أسلحة الخداع الشامل
للباحثين شيلدون رامبتون وجون ستوبر
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يقدّم كتاب «أسلحة الخداع الشامل» قراءة نقدية لآليات الدعاية السياسية والإعلامية التي رافقت الحرب الأمريكية على العراق، ولا سيما في عهد إدارة جورج بوش الابن، ولا سيما في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وفي سياق الحرب على العراق التي بدأت مارس/ آذار 2003.
وينطلق المؤلفان من أن الحرب على العراق وأفغانستان لم تُبنَ على القوة العسكرية وحدها، بل سبقتها حربٌ على الوعي، استهدفت تشكيل الرأي العام وتهيئته لقبول الحرب، من خلال توظيف وسائل الإعلام والخطاب السياسي في تضخيم مصادر التهديد (القاعدة وأخواتها)، وربط الإرهاب بالإسلام، وتصوير العراق بوصفه خطرًا داهمًا على الأمن والسلم الدوليين، بما أسهم في توفير غطاء شعبي وسياسي للتدخل العسكري.
وتم تقديم العراق بوصفه جزءًا من منظومة تهديد عالمية تستوجب المواجهة، حيث جرى الربط في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان والإرهاب الدولي من جهة، وبين العراق ونظام صدام حسين من جهة أخرى، رغم اختلاف طبيعة هذه الأطراف وتباين سياقاتها السياسية والفكرية.
وأسهم هذا الخلط في توسيع دائرة الخطر في الوعي العام، وإيجاد مناخ سياسي وشعبي مهيأ لقبول الحرب على العراق، من خلال تصويره باعتباره حلقةً من حلقات التهديد الإرهابي العالمي. ومن هنا يلفت الكتاب النظر إلى خطورة الخلط بين خصوم متباينين تحت عنوان واحد هو «الإرهاب»؛ إذ تحولت أحداث 11 سبتمبر وما أعقبها من مواجهة مع القاعدة وطالبان إلى إطار واسع أُدرجت تحته قضايا وخصومات أخرى، بما أتاح للإدارة الأمريكية توظيف الخوف العام في تسويغ سياسات عسكرية وسياسية تجاوزت حدود مواجهة الجهات المسؤولة مباشرة عن الهجمات.
ويعرض الكتاب ما يصفه بلحظات قاتمة في التاريخ الأمريكي عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، حين تصاعدت خطابات التخويف من المسلمين والعرب، وبرزت تصريحات ذات طابع عدائي وعنصري أسهمت في تأجيج الخوف الشعبي.
ومن ذلك ما صدر عن بعض الشخصيات المحافظة من تشبيهات متطرفة للمسلمين بالنازيين، والتحذير من تزايد أعداد المسلمين الأمريكيين، واتهام الإسلام بأنه دين يقوم على التعصب والإرهاب وإجبار الآخرين على اعتناقه.
كما ينقل الكتاب تصريحات الصحفية آن كولتر، التي دعت، عقب الهجمات، إلى غزو البلدان الإسلامية وقتل قادتها وتحويل سكانها إلى المسيحية، وهي تصريحات تكشف، في نظر المؤلفين، كيف يمكن للصدمة الأمنية أن تتحول إلى خطاب كراهية يخلط بين الإرهاب بوصفه فعلًا سياسيًا محددًا، وبين المسلمين بوصفهم جماعة دينية واسعة ومتنوعة.
ولا يقف الكتاب عند خطاب التحريض، بل ينتقل إلى بحث العلاقة بين الدعاية والخداع السياسي في صناعة القرار العام. ويستشهد بحوار جرى بين وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد وأحد الصحفيين بعد هجمات سبتمبر، حين سُئل عما إذا كان يمكن لوزارة الدفاع أن تكذب على وسائل الإعلام لتحقيق مكاسب عسكرية، فأجاب بالنفي، مع استحضاره تجربة التضليل التي استخدمها الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لإخفاء موعد ومكان إنزال النورماندي.
غير أن الكتاب يلفت النظر إلى أن الوقائع اللاحقة كشفت عن إنشاء وزارة الدفاع مكتبًا حمل اسم «مكتب التأثير الاستراتيجي»، كانت مهمته المقترحة استخدام وسائل الإعلام والإنترنت وغيرها من الأدوات للتأثير في الرأي العام الأجنبي، بل وتقديم معلومات يمكن أن تكون ملفقة. وقد أثار ذلك جدلًا واسعًا داخل المؤسسة العسكرية والكونغرس، لما ينطوي عليه من خطر طمس الحدود بين العمل الاستخباري السري والعمل الإعلامي، وإمكانية تسرب المعلومات المضللة إلى الجمهور الأمريكي نفسه.
وتتضح خطورة هذا النهج في مفهوم «الأنباء الانتقائية» التي تم بثها على أنها حقائق لا يمكن ردُّها؛ إذ لا تكمن المشكلة في اختلاق الأكاذيب فحسب، وإنما في اختيار بعض الوقائع وتضخيمها، وإغفال وقائع أخرى، ثم تقديم الصورة المنتقاة بوصفها الحقيقة الكاملة.
ويكشف الكتاب، في هذا السياق، التناقض بين خطاب إدارة بوش بشأن علاقة العراق بالإرهاب وبين ما ورد في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية نفسها. فقد كان العراق يُقدَّم للرأي العام بوصفه طرفًا رئيسًا في الخطر الإرهابي، في حين أشارت تقارير رسمية إلى أن إيران كانت، في تلك الفترة، الدولة الأكثر نشاطًا في دعم الإرهاب وفق التصنيف الأمريكي، كما تناولت التقارير طبيعة الدعم العراقي لبعض الجماعات في إطار صراعاته الإقليمية وتنافسه مع جيرانه.
ويبرز الكتاب كذلك مفارقة الموقف الأمريكي من المملكة العربية السعودية؛ فبينما كان التركيز شديدًا على البحث عن أي صلة محتملة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة، وكان التعامل مع المعطيات المتعلقة بالسعودية أكثر حذرًا، رغم أن غالبية منفذي هجمات 11 سبتمبر كانوا سعوديين، ورغم ما أورده الكتاب من معلومات عن مصادر تمويل سعودية لبعض الأوساط المرتبطة بالتطرف.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، إثبات مسؤولية الدولة السعودية عن تلك الهجمات، إذ يميّز الكتاب نفسه بين الدعم المالي الذي قد يصل إلى أفراد أو جماعات وبين العلم المسبق بالعمليات، لكنه يستخدم هذه المفارقة لإثارة سؤال جوهري حول انتقائية السياسة الأمريكية في تعريف الإرهاب وتحديد مصادر الخطر.
ومن ثم، فإن القيمة الأساسية للكتاب تكمن في كشفه أن صناعة الحرب لا تبدأ عند ساحات القتال، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بسنوات في غرف الإعلام ومراكز صناعة القرار ومؤسسات العلاقات العامة. فحين يُصوَّر الخصم باعتباره تهديدًا مطلقًا، ويُختزل شعب كامل أو دين بأكمله في صورة الإرهاب، وتُنتقى المعلومات بما يخدم قرارًا سياسيًا مسبقًا، يصبح الرأي العام مهيأً لقبول الحرب قبل أن تبدأ. وهنا تتحول وسائل الإعلام من أداة لنقل الوقائع إلى أداة لصناعة الوقائع في الوعي العام.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة «أسلحة الخداع الشامل» بوصفه تحذيرًا من خطورة تداخل السياسة والإعلام والدعاية في صناعة الحروب؛ إذ إن أخطر الأسلحة ليست دائمًا تلك التي تُطلق في ميادين المعارك، وإنما تلك التي تعيد تشكيل وعي الشعوب، وتمنح الحرب شرعيتها الأخلاقية والسياسية، وتجعل التضليل يبدو حقيقة، والحقيقة تبدو موضع شك. وقد كان العراق نموذجًا صارخًا لهذا النوع من الحروب، حيث سبقت القنابلَ حملةٌ واسعة لإقناع العالم بأن الحرب ضرورة، ثم كشفت الأحداث اللاحقة حجم الفجوة بين المبررات المعلنة والوقائع التي استندت إليها.
وبذلك يضع الكتاب القارئ أمام قضية تتجاوز حرب العراق ذاتها: من يملك القدرة على صناعة الرواية يملك، إلى حد بعيد، القدرة على توجيه الموقف من الحرب والسلم. ولذلك فإن مقاومة التضليل لا تكون بمجرد رفضنا للرواية الرسمية، وإنما بفحصنا عن مصادر المعلومات، ومن ثمَّ مقارنة الخطاب السياسي بالوثائق، والتمييز بين الخبر والدعاية، وبين النقد الموضوعي والتحريض، حتى لا يصبح الوعي العام نفسه ساحةً أخرى من ساحات الحرب.
ومن المفيد، في المرحلة التالية، أن يُربط هذا التحليل بما جرى في تشكيل الصورة الإعلامية عن الفلسطينيين والمقاومة والاحتلال؛ إذ تكشف المقارنة كيف تُستخدم الأدوات نفسها في صناعة الرأي العام وتبرير السياسات العسكرية والسياسية.
ومع أهمية ما يطرحه الكتاب في كشف آليات الدعاية والتضليل التي صاحبت الحرب على العراق، فإن قراءته تقتضي قدرًا من التحفظ النقدي؛ إذ يميل المؤلفان في بعض المواضع إلى التركيز على جوانب الخداع في الخطاب الأمريكي بما قد يدفع القارئ إلى النظر إلى مجمل السياسة الأمريكية من زاوية واحدة. فالدعاية والتضليل عنصران حاضران في صناعة القرار والحروب وهو أمر طبيعي في عالمٍ توجهه الأيدلوجيات والمصالح المادية، لكن تفسير الحرب على العراق لا يمكن اختزاله فيهما وحدهما؛ إذ تداخلت فيها اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية وأمنية وأيديولوجية معقدة.
ومن جهة أخرى، فإن الكشف عن تناقض الموقف الأمريكي تجاه العراق وإيران والسعودية يمثل جانبًا مهمًا من الكتاب ينبغي التنبُّه له، لكنه يحتاج إلى وضعه في سياق أوسع من علاقات القوة والمصالح الدولية. فازدواجية المعايير ليست ظاهرة أمريكية منفردة، بل سمة متكررة في السياسة الدولية (منذ الحروب الصليبية والاحتلال الفرنسي والانجليزي للبلاد العربية)؛ إذ كثيرًا ما تتقدم المصالح الاستراتيجية على المبادئ المعلنة. ولذلك فإن القيمة العلمية الأكبر لهذا النوع من النقد تكمن في كشف آليات تسييس المعايير وتوظيفها بحسب مصلحة الدولة، بدل الاكتفاء بإثبات أن الولايات المتحدة مارست سياسة انتقائية.
ومع ذلك، يبقى للكتاب إسهام مهم في لفت الانتباه إلى أن الحرب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تخاض كذلك في ميدان الإعلام والوعي. وهذه الفكرة تستحق التوسيع؛ لأن صناعة صورة العدو، وإثارة الخوف، وانتقاء المعلومات، وإعادة صياغة الأحداث بما يخدم القرار السياسي، أصبحت جزءًا أساسيًا من الصراعات المعاصرة. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب بوصفه مادةً تساعد على تفكيك الخطاب السياسي والإعلامي، مع ضرورة التعامل معه هو نفسه باعتباره خطابًا نقديًا يحتاج إلى الفحص والمقارنة والتحقق من الأدلة.
وعليه، فإن القراءة المتوازنة للكتاب لا تقتضي رفض أطروحته، ولا التسليم بها كاملة، وإنما الإفادة من وثائقه وتحليلاته مع إخضاعها للنقد المنهجي، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتفسيرات التي يقدمها المؤلفان لها. فالقيمة الحقيقية لأي كتاب نقدي لا تكمن في أن يستبدل روايةً رسمية برواية مضادة، وإنما في أن يعلّم القارئ كيف يسأل عن مصدر المعلومة، وسياقها، والجهة التي أنتجتها، والمصلحة التي قد تكون وراء صياغتها، وما إذا كانت الأدلة المتاحة تكفي للوصول إلى النتيجة التي يطرحها المؤلف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق