أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 27 أغسطس 2026

حين تنهض من نومها محمد درويش -عام 1970 بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

حين تنهض من نومها 

محمد درويش -عام 1970

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: تكشف الدواوين الثلاثة (حين تنهض من نومها)، و(محاولة رقم 7)، و(تلك صورتها) عن سمة بارزة في الشعر الوطني عند محمود درويش، تتمثل في نقد الواقع العربي وآليات الهزيمة فيه، من خلال أسلوب ساخر يمزج بين المرارة والهزل. فالشاعر يستدعي مفردات النصر والمجد والوحدة والعروبة .. لكنه يكشف عن كونها أقنعةً تخفي واقعًا من العجز والتخاذل والاستبداد. ومن هنا يتشكل الوطن ككائن جريح تحاصره الخطب والقمم والبيانات، وقد غدا شعر شوقي شاهداً على وطن طالما تم بيعه وقبض ثمنه سلفاً.

ويتعمق هذا النقد حين ينتقل درويش في ديوانه (حين تنهض من نوها) من تصوير المأساة الجماعية التي ضربت أرض الوطن إلى مآسي الأفراد ومعاناتهم وتعرضهم للتنكيل والتعذيب والنزوح؛ ففي قوله: «نحن في المذياع أبطال، وفي التابوت أطفال، وفي البيت صور» يختصر مأساة الإنسان الفلسطيني في مواجهة واقعة، حيث يصنع منه الإعلام مادةً للبطولة التي يتحول فيها الإنسان من كائن يزرع أرضه ويُعمّر بيته، إلى جثة هامدة بين الركام، حتى لا يبقى في الذاكرة إلا الصورة

وبذلك تتكشف الهوة بين الخطاب الرسمي وحقيقة الإنسان، بين ما يُقال عن الموت وما يتركه الموت من فراغ في البيوت والأحياء والقلوب. كما يستحضر درويش الأنثى رمزًا للوطن، فلسطين والأرض والذاكرة والحبيبة، ويصنع من العشق صورةً من صور الانتماء، كما في قوله: «أنا آتٍ إلى ظل عينيك آتٍ، أنت موتي وحياتي». فاستطاع درويش أن يحول تجربته الوطنية إلى تجربة إنسانية ووجدانية تجمع الحب بالشهادة، والحياة بالموت، والأرض بالحبيبة.

أما من الناحية الأدبية؛ فينتمي النص إلى الشعر الحر، وقد عوّض درويش عن انتظام البيت التقليدي بإيقاع داخلي يتشكل من التكرار والتوازي والتضاد وتدفق الجمل وتتابع الصور، فتبدو القصيدة كأنها موجات متعاقبة من الذاكرة والغضب والسخرية والحزن. 

أما في ديوان محاولة رقم 7 (1973)، فيقدّم محمود درويش صورةً كثيفة للإنسان العربي الذي يعود من الحرب محمّلًا بالهزيمة، ويجعل من ذلك جرحًا تاريخيًا ونفسيًا عميقاً ومتراكمًا. فمنذ قوله: «مرّ ثلاثون عامًا وألف خريف وخمس حروب» يتداخل الزمن بالخراب، ويتحوّل العمر إلى سلسلة من الحروب والخسارات، حتى يبدو الرجوع إلى المدينة عودةً متكررة إلى الهزيمة: «وجئت المدينة منهزمًا من جديد». وهنا لا يعود الشاعر شاعرًا يتغنى بالنصر، بل شاهدًا على تاريخ عربي أثقلته الهزائم حتى غدا الحزن جزءًا من الذاكرة الجماعية. 

بينما في ديوان «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق» (1975)، يستعرض محمود درويش تجربة شعرية فريدة، يتداخل فيها الحب والوطن والأسر والموت، فلا تبدو الحبيبة مجرد امرأة، بل تتحول إلى رمز للوطن الأسير والإنسان المقهور. ومن خلال هذا التداخل، يجعل الشاعر التجربة العاطفية وسيلة للتعبير عن الجرح الوطني، فتغدو العلاقة بين «أنا» الشاعر و«أنت» المخاطبة علاقةً تتجاوز حدود العشق الفردي إلى معنى الانتماء والمقاومة. 

وفي هذه الدواوين الثلاثة يُصوّر درويش الحياة على أرض الوطن بصورتها الصادمة والمكثفة؛ إذ ينتقل من الأمل والحب والجمال إلى الجثة والدمار والموت، فتتبدل صورة الجسد الحي إلى جسد غائب لا يبقى منه إلا أثره. 

__________________________________________________

ديوان حين تنهض من نومها  – محمود درويش (1973)

يقول محمود درويش:

لستِ سمراءَ، ولستِ غزالاً، ولستِ الندى والنبيذ، وإنما أنتِ الحنين، فلا تموتي على شرفات الكآبة..

كل ما يقال عنك ارتجال وكذبة؛ لأنك ضائعة بين سماسرة الخطب الحامية، باعوك مثلما باعوا الوطن، ثم قالوا: هي الحرب كرٌّ وفرّ، ثم فرّوا .. وفرّوا .. وفرّوا، وتباهوا .. وتباهوا .. وتباهوا.

أوسعوا أعداءهم هجاءً وشتمًا، وأودوا بكل الوطن، لعبوا النرد وجعلوا من شعوبهم أحجارًا تحت ظلال النعاس، شربوا الخمر نخب انتصار الكراسي.

وحين مرت فرسانهم في المرايا، قالوا: ألهبوا الخيل وأخذوا السبايا. باعوا سيفًا لينالوا مجد الكراسي، باعوا حطين وقالوا: أنا آتٍ إلى ظل عينيك آتٍ.

أنتِ موتي وحياتي، فإذا كان مماتي فاذكريني واذكريني كما تذكرين العناوين في فهرس الشهداء؛ لأنني صادقت أحذية الصبية الصغار، ولأني قاومت كل عروس القياصرة الأقوياء.

لم أبع مهرتي في مزاد الشعار المساوم، لم أدق الطبول لعرس الجماجم، وأنا ضائع فيك بين المراثي والملاحم.

نحن في المذياع أبطال، وفي التابوت أطفال، وفي البيت صور. ليتهم لم يكتبوا أسماءنا في الصحف الأولى، فلم يولد حيٌّ من خبر.

__________________________________________________

ديوان محاولة رقم سبعة – محمود درويش (1973)

يقول محمود درويش:

«مرّ ثلاثون عامًا.. وألف خريف.. وخمس حروب،
وجئتُ المدينة منهزمًا من جديد،
وكنتُ أنا من مواليد عام الخروج،
كنتُ أحارب نفسي، وأعلن يأسي، وأعلن أن رحيلي قريب.

من أي عام جاء هذا الحزن؟
من أين تشابهت كل الشهور؟
تشابه الموتى، وما حملوا خرائط أو رسومًا،
أو إثمًا في الوطن، أو أغاني للوطن.
حملوا مقابرهم، وصاروا في مهمتهم،
وسرنا في جنازتهم،
وكان العالم العربي أضيق من توابيت الرجوع.

ولي الآن شتاءٌ من دم،
يمتصّه الرمل، ويستجلي الجموع،
وأُستدعى إلى الحرب،
لكي يصبح سعر النفط أعلى،
وأنسى الخلافة في السفر العربي الطويل.

ما أصغر الأرض، وما أكبر الجرح».

__________________________________________________

من ديوان تلك صورتها وهذا انتحار العاشق – محمود درويش (1975)

يقول محمود درويش:

«ارسم جسدي، ويداك فيها وردتان،
بيني وبينك خيمة أو مهرجان،
بيني وبينك صورتان،
لي وجهة وقصيدة ومهرجان،
في الأسر حبيبة السجّان،
في الأسر حبيسة السجّان».

_____________________________________________

نبذة عن محمود درويش

  • الاسم: محمود سليم حسين درويش.

  • الميلاد والوفاة: 31 آذار/مارس 1941 – 9 آب/أغسطس 2008.

  • الميلاد والنشأة: وُلد في قرية البروة في الجليل، وعاش طفولته في ظل أحداث النكبة الفلسطينية.

  • 1948: هُجّر مع عائلته إلى جنوب لبنان.

  • 1949: عاد مع عائلته متسللًا إلى الوطن، فوجدوا قريتهم البروة قد هُدمت وأقيمت على أرضها مستعمرة إسرائيلية، ليصبحوا لاجئين في وطنهم. وأقامت الأسرة في قرية دير الأسد في الجليل.

  • بعد الدراسة الثانوية: انتقل إلى مدينة حيفا، وعمل في جريدة الاتحاد ومجلة الجديد، وتولى لاحقًا رئاسة تحرير مجلة الجديد.

  • 1961–1969: تعرّض للاعتقال خمس مرات، كما واجه التضييق السياسي بسبب نشاطه الوطني.

  • 1967–1970: فُرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله، ومُنع من مغادرة حيفا مدة عشر سنوات.

  • 1970: انتقل إلى القاهرة، وعمل في جريدة الأهرام المصرية.

  • 1973: التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وتولى رئاسة تحرير مجلة شؤون فلسطينية التي يصدرها مركز الأبحاث الفلسطيني، ثم أصبح رئيسًا للمركز.

  • 1981: أسس مجلة الكرمل الأدبية.

  • 1982: غادر بيروت عقب الغزو الإسرائيلي للبنان.

  • 1987: انتُخب عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما انتُخب رئيسًا للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

  • 1988: صاغ نص إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة.

  • 1996: عاد إلى رام الله، وواصل إصدار مجلة الكرمل وممارسة نشاطه الأدبي والثقافي.

  • 2008: توفي في يوم السبت 9 آب/أغسطس 2008.، بعد أن ترك تجربة شعرية وأدبية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالقضية الفلسطينية والهوية والمنفى والذاكرة والوطن.

إنتاج محمود درويش الأدبي

  • الإنتاج الأدبي: أصدر محمود درويش 22 ديوانًا شعريًا و11 كتابًا نثريًا، إلى جانب عدد كبير من المقالات المنشورة في الدوريات والصحف العربية والمحلية والدولية.

  • الجوائز والتكريم: حصل على عشرات الأوسمة والجوائز المحلية والإقليمية والعالمية، تقديرًا لإسهاماته الشعرية والأدبية.

  • الترجمة: تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة عالمية، مما أسهم في انتشار شعره عالميًا.

من مؤلفاته النثرية

  • شيء عن الوطن – خواطر ومقالات، 1971.

  • يوميات الحزن العادي – خواطر ومقالات، 1973.

  • وداعًا أيها الحرب، وداعًا أيها السلام – 1974.

  • ذاكرة للنسيان – 1987.

  • في وصف حالتنا – 1987.

  • في انتظار البرابرة – 1987.

  • الرسائل – مع سميح القاسم، 1989.

  • عابرون في كلام عابر – 1991.

  • في حضرة الغياب – 2006.

  • حيرة العائد – 2007.

  • أثر الفراشة – 2008.

أما شعر محمود درويش، فمن أبرز دواوينه ومجموعاته الشعرية:

  • أوراق الزيتون (1964).

  • عاشق من فلسطين (1966).

  • آخر الليل (1967).

  • العصافير تموت في الجليل (1969).

  • حتى تنهض من نومها (1970).

  • أحبك أو لا أحبك (1972).

  • محاولة رقم 7 (1973).

  • تلك صورتها وهذا انتحار العاشق (1975).

  • أعراس (1977).

  • مديح الظل العالي (1983).

  • حصار لمدايح البحر (1984).

  • هي أغنية، هي أغنية (1986).

  • ورد أقل (1986).

  • أرى ما أريد (1990).

  • أحد عشر كوكبًا (1992).

  • لماذا تركت الحصان وحيدًا (1995).

  • سرير الغريبة (1999).

  • جدارية (2000).

  • حالة حصار (2002).

  • لا تعتذر عما فعلت (2004).

  • كزهر اللوز أو أبعد (2005).

  • لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي (2009).











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق