قصص الأنبياء
للإمام أبي الفداء ابن كثير (701- 774 هـ)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: من تمام رحمة الله بعباده، وكمال حكمته في خلقه، أن عرّفهم أمور دينهم ودنياهم، وهداهم إلى ما يصلح معاشهم وآخرتهم، ويحقق لهم الخير في حاضرهم ومآلهم، فاقتضت حكمته سبحانه أن يصطفي من بين خلقه صفوةً من عباده، اجتمع فيهم صفاءُ النفس، ونورُ العقل، ونقاءُ القلب، واستقامةُ السيرة؛ فكانوا أزكى الناس سريرة، وأقومهم سبيلًا، وأصدقهم قولًا، وأعظمهم أمانةً في تبليغ وحيه.
اصطفاهم الله تعالى بعلمه وحكمته، وحمّلهم أمانة الرسالة، واختصّهم بحمل نور الهداية، فجعلهم مناراتٍ تهدي الحائرين، ومصابيحَ تضيء للناس سبيل الحق والرشاد، ومشاعلَ تبدد ظلمات الجهل والضلال، وحملةً للواء الحق في الأرض. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ولما اصطفى الله رسله لحمل أمانة الهداية، لم يتركهم يواجهون أقوامهم بمعزل عن الحجة، بل أمدّهم من لدنه بالآيات البينات، وأيّدهم بالمعجزات والخوارق، وهيّأ لهم من أسباب النصر والثبات ما يعينهم على أداء الرسالة، وحاطهم بعنايته وحفظه، وجعل لكل رسول من الآيات ما يلائم عصره وقومه، حتى تقوم الحجة، وتنقطع المعذرة، ويظهر للناس أن الرسالة وحيٌ من الله، وأن الهداية ليست من صناعة البشر.
وهكذا تعاقبت مواكب الأنبياء والمرسلين، يحملون كلمة التوحيد، ويجددون في النفوس عهد الفطرة، ويدعون الإنسان إلى أن يعرف ربه، ويستقيم على أمره، ويعمر الأرض بالحق والعدل.
ويأتي هذا الكتاب ليعرض جانبًا نفيسًا من تاريخ البشرية الأول، ويكشف صفحات من سير الأنبياء الأوائل، وفي مقدمتهم آدم وشيث وإدريس عليهم السلام، مستندًا إلى ما جاء في القرآن الكريم من الآيات البينات، وما حفظته الرواية عن الصحابة وأئمة السلف، وما دوّنته كتب التفسير والتاريخ من أخبار وآثار، مع الإفادة، في بعض المواطن، مما ورد في الكتب السابقة. وهو بذلك يستجلي من الحوادث حكمتها، ومن وراء المحن دلالتها، ومن وراء سير الأنبياء سنن الله في عباده وأيامه في الأمم.
وبالطبع لم تكن طريق النبوة مفروشة بالورود، ولا كانت دعوة الرسل رحلةً هادئةً في دروب الحياة؛ بل كانت دربًا شائكًا، محفوفًا بالمحن، تتعاقب فيه صور التكذيب والأذى والمقاومة. فقومٌ أعماهم الجهل عن مقاصد الرسالات السامية، وقومٌ استمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم، وإن كان باطلًا تصادم معه الفطرة السليمة والعقل المستقيم، وقومٌ أغرتهم الدنيا وسلطانها، فوقفوا في وجه الحق خوفًا على ملك زائل أو جاه عابر. وكان الأنبياء، في خضم هذه المواجهات، يتلقون ألوان الابتلاء، لا ليُضعفهم البلاء، وإنما ليزدادوا ثباتًا ويقينًا، وليكونوا للمؤمنين أسوةً في الصبر والثبات والتوكل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
وقد عرض القرآن الكريم أخبار الأنبياء عرضًا بديعًا، فلم يستقصِ حياة كل نبي استقصاء المؤرخ، ولم يسرد الحوادث لمجرد الحكاية، وإنما اختار من سيرهم ما يحمل الهداية والعبرة، وما يكشف سنن الله في الأمم، وما يربط القلوب بحقائق الإيمان. فمن الأنبياء من بسط القرآن شيئًا من قصته، ومنهم من أشار إليه إشارةً عابرة، ومنهم من ذكره دون تفصيل، ومنهم من أخبر عن وجوده دون أن يسميه أو يفصل شيئًا من حياته وقومه. وليس هذا التنوع نقصًا في الرواية، وإنما هو من إعجاز البيان القرآني؛ إذ إن المقصود من القصص ليس استيعاب التفاصيل، وإنما إيقاظ القلوب، وبناء اليقين، وتثبيت المؤمنين، وإضاءة الطريق أمام السالكين. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
ومن هنا نهض العلماء والمحققون وكتّاب السير والمؤرخون لجمع أخبار الأنبياء والمرسلين، واستقراء ما تناقلته الأجيال، وما حفظته كتب التاريخ، وما وجدوه في الكتب السماوية السابقة. غير أن امتداد الزمن، وتعدد موارد الرواية، واختلاط الصحيح بالضعيف، ألقى بظلاله على بعض ما دُوّن في هذا الباب، فتسللت إلى بعض القصص أخطاءٌ ومبالغات، ودخل عليها في بعض المواطن شيء من التحريف المقصود أو غير المقصود.
ومن ثم كان لزامًا على من يتصدى لكتابة سير الأنبياء أن يجعل كتاب الله تعالى ميزانًا، وأن يعرض عليه ما يروى من الأخبار؛ فما وافق أصوله ولم يعارض نصوصه، وكان له أصل معتبر، قُبل في موضعه، وما خالف هديه أو ناقض محكمه أو ثبت بطلانه، وجب طرحه وعدم الالتفات إليه.
وقد شارك العلماء المسلمون في هذا الميدان مشاركةً واسعة، فصنفوا في قصص الأنبياء والمرسلين كتبًا كثيرة، كان معظمها أقرب إلى الصواب من كثير من المصادر السابقة، غير أن بعض هذه المصنفات لم يسلم من روايات تسربت من أهل الكتاب، ولا سيما ما كان منها متداولًا عند اليهود والنصارى. فقد وقع التحريف والتبديل في كتبهم، وامتد أثر ذلك إلى أخبار أنبيائهم وسيرهم، ثم انتقلت بعض تلك الأخبار إلى كتب المسلمين، وعُرفت في اصطلاح أهل العلم بـالإسرائيليات.
وقد حمل بعض أهل الكتاب الذين أسلموا شيئًا من موروثهم القديم، فنقلوا منه ما نقلوا، وأدخل بعضه في مجالس القصص وأخبار الأنبياء، عن قصد أو غير قصد، ثم ذاع شيء من ذلك بين العامة، وتناقله الناس دون تمحيص، بل وجد طريقه أحيانًا إلى بعض المصنفين الذين لم يتكلفوا عناء البحث والتثبت، أو لم تتوافر لهم أدوات النقد والتمييز.
وفي هذا السياق يبرز كتاب «قصص الأنبياء» للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله، وهو في أصله جزء من موسوعته التاريخية الكبرى «البداية والنهاية»، ثم فُصل هذا القسم عن أصله، وأفرد بالتأليف والنشر في كتاب مستقل. وقد جعل ابن كثير هذا المصنف سجلًا جامعًا لأخبار الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فتتبع سيرهم، وجمع أخبارهم، وربط بين وقائع حياتهم وما ورد فيها من الآيات والعبر، فجاء الكتاب من أوسع ما أُلّف في هذا الباب وأشهره.
ومع أن ابن كثير سار في عرضه على طريقة المتقدمين في جمع الروايات وسرد الأخبار، فإنه لم يكن ناقلًا محضًا، ولا جامعًا للروايات دون نقد وتمحيص؛ بل كان يقف عند الخبر، ويتأمل مصدره، ويقارن بين طرقه ورواياته، وينبه إلى مواضع القوة والضعف فيه، ويكشف ما تسلل إليه من أخبار أهل الكتاب. وإذا نقل عنهم رواية، لم يتلقها بالتسليم، ولم يجعل ورودها في كتبهم حجةً قائمة بذاتها، وإنما عرضها على القرآن الكريم والسنة النبوية وأصول الشريعة، فقبل ما وافق الحق وثبت أو لم يعارض أصلًا صحيحًا، ونبه على ما فيه من إسرائيليات، وردّ ما ظهر له بطلانه أو مخالفته للحق. ومن هنا تتجلى قيمة الكتاب؛ فهو ليس مجرد خزانة للأخبار، وإنما هو أيضًا محاولة لجمع الرواية ونقدها، وتمييز غثها من سمينها، وصحيحها من سقيمها.
ومن أجمل ما امتاز به منهج ابن كثير أنه لم ينظر إلى القصة القرآنية على أنها شذرات متفرقة في مواضع متباعدة، بل كان يجمع أطرافها من سور القرآن المختلفة، ويرد بعضها إلى بعض، حتى تتآلف الآيات وتتساند الروايات، وتتشكل من مجموعها صورة متكاملة للقصة الواحدة.
فهو يتتبع الآية حيث وردت، ويضم إليها ما يكمل معناها في موضع آخر، ثم يستعين بما صح من السنة وآثار السلف وأخبار التاريخ، ليقدم للقارئ قصةً مترابطةً في أحداثها، واضحةً في معالمها، عميقةً في دلالاتها، تجمع بين جمال السرد وقوة التفسير، وتربط الحادثة بعبرتها، والخبر بدلالته، وسيرة النبي بالدرس الإيماني الذي أراد القرآن أن يرسخه في النفوس.
وهكذا يغدو النظر في قصص الأنبياء أكثر من رحلة في صفحات التاريخ؛ إنه سفر في سنن الله، وتأمل في أحوال البشر، ومطالعة في مشاهد الصراع بين الحق والباطل، والصبر والجزع، والإيمان والكفر، والعدل والظلم. وفي كل قصة شاهد على أن دعوة الأنبياء واحدة في أصلها، وأن راية التوحيد ممتدة عبر الأجيال، وأن الله تعالى لا يضيع جهاد أوليائه، ولا يترك الباطل بغير نهاية، وأن العاقبة، وإن تأخرت، لأهل الإيمان والتقوى.
ولذلك تظل قصص الأنبياء حيةً في وجدان الأمة، لا يطويها الزمن، ولا تبليها الأيام، لأنها ليست أخبارًا عن أمم مضت فحسب، وإنما هي عِبرٌ للقلوب، وبصائر للعقول، ومصابيح للسائرين إلى الله تعالى.
_______________________________________________
قصة آدم عليه السلام
أولاً: خلق آدم عليه السلام وإعلان خلافته في الأرض:
أخبر الله تعالى ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة، فتساءلو عن الحكمة من خلق جنسٍ قد يقع منه الفساد وسفك الدماء، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فأجابهم سبحانه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ولم يكن سؤال الملائكة اعتراضًا أو حسدًا لبني آدم، وإنما كان استكشافًا لوجه الحكمة في خلقهم.
ثم أظهر الله تعالى فضل آدم -عليه السلام-، فعلّمه الأسماء كلها، ثم أمره بعرضها على الملائكة، فعجزوا عن معرفتها، وأقروا بحدود علمهم قائلين: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. فلما أُمرَ آدم أن ينبئهم بأسمائها، ظهر فضله بالعلم الذي علّمه الله إياه، وتجلت بذلك حكمته سبحانه في خلقه واستخلافه.
ثانياً: تكريم آدم وسجود الملائكة وامتناع إبليس:
بعد أن خلق الله آدم وسوّاه ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة أن يسجدوا له سجود تكريم، فسجدوا جميعًا إلا إبليس (الذي كان من الجن)؛ أبى واستكبر، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فكان استكباره أول سبب في طرده من رحمة الله، لأنه عارض بعقله أمر ربه سبحانه، وجعل معيار التفاضل قائمًا على أصل الخِلقة، مع أن الكرامة بيد الله، يهبها لمن يشاء من عباده.
ولما عصى إبليس أمر ربه سبحانه أُخرجه من مقامه في الجنة بين الملائكة، لكنه طلب الإنظار إلى يوم البعث، فأمهله الله إلى الوقت المعلوم،حيث يحين أجله. قال تعالى: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}. وعند ذلك أعلن إبليس عداوته لبني آدم، وتعهد بإغوائهم وصدهم عن الصراط المستقيم، وإتيانهم من جهات مختلفة وطرائق متنوعة لإضلالهم، ومع ذلك فإنه بأنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. فأقرّه سبحانه على ما أراد، ووأخبر الله تعالى أن من اتبعه من الغاوين فمصيره إلى جهنم. قال سبحانه: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين﴾.
ثالثاً: إسكان آدم وزوجه في الجنة:
أسكن الله تعالى -آدم وزوجه الجنة، وأباح لهما أن يأكلا منها رغدًا حيث شاءا، ونهاهما عن شجرة معينة، وحذرهما من الشيطان الذي وصفه بأنه عدو لهما. وكانت حياة آدم وزوجه في الجنة قائمة على النعمة والطمأنينة، فلا جوع فيها ولا عري، ولا ظمأ فيها ولا مشقة. لكن الشيطان أخذ يوسوس لهما، ويزين لهما الأكل من الشجرة، ووعدهما بالخلود والملك الذي لا يبلى، وأقسم لهما أنه ناصح لهما. فاغترّا بوسوسته وأكلا من الشجرة، فانكشفت لهما سوآتهما، وأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى* إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾.
رابعاً: التوبة والهبوط إلى الأرض:
ولما عصى آدم وزوجه أمر الله تعالى، عاتبهما الله تعالى على مخالفتهما، فأدركا خطأهما ولم يجادلا أو يصرّا على المعصية، بل اعترفا بذنبهما قائلين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، واجتباه ربه بعد ذلك فتاب عليه وهداه. قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
ثم قضى الله سبحانه بهبوط آدم وزوجه إلى الأرض، وجعل فيها مستقر الإنسان ومتاعه إلى حين، ومنها تكون حياته وموته ومنها يخرج يوم البعث. قال تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}. وأخبر سبحانه أن الهداية ستأتي بني آدم، فمن اتبع هدى الله فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكره فله معيشة ضنكًا ويحشر يوم القيامة أعمى. قال سبحانه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}.
خامساً: أصل الإنسان وابتداء الصراع مع الشيطان:
بيّن القرآن أن آدم خُلق من تراب، وأن الله صوّره وسوّاه، كما وصف مراحل خلقه بالصلصال من حمإ مسنون، ثم نفخ فيه من روحه. وبيّن كذلك أن الجان خُلق قبل الإنسان من نار السموم. ومنذ أمر الله إبليس بالسجود لآدم بدأت العداوة بين الشيطان وبني آدم، وهي عداوة أعلنها إبليس بنفسه وتعهد فيها بإغواء ذرية آدم، مع بقاء عباد الله المخلصين خارج سلطانه. قال تعالى: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}.
أما ما ورد من أقوال في سبب علم الملائكة بما سيكون من بني آدم من فساد وسفك للدماء، فمنه أنهم رأوا ما وقع قبل آدم من بعض الجن من سفك الدماء، ونُقل ذلك عن قتادة وابن عباس وغيرهما، وقيل غير ذلك من الأقوال. وهذه الروايات تُذكر في سياق تفسير سؤال الملائكة، مع بقاء الأصل الثابت فيما أخبر به القرآن من أن الله تعالى أعلم بحكمته، وأن علم الملائكة محدود بما علّمهم الله.
سادساً: بعض ما ورد عن أهل الكتاب في قصة آدم عليه السلام:
يقول ابن كثير: إن ما ورد في كتب أهل الكتاب من الزعم بأن الحية هي التي دلّت حواء على الأكل من الشجرة لكونها من أحسن الأشكال وأعظمها، فأكلت حواء وأطعمت آدم عليه السلام دون ذكر لإبليس، وحينها انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فصنعا مآزر من ورق التين، بينما نقل وهب بن منبه أن لباسهما كان نوراً على فروجها. كُلُّ ذلك يُعد غلطاً وتحريفاً ناتجاً عن الخطأ في التعريب من لغة إلى أخرى، وعدم الإحاطة التامة بمعرفة كلام العرب، لأن القرآن الكريم قد دل على وجود لباس سابق، بقوله تعالى في نزع اللباس ليريهما سوآتهما، وهو ما لا يرد لغيره من الكلام.
سابعاً: صفة خلق آدم عليه السلام:
وقد ثبت في الأحاديث النبوية المرفوعة عن أبي بن كعب وغيره صفة خلق آدم عليه السلام بأنه وُجد رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق، بطول ستين ذراعاً، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه وبدت عورته، فأخذ يشتد هرباً في الجنة حتى نازعته شجرة بشعره، فناداه الرحمن عز وجل مستنكراً فراره فأجاب بأنه يفعل ذلك حياءً مما ارتكبه.
وقد أخذ آدم وحواء يخصفان عليهما من ورق الجنة، استجابةً لما ظهر لهما، وتلقيا من ربهما كلمات التوبة بالاعتراف بالظلم والاستكانة والتذلل، وهو سرّ ما سري في ذرية آدم لتكون عاقبتهم إلى خير في الدنيا والآخرة.
ثامناً: رحلة الهبوط إلى الأرض:
ثم أمر الله سبحانه وتعالى الجميع بالهبوط إلى الأرض متعادين متحاربين، ليشمل هذا الخطاب آدم وحواء وإبليس والحية، واستُشهد على ذكر الحية بما ثبت من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الحيات وعدم مسالمتهن.
وقد تكرر لفظ الإهباط في القرآن لحِكَم جليلة تتعلق ببيان العداوة تارة والاشتراط على من تبع الهدى بالنجاة وسعادة الدارين تارة أخرى. ووردت آثار متعددة في مكان هبوطهم، فقيل: إن آدم أهبط بأرض دحنا بين مكة والطائف، وقيل: بالهند وحواء بجدة وإبليس بدستميان والحية بأصبهان، وقيل غير ذلك من الأقوال، مع ما رافق ذلك من تعليم الله لآدم صنعة كل شيء وتزويده بثمار الجنة.
تاسعاً: قصة احتجاج آدم وموسى:
وقد وقع الاحتجاج بين آدم وموسى عليهما السلام فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، حيث لَام موسى آدم على إخراج الناس من الجنة بسبب ذنبه وعصيانه لأمر ربه، فاحتج عليه آدم بأن الله قد قدر ذلك عليه وكتبه قبل أن يخلق بسنوات أو قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فحج آدم موسى. وقد اختلفت مسالك العلماء في توجيه هذا الحديث؛ فرده قوم من القدرية، واحتج به الجبرية، بينما بين المحققون أن احتجاج آدم كان بالقدر على المصيبة والإخراج المترتب على الأكل لا على المعصية في ذاتها، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولو كان القدر حجة على المعاصي لانفتح باب الاحتجاج لكل مذنب وانسدت أبواب الحدود والقصاص.
عاشراً: أصل خلق آدم عليه السلام:
وفيما يخص أصل الخلق، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله خلق آدم من قبضَة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ألواناً وخصائص مختلفة من بياض وحمرة وسوداء وسهل وحزن وخبيث وطيب. وقد وردت تفاسير مطولة عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما في كيفية بعث الملائكة لقبض الطين حتى أخذه ملك الموت من تراب مختلف الألوان، وبَلِّه حتى عاد طیناً لازباً، وخلقه بيده سبحانه وتعالى لئلا يستكبر إبليس عنه، وبقائه جسداً من طين مدة من الزمن قبل نفخ الروح فيه.
حادي عشر: بداية رحلة آدم عليه السلام على الأرض:
وتبدأ رحلة هبوط آدم وحواء إلى الأرض، حيث واجها مشقة هائلة وتعباً شديداً في توفير أساسيات حياتهما؛ فكابدا عناء الزراعة بداية من حبوب الأرض مروراً بحصدها ودرسها وطحنها وعجنها وخبزها وصولاً إلى تناولها بعد جهد عظيم، وكذا صنع أول كساء لهما من شعر الضأن جزّاه وغزلاه لنسج الجُبَب والدروع والخمائر. وهنا يبرز اختلاف العلماء حول ما إذا وُلد لهما أولاد في الجنة أم في الأرض، ويُفصّل ابن كثير -رحمه الله- النظام الذي شرعه الله لتناسل البشر من خلال ولادة ذكر وأنثى في كل بطن، حيث يُزوّج ابن كل بطن بأخت توأم البطن الآخر، وهو ما مهد لانتشار النسل البشري وامتداده في الأرض حتى قيل إن آدم رأى قبل وفاته نحو اربعمائة ألف نسمة من ذريته.
قصة قابيل وهابيل
ثم يستعرض الكتاب قصة ابني آدم، قابيل وهابيل، التي تجسد أول جريمة قتل على وجه الأرض. وقد بدأت القصة برفض قابيل الزواج بالطريقة المعتادة؛ لرغبته الشديدة في الزواج من أخته، حيث كانت أجمل بكثير من أخت هابيل، فأمرهما آدم بتقديم قربانٍ تظهر به الأمور، وغاب هو للحج، فقدم هابيل جذعة سمينة من غنمه وقدم قابيل حزمة من زرع، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل لتقواه، وسيره على سنن أبيه آدم.
وقد دفع الحسد قابيل أن يتوعد أخيه هابيل بالقتل، فواجهه هابيل بردٍ حكيم يفيض بالخلق الحسن والخشية من الله، رافضاً مدّ يد العدوان ومبيناً أنه يرضى أن يبوء قاتله بإثمه وآثامه. وفي إحدى الليالي، غدر قابيل بأخيه فقتله، وبعث الله غرابيْن يقتتل أحدهما بالآخر ويفحر في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، فندم قابيل ندماً شديداً وفعل مثله. وقد أورد ابن كثير -رحمه الله- أحاديث نبوية كثيرة تحذر من البغي والقطيعة، وتربط بين سنّ القتل الأبدي وبين جناية قابيل، مع تفنيد بعض المفاهيم الخاطئة حول انتقال سيئات المقتول للقاتل بمجرد القتل.
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.
قصة شيث بن آدم -عليه السلام-
وعقب وفاة هابيل، وُلِد لآدم ابنه "شيث" الذي يُعَدُّ هبة الله وخلفاً عن هابيل، والذي أُنزلت عليه خمس صحائف، وأوصى إليه أبوه عند احتضاره فعلمهُ ساعات الليل والنهار وعباداتها. وعندما حضر الموت آدم عليه السلام، اشتهى من ثمار الجنة؛ فجاءته الملائكة بها، ثم جاءته أكفان وحنوط ومساحي لتغسله وتكفنه وتحفره ودفنه، لتكون سُنة لبنيه من بعده، وقد ماتت حواء بعده بسنة، وتعددت الروايات في موضع دفنه بين الهند ومكة وبيت المقدس.
قصة إدريس -عليه السلام-
ثم يعرض الكتاب قصة إدريس عليه السلام، وهو "خنوخ" الذي جاء في عمود نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وأثنى الله عليه فوصفه بالصديقية والنبوة، وأنه أول من خط بالقلم. قال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ}، وقال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}.
ويناقش ابن كثير -رحمه الله- قصة رفع إدريس -عليه السلام- إلى السماء الرابعة التي ثبتت في صحيح حديث الإسراء والمعراج، وقد استعرض فيها ما ورد حول كيفية قبض روحه، وما امتزج بذلك من بعض الروايات والإسرائيليات، ليتتابع بعده نسل الأنبياء والصالحين وصولاً إلى نوح عليه السلام.
قصة نبي الله نوح والطوفان العظيم
أولاً: البداية والبعثة والتحذير من الشرك:
بدأت قصة الشرك في الأرض حين انتشر الفساد وعبادة الأصنام، فأراد الله عز وجل أن يرحمهم بإرشادهم إلى ما يُصلحهم، ويُعيدهم إلى جادة الطريق؛ فبعث فيهم نوح عليه السلام ليكون أول رسول يُبعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، والنهي عن عبادة ما سواها.
واستمر نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، مستخدماً كل وسائل الدعوة من ترغيب وترهيب، ودعوة في السر والجهار، والليل والنهار. قال تعالى مخبراً عن ذلك: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارً}
ومع طول هذه المدة، لم يؤمن معه إلا عدد قليل من المستضعفين، قال سبحانه: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا}
بينما استكبر سادة القوم وكبراؤهم، وردوا عليه بالاستهزاء والوعيد، ورموه بالضلال، ورفضوا إيمان الأضعفة معتبرين إياهم "أراذل القوم". قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}
ثانياً: صنع السفينة والاستهزاء المستمر:
لما يئس نوح عليه السلام من صلاح قومه، واشتد أذاهم وتوارث الأجيال عداوتهم له، دعا ربه مستنصراً: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}. فاستجاب الله دعاءه، وأوحى إليه أن يصنع سفينة عظيمة بأعينه ووحيه، وحذره وأمره ألا يخاطبه في الذين ظلموا لأنهم مغرقون لا محالة.
وبينما كان نوح يصنع السفينة في البر بعيداً عن البحار، كان الملأ من قومه يمرون عليه فيسخرون منه مستبعدين وقوع العذاب، فكان يرد عليهم بأنه إن سخروا منهم اليوم فسوف يعلمون قريباً من يأتيه عذاب يخزيه. قال تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ}.
ثالثاً: الطوفان العظيم ونجاة المؤمنين:
حين جاء أمر الله تعالى، وانفجرت الأرض عيوناً وانهمرت السماء بمطر غير مألوف، التقى الماء على أمر مقدر. أمر الله نوحاً أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر المخلوقات، مع أهله ومن آمن معه، عدا من سبق عليه القول بالكفر كابنه "يام" (أو كنعان). قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}، وقال سبحانه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ}.
ثم جاءت لحظة الغرق؛ حيث ركب المؤمنون السفينة، ونادى نوح ابنه ليركب معهم ولا يكن مع الكافرين، فأبى الابن وعصى أمر أبيه، قال جل شأنه حكاية عن نوح عليه السلام: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ فكان من المغرقين}، ولم ينفعه نسبه من أبيه النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم حدثا الطوفان العظيم، الذي شمل جميع أجزاء الأرض، وقد ارتفع الماء حتى غطى أعالي الجبال، ولم يبق على وجه الأرض كافر حي، حتى أن أم الصبي التي صعدت بولدها إلى رأس الجبل غرقت هي وولدها، فلو رَحِم الله أحداً لرحم أم الصبي. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}.
ثم يحكي القرآن عن انتهاء الطوفان، وذلك بعد أن أهلك الله الظالمين، أمر الأرض أن تبلع ماءها والسماء أن تقلع، فغيض الماء واستوت السفينة على جبل الجودي، ونزل المؤمنون يحمدون الله رب العالمين على النجاة والمنزل المبارك. قال تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
قصة نبي الله هود-عليه السلام-
أولاً: الطغيان، التكذيب، والهلاك العظيم
تُعد قصة قوم هود وعاد ونبيّهم هود عليه السلام واحدة من أعظم قصص القرآن الكريم التي تجسد صراع الحق مع الباطل، وتوضح بجلاء عاقبة الاستكبار في الأرض وتكذيب رسل الله. وينحدر قوم عاد من نسل عاصِر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. وهم أول الأمم التي عبدت الأصنام بعد الطوفان العظيم، كما قال تعالى:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً}.
ثانياً: القوة والتمكين والعمران والترف:
وهب الله لقوم عاد قوة بدنية هائلة وضخامة في الأجسام، وخصهم ببسطة في الخلقة والشدة والبطش لم يُخلِقْ مثلها في البلاد. وقد توسع قوم "عاد" في مظاهر الحضارة المادية، فكانوا يبنون في كل مكان مرتفع قصوراً ومعالم ضخمة عبثاً ودون حاجة سكنية حقيقية، متخذين المصانع والقصور المشيدة وكأنهم مخلدون في هذه الدنيا، كما نطق بذلك هود عليه السلام موبخاً إياهم:{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}.
ثالثاً: بعثة نبي الله هود عليه السلام ومضمون دعوته:
ولما تمادى القوم في الكفر والجفاء وأصروا على عبادة الأصنام، أرسل الله إليهم رجلاً منهم هو هوداً عليه السلام، فدعاهم إلى إفراد الله بالعبادة الخالصة وترك ما سوى ذلك، ورغبهم في طاعة الله واستغفاره، واعداً إياهم بخير الدنيا والآخرة والبركة والزيادة في القوة. قال تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}.
وبيّن هود عليه السلام لقومه أنه ناصح أمين لا يبتغي منهم أجراً ولا مالاً، بل أجرُهُ على الذي فطر السماوات والأرض، محذراً إياهم من عاقبة الإصرار على الكفر والعصيان. قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
رابعاً: استهزاء الكفار واتهاماتهم لهود عليه السلام:
وما دعا هود قومه؛ استكبر الملأ الذين كفروا من قومه، وردوا على دعوته بالإنكار والسخرية، معتبرين أن دعوته للتوحيد هي سفه وضلال مقارنة بما ورثوه عن آبائهم من تقديس الأصنام التي يرجون منها النصر والرزق. بل وصل بهم الحد إلى اتهامه بأن بعض آلهتهم قد غضبت عليه فأصابته في عقله بسوء وجنون، قائلين:{إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}.
ولما خوّفهم بالعذاب في الآخرة، أنكروا فكرة البعث بعد الموت والحساب، وأنكروا قيام الأجساد بعد أن تصبح تراباً وعظاماً، مرددين مقولة الدهرية:{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}. وعندما اشتد الحوار وأصرّ قوم عاد على طغيانهم وطالبوه بإنزال العذاب إن كان صادقاً فيما يقول ويدّعي، وقد أظهر هود عليه السلام شجاعة النبي الواثق بربه، فتبرأ من آلهتهم المزعومة، وتوكل على الله وحده، وتحدى كفار قومه غير مبالٍ بتهديداتهم، كما حكاه القرآن الكريم: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}.
خامساً: الابتلاء بالقحط ووفد الاستسقاء:
ولما أبى قوم عاد إلا الكفر، أمسك الله عنهم المطر وأصابهم محل وقحط شديد وقحط مستمر لمدة ثلاث سنوات حتى أجهدهم العطش وضاق بهم الحال؛ فلجأ قوم عاد إلى عادتهم في طلب الخير والفرج من الحرم (مكة)، فأرسلوا وفداً مكوناً من نحو سبعين رجلاً برئاسة قَيْل بن عنز ليستسقوا لهم عند الحرم. وفي طريقهم، نزلوا على معاوية بن بكر فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتسليهم الجاريتان (الجرادتان)، ثم توجهوا إلى الحرم فدعا داعيهم واستسقوا.
ثم خُيّر وفد قوم عاد بين ثلاث سحابات (بيضاء، حمراء، سوداء)، فاختار رئيس الوفد السحابة السوداء ظناً منه أنها أكثرها ماءً وغيثاً، فنودي من السماء بأنها سحابة العذاب والرماد الرمد، الذي لا يُبقي من قوم عاد أحداً ولا تذر ولداً ولا والداً إلا أهلكته، باستثناء بقايا قليلة (مثل بني اللوذية).
سادساً: الطوفان الهوائي والهلاك التام:
سَاقَ الله السحابة السوداء المليئة بالنقمة والعذاب إلى أودية قوم عاد، فلما رأوها متجيشة مقبلة نحو أوديتهم استبشروا وظنوها غيثاً ورحمة، فجاءهم الرد الإلهي القاطع: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}. وسلط الله عليهم الريح العقيم التي لا تُنتج خيراً ولا تلقح شجراً، واستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً متتابعة. وكانت الريح من شدتها ترفع أحدهم في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه، ليبقى جثة بلا رأس، مشبهين بأعجاز نخل منقعر أو خاوية.
قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
وفي المقابل، تولى الله حفظ ورعاية نبيه هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين، فاعتزلوا في حظيرة مباركة لا يمسهم من العذاب إلا ما تلين له الجلود وتلذ الأنفس، حتى انقضى أمر الله وتقطعت دابر القوم الظالمين، فأصبحوا عبرة لمن يعتبر عبر تاريخ البشرية جمعاء.
قصة قوم صالح عليه السلام
أولاً: قوم ثمود ونهاية المكذبين:
وهم قبيلة مشهورة، يقال لهم ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عاثر بن إرم بن سام بن نوح. وكانوا عرباً من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك. وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين.
وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك. فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو عبد الله ورسوله: صالح بن عبيد ابن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئاً. فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال، وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وبعد أن تآمر التسعة رهط على قتل نبي الله صالح عليه السلام، أرسل الله عليهم حجارة رضختهم وأهلكتهم تعجيلًا وسلفًا قبل بقية قومهم.
قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وأصبح قوم ثمود في يوم الخميس (اليوم الأول من أيام التأجيل والمهلة) ووجوههم مصفرّة، ثم في يوم الجمعة محمَرّة، ثم في يوم السبت مسودّة، تماماً كما أنذرهم صالح عليه السلام. وفي صبيحة يوم الأحد، جاءتهم صيحة من فوقهم ورجفة من أسفل منهم، فزهقت النفوس وأصبحوا في دارهم جاثمين بلا حراك، ولم ينجُ منهم إلا جارية مقعدة شديدة الكفر تُسمى "كلبة"، فلما رأت العذاب أُطلق رجلاها فهربت وأخبرت العرب ثم ماتت. قال تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ}.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عام تبوك عن دخول بيوت قوم ثمود والشرب من آبارهم إلا أن يكونوا باكين، خشيةً أن يصيبهم ما أصاب القوم الظالمين، وأمر بإراقة ماء العجائن.
قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام-
أولاً: نسب إبراهيم الخليل عليه السلام ومولده:
هو نبيُّ الله إبراهيم بن تارخ (تارَح) بن ناحور بن ساروغ بن راغو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام. والصحيح المشهور عند المحققين وأهل السير أن إبراهيم وُلد بأرض بابل في أرض الكلدانيين، وقيل: بولادته في غوطة دمشق بقرية برزة على جبل قاسيون (وهو مقام صلى فيه لاحقاً)، وكان قومه وجميع أهل الأرض حينئذٍ كفاراً يعبدون الكواكب والسبعة هياكل والأصنام سوى إبراهيم وامرأته سارَة وابن أخيه لوط عليه السلام.
ثانياً: مناظرة إبراهيم لقومه ودعوته لأبيه:
بدأ إبراهيم عليه السلام بدعوة أبيه آزَر (تارح) بحكمة ولطف، مبيناً له بطلان عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً، محذراً إياه من عذاب الرحمن، فرد الأب بالتهديد والوعيد والطرد {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}.
وأظهر إبراهيم -عليه السلام- الإنكار الشديد لتماثيلهم، وتبرأ منها وتحدى آلهتهم، فدخل عليها وكسرها جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون. فلما سألوه أنترنت فعلت هذا بآلهتنا؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فقاموا بحقده وقرروا حرقه بالنار.
قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}.
وقد أجمع القوم على إلقائه في الجحيم، فجاء الأمر الإلهي الحاسم الذي حفظ نبي الله:{يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}.
ثالثاً: مناظرة الكواكب والنجوم:
وقد أراد إبراهيم عليه السلام أن يقيم الحجة على قومه (وهم عبدة الكواكب والنجوم كأهل حران) ببيان بطلان ألوهيتها لتغيرها وأفولها، قال تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحِب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفت قال يا قوم إني بريء مما تشركون}. فبيّن لهم أن هذه الأجرام المسخرة لا تليق بها الألوهية، فوجه وجهه خالصاً لله وحده فاطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين.
رابعاً: قصة السعي وبئر زمزم:
ارتحل إبراهيم عليه السلام إلى الحجاز، بأمر الله، ومعه زوجته هاجر وابنه إسماعيل، فنزل بهم في وادٍ غير ذي زرع عند البيت الحرام. ثم ترك هاجر وإسماعيل هناك امتثالًا لأمر الله، بعد أن دعا ربه أن يجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم ويرزقهم من الثمرات. وكانت هاجر أمَّ إسماعيل، التي تزوجها إبراهيم عليه السلام، فكان من ذريتهما إسماعيل، ومن نسله خاتم الأنبياء محمد ﷺ.
ولما طال بالمجلس الأمد، فنفد ما في السقاء من ماء وفاض الحليب، وجاع الصبي وبكى، فانطلقت الأم لتلتمس لعلها ترى أحداً. ثم صعدت هاجر الصفا فنظرت فلم تترى أحداً، ثم هبطت حتى أتلفت الوادي عاضةً سعي الإنسان المجهد حتى صعدت المروة ففعلت ذلك سبع مرات.
فبينما هي جالسة إذ بعث الله ملكاً فحثا بقمده أو برجله فنبعت زمزم، فجعلت تحوضها وتكتئب لتمنع الماء من السيح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً" (أو كما قال).
خامساً: زيارات إبراهيم لإسماعيل وبناء البيت:
نزل إبراهيم عليه السلام قبيلة جرهم بالمنطقة لمكان الماء، وشب إسماعيل وتعلم العربية منهم، وتزوج منهم. وجاء إبراهيم زائراً فلم يجد ابنه، وسأل امرأته الأولى عن عيشهم فقالت: "نحن بشر وشر وضيق"، فأوصاها أن تغير عتبة بابها، فطلقها وتزوج غيرها.
ثم جاء ثانية فلم يجد ابنه أيضاً، فسأل الزوجة الجديدة فقالت: "نحن بخير وسعة وأثنت على الله خيراً"، فقال: "إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام ومريْه أن يثبت عتبة بابها".
سادساً: رفع القواعد من البيت:
التقى الخليل بابنه بعد غيبة، وأوحى الله إليهما بناء البيت الحرام، فرفعا القواعد من البيت وهما يدعوان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. وظلت مكة بلدًا آمناً ومثابة للناس، وجعل الله الأفئدة من الناس تهوي إليهم، ورزقهم من الثمرات، لتظل دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام حية وخالدة على مر العصور.
قصة نبي الله إسحاق عليه السلام
بشرت الملائكة إبراهيم وزوجته سارة بميلاد إسحاق عليه السلام حين مروا بهما مجتازين إلى مدائن قوم لوط، قال تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}. وحين تلقت سارة البشارة وهي عجوز عقيم صكت وجهها تعجباً، فقال لها الملائكة: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}.
وقد وُلد إسحاق بعد إسماعيل عليهما السلام، وجعل الله النبوة والكتب في ذرية إبراهيم من خلالهما، فبارك الله عليه وعلى ذريته الكريمة.ويشير الحافظ ابن كثير إلى أن المسجد الأقصى بُني بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، وقد جدد بناءه الأنبياء من بعد إبراهيم وإسماعيل وذريتهم عليهم السلام.
قصة لوط عليه السلام وعاقبة قومه
أولاً: بدايات القصة ونسب لوط:
هو لوط بن هاران بن تارح (آزر)، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام؛ إذ إن إبراهيم وهاران وناحور إخوة.
وقد نَحَب (نزح) لوط عن محلة عمه إبراهيم -عليه السلام -ببابل بأمره وإذنه، ونزل بمدينة سَدُوم من أرض غور زغر، وهي حاضرة قومه التي كانت تضم قرى مضافَة.
ثانيا:ً طغيان قوم سدوم وفاحشتهم
وكان أهل سدوم من أفجر الناس وأكفرهم، واقترفوا فاحشةً لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وهي إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله للنساء. قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}
وبالإضافة إلى الفاحشة التي كانوا يعملونها، فإنهم كانوا يقطعون السبيل، ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عنه، وتمادوا في طغيانهم متكبرين على دعوة لوط عليه السلام.
ثالثاً: قدوم الملائكة وبشارة إبراهيم:
وجاءت الملائكة (في صورة رجال أضياف) إلى إبراهيم عليه السلام مبشرين له ولزوجته إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. ولما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى، أخذ يجادل الملائكة في شأن قوم لوط استبقاءً للرجاء في توبتهم، فقيل له: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}.
رابعاً: دخول الملائكة على لوط وموقف قومه:
دخلت الملائكة على لوط عليه السلام في صورة شباب حسان الوجوه، فساءه ذلك وضاق بهم ذرعاً خوفاً عليهم من قومه الفاسدين لعلمه بسوء سيرتهم؛ ولما علموا بهم جاء أهل المدنية يهرعون إلى بيت لوط مستبشرين بالفاحشة، فحاول ردهم ناصحاً ومذكراً وطارحاً بناته لطهارتهم، فقالوا له بعناد وصلف: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}. وعندما بلغ الوجد بلوط أقصاه وعدم وجود القوة، أخبرته الملائكة بحقيقتهم قائلين:{يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ}.
خامساً: النجاة والعذاب الأليم:
ثم أمرت الملائكة لوطاً أن يسري بأهله بقطع من الليل، وألا يلتفت منهم أحد إلا امرأته، فإن موعدهم الصبح. قال تعالى: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.
ولما جاء أمر الله عند الصبح، جُعلت عالي المدن سافلها، وأمطر عليهم حجارَة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}.
قصة النبي شعيب عليه السلام
أولاً: نسبه وصفاته:
هو شعيب بن مكسور بن يشجر بن مدين بن إبراهيم (وقيل غير ذلك)، وكان يُسمى (خطيب الأنبياء) لفصاحته وبلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان بالله تعالى. وهو أحد الأنبياء العرب إلى جانب هود وصالح ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
ثانياً: دعوته وعناد قومه له:
وقد أرسل إلى قوم مدين، وكانوا قوماً كفاراً يقطعون السبيل، ويخيفون المارّة، ويعبدون "الأيكة" (وهي شجرة حولها غيضة ملتفة)، وكانوا يبخسون المكيال والميزان ولا يوفونهما. فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك الأفعال القبيحة وأخذ أموال الناس بالباطل، فآمن به قليل وكفر أكثرهم.
وقد ذكّرهم نبيُّهم بما حدث بالأمم السابقة كمثل قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط الذين لم يكونوا بعيدين عنهم لا مكاناً ولا زماناً ولا صفات. كما أمرهم بالاستغفار والتوبة، مبيناً أن رزق الحلال القليل (بقية الله) خير وأبرك من الكثير الحرام. فقابلوا دعوته بالإنكار والاستهزاء قائلين: {يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}.
ثالثاً: هلاك المكذبين ونجاة المؤمنين
استمر قوم شعيب في طغيانهم وعنادهم، فجاءهم العذاب أنواعاً متناسبة مع سياق القرآن الكريم الرجفة (= وهي زلزال شديد أزهق أرواحهم). ثم الصيحة (وهي صوت عظيم أخمد أصواتهم). وسماه عذاب يوم الظلة (أي: يوم الحر الشديد، بأن أرسل إليهم سحابة أمطرت عليهم شرر وشهب).
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}.
وكانت العاقبة أن أنجى الله تعالى شعيْبًا والذين آمنوا معه برحمة منه، وأصبح المكذبون في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها. قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ}
قصة نبي الله يوسف عليه السلام
أولاً: رؤيا يوسف عليه السلام:
رأى يوسف عليه السلام أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، فقصها على أبيه يعقوب عليه السلام الذي عرف علو منزلته، وأمره بكتمانها عن إخوته خوفاً من حسدهم وكيدهم. وكان يوسف عليه السلام هو الوحيد من إخوته الذي خُصّ بالرسالة والنبوة، مدعوماً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
ثانياً: كيد الإخوة وإلقائه في الجُبّ:
اتفق إخوة يوسف على التخلص منه حسداً لمحبة أبيه له ولاثنين منهما، فألقوه في قعر البئر، ثم جاءت سيارة (مسافرون)، فأخرجوه وباعوه بثمن بخس لمصر. قال جل شأنه: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ}.
ثالثاً: انتقال يوسف إلى مصر ومراوادة امرأة العزيز:
اشترى وزير مصر (العزيز) يوسف من سوق النخاسة بمصر، وأوصى زوجته بإكرامه، فلما كبر يوسف راودته امرأة العزيز عن نفسه، فاستعصم وعصمه الله ببرهانه. وشهد شاهد من أهلها ببراءته لِقُدّ قميصه من دُبُر، وظهرت براءته للجميع. قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.
رابعاً: محنة نسوة المدينة:
عندما لام نسوة المدينة امرأة العزيز، أجمعتهن ورأت كل واحدة سكيناً وأمرت يوسف بالخروج عليهن، فلما رأينه أبهرهن حسنه فقطّعن أيديهن وقلن ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم. قال تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ}
خامساً دخوله السجن:
ولحفظ ماء وجه امرأة العزيز ومنع الكلام، سُجن يوسف عليه السلام ظلماً، ودخل معه السجن فتيان رأيا فيه حُسن السمت والعبادة والإحسان، فقصّا عليه رؤياهما ليعبرها لهما. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}
بعد أن ظهرت براءة يوسف عليه السلام، اعترفت امرأة العزيز بخطئها، وتبيّن للملك صدقه وعفته، فأخرجه من السجن وقرّبه إليه، ثم ولّاه خزائن الأرض، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: 54]. ثم تولّى يوسف عليه السلام تدبير شؤون البلاد في سنوات الرخاء والجدب، حتى جاءت المجاعة، فقدم إخوته إلى مصر لشراء الطعام، فعرفهم ولم يعرفوه، ودبّر أمرًا أعاد به أخاه بنيامين إليه. وفي لقائهم الأخير كشف لهم عن نفسه قائلًا: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، ثم عفا عنهم ولم يقابل إساءتهم بالانتقام، بل قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ثم أرسل يوسف عليه السلام قميصه إلى أبيه يعقوب عليه السلام، فلما أُلقي القميص على وجهه عاد إليه بصره، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾. وارتحل يعقوب وأبناؤه إلى مصر، فاجتمع شمل الأسرة بعد فراق طويل، ورفع يوسف أبويه على العرش وخرّ له أبواه وإخوته سجّدًا تحيةً وتكريمًا، فتحققت رؤياه التي رآها في صباه، فقال: ﴿يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. ثم أقرّ بفضل الله عليه، ودعاه قائلًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. وهكذا انتهت محنته بالتمكين واجتماع الأسرة والعفو، وتجلّت سنة الله في أن الصبر والتقوى يقودان إلى حسن العاقبة.
قصة نبي الله أيوب عليه السلام
أولاً: نسب أيوب عليه السلام:
هو نبي الله أيوب من ذريَّة إبراهيم الخليل عليه السلام، وينحدر غالباً من سلالة العيص بن إسحاق، وكانت زوجته ابنة منشا بن يوسف بن يعقوب.
ثانياً: ابتلاء أيوب عليه السلام:
كان أيوب عليه السلام من أنبياء الله الصابرين، وقد ابتلاه الله تعالى في ماله وأهله وجسده، حتى اشتد به البلاء وطال أمده، ومع ذلك لم يفقد إيمانه ولم يتسخط على ربه. وقد أثنى الله عليه بصبره فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
ثالثاً: أدب اللجوء إلى الله تعالى:
ولما اشتد عليه الضر، لم يتوجه بالشكوى إلى الناس، وإنما لجأ إلى ربه بأدب وخضوع، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجاب الله دعاءه وكشف عنه البلاء، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. وأمره الله أن يضرب الأرض برجله، فخرج له الماء، قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾، فاغتسل وشرب فشفاه الله وردّ إليه عافيته، وأعاد إليه أهله ومثلهم معهم، وأكرمه من فضله.
ومن تمام رحمة الله به أن أيوب عليه السلام كان قد حلف أن يضرب زوجته مائة ضربة، فلما أراد الوفاء بيمينه بعد شفائه، رخّص الله له رحمةً به وبزوجته الصابرة أن يأخذ ضِغثًا، أي حزمة من العيدان، فيضربها بها ضربة واحدة، فيبرّ بيمينه ولا يحنث، قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
قصة نبي الله ذو الكفل عليه السلام
وأما ذو الكفل فقد اختلف أهل العلم في شأنه: أهو نبي أم رجل صالح؟ وقد ورد ذكره في القرآن مع جملة من الأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ *وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.. أما ما ورد من تفاصيل في قصته، ككونه تكفّل بالصيام والقيام وألا يغضب، أو محاولات إبليس إضلاله، فهي من الآثار التي تُروى في كتب التفسير والتاريخ، وليست ثابتة بنص قرآني صريح.
قصة نبي الله يونس عليه السلام:
بعث الله تعالى يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوه وأصرّوا على كفرهم، فخرج من بينهم مغاضبًا قبل أن يأذن الله له، وظن أن الله لن يضيّق عليه، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم ركب يونس عليه السلام سفينةً فاضطرب البحر، فاقترع أهلها فوقعت القرعة عليه، فألقي في البحر، فالتقمه الحوت بأمر الله، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وهناك في ظلمات البحر وبطن الحوت، لجأ إلى ربه بالتسبيح والاعتراف، فكانت دعوته سببًا في نجاته، وهي من أعظم أدعية الكرب: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
أما قومه، فلما رأوا أمارات العذاب وتحققوا نزوله، رجعوا إلى الله وتابوا وآمنوا، فرفع الله عنهم العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
ثم أنجى الله يونس عليه السلام من بطن الحوت، ونبذه بالعراء وهو سقيم، وأنبت عليه شجرةً من يقطين تظلله وتطعمه، قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾. وهكذا انتهت محنته بالنجاة والرحمة، واجتمعت في قصته دروس عظيمة في الصبر، والرجوع إلى الله، والتوبة، وحسن الظن برحمة الله.
قصة نبي الله موسى عليه السلام
كان فرعون طاغيةً متجبّرًا علا في الأرض واستعبد بني إسرائيل، فجعلهم طوائف يستضعفهم ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، خوفًا من مولود يكون سببًا في زوال ملكه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وحين وُلد موسى عليه السلام أوحى الله إلى أمه أن ترضعه، فإذا خافت عليه ألقتْه في اليم، ووعدها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وألقى الله محبته عليه، حتى نشأ في بيت فرعون نفسه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
ولما بلغ موسى عليه السلام أشده، آتاه الله حكمًا وعلمًا، ثم اصطفاه بالرسالة، وأمره أن يذهب إلى فرعون مع أخيه هارون عليه السلام، قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. ومع عظم طغيان فرعون، أمر الله موسى وهارون أن يدعواه بالرفق واللين: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
ولما خافا بطشه، ثبتهما الله بقوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. وأظهر موسى عليه السلام لفرعون الآيات البينات، ومنها العصا التي تحولت إلى ثعبان مبين، واليد التي خرجت بيضاء من غير سوء، فجمع فرعون السحرة ليعارضوا موسى في يوم الزينة، فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم وخُيّل للناس أنها تسعى، ألقى موسى عصاه فإذا هي ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، فعرف السحرة أن ما جاء به موسى ليس سحرًا، فخروا سجّدًا وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. ولم تثنهم تهديدات فرعون عن إيمانهم، بل قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
ثم ازداد فرعون وملؤه عنادًا، وأرادوا التنكيل بموسى وبني إسرائيل، فأوحى الله إلى موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلًا، فلحق بهم فرعون وجنوده حتى أدركوهم عند البحر. ولما رأى أصحاب موسى البحر أمامهم وفرعون خلفهم، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال موسى واثقًا بوعد الله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
فأمره الله أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر، ونجا موسى ومن معه، وأغرق الله فرعون وجنوده، قال تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. ولما أدرك فرعون الغرق أعلن إيمانه، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وجعل الله بدنه آية لمن بعده، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. وأنجى الله بني إسرائيل من عدوهم، ثم أورثهم الأرض المباركة، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
وبعد النجاة من فرعون، أنعم الله على بني إسرائيل بنعم عظيمة، فظلّلهم بالغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفجّر لهم الماء من الحجر، قال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقال: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾.
ثم واعد الله موسى أربعين ليلة، وذهب إلى ميقات ربه، وهناك كلمه الله، وسأل موسى ربه النظر إليه، فقيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلما تجلى الله للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا، فلما أفاق قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وفي غيابه فُتن بنو إسرائيل بالعجل الذي صنعه السامري.
فلما رجع موسى غضبان أسفًا أنكر عليهم عبادته، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾. ثم أبطل موسى العجل، وأمر بني إسرائيل بالتوبة، فتاب الله عليهم.
ومن أعظم أحداث حياة موسى عليه السلام رحلته إلى الخضر، حين أراد الله أن يعلّمه أن فوق كل ذي علم عليمًا. اصطحب موسى فتاه يوشع بن نون، حتى بلغ مجمع البحرين، فالتقى الخضر عليه السلام، واشترط عليه الصبر، ثم وقعت بينهما ثلاثة أحداث عظيمة: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وكان لكل حادثة حكمة خفية لم يعلمها موسى في بدايتها.
قال الخضر في ختام الرحلة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وتضمنت قصة موسى كذلك قصة القتيل الذي أحياه الله ببعض أجزاء البقرة، لتكون آية على قدرته على إحياء الموتى، قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
ومن القصص المتصلة بموسى عليه السلام قصة قارون، الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فبغى على قومه واغتر بماله، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾. فنصحه قومه قائلين: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾. ثم خسف الله به وبداره الأرض، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾، فكانت عاقبته عبرة لمن اغتر بالمال والجاه.
وقد أثنى القرآن على موسى عليه السلام ثناءً عظيمًا، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
وانتهت حياة موسى عليه السلام بعد أن أدى رسالته وجاهد فرعون وأخرج بني إسرائيل من استعباده، وتولى يوشع بن نون أمر بني إسرائيل من بعده، وهو الفتى الذي صحبه موسى في رحلته إلى الخضر. وقد ثبت في السنة أن موسى عليه السلام اختار الموت حين جاءه ملك الموت، وسأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة، وأن النبي ﷺ أخبر أنه لو كان عندها لأراه قبره عند الكثيب الأحمر. وهكذا كانت حياة موسى عليه السلام سلسلةً من الابتلاءات والمعجزات والمواقف العظيمة، انتهت بنصر الله لأهل الإيمان وهلاك الطغاة، لتبقى قصته شاهدًا على أن التمكين ثمرة الصبر، وأن عاقبة الطغيان الهلاك، وأن معية الله أقوى من كل قوة بشرية.
قصة نبي الله إلياس عليه السلام
بعث الله تعالى نبيَّه إلياس عليه السلام إلى قومه، وكانوا يسكنون بعلبك وما حولها، يدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة الصنم الذي كانوا يسمونه «بعلًا»، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وأنكر عليهم إشراكهم به، لكن أكثرهم كذبوه وأصروا على عبادتهم.
ومع ذلك أثنى الله على إلياس ومن آمن معه، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقد رُويت في شأن إلياس عليه السلام أخبار كثيرة عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما، تتحدث عن اختفائه في بعض المواضع أو رفعه إلى السماء وبقائه حيًّا، غير أن هذه الأخبار من الإسرائيليات التي لا يثبت بها حكم ولا عقيدة.
وقد بيّن أهل التحقيق أن ما لم يقم عليه دليل صحيح من الكتاب أو السنة لا يُجزم به؛ فلا يصح القول ببقاء إلياس عليه السلام حيًّا أو برفعه، بل الأصل أنه مات كما مات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ما لم يثبت دليل صحيح بخلاف ذلك. ويبقى الثابت الذي قصّه القرآن: أنه نبي مرسل دعا قومه إلى التوحيد، وكذبه أكثرهم، وأثنى الله عليه ووصفه بأنه من عباده المؤمنين والمحسنين.
قصة نبي الله داود وسليمان عليهما السلام
آتَى الله تعالى داود عليه السلام النبوة والملك، وجمع له بين القوة في الحكم والعبادة وحسن الإنابة، وأثنى عليه بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي صاحب قوة في طاعة الله، كثير الرجوع إليه. وقد كان من خصائص عبادته كثرة السجود والخشوع، ومن ذلك سجوده عند تلاوة سورة ص، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
وقد ورد أن هذا الموضع موضع سجود شكرٍ في حق أمة محمد ﷺ، لما رأى النبي ﷺ سجود داود عليه السلام توبةً، فسجد شكرًا لله، فصار سجود هذه الأمة فيه شكرًا. ومن فضائله كذلك ما قاله الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي له عند الله منزلة رفيعة ومرجع حسن في الآخرة. وكان داود عليه السلام معروفًا بحسن الصوت، وقد سخّر الله له الجبال والطير تسبح معه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾.
كما آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وأمره بالعدل في الحكم، فقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ فكان في سيرته اجتماع العبادة والعدل والحكمة، وفي ذلك قدوة لأهل الولاية والحكم في إقامة الحق ومحاسبة النفس.
وقد عاش داود عليه السلام عمرًا مباركًا، وتذكر بعض الأحاديث أن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم أخذ داود نصيبه من الأعمار، ثم زاد آدم من عمره أربعين سنة، فكان تمام عمر داود مائة سنة، وهي رواية مشهورة في السنة.
وأما وفاته، فقد وردت أخبار في كيفية قبض روحه وما وقع في جنازته، ومنها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه في دخول ملك الموت عليه وقبض روحه، وأن الطير ظللت جنازته بأجنحتها، وهي أخبار لا يثبت جميع تفاصيلها ثبوتًا كالأحاديث الصحيحة الصريحة، ولذلك يُكتفى في أمر وفاته بما ثبت من أنه مات وانقضى أجله.
قصة نبي الله سليمان عليه السلام
ثم خلفه ابنه سليمان عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، أي ورث النبوة والملك والعلم، لا المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون المال كما جاء في الحديث.
وآتاه الله ملكًا عظيمًا ومعجزات خاصة، فسخّر له الريح والجن، وعلّمه منطق الطير، ومن ذلك قصة النملة التي سمع قولها وهي تحذر قومها من جيش سليمان، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.
ومن أعظم قصصه كذلك قصة الهدهد وملكة سبأ، فقد تفقد سليمان الطير فوجد الهدهد غائبًا، ثم جاءه بخبر قوم سبأ الذين يعبدون الشمس، قال تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فأرسل سليمان إليها كتابًا يدعوها وقومها إلى الإسلام، وانتهت القصة بإيمانها بالله رب العالمين.
نبي الله إرميا عليه السلام وابتلاء بني إسرائيل
وتذكر كتب التاريخ والتفسير أخبارًا عن إرميا عليه السلام وما أصاب بني إسرائيل من الفساد والعصيان، وهي أخبار يغلب عليها الطابع التاريخي والإسرائيلي، فلا يصح الجزم بتفاصيلها إلا بما قام عليه الدليل. ومما اشتهرت به هذه الروايات أن إرميا حذّر قومه من عاقبة تمردهم على أمر الله وتركهم شرائع التوراة، وأن الله أنذرهم بالعقوبة إن أصروا على فسادهم، فكان من تلك العقوبة تسليط بختنصر عليهم، ودخوله بيت المقدس وتخريبه وقتل كثير منهم وسبي آخرين إلى بابل.
وهذه المعاني تتفق في أصلها مع ما ذكره القرآن عن إفساد بني إسرائيل في الأرض والعقوبة التي نزلت بهم، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
والعبرة التي ينبغي إبرازها من هذه الأخبار أن النسب إلى الأنبياء أو الانتساب إلى كتاب الله لا يغني عن العمل والطاعة، وأن الأمم إن أعرضت عن شرع الله واستبدلت به الهوى والفساد عرّضت نفسها للعقوبة.
وقد بيّن القرآن أن سنن الله لا تحابي أحدًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وفي قصة بني إسرائيل تذكير بأن النعم لا تدوم مع الكفر والجحود والظلم، وأن التمكين إنما يكون بالطاعة وإقامة الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾
قصة نبي الله دانيال عليه السلام
تذكر كتب التفسير والتاريخ قصة دانيال عليه السلام وما جرى له مع الأسدَين، إذ ألقاه قومه في جبٍّ فيه أسدان، فحفظه الله تعالى منهما ولم يمسّاه بسوء، وكانت نجاته آيةً من آيات حفظ الله لأنبيائه وأوليائه.
وقد وردت في شأنه آثار متعددة، منها ما يُروى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه وجد دانيال في تستر (شوشتر) بعد فتحها، وكان معه مصحف أو كتاب، فأرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمره أن يدفنه وألا يطلع الناس على ما وجد، دفعًا للفتنة. وهذه التفاصيل التاريخية لا يثبت جميعها بأحاديث صحيحة مرفوعة، ولذلك ينبغي روايتها بصيغة التمريض، مع الاقتصار على ما ثبت. وأما أصل النجاة من الأسد، فقد جاءت قصص مشابهة في الكتاب والسنة، بينما لا يوجد في القرآن نص صريح في قصة دانيال.
قصة العزير عليه السلام
ومن القصص التي اختلف العلماء في تعيين صاحبها قصة القرية الخاوية على عروشها، التي قال الله تعالى فيها: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾.
وقد اختلف المفسرون في اسم هذا الرجل، فقيل: عُزير عليه السلام، وقيل: أرميا عليه السلام، وقيل غير ذلك، ولا يوجد في الآية ما يعيّن اسمه. فأراه الله تعالى مثالًا محسوسًا على قدرته على إحياء الموتى، فسأله عن مدة لبثه، فأجاب بأنه لبث يومًا أو بعض يوم، فقيل له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. ثم قال الرجل بعد أن عاين الآية: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام
كان يحيى بن زكريا عليه السلام من أنبياء الله الصالحين، وقد آتاه الله الحكم منذ صغره، ووصفه بالطهارة والتقوى والبر بوالديه، فقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
وقد اشتهرت في كتب التاريخ أخبار عن مقتله ظلمًا، وما جرى من قصة دمه ورأسه عند بناء مسجد دمشق، غير أن كثيرًا من تفاصيل هذه الروايات لا يثبت بسند صحيح، فينبغي التمييز بين الثابت قرآنيًا وما تناقلته كتب الأخبار.
قصة السيدة مريم عليها السلام
وأما مريم عليها السلام، فقد اصطفاها الله تعالى وشرّفها، وكانت أمها قد نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
فتقبلها الله بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا، وجعل زكريا عليه السلام كافلًا لها، وكلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
ثم بشّرها الله باصطفائه لها ورفع منزلتها، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وقد ثبت في السنة فضل مريم عليها السلام، وجاء ذكرها مع خديجة وفاطمة وآسية في أحاديث الفضائل، وهن من أعظم نساء أهل الإيمان والطهارة.
قصة عيسى بن مريم عليه السلام
بعث الله تعالى عيسى بن مريم عليه السلام إلى بني إسرائيل، مؤيدًا بالبينات والمعجزات، وداعيًا إلى عبادة الله وحده. وقد غلت فيه طوائف من النصارى، فقال بعضهم: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، وقالوا: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، فردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾.
وبيّن القرآن حقيقة المسيح وأمه، فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، فهو عبد الله ورسوله، خلقه الله بكلمته من غير أب، كما خلق آدم من غير أب ولا أم، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وكانت أمه مريم عليها السلام من أطهر نساء العالمين، اصطفاها الله وطهرها، قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
وأظهر الله على يد عيسى عليه السلام آيات عظيمة تأييدًا لنبوته، فتكلم في المهد، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، وأخبر قومه أنه رسول الله إليهم، وجاءهم بالبينات، وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله، قال تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
ولما أراد اليهود قتل عيسى عليه السلام، تآمروا عليه، فأنجاه الله من كيدهم ورفعه إليه، ونفى القرآن صراحةً دعوى قتله وصلبه، فقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
أما التفاصيل التي تذكر كيفية إلقاء الشبه على شخص آخر ومن صُلب، فقد وردت فيها روايات متعددة، ولا يثبت منها شيء صريح في القرآن أو حديث صحيح يعيّن تفاصيل الواقعة؛ ولذلك يُكتفى بما ثبت يقينًا، وهو أن عيسى عليه السلام لم يُقتل ولم يُصلب، بل رفعه الله إليه.
وقد أدى هذا الاشتباه إلى اختلاف النصارى وتفرقهم في حقيقة المسيح، فجاء القرآن مصححًا للعقيدة ومبينًا أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم. كما ردّ القرآن على مشركي العرب الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، وعلى كل دعوى تجعل لله ولدًا أو شريكًا، مؤكدًا وحدانيته وتنزهه، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
ويُعد نزول عيسى عليه السلام من علامات الساعة الكبرى؛ فقد ثبت في السنة أنه سينزل في آخر الزمان، فيقتل المسيح الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة الإسلام. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية». وعند نزوله لا يأتي بشريعة جديدة، وإنما يحكم بشريعة محمد ﷺ، فيظهر الحق وتبطل عقائد الغلو فيه. وهكذا تتجلى حقيقة عيسى عليه السلام في القرآن: نبي كريم، وعبد لله ورسول، وكلمة ألقاها إلى مريم، آتاه الله المعجزات، ورفعه إليه، وسيعود في آخر الزمان آيةً من آيات الله، ليكون نزوله تصديقًا للحق وإبطالًا لما نسب إليه من الباطل.
__________________________________________________
ترجمة المؤلف ابن كثير -رحمه الله-
هو اسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي، أبو الفداء عماد الدين.
ولد في قرية المجدل - وفي رواية الجندل - من أعمال بصرى الشام سنة ٧٠٠ هـ الموافق سنة ۱۳۰۰ م وقيل سنة ۷۰۱ هـ الموافق سنة ۱۳۰۲ م، وتوفي في دمشق في ٢٦ شعبان سنة ٧٧٤ هـ الموافق ١٣٧٣ م.
انتقل الى دمشق مع أخيه عبد الوهاب واشتغل بالعلم على يديه، واجتهد في طلب العلم على أيدي كبار علماء عصره، وحفظ القرآن الكريم، تفقه على الشيخ برهان الدين الفزاري والشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، ولازم الحافظ الكبير أبا الحجاج المزي وصاهره، وكان المصنف من مدرسة شيخ الاسلام ابن تيمية، وقد أوصى بدفنه في تربته في مقبرة الصوفية خارج باب النصر من دمشق.
كان عالماً موسوعياً في التاريخ والسنة، خبيراً بالأسانيد والمتون وعللها، وعارفاً بالرجال، ومستوى كل منهم في الرواية والدراسة . وكذلك كان خبيراً بأقوال أهل الكتاب يورد ما في كتبهم من القصص ويقارن بينها وبين الرواية الاسلامية وينبه إلى ما في هذه الرواية من آثار أهل الكتاب.
قال عنه العلامة العيني كما جاء في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: « كان قدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، وسمع وجمع، وصنف ودرس، وحدث وألف، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ ...».
وقال عنه ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة: و اشتغل بالحديث مطالعةً في متونه ورجاله، وكان كثير الاستحضار وحسن المفاكهة، سارت تصانيفه في حياته، وانتفع الناس بها بعد وفاته ... ».
مصنفاته:
صنف ابن كثير عدداً من الكتب منها:
- التفسير - البداية والنهاية - السيرة النبوية ) مطولة ) - السيرة النبوية ( مختصرة ) -اختصار علوم الحديث - جامع المسانيد والسنن - التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل - رسالة في الجهاد - طبقات الشافعية - اختصار كتاب « المدخل الى كتاب السنن » للبيهقي - كتاب المقدمات - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فروع الشافعية -تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب في الأصول - شرح صحيح البخاري - كتاب الأحكام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق