز الجبهة، غير أن تلك المحاولات لم تنجح. وجاء فوز الجبهة مستندًا إلى برنامج سياسي تبنّى قضايا الجماهير العربية ونضالها من أجل تحصيل حقوقها والدفاع عن مطالبها الإنسانية والوطنية داخل الكنيست الإسرائيلي.
وكان العمل البرلماني شاقًا على زياد، لما تطلبه من سفر وتنقل دائمين، وبعد نحو ثمانية عشر عامًا من العمل والنضال البرلماني، قدم استقالته من عضوية الكنيست عام 1990، متفرغًا للعمل البلدي والقيام بمسؤوليات أخرى. غير أن الضغوط الشعبية والجماهيرية دفعته إلى إعادة النظر في قرار الاعتزال، وطالبته جماهيره بإعادة ترشيح نفسه في انتخابات الكنيست اللاحقة. وبعد تفكير طويل، استجاب لهذه المطالب، وخاض الانتخابات وفاز، ليعود إلى الكنيست عضوًا فاعلًا ومواصلًا لدوره السياسي.
وإلى جانب نشاطه السياسي والبلدي، كان توفيق زياد شغوفًا بالعلم والثقافة والقراءة، وقد اتسعت مطالعاته لتشمل الأدب العربي والعالمي. وخلال اعتقاله عام 1956، بعد الحكم عليه بالسجن مدة ستة أشهر بسبب مشاركته في مظاهرات جماهيرية احتجاجًا على مجزرة كفر قاسم، وجد في القراءة ملاذًا فكريًا، وأقبل على الأدب بنهم، وكانت تلك المرحلة من أبرز الفترات التي تبلورت فيها تجربته الشعرية.
وقد ارتبط شعر توفيق زياد ارتباطًا وثيقًا بتجربته السياسية والوطنية، حتى عُدّ من أبرز شعراء المقاومة. وكان يرى في الشعر وسيلة للنضال والتعبير عن قضايا شعبه، ولذلك تناولت معظم قصائده هموم الفلسطينيين وقضاياهم الوطنية والاجتماعية، وصوّرت تفاصيل حياتهم اليومية، كما عبّرت عن مواقفه الطبقية والقومية والأممية.
وتكشف عناوين عدد من قصائده عن طبيعة هذا الانشغال، ومن بينها: «شيوعيون»، الصادر في مصر عام 1951، و«من وراء القضبان»، و«كفر قاسم»، و«إلى عمال موسكو»، و«ثلوج على المناطق المحتلة»، و«بورسعيد»، و«إلى عمال آتا المضربين»، و«عمّان في أيلول»، و«مرج بن عامر»، و«شهداء الحرية»، و«حبيبتي أم درمان»، و«رمضان كريم».
وقد غلب على شعره في كثير من الأحيان التعبير المباشر والاحتكاك الصريح بالواقع السياسي والاجتماعي، وهو ما دفع بعض النقاد إلى عدّ ذلك سببًا في محدودية الصورة الشعرية والأداء الفني في بعض قصائده. غير أن هذا الحكم لم ينتقص من القيمة الأصيلة لتجربته الشعرية، ولا من مكانته بوصفه شاعرًا نابعًا من قضايا شعبه، وأحد أبرز شعراء المقاومة في الأدب العربي الحديث.
كان شعر توفيق زياد، في جانب كبير منه، شعرًا حرًا يقوم على الفكرة الواضحة والرسالة الإنسانية والاجتماعية المباشرة. فقد كان شاعرًا واقعيًا، حرص على أن تكون قصائده قريبة من الناس، سهلة التلقي والحفظ، ولا سيما لدى البسطاء الذين أراد أن ينقل إليهم أفكاره ومواقفه وقضاياهم اليومية. ولذلك اتسم شعره بالبساطة والوضوح، مع احتفاظه بطاقة إبداعية جعلته قريبًا من وجدان الجماهير.
ويُعد شعره من أكثر الشعر الفلسطيني والعربي الذي تحوّل إلى أغانٍ ثورية، ولا سيما أن قصائده حملت إيقاعًا جماهيريًا مكّن الملحنين والمغنين من تحويلها إلى أناشيد ارتبطت بالمقاومة والصمود. ومن أشهر قصائده المغناة قصيدة «أناديكم»، التي أصبحت من أبرز الأناشيد الوطنية الفلسطينية، وتعبّر عن عمق ارتباط الشاعر بشعبه واستعداده للتضحية من أجله.
أناديكم.. وأشد على أياديكم،
وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول:
أفديكم..
وأهديكم ضيا عيني..
ودفء القلب أعطيكم،
فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم ..
وفي آب/أغسطس 1962، سافر توفيق زياد إلى الاتحاد السوفيتي، حيث درس في المدرسة الحزبية الفلسفة والاقتصاد الاجتماعي، فأسهمت هذه الدراسة في تعميق تكوينه الفكري والسياسي. وكان إلى جانب العربية يجيد عددًا من اللغات، منها الروسية والإنجليزية والعبرية، وهو ما أتاح له الاطلاع على آداب وثقافات وتجارب سياسية متعددة.
واهتم زياد كذلك بالتراث الشعبي الفلسطيني، فجمع عددًا من القصص والحكايات الشعبية المتوارثة، ونشرها في كتاب «حال الدنيا»، محافظًا بذلك على جانب من الذاكرة الشعبية الفلسطينية. كما تولى رئاسة تحرير مجلة «الجديد» الأدبية، وأسهم من خلالها في الحياة الثقافية والأدبية، إلى جانب نشاطه السياسي وتمثيله للحزب في عدد من القضايا المرتبطة بالسلام والحركة الاشتراكية. وفي عام 1990 كرّمه الرئيس ياسر عرفات بمنحه وسام القدس، تقديرًا لدوره الوطني والثقافي.
وكان الوطن بالنسبة إلى توفيق زياد قيمة تتجاوز الانتماء الجغرافي، لتصبح جزءًا من هويته ووجوده. ومن هذا المنطلق عبّر في شعره عن وفائه لشعبه وتمسكه بالأرض، ومن ذلك قوله: «يا شعبي يا عود الندى، يا أغلى من روحي عندي»، في تعبير يجمع بين المحبة والوفاء والعهد.
وفي 31 آذار/مارس 1966، تزوج توفيق زياد من رفيقة دربه نائلة يوسف صباغ زياد، وكان زواجهما حدثًا لافتًا في حياة مدينة الناصرة، إذ جمع بين أسرة مسلمة وأسرة مسيحية، وأقيم لهما عرس شارك فيه أبناء المدينة. وقد استمر زواجهما قائمًا على التفاهم والمودة والتشارك حتى اللحظات الأخيرة من حياة أبي الأمين، وأثمر عن ثلاثة أبناء: أمين وفارس وعبور.
ولم تكن أسرة توفيق زياد بعيدة عن تجربته النضالية، بل شاركته جانبًا كبيرًا من معاناته ومواجهاته مع سلطات الاحتلال. فقد وقفت زوجته نائلة إلى جانبه في النضال، وشاركت في مقاومة سياسات الاحتلال، ولا سيما خلال يوم الأرض عام 1976، حين تصدت للجنود ومنعتهم من دخول منزلها، وتعرضت بسبب ذلك للاعتداء والشتائم والضرب والاعتقال في مناسبات عدة، كما أصيبت في عينها. ولم يسلم أبناؤه من آثار هذه الملاحقة؛ فقد تعرض ابنه فارس، وهو طفل، لإصابة جراء اعتداءات قوات حرس الحدود الإسرائيلي على المنزل، وعاشت الأسرة في ظل تهديدات متواصلة، الأمر الذي جعل النضال جزءًا من حياتها اليومية.
وكان زياد، رغم قسوة الظروف، مؤمنًا بالبقاء والتجدد والانتصار، وهو ما عبّر عنه في شعره بقوله:
«سأعيش وأحيا، سأظل إلى أبد الآباد،
أتجدد في وطن الأجداد،
فأنا والنصر وشمس الأحرار على ميعاد».
وهكذا تداخلت في تجربة توفيق زياد الشخصية والشعرية والسياسية؛ فلم يكن الشعر عنده منفصلًا عن الحياة، ولا النضال منفصلًا عن الإبداع، بل كان كل منهما امتدادًا للآخر، حتى غدا اسمه مرتبطًا بالصمود الفلسطيني وبصوت الإنسان الذي اختار أن يبقى في وطنه ويدافع عنه بالكلمة والموقف معًا.
يبدو أن النص مكرر مرتين، وفيه عدد من الأخطاء الناتجة عن النقل الصوتي أو التحويل الآلي، مثل: «بنية ريح»، و«أنثية»، و«بشرت»، و«نصرها». ويمكن تنقيحه مع الحفاظ على مضمونه وسياقه التاريخي والأدبي على النحو الآتي:
عندما وقعت اتفاقية السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ودخل رجال الجيش والشرطة الفلسطينية إلى أرض الوطن، وعاد الرئيس ياسر عرفات إلى وطنه، لم يكن توفيق زياد مجرد إنسان يجلس أمام شاشة التلفاز ليرى الأحداث؛ فقد كان مشاركًا فيها، وشاهدًا على تحقق ما تنبأ به في قصيدته «الغريب الآتي» من زوال الاحتلال والعودة الظافرة إلى الوطن.
وسافر توفيق زياد إلى غزة مرةً على رأس وفد لاستقبال الرئيس أبي عمار، ياسر عرفات، عندما زار غزة، وكان توفيق زياد على رأس وفد المستقبلين. وبعد مراسم الاستقبال قرر العودة إلى القدس لحضور جلسة الكنيست، إلا أن القدر كان له بالمرصاد؛ فقد تعرضت سيارته لحادث طرق مروّع مساء يوم الثلاثاء 5 تموز/يوليو 1994، فكانت وفاته.
ونزل خبر وفاته كالصاعقة على كل من عرفه أو سمع باسمه، ولم يصدق كثيرون أن توفيق زياد قد غادرهم إلى الأبد. هل حقًا مات؟ لقد انتقلت روحه إلى الرفيق الأعلى، غير أن أبا الأمين بقي بيننا شعلةً مضيئة، خالدًا في أعماله ونضالاته، ومجسدًا لمقولته: «من شدة حبي لبلادي لا أفنى وأموت، لكن أتجدد، دوما أتجدد».
وقد ترك أبو الأمين تراثًا زاخرًا من الأعمال الأدبية والشعرية والكتابات النقدية، التي تمثل جزءًا من مسيرة شعبنا العظيمة، وسجلًا خالدًا يشهد على عظمة هذا الإنسان ودوره الثقافي والوطني. وبعد وفاته، تشكلت لجنة من أفراد عائلته وأصدقائه ورفاقه لجمع تراثه وكتاباته والمحافظة عليها.
ومن أبرز دواوينه الشعرية: «ادفنوا موتاكم وانهضوا»، و«شيعيون»، و«أشد على أياديكم»، و«السيف والنغم والمنجل». كما ترك عددًا من المؤلفات والدراسات والقصص، من بينها «حال الدنيا»، وهي مجموعة قصصية تتناول الأدب والأدب الشعبي الفلسطيني، و«صور من الأدب الشعبي الفلسطيني»، وهي دراسة في هذا المجال، إضافة إلى أعمال أخرى في السيرة والأدب.
وتبقى قصيدة «الغريب الآتي» من أبرز قصائده التي تنبأ فيها الشاعر بعودة الوطن وأهله، واستشرف فيها يوم التحرر والعودة، فقال:
«آتٍ ذلك يومٌ قريبٌ آتٍ،
وسأحمل ريشةً مغموسةً في قلبي،
وعلى ورق الزهر سأكتب،
وعلى أجنحة الطير سأكتب،
وجذوع الشجر الصامد في وجه الريح سأكتب،
وعلى أبواب مصانعنا ومدارسنا ومزارعنا،
وعلى جدران فصول العمال،
وعلى راحات الأطفال،
وعلى أنصاب الشهداء الأبطال،
وعلى أكتاف الطيارين الشجعان،
وسأكتب، أكتب، أكتب في كل مكان وعلى كل مكان،
في القدس العربية، في غزة والجولان.
وطني محتل كان،
والمحتل الغاصب كان،
واليوم تحوّل ذكرى».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق