أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 24 أغسطس 2026

قرة العيون ومفرح القلب المحزون أو عقوبة أهل الكبائر لأبي الليث السمرقندي (ت 373 هــ) بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

قرة العيون ومفرح القلب المحزون أو عقوبة أهل الكبائر

لأبي الليث السمرقندي (ت 373 هــ)

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا كتاب «قُرَّة العيون ومُفرِّح القلب المحزون»، المعروف أيضًا بـ«عقوبة أهل الكبائر»، للإمام أبي الليث السمرقندي ـ رحمه الله تعالى ـ، وهو من كتب الوعظ والترغيب والترهيب التي جمعت بين التحذير من مسالك المعصية، والتذكير بسعة رحمة الله وما أعدَّه لعباده من الثواب والنعيم.

وقد بسط المصنف مادته في أبواب متعددة، حشد فيها طائفة من الأحاديث والآثار والأخبار، فتناول الأعمال التي تكون سببًا في دخول النار، والأعمال التي تقود إلى الجنة، وما أعدَّ الله تعالى لأوليائه من النعيم، ولأعدائه من العذاب، إلى جانب ما أورده من الفوائد والملح والحكايات التي تزيد المعنى إيضاحًا، وتقرّب الموعظة إلى القلب.

وتناول الكتاب جملةً من الكبائر والمعاصي، فذكر عقوبة ترك الصلاة، وشرب الخمر، والزنا، واللواط، وأكل الربا، والنياحة، ومنع الزكاة، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، كما تناول النهي عن المزامير والأغاني. ولم يقف عند جانب الترهيب، بل عرّج على فضائل الصلوات الخمس، والعمل الصالح، وما أعدّه الله تعالى لعباده في الجنة من النعيم، وتناول كذلك جملةً من الأخبار المتعلقة بالأنبياء، والإسراء والمعراج والبراق، وغيرها من أبواب الترغيب والتذكير.

ولأن الكتاب من مصنفات الوعظ التي اعتمدت على الجمع والرواية، فقد اشتمل على أحاديث متفاوتة الدرجات، القليل منها صحيح وأكثرها من الضعيف بل والموضوع وما لا أصل له،؛ الأمر الذي يجعل خدمة المحقق له ذات أهمية بالغة. وقد أحسن المحقق صنعًا حين تولّى مقابلة النصوص، وتخريج الأحاديث والآثار، وبيان درجاتها، والتنبيه على ما يحتاج إلى تحرير، فضلًا عن ضبط النص وتقويم عباراته، ليخرج الكتاب في صورةٍ أقرب إلى التحقيق العلمي، وأيسر تناولًا للقارئ المعاصر.

وهكذا يجمع الكتاب بين الترهيب من مغبة الكبائر، والترغيب في الطاعات، واستحضار مشاهد الآخرة، في محاولة لإيقاظ القلب من الغفلة، وحمله على مراجعة العمل، واستشعار عاقبة الطريق الذي يسلكه الإنسان في دنياه قبل أن يلقى الله تعالى.

___________________________________________

ماهية الكبيرة

الكبيرة في اللغة:

الكبيرة في اللغة: الإثم الكبير، العظيم أمره، المنهي عنه شرعًا، وجمعها: كبائر.

وقال الجرجاني في التعريفات (ص ١١٦٦):

«هي ما كان حرامًا محضًا، شُرعت عليه عقوبة محضة بنص قاطع في الدنيا أو الآخرة».

أما اصطلاحًا، فقد اختلف علماء السلف والخلف في ماهيتها وحدِّها اختلافًا كثيرًا، ولم يسلم ضابطٌ من الضوابط من الاعتراض، كما أشار إلى ذلك النووي وابن عبد السلام في القواعد وغيرهما.

وقال الواحدي: الصحيح أنه ليس للكبائر حدٌّ يعرفه العباد، ويتميز به عن الصغائر تمييز إشارة؛ ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد؛ ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى الله عنه، رجاء أن يكون متجنبًا للكبائر. ونظير هذا إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة، ونحو ذلك.

ضابط الكبيرة:

والتحقيق: أن للكبيرة حدًّا ضابطًا معلومًا، يمكن جمع أوجه ضوابطها في تعريف واحد، خلاصته:

أن الكبيرة هي ما كَبُر وعَظُم من المعاصي التي نهى الله عز وجل عنها في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته، وختمها الله سبحانه وتعالى بوعيد شديد، أو نار، أو لعن، أو غضب، أو عذاب، أو علَّق عليها حدًّا، أو وصفها بما يُبعد صاحبها عن حظيرة الإيمان، أو شدَّد النكير عليها، وأقدم عليها المرء تهاونًا واستجراءً عليها، من غير استشعار خوف وندم، وأكثر منها لما فيها من المفسدة.

ونقل البيهقي في الشعب (١ /٢٦٨) عن الحليمي أنه قال:

«والأصل في هذا الباب أن كل محرَّم بعينه، منهيٌّ عنه لمعنى في نفسه، فإن تعاطيه على وجه يجمع وجهين أو أوجهًا من التحريم فاحشة. وتعاطيه على وجه يقصر به عن رتبة المنصوص، أو تعاطي ما دون المنصوص الذي لا يستوفي معنى المنصوص، أو تعاطي ما نُهي عنه لئلا يكون ذريعة إلى غيره، فهذا كله من الصغائر. وتعاطي الصغير على وجه يجمع وجهين أو أوجهًا من التحريم كبيرة».

أنواع الكبيرة:

الكبيرة نوعان:

١. الكبيرة المنصوصة

وهي التي ورد فيها نص صريح من الكتاب أو صحيح السنة، ولها أمارات وعلامات ذكرها الشارع.

٢. الكبيرة المستنبطة

وهي التي تُقاس على الكبيرة المنصوصة، ولها أمارات تُعرف بها، ومن أهمها أن تكون فيها مفسدة تساوي مفسدة الكبيرة المنصوصة أو تزيد عليها.

الصغائر والكبائر في ميزان الحق سبحانه وتعالى

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]

وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]

وهذا صريح في انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، ويؤكده قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]

وقد ذمَّ الله تعالى التردي في مهاوي الذنوب، فقال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]

ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن الذنوب منها كبائر تكفَّر بالتوبة والاستغفار والاجتناب، ومنها صغائر تكفَّر بالعبادات وأعمال البر.

وذهبت طائفة من العلماء، منهم الأستاذ الإسفراييني، والباقلاني، وإمام الحرمين في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد، وحكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في تفسيره، إلى أنه ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وإنما يُقال لبعضها: صغيرة وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها؛ واحتجوا بأن كل مخالفة لله تعالى فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة.

قال النووي: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة إلى القول الأول.

وقال الغزالي في البسيط: إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه.

ومن ثم، فلنلتمس طوق النجاة بالبعد عن الصغائر؛ خشية ركوب غرر الكبائر، ولنجتنب كذلك ما اختلفت فيه الأفهام واستشكل؛ درءًا للشبهات، فإنها بريد الحرام.

ولنُحسن الظن بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[الزمر: ٥٣–٥٤]

فلنبادر إلى تلبية دعوة ربنا الغفور الرحيم، القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ[التحريم: ٨].

____________________________________________

مرآة التوبة:

إذا نظر العبد في مرآة التوبة، بدا له قبح المعصية، وانجلت له نفسه، واطلع على عيبها؛ فندم وتحسر على ما فرط في جنب الله، واغتمَّ على ساعات الذنوب، وأسف على لحظات الغفلة، وبكى على خطيئته.

وقيل لأحد الحكماء: ما سبب الذنوب؟

قال: الخَطرة؛ فإن تداركت الخَطرة بالرجوع إلى الله ذهبت، وإن لم تفعل تولدت عنها الفكرة، فإن تداركتها بالرجوع إلى الله بطلت، وإلا خالطت الوسوسةُ الفكرةَ، فتولد عنها الشهوة، وإلا تولد منها الطلب، فإن استدرك الطلب ذهب، وإلا تولد منه الفعل.

اللهم انقلنا من ذل معصيتك إلى عز طاعتك، وارزقنا التوبة.

شروط التوبة:

اشترط العلماء للتوبة ثلاثة شروط:

أولًا: الندم على اقتراف الذنب: وهو مفتاح التوبة، ولا تصح إلا به.

وفرضه: الغم والهم والحزن في القلب على سالف الذنوب.

ثانيًا: الإقلاع عن الذنب:

وقطيعة المعصية في الحال؛ لاستحالة التوبة مع مباشرة الذنب.

وفرضه: الانتقال من مذموم الأفعال إلى محمودها.

ثالثًا: العزم على ترك المعاودة:

وأن يعزم على ألا يعود إلى الذنب فيما بقي من عمره.

وفرضه: إخلاص النفس، وصدق العزم، وصفاء السريرة.

وقال ابن القيم في مدارج السالكين (١/٢٨٣):

«النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: الأول: تعميم جميع الذنوب، والثاني: إجماع العزم بحيث لا يبقى عنه تردد، والثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده».

التوبة من حقوق الآدميين:

إن كانت المعصية متعلقة بحق آدمي، فشروط التوبة أربعة: هذه الشروط الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها.

فإن كان الحق مالًا أو نحوه، رده إلى صاحبه؛ فإن جهل صاحبه، أو مكانه، أو مات وليس له ورثة، تصدق به عنه.

وإن كان حد قذف ونحوه، مكَّنه منه أو طلب عفوه.

وإن كانت غيبة، استحلَّه منها.


هذا الكتاب

ها نحن نعيش مع هذا الكتاب القيّم النفيس المفيد في بابه، المسمى «عقوبة أهل الكبائر» أو «قرة العيون ومفرح القلب المحزون»، للإمام الفقيه المحدث الزاهد، أبي الليث السمرقندي، المعروف بـإمام الهدى.

وهو كتاب في الزجر عن المعاصي واقتراف الكبائر، واجتناب المنهيات بامتثال الأوامر؛ فكان حقًّا زاجرًا وواعظًا وآمرًا.

___________________________________________________

ترجمة المصنف

نسبه

هو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الليث السمرقندي البلخي، علم من أعلام أئمة الحنفية، ومن العلماء الزهاد المتصوفين.

بلدته

سمرقند، ويقال لها بالعربية سَمَرقند، وهي من أشهر مدن ما وراء النهر، وكانت من الحواضر الكبرى في التاريخ الإسلامي، ولا تزال مساجدها ومدارسها وآثارها شاهدة على تاريخها الحضاري.

أما لقبه البلخي فنسبة إلى مدينة بلخ، الملقبة بـقبة الإسلام، وهي من أهم مدن خراسان.

وفاته

اختلف في تاريخ وفاته، ورجح الذهبي في سير أعلام النبلاء أن وفاته كانت سنة ٣٧٥هـ.

مؤلفاته

للإمام أبي الليث السمرقندي ـ رحمه الله ـ مؤلفات عديدة في الفقه والتفسير والعقائد والمواعظ والأخلاق، طُبع بعضها، ولا يزال بعضها الآخر مخطوطًا، ومن أشهرها:

  • تنبيه الغافلين.

  • بستان العارفين.

  • فتاوى النوازل.

  • عقوبة أهل الكبائر.

  • قرة العيون ومفرح القلب المحزون، وهما كتاب واحد، كما سيأتي بيانه.

ومن مؤلفاته المخطوطة:

  • خزانة الفقه.

  • شرح الجامع الصغير.

  • عمدة العقائد.

  • شرعة الإسلام.

  • وغيرها.

____________________________________________

حكايتي مع هذا الكتاب

في منتصف الثمانينيات، أردت إعداد دراسة عن كتاب «قرة العيون ومفرح القلب المحزون» للدراسات العليا، وكان له آنذاك عدة طبعات، أجودها نسخة مكتبة تاج بطنطا، وأخرى مطبوعة على هامش مختصر تذكرة القرطبي بالقاهرة.

ولإقامة النص على وجهه، كان لا بد من المقابلة بأصل الكتاب المخطوط؛ فالتمست مخطوطة واقتصصت أثره، غير أنني لم أقف عليه بهذا الاسم الموسوم.

ولما أعياني البحث، تصفحت صحيفة مصنفات المؤلف، فوقفت على ثلاثة عناوين تدخل ضمن موضوع الكتاب، وهي:

١. مقدمة في الصغائر والكبائر.
٢. دقائق الأخبار في بيان ذكر أهل الجنة وأهوال أهل النار، ولعله الجزء الأخير من الكتاب.
٣. الدرة الفاخرة في عقوبة أهل الكبائر.

ووجدت في الأخير بغيتي، وتيقن لي ذلك من مطابقة مخطوطه.

_______________________________________________

وصف المخطوط

له بدار الكتب المصرية نسختان، ولكنهما خاليتان من اسم الناسخ، وتاريخ النسخ والسماعات.

أما أُولاهما، فهي تحت رقم ١٣٥٤ تصوف طلعت، وتقع في تسع وخمسين ورقة، ومسطرتها إحدى وعشرون سطرًا تقريبًا، ومتوسط عدد الكلمات اثنتا عشرة كلمة. وكتب على الصفحة الأولى:

«هذا كتاب الدرة الفاخرة في عقوبة الكبائر».

والنسخة الأخرى برقم ١٩ أخلاق تيمور.

ثم وقفت على نسخة مطبوعة بدار الكتب العلمية، مقتصرة على اسم «عقوبة أهل الكبائر»، بتحقيق الأخ الفاضل مصطفى عبد القادر عطا، جزاه الله عنا خيرًا، فجعلتها أصلًا ثالثًا لمقابلتها بالمخطوط.

نتيجة البحث

بمقابلة كتاب «عقوبة أهل الكبائر» بـ**«قرة العيون ومفرح القلب المحزون»** ظهر التطابق بينهما، خلا فروق بسيطة، مما يجزم معه بأنهما مصنف واحد، ولعل اختلاف الاسم من اجتهاد النساخ، خاصة أن المصنف لم يسمه في مقدمته، وإنما قال:

«هذا كتاب في عقوبة أهل الكبائر، أعاذنا الله من ذلك».

_______________________________________

عملي في هذا الكتاب

قمت في خدمة الكتاب بالأعمال الآتية:

١. مقابلة «قرة العيون» بـ**«عقوبة أهل الكبائر»** لإقامة النص وترميم السقط، وأثبتُّ ما أدركته من السقط بين حاصرتين [ ].

٢. أعدت النظر في دراستي السابقة لهذا الكتاب، وأعددته للقارئ في ثوب قشيب.

٣. نبَّهت على أهمية الكتاب، وأعددت ترجمة موجزة للمصنف ـ رحمه الله ـ، وبيَّنت ماهية الكبيرة والصغيرة، والتوبة منهما وشروطها، ووثقت الكتاب، ووصفت مخطوطه.

٤. خرَّجت الآيات القرآنية في مواضعها.

٥. رقَّمت الأحاديث، وقوَّمت ألفاظها في المتن أو الهامش.

٦. خرَّجت الأحاديث والآثار، وبيَّنت درجتها من حيث الصحة والضعف، مع ذكر البدائل.

٧. علَّقت على بعض المواضع والكلمات المبهمة في الكتاب.

٨. أعددت فهارس بأطراف الأحاديث، وأثبتُّها في آخر الكتاب.

ولابد لي ـ وقد أوشكت أن أنهي كلمتي ـ أن أوصيكم بوصية المصنف ـ رحمه الله ـ في مستهل كتابه تنبيه الغافلين: أن تنظر في الكتاب بالتذكر لنفسك أولًا، ثم بالاحتساب بالتذكير لغيرك ثانيًا.

وأقول: هذا ما قدر الله لنا عمله، سائلين أن يكون خالصًا لوجهه الكريم، وراجين أن نتلقى من أهل العلم ما ينبهنا إلى مواضع النقد، لتدارك ما ندَّ عنا من أخطاء في طبعات قادمة، إن شاء الله.

والله أسأل أن ينفع بهذا الكتاب، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.


مقدمة «عقوبة أهل الكبائر»

قال الشيخ الإمام العالم العلامة، أستاذ زمانه، أبو الليث السمرقندي ـ رحمه الله تعالى ـ:

الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذا كتاب في عقوبة أهل الكبائر، أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه، ولله الحمد.

ويشتمل على عشرة أبواب:

١. الباب الأول: في عقوبة تارك الصلاة.
٢. الباب الثاني: في عقوبة شارب الخمر.
٣. الباب الثالث: في عقوبة الزنا.
٤. الباب الرابع: في عقوبة اللواط وفعله.
٥. الباب الخامس: في عقوبة آكل الربا.
٦. الباب السادس: في عقوبة النائحة.
٧. الباب السابع: في عقوبة مانع الزكاة.
٨. الباب الثامن: في عقوبة قاتل النفس وقاطع الرحم.
٩. الباب التاسع: في عقوبة عاق والديه.
١٠. الباب العاشر: في النهي عن المزامير والأغاني، وصفة الجنة وما فيها.

والله الموفق للصواب.

____________________________________________

ملحق هام من كتاب إحياء علوم الدين (ملخصاً)

ماهية الكبائر والصغائر

اعلم أن الذنوب عند جمهور العلماء تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد اختلف السلف في تحديد الكبيرة وعدِّها؛ فمنهم من جعلها ما ورد فيه وعيد شديد، أو أوجب الشرع فيه حدًّا، ومنهم من قال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، ومنهم من توقف في حصرها وعدِّها، ورأى أن الشرع أبقاها في دائرة الإبهام ليظل العبد على حذرٍ دائم من الذنوب.

وقد دلّ الكتاب والسنة على أصل هذا التقسيم، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]، وقال النبي ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنبت الكبائر». وتنوّعت أقوال الصحابة والتابعين في عددها؛ فقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل أكثر من ذلك، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: «هي إلى السبعين أقرب منها إلى سبع».

والتحقيق أن الكبيرة ليست محصورة في عدد ثابت؛ إذ تتفاوت الذنوب في عِظَمها بحسب ما يترتب عليها من فساد في الدين والنفس والمال. وقد جعل العلماء من أماراتها: أن يرد فيها وعيد بالنار أو اللعن أو الغضب أو العذاب، أو يترتب عليها حدٌّ في الدنيا، أو يشتد النكير عليها في الكتاب والسنة. ومن هنا كانت الكبائر مراتب، أعظمها ما يصدّ عن معرفة الله تعالى والإيمان به، ثم ما يعتدي على النفوس وحفظها، ثم ما يفسد الأموال والمعايش وسائر مصالح الناس.

ومن أعظم ما يوضح هذا المعنى أن الشرائع جاءت بحفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال؛ فما عظم خطره على هذه الضرورات عظم إثمه، وتفاوتت الكبائر بتفاوت آثارها ومفاسدها. فالكفر أعظم الذنوب، يليه ما يهدم أصول الإيمان ويشوّه معانيه، ثم قتل النفس والاعتداء عليها، وما يفضي إلى فساد الأنساب والمجتمعات، ثم الاعتداء على الأموال والحقوق. ولهذا جاءت النصوص بتغليظ أمر الزنا، والقتل، والربا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات، والسحر، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، وغيرها.

ومع ذلك، فإن الصغيرة قد تعظم بالإصرار عليها؛ فليس الخطر في حجم الذنب وحده، وإنما في حال القلب تجاهه، وفي تكراره والاستهانة به. وقد قيل: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. فالمعصية التي يستهين بها صاحبها، ويكررها بلا ندم ولا خوف، قد تستحيل في أثرها وخطرها إلى ما هو أعظم من صورتها الأولى.

ولذلك كان طريق النجاة في اجتناب الكبائر، والحذر من الصغائر، ومجاهدة النفس عن الإصرار عليها، مع دوام التوبة والإنابة. فالله تعالى فتح لعباده باب الرحمة، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. ومن هنا فالتوبة ليست مجرد لفظ يُقال، وإنما ندمٌ على الماضي، وإقلاعٌ عن الذنب، وعزمٌ صادق على عدم العودة إليه؛ فإن تعلقت المعصية بحقوق العباد، لزم مع ذلك رد الحقوق إلى أصحابها أو استحلالهم منها.

والأصل في هذا الباب أن ينظر العبد إلى الذنب بعين الخوف والافتقار، لا بعين الاستهانة والموازنة بين ذنبه وذنوب غيره؛ فربَّ صغيرة عظّمها الإصرار، وربَّ كبيرة محاها صدق التوبة. ولذلك كان إبهام بعض الكبائر أبلغ في حمل النفوس على الورع، إذ يظل المؤمن متيقظًا، مجتنبًا للذنوب، مستصغرًا لطاعته، مستعظمًا لجرأته على حدود الله.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق