أحكام الوصية في الشريعة الإسلامية وما جرى عليه العمل في القانون الكويتي
"دراسة مقارنة"
٠د تهاني معيض عويد
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تُعدّ الوصية من الأنظمة الشرعية والمالية المهمة التي شرعها الإسلام لتنظيم تصرف الإنسان في ماله بعد وفاته، بما يحقق مقصده في إيصال الخير إلى من يختارهم من الأشخاص أو الجهات أو الأعمال الخيرية، مع مراعاة حقوق الورثة والمستحقين للتركة، وحفظ التوازن بين إرادة الموصي ومقتضيات العدالة الشرعية.
وقد تناول الفقه الإسلامي أحكام الوصية بتفصيل واسع، فبيّن شروطها وأحكامها، وحدود نفاذها، وأسباب بطلانها أو الرجوع عنها، وما يترتب عليها من آثار. ويتناول هذا البحث أحكام الوصية في الشريعة الإسلامية والقانون الكويتي، من خلال بيان مفهوم الوصية وأحكامها المتعلقة بالموصي والموصى له والموصى به، وأسباب بطلانها والرجوع عنها، وأحكام الوصية بالمنافع والمرتبات، والزيادة في الموصى به، وتزاحم الوصايا.
كما يسلط الضوء على أوجه الاتفاق والاختلاف بين الفقه الإسلامي والتشريع الكويتي، ومدى استفادة القانون الكويتي من الآراء الفقهية في تنظيم مسائل الوصية بما يحقق مقاصد الشريعة ويحفظ حقوق الورثة والموصى لهم. وقد برز ذلك بوضوح في مسألة تحديد الوصية في حدود الثلث، وأحكام الرجوع عنها، والوصية بالمنافع والمرتبات، والزيادة في الموصى به، وتزاحم الوصايا.
ومن ثمّ، فإن دراسة هذه الأحكام تُبرز مدى التداخل بين التأصيل الفقهي والتنظيم القانوني، وتوضح كيفية انتقال الأحكام الشرعية إلى نصوص قانونية تضبط الوصية وتكفل حسن تنفيذها وحماية حقوق أطرافها.
ومن خلال هذا البحث الرصين، يمكن استنباط فوائد ونتائج علمية وفقهية وقانونية من أحكام الوصية في الشريعة الإسلامية، ويمكن صياغتها على النحو الآتي:
عناية الشريعة الإسلامية بتنظيم الوصية؛ إذ جاءت أحكامها محققةً للتوازن بين حرية الإنسان في ماله وبين المحافظة على حقوق الورثة والمستحقين.
الوصية وسيلة من وسائل إيصال الخير إلى الأشخاص أو الجهات أو الأعمال الخيرية، بما يحقق للموصي الأجر والثواب بعد وفاته.
حفظ حقوق الورثة من خلال تقييد الوصية بثلث التركة، وعدم نفاذ ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة بعد وفاة الموصي.
تقديم سداد الديون على تنفيذ الوصية؛ لأن الوصية لا تُقدَّر إلا من صافي التركة بعد وفاء الديون المتعلقة بها.
تحقيق المرونة في الوصية الاختيارية؛ إذ يجوز للموصي الرجوع عنها ما دام حياً، سواء بالقول الصريح أو بالفعل الذي يدل على الرجوع.
الرجوع عن الوصية لا يقتصر على التصريح اللفظي، بل قد يتحقق بالتصرفات التي تخرج الموصى به عن ملك الموصي أو تغير حقيقته، متى دلت القرائن أو العرف على قصد الرجوع.
حماية الوصية من التعطيل بسبب التغيرات الطارئة في الموصى به؛ فقد فرّق الفقه والقانون بين الزيادة التي تلحق بالموصى به وتبقى تابعة له، والزيادة المستقلة التي يكون للورثة حق فيها.
إثبات مشروعية الوصية بالمنافع والمرتبات، بما يوسع مجالات الانتفاع بالوصية، فلا تقتصر على تمليك الأعيان، بل تشمل المنافع والغلات والمرتبات وغيرها.
مرونة الشريعة في التعامل مع الوصية للحمل والمعدوم المحتمل وجوده، بما يراعي الحالات المستقبلية ويحفظ حق من يتحقق وجوده وفق شروط الاستحقاق.
تحقيق العدالة عند تعدد الوصايا؛ فمن خلال أحكام التزاحم تُقدَّم الوصية الواجبة عند عدم اتساع الثلث، ثم توزع بقية الوصايا وفق الضوابط الشرعية والقانونية.
أهمية الأهلية في إجازة الوصية الزائدة على الثلث؛ إذ لا يعتد بإجازة الوارث إلا إذا كان كامل الأهلية وقادراً على التبرع.
ارتباط الأحكام القانونية بأصولها الفقهية؛ فقد استفاد قانون الأحوال الشخصية الكويتي من آراء الفقهاء، ولا سيما المذاهب الفقهية المعروفة، في تنظيم مختلف مسائل الوصية.
الاستقرار في المعاملات بعد وفاة الموصي من خلال تحديد ضوابط دقيقة لنفاذ الوصية وبطلانها والرجوع عنها وإثباتها.
الحد من النزاعات بين الورثة والموصى لهم؛ لأن تحديد شروط الوصية وحدودها وطرق إثباتها يساعد على منع المنازعات وحسمها عند وقوعها.
أهمية التوثيق في الوصية؛ لما له من دور في إثبات إرادة الموصي ومنع إنكار الوصية أو الرجوع عنها بعد وفاته.
مراعاة الشريعة والقانون لمصلحة الورثة والموصى لهم معاً، فلا تُهدر إرادة الموصي، ولا تُترك في الوقت نفسه دون قيود تضر بالورثة.
الوصية الواجبة تختلف في طبيعتها عن الوصية الاختيارية؛ فالواجبة تستند إلى حكم القانون وتنفذ وفق شروطها، بينما الاختيارية تقوم على إرادة الموصي ويجوز له الرجوع عنها في حياته.
دور العرف والقرائن في تفسير بعض تصرفات الموصي، ولا سيما في تحديد ما إذا كان الفعل الواقع على الموصى به يُعد رجوعاً عن الوصية أم لا.
شمول أحكام الوصية لمختلف صور الأموال والمنافع، مما يؤكد قدرة الفقه الإسلامي على استيعاب صور متعددة من التصرفات المالية.
الوصية ينبغي أن تكون وسيلة للإصلاح والتكافل، لا وسيلة للإضرار بالورثة أو مخالفة أحكام الشريعة، وهو ما ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ المال وتحقيق العدل وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي.
________________________________________________
خلاصة أحكام الوصية عند الشافعية
يمكن اختصار أهم الأحكام التي تطرق إليها البحث في النقاط الآتية:
الوصية مشروعة، وهي من التبرعات المضافة إلى ما بعد الموت.
يجوز للموصي الرجوع عن وصيته في حياته، كلها أو بعضها.
الأصل أن الوصية تنفذ في حدود الثلث.
لا تنفذ الزيادة على الثلث إلا بإجازة الورثة.
الوصية للوارث لا تنفذ إلا بالإجازة على التفصيل الفقهي.
الوصية للحمل جائزة بشروطها.
يشترط في الموصى له أن يكون أهلاً للتملك.
تصح الوصية بالأعيان وبالمنافع.
الوصية بالمنافع جائزة عند الشافعية.
إذا هلك بعض الموصى به بقي الحكم في الجزء الباقي بحسب قدر الوصية.
التصرف في الموصى به قد يكون رجوعاً إذا دل على قصد إبطال الوصية.
الزيادة في الموصى به لا ينبغي أن تحكم بحكم واحد، بل ينظر في طبيعتها وعلاقتها بالعين الأصلية.
تتزاحم الوصايا عند عدم اتساع الثلث لها، ويطبق في ذلك تفصيل المذهب.
إجازة الورثة للزيادة على الثلث لها أحكامها الخاصة، ولا يصح إطلاقها دون مراعاة شروطها.
وإليك نص البحث- فيما يلي:
________________________________________________
المقدمة
الحمد الله وكفي والصلاة والسلام على رسول االله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:
أولاً: أسباب اختيار الموضوع:
ترجع أسباب اختيار هذا الموضوع إلى ما يلي:
١-التعريف بالوصية في اللغة، والاصطلاح الشرعي، والقانوني.
٢-بيان أركان الوصية.
٣-بيان حالات بطلان الوصية والرجوع عنها.
٤-بيان الأحكام المتعلقة بالوصية وكل ما يتعلق بها.
ثانياً: أهمية الموضوع:
تتمثل أهمية البحث في كونه يسلط الضوء على قضيه مهمة تتعلق بالوصية وأحكامها في الشريعة الإسلامية قد وما جرى عليه في القانون الوضعي، وتحديداً قانون الأحوال الشخصية الكويتي.
ثالثاً: منهج الدراسة:
اعتمدت في هذا البحث على منهجين:
المنهج التحليلي: وذلك بتفسير المعلومات الشرعية المتعلقة بالموضوع واستنباط الأحكام المتعلقة بها.
المنهج التوثيقي: وذلك بتتبع المادة العلمية المتعلقة بالموضوع في كتب اللغة والتفسير والفقه وتجميعها على جزيئات البحث.
رابعاً: الدراسات السابقة:
- كتاب بعنوان: "فقه الأحوال الشخصية في الميراث والوصية" للأستاذ الدكتور/ هاني الطعيمات، وهو كتاب يتحدث عن فقه الأحوال الشخصية في الميراث والوصية، ذلك من خلال التعريف بمصطلح الأحوال الشخصية ونشأته، وشرح الأحكام المتعلقة بالميراث، والأحكام المتعلقة بالوصية في الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية الأردني، وتختلف هذه الدراسة عن دراستنا في تخصيصنا الدراسة للحديث عن أحكام الوصية في الشريعة الإسلامية على وجه الخصوص، واستعراض ما جرى عليه العمل في القانون الكويتي والمحاكم الكويتية.
- كتاب بعنوان ": الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبة الزحيلي.
وقد تناول فيه الدكتور وهبة الزحيلي أهم مسائل الفقه الإسلامي مدعمة بالآراء المذهبية وأهم النظريات الفقهية بشكل ،عام وخصص ً جزءا من هذه المسائل للحديث عن الوصايا من خلال استعراضه للوصية وتصرف مريض الموت والوصاية، ويختلف عن دراستنا في كونها دراسة متخصصة تتناول أحكام الوصية في الشريعة الإسلامية وموقف المشرع الكويتي في ذلك.
خامساً: خطة الدراسة:
تضم هذه الدراسة مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة، نعرض لهما على النحو التالي:
المقدمة.
الفصل الأول: تعريف الوصية، وحكمها، وأركانها:
المبحث الأول: تعريف الوصية.
المبحث الثاني: أركان الوصية.
الفصل الثاني: بطلان الوصية والرجوع عنها:
المبحث الأول: بطلان الوصية.
المبحث الثاني: الرجوع عن الوصية.
الفصل الثالث: أحكـام الوصيـة:
المبحث الأول: أحكام الوصية للموص له ى والموصي .به
المبحث الثاني: أحكام الوصية بالمنافع والمرتبات والزيادة وتزاحم الوصايا.
_________________________________________
الفصل الأول
تعريف الوصية وحكمها وأركانها
نتعرض بالدراسة من خلال هذا الفصل إلى تعريف الوصية وحكمها، وأركانها، على أن يكون ذلك في مبحثين على النحو الآتي:
المبحث الأول: تعريف الوصية وحكمها:
أولاً: تعريف الوصية:
الوصية لغةً:
أصل الوصية من الوصل، قال ابن فارس: الواو والصاد والياء أصل يدل على وصل شيء بشيء، ووصيت الشيء وصلته، والوصية ما أوصيت به. وأوصى الرجل ووصّاه: عهد إليه.
وورد ذكر الوصية في معانٍ عديدة، منها الفرض، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
وورد في مختار الصحاح للرازي تعريف الوصية لغةً بأنها: أن تقول أوصى له بشيء، وأوصى إليه جعله وصية، والاسم الوصاية، بفتح الواو وسكونها، وأوصاه توصية بمعنى الوصاة، وتواصى القوم وأوصى بعضهم بعضًا.
الوصية اصطلاحًا:
هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان ذلك في الأعيان أم في المنافع.
ولقد اختلف الفقهاء في تعريف الوصية، حتى في المذهب الواحد، وتعددت تعريفاتهم، وذلك بسبب اختلافهم في كون الوصية عقدًا أو تصرفًا في المال، أو أنها تشمل الإيصاء والوصية، أو أنها تقتصر على الوصية.
فعرفها الحنفية بأنها: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت على سبيل التبرع، عينًا كان أو منفعة.
وعرفها الشافعية بأنها: تبرع بحق مضاف، ولو تقديرًا، لما بعد الموت.
وبالتالي فالوصية عند الحنفية والشافعية تعتبر أعم من الإيصاء؛ ذلك أنها تصدق عندهم على تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، وتصدق على الإيصاء.
وفي المقابل، عرفها المالكية بأنها: عقد يوجب حقًا في ثلث مال عاقده، يلزم بموته أو نيابة عنه بعده.
وعرفها الحنابلة بأنها: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بالمال بعد الموت.
وبالتالي اتفق المالكية والحنابلة في أن الوصية والإيصاء بمعنى واحد.
الوصية قانونًا:
عرف قانون الأحوال الشخصية الكويتي الوصية بأنها: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت، والتصرف هو كل ما يصدر من الشخص بإرادته، وتترتب عليه آثار وأحكام طبقًا لما نص عليه الشرع.
كذلك فقد عرفها التشريع المصري بأنها: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت.
وأيضًا عرفها التشريع الأردني بأنها: تصرف بالتركة مضاف إلى ما بعد موت الموصي، وهو نفس ما نص عليه التشريع الإماراتي، حيث نص على أن الوصية تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد موت الموصي.
كذلك عرفها التشريع القطري بأنها: تصرف على وجه التبرع مضاف إلى ما بعد موت الموصي.
أما المشرع المغربي فقد عرف الوصية بأنها: عقد يوجب حقًا في ثلث مال عاقده يلزم بموته.
وأخيرًا فقد عرفتها وثيقة مسقط بأنها: تصرف على وجه التبرع مضاف إلى ما بعد موت الموصي.
ونلاحظ أن تعريفات القانون الكويتي والمصري والإماراتي والأردني أفضل التعريفات لمفهوم الوصية؛ حيث إنها أشمل وأضبط مما عرفها الفقهاء الأقدمون.
فكما وضحنا في تعريفها الفقهي بأنها تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، أو بأنها ما أوجبه الموصي في ماله بعد الموت، وهذان التعريفان لا يشملان بعض الوصايا، كالوصية بتقسيم التركة بين الورثة.
لكن تعريف هذه القوانين يشمل كل الوصايا، والتمليكات، والإسقاطات، وتقرير المرتبات، كما يشمل تقسيم التركة بين ورثة المتوفى، والوصية بالمنافع دون الأعيان.
ثانيًا: حكم الوصية
ثبتت مشروعية الوصية بالكتاب والسنة والإجماع، وذلك على النحو التالي:
أولًا: في القرآن الكريم
ثبتت مشروعية الوصية في القرآن الكريم، في قوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
ثانيًا: في السنة النبوية
روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
والحديث متفق عليه.
ثالثًا: في الإجماع
أجمع العلماء على جواز الوصية في كل العصور.
رابعًا: المعقول
جاءت الحاجة إلى الوصية في القربات والحسنات، وتداركًا لما فرّط فيه الإنسان في حياته من أعمال الخير؛ حيث إن الإنسان يحتاج إلى أن يختم عمله بالقربة، زيادة على القرب السابقة، أو تداركًا لما فرّط فيه في حياته، وذلك بالوصية.
وهذه العقود ما شُرعت إلا لحوائج العباد إليها، فإذا مست الحاجة إلى الوصية وجب القول بجوازها.
المبحث الثاني: أركان الوصية
اختلف الفقهاء في تحديد أركان الوصية، وهذا الخلاف جارٍ في سائر العقود.
فالحنفية يرون أن العقد هو تلاقي إرادتين، وهاتان الإرادتان خفيتان، والرضا أمر خفي؛ لذا جعلوا الصيغة معبرة عنه، وحصروا أركان الوصية في الصيغة؛ لأنها معبرة عن الإرادة، وكأن الركن عندهم هو الإرادة.
بينما يرى الجمهور أن الأركان تتعدى من الصيغة إلى من يمارس العقد، وحيث إن الوصية ليست عقد معاوضة، وأنها ذات طبيعة خاصة، لذا قالوا إن أركان الوصية أربعة، وهي:
الصيغة.
الموصي.
الموصى له.
الموصى به.
ونعرض لهذه الأركان فيما يلي:
الركن الأول: الموصي
الموصيِ: هو الشخص الذي ينشئ الوصية بما يدل على رغبته ورضاه بنقل الملكية إلى من يرغب في نقلها إليه بعد موته.
وقد اتفق الفقهاء على أن يكون الموصي أهلًا للتبرع، فلا تصح وصية الصبي والمجنون، كذلك لا تصح وصية العبد؛ لأنها تبرع، وهو ليس أهلًا للتبرع؛ حيث إنه لا يملك شيئًا حتى يملكه لغيره.
وتصح وصية السفيه، سواء أكان محجورًا عليه أم غير محجور عليه؛ لأن السفيه بالغ عاقل مكلف بالأحكام الشرعية والطاعات، وأن الوصية ليس فيها تضييع لماله؛ لأنها تصرف مضاف لما بعد الموت، ولو منع السفيه من التصرف فيما له فيه أجر وثواب سيفوته أجر وثواب كبير.
وقد نص قانون الأحوال الشخصية الكويتي على شروط الموصي، فاشترط:
أن يكون أهلًا للتبرع قانونًا.
إذا كان الموصي محجورًا عليه لسفه أو غفلة، أو بلغ من العمر ثماني عشرة سنة، جازت وصيته بإذن من المحكمة أو إجازتها.
الوصية الصادرة من المحجور عليه قبل الحجر للسفه أو للغفلة لا يحتاج استمرارها إلى إذن.
وصية المرتد والمرتدة نافذة إذا عادا إلى الإسلام.
الركن الثاني: المُوَصى له:
الموصى له هو الشخص أو الجهة التي تنتقل إليها ملكية الموصى به بعد موت الموصي.
وقد أورد قانون الأحوال الشخصية الكويتي شروط الموصى له، فنص على أنه يشترط فيه شرطان:
أن يكون معلومًا.
أن يكون موجودًا عند الوصية إن كان معينًا، فإن لم يكن معينًا يشترط فيه أن يكون موجودًا عند الوصية، لا وقت موت الموصي.
وذكرت الأحكام القانونية أن الوصية للمساجد والمؤسسات الخيرية وغيرها من جهات البر، والمؤسسات العلمية، والمصالح العامة صحيحة، وتصرف على عمارتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين مصرف الوصية لها بعرف أو دلالة.
كما تصح الوصية لله تعالى دون ذكر جهة معينة، ولأعمال البر من دون تعيين جهة منها، وتصرف حينئذ في وجوه الخير.
كما تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر غير موجودة، ولكنها ستوجد مستقبلًا، فإن تعذر وجودها صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة.
الركن الثالث: الموصى به:
الموصى به: هو الشيء الذي يجري تملكه مضافًا إلى ما بعد الموت على وجه التبرع.
اختلف الفقهاء في شروط الموصى به على النحو الآتي:
1-مذهب الحنفية
ذهب الحنفية إلى ضرورة أن يكون الموصى به مالًا، فلا تصح الوصية بما ليس بمال، كالدم. كما يشترط أن يكون المال متقوّمًا، فلا تصح الوصية بمال غير متقوّم كالخمر. ولا تصح الوصية بالمنافع؛ لأنها في معنى الإعارة، وهي تبطل بموت المعير الذي هو الموصي. كذلك لا تصح الوصية بما زاد على الثلث.
2- مذهب الشافعية
يرى الشافعية أن كل ما جاز الانتفاع به من مال أو منفعة جازت الوصية به، سواء أكان المال عينًا أم دينًا، حاضرًا أم غائبًا، معلومًا أم مجهولًا، مشاعًا أم محجوزًا. وتقدّر الوصية بالثلث.
3- مذهب الحنابلة
تصح الوصية عند الحنابلة حتى بما لا يصح بيعه، كالعبد الآبق والشارد، والحمل في البطن، والطير في الهواء، واللبن في الضرع؛ لأنها تصح بالمعدوم، فهذا أولى. ومن صور الوصية بالمعدوم: ما تحمله أمته أو شجرته أبدًا أو مدة معلومة، فإن حصل شيء فللموصى له بمقتضى الوصية، وإلا ففي حمل الأمة تكون قيمته يوم وضعه.
وتصح الوصية بالمنفعة المفردة، كخدمة عبد أو أجرة دار، كما تصح بالمبهم، كأن يوصي بثوب أو عبد أو شاة؛ لأنها إذا صحت بالمعدوم فالمجهول أولى.
4- مذهب المالكية
يشترط المالكية أن يكون الموصى به مملوكًا ملكًا تامًا، وأن تكون الوصية بقربة، فلا تجوز الوصية بمعصية، ولا بما لا يصح تملكه لمسلم. أما إذا أوصى كافر لكافر بخمر، فالوصية صحيحة؛ لصحة تملكه.
شروط الموصى به في القانون الكويتي
اشترط قانون الأحوال الشخصية الكويتي في الموصى به ثلاثة شروط:
أن يكون مما يجري فيه الإرث، أو يصح أن يكون محلًا للتعاقد حال حياة الموصي.
أن يكون متقوّمًا عند الموصي إذا كان مالًا.
أن يكون موجودًا عند الوصية في ملك الموصي إذا كان معينًا بالذات.
الركن الرابع: الصيغة
يراد بالصيغة الإيجاب من الموصي، كقوله: «أوصيت له بكذا»، أو «ادفعوا إليه»، أو «أعطوه بعد موتي»، والقبول من الموصى له المعين.
ولا يصح القبول أو الرد في حياة الموصي، ولا يشترط الفور في القبول بعد الموت.
وقد ذكر قانون الأحوال الشخصية الكويتي أن الوصية تنعقد بالعبارة أو بالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزًا عنهما انعقدت الوصية بإشارته المفهمة.
والمقرر عند الحنفية، كما قررته المذكرة الإيضاحية لقانون الأحوال الشخصية الكويتي، أن التصرف ينشأ بالعبارة إن كان المتصرف قادرًا عليها، ولا تغني الكتابة عن العبارة إلا إذا كان العقد بالمراسلة، إذ إن المشافهة غير ممكنة في هذه الحالة، فتقوم الكتابة مقامها.
والأصل في الدلالات أن تكون بالألفاظ، فلا ينتقل إلى غيرها إلا عند العجز. فإذا كان الموصي عاجزًا عن العبارة، كالأخرس ومن اعتقل لسانه، قامت الإشارة المفهمة أو الكتابة مقام اللفظ. وإذا كان لا يستطيع النطق ولا يعرف الكتابة اكتفي بالإشارة، وإن كان يعرف الكتابة ففي المذهب رأيان: أحدهما أنه لا يجوز العقد بالإشارة، والثاني أنها تكفي.
وقد جرى القانون على غير مذهب الحنفية؛ إذ سوى بين انعقاد الوصية بالعبارة والكتابة، ولم يجعل جواز الإنشاء بالكتابة مقصورًا على عدم إمكان العبارة، بل جعل انعقاد الوصية بالإشارة عند العجز عن العبارة أو الكتابة. وفي رواية جواز إنشائها بالكتابة ثم قراءتها عليه، وهذا يتفق مع مذهب الإمام مالك وقول في مذهب الإمام أحمد.
ويلاحظ أن القانون جعل الكتابة تقوم مقام عبارة الموصي بلا فارق بينهما، وأنه لا يجوز الالتجاء إلى إشارة الموصي إلا عند عجزه عن العبارة والكتابة.
كما يلاحظ أن القانون عدّ الوصية تصرفًا ينشأ بالإرادة المنفردة؛ إذ بمجرد صدور العبارة الدالة على إرادة الشخص لتصرف معين في تركته بعد وفاته، تعتبر الوصية قد وجدت بحكم القانون، إلا أن وجودها هذا ليس وجود لزوم؛ فالوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، ولذلك كان عقدها عقدًا جائزًا غير لازم.
ولهذا تبطل الوصية بخروج الموصي عن الأهلية، كما لو أصيب بجنون مطبق.
كذلك نص التشريع المصري على أن الوصية تنعقد بالعبارة أو بالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزًا عنهما انعقدت الوصية بإشارته المفهمة.
ونص التشريع الأردني على أن الوصية تنعقد بالعبارة إن كان الموصي قادرًا عليها، وإلا فبالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزًا عنهما انعقدت بالإشارة المعلومة، ولم يذكر التشريع الأردني باقي أركان الوصية.
أما التشريع الإماراتي فقد أكد أن أركان الوصية هي: الصيغة، والموصي له، والموصي به. وتنعقد الوصية بالعبارة أو بالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزًا عنهما فبالإشارة المفهومة.
الفصل الثاني: بطلان الوصية والرجوع عنها
نتعرض في هذا الفصل إلى بطلان الوصية والرجوع عنها، وذلك من خلال مبحثين: نتناول في الأول بطلان الوصية، ثم نتناول في الثاني الرجوع عن الوصية.
المبحث الأول: بطلان الوصية
المقرر شرعًا وقانونًا أن الوصية إذا وقعت مستوفية لمقوماتها وشروطها كانت صحيحة، فإذا مات الموصي عليها ولم يوجد ما يبطلها، وقبلها الموصى له، نفذت وترتبت عليها آثارها.
وقد يحدث ما يبطل الوصية، ومبطلات الوصية كثيرة، فقد تكون من جهة الموصي، أو من جهة الموصى له، أو من ناحية الموصى به.
أولًا: مبطلات الوصية من جهة الموِصي:
1. جنون الموصي:
تبطل الوصية عند الحنفية بالجنون المطبق إذا اتصل به الموت، ويشمل ذلك العته؛ لأن الوصية عقد غير لازم كالوكالة، فيكون لبقائها حكم ابتدائها.
والجنون المطبق هو ما دام شهرًا فأكثر، فإن لم يكن الجنون مطبقًا فلا تبطل الوصية؛ لأنه في هذه الحالة يشبه الإغماء، وهو غير مبطل للعقد، لأن الإغماء لا يزيل العقل.
بينما ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوصية لا تبطل بالجنون، سواء أكان مطبقًا أم لا، وسواء اتصل بالموت أم لم يتصل، متى كان الموصي كامل الأهلية وقت إنشائها؛ لأن العقود والتصرفات تعتمد في صحتها على تحقق الأهلية وقت إنشائها فقط.
2. ردة الموصِي:
أخذ الحنفية والشافعية ببطلان الوصية بالردة، وكذلك ردة الموصى له عند المالكية إذا مات مرتدًا ولم يرجع إلى الإسلام، بينما يرى الحنابلة صحة وصية المرتد.
وقد نص قانون الأحوال الشخصية الكويتي على أن وصية المرتد والمرتدة نافذة إذا عادا إلى الإسلام.
ثانيًا: مبطلات الوصية من جهة الموصى له:
1. الوصية لوارث:
تبطل الوصية لوارث عند المالكية، فتبطل ولو أجازها الورثة، استنادًا إلى الحديث: «لا وصية لوارث».
2. قتل الموصى له للموصي:
إذا أوصى شخص لآخر، ثم قتل الموصى له الموصي بعد الوصية، بطلت الوصية إذا كان القتل عمدًا، قياسًا على الميراث، وللقاعدة الفقهية المشهورة: «من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه».
وقال الإمام مالك رحمه الله: تصح؛ لأنها هبة، والقتل لا يمنعها كالحياة. والرأي الأول أولى.
3. رد الموصى له الوصية:
يقصد برد الوصية رفضها وعدم قبولها. وقد أجمع الفقهاء على جواز رد الموصى له الوصية، بشرط أن يقع الرد بعد وفاة الموصي لا قبلها.
4. موت الموصى له:
يشترط أن يكون الموصى له حيًا غير ميت. فلا تصح الوصية لمن لا يملك، فإذا أوصى لميت لم تصح الوصية؛ لأنها تمليك، فلم تصح للميت كالهبة.
ثالثًا: مبطلات الوصية من جهة الموصى به:
1. هلاك الموصى به:
تبطل الوصية إذا هلك الموصى به المعين بالذات أو بالنوع، سواء أكانت الوصية به كله أم بجزء شائع منه.
2. استحقاق الموصى به للغير:
تبطل الوصية إذا ثبت استحقاق الموصى به لغير الموصي، سواء أكان ذلك قبل موت الموصي أم بعده؛ لأنه تبين بهذا الاستحقاق أن الموصى به ليس مملوكًا له.
3. الهلاك أو الاستحقاق الكلي والجزئي:
قد يكون البطلان في حالتي الهلاك والاستحقاق كليًا إذا هلك الموصى به كله أو استحق كله، وقد يكون جزئيًا إذا كان الهلاك أو الاستحقاق لبعضه فقط.
4. تعليق الوصية على شرط لم يحصل:
تبطل الوصية إذا علّقها الموصي على شرط لم يتحقق، كأن يقول: «إن مت من مرضي هذا، أو من سفري هذا، فلفلان كذا»، ثم لا يموت من المرض أو السفر؛ لأن الوصية عُلقت على الموت في المرض أو السفر ولم يتحقق الشرط.
وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والشافعية.
المبطلات قانونًا
نص قانون الأحوال الشخصية الكويتي على بعض مبطلات الوصية، وأكد أن الوصية تبطل بسببين أساسيين:
أ- موت الموصى له قبل موت الموصي:
موت الموصى له في حياة الموصي يبطل الوصية؛ لأن الموصى له لا يملك الموصى به إلا بعد وفاة الموصي، وعند ذلك يكون الموصى له معدومًا بوفاته.
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، وقد أخذ القانون بهذا الرأي؛ لأن الموصى له في هذه الحالة يكون معدومًا وغير أهل لأن يملك.
وقد روي هذا القول عن علي رضي الله عنه، وبه قال الزهري، وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وفي المغني لابن قدامة أن وفاة الموصى له في حياة الموصي تبطل الوصية، سواء أعلم الموصي بموته أم لم يعلم.
كما أن وفاة الموصى له في حياة الموصي تؤدي إلى زواله وانعدامه، فتبطل الوصية لذلك. وينطبق ذلك أيضًا إذا كان الموصى له منشأة أو مدرسة أو مستشفى، فألغيت وزالت من الوجود في حياة الموصي، فإن الوصية لها تبطل أيضًا؛ لانعدام الموصى له وعدم توقع وجوده بعد ذلك.
وكذلك تبطل الوصية إذا كانت لمعدوم لم يوجد حين وفاة الموصي، ثم توفي الموصى له قبل وجوده وبعد وفاة الموصي. ومن أمثلة ذلك أن يوصي شخص لآخر بسكنى داره سنة تبدأ بعد وفاته بستة أشهر مثلًا، ثم يموت الموصي مصرًّا على وصيته، ويقبلها الموصى له بعد وفاته، ثم يموت الموصى له قبل مضي الأشهر الستة.
ب- هلاك الموصى به المعين قبل قبول الموصى له:
تبطل الوصية إذا هلك الموصى به المعين قبل قبول الموصى له، إذ لا يبقى محل للوصية بعد هلاك الشيء الموصى به.
نص القانون على الهلاك بصفة عامة، ولذلك يستوي أن يكون الهلاك بآفة سماوية لا يد لأحد فيها، أو أن يكون الهلاك نتيجة اعتداء على الموصى به من غير الموصي، وسبب ذلك هو زوال محل الوصية.
والوصية بعينٍ ليست وصية بضمانها وبدلها عند استهلاكها. أما إذا كان الهلاك بعد وفاة الموصي وقبل القبول، فإنه يكون مبطلًا للوصية إذا كان بغير اعتداء على الموصى به يستوجب الضمان؛ وذلك لزوال محلها.
أما إذا كان الهلاك نتيجة اعتداء مستوجب للضمان، كأن يتعدى إنسان على الموصى به فيتلفه أو يتلف شيئًا منه، فإن قيمة ما أتلف يتعلق بها حق الموصى له.
فإذا قبل الموصى له الوصية، تملك تلك القيمة بالقبول. وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة، وذلك في الموصى به المعين أو في الموصى به جزء من معين.
أما إذا لم يكن الموصى به معينًا ولا جزءًا من معين، فلا يتصور هلاكه.
وتبطل الوصية في الجزء الهالك إذا هلك بعض المعين الموصى به، كأن يوصي بهذه النقود فيضيع نصفها، أو بهذه الأفراس فينفَق عشرة منها؛ فإن الوصية تظل باقية فيما تبقى من النقود أو الأفراس، وتبطل فيما ضاع أو هلك.
قتل الموصي وأثره في استحقاق الوصية:
بالإضافة إلى ذلك، يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الوصية الواجبة قتل الموصي أو المورث عمدًا، سواء أكان القاتل فاعلًا أصليًا أم شريكًا، أو كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام على الموصي وتنفيذه.
ويشترط في ذلك أن يكون القتل بلا حق وبلا عذر، وأن يكون القاتل مسؤولًا جنائيًا، ويعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي.
وقد أخذ القانون في هذا الحكم من مذاهب فقهية مختلفة، فأخذ برأي أبي يوسف من الحنفية في اعتبار القتل مانعًا من الاستحقاق مطلقًا، سواء أجاز الورثة أو الموصي الوصية أم لم يجيزوها بعد القتل وقبل الموت.
كما أخذ في القتل بالتسبب، ومنه شهادة الزور التي تؤدي إلى القتل، بمذهب الإمام أحمد. وأخذ في اشتراط كون القتل بغير حق وبغير عذر برأي أبي يوسف وسائر الأئمة.
وعند المالكية يستحق القاتل الوصية سواء أكان القتل عمدًا أم خطأ، وهو أحد أقوال الإمام الشافعي.
وقد اتفق الفقهاء على أمرين:
أن القتل بحق لا يمنع نفاذ الوصية، كالقتل قصاصًا، أو دفاعًا عن النفس، أو القتل حدًا.
أن القتل عند فقد العقل أو غيابه لعارض لا يمنع الاستحقاق، وكذلك إذا كان هناك عذر في القتل، كقتل من يفاجئ الإنسان مع أهله، وقتل ذات رحم محرم منه في حالة الزنى.
المبحث الثاني: الرجوع عن الوصية
الوصية الاختيارية عقد غير لازم، يجوز الرجوع فيه في أي وقت شاء الموصي.
وسبب ذلك أن الذي صدر من الموصي في حياته هو الإيجاب، والتصرفات الشرعية لا تلزم إلا إذا ارتبط بهذا الإيجاب حق للغير. والوصية لا تنفذ إلا بعد وفاة الموصي، ولذلك لا يترتب عليها أي حق للموصى له إلا بعد الوفاة.
ومادامت الوصية لم ترتب حقًا للموصى له حال حياة الموصي، فإن للموصي أن يرجع في الإيجاب الذي صدر منه، ويصح هذا الرجوع في أي وقت.
والرجوع إما أن يكون صريحًا أو دلالة.
أولًا: الرجوع الصريح
الرجوع الصريح هو ما كان بلفظ صريح في الرجوع، مثل قول الموصي:
«رجعت عن وصيتي لفلان».
«تركتها».
«أبطلتها».
«نقضتها».
«ما أوصيت به لفلان فهو لورثتي».
وهذا متفق عليه فقهًا وقانونًا؛ لأنه صريح في عدول الموصي عن وصيته، وهو يملك العدول عنها متى شاء.
ولا يعد رجوعًا عن الوصية قول الموصي: «ندمت على الوصية التي أوصيت بها لفلان»، أو «تعجلت»، أو «أخرت الوصية»، لأن التأخير لا يستلزم السقوط، كتأخير الدين عن المدين.
وكذلك قول الموصي: «كل وصية أوصيت بها لفلان فهي حرام» لا يدل بمجرده على الرجوع، كما أن تغيير الموصى له من زيد إلى خالد مثلًا لا يعد بالضرورة رجوعًا عن الوصية، بل يكون الموصى به مشتركًا بينهما بحسب المقصود من العبارة.
ثانيًا: الرجوع دلالة:
الرجوع دلالة هو كل تصرف أو فعل في الموصى به يفيد رجوع الموصي عن الوصية.
1. التصرف القولي الذي يخرج العين عن ملك الموصي:
من صور ذلك أن يبيع الموصي الشيء الموصى به، أو يهبه، أو يتصدق به، أو يجعله مهرًا، أو يوقفه.
وهذا متفق عليه فقهًا وقانونًا.
لكن اختلف الفقهاء في عودة الوصية إذا عاد الملك إلى الموصي:
مذهب الجمهور: متى بطلت الوصية بخروج الموصى به عن ملك الموصي، فلا تعود بعد ذلك بعودة الملك؛ لأن الإقدام على التصرف يعد قرينة قاطعة في ذاته على الرجوع.
مذهب المالكية: إذا عاد الموصى به إلى ملك الموصي عادت الوصية من غير حاجة إلى إيصاء جديد.
والظاهر رجحان الرأي الأول، وهو الذي أخذ به القانون؛ لفوات محل الوصية بزوال ملكية الموصي عنه.
2. الأفعال التي تدل على الرجوع
الأفعال في العين الموصى بها ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يدل على الرجوع بالاتفاق
وهو استهلاك العين الموصى بها أو تغيير حقيقتها، كذبح الشاة الموصى بها، وغزل القطن الموصى به، ونسج الغزل، ونحو ذلك مما يغير حقيقة الشيء ويجعله شيئًا آخر غير الموصى به.
ويلحق بذلك ما تغيرت به العين بنفسها، بحيث زال اسمها، كصيرورة العنب زبيبًا والبيض فراخًا ونحو ذلك.
وكذلك إذا غيّر الموصي الشيء بفعل منه تغييرًا أزال اسمه، كنسج الغزل، وصوغ المعدن، وطحن الحنطة، وتفصيل البفتة، وتذرية الحب، فإن ذلك يعد رجوعًا، حتى عند المالكية.
النوع الثاني: ما لا يدل على الرجوع بالاتفاق
وهو كل فعل تابع للعين أو متعلق بصفة من صفاتها، بحيث لا يحدث تغييرًا في حقيقة العين ولا يزيل اسمها.
ومن أمثلته:
جز الصوف.
حلب اللبن.
سقي الزرع أو الشجر.
تشذيب الأشجار.
تجصيص الدار وزخرفتها.
ترميم الدار.
فهذه الأفعال تعلقت بأمر خارج عن عين الموصى به، فلا تدل على الرجوع.
وكذلك فإن التصرف في الموصى به بما لا يخرجه عن ملك الموصي، كالإجارة والإعارة، لا يعد رجوعًا عن الوصية.
النوع الثالث: ما اختلف فيه الفقهاء:
وهو إحداث زيادة في الموصى به يمكن تسليم العين بدونها، كصبغ الثوب، وبناء الأرض وزراعتها، وخلط الطحين بالسمن، وخلط الموصى به بما يمكن تمييزه إلا بمشقة، كخلط الدقيق بالسكر، أو خلط القمح الموصى به بقمح آخر أو بشعير.
وعند الجمهور: يعد ذلك من قبيل الرجوع دلالة.
وعند المالكية: لا يعد رجوعًا إلا إذا قامت قرينة أخرى تدل على إرادة الموصي الرجوع عن الوصية.
موقف التشريع الكويتي من الرجوع:
ذهب التشريع الكويتي إلى أنه إذا استوفت الوصية شروط صحتها عند إنشائها، ولم يحدث قبل الوفاة ما يبطلها، فهي صحيحة، وتكون لازمة إذا كانت وصية واجبة.
أما الوصية الاختيارية فهي عقد غير لازم، يجوز للموصي الرجوع عنه في أي وقت؛ لأن الذي صدر منه هو الإيجاب، ولا تلزم التصرفات الشرعية إلا إذا ارتبط بالإيجاب حق للغير.
وبما أن الوصية لا تنفذ إلا بعد الوفاة، فلا يترتب عليها أي حق للموصى له قبل الوفاة، ولذلك فللموصي أن يرجع عنها في أي وقت شاء.
ويصح الرجوع بالقول الصريح، وبكل فعل يدل عليه، وتقوم القرينة أو العرف على أن الموصي أراد بالفعل نقض الوصية، أو يتضمن الفعل من تلقاء نفسه نقضها.
ومن أمثلة ذلك أن يكون الموصى به حيوانًا فيذبحه، أو ثيابًا فيخيطها لنفسه ويلبسها، ونحو ذلك من الأفعال التي تنقض الوصية ويتعذر تنفيذها في الموصى به بعد وقوعها، أو تدل بالعرف على أن الفعل لا يكون إلا إذا أراد الموصي الرجوع.
كما يصح الرجوع بكل تصرف شرعي من شأنه أن يخرج العين عن ملك الموصي، أو يجعل الجمع بين التصرف والوصية غير ممكن. فبيع العين وهبتها يبطلان الوصية، ولو عادت إليه بعد ذلك، ولو بفسخ التصرف نفسه، فإذا أراد الوصية بها بعد ذلك فلا بد من عبارة جديدة.
ومن التصرفات التي تدل على الرجوع الوقف، ولو كان مؤقتًا.
وقد اشترط القانون في دعوى الوصية أو الرجوع عنها بعد وفاة الموصي عند الإنكار توافر وسائل إثبات معينة.
الرجوع القولي وإثباته:
نص القانون على أن الوصية تنعقد بالعبارة أو الكتابة، فإذا كان الموصي عاجزًا عنهما انعقدت بإشارته المفهمة.
ولا تسمع عند الإنكار بعد وفاة الموصي دعوى الوصية أو الرجوع القولي عنها إلا إذا وجدت أوراق رسمية، أو أوراق عرفية مكتوبة بخطه، عليها ختمه أو إمضاؤه أو بصمته، تدل على ذلك، أو كانت ورقة الوصية أو الرجوع عنها مصدقًا على توقيع الموصي عليها.
ويجوز في حالة الضرورة إثبات الوصية اللفظية بشهادة شاهدين عدلين حضراها.
والمراد بالرجوع القولي الوارد في القانون هو الرجوع الصريح بالقول، وهو الذي يحتاج في إثباته إلى أحد المسوغات التي حددها القانون.
أما الرجوع الفعلي، فيجوز إثباته بأي طريق من طرق الإثبات الشرعية.
جحود الوصية:
جحود الوصية هو إنكار الموصي حصولها في الماضي، كأن يقول أمام الشهود: «لم تصدر مني وصية لفلان»، أو «أشهد أني لم أوص لفلان بقليل ولا بكثير».
وقد اعتبر جمهور الفقهاء هذا الجحود رجوعًا عن الوصية، واستندوا في ذلك إلى أمرين:
أن جحود الوصية نفي لوجودها في الماضي، ويستلزم نفي وجودها في الحال والمستقبل، فتكون دلالة الجحود على رفض الوصية أقوى من الرجوع الصريح؛ لأن الرجوع الصريح ينفي استمرارها في المستقبل فقط.
أن الجحود يدل على عدم رضا الموصي بإيصال الموصى به إلى الموصى له، فتبطل الوصية كما تبطل بالرجوع الصريح؛ لاشتراكهما في الدلالة على عدم رضا الموصي.
وقد تناول قانون الأحوال الشخصية الكويتي جحود الوصية، ولم يعدّه رجوعًا عنها؛ لأن الجحود إنكار لحصول الوصية في الماضي، وهو كذب يخالف الواقع، فقد وقعت الوصية وحصلت فعلًا، والكذب لا يبطل العقود ولا يلغي الحقوق المقررة أو التي ستقرر.
أما النفي المتعلق بالمستقبل، كأن يقول الموصي: «اشهدوا أني لا أوصي لشخص ما»، فليس جحودًا للوصية، وإنما هو نفي لبقائها في المستقبل، ولذلك يعد رجوعًا عنها.
وقد نص القانون على أنه لا يعتبر رجوعًا عن الوصية: جحودها، ولا إزالة بناء العين الموصى بها، ولا الفعل الذي يزيل اسم الموصى به أو يزيل معظم صفاته، ولا الفعل الذي يوجب فيه زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها، ما لم تدل قرينة أو عرف على أن الموصي يقصد بذلك الرجوع عن الوصية.
الفصل الثالث: أحكام الوصية
نتناول في هذا الفصل أحكام الوصية في الفقه الإسلامي والقانون الكويتي، وذلك من خلال بيان أحكامها بالنسبة إلى الموصى له والموصى به، والوصايا بالمنافع، والوصية بالمرتبات، والزيادة في الموصى به، وتزاحم الوصايا.
المبحث الأول: أحكام الوصية للموصى له والموصى به
أولًا: أحكام الوصية بالنسبة إلى الموصى له
يشترط عند الحنفية أن يكون الموصى له موجودًا؛ لأن الوصية للمعدوم لا تصح.
فإن قال الموصي: «أوصيت لمن في بطن فلانة»، صح ذلك إن كان في بطنها ولد، وإلا فلا يصح.
كما يشترط ألا يكون الموصى له وارثًا؛ لحديث: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
وعند الشافعية لا تجوز الوصية إلا إلى بالغ مسلم عدل أو امرأة، ولا تجوز إلى عبد أجنبي، ولا عبد الموصي، ولا عبد الموصى له، ولا إلى من لم تتم فيه الحرية، كالمكاتب وغيره.
وعند المالكية يصح الإيصاء لمن يصح أن يملك ما أوصي له به، ولا يشترط أن يكون الموصى له ممن يصح تملكه ابتداءً، أي وقت الوصية.
فلو قال الموصي: «أوصيت لمن سيولد لزيد»، وكان لزيد ولد بالفعل، فلا يستحق هذا الولد شيئًا من الوصية، وإنما يستحقها من سيولد بعد الوصية.
وإذا قال الموصي: «أوصيت لمن سيكون من ولد فلان»، فإن الوصية تكون لمن سيولد له، سواء أكان موجودًا وقت الوصية أم غير موجود.
موقف قانون الأحوال الشخصية الكويتي:
أكد قانون الأحوال الشخصية الكويتي أحكام الموصى له، ومن أبرزها:
1. الوصية للمعدوم:
تجوز الوصية للمعدوم إذا لم يكن موجودًا وقت إنشاء الوصية، ولكن يحتمل أن يوجد في المستقبل، سواء أوجد عند الوفاة أم لم يوجد إلا بعدها.
ومن ذلك أن يوصي الموصي لمن يولد لشخص ما، ولم يكن لذلك الشخص ولد عند إنشاء الوصية، ولم يولد له ولد عند وفاة الموصي، أو كان له ولد ثم مات، أو حصل اليأس من أن يكون له ولد بعد الوفاة.
وقد أجاز القانون إنشاء الوصية في هذه الصور، وإن كانت في حالة اليأس الأخير تؤول إلى البطلان لتعذر وجود من يستحقها.
2. الوصية للموجود:
تجوز الوصية للموجود، كأن يقول الموصي: «أوصيت لأولاد فلان الذين ينتسبون إليه في الحال والاستقبال».
ففي هذه الحالة يدخل في الاستحقاق أولاده الموجودون وقت إنشاء الوصية، ومن يوجدون بعد ذلك.
الوصية بالأعيان والمنافع:
الوصية بالأعيان أو المنافع جائزة.
فالوصية بالأعيان تمليك تام، بينما الوصية بالمنافع تمليك ناقص.
ولا تنتقل الملكية التامة للموصى لهم إلا عند وجودهم بالوصف الذي ذكره الموصي، وعدم إمكان دخول غيرهم.
والمقصود بمن يحصون: المعينون بأسمائهم وأشخاصهم، أو المعروفون بأوصافهم، كالموصي لهم من بني فلان، أو المعروفون بجنسهم، كبني فلان.
الوصية بالمنافع:
أوضحت أحكام قانون الأحوال الشخصية الكويتي أن الوصية بالمنافع قد تكون دائمة، كما إذا كان الموصى لهم غير محصورين ولا ينقطعون غالبًا، كالفقراء والمساكين والمحتاجين.
وفي هذه الحالة لا تكون المنافع قابلة للعودة إلى الورثة.
أما إذا كانت الوصية بالمنافع لمن يحصون، ولم يوجد أحد منهم عند وفاة الموصي، كانت المنفعة لورثة الموصي.
وإذا وجد مستحق حين وفاة الموصي أو بعدها، كانت المنفعة له، ولكل من يوجد بعده من المستحقين إلى حين انقراضهم بانقراض طبقتهم أو بموتهم قبل ذلك.
وتؤول المنفعة بعد انقراض المستحقين إلى ورثة الموصي. وعند اليأس من وجود مستحق آخر، ترد العين إلى ورثة الموصي؛ لأن من يستحق المنفعة لم يعد له وجود.
الوصية لمن يولد لشخص:
إذا قال الموصي: «أوصيت لمن يولد لشخص ما بكذا»، ولم يكن لذلك الشخص إلا ولد واحد، أو لم يولد له إلا ولد واحد، استحق العين الموصى بها أو الغلة كلها وحده، إلا إذا دلت عبارة الموصي أو قامت قرينة على أنه أراد غير ذلك.
فإذا قال مثلًا: «أوصيت لمن يولد لشخص ما بكذا، يأخذ الثلاثة كله»، ثم ولد له ثلاثة، فإن الواحد يأخذ الثلث، والاثنان يأخذان الثلثين.
ويكون الباقي للورثة غلة فقط، أو غلة ورقبة، بحسب ما أوصى به الموصي، وذلك عند اليأس من وجود مستحق آخر.
الوصية بالمرتبات:
أجاز الحنفية والمالكية والشافعية الوصية بالمرتبات، وأخذ القانون الكويتي بهذا الاتجاه.
وقد تكون المرتبات من الغلة، فتكون في حكم الوصية بالمنافع، وقد تكون من رأس مال التركة، فتأخذ حكم الوصية بالأعيان.
وإذا كانت الوصية بالمرتب من رأس المال، فإنها تخضع لقاعدة الثلث، فلا تنفذ فيما زاد عليه إلا بإجازة الورثة. ويمكن تخصيص عين من أعيان التركة لضمان دفع المرتب، بحيث تكفي غلتها أو قيمتها لسداد المبالغ المستحقة للمستفيد.
الزيادة في الموصى به:
إذا حدثت زيادة في العين الموصى بها بعد الوصية، فإن الحكم يختلف بحسب طبيعة الزيادة.
فإذا كانت الزيادة غير مستقلة عن العين، كترميم الدار أو تحسينها أو تجصيصها، فإنها تلحق بالعين الموصى بها وتدخل في الوصية.
أما إذا كانت الزيادة مستقلة ويمكن فصلها عن العين ولها قيمة مستقلة، فإنها تكون للورثة، ويبقى أصل الموصى به للموصى له.
وإذا كانت الزيادة لا يمكن فصلها، كالغراس والبناء، أصبحت العين مشتركة بين الموصى له والورثة، ويكون للورثة مقدار قيمة الزيادة.
أما الزيادات المستقلة التي جرى العرف على التسامح فيها، كإنشاء غرفة صغيرة أو مكان للسيارة أو بعض أعمال الكهرباء والماء، فإنها تلحق بالوصية.
وإذا هدم الموصي البناء وأعاد بناءه بصورة تعد في العرف مجرد تجديد للبناء السابق، فإن البناء الجديد يدخل في الوصية. أما إذا غيّر طبيعة العين تغييراً جوهرياً، كتحويل المنزل إلى عمارة أو مصنع، فإن البناء الجديد يكون مشتركاً بين الموصى له والورثة بحسب قيمة كل من الأصل والزيادة.
تزاحم الوصايا:
يقصد بتزاحم الوصايا تعددها بحيث لا تكفي الأموال المخصصة لتنفيذها جميعاً.
وتقدم الوصية الواجبة عند التزاحم على الوصايا الاختيارية؛ فإذا استوعبت الثلث أخذت حقها كاملاً، وإن كان مقدارها أقل من الثلث أخذت مقدارها، وكان الباقي للوصايا الاختيارية.
أما إذا كانت الوصايا كلها اختيارية، فتختلف طريقة توزيع المال بحسب نوعها:
إذا كانت كلها لأشخاص، وزع المال بينها بالمحاصة إذا لم يكف الثلث لتنفيذها.
وإذا كانت كلها من القربات، قسمت بينها بالتساوي عند عدم تحديد الأنصبة.
وإذا كانت بعضها للأشخاص وبعضها للقربات، وزعت بحسب النسب التي حددها الموصي، فإن لم يحدد نسباً معينة قسمت بالتساوي.
وبذلك يقوم نظام تزاحم الوصايا على تحقيق التوازن بين إرادة الموصي وحقوق الورثة والمستحقين، مع مراعاة أولوية الوصية الواجبة.
خاتمة البحث
خلصت الدراسة إلى أن الوصية هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء تعلقت بالأعيان أو بالمنافع، وأن معظم الأحكام الفقهية المتعلقة بالوصية تتفق مع ما قرره القانون الكويتي.
ومن أهم النتائج:
أن الوصية لا تنفذ في الأصل إلا في حدود ثلث التركة بعد سداد الديون.
وأن الزيادة على الثلث تتوقف على إجازة الورثة بعد وفاة الموصي.
كما ثبتت جواز الوصية بالمنافع والمرتبات، مع خضوعها للضوابط الشرعية والقانونية.
كما تبين أن الوصية الاختيارية عقد غير لازم.
ويحق للموصي الرجوع عنها قبل وفاته، سواء بالقول الصريح أو بالفعل الدال على الرجوع.
وأن القانون نظم حالات الهلاك والزيادة في الموصى به وتزاحم الوصايا بما يحقق قدراً من التوازن بين إرادة الموصي وحقوق المستحقين.
وتوصي الدراسة المسلم الذي يملك مالاً بأن:
يحسن استخدام الوصية في وجوه الخير طلباً للأجر.
وأن يستعملها في حفظ حقوق الأيتام والمحتاجين.
مع ضرورة الالتزام بأحكام الشريعة.
وعدم جعل الوصية وسيلة للإضرار بالورثة أو مخالفة الأحكام الشرعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق