أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم الجوزية بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان

لابن القيم الجوزية

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا الكتاب موسوعة علمية قيّمة، تناول فيها الإمام ابن قيم الجوزية الحديث عن حقيقة العبودية لله، وأن الله لم يخلق الإنسان عبثًا، بل كلّفه بالأمر والنهي، ومنحه أدوات العلم والعمل، من قلب وسمع وبصر وجوارح، وجعل عليه مسؤولية استعمالها فيما يرضيه. ويُركّز ابن القيّم في جُل موضوعاته على أن القلب هو مركز صلاح الإنسان وفساده، فهو بمنزلة الملك وسائر الجوارح جنوده، فإذا صلح القلب صلحت الأعمال، وإذا فسد انعكس فساده عليها. 

ومن هنا كان إصلاح القلب ومعرفة أمراضه وعلاجها من أعظم مقاصد السالكين كما يقول ابن القيّم. وانطلاقاً من ذلك حذر ابن القيم من مكايد الشيطان ووساوسه التي تستهدف القلب بالشهوات والشبهات، ويرى أن النجاة منها تكون بالاستعانة بالله، والإقبال عليه، وتحقيق العبودية والإخلاص، حتى يدخل العبد في حماية الله من سلطان الشيطان.

ثم يقرر ابن القيم أن القلوب ثلاثة: قلب سليم، وقلب ميت، وقلب مريض. فالقلب السليم هو الذي خلص من الشرك والشبهات والشهوات المخالفة للشرع، واستقرت فيه محبة الله وخشيته ورجاؤه والتوكل عليه، وجعل الرسول ﷺ وحده مرجعًا في الاعتقاد والقول والعمل؛ ولذلك لا يقبل الله العمل إلا إذا اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة

أما القلب الميت فهو الذي استعبدته الشهوات والأهواء، فأصبح هواه إمامه وشهوته قائده، لا يبالي برضا الله أو سخطه ما دام يحقق رغباته. وأما القلب المريض ففيه حياة وإيمان وإخلاص، وفيه في الوقت نفسه شهوات وحسد وكبر وعجب وحب للعلو، وهو في صراع بين داعي الإيمان والآخرة وداعي الهوى والدنيا، والغلبة لأحدهما هي التي تحدد مصيره ومثواه. وقد بيّن ابن القيم في افتتاحية كتابه أن الفتن التي ترد على القلوب، من شهوات وشبهات ومعاصٍ وبدع وظلم وجهل، قد تزيد القلب السليم نورًا وإيمانًا إذا ردها وأنكرها، بينما تترك في القلب المفتون آثارًا من السواد والشك والانتكاس حتى يختلط عليه الحق بالباطل.

ويخصص ابن القيم جانبًا مهمًا لبيان حقيقة مرض القلب وطرق علاجه؛ فالمرض قد يكون مرض شبهة وجهل وشك، أو مرض شهوة وانحراف في الإرادة، وقد تجتمع الشبهة والشهوة في القلب؛ فيكون المرض بذلك أشد خطراً وفتكاً. ويقرر حقيقة تلك الأمراض بمقارنتها بأمراض البدن؛ فكما أن للبدن أمراضًا تحتاج إلى حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة، فإن القلب يحتاج إلى الإيمان وأوراد الطاعات لحفظ قوته، وإلى اجتناب المعاصي والمخالفات، وإلى التوبة والاستغفار لتطهيره من آثاره الفاسدة. 

ويُركّز ابن القيم على أن القرآن هو أعظم أدوية القلوب، بما يتضمنه من هدى وشفاء ورحمة، وأن أمراض القلوب نوعان: منها ما يعالج بأسباب طبيعية كالهم والغم والحزن والغيظ، ومنها ما لا يشفى إلا بالأدوية الإيمانية النبوية، كالجهل والشبهات والشهوات. 

ولهذا رتّب كتابه في ثلاثة عشر بابًا تبحث في أحوال القلوب وأمراضها وأدويتها، وحياتها وموتها، وزكاتها وطهارتها، وعلامات صحتها ومرضها، وعلاج استيلاء النفس والشيطان عليها، ثم ختمها ببيان مكايد الشيطان التي يكيد بها للإنسان، ليكون الكتاب إغاثةً لمن أثقلته تلك المصايد، ودليلًا إلى سلامة القلب وصلاحه والنجاة في الدنيا والآخرة.

_________________________________________________

قيمة الكتاب وثناء العلماء عليه

يُعدُّ هذا الكتاب من أنفع ما ألفه ابن القيم الله وأحسن:

قال العلامة الآلوسي في غاية الأماني (٥/٢): هو كتاب مشهور من كتب السنة، أودعه مؤلفه الله مُهمات المطالب، وأبطل به حبائل الشيطان ومصائده، ودسائسه ومكايده، فلا بدع أن نفرت منه جنوده، واضطربت منه أعوانه وأولياؤه، والله لا يُصلح عمل المفسدين».

وقد كتب بعض أهل العلم على طرة بعض نسخه المخطوطة ما نصه:

إن شئت أن تنجو من الشيطان … فالزم كتاب «إغاثة اللهفان»

فيه شفاء القلب من أمراضه … وهو الطريق إلى رضا الرحمن

لله در بنان ناظم عقده … كم ضم فيه من فريد جُمان

حكم هي الدر المصفى لو ترى… عين ويسمع مَنْ لَهُ أُذنان

 في أبيات أُخر ....

وقال آخر :

يا من يخاف مكايد الشيطان …ويروم سُبل خلاصة الإيمان 

شمر ذيولك كي ترى سُنن الهدى … في طي زِندِ إغاثة اللهفان»

والخلاصة: أن هذا الكتاب من أعظم كُتُبِهِ وأجلها.

وقد نسبه لمؤلفه سائر من ترجم له:

کابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٢) ٤٥٠)، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (٦ / ١٧٠) ، والشوكاني في «البدر الطالع (١٤٤/٢)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (۱۲۹/۱)، وصديق حسن خان في التاج المكلل» (ص ٤١٩) ، وغيرهم ؛ بعضُهم يذكر اسمه تاماً ، وبعضهم مقتصراً على «مصايد الشيطان».

وقد تفنن ابن القيم في كتابه (۲) هذا ؛ مُودِعاً فيه فنوناً من العلم :

فتراه يبحث في (۳۲/۱) في أصول الفقه.

وفي (١/ ٤٥) يرد على المتكلمين.

وفي (٣٢/١ و ٥٠) في علم التفسير .

وفي (٥٠/١) في علم النحو.

وفي (٤٦٠/١) في معاني اللغة.

وفي (۲۸/۱) في شرح بعض الأحاديث.

وفي (٥٥/١) في صفات الباري .

وفي (٥٦/١) في القَدَرِ .

 وهكذا؛ في فوائد علمية منثورة، لا يعلم قدْرَهَا إِلَّا مِنْ يَعْرِفُ العلم وقيمته.

وتراه في (٥٧/١) يذكُرُ سُؤالَهُ لشيخه، ثم ينقُلُ خُلاصَة جوابِهِ لَهُ .

وفي (١٧/١) يذكر مذاكرته لبعض رؤساء الطب في بعض المسائل.

... وهذا كُلُّهُ يَدُلُّ على مدى اتساع دائرَةِ عِلْمِهِ الله ومعارفه، ودقته في التصنيف والتأليف.

ولقيمة هذا الكتاب وتيسير الانتفاع به؛ اختصره غير واحد من أهل العلم؛ ومن أهم مختصراته :

۱ - مختصر إغاثة اللهفان : للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، المتوفى سنة (١٢٨٢هـ).

۲ - مختصر إغاثة اللهفان لابن غانم المقدسي، المتوفى سنة (١٠٠٤هـ)، وهو مطبوع في مكتبة القرآن، بتحقيق : إبراهيم بن محمد الجمل .

٣- تبعيد الشيطان بتقريب إغاثة اللهفان»؛ لبعض العلماء المتأخرين.

٤- موارد الظمآن المنتقى من إغاثة اللهفان ؛ لكاتب هذه السطور -عفا الله عنه - ، وهو مطبوع في دار ابن الجوزي - الدمام .

بل قد اختصرت بعض أبحاثه وأفردت؛ كمثل بحث (زيارة القبور الشرعية والشركية للبركوي - المتوفى سنة (۹۸۱هـ) - وهي مطبوعة مراراً .

ولبعض المعاصرين شيء غير ذلك - أيضاً -.

__________________________________________________

استهلّ ابن القيم كتابه في بيان أن للقلب حياةً وموتًا، وصحةً ومرضًا، وأن أمراضه ليست كلها مما تعالجه الأدوية الطبيعية، بل منها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية. وحياة القلب وإشراقه هما أصل كل خير وسعادة؛ فبقدر حياته ونوره تقوى فيه المعرفة والتمييز والحياء والعفة والشجاعة والصبر ومحبة الحسن وبغض القبيح. 

فإذا قوي نور القلب انكشفت له حقائق الأشياء، فعرف الحق وأحبه وآثره، وعرف الباطل فنفر منه، أما إذا مات القلب أو أظلم، اختلط عليه الحسن بالقبيح، وغلبته الشهوات والشبهات. ولهذا جاء تشبيه القرآن للوحي بالماء والنار في وسورة البقرة؛ فالماء به الحياة، والنار بها الإضاءة والإشراق، كما شبّه القلوب بالأودية التي تحمل من العلم بقدر سعتها، ويذهب عنها زبد الشبهات والشهوات، ويبقى فيها من العلم النافع ما يحييها ويصلحها.

وحرص ابن القيم على بيان أن حياة القلب الحقيقية إنما تكون بالعلم والإيمان والاستجابة لله ورسوله، وأن القرآن لا ينتفع به إلا من كان حي القلب. فالوحي روح تحيا به القلوب، ونور تستضيء به الأرواح، ومن قبله وعمل به نال الحياة الطيبة وشرح الصدر وانفساحه، بينما يؤدي الإعراض عن ذكر الله إلى ضيق العيش وظلمة القلب وحرج الصدر. 

ثم يقرر أن كمال القلب وصحته يقومان على قوتين: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والمحبة؛ فبالأولى يدرك العبد الحق ويميزه من الباطل، وبالثانية يطلب الحق ويحبه ويؤثره على غيره. فمن عرف الحق واتبعه كان من أهل الهدى والفلاح، ومن جهله ضل، ومن عرفه ثم آثر غيره عليه استحق الغضب. ولا تتعطل هاتان القوتان في الإنسان؛ فإن لم يستعملهما في الحق استعملهما في الباطل، ولذلك كانت سعادة العبد في أن يجمع بين العلم النافع والعمل الصالح، وأن يكمل نفسه ثم يعين غيره بالتعليم والوصية بالحق والصبر عليه.

وينتهي ابن القيم في تقريره إلى أن غاية صلاح القلب وسعادته ألا يكون له معبودٌ ومقصودٌ ومحبوبٌ أعظم من الله تعالى؛ فالقلب لا يجد كماله ولا لذته ولا طمأنينته إلا بتوحيده وإفراده بالعبادة والاستعانة والمحبة والرجاء والخوف والتوكل والإنابة. وقد لخّص القرآن هذا الأصل الجامع في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ فالعبادة تحقيق لألوهيته، والاستعانة إقرار بربوبيته، ولا يتم أحدهما إلا بالآخر. 

وحاجة العبد إلى الله في عبادته ومحبته أعظم من حاجته إليه في خلقه ورزقه وسائر مصالحه؛ لأن التوحيد هو رأس السعادة وأصل النعيم، وبه تطمئن القلوب وتحيا الأرواح. أما تعلق القلب بغير الله وعبادته، فإنه يفسده ويجعل ما يناله من لذة أو منفعة شبيهاً بالطعام اللذيذ المسموم، فلا يزول فساد القلب إلا بإخراج كل معبود سواه منه، وإفراد الله وحده بالمحبة والرجاء والخوف والتوكل والإنابة.

كما يقرر العلامة ابن القيم -رحمه الله -أن افتقار العبد إلى الله تعالى في عبادته وتوحيده ومحبتِه لا نظير له، وإن أمكن تقريب معناه بحاجة الجسد إلى الغذاء والشراب؛ فحقيقة الإنسان قلبه وروحه، ولا صلاح لهما إلا بالله، ولا طمأنينة لهما إلا بذكره ومعرفته ومحبته. فالعبادة ليست مشقة مقصودة لذاتها، وإنما هي قرة العين ولذة القلب ونعيم الروح، وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها. 

ومن أعظم نعيم الآخرة النظر إلى وجه الله تعالى وسماع خطابه، وهو نعيم يفوق جميع لذات الجنة، كما أن لذة النظر إليه تابعة لما كان للعبد في الدنيا من معرفته ومحبته والشوق إليه؛ فكلما كان القلب أعرف بالله وأشد حبًّا له، كان فرحه بقربه ورؤيته أعظم.

ثم يبين ابن القيم أن الله وحده مالك النفع والضر والعطاء والمنع وابن القيمر والرزق والهداية، وأن تعلق القلب بالمخلوق واعتماده عليه يورثه الخذلان والضرر، بينما الاعتصام بالله والتوكل عليه هو سبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. وأن المخلوق، مهما بلغ من العلم والقوة والثراء، فإنه لا يملك لغيره شيئًا إلا بما قدره الله وأذن فيه، ولذلك جاء في آيات كثيرة الدعوة إلى الانتقال من معرفة افتقار العبد إلى الله في مصالحه ونصره ورزقه إلى تحقيق عبادته ومحبته والتوكل عليه. 

وفي المقابل، فإن التعلق بغير الله، ولا سيما التعلق بالدنيا وشهواتها، يورث صاحبه الهم والتعب والحسرة؛ لأن محبوبات الدنيا زائلة متقلّبة غير ثابتة، وقد تكون لذتها سببًا في أعظم الآلام. فمن أحب شيئًا لغير الله ولم يجعل محبته له عونًا على طاعة الله، عُذِّب به في الدنيا قبل الآخرة، وكان مع محبوبه يوم القيامة، منعّمًا به إن كان حبه لله، أو معذبًا به إن كان حبه على غير ذلك.

ثم يُقرر ابن القيّم أن الله سبحانه غني عن خلقه، وإنما يحسن إليهم رحمةً منه وفضلًا، أما المخلوق فغالب إحسانه إلى غيره مشوب بحاجته إلى ذلك الإحسان وانتفاعه به عاجلاً أو آجلاً؛ ولذلك ينبغي للعبد أن يعامل الخلق لله، ويحسن إليهم لله، ويرجو الله في إحسانه إليهم، ولا يجعلهم موضع رجائه وخوفه وتوكله من دون الله. كما يقرر أن العبد لا يستطيع أن يحصل لنفسه نفعًا أو يدفع عنها ضرًا إلا بتقدير الله وتيسيره، وأن الخلق جميعًا لو اجتمعوا على نفعه أو ضره لم يملكوا له إلا ما كتبه الله له أو عليه. 

ومن هنا كانت للقلب أربعة متعلقات: محبوب لذاته، ومحبوب لغيره، ومستعان به لذاته، ومستعان به على سبيل الوسيلة؛ وأعلى هذه المراتب وأكملها أن يكون المحبوب والمستعان به لذاته هو الله وحده، وأن تكون محبة ما سواه والاستعانة به تابعة لمحبة الله والاستعانة به، وإلا انقلبت المحبة والاستعانة إلى ضرر وفساد. فصلاح القلب وسعادته في أن يكون الله غايته ومحبوبه ومعبوده ومستعانه، وما عداه فوسيلة إليه لا غاية دونه.

ثم يُبيّن لنا ابن القيّم -رحمه الله- أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه، الشاملة لأمراض الشبهات والشهوات. كما أن القرآن يعالج أمراض الشك والاضطراب الفكري بالبينات والبراهين. ثم بيّن الفرق بين هداية القرآن وبين تعقيدات المناهج الكلامية والفلسفية. وأكّد على أن القرآن عالج أمراض الإرادة والشهوة بالترغيب والترهيب والقصص والأمثال. كما أن أثر القرآن يمتدُّ ليكون إحدى الركائز في إعادة القلب إلى فطرته السليمة. كما انه شبَّه القرآن بالنسبة للقلب بالغداء بالنسبة للبدن، كذلك بيّن حاجة القلب إلى التخلية عما يضره والتحلية بما يصلحه.

ثم انتقل ابن القيّم ليحدثنا عن زكاة القلب، فأوضح معنى الزكاة، وأنها: النماء والزيادة والصلاح والكمال. ثم بين ارتباط الزكاة بالطهارة؛ فلا زكاة كاملة بلا تطهير. ثم أثر التوبة في تخليص القلب من الذنوب والأهواء. كما خصَّ الحديث عن غض البصر بوصفه طريقًا إلى زكاة القلب. وذكر بعضاً من فوائد غض البصر، والتي منها: حلاوة الإيمان ولذته. ونور القلب وصحة الفراسة. وقوة القلب وثباته وشجاعته. ثم تحدث عن العزة الحقيقية للمؤمن، وأنها ثمرة طاعة الله. ثم تناول الحديث عن التوحيد بوصفه أصل تزكية القلب. ثم بين معاني قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}، والخلاف في عود الضمير في (زكاها). والعلاقة بين تزكية النفس وعمل الإنسان الصالح.

كذلك تناول الحديث عن طهارة القلب من أدرانه ونجاساته، فأعاد الكرة في الحديث عن الطهارة باعتبارها أساس الزكاة (التخلية). ثم بيّن معنى قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} وعدد أقوال المفسرين فيها. ثم بين الأسس التي تقوم عليها طهارة القلب، والعمل، والخلق، والثوب، والمكسب. ثم أثر الظاهر في الباطن، وأثر المطعم والملبس في القلب.

كما بيّن الإمام ابن القيم ارتباط طهارة القلب بالقرآن من جهة أن الانتفاع به لا يكتمل إلا بقلبٍ سليمٍ طاهر، كما أن طهارة البدن بالماء تهيئ العبد للعبادة والاستعداد للقاء الله ودخول الجنة، فإن طهارة القلب بالتوبة تهيئه لقبول هداية القرآن؛ ولذلك جمع النبي ﷺ بين الطهارة الحسية والمعنى الباطن في دعائه: «اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد»، فجاء التعبير بالماء والثلج والبرد لتمثيل تطهير الذنوب وإزالة آثارها بما هو محسوس، وهو من منهج البيان النبوي في تقريب المعاني الباطنة إلى الأذهان بالأمور المشاهدة. 

وإذا كانت النجاسة الحسية تصيب البدن، فإن هناك نجاسات معنوية أشد أثرًا في الإنسان، كالزنا واللواطة، وأعظم منها جميعًا نجاسة الشرك؛ إذ تفسد القلب والروح، وقد يمتد أثرها إلى الجسد والسلوك، لأنها تناقض أصل التوحيد الذي عليه تقوم الطهارة والزكاة. فكما أن الماء يزيل عن الظاهر أدرانه، فإن التوحيد والتوبة يطهران الباطن من أدران الشرك والمعصية، ولا سيما أن أخطر ما يفسد القلب أن يُسوّى غير الله به في المحبة أو التعظيم أو العبادة. ومن هنا كانت صلة القلب بالقرآن وثيقة؛ فالقرآن نورٌ وهداية، ولا يتهيأ القلب لحمل نوره والانتفاع به إلا إذا تطهر من الشرك والأهواء والذنوب، وصار التوحيد والتوبة أساسًا لزكاته وصفائه.

ويقرر ابن القيم -رحمه الله -أن الشرك والتعطيل ناشئان عن سوء الظن بالله تعالى، إذ يتضمنان انتقاصًا من كمال ربوبيته وصفاته، سواء بظن حاجة الله إلى شريك أو وسيط، أو ظن عجزه عن العلم أو الرحمة أو إجابة الدعاء إلا بواسطة، أو اعتقاد أن للمخلوق حقًّا على الله تعالى. ومن هنا كان الشرك أعظم صور التنقص، واقترن به الابتداع؛ لأن كليهما يقوم على مخالفة ما جاء به الوحي، وإن زعم صاحبه أنه يعظم الله أو الرسول ﷺ. 

أما الذنوب والمعاصي، مع عظم خطرها، فلا تستلزم بذاتها ذلك الانتقاص من الربوبية، ولهذا تفاوتت أحكامها وعقوباتها بحسب شدتها. ويؤكد ابن القيم على أن التوحيد الخالص والإخلاص لله من أعظم أسباب تطهير القلب من الذنوب، في حين أن الشرك والفواحش، ولا سيما الزنا واللواط والعشق المحرم، تفسد القلب وتضعف توحيده، لأن تعلق القلب بالمخلوق قد يتحول إلى نوع من التعبد له، فيقدم محبته ورضاه على محبة الله ورضاه.

ثم ينتقل ابن القيم -رحمه الله -إلى بيان علامات مرض القلب وصحته؛ فكما أن لكل عضو وظيفة إذا تعطلت كان ذلك مرضًا، فإن وظيفة القلب الحقيقية هي معرفة الله ومحبته والشوق إليه والإنابة له وإيثاره على سائر المحبوبات. ومرض القلب قد يشتد حتى لا يشعر صاحبه به، ومن علاماته ألا يتألم بالمعصية والجهل بالحق، أو أن يعرف مرضه ثم يعجز عن تحمل مرارة علاجه، وعلاجه الأساس مخالفة الهوى بالصبر واليقين

والقلب الصحيح هو الذي يؤثر غذاء الإيمان ودواء القرآن، ويؤثر الآخرة على الدنيا، ويأنس بذكر الله وطاعته، ويجد راحته في الصلاة والخدمة والإنابة، ويشتد ألمه لفوات ورده وضياع وقته. كما أن من علامات صحته أن يكون همه لله، وأن تصير العبودية فيه محبة وذوقًا لا تكلفًا، فيستقبل أوامر الله بالطاعة، وأقداره بالرضا والتسليم، ويرى في السراء والضراء طريقًا يقوده إلى ربه. كذلك فإن الحق عنده لا يُعرف بكثرة أتباعه، بل يُتبع لأنه حق، ولذلك قد يكون المتمسك بالسنة وحده هو «الجماعة» إذا خالف الناس الحق، فالعبرة بموافقة الوحي لا بكثرة الموافقين.

ثم يعود ابن القيم؛ لبيان أن أصل أمراض القلب هو استيلاء النفس والهوى عليه، وأن النفس قد تكون حاجزًا بين العبد وربه، فيكون الإنسان إما أسيرًا لنفسه وشهواتها، وإما غالبًا لها، قاهرًا هواها، مستعينًا بالله على تهذيبها. والنفس واحدة في ذاتها، لكنها توصف بأحوال مختلفة: فهي مطمئنة إذا سكنت إلى الله وأنابت إليه، ولوامة إذا راجعت صاحبها ولامته، وأمارة بالسوء إذا استجابت للهوى ودعته إلى الطغيان وإيثار الدنيا. 

وأعظم مراتب صحة القلب أن يطمئن إلى الله وحده، فيستقر قلبه على محبته وعبوديته وذكره، ويثق بوعده وقضائه وقدره، ويرضى به ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، ويوقن أنه لا غنى له عن ربه طرفة عين. فالقلب السليم هو الذي تحرر من سلطان الهوى، واستقر في مقام العبودية، وصار كل ما يمر به من أمر أو قدر سببًا لزيادة قربه من الله تعالى، حتى تصبح حياته الحقيقية في معرفته ومحبته وعبادته.

ثم تناول ابن القيم -رحمه الله- حقيقة النفس الإنسانية وتقلب أحوالها، فهي في أصل خلقها أمّارة بالسوء؛ لما فيها من الجهل والظلم والحاجة، وبيّن أنها لا تزكو إلا برحمة الله وتوفيقه وإلهامه. وقد تتبدل أحوالها فتكون أمّارة بالسوء، أو لوّامة تلوم صاحبها على ما فرط منه، أو مطمئنة، والعبرة بالغالب عليها. 

والنفس اللوّامة هي التي تراجع أعمالها وتندم على التقصير، ولذلك كان علاج القلب من استيلاء النفس الأمّارة قائمًا على محاسبتها ومخالفتها؛ لأن إهمالها واتباع هواها يفضيان إلى فساد القلب وهلاكه. ويؤكد ابن القيم على أن حاجة العبد إلى رحمة الله وهدايته أعظم من كل حاجة، وأن النجاة لا تكون بالاعتماد على النفس والعمل وحده، بل بفضل الله وعفوه ورحمته.

ويفصّل ابن القيم منهج محاسبة النفس قبل العمل وبعده، فينبغي للعبد قبل الإقدام على أي عمل أن يتثبت من أربعة أمور: هل هو مقدور عليه، وهل فعله خير من تركه، وهل الدافع إليه ابتغاء وجه الله لا الجاه أو الثناء، وهل هو معان عليه ومهيأ لأسبابه. وبعد العمل يحاسب نفسه على الطاعات التي قصّر فيها، وعلى الأعمال التي كان تركها خيرًا له، وعلى المباحات والعادات التي يمكن أن تتحول إلى عبادة إذا قصد بها وجه الله. 

وتشمل المحاسبة كذلك الفرائض والمناهي والغفلة والجوارح؛ إذ إن السمع والبصر والقلب واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح أمانات، وحفظها أساس الخير، وإهمالها طريق الخسران. ومن أعظم ثمرات المحاسبة أن يعرف الإنسان عيوب نفسه وحق الله عليه، فيتخلص من العجب بعمله، ويزداد تواضعًا وافتقارًا، ويدرك أن كل نفس من أنفاس عمره رأس مال ثمين، وأن الربح الحقيقي هو الفوز برضوان الله والجنة، والخسارة هي التفريط في ذلك.

ثم ينتقل ابن القيم إلى علاج مرض القلب من الشيطان، مبينًا أن الشيطان عدو دائم للإنسان، يترصد له في كل طريق من طرق الخير، ويستغل النفس وأهواءها لإضلالها؛ ولذلك جاء التحذير منه في القرآن الكريم والسنة النبوية، والأمر بالاستعاذة بالله منه، ولا سيما عند قراءة القرآن. فالاستعاذة ليست مجرد ألفاظ معدودة، بل هي لجوء واعتصام بالله حتى يطرد العبد وساوس الشيطان ويحفظ قلبه من إفساد أثر القرآن فيه. 

ويقرر ابن القيم أن سلطان الشيطان إنما يكون على من تولاه واتبع غوايته، أما أهل الإيمان والتوحيد والإخلاص والتوكل فليس له عليهم سلطان حقيقي؛ لأنهم اعتصموا بالله. ومن هنا يجمع العلاج بين محاسبة النفس ومخالفتها، والاستعاذة من الشيطان، والإعراض عن الجاهلين ودفع الإساءة بالإحسان؛ فبذلك يقوى القلب، ويزكو، ويسلم من الغرور والهوى والوسوسة، ويقترب العبد من الله متواضعًا خاشعًا، معلقًا رجاءه بعفوه ورحمته لا بعمله وحده.

ثم يأخذنا ابن القيم إلى لُب الكتاب وأساسه وهو الحديث عن مكايد الشيطان وطرائق إغوائه للإنسان، مبينًا أن الشيطان يتربص بالعبد على طريق الخير، ويحاول صرفه عن الصراط المستقيم من جهاته المختلفة: من جهة الدنيا والآخرة، ومن جهة الحسنات والسيئات. فهو يثبط عن الطاعة، ويزين المعصية، ويخوف من الفقر، ويطيل الأمل، ويعد الإنسان بالأماني الكاذبة، ويشككه في الحقائق الإيمانية. كما أن الشيطان يسعى إلى تغيير فطرة الإنسان السوية، وتزيين الباطل له في صورة الحق، حتى يرى ما يضره نافعًا، وما ينفعه ضارًا. ومن أخطر أساليبه أن يقود الإنسان إلى المعصية ثم يتبرأ منه ويتركه لمصيره، بعد أن يكون قد أوقعه في الهلاك.

ويوضح ابن القيم -رحمه الله -أن الشيطان لا يقتصر في إغوائه على المعاصي الظاهرة، بل يتسلل إلى العقول والنيات والمناهج والسلوك، فيدفع الإنسان إلى الإفراط والتفريط، ويصرفه عن الاعتدال الذي هو طريق السنة. فقد يزين لبعض الناس التقصير في العبادة، ويغري آخرين بالغلو فيها، وقد يوقعهم في الغلو في الأشخاص أو في احتقارهم، أو في العزلة المفرطة أو المخالطة المفسدة، أو في تقديم العلم على العمل، أو العمل على العلم. 

ومن مكايده كذلك تزيين الآراء الباطلة والشبهات والجدال، وإبعاد الناس عن هدي القرآن والسنة، وإيهام بعض المنتسبين إلى التصوف أن الكشف والخواطر يغنيان عن العلم الشرعي والاتباع، مع أن الخواطر لا يُعتد بها إلا إذا وافقت الكتاب والسنة. ولذلك يؤكد ابن القيم على أن الاستقامة الحقيقية تقوم على موافقة الباطن للظاهر، والعلم للعمل، والميزان الشرعي لكل خاطر وحال.

ثم يتطرق ابن القيم إلى ببيان صور دقيقة من خداع الشيطان، منها استغلال ما تحبه النفس والدخول عليها من الباب الذي تميل إليه، وتزيين الأمور المحرمة بأسماء محببة، واستعمال الأيمان والتأكيدات الكاذبة لإضفاء الثقة على الباطل، ثم إغراء الإنسان بالغرور والوسواس. 

ومن ذلك أيضًا دفعه إلى الرياء والكبر والتعلق بالجاه، أو إلى العزلة التي تقطعه عن مصالح الناس وواجباتهم، أو إلى الغلو في الطهارة والعبادة حتى يتحول الاحتياط إلى وسواس ومخالفة للسنة. 

وينتهي ابن القيم إلى أن كيد الشيطان يقوم على التلبيس والتزيين والتخويف والإغراء، وعلى دفع الإنسان إلى أحد طرفي الانحراف: التقصير أو الغلو؛ وأن النجاة منه تكون بالاعتصام بالكتاب والسنة، ومجاهدة النفس، والحذر من الأماني والخواطر، ولزوم الوسطية والاستقامة دون إفراط ولا تفريط.

ثم يركز ابن القيم في كلامه في حول الفرق بين الاحتياط المشروع والوسواس المذموم في العبادة والطهارة، ويرى أن الاحتياط -وذلك من خلال الأخذ باليقين ودفع الشك -قد يكون مشروعًا، كما في بعض مسائل الطهارة والصلاة والصيد، لكن الاحتياط إذا تجاوز حدود الشرع وانقلب إلى تكرار وشك دائم وتشديد على النفس صار وسواسًا مذمومًا.

ويؤكد ابن القيم -رحمه الله - على أن ميزان التدين الصحيح هو اتباع هدي النبي ﷺ وأصحابه، والاقتصاد في العبادة، والابتعاد عن الغلو والتشدد. فالطريق المستقيم هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام من بعده، أما ما خرج عنه إلى الإفراط والتكلف فقد يكون بدعة أو غلوًا، وإن ظن صاحبه أنه يحقق مزيدًا من التدين. ويستشهد على ذلك- بالأحاديث الكثيرة التي تنهى عن الغلو والإسراف والاعتداء، وبالأحاديث التي تحث على التيسير والاقتصاد.

ويخصص ابن القيم جانبًا كبيرًا لبيان خطر الوسواس في الطهارة والصلاة؛ فالوسواس يجعل صاحبه يتشكك في أمور كثيرة معلومة يقينًا، كنيته للصلاة، وصحة وضوئه، وانتقاض طهارته، وصحة ألفاظه، فيكرر الأفعال والنيات والتكبير والقراءة حتى تفوته الجماعة أو الصلاة. ويرى أن هذا من استدراج الشيطان وتلاعبه بالإنسان؛ لأن النية محلها القلب، وهي متحققة بمجرد قصد الفعل، ولا تحتاج إلى التلفظ بها أو تكرارها.

ومن أبرز ما يقرره ابن القيم من القواعد الفقهية التي تدفع الوسواس، قاعدة: اليقين لا يزول بالشك؛ فمن تيقن الطهارة ثم شك في انتقاضها فلا يلتفت إلى الشك، ومن تيقن أنه نوى الصلاة فلا يعيد النية. ولهذا أمر النبي ﷺ من شك في صلاته أو طهارته أن يبني على اليقين، وأن يعرض عن الوساوس ولا يستجيب لها.

كما انتقد ابن القيّم -رحمه الله -الإسراف في استعمال الماء في الوضوء والغسل، ويبين أن السنة قائمة على الاقتصاد، وأن الزيادة على المشروع ليست من كمال العبادة. ويورد نماذج من وضوء النبي ﷺ وأصحابه بمقادير قليلة من الماء كثلثي صاع، ويقرر أن كثرة الماء والتكلف فيه قد تكون علامة على قلة الفقه إذا تحولت إلى عادة مستمرة، ووسواس قهري.

ويتناول ابن القيم -صورًا متعددة من التشدد الذي لا أصل له، مثل المبالغة بعد البول بالتفتيش والنتر والمشي والقفز والحشو وغير ذلك، ويرى أن هذه الأفعال من الوسوسة والبدع إذا تحولت إلى تكلف دائم، او بالغ فيها صاحبها إلى درجة لا يمكن احتمالها. كما يبين أن الشريعة راعت المشقة، فأجازت الصلاة مع بقاء بعض آثار النجاسة التي يصعب الاحتراز منها، وجعلت الأرض والجفاف ودلك النعل ونحو ذلك من وسائل التطهير في مواضعها.

ويؤكد ابن القيم أيضًا على سعة الشريعة الإسلامية ويسرها في الصلاة والطهارة؛ فالصلاة لا تتوقف على سجادة خاصة أو مكان بالغ النظافة ما دام الموضع طاهرًا، والأرض كلها مسجد إلا ما استثني، وكان النبي ﷺ وأصحابه يصلون في مواضع مختلفة، ويمشون في الطين والماء، ويصلون في النعال، ولم يكونوا يتكلفون في ذلك ما يفعله أهل الوسواس.

وفي نهاية هذا المبحث ييُوضّح ابن القيم أنه لا يرفض الاحتياط الشرعي، وإنما يرفض أن يتحول الاحتياط إلى غلو وتشدد واسترسال مع الشك. فالاحتياط المحمود هو الذي يحفظ الواجب ويجنب الحرام، أما الوسواس فهو الذي يفضي إلى تعطيل العبادة، وإضاعة الوقت، وإيذاء النفس، ومخالفة السنة. ولذلك فإن كمال الفقه ليس في كثرة الاحتياط والتكلف، وإنما في معرفة حدود الشرع والوقوف عند السنة، مع الجمع بين صحة العبادة ويسرها.

ويخلص ابن القيم إلى أن الشريعة الإسلامية قامت على أصلٍ هام، وهو رفع الحرج والمشقة، وترك التكلف والوسوسة في أحكام الطهارة والصلاة وسائر العبادات، وأن الأحكام لا تثبت بالشك، وإنما تترتب عند العلم واليقين. وقد استدل على ذلك بجملة من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة، منها العفو عن يسير النجاسات التي يشق الاحتراز منها؛ كيسير روث بعض الحيوانات، والودي والقيء والقيح والصديد، وكذلك الصلاة مع يسير الدم. كما يقرر أن من صلى ثم علم بوجود نجاسة في ثوبه أو بدنه بعد الصلاة، ولم يكن عالماً بها قبل الصلاة أو عجز عن إزالتها، فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه عند جماعة من أهل العلم.

ويؤكد كذلك أن الأصل في الأشياء الطهارة ما لم يثبت خلافها بيقين؛ ولذلك كان الصحابة يتوضؤون من المياه والأحواض المكشوفة دون أن يسألوا عن احتمال وصول النجاسة إليها، واستدل ابن القيم -رحمه الله- بقصة عمر بن الخطاب حين سُئل عن ماء الميزاب: أهو طاهر أم نجس؟ فأعرض عن السؤال، مبيناً أن الإنسان لا يُكلَّف بالبحث عن الأمور الخفية التي لم يعلمها. 

ومن هذا الأصل أيضاً أن الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، وإنما يتغير حكمه عند تغير أوصافه من لون أو طعم أو ريح على القول الذي اختاره ابن القيم -رحمه الله- (وهو الموافق لمذهب المالكية، وودَّ الإمام الغزالي أنه لو كان مذهب الشافعية).

ثم أورد ابن القيم شواهد كثيرة من السنة على التيسير واعتبار الحاجة والمشقة؛ فقد كان النبي ﷺ يصلي وهو يحمل أمامة، ويحمل الحسن والحسين، ويصلي في ثياب لم يتحقق نجاستها، وكان يأكل طعام أهل الكتاب، ويعامل الصبيان والحيض والمربيات معاملة قائمة على الأصل، دون تكلف أو احتياط زائد. ويستدل بذلك على أن الشريعة حنيفية في الاعتقاد، سمحة في العمل، وأن التشدد والتنطع ليسا من هدي النبي ﷺ ولا من طريقة أصحابه.

وينتقل ابن القيم بعد ذلك إلى ذم الوسوسة والتنطع في قراءة القرآن ومخارج الحروف، وينقل عن عدد من العلماء إنكارهم للمبالغة في التشديد والإدغام والهمز والإمالة، حتى تتحول القراءة إلى مشقة تخرج عن طبيعة الأداء العربي السهل الذي كان عليه النبي ﷺ والصحابة. فالغاية من تصحيح القراءة هي تحقيق الحروف من غير مبالغة تشغل القارئ عن تدبر القرآن والخشوع في الصلاة.

ثم يناقش ابن القيم حجة من يسمي هذا التشدد «احتياطاً»، فيقرر أن الاحتياط المحمود هو ما كان موافقاً للسنة، أما إذا أدى الاحتياط إلى مخالفة السنة أو الوقوع في الغلو والوسوسة، فإنه يصبح خلاف الاحتياط. فليس كل ما يشق على النفس احتياطاً، ولا كل ما يبعث على الشك ورعاً؛ وإنما الورع الحقيقي هو اتباع ما شرعه الله ورسوله وترك ما لم يشرعه.

وفي هذا السياق يفرق ابن القيم -رحمه الله- بين الشبهات الحقيقية التي يلتبس فيها الحلال بالحرام ولا يظهر فيها وجه الترجيح، وبين الوساوس التي تنشأ من المبالغة في الشك مع وضوح السنة. فالنبي ﷺ أمر بترك الشبهات، لكنه لم يأمر بالتكلف والبحث وراء الاحتمالات الوهمية. ومن ثم فإن قاعدة الشريعة عند ابن القيم -رحمه الله- هي أن اليقين لا يزول بالشك، والأصل المعلوم لا يرتفع بالاحتمال.

ويعرض بعد ذلك مسائل فقهية متشعبة، ولا سيما مسائل الطلاق المشكوك فيه، والطلاق المبهم أو المنسي، والقرعة بين الزوجات، ويذكر اختلاف الفقهاء فيها، مع ترجيح استعمال القرعة عند تعذر معرفة المطلقة؛ لأن إبقاء جميع الزوجات في حالة تعليق دائم يفضي إلى مشقة ومفسدة، بينما القرعة وسيلة شرعية للفصل عند تعذر طريق آخر. والمقصود من هذه المناقشات ليس مجرد تفصيل أحكام الطلاق، بل بيان منهج الشريعة في معالجة الشك والنزاع، وعدم تعطيل الأحكام بسبب الجهل أو الاحتمالات.

ثم يؤكد ابن القيم -رحمه الله -على ما سبق من خلال جملةٍ من مسائل الشك والاحتياط في العبادات والمعاملات، ويقرر فيها قاعدةً مركزية، هي أن اليقين لا يزول بالشك، وأن الأحكام الشرعية لا تُبنى على مجرد الاحتمال والوسوسة. ومن ذلك من شك في يمينه فلا يلزمه شيء حتى يتيقن أنه حلف، ومن حلف على فعلٍ ولم يحدد له وقتًا فالأصل عند الجمهور امتداد وقته إلى آخر العمر، ما لم تدل نيته أو العرف على التقييد. 

كما يعرض الخلاف في تعليق الطلاق على زمن معلوم، مبينًا مذاهب الفقهاء في وقت وقوعه، ثم ينتقل إلى الشك في الوضوء، فيقرر أن من تيقن الطهارة ثم شك في انتقاضها يبقى على طهارته، مستندًا إلى الحديث النبوي في عدم الانصراف من الصلاة حتى يتيقن الحدث. ويمتد هذا الأصل إلى الثياب والأواني المشتبهة، والقبلة، والصلاة المنسية؛ حيث يذكر أقوال الفقهاء ويختار ما يراه أقرب إلى رفع الحرج ودفع الوسواس.

ثم يوسع الحديث عن الوسطية بين الإفراط والتفريط، فيبين أن الاحتياط المشروع ليس هو الاسترسال مع الشكوك، وأن الغلو في الطهارة والعبادة قد يتحول إلى وسواس مذموم، كما أن التساهل والتفريط مذمومان كذلك. ومن هذا الباب يناقش مسائل غسل داخل العينين، وإطالة الغرة في الوضوء، وتجاوز حدود الأعضاء المغسولة، ويرجح أن العبادة مبناها على الاتباع لا على الزيادة التي لم تثبت عن النبي ﷺ. ويؤكد أن خير الأمور أوسطها، وأن الشريعة جاءت بالعدل والاقتصاد، فلا يُزاد في الدين بدافع الاحتياط حتى ينقلب الاحتياط إلى غلو، ولا يُنقص منه بدافع التيسير حتى يصير تفريطًا. ومن ثم يربط ابن القيم بين معالجة الوسواس وبين فهم مقاصد الشريعة، التي جاءت برفع الحرج وصيانة المكلف من الاسترسال في الشكوك والأوهام.

ويتحول ابن القيم بعد ذلك إلى قضية عقدية شديدة الأهمية، هي التحذير من الغلو في القبور والصالحين، واتخاذها مواضع للعبادة. ويرى أن بداية الانحراف في هذا الباب كانت بتعظيم الصالحين بعد موتهم، ثم تصويرهم وإقامة الأنصاب على مواضعهم، حتى تحول التعظيم مع مرور الزمن إلى عبادة؛ مستشهدًا بقصة قوم نوح وأصنام ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وبما ورد في السنة من النهي عن اتخاذ القبور مساجد أو الصلاة إليها. 

ويؤكد أن هذا النهي ليس سببه مجرد النجاسة (كما قالت الشافعية)، وإنما هو سدّ لذرائع الشرك وحماية للتوحيد؛ لأن تعظيم القبور والصلاة عندها قد يفضي إلى الغلو في أصحابها ودعائهم والاستغاثة بهم. وينتهي إلى أن حقيقة التعظيم المشروع للصالحين تكون باتباع هديهم وإنزالهم منزلة العبودية التي أنزلهم الله إياها، لا برفعهم فوق منزلتهم، وأن صيانة التوحيد تقتضي الوقوف عند حدود الشرع، بعيدًا عن الإفراط في التعظيم كما هي بعيدة عن الجفاء والتفريط.

ويؤكد ابن القيم أن السنة النبوية تقرر عدم تخصيص القبور بالعبادات؛ فلا تُتخذ مساجد، ولا تُوقد عليها السرج، ولا يُبنى عليها، ولا تُجصص أو تُكتب عليها، ولا تُرفع رفعًا يفضي إلى تعظيمها، بل تُزار للعبرة وتذكر الآخرة، وللدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له. ويستدل بالأحاديث التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد أو أعيادًا، ويبين أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ يصلان إليه حيث كان المسلم، فلا حاجة إلى جعل قبره موضعًا دائمًا للزيارة والعبادة.

ويرى ابن القيم أن الغلو في القبور قد يجر إلى مفاسد عظيمة، تبدأ بتعظيم القبر وتخصيصه بالزيارة، ثم قد تتطور إلى الطواف به، وتقبيله، والتمسح به، والاستغاثة بصاحبه، والنذر له، وسؤاله قضاء الحاجات وتفريج الكربات. ويشبّه هذه الممارسات بما كان يفعله أهل الجاهلية عند الأوثان، ويحذر من أن تعظيم القبور على هذا النحو قد يكون ذريعة إلى الشرك وطمس حقيقة التوحيد.

ثم يفرق ابن القيم -رحمه الله- بين زيارة القبور المشروعة والزيارة المبتدعة. فالزيارة المشروعة غايتها تذكر الموت والآخرة، والسلام على أهل القبور، والدعاء لهم والاستغفار والترحم عليهم؛ أما أن يتحول الميت من مدعوٍّ له إلى مدعوٍّ، أو يُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، فذلك عند ابن القيم -رحمه الله- خروج عن مقصد الزيارة الشرعية. ويستشهد بزيارة النبي ﷺ للبقيع، وبالأحاديث التي علّم فيها أصحابه كيفية السلام على أهل القبور والدعاء لهم.

ويستدل على تلك الزيارة الشرعية بعمل الصحابة والتابعين، مبينًا أنهم لم يكونوا يقصدون القبور للدعاء عندها أو التبرك بها أو الاستغاثة بأصحابها، مع وجود قبور الصحابة في مختلف الأمصار. ويرى أن هذا التطبيق العملي للسلف يؤكد أن تخصيص القبور بالدعاء والعبادة ليس من السنة. ومن الأمثلة التي يسوقها قصة قبر دانيال، إذ أخفى الصحابة مكانه حتى لا يفتتن الناس به، كما قطع عمر بن الخطاب الشجرة التي كان بعض الناس يقصدونها للصلاة والتبرك؛ سدًّا لذريعة الغلو.

وينتقل ابن القيم في سياق حديثه إلى بيان معاني الأنصاب والأزلام؛ فالأنصاب هي الأشياء المنصوبة التي تُعظَّم أو تُعبد من دون الله، وقد تكون حجرًا أو شجرًا أو وثنًا أو غير ذلك، بينما الأزلام هي القداح التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها ويطلبون من خلالها معرفة ما يفعلون أو يتركون. ويرى أن كليهما من وسائل الانحراف عن التوحيد: الأنصاب تتعلق بالشرك في العبادة، والأزلام بالتكهن وادعاء معرفة الغيب.

ويحذر ابن القيم من كل موضع يُعظَّم لذاته ويُقصد للتبرك أو النذر أو طلب الشفاء وقضاء الحاجات، سواء أكان شجرة أو حجرًا أو عين ماء أو قبرًا؛ ويرى أن ذلك يشبه «ذات أنواط» التي طلب بعض الصحابة حديثي العهد بالإسلام أن يجعل لهم النبي ﷺ مثلها، فأنكر عليهم وعدَّ ذلك من اتباع سنن الأمم السابقة. ومن هنا يقرر مبدأ سد الذرائع إلى الشرك، لأن ما يبدأ بتعظيم موضع أو أثر قد ينتهي إلى عبادته.

ثم يتناول بعد ذلك كيد الشيطان في إفساد التوحيد، ومن أخطر صوره تعظيم القبور حتى تتحول من مواضع للاعتبار والدعاء للميت إلى مواضع للعبادة والاستغاثة. ويبين أن الشيطان يبدأ الأمر بالتدرج: تعظيم القبر، ثم اتخاذه عيدًا أو مسجدًا، وإيقاد السرج عليه، وبناء القباب، وتقبيله واستلامه، ثم دعاء صاحبه والاستغاثة به. ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن النهي عن هذه المظاهر ليس انتقاصًا للصالحين، بل هو عين محبتهم واحترامهم؛ لأن تعظيمهم الحقيقي يكون باتباع ما دعوا إليه من التوحيد والسنة، لا بمخالفة منهجهم والغلو في قبورهم.

ويشرح ابن القيم باستفاضة أن الافتتان بالقبور ينشأ من الجهل بحقيقة التوحيد، ومن الأحاديث المكذوبة والحكايات التي يرويها سدنة القبور عن استجابة الدعاء عندها، فيظن الناس أن القبر هو سبب الإجابة، مع أن الله قد يجيب دعاء المضطر، مؤمنًا كان أو غير مؤمن، ولا يدل ذلك على رضاه عن الداعي أو فعله. ثم يصف تدرج الشيطان في هذا الباب من الدعاء عند القبر، إلى الدعاء بالله متوسلًا بصاحبه، ثم دعاء الميت نفسه، حتى ينتهي الأمر إلى السجود للقبر والطواف به والذبح عنده واتخاذه عيدًا. ويقرر أن زيارة القبور المشروعة غايتها تذكر الآخرة، والإحسان إلى الميت بالدعاء والصدقة، واتباع السنة؛ أما الزيارة التي يقصد بها طلب الحاجات من الموتى فهي عنده من مظاهر الشرك.

ثم ينتقل ابن القيم إلى مسألة هامة وهي مسألة الشفاعة، فيفرق بين الشفاعة التي أبطلها القرآن، وهي اتخاذ المخلوق شفيعًا يُعبد أو يُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وبين الشفاعة التي أثبتها الله، وهي التي تقع بإذنه ورضاه. فالله وحده مالك الأمر كله، ولا يشفع نبي ولا ملك إلا بعد أن يأذن الله له، ولا تكون الشفاعة نافعة إلا لمن رضي الله عنه. ومن ثم فإن التعلق بالمخلوق واعتقاد قدرته المستقلة على جلب النفع أو دفع الضرر يناقض حقيقة التوحيد. ويرى أن فهم هذا الفرق الهام يكشف حقيقة الشرك ويبين أن الشفاعة الصحيحة ثمرة للتوحيد، لا وسيلة للخروج عنه.

ثم يُحذر ابن القيم من السماع واللهو والمعازف، ويرى أن الشيطان يستعملها لصرف القلوب عن القرآن والطاعة، ويعرض أقوال عدد من أئمة الفقه في ذم الغناء والمعازف وتحريم بعض صورها، مستشهدًا بمواقف منسوبة إلى مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. كما ينتقد من يجعل الغناء والرقص وسيلة للتقرب إلى الله، ويرى أن الانشغال به عن القرآن والسنة علامة على انقلاب الموازين في القلب. 

وينتهي في كلامه إلى التحذير من الحيل الشرعية المزعومة التي تُتخذ لإسقاط الفرائض أو استحلال المحرمات، مؤكدًا أن تغيير الأسماء والألفاظ لا يغير حقائق الأفعال، وأن الطريق المستقيم هو التزام الكتاب والسنة وترك البدع والتحايل على أحكام الدين.

كذلك يتحدث ابن القيم عن «لهو الحديث»، ويفسّره كثير من السلف بالغناء، كابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم، مع بيان أن اللفظ أوسع من الغناء، فيشمل كل باطل يُختار ويُقدَّم على القرآن ويصدّ عن سبيل الله وذكره. ويؤكد ابن القيم -رحمه الله- أن الغناء من أشد أنواع اللهو تأثيراً في النفوس، لما فيه من شدة الميل إليه والانشغال به عن سماع القرآن وتدبره، ويستشهد بتفسيرات الصحابة الذين كانوا أعلم بمراد القرآن وأقرب إلى فهمه.

ثم يبين أن الغناء يدخل كذلك في الزور واللغو والباطل؛ فالزور هو الميل عن الحق إلى الباطل قولاً وفعلاً، واللغو كل ما لا خير فيه، وقد مدح الله الذين يعرضون عن مجالس الباطل ولا يشاركون أهلها. كما يلحق به المكاء والتصدية، وهما الصفير والتصفيق اللذان كان المشركون يفعلونهما عند البيت، ويرى أن اتخاذ هذه الأمور وسيلة للهو والتقرب يشابه فعلهم، وأن المسلم مأمور بصيانة نفسه عن مجالس اللهو والعبث.

ويصف ابن القيم الغناء بأنه «رقية الزنى» و «منبت النفاق»؛ لما يراه من تأثيره في إثارة الشهوات، وإضعاف الحياء والمروءة، وتحريك النفوس نحو الفواحش، فضلاً عن إشغال القلب عن القرآن والذكر والطاعة. ويرى أن كثرة الاستماع إليه قد تقود إلى عشق الصور واستحسان الفواحش وثقل القرآن على القلب، وأن الغناء ـ في نظره ـ ينمي خصالاً تتعارض مع الإيمان، كالكسل عن الصلاة، وقلة الذكر، ومخالفة الظاهر للباطن.

ثم بيّن ابن القيم -رحمه الله- تسمية الغناء بـ «قرآن الشيطان» و «الصوت الأحمق الفاجر» و «مزامير الشيطان»، مستشهداً بآثار وأحاديث في ذلك، ويرى أن الشيطان يقرن الغناء بالألحان وآلات اللهو وجمال الأصوات والصور ليكون أكثر جذباً للنفوس وصرفاً لها عن القرآن. 

كما يسمي ابن القيم الغناء أيضًا «السمود»، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾، وقد فُسِّر السمود بالغناء، كما فُسِّر باللهو والغفلة والسهو والتكبر. ويرى أن الغناء يجمع هذه المعاني؛ لأنه قد يشغل القلب عن القرآن والذكر، ويوقع في اللهو والغفلة. ثم ينتقل إلى تقرير تحريم آلات اللهو والمعازف، مستدلًا بحديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري في استحلال أقوام من الأمة للخمر والحرير والمعازف، ويؤكد صحة الحديث، ويرد على من طعن فيه، ثم يسوق عددًا من الأحاديث والآثار التي تربط ظهور المعازف والخمور واللهو بألوان من العقوبات والفتن، كالخسف والمسخ والقذف.

ويستطرد ابن القيم -رحمه الله- في ذكر الروايات والآثار الواردة في ذم المعازف والمغنيات وآلات اللهو، ويرى أن اجتماع الخمر والغناء واللهو من أسباب فساد القلوب والمجتمعات ونزول العقوبات. ثم يقرر أن المسخ ليس مقصورًا على تغير الصورة الظاهرة، بل قد يبدأ بمسخ معنوي في القلب والأخلاق؛ فمَن استحكمت فيه صفات المكر أو الشره أو الفجور تشبّه باطنه بأخلاق الحيوانات التي ضُرب بها المثل، وقد يظهر أثر ذلك على سلوكه وهيئته. ويخلص إلى أن السماع الذي يصفه بـ«السماع الشيطاني» من مكايد الشيطان التي تصرف الإنسان عن سماع القرآن والحق، مع إشارته إلى أنه بسط هذه المسألة في كتاب مستقل.

ثم ينتقل ابن القيم إلى مكيدة أخرى من مكايد الشيطان، وهي التحليل بعد الطلاق الثلاث؛ فيقرر أن الزواج الذي يُقصد به مجرد إعادة المرأة إلى زوجها الأول ليس نكاح رغبة صحيحًا، بل هو من «التحليل» الذي ورد النهي واللعن فيه، ويسمي فاعله النبي ﷺ «التيس المستعار»

ويستدل ابن القيم بأحاديث عن ابن مسعود وابن عباس وعلي وأبي هريرة وعقبة بن عامر وغيرهم، وبآثار عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وسائر السلف، على تحريم هذا الفعل وذم المتواطئين عليه. كما ينقل عن كبار التابعين والأئمة أن النكاح لا يكون معتبرًا في هذه الحال إلا إذا كان نكاح رغبة حقيقيًا، لا زواجًا مؤقتًا أو متفقًا عليه بقصد التحليل، ويؤكد أن التحايل على أحكام الطلاق بهذه الصورة من العبث بحدود الله ومما ينافي حرمة عقد الزواج ومقصده الشرعي من السكن والمودة والرحمة.

ويبيّن ابن القيم أن نكاح التحليل يناقض حقيقة النكاح الشرعي؛ فالزوج الثاني في الآية يمكن أن يمسك المرأة أو يطلقها باختياره، أما المحلِّل فيشترط عليه أن يطلقها بمجرد الوطء أو بمجرد إخبارها به، فيصبح الوطء نفسه سببًا لانتهاء النكاح، وهو عكس ما شرعه الله من جعل النكاح وسيلة للسكن والاستمرار. كما يفرّق بينه وبين نكاح المتعة، ويذكر عدة وجوه يرى بها أن المتعة ـ مع تحريمها عند جمهور أهل السنة ـ أخف فسادًا من نكاح التحليل؛ لأن المتعة كانت مشروعة في أول الإسلام ووقع فيها خلاف بين الصحابة، بينما لم يُشرع التحليل أصلًا، ولم يرد فيه إلا الذم واللعن. كما أن المستمتع يقصد المرأة لنفسه مدة معلومة، في حين أن المحلِّل لا يريد المرأة لنفسه، وإنما يتخذ الزواج وسيلة لتحليلها لزوجها الأول.

ويؤكد ابن القيم أن المحلِّل مخادع متظاهر بصورة الزوج وهو يبطن خلاف ذلك؛ فلا يريد الاستقرار ولا تحمل حقوق الزوجية، وإنما يتحايل على حكم شرعي، ولذلك يشبهه ابن القيم -رحمه الله- بالمنافق، ويرى أن هذا الزواج لا يشبه نكاح أهل الإسلام ولا حتى أنكحة الجاهلية التي أبطلها الإسلام، بل تنفر منه الفطر السليمة وتستقبحه النفوس.

ثم يربط ابن القيم -رحمه الله- انتشار هذه الحيل بمعصية الله ورسوله واتباع الشيطان في التلاعب بالطلاق؛ فالطلاق من الأمور التي ينبغي ألا يُتخذ فيها اللعب والعبث بحدود الله، والشيطان يعدّ التفريق بين الزوجين من أعظم إنجازاته. وحين يندم الرجل بعد الطلاق ويريد استرجاع زوجته قبل أن تتزوج زواجًا حقيقيًا، يلجأ بعض الناس إلى الحيل المحرمة بدل الالتزام بحكم الشرع.

ويختم بذكر عشر حيل للتحايل على أحكام الطلاق والتحليل، بعضها من حيل الخاصة وبعضها من حيل العامة، ومنها: التحايل على منع وقوع الطلاق، أو إفساد عقد النكاح بعد وقوعه، أو استعمال الخلع، أو تزويج المرأة بعبد ثم فسخ النكاح بملكه، وأشدها قبحًا استئجار المحلِّل. ثم يذكر حيلًا أعجب وأشد فسادًا عند جهال العامة، كالاكتفاء بوطء المرأة بالقدم، أو الحمل والولادة، أو دهن الجسد، أو السفر، أو الوقوف بعرفة، وكلها صور من العبث بأحكام الله ومحاولة الوصول إلى النتيجة الشرعية بطريق لم يشرعه الله.

ويقرر ابن القيم -رحمه الله- أن الطلاق المشروع قائم على التقوى واتباع حدود الله، وأن من التزم بما شرعه الله استغنى عن الحيل والمخارج. فالطلاق السني أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، فإن ندم راجعها، وإن انتهت العدة افترقا، مع بقاء إمكان الزواج من جديد. أما التعجل في الطلاق وجمع الطلقات والتحايل بعد وقوعها، فهو مخالف لحكمة التشريع؛ ولذلك أنكر ابن عباس على من طلق ثلاثاً، مستدلاً بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً}.

ويؤكد ابن القيم -رحمه الله- أن القرآن والسنة دلا على أن الطلاق شرع متفرقاً، مرة بعد مرة، لا مجموعاً في مجلس واحد، مستشهداً بقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}، ثم تأتي الثالثة بعد الطلقتين، فتحرم المرأة حتى تنكح زوجاً غيره. كما شرع الطلاق للعدة، فنهى عن الطلاق في الحيض، وعن الطلاق في الطهر الذي حصل فيه الجماع، وجعل للزوج فرصة للرجعة والتفكير. ويستند ابن القيم -رحمه الله- إلى أحاديث ابن عباس وروايات ركانة وغيرها، التي تفيد أن الثلاث كانت تُجعل واحدة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه، ثم أمضاها عمر ثلاثاً حين رأى الناس قد أكثروا من استعجال الطلاق.

ثم يناقش ابن القيم -رحمه الله- الاعتراضات الواردة على هذه الأحاديث، كدعوى اضطرابها أو تفرد بعض رواتها أو مخالفتها للأصول، ويرى أن ذلك لا يقدح فيها؛ لتعدد طرقها، وثقة رواتها، وموافقتها لآثار عدد من الصحابة والتابعين. كما يرى أن ظاهر القرآن يؤيد هذا الفهم؛ فالطلاق المأذون فيه هو الذي تبقى بعده الرجعة، حتى إذا بلغت المرأة أجلها أمسكها الزوج بمعروف أو فارقها بمعروف، ولذلك فإن جمع الطلقات في كلمة واحدة يناقض التدرج الذي قصده الشارع، ويغلق باب الإصلاح قبل استنفاد فرصته.

ويخلص ابن القيم -رحمه الله- إلى أن الحكمة من تشريع الطلاق هي التمهل وإتاحة فرصة الإصلاح والرجعة، لا التعجيل بالفرقة النهائية؛ ولذلك جعل الله الطلقات متفرقة، كما شرع كثيراً من العبادات والأحكام التي لا يتحقق عددها بمجرد جمعها في لفظ واحد. ويستدل كذلك بأن جمع الثلاث يناقض مقاصد الشريعة في الرحمة والتيسير، وأن من جمعها فقد تعدى الطريقة التي شرعها الله. ومن ثم يرجح ابن القيم -رحمه الله- أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلا طلقة واحدة، وأن السنة أن يكون الطلاق طلقة بعد طلقة، مع مراعاة العدة وإبقاء باب الرجعة والإصلاح مفتوحاً.

ويعرض ابن القيم حجج من يرى أن من طلّق زوجته ثلاث تطليقات بلفظ واحد تقع عليه الثلاث، مستندين إلى جملة من الأحاديث والآثار، منها حديث فاطمة بنت قيس، وحديث عائشة، وقصة الملاعنة، وحديث محمود بن لبيد، وحديث ركانة، وغيرها. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن كثرة هذه الروايات وتعدد طرقها تقوي بعضها بعضاً، وأن بعض الصحابة والتابعين أفتوا بلزوم الثلاث، ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الطلاق الثلاث مجموعاً يقع ثلاثاً.

ويناقش ابن القيم هذه الأحاديث واحداً واحداً، فيرى أن بعضها لا يدل على وقوع الثلاث مجموعة في مجلس واحد، وبعضها الآخر ضعيف أو معلول. فحديث فاطمة بنت قيس، مثلاً، يفسره بروايات أخرى صحيحة تدل على أن تطليقاتها كانت متفرقة، وأن قول «طلقها ثلاثاً» لا يلزم منه وقوعها دفعة واحدة. كما يرد الاستدلال بقصة الملاعنة؛ لأن الفرقة فيها وقعت بسبب اللعان، فأصبح الطلاق بعد ذلك غير مؤثر في أصل الفرقة.

كما فصل ابن القيم -رحمه الله- في نقد عدد من الروايات التي استُدل بها على لزوم الثلاث، فيذكر أقوال أئمة الحديث في تضعيف بعضها، مثل روايات ركانة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعلي، وابن عمر، وغيرها. ثم يناقش حجة القائلين بانعقاد الإجماع على وقوع الثلاث، ويرى أن دعوى الإجماع لا تصح مع وجود أقوال ثابتة عن عدد من الصحابة والتابعين تخالف ذلك، وأن المسألة بقيت محل خلاف معتبر منذ عصر الصحابة، فلا يجوز إغلاق باب البحث فيها بمجرد دعوى الإجماع.

وقد ساق ابن القيم شواهد كثيرة على أن القول بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة ليس قولاً حادثاً، بل نُقل عن عدد من الصحابة والتابعين والعلماء، ومنهم ابن عباس في إحدى الروايتين عنه، وطاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، والحسن البصري في آخر أمره، وغيرهم. كما نقل الخلاف عن بعض فقهاء المالكية والظاهرية وغيرهم. ويقرر أن الخلاف يدور حول ثلاثة اتجاهات: أن الثلاث واحدة مطلقاً، أو أنها ثلاث مطلقاً، أو التفريق بين ما صدر بلفظ واحد وما صدر بألفاظ متفرقة.

ويتناول ابن القيم أهم الإشكالات، وهو أن عمر رضي الله عنه أمضى الطلاق الثلاث، مع وجود روايات تدل على أن الثلاث كانت تُجعل واحدة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر. ويجيب بأن تصرف عمر يمكن حمله على التعزير والسياسة الشرعية؛ فقد رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، فألزمهم به زجراً لهم وعقوبة على مخالفة السنة، كما غيّر بعض صور التعزير بحسب تغير الأحوال والمصالح. ومن ثم يميز ابن القيم بين الأحكام الشرعية الثابتة التي لا تتغير، وبين الأحكام والتدابير التعزيرية التي قد تتغير باختلاف الزمان والحال والمصلحة، ويرى أن هذا التفسير يحفظ مكانة عمر والصحابة، وفي الوقت نفسه يفسر ابن القيم الواردة في جعل الطلاق الثلاث واحدة.

ويقرر ابن القيم أن الطلاق شُرع للحاجة والمصلحة، مع كراهة ما يترتب عليه من تفكك الأسرة والعداوة والفساد. ولذلك شرعه الله على أضيق الوجوه وأحكمها: أن يطلق الزوج زوجته طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ثم يمهلها مدة العدة، لعل أسباب الخلاف تزول فيراجعها، أو تنتهي العدة فيفترقا بالمعروف. ومن هنا كان إلزام الزوج بالطلاق أحيانًا، سواء بأمر الأب الصالح إذا رأى المصلحة، أو بحكم الإمام عند امتناع الزوج عن واجب، من مسائل الاجتهاد. كما يتناول ابن القيم موقف عمر رضي الله عنه من الطلاق الثلاث، وأنه أمضاه على الناس تغليظًا عليهم، ثم ندم على عدم منعهم من إيقاع الثلاث دفعة واحدة لما رأى من آثاره ومفاسده.

كما يؤكد ابن القيم أن التقوى هي الطريق إلى المخرج واليسر في أحكام الطلاق، مستدلًا بآيات سورة الطلاق: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} و{يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}. فمن تجاوز حدود الله في الطلاق، وأوقعه على وجه محرم، ثم طلب بعد ذلك المخارج بالحيل، فقد عرّض نفسه للضيق والحرج؛ لأن التيسير الذي وعد الله به إنما هو لمن اتقاه والتزم حدوده. أما من جهل الحكم ثم علمه وندم وتاب، فيُنظر في أمره، ولا يُعامل معاملة المتعمد؛ لأن قيام الحجة والعلم شرط معتبر في المؤاخذة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

ويقسم ابن القيم مسالك الناس في الطلاق والأحكام الشرعية إلى ثلاثة: باب العلم والاعتدال، وهو اتباع ما شرعه الله ورسوله، وباب الآصار والأغلال، وهو التشدد الذي يوقع الناس في الحرج، وباب الحيل والمكر، وهو الأخطر؛ لأنه يقوم على التحايل لإسقاط الواجبات أو استحلال المحرمات. ويفرق ابن القيم -رحمه الله- بين الحيلة المحمودة، التي يُتوصل بها إلى تنفيذ أمر شرعي أو دفع ظلم أو استرداد حق، والحيلة المذمومة، التي تُتخذ لإبطال حكم شرعي أو قلب الحقائق. فالعبرة ليست بمجرد صورة العقد أو اسمه، وإنما بحقيقته ومقصده؛ ولذلك لا يصح تغيير اسم الربا إلى بيع، أو التحليل إلى نكاح، أو الخمر إلى اسم آخر، مع بقاء الحقيقة المحرمة.

ويسوق ابن القيم أدلة كثيرة على تحريم الحيل التي تخالف مقاصد الشريعة، ويجعلها نوعًا من مخادعة الله والتلاعب بحدوده واتخاذ آياته هزوًا؛ لأن صاحبها يُظهر صورة مشروعة، بينما يقصد بها أمرًا محرّمًا. ومن أمثلة ذلك: التحايل في الطلاق الثلاث، والزواج بقصد التحليل، والحيل الربوية، والفرار من العدة، والاحتيال على المواريث والأيمان وغيرها. ويستدل بقصص أصحاب السبت والذين تحايلوا على نصيب المساكين، وبما ورد في شأن اليهود الذين غيّروا صورة الشحم واسمَه ليبيعوه، مبينًا أن تغيير الصورة والاسم لا يغيّر الحقيقة ولا يزيل المفسدة التي من أجلها حُرّم الفعل.

ثم يُبيّن ابن القيم قاعدة عامة في هذا الباب، وهي أن المحتال بالباطل يعاقَب غالبًا بنقيض قصده؛ لأن الله سبحانه لا يجعل الحيلة طريقًا دائمًا إلى تحقيق ما حُرّم شرعًا. فمن احتال لإسقاط حق أُلزم بضده، ومن سعى إلى الربا مُحق ماله، ومن طلب العزة بمعصية الله أُصيب بالذل، ومن أعرض عن القرآن والسنة طلبًا للهداية من غيرهما أضله الله. ومن ثم فالفقيه الحق ليس من يبحث عن مخارج شكلية لإبطال الأحكام، وإنما من يفهم مقاصد الشريعة، ويقف عند حدود الله، ويفرق بين الوسيلة المشروعة التي تحقق مقصود الشارع والحيلة المحرمة التي تهدم ذلك المقصود مع المحافظة على صورته الظاهرة.

يتناول ابن القيم قاعدةً أصوليةً كبرى هي تحريم الحيل التي يُقصد بها إسقاط واجب أو استباحة محرّم، وبيان أن من سنن الله أن يعامل المحتال بنقيض قصده؛ فمن مكر بالباطل مكر به، ومن خدع غيره خُدع. ويقابل ذلك مبدأ سدّ الذرائع، الذي تقوم عليه طائفة واسعة من أحكام الشريعة؛ فكما تمنع الشريعة المحرم نفسه، تمنع الطرق والوسائل التي تفضي إليه، ولو كان أصل الفعل مباحًا. ومن أمثلته النهي عن سب آلهة المشركين خشية أن يسبوا الله، والنهي عن الخلوة والنظر المحرم، وعن بعض صور البيوع والقروض التي تفضي إلى الربا، وعن التشبه بالكفار، وما شُرع من الأحكام في النكاح والمواريث والمعاملات حمايةً للمقاصد وسدًا لأبواب الفساد.

ويقرر ابن القيم أن مقاصد الأفعال ونيات أصحابها معتبرة في الحكم الشرعي؛ فقد يكون الفعل في ظاهره صحيحًا أو مباحًا، لكنه يفسد إذا استُعمل وسيلة إلى محرم أو لإبطال حق شرعي. ولذلك تُبطل الحيلة إذا كان مقصدها التحايل على الربا، أو إسقاط الشفعة، أو الإضرار بالورثة، أو إبطال حقوق الزوجة، أو التوصل إلى محرم بعقد ظاهره الصحة. ويؤكد ابن القيم أن الشريعة قد تعاقب المحتال بنقيض قصده، فلا يحصل له ما أراده من الحيلة، لأن تمكينه منها يهدم مقاصد الأحكام ويجعل الشروط الشرعية مجرد صور وأشكال فارغة. ومن هنا تتناقض الحيل المحرمة مع سد الذرائع: فالشريعة تسد الطريق إلى المحرم، بينما المحتال يحاول فتح الطريق إليه بصورة ظاهرها الإباحة.

ومع ذلك يميز ابن القيم -رحمه الله- بين الحيل المحرمة والحيل المشروعة (المخارج)؛ فليست كل حيلة ممنوعة، بل الممنوع ما كان وسيلة إلى باطل أو إسقاط حق أو استباحة محرم، أما الحيلة التي تُخرج الإنسان من الحرام إلى الحلال، أو ترفع عنه الحرج، فهي جائزة وقد تكون مطلوبة. ومن أمثلتها ما ورد في قصة أيوب عليه السلام، وإرشاد النبي ﷺ بلالًا إلى بيع التمر بالدراهم ثم شراء النوع الآخر، واستعمال المعاريض عند الحاجة لدفع الضرر والكذب الصريح، ما دامت لا تُستعمل في ظلم أحد أو إبطال حقه. 

وخلاصة كلامه رحمه الله أن العبرة في الحيل بالمقصد والمآل؛ فما كان غايته إبطال حكم شرعي أو إحقاق باطل فهو حيلة محرمة مردودة، وما كان طريقًا مشروعًا للتخلص من الحرام والوصول إلى الحلال فهو مخرج معتبر، وبهذا يتحقق مقصد الشريعة في جلب المصالح ودفع المفاسد وسد أبواب الفساد.

ويُبيّن ابن القيم تنوع الحيل في الفقه الإسلامي بناءً على مقاصدها وغاياتها، فمنها ما يُعدّ طاعة وقربة تقرب العبد إلى الله، ومنها ما يكون مباحاً يدور مع المصلحة، بينما يُحرم منها ما تضمن إبطال الحقوق واستحلال المحارم. وتُعرّف الحيلة لغويةً بأنها التصرف والتحول من حال إلى حال، وتأخذ حكمها الشرعي تبعاً للأمر المحتال به ولأجله؛ فإن كان المقصود حقاً ومشروعاً كانت الحيلة محمودة، وإن كان باطلاً ومحرماً كانت مذمومة.

وتشترك ألفاظ كالمكر والكيد والخداع مع الحيلة في الانقسام إلى أنواع محمودة ومذمومة؛ فالخداع أو المكر الذي يُستعمل لإحقاق الحق، أو دفع الظلم، أو نصرة الدين -كحيل الصحابة في الحروب- يُعدّ أمراً محموداً ومطلوباً. وفي المقابل، يُذمّ كل فعل يقصد صاحبه مخادعة الشارع وإسقاط الواجبات أو التعدي على حقوق العباد، كمثل حيل بني إسرائيل التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تتخذ وسائل خفية للوصول إلى غايات محرمة.

ويُباح للمظلوم والمحتاج اللجوء إلى التأويل المشروع في الأيمان والأقوال لدفع الظلم عن نفسه وإبطال الحيل المحرمة، دون أن يلحقه إثم في ذلك. ويختلف الحكم إذا قصد الإنسان من العقود الشرعية غير ما شرعها الله لأجله؛ إذ يصبح حينئذ كائداً لدينه وماكراً بشرعه، بخلاف من يتوخى إظهار الحق ودفع الباطل، حيث يُعدّ صنيعه لوناً مختلفاً تماماً يوافق مقاصد الشريعة السمحة.

وقد وضع الفقهاء طرائق حيلة عملية كثيرة للتخلص من العقبات والمفاسد في المعاملات المالية، مثل تأجير الأراضي، وإجارة الدواب، وضمان الدرك، وتوثيق الحقوق، بما يضمن حفظ الحقوق ورفع النزاعات. ومن ذلك أيضاً ما يتعلق بتصحيح العقود المشروعة التي قد يعتريها بعض الغرر أو الجهل المؤقت، حيث يلجأ العاقدان إلى طرق تنظيمية تحفظ لكل ذي حق حقه دون الإخلال بقواعد الشرع الحنيف وأصوله العامة.

وقد اختلفت آراء العلماء في مسألة الوضع والتعجيل في الديون، كأن يُعجل الدائن جزءاً من دينه بشرط أن يضع عن المدين باقيه قبل حلول الأجل، فمنهم من منعها مطلقاً سداً للذريعة ومقارنة بربا الجاهلية، ومنهم من أجازها بشروط أو في أنواع معينة كدين الكتابة استناداً لبعض الآثار والمصالح المرسلة. وقد ظهرت في هذا الباب مذاهب متعددة تتراوح بين التحريم القاطع والتجويز المقيد بالمصلحة وبراءة الذمم من الأسر.

وتتعدد التطبيقات الفقهية الدقيقة في مسائل الشفعة، وتأجيل الديون، وتعليق الوكالات، والإبراء، والهبات على الشروط، حيث يسعى الفقهاء لتصحيح تصرفات المكلفين بالطرق المشروعة. وتتضح براعة الفقه الإسلامي في إيجاد المخرج المناسب لكل معضلة مالية أو اجتماعية، شريطة أن تبقى المقاصد نقية والغايات نزيهة، بعيداً عن إسقاط الحقوق الواجبة أو الاحتيال على أحكام الله تعالى.

وبين ابن القيم صحة المعاملات والشركات القائمة على تنمية الأعيان بنسبة شائعة من الربح أو الخارج كالزرع والثمار، وهو ما نص عليه الإمام أحمد وأيده الدليل والقياس باعتباره من باب المشاركات لا الإجارات، مما يحقق العدل بين المتعاقدين في الرجاء والخوف بخلاف المقاطعة المحفوفة بالمخاطر.

بالإضافة إلى تعدد وسائل التخلص من العقبات والمعضلات الحقوقية بالطرق المشروعة عند تعذر الوكالات أو غياب الغرماء، كأن يعمد صاحب الحق إلى توكيل من يجعل المال قصاصاً، أو اللجوء إلى الضمان الصحيح لتثبيت الحقوق وحمايتها من الضياع أمام الحكام.

كما يجوز تعليق الإقرار بالشروط والقيود الصحيحة التي تخرج الكلام من الإطلاق إلى التقييد، كما يتضح في صيغ الإقرار بالثمن أو الأجرة المرتبطة بتسليم المعقود عليه، إضافة إلى مشروعية رَبْط البيع بالرهن والتوثيق لحفظ حقوق البائع والمشترى ومنع النزاعات.

كما تُرفض الدعاوى الكاذبة التي تخالف العرف والعادة الظاهرة تكذيباً قاطعاً، مثل دعوى المرأة التي تدعي عدم الإنفاق طوال سنين متطاولة مع انتفاء القرائن والمشاهد الواقعية، دفعاً للظلم والفساد العظيم الذي يلحق بالأزواج جراء مثل هذه الادعاءات غير الواقعية.

وتعتمد كثير من الأحكام القضائية في باب الدعاوى على غلبة الظن المستفاد من القرائن وأحوال الحال، كالاستدلال بالعرف والعادة المطرّدة، وهو ما يوافق مقاصد الشريعة الإسلامية في إظهار الحقوق، وتيسير المعاملات، ودفع الأضرار والمنكرات عن المكلفين.

يتناول ابن القيم أقسام الحيل في الشريعة والفرق بين الحيلة المشروعة والمحرمة، ويقرر أن التحايل على إسقاط الحقوق أو إثبات الباطل، كادعاء عدم رؤية المبيع أو إنكار الدين والوديعة، أو استعمال الشهادة الزور لاستيفاء حق، من كبائر الإثم؛ لأنه يجمع بين الكذب وإبطال الحق. كما يوضح أن الوسيلة المباحة قد تصبح محرمة إذا قصد بها الوصول إلى غرض محرم، وأنه لا يجوز للمظلوم أن يقابل خيانة خصمه بخيانة مماثلة، بل يستوفي حقه بوسيلة مشروعة.

ويعرض ابن القيم -رحمه الله- مسألة الظفر بالحق عند تعذر استيفائه من صاحبه، وينقل فيها خمسة أقوال للفقهاء، ثم يرجح أن الأصل هو عدم خيانة من خان، إلا إذا كان الحق ظاهراً ثابتاً بحيث لا يوقع الأخذ في تهمة أو خيانة، كحق الزوجة في النفقة أو حق الضيف في الضيافة. أما الحقوق الخفية، كالدين الذي لا بينة عليه، فلا يجوز استيفاؤها سراً بطريق الخيانة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». والفرق أن من يسترد عين ماله المغصوبة يستوفي حقاً متعيناً، بخلاف من يأخذ من مال المدين سراً، إذ لم يتعين حقه في ذلك المال.

ثم يفصل ابن القيم الحيل التي يقصد بها تحليل ما حرمه الله أو إسقاط ما أوجبه، ويرى أنها محرمة من جهتين: من جهة الغاية، لأنها تستهدف إباحة الحرام أو إسقاط الواجب، ومن جهة الوسيلة، لأنها تستعمل أسباباً شرعية في غير المقاصد التي شرعت لها. ومن أمثلتها التحايل لإسقاط الزكاة قبل الحول، أو منع الشفعة، أو إسقاط النفقة والدين، أو استعمال العقود للوصول إلى الربا. ويؤكد أن العبرة ليست بصورة العقد وحدها، وإنما بحقيقته ومقصده؛ فالبيع الذي يُتخذ ستاراً للربا، والهبة التي يقصد بها الفرار من الزكاة، والنكاح الذي يقصد به تحليل المطلقة ثلاثاً، كلها حيل باطلة وإن اتخذت صوراً شرعية.

ويختم ابن القيم ببيان الفرق بين الحيل المذمومة والمخارج الشرعية، وخصوصاً في مسائل الأيمان والطلاق. فالمخارج المشروعة هي التي تحقق غرضاً مباحاً دون خداع أو مخالفة لمقاصد الشريعة، أما الحيلة فغايتها تغيير حكم الله مع إبقاء صورته الظاهرة. ويناقش ابن القيم -رحمه الله- الخلاف في الحلف بالطلاق، ويقرر أن اليمين بالطلاق تختلف عن إيقاع الطلاق من حيث الحقيقة والقصد واللفظ، وأن مقاصد الحالف وسبب يمينه معتبران في فهم الحكم؛ فإذا زال السبب الذي حمله على اليمين، أو ظهر أن مقصوده كان الحض أو المنع لا إيقاع الطلاق، وجب مراعاة قصده. والخلاصة أن صحة الحيلة لا تقاس بمجرد صورتها الظاهرة، بل بسلامة المقصد والوسيلة معاً، وبمدى موافقتها لمقاصد الشريعة وأحكامها.

يتناول ابن القيم مسألة دلالة الألفاظ الشرعية وحدود الاستدلال بها، ويؤكد أن الأمر بفعلٍ معين لا يستلزم إثبات جميع القيود والصفات المتعلقة به، ولا نفيها كذلك، ما لم يدل عليها دليل مستقل. فقول النبي ﷺ في بيع التمر: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» إنما قصد به بيان الطريق المشروعة للوصول إلى التمر الجيد، ولم يتعرض فيه لكون الشراء من المشتري الأول أو من غيره، ولا إلى شروط البيع وموانعه. ومن ثم لا يصح اتخاذ سكوت ابن القيم عن قيد معين دليلاً على إباحته أو منعه، بل يرجع حكم ذلك إلى الأدلة الأخرى.

ويناقش ابن القيم -رحمه الله- بناءً على ذلك الاستدلال الفاسد بعمومات ابن القيم على مسائل لم يقصدها ابن القيم؛ فلا يصح الاستدلال بقوله تعالى: {وأحل الله البيع} على إباحة كل صورة من صور البيع المختلف فيها، ولا بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} على صحة جميع صور الأنكحة، ولا بآيات النكاح والطلاق على إباحة صور مخصوصة لم تتعرض لها. وكذلك لا يدل حديث بيع التمر على جواز بيع العِينة؛ لأن الأصل أن البيع المقصود هو الذي يراد به حقيقة تبادل السلعة والثمن، أما إذا تواطأ الطرفان منذ البداية على بيع ثم إعادة الشراء للوصول إلى صورة ربوية، فقد اجتمع عقدان على وجه يخرجه عن البيع المأذون فيه ويدخله في الحيل الممنوعة.

ثم يقرر ابن القيم أن الحيل الشرعية المباحة تختلف جذرياً عن الحيل الباطلة التي يقصد بها إسقاط الواجبات أو استحلال المحرمات. فالمعاريض المشروعة تقوم على استعمال لفظ يحتمل معنى صحيحاً، مع قصد دفع ظلم أو كذب أو مفسدة، بينما المحتال يقصد بالعقد معنى لا يحتمله العقد شرعاً ولا عرفاً ولا حقيقة. ومن الفروق المهمة أن المعرِّض لو صرح بمقصوده لم يكن كلامه محرماً في ذاته، أما المحتال فلو صرح بحقيقة مقصوده ظهر بطلان فعله، كالمرابي الذي يستعمل عقداً صورياً للوصول إلى قرض بزيادة. ولذلك فالمعيار ليس مجرد وجود صورة ظاهرية صحيحة، وإنما حقيقة القصد وموافقة الوسيلة لمقصود الشرع.

ويستشهد ابن القيم -رحمه الله- بقصة يوسف عليه السلام لبيان أن ما وقع فيها لا يصلح دليلاً على جواز الحيل المحرمة؛ لأن ما فعله يوسف كان بإلهام وتقدير من الله، وتعلقت به مصالح وحِكَم عظيمة، ولم يكن الغرض منه إسقاط حكم شرعي أو استحلال محرم. ومن ذلك ردُّ البضاعة إلى إخوة يوسف ليعودوا، ووضع السقاية في رحل أخيه، ثم حملهم على الاحتكام إلى الحكم الذي أقروا به لأنفسهم. ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن هذه التدابير كانت وسيلة إلى مقصد صالح، وأن الله تعالى نسب هذا التدبير إلى نفسه بقوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}، ولذلك لا يصح قياس أفعال المكلفين في الحيل المحرمة على كيد الله تعالى أو على التدبير الخاص الذي ألهم به يوسف عليه السلام.

ويبين ابن القيم بعد ذلك أن كيد الله تعالى نوعان: أحدهما تدبير قدري خارج عن قدرة العبد، ينتصر به للمظلوم ويجازي به الظالم؛ والثاني أن يلهم عبده فعلاً مباحاً أو مستحباً أو واجباً يوصله إلى مقصد حسن. أما الحيل التي يتخذها الإنسان لإسقاط الفرائض واستحلال المحرمات فهي مباينة لذلك تماماً، لأنها تجعل الفعل المشروع وسيلة إلى غير مقصوده الشرعي. ويحذر ابن القيم -رحمه الله- من خطورة التوسع في هذا الباب، ويرى أن فساد الدين والدنيا كثيراً ما ينشأ من طائفتين: أهل المكر والاحتيال في الأعمال، وأهل التحريف والتأويل الفاسد في العلوم؛ إذ يؤدي كلاهما إلى قلب الحقائق وإبطال مقاصد الشرع.

ويختم ابن القيم بالانتقال إلى مكايد الشيطان في باب العشق والهوى، مبيناً أن الحب والإرادة أصل الحركات والأفعال، وأن البغض والكراهية إنما ينشآن غالباً بسبب منافاة الشيء المحبوب. والعاقل هو الذي يميز بين مراتب المحبوبات والمكروهات، فيترك الأدنى طلباً للأعلى، ويتحمل المكروه الأخف دفعاً للأشد. ومن هنا يجعل ابن القيم -رحمه الله- الحب في الله والبغض في الله من أصول الإيمان؛ فالإيمان يجمع بين علم القلب وعمله، وعمل القلب أساسه المحبة والبغض، ويترتب عليهما فعل الجوارح وتركها، والعطاء والمنع. فإذا كانت هذه الأصول لله تعالى اكتمل بها الإيمان، وإذا دخلها الهوى أو صرفت لغير الله نقص الإيمان بقدر ذلك.

يتناول الفصل العلاقة بين الحركة والإرادة والمحبة، مبينًا أن الحركات في العالم العلوي والسفلي ثلاثة: إرادية، وطبيعية، وقسرية. فالحركة الإرادية تصدر عن شعور وإرادة، والطبيعية تنشأ عن قوة كامنة في الشيء من غير شعور، أما القسرية فتقع بفعل مؤثر خارج عن المتحرك. ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن أصل الحركات كلها يرجع في النهاية إلى الإرادة والمحبة؛ إذ إن كل متحرك يتجه إلى غاية أو مطلوب، وأن حركة الموجودات في الكون تجري بأمر الله وتدبيره، والملائكة هم المباشرون لتنفيذ هذا التدبير بإذنه ومشيئته.

ويفصل ابن القيم -رحمه الله- في عالم الملائكة ووظائفهم، مبينًا أنهم جنود الله ورسله في خلقه وأمره، وقد وكل الله إليهم تدبير شؤون كثيرة في السماوات والأرض: فمنهم الموكلون بالوحي، والمطر، والنبات، والأرحام، وحفظ الإنسان وكتابة أعماله، وقبض الأرواح، وسؤال القبر، والجنة والنار، وغير ذلك. ويؤكد أنهم عباد مكرمون لا يسبقون الله بالقول ولا يعصون أمره، وأن تدبيرهم إنما هو تنفيذ لأمر الله، ولذلك ينسب التدبير إليهم باعتبار مباشرتهم له، وينسب إلى الله باعتبار أنه الآمر والمدبر الحقيقي. ويبرز خصوصًا مكانة جبريل وميكائيل وإسرافيل، وما وكل إلى كل واحد منهم من أسباب الحياة: فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالقطر، وإسرافيل بالنفخ في الصور.

ثم ينتقل الكلام إلى المحبة باعتبارها القوة المحركة للإنسان، فكل إنسان يتحرك نحو محبوبه ومراده، سواء أكان محبوبه الله، أم العلم والإيمان، أم المال والمتاع، أم الأهواء والشهوات. غير أن المحاب ليست كلها نافعة؛ فالمحبة النافعة هي التي تتصل بالله وما يحبه الله، أما المحبة التي تصرف القلب عن الله أو تتعلق بما يسخطه فهي محبة ضارة تؤدي إلى الشقاء. وأصل المحبة المحمودة هو محبة الله وحده، وما يتفرع عنها من محبة رسوله وكتابه ودينه وأوليائه، لأن العبادة في حقيقتها تجمع غاية الحب مع غاية الذل والخضوع. ومن هنا كان التوحيد هو أساس النجاة، وكانت محبة الله غاية الكمال الإنساني.

ويقرر ابن القيم -رحمه الله- أن صلاح المحبة والإرادة يتوقف على العلم والعدل؛ فالإنسان قد يحب ما يضره بسبب جهله بحقيقته، أو بسبب فساد قصده وهواه، ولذلك كان أصل الخير العلم والعدل، وأصل الشر الجهل والظلم. ومعرفة النافع والضار تكون بالعقل والفطرة من جهة، وبالشرع والوحي من جهة أخرى، والشرع أوسع وأدق في بيان عواقب الأعمال ومقاصدها. وبناء على ذلك يقسم المحبة النافعة إلى ثلاث: محبة الله، والمحبة في الله، ومحبة ما يعين على طاعة الله؛ ويقسم المحبة الضارة كذلك إلى المحبة مع الله، ومحبة ما يبغضه الله، ومحبة ما يقطع عن محبة الله أو ينقصها. وتدخل المحبة الطبيعية، كحب الزوجة والطعام والشراب وسائر المباحات، في دائرة المحبة النافعة إذا أعانت على طاعة الله، وإلا بقيت في نطاق المباح الذي لا يثاب عليه ولا يعاقب.

ويختتم بالتحذير من العشق المحرم وتعلّق القلب بغير الله، ولا سيما حين يتحول الحب إلى استعباد للقلب وتقديم رضا المحبوب على رضا الله. فالمشكلة عندئذ لا تقتصر على ارتكاب المعصية، بل تتجاوزها إلى فساد القلب والتعلق بغير الله، وقد تقود إلى الكذب والظلم والفواحش والعداوة وصدّ الإنسان عن الصلاة والذكر. ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن تفاوت الذنوب لا يكون بالفعل وحده، بل بما يقترن به من نيات وأحوال وآثار، وأن الإصرار على المعصية والتعلق بها قد يزيد خطرها. ولذلك يدعو إلى تخليص القلب لله، وجعل محبته هي المحبة العليا التي تنتظم حولها سائر المحاب، بحيث تكون المحبة للخلق والملذات تابعة لمحبة الله لا مزاحمة لها.

ويُبيّن ابن القيّم أن أصل الفواحش والعشق يعود إلى محبة غير الله وتعلق القلب بسواه، وهو ما يظهر جليّاً لدى المشركين وأهل الأهواء الذين يستحلون ما حرّمه الله محتجين بالتقليد الباطل والظن الكاذب، مخالفين بذلك فطرة التوحيد التي خلق الله عباده عليها والتي تأمر بإخلاص المحبة والعبادة له وحده.

وتُمثّل الفتنة بصور النساء وشهوات الدنيا أعظم المخاطر التي تُناقض كمال الدين وتُفسد القلوب، حيث تتفرّع الفتن إلى شبهات تفسد العقائد والعلوم وإلى شهوات تفسد الأعمال والإرادات، ممّا يجعل الناس ينقسمون بحسب مواقفهم منها ومن الابتلاءات المتبادلة بين الخلائق إلى صادقين ومنافقين وأبرار وفجار.

ويتجلّى التمييز بين الخلق في تعاملهم مع الابتلاءات، إذ إن فتنة الشبهات تُدفع بكمال اليقين والبصيرة المتمثلة في اتباع الوحي، بينما تُدفع فتنة الشهوات بالصبر والعزيمة الصادقة، ومن وفّقه الله للسلامة من هاتين الفتنتين فاز بأعظم غايتين هما الهدى والرحمة الحقيقية التي قد تتضمن الابتلاء لردع النفوس عن طغيانها.

وبيّن رحمه الله أن رحمة الله تعالى بعباده تقتضي أن يُبتلَوا بالأوامر والنواهي وبأنواع البلاء الدنيوي كحمية لهم ولفت انتباههم عن الركون إلى الحياة الفانية، فالمؤمن الحقيقي يدرك حكمة ربّه في المنع والعطاء ويصبر على الأقدار، بخلاف الجاهل الذي يظن أن الابتلاء هوان بينما هو في حقيقته تمام الإحسان والرعاية الإلهية.

ويوضح ابن القيم أن سعي الخلائق كلهم، يدور حول طلب التنعم ولذة القلب، فمن سلك طريق الدين الحق والعلم النافع والعمل الصالح نال النعيم التام في الدنيا والآخرة وفاز بالرضوان، بينما من تتبع هواه وطلب الدنيا بطرق محرمة فقد حقيقية السنعيم ووقع في الشقاء والضلال من حيث ظن أنه يطلب راحته وسعادته.

ويتناول ابن القيم سُنّة الابتلاء في حياة الإنسان، مبينًا أن الدنيا دار امتحان، وأن الله يختبر عباده بالخير والشر ليظهر صدق الإيمان من كذبه. فالمؤمن إذا ابتُلي ثبت وصبر وزاده البلاء إيمانًا وتسليمًا، أما الكافر والمنافق والفاجر فتشتد محنته وتطول. ولا يخلو أحد من الألم والابتلاء، غير أن المؤمن تكون عاقبته إلى الخير، بينما قد تكون لذة الكافر أو الفاجر في أول الأمر مقدمةً لألم أشد وأدوم. ومن ثمّ فمخالفة الناس في الباطل، وإن جلبت أذى عاجلًا، خير من موافقتهم على المعصية؛ لأن ألم الصبر على الحق أهون من عاقبة الانقياد للهوى.

ثم يقرر ابن القيم أن البلاء قد يقع في النفس أو المال أو العرض أو الأهل، وأن أشده ما يصيب النفس، لكن الموت لا مفر منه، والشهادة في سبيل الله من أكرم الموتات وأخفها على الشهيد. كما يحذر من الفرار من التكاليف والآلام التي تكون في طاعة الله، لأن من فرّ من ألمٍ يسير في سبيل الحق قد يُبتلى بألم أعظم في غير سبيل الله. ويضرب لذلك أمثلة بمن يبخل بماله أو يترف ببدنه، فيُحرم الانتفاع بما بخل به أو يُتعب فيما لا ينفعه. ويؤكد أن الإنسان لا يستطيع التخلص من المحنة، وإنما الفضل في اختيار المحنة الأخف والأعقب للخير، مع الصبر والتقوى.

ويبلغ ابن القيم غايته في بيان أن محبة الله ومعرفته والأنس به والشوق إلى لقائه والرضا عنه هي أصل الدين وأساس العبودية. فالله ينبغي أن يكون أحبَّ إلى العبد من كل شيء، وأن تكون سائر المحاب تابعة لمحبته. ومحبة الله تختلف عن محبة المخلوق؛ فمحبة المخلوق قد تورث الألم والقلق، أما محبة الله فهي حياة القلب ونعيم الروح ونور العقل وقرة العين. 

وكلما ازدادت معرفة العبد بالله وأسمائه وصفاته وقربه منه، ازدادت حلاوة الإيمان والطمأنينة والأنس، حتى تصبح لذات الطاعة أعظم في قلبه من لذات الشهوات.

ثم يبين ابن القيم أثر قوة الإيمان في مقاومة المعصية، فيقسم النفوس إلى نفس مطمئنة إلى ربها، ونفس مجاهدة صابرة، ونفس مفتونة بالشهوات والهوى؛ والأولى والثانية هما سبيل السعادة والفلاح. فالمؤمن الكامل يجد في محبة الله ما يغنيه عن المحرمات، ومن ضعف إيمانه غلبته الشهوة، إذ لا تترك النفس محبوبًا إلا لمحبوب أعظم منه أو لخوف مكروه أشد. ومن هنا يقرر أن تحقيق التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الله غاية المراد ونهاية المقصود، مع الاستعانة به والتوكل عليه؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

ويختم ابن القيم ببيان كيد الشيطان للإنسان وأصل انحراف البشر إلى الشرك؛ فقد بدأ كيده لنفسه حين استكبر عن أمر الله، وحسد آدم، وعارض ابن القيم برأيه، فجمع بين الكبر والحسد والجهل والمعصية، فأهلك نفسه بنفسه. ثم أغوى آدم وحواء بالوعد الكاذب، لكن آدم تاب واعترف بذنبه فقبل الله توبته، بخلاف إبليس الذي أصرّ واعترض. 

ثم يوضح استمرار كيد الشيطان في ذرية آدم، فكان من أعظم مداخله الغلو في الصالحين، حتى تحولت صورهم وآثارهم إلى أصنام تُعبد، ثم انتشر الشرك في العرب، واتخذوا أصنامًا متعددة كود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ومناة واللات والعزى وهبل وغيرها. وجاء الإسلام بالتوحيد وهدم هذه الأوثان، حتى فتح النبي ﷺ مكة فأزال الأصنام من حول الكعبة، معلنًا انتصار التوحيد وزوال الباطل.

ويُبين ابن القيم باستقاضة تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام والأوثان بشتى الطرق والوسائل بحسب عقولهم، فدعا العوام لتعظيم الموتى باتخاذ القبور مساجد والتماثيل للعبادة، بينما دعا الخواص لاتخاذ الأصنام على صور الكواكب المؤثرة.

وقد تنوعت أشكال الشرك والعبادات الباطلة للأصنام في مختلف الأمم القديمة والحديثة كالهند والصابئة، فمنهم من عبد الشمس والقمر والنجوم والنار والماء والحيوانات، وجعلوا لها الهياكل والبيوت والسدنة والقربان. كما استغلت الشياطين جهل العباد فدخلت في تلك الأصنام وخاطبتهم منها وأخبرتهم ببعض المغيبات، فظن الجهال أن الصنم نفسه هو المتكلم، ولم يتخلص من هذه الفتنة العظيمة إلا الحنفاء أتباع الأنبياء.

وأصل الشرك والضلال هو الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته ومراجعته لخصائص الإلهية والتشبيه بالخالق، وهو ما أبطل القرآن العظيم وأكثره من بيان بطلانه والتحذير من اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله.

وقد تعددت أساليب إبليس في إغواء البشر فزين لهم عبادة النار والماء والحيوانات والجن والملائكة، فاستمتع الجن بالإنس بإطاعته في الكفر، واستمتاع الإنس بالجن في قضاء الحوائج والإعانة على المعاصي. كما تتضح يوم القيامة براءة المعبودين من الملائكة والأنبياء ممن عبدوهم من دون الله، حيث يعترفون بأنهم لم يأمروا بعبادتهم وأن المشركين قد استسلموا للعذاب المقدر بسبب كفرهم وضلالهم المبين.

ويقرر العلامة ابن قيم الجوزية أن الحكمة التي جاءت بها الرسل ليست مجرد المعرفة العقلية، بل هي العلم النافع والعمل الصالح وإصابة الحق اعتقادًا وقولًا وعملًا. ويرى أن هذه الحكمة بلغت أكمل صورها في رسالة النبي محمد ﷺ، إذ جمع الله له من العلوم والهدايات ما تفرق في الرسالات السابقة. ومن هنا يميز بين الحكمة النبوية القائمة على الوحي، وبين الفلسفة التي أصبحت عند المتأخرين مرتبطة بآراء الفلاسفة اليونان وأتباعهم.

كما يركز ابن القيم -رحمه الله- على نقد مذهب أرسطو وأتباعه، ويرى أن أرسطو خالف ما كان عليه كثير من الحكماء السابقين في مسائل أساسية، وخاصة القول بقدم العالم، وإنكار بعض صفات الله وعلمه وإرادته. وينقل عن عدد من العلماء، ومنهم ابن رشد وأبو البركات البغدادي، أن كثيرًا من الفلاسفة الأقدمين كانوا يثبتون وجود الخالق وصفاته وحدوث العالم ويعظمون الأنبياء والشرائع، ثم يرى أن الانحراف اشتد في فلسفة أرسطو ومن جاء بعده، ولا سيما الفارابي وابن سينا.

بالإضافة إلى أنه يعرض ما يراه تناقضًا بين التصور الفلسفي المتأخر وبين عقائد الوحي؛ فيذكر أن بعض الفلاسفة جعلوا الله مجرد «وجود مطلق» منزّهًا عن الصفات والأفعال الاختيارية، وأنهم أولوا الملائكة فجعلوهم عقولًا مجردة أو قوى نفسية، وتأولوا الكتب السماوية على أنها فيض من «العقل الفعال»، وجعلوا النبوة قائمة على قوى الحدس والتخيل والتأثير. كما ينسب إليهم إنكار المعاد الجسماني وخلق العالم بعد عدمه. ومن ثم يرى أن هذه التصورات تفرغ الإيمان بالله والنبوة والكتب واليوم الآخر من مضامينها التي جاءت بها الرسل.

ثم يستعرض ابن القيم التاريخ الواسع للفلسفة، فيذكر مدارس وأعلامًا مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا، ويميز بين مواقفهم؛ فهو يرى أن سقراط وأفلاطون كانا أقرب إلى إثبات الخالق والصفات وحدوث العالم من أرسطو وأتباعه. كما يتحدث عن انتقال الأفكار الفلسفية إلى بعض الاتجاهات الباطنية والملاحدة، ويربط بينها وبين بعض التيارات التي ظهرت في الحضارة الإسلامية. ويعرض ابن القيم -رحمه الله- هذا التاريخ ليبين كيفية انتقال بعض الآراء الفلسفية من أصلها اليوناني إلى مدارس وفرق متعددة، وكيف أعيدت صياغتها لتقترب ظاهريًا من لغة الإسلام.

كما يخصص ابن القيم جزءًا كبيرًا لعرض تاريخ المجامع المسيحية والخلافات العقدية التي دارت حول طبيعة المسيح وروح القدس، مستشهدًا بالمجامع التي عقدت في نيقية وغيرها، وما نتج عنها من لعن وتكفير ونفي متبادل بين الفرق. ويرى أن بعض هذه التحولات نتج عن امتزاج ما بقي من تعاليم المسيح عليه السلام بالأفكار الفلسفية والوثنية، وأن الدين تعرض عبر الزمن للتبديل والتغيير. والخلاصة العامة للنص أن ابن القيم يقيم مقابلة حادة بين هداية الوحي والحكمة النبوية من جهة، وبين الفلسفة الكلامية والمذاهب التي يرى أنها عطلت صفات الله والنبوة والمعاد من جهة أخرى، ويحذر من تقديم الآراء العقلية المجردة على نصوص الوحي.

ويعرض ابن القيم سلسلة من المجامع الكنسية التي نشأت فيها خلافات حادة حول طبيعة المسيح وعلاقته باللاهوت والناسوت، وما يتصل بالقيامة والبعث والمشيئة والفعل. ويذكر أن هذه المجامع انتهت إلى اللعن المتبادل وإصدار صيغ عقائدية متباينة، حتى بلغ عدد المشاركين فيها آلاف البطاركة والأساقفة والرهبان، ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن كثرة الخلافات والتناقضات دليل على اضطراب الاعتقاد وتفرق أهله.

ثم ينتقل ابن القيم إلى نقد ما يراه من غلو في المسيح، ومن الجمع بين ألوهيته وبشريته، وما يترتب على ذلك من القول بالصلب والفداء. ويؤكد أن هذه التصورات، في نظره، تتعارض مع العقل والتنزيه الإلهي، كما ينتقد ما يراه من نسبة النقائص والأفعال البشرية إلى الله تعالى. ويقارن ابن القيم -رحمه الله- بين ذلك وبين عبادة الأصنام، مبينًا أن الوثنيين – في تصوره – كانوا ينسبون الألوهية إلى مخلوقات دون أن ينسبوا إلى معبوداتهم ما تنسبه العقيدة التي ينتقدها إلى الإله.

ويوسع ابن القيم -رحمه الله- نقده إلى الشعائر والممارسات الدينية، فيناقش تعظيم الصليب والصور في الكنائس، ويرى أنها أمور أُدخلت في الدين بعد المسيح. كما ينتقد بعض صور الصلاة والصيام والأعياد، ويذكر أمثلة على ما يعده تغييرات عن شريعة المسيح، ومنها توجيه الصلاة نحو المشرق، وصور الصيام المتعددة، والأعياد التي ينسب نشوءها إلى ظروف سياسية أو عادات سابقة. ويورد كذلك قصصًا عن حيل بعض رجال الدين لإقناع العامة بكرامات وخوارق، مثل قصة «النور المقدس» وقصة خروج اللبن من صنم، ويقدمها بوصفها وسائل للتأثير في العامة واستدرار الأموال.

وبعد حديثه عن ابن القيمارى، ينتقل ابن القيم إلى بني إسرائيل، ويجعل محور الحديث تلاعب الشيطان بهم وإغواءهم مع كثرة الآيات التي شاهدوها على يد موسى عليه السلام. ويستشهد بقصة طلبهم اتخاذ إله، ثم عبادتهم العجل رغم مشاهدتهم معجزات النجاة من فرعون، ويشرح قصة السامري وصناعة العجل وافتتان بني إسرائيل به، مع إبراز موقف هارون عليه السلام في إنكار ذلك. ثم يذكر اعتراضهم على موسى بطلب رؤية الله جهرة، وما ترتب على ذلك من العقوبة، ويربط هذه الوقائع بما يراه من استمرار نمط التكذيب والمخالفة عند أجيال لاحقة منهم.

ويختم ابن القيم بإبراز فكرة عامة هي أن الشيطان يتلاعب بالأمم حين تبدل الأوامر الشرعية قولًا وفعلًا، ويستشهد بقصة دخول بني إسرائيل القرية وأمرهم أن يدخلوا سجّدًا ويقولوا «حطة»، ثم تبديلهم القول والفعل، فنزل بهم العذاب. ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن هذه القصص تقدم مثالًا على خطورة الانحراف التدريجي عن الوحي، واستبدال العبادة الصحيحة بالعادات والتقاليد والأهواء، وأن العبرة ليست بمجرد الانتساب إلى الدين، وإنما بالمحافظة على أصل التوحيد واتباع ما جاء به الأنبياء.

ويتناول ابن القيم صورًا متعددة من تلاعب الشيطان ببني إسرائيل، وما ترتب عليها من سوء الاختيار، والتعنت، ومخالفة أوامر الله، والتشدد الذي لم يأذن به الله، ويمكن تلخيصه في المحاور الآتية:

لما أنعم الله عليهم في التيه بالغمام والمن والسلوى، والماء المتفجر من الحجر، ومع ذلك ملّوا هذه النعم وطلبوا الثوم والبصل والعدس والبقل والقثاء؛ فذمهم الله لاستبدالهم ما هو خير بما هو أدنى. ويجعل ابن القيم -رحمه الله- ذلك مثالًا لمن يستبدل الهدى بالضلال، والتوحيد بالشرك، والسنة والبدعة. 

ولما أُمروا بأخذ التوراة أعرضوا وطلبوا أن يروا الله جهرة، ثم لم يقبلوها إلا بعد أن رُفع الجبل فوقهم، ومع ذلك لم يعملوا بما فيها. ويستخلص ابن القيم -رحمه الله- أن مجرد قبول الكتاب لا يكفي، بل المطلوب العمل بما فيه.

ولما ذكّرهم موسى بنعم الله ووعدهم بالفتح والنصر، وأمرهم بدخول القرية، لكنهم خافوا من أهلها الجبارين وقالوا: «إنا لن ندخلها»، بل بلغ بهم الأمر أن قالوا لموسى: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون». فكان جزاؤهم التيه أربعين سنة. ويقابل ابن القيم -رحمه الله- بين موقفهم وموقف الصحابة الذين أعلنوا استعدادهم للقتال مع النبي ﷺ.

ومن ذلك أنهم أُمروا بذبح بقرة، وكان يكفيهم أن يذبحوا أي بقرة، لكنهم أكثروا من الأسئلة عن سنها ولونها وصفاتها حتى شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. والعبرة الأساسية: المبادرة إلى امتثال أمر الله، وترك التعنت والبحث عن العلل حين يكون الأمر واضحًا.

وبعد أن رأوا الآيات وأُحيي القتيل أمامهم بقي أثر القسوة في قلوبهم، حتى وصفها القرآن بأنها كالحجارة أو أشد قسوة. ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن كثرة الآيات لا تنفع من أعرض قلبه عن الحق. ومن ذلك قصة أصحاب السبت؛ إذ احتالوا على تحريم الصيد يوم السبت، فاستحقوا المسخ. وكذلك أذابوا الشحوم المحرمة وباعوها وأكلوا أثمانها، فعدّ ابن القيم -رحمه الله- ذلك تحايلاً على الحكم الشرعي؛ لأن تحريم الشيء يشمل التحايل على الانتفاع به ببدله.

ويوضح ابن القيم أن أخطر صور الانحراف اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا، بحيث يحرمون الحلال ويحللون الحرام، ثم يُتَّبعون في ذلك. ويستشهد لذلك بحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، مبينًا أن طاعتهم في تغيير حكم الله كانت نوعًا من عبادتهم. ويذكر ابن القيم قتل بعض الأنبياء، وتكذيب المسيح عليه السلام، ومحاولة قتله، ثم تكذيب محمد ﷺ. ويرى أن هذا المسار المتكرر نتج عن البغي والعناد والحسد، وأن تكذيب رسول لاحق بحجة مخالفته لبعض أحكام الشريعة السابقة ليس حجة صحيحة.

ويحتل موضوع نسخ الشرائع مساحة كبيرة من الكتاب؛ إذ يرد ابن القيم -رحمه الله- على اعتراض اليهود على نبوة محمد ﷺ بحجة أن شريعته جاءت بتحليل بعض ما حرمته التوراة. ويقرر أن الأحكام الشرعية قد تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال والمصالح، وأن الله سبحانه له أن ينسخ حكمًا ويثبت غيره، كما وقع في الشرائع السابقة. ويستدل بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. ثم يبين ابن القيم -رحمه الله- أن اليهود أنفسهم تركوا أحكامًا كثيرة من التوراة، واستحدثوا أحكامًا أخرى من أقوال علمائهم، فكان إنكارهم للنسخ مناقضًا لممارستهم؛ إذ أجازوا لعلمائهم تغيير الأحكام بينما منعوا ذلك عن الله تعالى.

كما ينتقد ابن القيم -رحمه الله- ما ينسبه إلى بعض فقهاء اليهود من تشديدات في الذبائح والطعام، مما لا يراه ثابتًا في التوراة، كالتدقيق الشديد في الرئة والقلب، وتحريم الذبيحة لأسباب دقيقة، ثم إلزام الناس بهذه القيود باسم الدين.

ويذكر ابن القيم -رحمه الله- أن الحاخامات جمعوا آراء فقهية متراكمة في المشنا والتلمود، ثم نسبت بعض تلك الأحكام إلى الشريعة، مما أدى إلى تضخم القيود الدينية. ويعرض انقسام اليهود إلى القرائين الذين رفضوا كثيرًا من أقوال الحاخامات وتمسكوا بظاهر ابن القيم، والربانيين الذين اعتمدوا أقوال الفقهاء والقياس.

ويصور ابن القيم كيف أصبح بعض المتفقهة والحاخامات يبالغون في التحريم والتضييق لإظهار قوة التدين أو تحصيل الرياسة والمال، حتى صار التشديد في المباح معيارًا عند بعضهم للعلم والورع، ومن خالفهم اتُّهم بضعف الدين.

ثم يعرض ابن القيم لفكرة خطيرة، وهي أن الانحراف الديني لا يكون بالكفر الصريح وحده، بل قد يبدأ بالتعنت، وكثرة السؤال، وسوء اختيار الإنسان لنفسه، والتحايل على الأحكام، ثم الغلو في الأشخاص، واتباع العلماء في مخالفة ابن القيم، وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه

ويجعل ابن القيم -رحمه الله- قصص بني إسرائيل نماذج متتابعة للتحذير من هذه الآفات، مؤكدًا أن سلامة الدين تقوم على الامتثال، والتسليم، وتعظيم الوحي، وترك التكلف والتحايل والتشدد الذي لم يأذن به الله.

يتناول ابن القيم نقدًا عقديًا وتاريخيًا حادًّا لما يراه ابن القيم -رحمه الله- من الحيل والمكر والتحريف لدى اليهود، ويبدأ ببيان ما يسميه «تلاعب الشيطان» بهم في التعامل مع الأحكام الشرعية؛ إذ كانوا – بحسب عرضه – يلجؤون إلى الحيل للتخلص مما يشق عليهم، ويضرب لذلك مثالًا بحكم زواج أرملة الأخ إذا مات بلا ولد، وما رافق ذلك من إجراءات الإهانة والخلع والبصاق. ثم يوسّع الحديث إلى صور من المكر الذي ينسبه إليهم في عهد النبي ﷺ، كالتآمر على قتله، وإثارة أعدائه عليه، ومحاولة تسميمه وسحره، ومحاولات التشكيك في نبوته، ويخلص إلى تصوير الحيلة والمكر وسيلةً لجأوا إليها بعد زوال سلطانهم.

ثم يعرض ابن القيم جملة من الاعتقادات والتصورات التي ينسبها إلى اليهود في شأن الله تعالى والأنبياء، وينتقد بشدة ما يراه من نسبة الندم والعجز والتعب إلى الله تعالى، مستشهدًا بالقرآن في نفي ذلك، كقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾، وبالرد على قولهم إن الله فقير أو إن يده مغلولة. 

كما يناقش انتظارهم للمسيح المنتظر، ويرى ابن القيم -رحمه الله- أن هذا الانتظار قد اختلط عندهم بالضلال، ثم ينتقل إلى بيان ما يصفه بإيذائهم للأنبياء والطعن فيهم، ولا سيما موسى وعيسى ولوط ويوسف وسليمان عليهم السلام، ويرى أن نسبة الفواحش والسحر إلى الأنبياء تناقض مقام النبوة وتسيء إلى مقامهم.

ويخصص ابن القيم -رحمه الله- جانبًا كبيرًا للحديث عن التشكيك في نبوة محمد ﷺ، فيذكر صورًا من البهتان التي ينسبها إلى خصوم الإسلام، ثم يقيم حجته على أن الإيمان بنبوة موسى وعيسى لا يستقيم – وفق منطقه – مع إنكار نبوة محمد ﷺ؛ لأن أصل الإيمان بالأنبياء يقوم على تصديق الرسل وعدم التفريق بينهم. ويحتج بالتواتر والمعجزات، ويرى أن معجزات محمد ﷺ أكثر وأقوى نقلًا، وأن أعظمها القرآن الباقي المحفوظ. كما يقرر أن مجيء محمد ﷺ جاء مصدقًا للأنبياء السابقين، لا طاعنًا فيهم، وأن إخبار الأنبياء السابقين بمجيئه – كما يعرضه ابن القيم – يعد من وجوه تصديق بعضهم لبعض.

ثم يناقش ابن القيم مسألة التوراة الموجودة عند اليهود والتحريف الذي لحق بها، وينقل ثلاثة اتجاهات: من يرى أن التغيير طال معظم التوراة، ومن يرى أن التحريف وقع في التأويل دون ألفاظ التنزيل، ومن يتوسط فيرى أن فيها زيادات وتغييرات محدودة مع بقاء معظمها. ويورد ابن القيم -رحمه الله- أدلة للقول المتوسط، ثم يناقش أمثلة يراها من الزيادات والتحريف، ومن أشهرها قصة الذبيح، حيث يدافع عن كون الذبيح إسماعيل عليه السلام لا إسحاق، ويورد لذلك وجوهًا متعددة. كما يذكر أن التوراة الموجودة – في تصوره – جمعت لاحقًا مما بقي محفوظًا عند الأحبار بعد ضياع أجزاء من الكتاب وتفرق بني إسرائيل، ولذلك لحقتها الزيادة والنقصان واختلاف الترجمات والتأويلات.

ويعرض بعد ذلك أمثلة لما يراه تحريفًا لتأويل نصوص التوراة وبشاراتها، ولا سيما ابن القيم التي يفسرها ابن القيم -رحمه الله- بأنها بشارات بالنبي محمد ﷺ، مثل بشارة «النبي من وسط إخوتهم» وربطها ببني إسماعيل، ونص «فاران» الذي يربطه بمكة وظهور النبوة فيها. 

كما ينتقد ما يراه سوء فهم لبعض الأحكام، مثل تفسير النهي عن طبخ الجدي بلبن أمه على أنه تحريم أكل اللحم واللبن معًا. ويربط ابن القيم -رحمه الله- ذلك كله بما يسميه ضعف الفهم الناتج عن تعاقب المحن السياسية وضياع الدولة وتفرق الجماعة، وما ترتب على ذلك من ضياع بعض آثار الدين والكتب واختلاف الفهوم والتفاسير.

ويختتم ابن القيم بتفسير تاريخي لما يراه من اضطراب الأحكام والمعتقدات، رابطًا ذلك بتعاقب الدول التي سيطرت على بني إسرائيل، وبما وقع لهم من قتل واضطهاد وتشتت وضياع للكتب والمؤسسات الدينية. ومع ذلك يؤكد أن الإسلام – بحسب عرضه – تعامل معهم بالعدل ولم يعاملهم بالانتقام الذي يصفه عن بعض الأمم السابقة، مستشهدًا بآيات القرآن في وجوب العدل حتى مع المخالفين. 

وينتهي إلى أن هذه الصفحات إنما يقصد بها – في نظر ابن القيم -رحمه الله- – بيان صور الكيد والحيل والتحريف، وتعريف المسلم بنعمة العلم والإيمان، مع إبقاء باب الهداية مفتوحًا لمن يطلب الحق من أهل الكتاب.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق