أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 10 أغسطس 2026

هل لبس الشماغ والغترة مكروه على مذهب الحنابلة؟ كتَبه التميمي عايد بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

هل لبس الشماغ والغترة مكروه على مذهب الحنابلة؟

كتَبه التميمي عايد

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يتناول هذا الكتاب مسألة هامة ومُلحّة في الأوساط العلمية والدعوية، وهي مسألة حكم الطيلسان وصلته بالشماغ والغترة، وهو بالأساس ردٌّ على دعوى أن ما يلبسه أهل الخليج من ذلك يدخل في الطيلسان المكروه عند الحنابلة وغيرهم. 

ويؤكد الكاتب أن هذه الدعوى تحتاج إلى تحرير فقهي دقيق؛ لأن الخلاف في الطيلسان لم يكن حكمياً فحسب، بل شمل تحديد حقيقة الطيلسان وتصوير هيئته وأنواعه. وقد استدل المؤلف على أن الأصل في الطيلسان الإباحة والاعتياد، وأورد من الآثار عدداً كبيراً، عن الصحابة والتابعين والعلماء، الأمر الذي يدل على جواز لبسه، لعدم وجود نقل فيه نهي مطلق عن لبسه؛ كما أن كتب الفقه والتراجم تؤكد على كونه لباساً معتاداً بين العرب.

بل ارتبط "لطيلسان" في عصور لاحقة بزي الفقهاء والقضاة والعلماء. ونقل عن الإمام مالك أنه رأى الناس يلبسونه، وعن عدد من أئمة المذاهب ما يدل على اعتيادهم لُبسه، حتى ذهب بعض الفقهاء إلى أن تركه قد يُعد إخلالاً بالمروءة بحسب العرف.

كما يؤكد المؤلف أن القول بكراهة الطيلسان أو منعه ليس محل اتفاق بين الفقهاء، وأن جانباً من الخلاف مرتبط بتمييز بعض صوره أو أنواعه عن غيرها، ولا سيما ما كان منه شعاراً لبعض أهل الكتاب أو مشتملاً على هيئة مخصوصة. 

فقد نُقل عن عمر بن عبد العزيز النهي عن لبسه للنصارى، وعن بعض الفقهاء أن التمييز بين المسلمين وأهل الذمة يتحقق بغير الطيلسان، فلا يلزم منعهم منه مطلقاً. وبذلك يظهر أن إطلاق الحكم بالكراهة على الطيلسان، ثم بناء الحكم نفسه على الشماغ والغترة، يحتاج إلى إثبات أن هذه الألبسة هي عين الطيلسان المنهي عنه من حيث الهيئة والوصف والعلة، وهو ما لا يثبته مجرد الاشتراك في كونها أغطية للرأس أو من الملابس الملقاة على الكتفين. 

ومن ثم يقرر المؤلف أن المسألة تاريخياً وفقهياً أكثر تعقيداً من مجرد نسبة القول بالكراهة إلى المذهب الحنبلي، وأن تحرير محل النزاع يقتضي أولاً تحديد حقيقة الطيلسان والصورة التي تعلّق بها الحكم، ثم النظر في علة المنع ومدى انطباقها على الألبسة المعاصرة.

ثم يناقش المؤلف نسبة كراهة الطيلسان إلى المذهب الحنبلي، ويرى أن إطلاق هذه النسبة (أي: نسبة الكراهة) على سبيل الجزم إلى المذهب يحتاج إلى مزيد من التحرير؛ لأن مستندها الأساس نقلٌ عن ابن تميم يفيد أن السلف كرهوا الطيلسان، ثم بنى المرداوي عليه في تصحيح الفروع القول: بأن الكراهة هي الصحيح من المذهب. 

غير أن مؤلف الكتاب يُضعّف الاعتماد على هذا النقل منفردًا؛ لعدم وضوح توثيق عبارته، ولأنه حكاية عن السلف لا نصًّا عن الإمام أحمد، فضلًا عن أن الطيلسان لم يحظَ بذكر منتظم في كتب الحنابلة، وأن عددًا من علمائهم نقلوا فيه الإباحة، كابن حمدان وابن مفلح، بينما اقتصر آخرون على نقل القولين دون ترجيح. 

ومن ثم يرى المؤلف أن القول بأن الكراهة هي المذهب الحنبلي المعتمد- ليس قويًّا، ولا سيما مع وجود اختلاف واضح داخل المذهب في أصل الحكم. ثم يحرر المؤلف محل الكراهة عند من قال بها، فيبين أن طائفة من المتأخرين لم تقصد مطلق الطيلسان، وإنما خصّت النهي بالطيلسان المقوّر، الذي ارتبط عندهم بهيئة اليهود أو النصارى أو العجم. ويستعرض في ذلك أقوال ابن تيمية والسيوطي والهيتمي وغيرهم، مبينًا أن بعضهم حمل عبارات العلماء المطلقة في ذم الطيلسان على هذه الصورة الخاصة.

كما ناقش المؤلف تفسير «الساج» الوارد في بعض الأحاديث والآثار بأنه الطيلسان المقوّر. غير أنه لا يعد هذا التفسير حاسمًا؛ إذ يشير إلى ضعف بعض الروايات المحتج بها، وإلى اختلاف العلماء في معنى «الساج»، فبعض أهل اللغة والحديث فسّره بالطيلسان الأخضر، وقيل الأسود، وقيل هو الطيلسان مطلقًا، أو الكبير والواسع والغليظ. ولذلك يرى أن بناء الحكم على مجرد لفظ «الساج»، ثم تخصيصه بالطيلسان المقوّر، يحتاج إلى دليل أقوى مما استند إليه بعض المتأخرين.

ويؤكد المؤلف أن أصل الإشكال يعود إلى اختلاف العلماء في تصوير الطيلسان وتحديد صفته؛ فكثير من المتقدمين ذكروه دون وصف دقيق، بل اكتفى بعضهم بقولهم: «معروف»، مما يجعل تنزيل الأحكام الفقهية عليه أمرًا لا يستقيم قبل تحديد هيئته المقصودة. 

ومن أهم ما يبحثه المؤلف في سياق هذا الكتاب: هل وضع الطيلسان على الرأس داخل في حقيقته أم لا؟ إذ نقل عن بعض العلماء، كابن الأثير، أنه يوضع على الرأس، بينما ربط آخرون بين الطيلسان والتقنع. ويترتب على هذا الخلاف أثر مباشر في الحكم على الألبسة المعاصرة؛ لأن إلحاق الشماغ والغترة بالطيلسان المكروه لا يصح بمجرد التشابه في كونهما من أغطية الرأس، بل لا بد من إثبات اتحادهما في الهيئة التي تعلق بها الحكم والعلة التي من أجلها قيل بالكراهة

وبناءً على ذلك يميل المؤلف إلى أن التوسع في تعميم حكم الكراهة على كل ما يسمى طيلسانًا، ثم إلحاق الشماغ والغترة به، لا يستقيم دون تحقيق دقيق لحقيقة الطيلسان المقوّر وصفته التاريخية.

ثم ينقل المؤلف الخلاف في صفة الطيلسان وهيئة لبسه، مبينًا أن أقوال العلماء فيه لا تتفق على صورة واحدة؛ فمنهم من وصفه بأنه ثوب يوضع على الكتفين والظهر، ومنهم من جعله مما يلقى على الرأس والأكتاف، واختلفوا كذلك في مدى تغطيته للوجه، وفي اشتراط التحنيك. 

كما ناقش اختلافهم في لونه، فقيل: الأخضر، وقيل: الأصفر، وقيل: شديد الصفرة. ويؤكد أن هذه الاختلافات ليست مسائل شكلية محضة، بل لها أثر مباشر في تحديد محل الحكم؛ إذ إن بعض العلماء حصر الطيلسان المكروه في المقوّر، بينما خلط آخرون بين المقوّر والمدوّر، أو جعلوا «الطرحة» مرادفة له. 

ويرى المؤلف أن هذا الاضطراب في المصطلحات والتعريفات يجعل التسرع في إلحاق الألبسة المعاصرة بالطيلسان المنهي عنه غير دقيق.

ويولي المؤلف عناية خاصة لتحرير معنى الطيلسان المقوّر، فيبين أن طائفة من الشافعية فسرت التقوير بالتدوير والاستدارة، بينما فرّق بعض الحنابلة بين المقوّر والمدوّر، وجعلوا الكراهة في المقوّر دون المدوّر. كما يناقش نسبة المقوّر إلى «الطرحة»، فيرى أن إطلاق السيوطي هذا الترادف ليس مطّردًا ولا يخلو من التردد؛ إذ صرّح في بعض المواضع بأن المقوّر هو الطرحة، ثم قيّد ذلك في مواضع أخرى بما يفيد أنه مجرد تشابه بينهما. 

ويستند المؤلف إلى الدلالة اللغوية لكلمة «التقوير»، التي تدل على قطع الوسط قطعًا مستديرًا، وإلى أوصاف عدد من العلماء التي تجعل المقوّر ثوبًا يحيط بالكتفين والظهر ويُخرج الرأس من وسطه، لا ثوبًا يُدار على الرأس كما يلبس الشماغ والغترة. 

ومن هنا يؤكد أن الشماغ والغترة يختلفان عن الطيلسان المقوّر في الهيئة وطريقة اللبس، فلا يدخلان في وصفه لمجرد أن بعض الناس قد يطلق عليهما أو على غيرهما أسماء متقاربة.

ثم يبحث المؤلف عن علة النهي عن الطيلسان، فيردها عند القائلين بالكراهة إلى التشبه، سواء من جهة الهيئة أو السدل أو التدوير أو عدم التحنيك. غير أنه يناقش الاستدلال بحديث الدجال الذين يخرج معه اليهود و«عليهم الطيالسة» على الكراهة، موضحًا أن مجرد لبس اليهود للطيلسان لا يكفي لإثبات تحريمه أو كراهته؛ وقد نبه ابن حجر والسيوطي إلى أن التشبه لا يتحقق بمجرد المشاركة في اللباس إذا زالت خصوصية الشعار.

 ويقارن المؤلف بين الطيلسان اليهودي المعروف بـ«الطليت» وبين الشماغ والغترة، فيبرز اختلافهما في المادة والهيئة والزوايا والأهداب وطريقة الاستعمال والوظيفة، كما يشير إلى اختلاف صور الطليت نفسه تاريخيًا. 

وبناءً على ذلك يرى أن علة التشبه لا يمكن تنزيلها على الشماغ والغترة بمجرد دعوى مشابهتهما للطيلسان، بل لا بد من إثبات تحقق الهيئة أو الشعار الذي تعلق به النهي، وهو ما لا يظهر من الأوصاف التي عرضها المؤلف.

يبيّن المؤلف أن السدل من أبرز العلل التي ذُكرت في كراهة بعض صور الطيلسان، وأن بعض العلماء ربطوا بين التحنيك في الطيلسان المشروع وبين التخلص من هيئة السدل المكروهة. غير أن تحرير معنى السدل نفسه يكشف عن اختلاف معتبر؛ فابن تيمية عرّفه بأن يطرح الرجل الثوب على أحد كتفيه ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر، ونقل عن الإمام أحمد أنه من لبس اليهود، بينما عرّفه آخرون بصور مختلفة، منها إسبال الثوب من غير ضم جانبيه، أو الالتحاف به وإدخال اليدين من داخله، أو وضعه على الرأس وإرسال طرفيه. 

ويشير المؤلف إلى أن بعض هذه التعريفات لا تنطبق أصلًا على هيئة لبس الشماغ والغترة، مما يمنع التسرع في وصف إرخائهما بأنه السدل المنهي عنه.

ويستخلص المؤلف من اختلاف الفقهاء في حكم السدل وصفته ومحل النهي عنه عدة وجوه تمنع تنزيل الكراهة على الشماغ والغترة؛ فمن العلماء من قصر النهي على الصلاة، ومنهم من كرهه مطلقًا، ومنهم من فرّق بحسب وجود القميص أو الرداء وطريقة إلقاء الثوب، بل إن بعض التعريفات جعلت السدل متعلقًا بإلقاء الثوب على الأكتاف، وأخرى بإلقائه على الرأس، وأخرى بهيئة خاصة في الصلاة. 

ويستشهد المؤلف بفتوى ابن تيمية في طرح القباء على الكتفين من غير إدخال اليدين في أكمامه، إذ قرر أنه لا بأس به، وليس من السدل المكروه؛ لأن هذه الهيئة ليست من لباس اليهود. ومن ثم يقرر أن مجرد إرخاء طرفي الشماغ أو الغترة لا يكفي لإدخالهما في السدل المكروه، خاصة مع كون هذه الهيئة لباسًا معتادًا، والأصل في اللباس الإباحة ما لم يتحقق التشبه بشعار خاص بالكفار، مع ملاحظة أن قدرًا من التشابه في أصول الألبسة أمر طبيعي بين الشعوب.

وفي خاتمة البحث، يجمع المؤلف وجوه الإشكال في دعوى إلحاق الشماغ والغترة بالطيلسان المكروه عند الحنابلة، فيؤكد أن الكراهة نفسها ليست من المسائل المستقرة المحررة في المذهب، وأن تخصيصها بالطيلسان المقوّر محل خلاف، فضلًا عن اختلاف العلماء في حقيقة المقوّر والساج والسدل.

كما أن الشماغ والغترة، بحسب طريقة لبسهما المعتادة، لا توافقان الهيئة التي جعلها بعض العلماء محل النهي، ولا تشبهان في صورتها الطيلت اليهودي أو لباس رهبان الملكيين. ويضيف المؤلف أن الاستناد إلى التشبه يقتضي تحقق شعار مختص ومتميز، لا مجرد المشاركة في أصل اللباس، مستدلًا بأقوال فقهية تجيز ملابس شارك فيها غير المسلمين متى لم تعد شعارًا خاصًا بهم. 

ولذلك ينتهي إلى أن القول بكراهة الشماغ والغترة لمجرد كونهما في حكم الطيلسان قولٌ بعيد، وأن إرجاع طرفيهما إلى الخلف، أو لبسهما مع العقال، أبعد عن صورة الكراهة التي وقع فيها الخلاف، ثم يلفت إلى مفارقة يرى أنها جديرة بالنظر، وهي أن من يعيب الشماغ والغترة بهذه العلة قد يلبس عمامة صماء غير محنكة، مع أن كراهة هذه الهيئة نفسها منقولة عن الإمام أحمد وجماعة من السلف والحنابلة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق