أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 3 أغسطس 2026

فلسطين المنهج الرباني والواقع د. عدنان علي رضا النحوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

فلسطين المنهج الرباني والواقع

د. عدنان علي رضا النحوي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذا الكتاب في أصله ثلاث محاضرات علمية موجزة، أُلْقيت خلال صيف عام 1991 (وتحديداً بين 27 يوليو/تموز و17 أغسطس/آب 1991م). وتهدف هذه المحاضرات إلى تفكيك وإعادة بناء تصور إيماني واعي وموحد لقضية فلسطين، باعتبارها المدخل الأساس والركيزة الصلبة لتوحيد النهج، ولمّ الشمل، ووحدة الخطوة والغاية في مسيرة الأمة. 

ويستند المؤلف في تأصيل هذا التصور إلى مرجعية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مدعوماً بالحجة والبرهان العقدي والتاريخي، لتجلية المكانة المركزية التي تحتلها فلسطين في المنظور الإسلامي. كما يؤكد أن قضية فلسطين لا يمكن فهمها بمعزل عن هويتها الإسلامية، وأن هذه الصلة أعمق وأقدم من مجرد الفتح الإسلامي؛ لأن جذورها ممتدة عبر تاريخ الأنبياء والرسل جميعاً.

وفيما يتعلق بالفتح الإسلامي للبلاد، فقد تحقق الفتح العمري على مرحلة متصلة، حيث دخلت القدس وفلسطين تحت الراية الإسلامية في أوائل العام 15 للهجرة (وتحديداً 20 ربيع الأول سنة 15 هـ، الموافق: 2 مايو/ 636م عقب معركة أجنادين ومعركة اليرموك، وما تلاهما من فتح لبيت المقدس). وقد مثّل هذا الحدث التاريخي انتقالاً البلاد إلى رحاب الحضارة الإسلامية العادلة، مع إرساء مبادئ التعايش وصيانة حقوق السكان ومقدساتهم عبر "العهدة العمرية".

ويرى المؤلف "النحوي" أن التحدي الأبرز لهذه القضية يكمن في ضرورة تجاوز التعامل السطحي مع القضية الفلسطينية، وتحويلها من خطاب إنشائي باهت إلى عقيدة راسخة تستقر في أعماق وجدان الأمة، وتُشكِّل منطلقًا للرؤية والموقف والعمل. 

ومن ثم يؤكد أن توحيد التصور الإيماني للقضية هو المدخل الحقيقي لتوحيد النهج والممارسة، بعيدًا عن الشعارات المجردة أو المواقف الظرفية، إذ لا يتحقق ذلك إلا بإعادة ربط فلسطين بالإسلام، وإبراز مكانتها العقدية والتاريخية في وعي المسلمين، بما يجعل الدفاع عنها جزءًا من الالتزام الديني والحضاري، لا مجرد قضية سياسية عابرة تخضع لموازين المصالح والمتغيرات. 

ويستلزم هذا التحول مفاصلة منهجية واضحة واستقلالاً تاماً في الرؤية العقدية والسياسية، بمعزل عن الشعارات الوافدة أو الأطر السياسية المجردة من روح الإيمان. وبذلك يظل الحضور الفلسطيني جزءاً لا يتجزأ من الرسالة الخالدة للأمة الإسلامية وتاريخها الحضاري.

ويسلط الدكتور النحوي الضوء على عدد من المحطات السياسية الفارقة في تاريخ الصراع في فلسطين، مستعرضاً تداعياتها ومواقف الأطراف المختلفة منها. وتشمل هذه المحطات:

  • مواقف جامعة الدول العربية: مثل مشاركة الوفود الفلسطينية في محطات التأسيس الأولى، ومقررات مؤتمر القمة العربية الأول المنعقد في القاهرة في 13 يناير/كانون الثاني 1964 م.

  • كلمات ومواقف الشخصيات السياسية البارزة في هيئة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية خلال حقبة الخمسينيات (مثل مواقف أحمد الشقيري، والزعيم المصري جمال عبد الناصر وتأثيراتها الإقليمية والدولية).

  • مؤتمرات التسوية: وصولاً إلى مؤتمر مدريد للسلام المنعقد في أكتوبر/تشرين الأول 1991م، وما صاحبه من سجالات حول جدوى المسارات السياسية والدبلوماسية.

ويقدم الدكتور النحوي في كتابه مقاربة نقدية لاذعة للمسار الدموي الذي اتخذته الحضارة الغربية الحديثة، مستنداً إلى شواهد تاريخية صارخة، أبرزها:

  • أهوال الحرب العالمية الأولى وما خلّفته من دمار.

  • المآسي الإنسانية الكبرى كالغارات النووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في اليابان.

  • التداعيات المدمرة لاتفاقية سايكس بيكو وما أسفرت عنه من تقسيم وتجزئة للعالم الإسلامي وزرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة العربية.

ويشير المؤلف إلى إحصاءات تاريخية تفيد بأن القرن العشرين وحده شهد إشعال الحضارة الغربية لما يقارب 132 نزاعاً وحرباً كبرى، تجاوز عدد ضحاياها 120 مليون إنسان، فضلاً عن ملايين المهجرين والمعاقين، وما خلفته تلك الحروب من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة.

كما يحذر المؤلف بوضوح من خطورة اختزال القضية أو التصرف بالنيابة عن الأمة في إدارتها، مؤكداً أن تهميش دور الأمة وإبعادها عن موقعها الريادي والطبيعي قد أضعفا مسيرة المواجهة والمقاومة. ثم يُفنّد المؤلف تأثير التحيزات الأيديولوجية والسياسية في العالم، ويوضح خطرها في تشويه جوهر الصراع (وتحويله إلى صراع على مراكز عالمية شرقية وغربية)، مشدداً على أن قضية فلسطين هي معركة وجود واستقلال وإفناء للباطل، وليست مجرد نزاع حدودي عابر، وأن السياسات الدولية تسببت في إطالة أمد الصراع عبر استراتيجيات الإدارة لا الحل.

وفي سياق تشخيصه للواقع السياسي المعاصر، يتناول المؤلف عددًا من المحطات الدولية التي يرى أنها كان لها أثر مباشر في تطور القضية الفلسطينية ومسار الصراع العربي الإسرائيلي، فيشير إلى مؤتمر باندونغ المنعقد سنة 1955م، بوصفه إحدى المحاولات الرامية إلى تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية والآسيوية في مواجهة الاستعمار، غير أنه يربط هذه التطورات بما يراه من استمرار حالة الضعف التي تعانيها الأمة الإسلامية، والتي تتمثل – في نظره – في غياب الرؤية الموحدة، وانتشار الجهل بحقائق الصراع، والاعتماد على ردود الأفعال والارتجال بدلًا من التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

وانطلاقًا من هذا التشخيص، يناقش المؤلف ما يصفه بسلسلة التنازلات السياسية التي رافقت مسيرة القضية الفلسطينية، وما صاحبها من تحولات عميقة في موازين القوى والسياسات الدولية، ويرى أن هذه المتغيرات فرضت واقعًا جديدًا انعكس على طبيعة التعامل مع القضية، وأدى إلى انتقالها من مرحلة المواجهة الشاملة إلى مراحل متتابعة من التسويات والتنازلات السياسية. 

وفي هذا السياق يتوقف عند أزمة الخليج بوصفها أحد المنعطفات التي أسهمت في إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي، وما ترتب عليها من آثار سياسية واستراتيجية ألقت بظلالها على القضية الفلسطينية.

ولإبراز السنن التاريخية في صعود الأمم وسقوطها، يستحضر المؤلف عددًا من النماذج التاريخية التي يرى أنها تقدم دروسًا وعبرًا للحاضر. فيشير إلى سقوط مالقة في أيدي البرتغاليين، وما أعقب ذلك من احتفالات في أوروبا، حتى أقامت روما – بحسب ما يورده – قداس شكر بهذه المناسبة، باعتبار هذا الحدث خطوة مهمة في مسار إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس. كما يربط ذلك بسقوط غرناطة سنة 898هـ، الذي مثّل النهاية الفعلية للحكم الإسلامي في الأندلس، وعدَّه شاهدًا على ما تؤول إليه الأمة عندما تتفرق كلمتها وتضعف عوامل قوتها.

وفي المقابل، يعرض المؤلف نموذجًا آخر يتمثل في قيام الدولة المغولية الإسلامية في الهند سنة 932 هـ، مبينًا ما بلغته من قوة واتساع ونفوذ، قبل أن يتناول مراحل التغلغل الاستعماري البريطاني في شبه القارة الهندية، حيث يذكر تأسيس شركة الهند الشرقية الإنجليزية في لندن سنة 1600م، وما لبثت أن تحولت من مؤسسة تجارية إلى قوة سياسية وعسكرية بسطت نفوذها على معظم أنحاء الهند، حتى انتهى الأمر بإلغاء سلطتها المباشرة ونقل إدارة البلاد إلى الحكومة البريطانية سنة 1858م، وهو ما يقدمه المؤلف مثالًا على الكيفية التي استطاع بها الاستعمار توظيف الأدوات الاقتصادية والتجارية للوصول إلى الهيمنة السياسية الكاملة.

ثم يختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على أن الجهاد هو الطريق الشرعي المعتبر لتحرير فلسطين، وهو حق وواجب كفائي وعيني بحسب النوازل فرضته الشريعة الإسلامية على الأمة. ويُشدد في الوقت ذاته على أن الجهاد المشروع لا يُبنى على الارتجال العاطفي أو الحماس المجرّد من التخطيط، بل يتطلب:

  1. الإعداد الاستراتيجي الشامل: إيمَانياً وفكرياً وحضارياً وعسكرياً.

  2. استكمال أسباب القوة: تفادياً للهزائم العسكرية التي تمنح العدو مكاسب إضافية وتوسعاً استيطانياً جديداً.

  3. التأصيل المنهجي للعمل الجهادي، ليكون منضبطاً بأحكام السياسة الشرعية ومقاصدها العليا، بما يضمن تحقيق النتائج المرجوة وإتيان أُكُلها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق