أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 10 أغسطس 2026

الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الرد على الجهمية 

لعثمان بن سعيد الدارمي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذا الكتاب الحديثي الهام، للإمام أبي سعيد، عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني (المتوفى: 280هـ)، من أولى المصنفات التي تناولت الرد على الجهمية وأهل التعطيل، وأفردت جانبًا كبيرًا منها لإثبات ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى، والاحتجاج لذلك بما جاء عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف. وقد جمع الدارمي في هذا الكتاب بين الرواية والاستدلال، فساق النصوص والآثار الدالة على صفات العلو والاستواء والرؤية والكلام، والتي بلغت (197) حديثاً وأثراً مسنداً، ثم أتبعها بالرد على ما نسبه إلى الجهمية ومن وافقهم من أقوال وتأويلات في مسائل الصفات والقرآن والرؤية والقدر.

وقد افتتح الدارمي كتابه بحمد الله تعالى، والثناء عليه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، مؤكداً على صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة؛ كالسمع والبصر، والكلام، والعلم، والإرادة، والاستواء على العرش، والبينونة من الخلق، بالإضافة إلى الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقبضتين. 

ويظهر من افتتاحه هذا أن قضية إثبات الصفات تمثل الأساس الذي بنى عليه الدارمي سائر أبواب كتابه، إذ يرى أن الطريق في معرفة الله تعالى وصفاته هو الرجوع إلى ما جاء به الوحي، وما نُقل عن السلف، لا إلى الآراء المجردة والتأويلات التي تُخرج النصوص عن دلالاتها.

وقد أشار الإمام الدارمي إلى تاريخ ظهور التعطيل وبدع الجهمية في التاريخ الإسلامي؛ فبيّن أن أول من أظهر ذلك: الجعد بن درهم بالبصرة، وجهم بن صفوان بخراسان، وقد قُتل جهم، بينما ذبح الجعد بن درهم على يد خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بمحضر من المسلمين. 

كما نقل المؤلف آثاراً عن الصحابة والتابعين والعلماء (مثل: أبي بكر الصديق، وعَبيدة السلماني، وعبد الله بن المبارك) في التحذير من الخوض في ذات الله وصفاتِه بالآراء والأهواء، كما نقل تفضيل ابن المبارك حكاية كلام اليهود والنصارى على حكاية كلام الجهمية؛ لما فيه من التعطيل المحض. 

ويأتي هذا الاستهلال ليضع القارئ أمام طبيعة القضية التي يناقشها هذا الكتاب، وهي قضية لم تكن عند الدارمي مجرد خلاف ثانوي يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه، وإنما خلافًا يتصل بأصل تلقي مسائل الاعتقاد، وبالموقف من النصوص الواردة في صفات الله تعالى.

ثم خصص الدارمي باباً مستقلاً لإثبات العرش رداً على المعطلة الذين أنكروه أو أولوه بمخالفة النص الصريح، وقد استدل على عدة آيات تؤكد ذلك، ثم بيّن تلاعب المعطلة في تفسير العرش وزعمهم أنه عبارة عن السموات والأرض، وقد أبطل هذا القول بآيات حملة العرش كقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]. 

وقد جعل الدارمي إثبات العرش مدخلاً إلى تقرير جملة من المسائل المتصلة به، وفي مقدمتها ما يراه من دلالة النصوص على علو الله تعالى فوق خلقه، وهو ما يستمر في تفصيله والاستدلال عليه في الأبواب التالية.

ثم ساق الدارمي بسنده قصة أهل اليمن المروية عن عمران بن حصين، وسؤالهم عن بدء الخلق، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»، مما يثبت أن العرش خُلِق قبل السموات والأرض. ويستند الدارمي إلى هذا الحديث في بناء تصوره لترتيب الخلق، وفي تقرير أن العرش مخلوق قائم بذاته، وليس هو عين السماوات والأرض كما ذهب إليه من رد عليهم.

كذلك ذكر الأحاديث النبوية وآثار الصحابة والتابعين المثبتة لصفة العلو لله عز وجل، وأنه مستوٍ على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه، كحديث الجارية، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه الذي لطم جاريته، فأراد عتقها كفارة، فامتحنها النبي صلى الله عليه وسلم بسؤاله: "أين الله؟"، فأجابت: "في السماء"، فقال: "من أنا؟"، فأجابت: "أنت رسول الله"، فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة". 

ويأتي استدلال الدارمي بهذا الحديث في سياق تقريره: أن معرفة علو الله تعالى كانت من المعاني التي يستدل بها على صحة الاعتقاد عند السلف، ولذلك جعله من الأدلة المركزية والهامة في هذا الباب.

كذلك استدل الإمام الدارمي بهذه القصّة (أعني قصة الجارية) على أن من لم يعلم أن الله في السماء فليس بمؤمن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل معرفة علو الله علامة على الإيمان وصحة الاعتقاد، وردّ على من يزعم أن الله في كل مكان. 

ثم قرّر إجماع السلف على: علو الله عز وجل على خلقه، وبينونته منهم، وإحاطة علمه بجميع خلقه، فلا يخفى عليه شيء، كقول عبد الله بن المبارك حين سئل كيف نعرف ربنا؟ فقال: "بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه"

ويظهر هنا بوضوح الجمع الذي يقرره الدارمي بين علو الله تعالى وبين إحاطة علمه بخلقه، فلا يرى في إثبات العلو منافاة لإحاطة العلم، بل يجمع بين الأمرين على نحو ما يراه موافقاً للنصوص والآثار.

ثم ذكر أدلةً على ذلك؛ منها: حديث الرحمة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء». كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه في صفة دعاء المريض: «رَبَّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ...». وفي حديث الأعرابي الذي فيه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على من يستشفع بالله على خلقه، وبيانه عظم الله وعلوه فوق عرشه وفوق سماواته. 

ويواصل الدارمي بهذا السياق جمع الشواهد الحديثية والآثار التي يرى أنها تتضافر في تقرير معنى العلو لله سبحانه، فلا يكتفي بدليل واحد، وإنما يضم بعضها إلى بعض لتكوين صورة متكاملة عن المسألة.

ثم أورد أثر ابن مسعود- في بيان المسافات بين السماوات والكرسي والماء، وأن الله فوق العرش، وبيّن موقف أبي بكر الصديق عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت». كما ذكر قصة خولة بنت ثعلبة، وكيف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عنها: أنها امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات

وتندرج هذه الآثار عند الدارمي ضمن الشواهد التي يستأنس بها في بيان رسوخ هذا المعنى في فهم الصحابة والتابعين، وفي تأكيده لما سبق أن قرره من أن علو الله تعالى لا يتعارض مع إحاطة علمه بخلقه.

ثم يستكمل الدارمي -رحمه الله- ذكر النصوص الدالة على تقرير علو الله سبحانه وتعالى، وأنه فوق عرشه وسماواته، مع بيان مسائل أخرى: كالاحتجاب، والنزول الإلهي، فبيّن ذلك من خلال آثار الصحابة وقصص الأنبياء عليهم السلام، ومن ذلك: استشهاد عائشة رضي الله عنها، بعلم الله من فوق عرشه ببراءتها من الإفك، وبعدم حبُّها لقتل عثّمان رضي الله عنه يوم الدار، وكذلك إخبار ابن عباس رضي الله عنهما بأن الله أنزل براءتها من فوق سبع سماوات. 

ويظهر من ترتيب هذه المسائل أن الدارمي لا يعالجها على أنها قضايا متفرقة، وإنما يربط بينها ضمن باب الصفات، ويستدل على كل مسألة بما يراه من النصوص والآثار الدالة عليها.

كما احتجّ الإمام أبو سعيد الدارمي -رحمه الله- بأن الأمم والأنبياء وحتى فرعون- كانوا يعلمون أن إله موسى في السماء؛ كقصة فرعون عندما أمر وزيره هامان ببناء الصرح؛ لأنه يريد بزعمه أن يطلع على إله موسى، ويشير هذا إلى استقرار مسألة العلو في نفسه مع أنه كافر، كما استدل بأن الله سبحانه لو كان في كل مكان، لما استقام معنى الإسراء والمعراج، وصعود الأعمال إليه، ورفع الأرواح. 

ويستعمل الدارمي في هذا الموضع جملة من الأدلة التي تجمع بين النصوص النقلية والاستدلال بما يراه موافقاً لها، ليقرر أن القول بالعلو عنده أصل له شواهد متعددة، ولا يقتصر إثباته على حديث أو أثر واحد.

وفي مسألة الاحتجاب، أورد الدارمي الأدلة المثبتة بأن الله عز وجل محتجب عن خلقه، وهو فوق السماوات العلى، لقوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} (الشورى: 51). كما أورد الأحاديث والآثار في الحجب النورانية؛ كحديث الحجب السبع أو احتجاب الله بالنار والنور. 

وينتقل الدارمي بهذه المسألة من تقرير العلو إلى بيان ما يتصل به من مسائل الحجاب والكلام، مستنداً إلى ما ورد في النصوص من إثبات الحجاب بين الله تعالى وخلقه.

وفي مسألة النُّزول الإلهي، يورد الأدلة المثبتة لنزول الله عز وجل حقيقةً بما يليق بجلاله، ومنها نزوله سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا في ثُلث الليل الآخر لإجابة السائلين والمغفرة للمستغفرين، فذكر ذلك بأسانيد متعددة عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. 

ويأتي هذا الباب في سياق إثبات الصفات والأفعال التي وردت بها النصوص، مع تأكيد الدارمي على إثباتها كما جاءت، على الوجه الذي يليق بالله تعالى.

ثم ذكر الدرامي -رحمه الله- النزول الإلهي في مواطن أخرى؛ كنزوله سبحانه في ليلة النصف من شعبان، ويوم عرفة، ونزول الله يوم القيامة للفصل بين العباد والحساب. وبذلك يتسع بحث الدارمي في هذه المسألة ليشمل ما أورده من النصوص والآثار في المواطن المختلفة، مع بقاء الأصل الذي يقرره في الكتاب، وهو الاحتجاج بالنقل وإثبات ما جاء فيه من صفات الله تعالى وأفعاله.

__________________________________________________

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة التحقيق

بقلم أبو عاصم محمود بن محمد الشوامي

الحمد لله الكَبِيرِ المُتعَالِ المُتَصفُ بصفاتِ الجَلالِ ونُعوت الكمال، الذي خَلَقَ السماوات والأرض وأرسى فيها الجِبَالَ، تَقَدَّسَ وتَنَزَّه عن الشَّبِيهِ والمثالِ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ، نَحْمَدُكَ اللهُمَّ وَنَسْتَهْدِيكَ ونَسْتَغْفِرُكَ ، ونَتَوَكَّلُ عليكَ ولا نَكْفُركَ، وَنَخْلَعُ مَن يَكْفُرك، وصلى الله على نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الدَّاعي إلى الهدى والرَّشَادِ، وَعَلَى أَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيمَ وإسماعيل، وعلى أَصْحَابِ رَسُولِه، الذين اصْطَفَاهُم مِنْ خَلْقِهِ، لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وانتمنهم على حِفْظِ كِتَابِهِ، صَلاةً وسَلَامًا دَائِمَيْنِ، مَا نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ وَمَا ذَرَّ شَارِقٌ .

وبعد:

فهذا كتاب ( الرَّدُّ عَلَى الجَهْمَيَّة ) للحافظ العلامة المحقق أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، وهو من أَجَلَّ ما صُنّف في هذا الباب، أو هو من أجل ما وصل إلينا مما صُنف في هذا الباب، فقد صنف تحت هذا العنوان، أكثر أهل العلم، كالإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، والإمام عبد الله بن الإمام أحمد، ونعيم بن حماد، وغيرهم، وذلك في مصنفات مستقلة، أو في طيات كتاب جامع؛ كالبخاري، وبعض أصحاب السُّنَنِ، وكابن بطة، والأَشْعَرِي، واللَالَكَائِي، والآجُرِّي، وغَيْرِهِم.

وقد اهتم العلماء في القرن الثالث الهجري بالتَّصَدِّي لهؤلاء الزَّائِغَة -أعني الجهمية - الذين هم كما ذكر المصنف أضل من اليهود والنصارى؛ بحيث إنهم قد عطلوا صفات الرب تبارك وتعالى، فجعلوه كالعدم، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرًا.

وكان مما يُميز هذه الحقبة الزمنية في التصنيف؛ سهولة العبارة، والبعد عن التعقيد والتكلف، واستخدام اصطلاحات المناطقة والفلاسفة وعلماء الكلام، الذي ليس من تحته طائل إلا تشتيت الذهن، وعرقلته عن الوصول إلى الحق، وأيضًا مما يميز هذه الفترة في التصنيف الاهتمام بالأسانيد والتنافس في العلو بها، وذلك لعلمهم أن ذلك من الدين، فكانوا لا يَصْدُرُونَ عن رأيهم، ولا عن هوى أنفسهم، إنما كان قَائِدُهُم الإِسنادُ، بِقَالَ اللَّهُ، وَقَالَ رَسُولُه ، ومن يقرأ في هذا الكتاب وفي أمثاله ممن نَسَجَ عَلى مِنْوَالِهِ، سَيجِدُ هَذا بَيِّنًا لاحِبًا لا لبس فيه .

فكان واجبنا ونحن نحاول أن نُسْهِم في إحياء تراث هذه الأمة التي أنت بما لم تأت به أمة من الأمم قبلها - أن نكون أمناء على هذا الإِرْثِ العظيم الذي تركه لنا أسلافنا، ليكون نبراسا لنا نستضيء به في ظلمات الجهل والضلال، وأعني بالأمانة هنا؛ أمانة إخراج النص إلى الناس دون تحريف أو تصحيف أو تبديل لأي كلمة وردت في أصل خطي ورثناه عن أسلافنا، ولا يتأتى ذلك إلا بتعظيم هذا الإرث والتعامل معه بحذر شديد، وإفراغ الجهد في البحث عن إي إشكال يقابلنا أثناء التحقيق، ومحاولة توجيه النص بقدر الطاقة .

وهذا وللأسف البالغ أصبح أمرًا عزيزا جدا في هذه الأوقات، وأصبح تحقيق النصوص؛ مسخًا لها، بحيث إذا وجد المحقق! كلمة في النص الذي وَرِثَه من أسلافه لا يستطيع أن يفهمها، حذفها بسفاهة جرأته ووضع غيرها مكانها دون أن يتعنَّى في البحث عن هذه الكلمة ومحاولة توجيهها، وهذا العمر الله من أقبح الخيانة.

وهذا ما حاولت أن أتلافاه في تحقيقي لهذا الكتاب العظيم في بابه بقدر طاقتي، والله ولي التوفيق.

توثيق نسبة الكتاب:

اشتهر هذا الكتاب جدًا بنسبته إلى مُصَنِّفه مما لا يدع مجالا للشك في ذلك، وقد نقل منه كثير من العلماء ونسبوه المصنفه، وعلى رأس هؤلاء الذين منه فقرات كاملة تجد ذلك بوضوح في كتابه القيم « درء تعارض العقل والنقل »، وكذلك تلميذه ابن قيم الجوزية في كتابه « اجتماع الجيوش الإسلامية »، وأيضا الإمام الذهبي رحمة الله نقلوا منه شي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله، فقد نقل . والذي قد انتقى من كتاب الرد على الجهمية جملة من أحاديثه رواها بإسناده إلى المصنف في كتابه ( المنتقى من كتاب الرد على الجهمية » - وهو مطبوع ، وهذا على سبيل المثال لا الحصر .

_________________________________________________

موضوعه وأهميته:

ولا يخفى موضوع الكتاب وأهميته وأكتفي بذكر قول العلامة ابن القيم، رحمة الله حيث قال : وكِتَابَاهُ مِنْ أَجَلَّ الكتب المصنفة في السنة وأَنْفَعِهَا، وينبغي لكل طالبِ سُنَّة - مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة - أن يقرأ كتابيه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله يُوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما». أهـ من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية (١ / ١٤٣) .

قلت: ويعني بكتابيه؛ كتابنا هذا، وكتاب نقض الدارمي لبشر المريسي.

_________________________________________________

ترجمة المصنف

قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (۱۳/ ۳۱۹):

الدارمي عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد: الإمام، العلامة الحافظ، الناقد، شيخ تلك الديار، أبو سعيد التميمي، الدارمي، السجستاني، صاحب «المسند الكبير والتصانيف.

ولد قبل المائتين بيسير، وطوف الأقاليم في طلب الحديث.

وسمع أبا اليمان، ويحيى بن صالح الوحاظي، وسعيد بن أبي مريم، ومسلم بن إبراهيم، وعبد الغفار بن داود الحراني، وسليمان بن حرب، وأبا سلمة التبوذكي، ونعيم بن حماد، وعبد الله بن صالح، كاتب الليث، ومحمد بن كثير، ومسدد بن مسرهد، وأبا توبة الحلبي، وعبد الله بن رجاء الغداني، وأبا جعفر النفيلي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وفروة بن المغراء، وأبا بكر بن أبي شيبة، ويحيى الحماني، وسهل بن بكار، وأبا الربيع الزهراني، ومحمد بن المنهال، والهيثم بن خارجة، وخلقا كثيرا، بالحرمين والشام ومصر والعراق، والجزيرة وبلاد العجم.

وصنف كتابا في "الرد على بشر المريسي"، وكتابا في "الرد على الجهمية" رُوِّينَاهُمَا.

وأخذ علم الحديث وعلله عن علي، ويحيى، وأحمد، وفاق أهل زمانه، وكان لهجا بالسنة، بصيرًا بالمناظرة.

حدث عنه: أبو عمرو : أحمد بن محمد الحيري، ومحمد بن إبراهيم الصرام ، ومؤمل بن الحسين، وأحمد بن محمد بن الأزهر، ومحمد بن يوسف الهروي، وأبو إسحاق بن ياسين، ومحمد بن إسحاق الهروي، وأحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، وأبو النضر محمد بن محمد الطوسي الفقيه، وحامد الرفاء، وأحمد بن محمد العنبري، وأبو الفضل يعقوب القراب، وخلق كثير من أهل هراة، وأهل نيسابور .

قال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي، سمعت أبا الفضل يعقوب بن إسحاق القراب يقول : ما رأينا مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن أبي يعقوب البويطي، والحديث عن ابن معين وابن المديني، وتقدم في هذه العلوم، رحم الله .

وقال أبو حامد الأعمشي: ما رأيت في المحدثين مثل محمد بن يحيى وعثمان بن سعيد، ويعقوب الفسوي.

وقال أبو عبد الله بن أبي ذهل: قلت لأبي الفضل القراب: هل رأيت أفضل من عثمان بن سعيد الدارمي ؟ فأطرق ساعة، ثم قال: نعم، إبراهيم الحربي، وقد كنا في مجلس الدارمي غير مرة، ومَرَّ به الأمير عمرو بن الليث، فسلم عليه، فقال: وعليكم، حدثنا مسدد... ولم يزد على رد السلام .

قال ابن عبدوس الطرائفي : لما أردتُ الخروج إلى عثمان بن سعيد يعني إلى هراة - أتيت ابن خزيمة، فسألته أن يكتب لي إليه، فكتب إليه، فدخلت هراة في ربيع الأول، سنة ثمانين ومائتين، فأوصلته الكتاب، فقرأه، ورحب بي، وسأل عن ابن خزيمة، ثم قال : يا فتى ! متى قدمت ؟ قلت: غدًا.

قال: يا بني ! فارجع اليوم، فإنك لم تقدم بعد، حتى تقدم غدًا.

قال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: أتاني محمد بن الحسين السجزي، وكان قد كتب عن يزيد بن هارون وجعفر بن عون، فقال: يا أبا سعيد ! إنهم يجيئوني، فيسألوني أن أحدثهم، وأنا أخشى أن لا يسعني ردهم.

قلت: ولم ؟ قال : لقول النبي ﷺ : ( من سئل عن علم، فكتمه، ألجم بلجام من نار » قال: إنما قال رسول الله ﷺ عن علم تعلمه، وأنت لا تعلمه .

قال يعقوب القراب: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد نويت أن لا أحدث عن أحد أجاب إلى خلق القرآن.

قال: فتوفي قبل ذلك.

قلت: من أجاب تقية، فلا بأس عليه، وترك حديثه لا ينبغي.

قلت: كان عثمان الدارمي جدعًا في أعين المبتدعة، وهو الذي قام على محمد بن كرام ، وطرده عن هراة، فيما قيل.

قال عثمان بن سعيد: من لم يجمع حديث شعبة وسفيان ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، فهو مفلس في الحديث – يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ -.

وبلا ريب أن من جمع علم هؤلاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عاليًا ونازلا، وفهم عِلَلَهُ، فقد أحاط بشطر السنة النبوية، بل بأكثر من ذلك، وقد عدم في زماننا من ينهض بهذا، وببعضه، فنسأل الله المغفرة.

وأيضا فلو أراد أحد أن يتتبع حديث الثوري وحده، ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها، ويبين صحيحه من سقيمه، لكان يجئ مسنده في عشر مجلدات، وإنما شأن المحدث اليوم الاعتناء بالدواوين الستة، و مسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، وضبط متونها وأسانيدها، ثم لا ينتفع بذلك حتى يتقي ربه ويدين بالحديث، فعلى علم الحديث وعلمائه ليبك من كان باكيا، فقد عاد الإسلام المحض غريبا كما بدأ ، فليسع امرؤ في فكاك رقبته من النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم العلم ليس هو بكثرة الرواية، ولكنه نور يقذفه الله في القلب، وشرطه الاتباع، والفرار من الهوى والابتداع.

وفقنا الله وإياكم لطاعته.

قال المحدث يحيى بن أحمد بن زياد الهروي، صاحب ابن معين: رأيت في النوم كأن قائلا يقول: إن عثمان - يعني الدارمي – لذو حظ عظيم.

وقال محمد بن المنذر شكر : سمعت أبا زرعة الرازي، وسألته عن عثمان بن سعيد، فقال: ذاك رزق حسن التصنيف.

وقال أبو الفضل الجارودي: كان عثمان بن سعيد إمامًا يُقْتَدَى به في حياته وبعد مماته.

قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذب بها، ولا نفسرها.

وبلغنا عن عثمان الدارمي، أنه قال له رجل كبير يحسده: ماذا أنت لولا العلم ؟ فقال له: أردت شيئًا فصار زينا.

أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو الوقت السجزي، أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري، حدثنا محمد بن أحمد الجارودي، ويحيى بن عمار، ومحمد بن جبريل أملوه، وأخبرنا محمد بن عبد الرحمن، قالوا: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن محمد الواشقي هروي، أخبرنا عثمان بن سعيد الدارمي، أخبرنا يحيى الحماني، عن ابن نمير عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: ( لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا ثم أدرك نبوتي لا تبعني » هذا حديث غريب، ومجالد ضعيف الحديث.

ومن كلام عثمان رحمة الله في كتاب «النقض» له: اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته.

قلت: أوضح شئ في هذا الباب قوله عز وجل: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [ طه : ٥ ] .

فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال، وتأويلات المعتزلة (رَبَّنَا ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ) [ آل عمران: ٥٣ ] .

قال يعقوب بن إسحاق: سمعت عثمان بن سعيد يقول: ما خاض في هذا الباب أحد ممن يذكر إلا سقط، فذكر الكرابيسي فسقط حتى لا يذكر، وكان معنا رجل حافظ بصير، وكان سليمان بن حرب والمشايخ بالبصرة يكرمونه، وكان صاحبي ورفيقي - يعني فتكلم فيه – فسقط .

وقال الحسن بن صاحب الشاشي: سألت أبا داود السجستاني عن عثمان بن سعيد، فقال: منه تعلمنا الحديث.

قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس: توفي عثمان الدارمي في ذي الحجة سنة ثمانين ومائتين.

وهكذا أَرَّخَه إسحاق القراب وغيره، وما رواه أبو عبد الله الضبي عن شيوخه، أنه مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فوهم ظاهر.

أخبرنا عمر بن عبد المنعم قراءة، عن أبي القاسم بن الحرستاني، عن أبي نصر أحمد بن عمر الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن الأحنف، أخبرنا إسحاق بن يعقوب القراب، أخبرنا محمد بن الفضل المزكِّي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرام، حدثنا عثمان بن سعيد الحافظ، حدثنا عبد الله بن صالح، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد عن خالد بن أبي عمران، عن أبي عياش بن أبي مهران، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل ».

مسلم. هذا حديث غريب جدًا، والمتن قد روي من وجوه، وهو في صحيح

قال الحاكم أبو عبد الله والدارمي سجزي، سكن هراة، سمع: ابن أبي مريم، وأبا صالح بمصر، وابن أبي أويس بالحجاز، وسليمان بن حرب، ومحمد بن كثير، وأبا سلمة بالبصرة، وأبا غسان، وأحمد بن يونس بالكوفة، ويحيى بن صالح، والربيع بن روح، ويزيد بن عبد ربه بالشام.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق