أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 3 أغسطس 2026

رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية د. قاسم عبده قاسم بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية

د. قاسم عبده قاسم

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: يناقش هذا الكتاب فكرة محورية، مفادها أن التحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ إلا حين تدرك الجماهير فداحة الخطر المحدق بها، ويتزامن ذلك مع صدق القيادات في تشخيص الواقع، وامتلاكها إرادة التغيير. ومن هذا المنطلق يسعى الكتاب إلى قراءة التجربة الصليبية بوصفها نموذجًا تاريخيًا استثمرته الحركة الصهيونية في بناء خطابها السياسي والفكري، من خلال توظيف التاريخ والرواية الدينية لخدمة أهدافها الاستراتيجية، وإضفاء الشرعية على مشروعها الإحلالي الاستيطاني.

وفي هذا السياق، يستعرض المؤلف الجذور الفكرية للحركة الصليبية، مبينًا أنها قامت على ركيزتين أساسيتين، هما: الحج إلى الأرض المقدسة واستعادتها، وما ارتبط بذلك من تعاظم مكانة البابوية وهيمنتها على العالم الكاثوليكي الغربي. كما يتناول نشأة حركة "هدنة الرب" (Peace of God) أو "سلام الرب" (Truce of God)، ودورهما في توجيه العنف الداخلي الأوروبي نحو الخارج، ثم يعرض للصراع الذي دار بين البابا "جريجوري السابع" والإمبراطور "هنري الرابع" فيما عُرف بقضية التقليد العلماني، وما أسفر عنه من تعزيز سلطة البابوية.

ويربط المؤلف بين هذه التطورات وبين الهزيمة البيزنطية في معركة "ملاذكرد" سنة 1071م أمام السلاجقة، التي فتحت الباب أمام الدعوة إلى استعادة النفوذ المسيحي في المشرق. كما يبين أن من أبرز أهداف الحروب الصليبية: إخضاع الكنائس الشرقية وإعادة توحيد العالم المسيحي تحت زعامة بابا روما، بعد الانشقاق الكبير بين الكنيستين الشرقية والغربية سنة 1054م. 

وفي هذا الإطار يبرز دور البابا "أوربان الثاني"، الذي أعلن الدعوة إلى الحملة الصليبية الأولى في خطابه الشهير بمدينة "كليرمون" الفرنسية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1095م، مستنهضًا الفرسان الغربيين للمشاركة فيما سُمِّي آنذاك بـ"الحرب المقدسة"، مستفيدًا من الدوافع الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت آلاف المقاتلين إلى الانضمام إلى تلك الحملات.

ويناقش المؤلف الكيفية التي تناولت بها الكتابات اليهودية الحديثة الحروب الصليبية، ويرى أنها دارت حول ثلاثة محاور رئيسة: 

أولها: تصوير تلك الحملات باعتبارها نموذجًا لمعاداة اليهود واضطهادهم، إلى جانب اضطهاد المسلمين.

وثانيها: محاولة اختلاق دور تاريخي لليهود في مقاومة الغزو الصليبي والدفاع عن بلادهم، على غرار ما قام به المسلمون.

وثالثها: دراسة الكيان الصليبي وأسباب نجاحه وإخفاقه، للاستفادة من تجربته في تأسيس الكيان الصهيوني. 

ويشير إلى أن المؤلف اعتمد في مناقشة هذه القضايا على مؤلفات المؤرخ الإسرائيلي "يوشع براور" (Joshua Prawer)، الذي يعد من أبرز المتخصصين في تاريخ الحروب الصليبية.

كما يوضح المؤلف كيف استند الفكر الاستيطاني الصهيوني إلى قراءة إسقاطية لتلك التجربة، حيث نظرت الحركة الصهيونية إلى "مملكة بيت المقدس الصليبية" باعتبارها سلفًا تاريخيًا مبكرًا لتجربتهم في المنطقة، مما جعل دراسة أسباب سقوط تلك المملكة ورقة بحثية بالغة الأهمية بالنسبة لخبراء التخطيط الإستراتيجي الصهيوني. ويرى المؤلف أن المشروع الصليبي لم يكن مجرد حملة دينية، بل كان مشروعًا استعماريًا استيطانيًا امتد قرابة قرنين من الزمان، من 1096م حتى 1291م. 

ويشير إلى أن أولى الإمارات الصليبية في المشرق كانت إمارة "الرها" التي أسسها "بلدوين" في المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات، ثم تمكن الصليبيون سنة 1098م من الاستيلاء على "أنطاكية"، قبل أن يسيطروا على بيت المقدس سنة 1099م بعد مجزرة واسعة ارتكبت بحق سكانها، رغم منح الحامية المصرية الأمان مقابل تسليم المدينة.

أوجه التشابه والاختلاف بين الحركة الصليبية والحركة الصهيونية

وجه المقارنة

الحركة الصليبية

الحركة الصهيونية

الأساس الفكري

استعادة الأرض المقدسة بدافع ديني

إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بالاستناد إلى الرواية التوراتية

توظيف الدين

تعبئة الكنيسة للجماهير والفرسان

توظيف النصوص الدينية والتاريخية في دعم المشروع السياسي، وتحرك اللوبي الصهيوني لدعم مشروع الاستيطان وإقامة الدولة.

طبيعة المشروع

استعمار عسكري استيطاني

استعمار استيطاني مدعوم سياسيًا وعسكريًا

الهجرة والاستيطان

إنشاء إمارات صليبية في المشرق العربي بهدف السيطرة على موارده.

إنشاء المستوطنات وإقامة دولة إسرائيل اعتقاداً أنها الأرض التي ملكها الله لهم.

الدعم الخارجي

البابوية والملوك الأوروبيين

القوى الغربية، ولا سيما بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ورائها الاتحاد الأوروبي وعصبة الأمم المتحدة، والتواطؤ العربي.

أسلوب السيطرة

الاحتلال العسكري المباشر

الاحتلال والاستيطان والتهجير التدريجي

الاستراتيجية الإعلامية والتعبوية

الاعتماد على الخطاب الديني العاطفي (صكوك الغفران، الخلاص الروحي). 

الدمج بين المظلومية التاريخية (الهولوكوست) والرواية التوراتية لاستقطاب التعاطف الدولي.

أبرز أوجه الاختلاف

مشروع مؤقت انتهى بزوال الإمارات الصليبية

مشروع سياسي حديث ما يزال قائمًا ومدعومًا دوليًا

الحملات الصليبية السبع

الحملة

بداية

نهاية

الأهداف

عوامل النجاح

عوامل الإخفاق

أبرز النتائج

الأولى

1096م

1099م

السيطرة على القدس، وإنقاذ بيزنطة، وتأسيس إمارات صليبية

الحماسة الدينية، ضعف العالم الإسلامي، الانقسام السياسي

صعوبة الإمدادات لاحقًا

احتلال القدس، وتأسيس إمارات الرها وأنطاكية وطرابلس ومملكة القدس

الثانية

1147م

1149م

استعادة الرها بعد سقوطها

دعم فرنسا وألمانيا

سوء التنسيق، وقوة نور الدين محمود

فشل استعادة الرها وانتهاء الحملة دون مكاسب

الثالثة

1189م

1192م

استعادة القدس بعد تحريرها على يد صلاح الدين

مشاركة ملوك أوروبا الكبار

الخلاف بين القادة، وصمود المسلمين

الاستيلاء على عكا، وعقد صلح الرملة دون استعادة القدس

الرابعة

1202م

1204م

التوجه إلى مصر ثم القدس

القوة البحرية للبندقية

انحراف أهداف الحملة

احتلال القسطنطينية بدلًا من القدس وتعميق الانقسام المسيحي

الخامسة

1217م

1221م

احتلال مصر تمهيدًا لاستعادة القدس

السيطرة المؤقتة على دمياط

سوء القيادة، وفشل الحملة على المنصورة

انسحاب الصليبيين من مصر وفشل أهداف الحملة

السادسة

1228م

1229م

استعادة القدس بالمفاوضات

الدبلوماسية التي انتهجها الإمبراطور فريدريك الثاني

عدم قبول الاتفاق لدى الطرفين واستمرار التوتر

تسليم القدس للصليبيين مؤقتًا دون حرب، ثم استعادها المسلمون لاحقًا

السابعة

1248م

1254م

احتلال مصر والقضاء على القوة الإسلامية

قوة الحملة الفرنسية في بدايتها

مقاومة المصريين، وأسر لويس التاسع في المنصورة

فشل الحملة وانهيار المشروع العسكري الفرنسي في المشرق

ويجدر بالتنبيه إلى أن بعض المؤرخين يعدّ الحملة الصليبية الثامنة (1270م) ضمن الحملات الرئيسة، بينما يقتصر آخرون على سبع حملات كبرى؛ وقد التزمت هنا بالتقسيم الذي طلبته، مع الإشارة إلى أن سقوط عكا سنة 1291م مثّل النهاية الفعلية للوجود الصليبي في المشرق.

ويخلص الكتاب إلى أن استيعاب التاريخ الصليبي لا يقتصر على مجرد سرد الأحداث الماضية، بل يمثل مفتاحًا أساسيًا لفهم آليات عمل المشاريع الاستعمارية الاستيطانية المعاصرة، وكيفية تفكيك خطابها الذي يعتمد على الأدلجة الدينية والتاريخية لتبرير الاغتصاب المكاني والتهجير البشري 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق