مولد الشيخ عبد الرحيم البرعي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تضمَّن هذا الكتاب مولد الشيخ عبد الرحيم البرعي، وهو مولد يُقرأ في بعض الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، وقد جرى فيه المؤلف على طريقة أهل التصوف، فأورد عددًا من الأحاديث الضعيفة، والأخبار التي لا تثبت، والقصص التي لا أصل لها في السنة النبوية، ومنها ما هو باطل أو موضوع، ومنها ما نُقل عن بعض أهل التصوف من غير إسناد معتبر.
ومن أبرز ما ورد فيه من الروايات غير الثابتة ما يُذكر من أن آدم عليه السلام تاب بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن إدريس رُفع إلى الله بسببه، وأن نوحًا عليه السلام توسل به في الفلك، وأن هودًا عليه السلام عوَّل عليه في دعائه، وأن إبراهيم عليه السلام تشفَّع به، وأن إسماعيل عليه السلام تضرَّع به، وأن عيسى عليه السلام طلب المهلة إلى زمانه. وهذه الأخبار لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح الاستدلال بها في باب العقائد أو الفضائل.
ومما يُنتقد عليه كذلك ما جاء فيه من قصة الحجب الاثني عشر، وما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان قبل خلق العالم بمئات الآلاف من السنين في صورة عمود من نور يسبِّح الله تعالى، مع اختلاف الروايات في مقدار تلك المدة، ثم انتقاله بين تلك الحجب سنة بعد سنة حتى يصل إلى حجاب الشفاعة، ثم صعوده إلى بحار النصرة والرحمة والقدرة، وخروجه منها ومعه عدد من القطرات التي قيل إن من كل قطرة خُلق نبي.
ثم تُذكر قصة أخرى في هذا السياق، مفادها أن الله تعالى خلق من ذلك العمود النوراني جوهرةً انقسمت إلى نصفين، فنظر إلى أحدهما بعين الهيبة فخلق منه البحار، وإلى الآخر بعين الشفقة فخلق منه اللوح والقلم والكرسي والعرش، ثم يُذكر أن القلم لما أُمر بكتابة اسم محمد صلى الله عليه وسلم سكر من حلاوة هذا الاسم. وهذه القصص وأمثالها لا تثبت بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح نسبتها إلى السنة النبوية المطهرة.
وعليه، فإن من أبرز المآخذ على مولد البرعي اشتماله على طائفة من الأخبار والقصص العجيبة التي لا تقوم على دليل صحيح، ولا سيما ما يتعلق منها بخلق النبي صلى الله عليه وسلم قبل خلق العالم، وبالنور المحمدي، والحجب، وخلق الأنبياء وسائر الموجودات من ذلك النور.
ومهما كان قصد المؤلف في إظهار محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، فإن محبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه إنما يكونان باتباع ما صح عنه، والحذر من الأحاديث الموضوعة والقصص التي لا أصل لها، إذ لا يجوز إثبات الفضائل والمناقب بالأخبار المكذوبة أو غير الثابتة.
وعلى الرغم من شهرة عبد الرحيم البرعي الواسعة، فإن ترجمته ظلت غامضة، واضطرب المؤرخون في تحديد عصره؛ فمنهم من جعله من أهل القرن السادس، ومنهم من وضع حياته في القرن الثامن أو العاشر. وأقرب الترجمات إلى الصواب ترجمة المؤرخ اليمني عبد الوهاب البريهي، الذي ذكر أن اسمه عبد الرحمن بن علي المهاجري البرعي، وأنه سكن النيابتين في اليمن، وقرأ الفقه والنحو على علماء عصره، ثم تأهل للتدريس والفتوى، واشتهر بالعلم والعمل، وله مدائح في النبي صلى الله عليه وسلم. وتشير القرائن إلى أنه عاش في القرن الثامن الهجري، وتوفي سنة 803هـ، أما سنة ولادته فلم تحددها المصادر.
عاش البرعي في عهد الدولة الرسولية، وشهد جانبًا من قوتها ثم ضعفها واضطراباتها السياسية، وعاصر عددًا من ملوكها، ومنهم المؤيد داود بن يوسف المظفر، والمجاهد علي بن داود، والأفضل عباس، والأشرف الثاني إسماعيل. وقد شهد عهد المؤيد قدرًا من الهدوء والعمران، بينما كثرت في عهود من جاء بعده الثورات والصراعات بين الأسرة الحاكمة والقبائل. وكانت الدولة الرسولية دولة وراثية تعتمد ولاية العهد، ولذلك كثرت فيها المنافسات والفتن والاضطرابات. ولا يكاد شعر البرعي يسجل هذه الأحداث، وربما كان انشغاله بالمدائح النبوية ومدح شيوخه الصوفية سببًا في ذلك.
أما الحياة الاجتماعية التي نشأ فيها البُرعي، فقد تميزت باستقدام الغرباء والاستعانة بالقوى الأجنبية، مما أدى إلى دخول عادات وتقاليد جديدة، وتأثر بعض ملوك بني رسول بملوك المماليك في مصر، فظهرت مظاهر الترف والإسراف والانشغال بالملذات والقصور والندماء، حتى إن بعضهم جاهر بشرب الخمر. ومع ذلك كان العصر الرسولي من أزهى العصور العلمية؛ فقد انتشر العلم، وشُيدت المدارس والمعاهد، وشُجع العلماء، وكان بعض ملوك بني رسول أنفسهم من أهل العلم، ومن أبرزهم المؤيد داود والمجاهد علي بن داود.
والبرعي هو عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني، شاعر متصوف من سكان النيابتين، ونسبته إلى جبل برع في تهامة. وقد اشتهر بالفقه والعلم والوقار، ودرس الفقه والنحو على علماء عصره، ثم اشتغل بالتدريس والفتوى. ولم يُعرف له تصنيف في الفقه أو النحو أو الأدب، رغم شهرته العلمية. وكان، بحسب بعض الباحثين، من الشعراء القلائل الذين لم يقصدوا الملوك للتكسب بشعرهم، وإنما مدح العلماء والصوفية، وإن كان شعره يكشف عن شدة فقره وحاجته، ومن ذلك قوله:
أما تراني لأطفال صغار … أبوهم من محلتهم طريد
يمر العيد بالصبيان لهوا … وليس معهم مع الصبيان عيد
وقال في وصف فقره وكثرة همومه:
فقر وإفلاس ودهر خائن … وهموم عائلة وضيق مكان
وعظيم دين لا يقوم بحمله … رضوى ولا الصخرات من ثهلان
أيا سيدي شهر كريم وغربة … ودين أقاسيه ولست به جلدا
وغيبة أطفال وبعد منازل … وإخوان صدق ذبت من أجلهم فقدا
ولا نعرف كثيرًا عن طفولته أو أسرته، غير أن شعره يصوره رجلًا مستقيمًا بعيدًا عن التزلف، مع وجود خصوم وأعداء كان يشكو منهم أحيانًا.
وللبرعي ديوان مطبوع، وتميز شعره بجيشان العاطفة، وقوة الأسلوب، والسهولة والرقة والرشاقة، وإن غلب عليه التقليد والمحاكاة للشعراء السابقين، وخاصة في مقدمات القصائد والغزل. ومن أبرز أغراضه الغزل والتصوف والحنين إلى الأماكن المقدسة والمديح، وبخاصة المديح النبوي.
وفي غزله تظهر لوعة الفراق وألم الهجر، يقول:
أتأمرني بالصبر والطبع أغلب … وتعجب من حالي وحالك أعجب
وتطلب مني سلوة عن ربائب … وأرواح المحبين تطلب
فما قر لي دمع ولا كف مدمع … ولا طاب عيش ولا لذ مشرب
ويقول داعيًا نفسه إلى الصبر على الحب:
لقيت يا نفس حقًّا ما حكى الحاكي … فامضي لشأنك إني لست ألـحاك
واستعذبي غصص التعذيب راضية … وحكمي الحب علَّ الحب يرعاك
واستنظري فرص الأيام عائدة … واستعملي الصبر وارعي ترك شكواك
كما غلب على شعره الطابع الصوفي، واشتمل أحيانًا على مبالغات في وصف كرامات شيوخه، ومن ذلك قوله في مدح الشيخ إبراهيم بن محمد الحكمي:
لدى حكمي لم تكن معجزاته … وآياته تحصى برمل الفلا عدّا
إذا قال مولاي لبّاه سل تنل … لطائف من لو شاء أسرى به عبدا
ولو سيّر الأجبال سارت وان د … ذرى صخرة لبّت له الصخرة
ولو سار فوق البحر أو طار في الهوى … لأمكنه والحق ما جاوز الحد
وكان شوقه إلى مكة والمدينة ومنى والأماكن المقدسة شديدًا، ومن ذلك قوله:
يا راحلين إلى منى بقيادي … هيجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي … الشوق أقلقني وصوت الحادي
وحرمتموا جفني المنام ببعدكم … يا ساكنين المنحنى والوادي
أما المديح النبوي فهو أبرز أغراضه وأشهرها، حتى عُدَّ شاعر المديح النبوي في عصر بني رسول. وقد أكثر من مدح النبي صلى الله عليه وسلم ووصف شمائله ومناقبه، واتسم شعره في هذا الباب بالسهولة والرقة وقوة العاطفة، ومن قوله في وصف النبي صلى الله عليه وسلم:
نبيٌّ تغار الشمس من نور وجهه … بهيٌّ نقيُّ الثغر أحور أدعج
تزيد به الأيام حسنًا ويزدهي … به الدين والدنيا به تتبرج
لقد كان عبد الرحيم البرعي من أبرز شعراء القرن الثامن في اليمن في العصر الرسولي، وقد جمع بين العلم والفقه والتصوف والشعر. وتميز شعره بالسلاسة وقوة الأسلوب ورقة العاطفة، وغلب عليه النفس الصوفي والمديح النبوي، مع حضور الغزل والحنين إلى الأماكن المقدسة. وعلى الرغم من شهرته وانتشار ديوانه، فإن حياته وشعره لم يحظيا بالعناية النقدية الكافية، ولا تزال جوانب من تجربته الشعرية بحاجة إلى الدراسة والتحليل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق