أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

الفخذ ليس بعورة لا في النظر ولا في الصلاة الشيخ: دبيان بن محمد الدبيان بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنُّونة

الفخذ ليس بعورة لا في النظر ولا في الصلاة

الشيخ: دبيان بن محمد الدبيان
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنُّونة

تمهيد

هذا البحث دراسة فقهية مقارنة لمسألة عورة الفخذين والركبتين والسرة، جمع فيها مؤلفه أقوال الفقهاء وأدلتهم، مع مناقشة الأحاديث الواردة في الباب وبيان وجه الاستدلال بها. وقد تباينت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ولا سيما في حكم الفخذ: هل هو من العورة أم لا؟ مع اتفاقهم على وجوب الستر في مواضع مخصوصة، واختلافهم في كون كشف الفخذ مبطلًا للصلاة.

ويظهر من مجموع الأدلة أن الخلاف في المسألة سائغ، وأن مدار الترجيح على قوة الأحاديث وصحة الاستدلال بها، مع اعتبار جانب الاحتياط في العبادات. وقد رجّح المؤلف أن الفخذ ليست بعورة، وأن سترها واجب على القول بالوجوب، لا أنها شرط لصحة الصلاة، مع مراعاة الاحتياط في سترها خروجًا من الخلاف.

ونحن نختصر هذا البحث بعون الله تعالى، معرضين عن الأقوال الضعيفة والشاذة، مقتصرين على ما ظهر رجحانه من جهة قوة الدليل.

والذي رجحه الباحث الشيخ دبيان الدبيان من أن الفخذين ليستا بعورة هو الأقرب من جهة قوة الأدلة، سواء في الصلاة أو في النظر، وإنما هما من حريم العورة.

ومع ذلك، فالاحتياط في ستر الفخذين أولى، ولا سيما في الصلاة؛ ولذلك قال الإمام البخاري: «حديث أنس في كشف الفخذ أسند، وحديث جرهد أحوط، والاحتياط أحب إلينا».

وعليه، فلا يُمنع من العمل بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، الدال على جواز كشف الفخذ والنظر إليه عند انتفاء الريبة والفتنة، ولا سيما بين الأصحاب والأهل وفي المواطن التي تؤمن فيها الفتنة.

أهمية البحث

تظهر أهمية هذا البحث في عدة أمور، منها:

  1. بيان أن الفخذ ليست عورة في الصلاة، وأنه لا يحرم النظر إليها بالنسبة إلى الرجال.

  2. بيان أن صلاة من كشف فخذه لا تبطل، وإن كان الاحتياط في الإعادة أولى.

  3. بيان أن ستر العورة واجب مع القدرة عليه، وليس شرطًا تبطل الصلاة بتركه.

  4. بيان أن العورة تقتصر على القبل والدبر، وأن ما حولهما حريم لهما، وأن انكشاف شيء من الحريم في الصلاة لا يبطلها، وإن كان يأثم بذلك؛ والقول بوجوب سترها قول وسط.

  5. بيان أن من لم يجد ثوبًا يستره صلى على حاله التي هو عليها حتى يجد ثوبًا، وصلاته صحيحة.

بيان المسألة وأدلتها

أولًا: قول الجمهور في عورة ما بين السرة والركبة

اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن ما بين السرة والركبة عورة، أي: الفخذين والسوأتين.

واختلفوا في السرة والركبة: هل هما من العورة أم لا؟

أ- قول الجمهور

قال الجمهور: السرة والركبة من العورة.

واستدلوا بما روي عن علي رضي الله عنه مرفوعًا:

«الركبة من العورة».

وقالوا: إن ستر الفخذ واجب، ولا يتم ذلك إلا بستر جزء من الركبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقالوا أيضًا: إن الركبة هي ملتقى عظمي الساق والفخذ، والتمييز بينهما متعذر، فاجتمع المحرم والمبيح، فغُلِّب جانب التحريم احتياطًا.

كما قالوا: إن السرة والركبة من حريم العورة، ولا يمكن ستر العورة إلا بسترهما.

ثانيًا: قول الحنفية في السرة والركبة

قالت الحنفية: الركبة والسرة ليستا من العورة، وإنما العورة ما بينهما.

واستدلوا بعدة أحاديث، منها:

1. حديث أبي موسى الأشعري

عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:

«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدًا في مكان فيه ماء، قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها».

والحديث صحيح، رواه البخاري، وانفرد عاصم الأحول عن أبي عثمان بزيادة كشف الركبة، ورواه جماعة عن أبي عثمان ولم يذكروا هذه الزيادة.

2. حديث ابن عمر

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

«بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعائشة وراءه، إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن علي فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل وكان كاشفًا عن ركبته، فمد النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه على ركبتيه».

والحديث ضعيف.

3. حديث أبي الدرداء

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:

«كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته».

والحديث رواه البخاري.

ومن مجموع ذلك يظهر القول بجواز كشف الركبة، وأنها ليست من العورة.

4. حديث أبي هريرة

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للحسن بن علي رضي الله عنهما:

«أرني أقبِّل منك حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل».

فقال: بقميصه، قال: فقبل سرته.

وفي الحديث دلالة على أن السرة ليست من العورة، مع اختلاف أهل الحديث في تصحيحه وتضعيفه.

ثالثًا: القول بأن الفخذ من العورة

اتفق جمهور الفقهاء على أن الفخذ من العورة، واستدلوا بأحاديث منها:

1. حديث جرهد الأسلمي

عن جرهد الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال:

«أما علمت أن الفخذ عورة».

وقد أعله البخاري وابن عبد البر وابن حجر وابن القطان بالاضطراب، وصححه الألباني بمجموع طرقه.

2. حديث علي رضي الله عنه

عن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت».

والحديث ضعيف، وقال أبو داود فيه نكارة، وقال الألباني: ضعيف جدًا.

3. حديث محمد بن جحش

عن محمد بن جحش قال:

«مر النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه على معمر، وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر، غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة».

وقد روي من طرق، وفي تصحيحه وتضعيفه خلاف.

4. حديث ابن عباس

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

«مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل، وفخذه خارجة، فقال: غط فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته».

وفي الحديث خلاف في تصحيحه وتضعيفه.

5. حديث أبي أيوب

عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة».

والحديث ضعيف جدًا.

6. حديث أبي سعيد الخدري

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«عورة الرجل من سرته إلى ركبته».

والحديث ضعيف جدًا.

رابعًا: القول بأن العورة هي الفرجان فقط

ذهب بعض أهل العلم إلى أن العورة هي الفرجان فقط، وأن الفخذ والسرة والركبة ليست عورة، وهو قول عطاء وداود وابن حزم الظاهري.

واستدلوا بقوله تعالى:

﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: 26].

قال الخليل: السوءة هي فرج الرجل والمرأة.

ومن أدلتهم:

1. حديث عائشة رضي الله عنها

قالت:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة».

والحديث صحيح، رواه أحمد وذكره البخاري تعليقًا.

2. حديث سهل بن سعد

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:

«كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا».

وزاد في رواية مسلم: «من ضيق الأزر».

والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بتأخير المتابعة المستحبة عند الرفع من السجود؛ احتياطًا من النظر إلى العورات، وكان ذلك في بدء الإسلام لضيق الحال.

3. حديث أنس بن مالك

عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا خيبر، حسر الإزار عن فخذه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم».

وظاهر الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن فخذه أو انكشفت فخذه، وأن الفخذ ليست بعورة؛ إذ لو كانت عورة ما كشفها صلى الله عليه وسلم أمام الناس، ولا رآها أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره.

وقد أجيب عن ذلك بأن الروايات الأخرى بيَّنت أن انكشاف فخذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن باختيار منه أو تعمد، وأن نظر أنس رضي الله عنه إلى فخذ النبي صلى الله عليه وسلم كان فجأة وليس عن قصد.

وأجيب بأن العبرة بحصول الانكشاف، ولو كان كشف الفخذ حرامًا لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن فعل أنس رضي الله عنه يدل على أنه رأى الفخذ ولم يُنكر عليه.

وقال القاضي عياض:

«لو كانت عورة لم يصح انكشافها من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان عن قصد فذلك آكد في الدلالة على الجواز، وإن كان عن غير قصد؛ فدل ذلك على أنها ليست من العورة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم منزه عن انكشافها».

4. حديث أبي ذر رضي الله عنه

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب فخذي:

«كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ ...».

والشاهد أن الفخذ لو كانت عورة لما جاز ضربها؛ لأنه قد جاء النهي عن ضربها.

5. حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه:

«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه».

والشاهد أن الفخذ لو كانت عورة لما وضع النبي صلى الله عليه وسلم فخذه على فخذ زيد، ولا سيما مع شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أنها ليست بعورة.

خامسًا: قول أبي الفرج

ذهب أبو الفرج إلى وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة، واستدل بظاهر الآية في الأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، وهو أمر باللباس، والأمر يقتضي الوجوب.

وهذا القول بعيد، ولم يُعلم أحد قال به قبله.

موقف الفقهاء من أحاديث كشف الفخذ

اختلف الجمهور في الأحاديث التي دلت على كشف الفخذ، فمنهم من رجح أحاديث وجوب الستر، ومنهم من جمع بين الأدلة.

1. من رجح كون الفخذ من العورة

استدلوا بأمور، منها:

أولًا: أن الحاظر مقدم على المبيح.

ثانيًا: أن الأحاديث التي تدل على أن الفخذ عورة أحاديث قولية، بينما حديث أنس في كشف الفخذ من الأحاديث الفعلية، والقول مقدم على الفعل عند التعارض.

2. من جمع بين الأدلة

وهو اتجاه عند المالكية، فقالوا: إن العورة على قسمين:

  • عورة مغلظة: وهما السوأتان.

  • عورة مخففة: وهما الفخذان.

وبذلك لا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما في بعض الأحوال؛ لأنهما من العورة المخففة.

3. من قال بأن الفخذ ليست بعورة

حملوا حديث:

«الفخذ عورة»

على معنى المقاربة والجوار، أي أن الفخذ من حريم العورة، وليس عورة مستقلة بنفسها.

الخلاصة

يتبين من مجموع الأدلة أن القول بأن الفخذ ليست بعورة هو الأقوى من جهة الدليل، وأن الأحاديث الواردة في كشف النبي صلى الله عليه وسلم لفخذه، ولا سيما حديث أنس رضي الله عنه، لها دلالة ظاهرة على ذلك.

ومع ذلك، فإن الاحتياط في ستر الفخذين أولى، ولا سيما في الصلاة؛ خروجًا من الخلاف، وصيانةً للعبادة، وبعدًا عن مواطن الريبة.

كما أن ستر العورة واجب مع القدرة، وليس شرطًا في صحة الصلاة على القول الراجح، ولذلك فإن انكشاف ما ليس من العورة الأصلية لا يستلزم بطلان الصلاة.

فائدة

ترك الواجب في العبادة لا يبطلها بمجرده، وإنما قد ينقص من أجرها، إلا أن يكون الواجب شرطًا أو ركنًا.

وعلى هذا، فستر العورة واجب، وليس شرطًا لصحة الصلاة على القول الراجح، وقد ذهب المالكية والحنفية إلى أن من ترك واجبًا في الصلاة لا تبطل صلاته بمجرد تركه.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق