أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا الكتاب النفيس، الموسوم بـ «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»، ينتظم في جملة المصنفات التي تعالج معالم الاستقامة على هدي الإسلام، وتكشف ما تقتضيه من مباينة أهل الكفر والجاهلية في خصائصهم الدينية، وشعائرهم العبادية، وأعيادهم الاجتماعية، بالإضافة إلى ما استقر من عاداتهم مما غلب عليه طابع الخصوصية والتميّز والتفرد.

وبالطبع فإن المؤلف (وهو شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى) لم يقصر مفهوم المخالفة على مجرد التمايز في الشكل الظاهري، ولم يحدده بمجرد الاختلاف في الهيئة والسلوك، بل ينظر إليها نظرة أعمق وأبعد غوراً، بوصفها سياجًا يحفظ خصوصية الإيمان، وحصنًا يصون القلب من أن يتسرب إليه طرائق الأمم في العناد والتكذيب والمخالفة، وكلك مناهجها المشوهة في الضلال واتباع الشهوات والشبهات؛ إذ إن الموافقة في الظاهر (عن إعجاب وقصد)، إذا طال عليها الأمد استحكمت حتى تصبح عادة مستمرة، وقد تفضي بعد ذلك إلى شيء من الموافقة في الباطن، فتضعف معالم المباينة والتمايز والانفصال الروحي، وبالتالي تضطرب حدود التميز بين ما هو صحيح وما هو باطل، وما هو من سيماء أهل الحق وعلامات أهل الباطل. 

وقد جعل المؤلف -رحمه الله -التمييز بين سبيل المؤمنين وسبل غيرهم من مقتضيات الاستقامة على الصراط المستقيم، وهذا يتطلب بشكل أو آخر التمايز الشكلي الظاهري الصوري؛ ليتم الانفصال الكامل في أجلى صوره وأدقها.

وينقلنا الكتاب إلى مشهد البشرية قبيل بعثة النبي ﷺ، حين أطبقت الجاهلية على أقطار واسعة من الأرض، واضطربت موازين العلم والهداية، وتداخلت بقايا الشرائع السماوية بما علق بها من التحريف والتبديل، واستبدت العقول والقلوب بالأهواء المضلة. 

فأهل الكتاب (من اليهود والنصارى) لم تسلم شرائعهم من النسخ والتحريف، وكذلك الأمم الأخرى تاهت في ظلمات الوثنية، فتعلقت بالأصنام والكواكب وسائر المعبودات، ولم يبق من ميراث الأنبياء إلا شذرات متناثرة، غلب عليها عبث الأيدي وتقلب الأهواء. 

وفي خضم هذا الظلام الدامس، أشرقت بعثة محمد ﷺ رحمةً للعالمين، فاستنارت به معالم الهدى، وقامت به الحجة، واستقام للناس سبيل الحق، جامعًا بين نور العلم وصلاح العمل، وهاديًا إلى الصراط الذي يجمع صحة الاعتقاد واستقامة السلوك.

ومن هنا يمضي ابن تيمية إلى الكشف عن حقيقة الصراط المستقيم، مستضيئًا بنصوص القرآن والسنة، ومبينًا أنه السبيل القويم الذي يتوسط طريقين منحرفين: سبيل المغضوب عليهم وسبيل الضالين. 

فالمغضوب عليهم عرفوا الحق وأدركوه، ثم عدلوا عنه وخالفوا مقتضاه، فكان فسادهم من جهة العمل مع قيام العلم؛ وأما الضالون، فقد قصدوا العبادة وطلبوا الحق، ولكنهم سلكوا إليه بغير علم ولا هدى، فكان انحرافهم ثمرة الجهل والابتداع. 

ويستشهد المؤلف بحديث عدي بن حاتم- رضي الله عنه -وغيره، ليقرر أن آفة الانحراف قد تنشأ من علمٍ لا يثمر عملًا، كما قد تنشأ من عبادةٍ لا تستند إلى علم، وأن الاستقامة الحقة إنما تكتمل حين يلتقي العلم النافع بالعمل الصالح، فيهدي العلمُ العملَ، ويصدّق العملُ العلمَ.

قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: «قلت: يا رسول الله، فإنهم ـ يعني اليهود والنصارى ـ لم يعبدوا أحبارهم ورهبانهم؟ قال: بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحلّوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم». وفي رواية عند الترمذي بلفظ قريب، أن النبي ﷺ بيّن أن المغضوب عليهم هم اليهود، وأن الضالين هم النصارى.

ويحذر الكتاب، في امتداد هذا المعنى، من أن تنزلق الأمة في مسالك من سبقها، مستحضرًا ما أنذر به النبي ﷺ من اتباع سنن الأمم الماضية «حذو القُذَّة بالقُذَّة»، أي: مجاراتهم ومشابهتهم في طرائقهم شيئًا فشيئًا، حتى تتقارب المسالك وتتشابه الأحوال. 

ولا يحصر ابن تيمية هذا الاتباع في أمة بعينها، بل يراه بابًا قد تلجه الأمة من جهة مشابهة اليهود والنصارى، أو تقليد فارس والروم وغيرهم في خصائصهم وطرائقهم. 

ومن ثم يوسع المؤلف دائرة التشبُّه، فلا يجعله مقصورًا على اللباس والهيئات والمظاهر، بل يتجاوز ذلك إلى الأخلاق والمناهج وطرائق التفكير والسلوك؛ كالحسد، وكتمان العلم، وتحريف الكلام، والغلو، والتعصب، وغيرها من الخصال التي ذمها الوحي وحذّر من التلبس بها. 

فالتشبه عند ابن تيمية- ليس مجرد صورة تقع عليها العين، وإنما قد يكون موافقة في السمت والخلق والمنهج، تتسلل إلى النفس من حيث لا يشعر صاحبها.

ويقوم التصور الذي ينسجه ابن تيمية في الكتاب على ترابط وثيق بين الباطن والظاهر؛ فالقلب موطن الاعتقاد والإرادة والمحبة، والجوارح مظهر الأقوال والأعمال والهيئات، وبينهما من التفاعل والتأثير ما يجعل صلاح أحدهما وانحرافه منعكسًا على الآخر. 

ومن هنا لم يأتِ النهي عن مشابهة الكفار في هديهم الظاهر لمجرد إحداث تمايز شكلي أو مظهري، وإنما لما قد تجرّه الموافقة المستمرة من تشرب لطرائقهم، وميل إلى أخلاقهم وأعمالهم، حتى يغدو ما بدأ في الظاهر أثرًا مستقرًا في الباطن. 

وعلى هذا الأساس يغدو التميّز والمخالفة وسيلة لحفظ هوية المسلم الدينية وصيانة شخصيته الإيمانية، وإبقاء الحدود الفاصلة واضحة بين سبيل التوحيد وطرائق الانحراف، فلا يذوب المسلم في غيره، ولا تتسرب إلى قلبه معالم الطريق الذي جاء الوحي بالتحذير منه.

ويعزز ابن تيمية هذا الأصل بجملة واسعة من الأدلة الكثيرة والمستمدة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والسلف والإجماع، مبينًا أن النهي عن مشابهة أهل الباطل ليس حكمًا عابرًا، وإنما قاعدة تتصل بمقاصد الشريعة في حفظ الدين. 

ويستحضر في ذلك أحوال المنافقين والأمم السابقة، محذرًا من أن الاستغراق في الدنيا، واتباع الشهوات، والخوض في الباطل، ونقض العهود، وتحريف الشرائع، كلها صور يمكن أن تتجدد في الأمة وإن تغيرت مظاهرها.

ويقرر المؤلف -رحمه الله - مفهومًا مهمًا يتمثل في أن الجاهلية ليست زمنًا تاريخيًا انقضى بانقضاء ما قبل الإسلام، وإنما قد تعود في صورة عادات وطرائق وأخلاق. فقد تكون الجاهلية جهلًا بالحق، وقد تكون مخالفة له بعد معرفته، وقد تتجسد في شخص أو جماعة أو بلد أو عادة من العادات. 

ولذلك فإن التحذير من «سنن الجاهلية» لا يعني إطلاق وصف الجاهلية على المسلمين بإطلاق، وإنما يعني التنبيه إلى بقاء بعض خصال الجاهلية ومظاهرها، والحذر من تسربها إلى حياة المسلمين.

ويتصل بذلك استدلاله بالنهي النبوي عن دخول ديار الأقوام الذين عذبهم الله، كما في الحِجر وبابل، أو الانتفاع ببعض آثارها على وجه يوقع في الغفلة عن العبرة؛ إذ يرى في هذه النصوص صورة من شدة الاحتراز من المواطن التي ارتبطت بأهل الهلاك. 

ويستأنس كذلك بحديث «من تشبه بقوم فهو منهم»، وبما نقل عن السلف من كراهة مشابهة الأعاجم في بعض الأزياء والهيئات والأفعال. كما يظهر هذا الأصل في توجيه النبي ﷺ إلى مخالفة اليهود في صيام عاشوراء، بإضافة يوم قبله أو بعده، ليكون للمسلمين في شعائرهم سمت متميز لا يقوم على مجرد التبعية.

ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن التميز الشرعي لا يعني الانقطاع عن العالم أو ترك المصالح والمعاملات المشتركة، وإنما المقصود هو المحافظة على استقلال المسلم في خصائصه الدينية وشعائره العبادية. 

ولذلك يفرق بين العادات الدنيوية التي قد يشترك فيها الناس، وبين ما صار شعارًا دينيًا أو خصيصة لأمة بعينها، ويرى أن الحكم يختلف باختلاف المقصد والسياق والصفة التي اكتسبها الفعل. فليست كل موافقة في أمر دنيوي تشبهًا مذمومًا، وإنما مدار البحث على الخصائص والشعائر والطرائق التي تحمل معنى دينيًا أو رمزيًا خاصًا.

ومن أبرز المجالات التي يطبق فيها الكتاب هذه القاعدة الأعياد؛ إذ يعد العيد من أخص الشعائر الدينية وأكثرها اتصالًا بهوية الجماعة، ولذلك يفرد ابن تيمية أعياد غير المسلمين ببحث مطول، ويرى أن المشاركة فيها ليست كالمشاركة في عادة اجتماعية عابرة. 

ويستدل على ذلك بالأصول العامة في النهي عن التشبه، وبقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، ويفصل في صور المشاركة، من الحضور وإظهار الفرح إلى الإعانة بالبيع والهدايا وسائر الوسائل التي يكون المقصود منها دعم الشعيرة أو إظهار موافقتها.

ويمتد بحثه إلى ما كان معروفًا في عصره من مظاهر أعياد النصارى ومواسمهم، وما تسرب منها إلى بعض المجتمعات الإسلامية، كما يناقش حكم الهدايا المتبادلة في تلك المواسم، وبيع ما يستعان به على إقامة الشعائر، والتمييز بين ما كان خاصًا بالعيد وبين المعاملات الدنيوية التي لا صلة لها به. 

ويتناول ابن تيمية -رحمه الله -في كتابه ذبائح أهل الكتاب في أعيادهم، مفرقًا بين ما ذبح على الوجه الذي يدخل في أحكام طعام أهل الكتاب، وبين ما ذبح تقربًا لغير الله أو للكنائس، إذ يدخل الثاني في النهي عن الذبح لغير الله وما أهل به لغيره.

ويظهر مفهوم المخالفة أيضًا في حديث الكتاب عن الشعائر الإسلامية المميزة، ومن أبرزها الأذان. فقد عرض المؤلف قصة البحث عن وسيلة للإعلام بالصلاة، وبيّن كيف اختار المسلمون الأذان بدل ناقوس النصارى وبوق اليهود، ليصبح النداء إلى الصلاة شعارًا خاصًا بالمسلمين. 

ويربط ابن تيمية ذلك بما ورد عن الصحابة والفقهاء في كراهة مشابهة أهل الكتاب والأعاجم في بعض الهيئات والشعائر الدينية، ويستحضر كذلك ما نقل من شروط عمر -رضي الله عنه- على أهل الذمة في إطار تنظيم العلاقة داخل المجتمع الإسلامي (بين المسلمين وغيرهم)، وتمييز شعائر الإسلام عن شعائر غير المسلمين (بشكل واضح وصارم).

ويمتد البحث في المخالفة إلى اللغة العربية، إذ يورد المؤلف آثارًا عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما -في النهي عن رطانة الأعاجم، ويربط ذلك بمكانة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ولا بد هنا من التنبيه على أن المقصود عند ابن تيمية صيانة الأداة واللغة التي يتوقف عليها فهم جانب كبير من الوحي والشريعة، وليس المقصود بذلك مجرد التعصب للسان العربي أو الحيلولة دون تعلم اللغات الأخرى، وإنما المقصود التمييز بين تعلم لغة أجنبية لحاجة معتبرة ومصلحة مشروعة، وبين اتخاذها مظهرًا للتقليد ومحاكاة الأعاجم في خصائصهم، بما قد يفضي إلى إضعاف الصلة بلغة الوحي وطمس بعض معالم الخصوصية الثقافية والدينية للمسلمين.

ومن المباحث المركزية في هذا الكتاب أيضًا الغلو في العبادة والابتداع فيها. فيعرض المؤلف الرهبانية والتشديد الذي وقع فيه بعض الأمم السابقة مثالًا على تجاوز حدود الاعتدال الذي جاءت به الشريعة، ويقابل ذلك بهدي النبي ﷺ القائم على التوازن بين العبادة وسائر مطالب الحياة. 

فالدين عند ابن تيمية -رحمه الله -ليس في الإفراط الذي يخرج العبادة عن مقاصدها، ولا في التفريط الذي يضعفها، وإنما في الاتباع والاقتصاد، ولذلك فإن (مخالفة طرائق الغلو) لا تنفصل عن تحقيق السنة والاقتداء بهدي النبي ﷺ.

وفي هذا السياق يعالج ابن تيمية البدعة بوصفها أحد أبواب التشبه ومضاهاة المشروع. فقد يكون أصل العمل مشروعًا، كالذكر أو القراءة أو الاجتماع، لكن تخصيصه بزمان أو مكان أو هيئة لم يخصصها الشرع قد يحوله إلى ممارسة مبتدعة لا يُقرها الشرع. 

ومن هنا يناقش ابن تيمية عددًا من المواسم التي ظهرت في تاريخ المسلمين، مثل: ليلة الرغائب وغدير خم، والمولد النبوي، وبعض ما أحدث في رجب، وليلة النصف من شعبان، مؤكدًا أن العبادات توقيفية، فلا تتحول العادة إلى عبادة راتبة إلا بدليل.

ويفرق المؤلف بدقة بين الاجتماع العارض والاجتماع الذي يتخذ هيئة راتبة؛ فقد يجتمع الناس على العلم أو الذكر أو العبادة من غير قصد إلى جعل الاجتماع نفسه سنة محددة، أما تخصيص يوم أو ليلة أو أسبوع أو شهر باجتماع ثابت يتكرر على هيئة مخصوصة، فيراه من صور البدع إذا لم يثبت تخصيصه في الشرع، وبالتالي فهو مردود وغير مقبول. والضابط عنده أن الوسيلة أو العادة لا ينبغي أن تتحول إلى شعيرة دينية لها وقت وهيئة مخصوصين من غير دليل خاص وثابت.

ومن هنا يتصل بحث البدع بمسألة هامة ومتكررة، وهي اتخاذ الأماكن أعيادًا، ولا سيما القبور والمشاهد. فالاجتماع المتكرر عند قبر معين في يوم معلوم أو موسم مخصوص، أو السفر إليه بقصد التعبد، قد يحوله إلى موضع عيد، وهو ما يرفضه ابن تيمية استنادًا إلى النهي النبوي عن اتخاذ القبور أعيادًا. 

كما يقرر المؤلف أن السفر بقصد العبادة لا يكون مشروعًا إلا إلى المواضع التي دل الدليل على فضيلة قصدها (وهي المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي)، حتى لا تتحول الأمكنة إلى مزارات دينية ذات خصائص لم يثبتها الشرع.

ويولي الكتاب (سد ذرائع الشرك) عناية خاصة، ولذلك يشتد تحذيره من الصلاة عند القبور، وتعظيمها، وتحري الدعاء عندها، والذبح والعكوف والمجاورة وتعليق الستور عليها إذا اقترنت بمعانٍ تعبدية لم يشرعها الله. 

فالمشكلة عند ابن تيمية- لا تبدأ بالضرورة بصورة الشرك الصريح، بل قد تبدأ بممارسة يراها الناس يسيرة ثم تتطور مع الزمن إلى تعظيم مفرط وتعلق بالأموات. ومن هنا تأتي أهمية (سد الذرائع) كمنهج واضح يسعى إلى حماية التوحيد وصيانته، قبل أن يقع الانحراف في صورته الكبرى (بالشرك الصريح).

ومع ذلك يفرق المؤلف -رحمه الله- بين زيارة القبور المشروعة وبين اتخاذها مواضع للعبادة؛ فزيارة القبور للعبرة، والسلام على أهلها، والدعاء لهم والاستغفار مشروعة، أما قصد القبر لتحري إجابة الدعاء عنده، أو سؤال الميت قضاء الحاجات، أو اتخاذ القبر مكانًا للذكر والاجتماع والذبائح، فهذه ممارسات يرفضها ابن تيمية- ويرى أنها مخالفة للهدي النبوي. 

ويناقش ابن تيمية -حرمه الله- مسألة أخرى، وهي: السفر إلى القبور والمشاهد، والقراءة عندها، والصيام والاعتكاف فيها، وينقل الخلاف الفقهي في بعض هذه المسائل، لكنه يجعل الدعاء والاستغفار للميت هو الأصل الثابت الذي دلت عليه السنة.

ويربط ابن تيمية هذه المباحث بموقف السلف من النوازل والاستسقاء والدعاء، فيستدل بحال الصحابة والتابعين على أنهم لم يجعلوا قبور الأنبياء والصالحين مواضع دائمة للاستغاثة والاستسقاء، وإنما رجعوا إلى الأسباب التي شرعها الله، كالدعاء في المساجد والأوقات الفاضلة. 

ويرد كذلك على من يحتج بحصول الإجابة عند بعض القبور أو في بعض الممارسات المحدثة، مؤكدًا أن حصول النتيجة لا يدل بذاته على مشروعية السبب؛ فقد تقع الإجابة لحكمة لا يعلمها الإنسان، ولا تثبت العبادات بالتجارب والحكايات والمنامات، وإنما بالدليل الشرعي.

ومن القضايا المهمة التي يعالجها الكتاب الاختلاف بين الأمم وأثره في فساد الدين. فليس كل اختلاف مذمومًا عند ابن تيمية؛ إذ يفرق بين اختلاف التنوع الذي يسع فيه الاجتهاد، كتنوع بعض القراءات أو بعض وجوه الاجتهاد التي لا تتناقض في أصولها، وبين اختلاف التضاد الذي يقوم على التناقض والبغي والتعصب. 

والاختلاف المذموم هو أن يتحول التنوع في الآراء والاجتهادات إلى نزاع عميق، وشقاق حقيقي يفرق الجماعة ويُضعف الصّف، أو أن يجعل الإنسان رأيه معيارًا مطلقًا للحق من غير حجة، أما الاختلاف الذي يستند إلى الاجتهاد المشروع فلا يدخل في هذا الباب.

ويرى المؤلف أن الأمم السابقة إنما أصابها التفرق حين اختلفت في كتبها وعلى أنبيائها، وأن الأمة مأمورة بلزوم الحق والجماعة. ولذلك يحذر من ضرب نصوص الوحي بعضها ببعض، ويحذر كذلك من جعل الاختلاف وسيلة للتعصب والانتصار للنفس، مؤكدًا أن الجهل والظلم كثيرًا ما يكونان وراء الانحراف في فهم النصوص وفي التعامل مع المخالفين.

ويستحضر الكتاب كذلك قصة عمرو بن لُحَيّ بوصفها مثالًا تاريخيًا على أثر التقليد الأعمى في تغيير الدين؛ فقد نقل إلى العرب بعض مظاهر الشرك بعد أن تأثر بما رآه عند غيرهم، فتحولت الممارسة الوافدة مع الزمن إلى جزء من عقائد المجتمع وشعائره. 

ويستخلص ابن تيمية من ذلك أن الانحراف قد يبدأ بتقليد يبدو في ظاهره محدودًا، ثم يتراكم حتى يصبح عرفًا دينيًا راسخًا، وهو ما يفسر تشديده على حماية الشعائر من الوافدات التي تناقض أصول الإسلام، ووقوفه سداً منيعاً أمام البدعة بكل صورها وأشكالها.

وفي مواضع أخرى يناقش المؤلف -رحمه الله- بعض المرويات المتعلقة بفضل العرب ولسانهم، مع تمييزه بين الصحيح والضعيف والمنكر، وعدم التسوية بين ما يصلح للاستشهاد وما لا يصلح، وما يثبت به الحكم وما لا يثبت به. 

كما يربط ذلك (أعني المخالفة) بشرح مكانة العربية باعتبارها لغة القرآن والسنة، لكنه لا يجعل ذلك ذريعة إلى العصبية الجاهلية، وإنما يربطه بحاجة المسلم إلى لغة الوحي لفهم دينه وإقامة شعائره.

وعند جمع هذه المباحث، والنظر في جملتها؛ يتضح أن ابن تيمية لا يريد أن يجعل المخالفة غاية مستقلة، ولا أن يحولها إلى قطيعة مع غير المسلمين في شؤون الحياة، وإنما يريدها وسيلة لحفظ المعاني التي يقوم عليها الانتماء إلى الإسلام. فالمعاملات الدنيوية والمصالح المشتركة شيء، والمشاركة في الخصائص الدينية والشعائر شيء آخر؛ ومن ثم فإن مدار الحكم عنده على طبيعة الفعل ومقصده وخصوصيته، وعلى ما إذا كان من شعائر أمة بعينها أو من العادات المشتركة بين الناس.

ومن أعمق القضايا التي خلص إليها الكتاب: أن التشبه والبدعة والغلو في القبور ليست مباحث متفرقة أو مستقلة عن بعضها، وإنما يجمعها أصل واحد هو حماية التوحيد والاتباع. فالتشبه قد ينقل المسلم من مجرد الموافقة في الظاهر إلى التأثر في الباطن، والبدعة قد تبدأ بتخصيص عبادة لم يخصصها الشرع ثم تتحول إلى سنة موازية للسنة، وتعظيم القبور قد يبدأ بالتبرك ثم ينتهي إلى التعلق والاستغاثة. 

ولذلك نلاحظ أن ابن تيمية يكثر في الكتاب التحذير من البدايات والذرائع قبل أن تصل إلى غاياتها الخطرة. وبهذا يتبين أن التوحيد هو المحور الأعمق الذي تلتقي عنده موضوعات الكتاب كلها؛ فإفراد الله بالعبادة والدعاء والاستعانة يقتضي رفض الوسائط التي لم يشرعها، كما أن اتباع الرسول ﷺ يقتضي ألا تضاف إلى الدين عبادات وشعائر لم يدل عليها الوحي.

 ومن هنا جاء تحذيره من تعظيم القبور، واتخاذها أعيادًا، والذبح عندها، وتحري الدعاء فيها، والغلو في الصالحين، لأن صيانة التوحيد لا تقتصر على مواجهة الشرك الصريح، بل تشمل أيضًا قطع الطرق المؤدية إليه.

وعلى امتداد الكتاب تتشكل الرؤية الكاملة للعلاقة بين العقيدة والشريعة والسلوك والهوية؛ فالدين ليس اعتقادًا مجردًا في القلب، ولا أعمالًا منفصلة عن القصد، وإنما منظومة متماسكة يظهر أثرها في العبادات والعادات والأخلاق والشعائر. ولهذا يربط المؤلف دائمًا بين صحة الباطن وصحة الظاهر، وبين سلامة الاعتقاد واستقامة السلوك، وبين اتباع السنة ومخالفة طرائق الانحراف.

وخلاصة ما ينتهي إليه الكتاب أن الاستقامة على الصراط المستقيم تقوم على ثلاثة معانٍ متلازمة: صحة الاعتقاد، وصحة الاتباع، وصحة القصد. فالتوحيد يصحح وجهة القلب، والسنة تضبط العمل، والإخلاص يحرر القصد من الهوى والتعلق بغير الله. ومن اختل عنده واحد من هذه الأصول كان عرضة للانحراف؛ إما بعلم لا يصحبه عمل، أو بعمل لا يقوم على علم، أو بتقليد يضعف استقلال الشخصية الدينية، أو بعبادة يضاف إليها ما لم يأذن به الله.

ومن ثم فإن الرسالة الجامعة التي يخرج بها القارئ من «اقتضاء الصراط المستقيم» هي أن طريق المؤمنين لا يستقيم بمجرد معرفة الحق، بل بلزومه في الاعتقاد والعبادة والسلوك، ومخالفة ما نهى عنه الوحي من طرائق الجاهلية والكفر والبدع، مع اجتناب الغلو والتقصير. فالصراط المستقيم، في رؤية ابن تيمية، ليس طريقًا نظريًا مجردًا، وإنما هو علم يثمر عملًا، وعقيدة تظهر آثارها في السلوك، وشريعة تحفظ للمؤمن صلته بربه، وتصون شعائره وخصوصيته، وتقيه من الذوبان في طرائق الأمم التي حذر منها الوحي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق