في الأخلاق والفضائل الإسلامية
لفضيلة الشيخ محمد عواد
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: بين الأخلاق روابط متينة، وتقاطعات ظاهرة، وكثيراً ما يكون بعضها وليد بعض؛ كالعدل قد يكون وليد القناعة، وكالشجاعة قد تكون وليدة عزَّة النفس، وكالجبن قد يكون وليد الطمع، وكذلك خلق العناد وعدم الإذعان للحق قد يكون وليد الحسد، وهكذا.
ولا شك أن عملية التعديل والتغيير في صفات الإنسان وأخلاقه، تتوقف على مدى التخلُّق والتمكُّن من خثلقٍ مُعيّن، وذلك بالتكرار والمران، اللذين يُصيران الخُلق من العادات، فتكرار القيام بعمل من الأعمال يسهله ويزيد في الميل إليه، حتى يصبح هذا الميل عادة من العادات، وبالتالي يصدر الفعل عن غير روية وفكر. ولذلك فإن العادات (بما فيها الأخلاق) لها أثر عظيم في حياة الإنسان الجسدية والأخلاقية والسلوكية للأفراد والجماعات.
ولذلك قالوا: "إن العادة طبيعة ثانية"، ولكن مهما رسخت العادات والاتجاهات والعواطف؛ إلا أنه يمكن تعديلها تغييرها. والمطلوب اليوم كما قال الشيخ سعيد حوى: أن نتحقق بأمهات المسائل حتى نتحقق بأمهات الأخلاق، وأن ينهض خبراء التربية ووزارات المعارف لمعالجة موضوع الأخلاق. كذلك معالجة الأزمات الأخلاقية التي عمَّت العالم الإسلامي.
ومن الملاحظ في عالمنا العربي والإسلامي وجود انفصال شديد بين الأخلاق والعبادات، وقد يكون ذلك ناشئاً عن الغلو في فهم الدين، أو الأنانية وحب الذات، وما ينبثق عنها من أخلاق مُردية كحب التفرد والفخر، وحب الظهور، وايثار النفس على كل شيء، الأمر الذي ينطبق على الفرد والجماعة، ويُفضي إلى رد الحق، فالحاسد، أو المعتد بذاته هو الذي يسمع الرجل يقول صواباً، فيقول له: أخطأت، أو يسمع الثناء عليه ببعض ما أحرز من خصال، فيقول للمثنى عليه: كذبت.
وهذا الكتابفي الأخلاق الإسلامية من تأليف الشيخ العالم والمربي الطيب محمد عواد، رئيس محكمة الاستئناف العليا الشرعية - وعميد معهد فلسطين الديني (الأزهر) بغزة، وضعه طلاب المعاهد الأزهرية، وأصله أحد عشر لقاءًا وموعظة ألقاها على مسامع الطلبة خلال الطابور الصباحي، ثم سجلها في هذا الكتاب، الذي طُبع عام ١٩٧٤ .
وللشيخ -رحمه الله- خمس إصدارت أخرى، منها: نور اليقين في معاني القرآن الكريم، ورسالة في الصيام، وثانية في الفقه الاسلامي، وثالثة في احكام التجويد، ورابعة في الاخلاق والفضائل الاسلامية، وهي هذه الرسالة.
_______________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين . فهذه الرسالة الخامسة من رسائل النور في الاخلاق والفضائل الاسلامية كنت القيت كلماتها على طلاب وطالبات المعهد الديني (الأزهر) بغزة في الساعة السابعة والنصف صباحا على طابور الصباح في الفترة الاخيرة من الموسم الثقافي للمعهد، وفور الانتهاء منها ابدى اساتذة المعهد وطلابه رغبتهم في طبعها ونشرها رجاء الاستفادة منها، وتلبية لهذه الرغبة أودعت هذه الرسالة للطباعة.
سائلا الله السداد والرشاد وان يوفقنا جميعا للتحلي بالاخلاق الاسلامية والفضائل الدينية والقيم الروحية والرفيعة ففيها سعادة الامة ونجاتها.
والله ولي التوفيق.
المؤلف - محمد عواد = عميد معهد فلسطين الديني (الازهر) - بغزة
غزة في ١٠ ربيع الثاني ١٣٩٤ ه
وفق ٢ مايو ١٩٧٤ م
________________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الاولى
أيها الطلاب والطالبات:
كنت اكتب في مجلة نور اليقين- التي تشرفت برئاسة تحريرها-باباًً تحت اسم (بالاخلاق تبنى الامم وبالفضائل تسمو الشعوب) وحقاً انه باب شيق لان للاسلام مثل عليا واخلاق سامية وقيم روحية جليلة ينبغي على المرء ان يتحلى بها، وفي التحلي بها الفوز والنجاح والفلاح. ولمركز الاخلاق في كتاب الله وعظمتها فقد مدح الله نبيه الكريم بقوله جل شأنه (وانك لعلى خلق عظيم).
وسنذكر هذا اليوم طرفا من اطرف الفضائل الاسلامية وسنواصل ذلك في الايام القادمة باذن الله، فمن الفضائل الاسلامية فضيلة العلم والتعلم، وشواهدها في كتاب الله كثيرة فمن ذلك قوله تعالى ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ومنها قوله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ومنها قوله تعالى (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون).
وفي الاخبار المروية قوله عليه الصلاة والسلام (العلماء ورثة الانبياء) وقوله عليه السلام (افضل الناس المؤمن العالم الذي ان احتيج اليه نفع وان استغني عنه اغنى نفسه) وقال عليه السلام (العالم امين الله في الارض) وقال ايضاً ( تشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ).
واما فضيلة التعلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الملائكة تضع اجنحتها لطالب العلم رضابما يصنع) ويقول ابو الدرداء من رأى أن الغدو الى العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله. والمطلوب من العالم - وستصبحون علماء باذن الله - ان يعمل العالم بعلمه.
فعالم بعلمه لم يعملن … معذب من قبل عباد الوثن
والمطلوب ايضاً ان يزداد طالب العلم هداية وتقوى لله تعالى وان يعمل بأوامر الشرع ويتجنب نواهيه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ازداد علما ولم يزددهدى لم يزدد من الله الا بعدا) ويقول عليه السلام (اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه).
ومن فضائل الشريعة المطهرة اكل الحلال وتجنب الحرام يقول الله تعالى ( يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال عليه الصلاة والسلام ( من اكل الحلال اربعين يوما نور الله قلبه واجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) وروي ان سعدا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسأل الله تعالى ان يجعله مستجاب الدعوة فقال عليه الصلاة والسلام (اطب طعمتك تستجب دعوتك) والحرام كله خبيث والحلال كله طيب فندعو الله ان يهيء لنا الحلال ويجنبنا الحرام.
ومن فضائل الاسلام التحابب في الله والاخوة في دينه وحسن الصحبة وهي ثمارحسن الخلق أما حسن الخلق فقد قال تعالى (وانك لعلى خلق عظيم) وأما الأخوة فقال تعالى (فاصبحتم بنعمتة اخوانا) وقال تعالى (لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم) وقال صلى الله عليه وسلم (اقربكم مني مجلسا يوم القيامة احاسنكم اخلاقا الموطئون اكنافا الذين يألفون ويؤلفون) وقال عليه السلام (المؤمن آلف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف) وقال عليه السلام (من آخى اخا في الله تعالى رفعه الله تعالى درجة في الجنة لاينالها بشيء من عمله) وفي الحديث (لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباه ال اخوانا، لا يحل لامرىء مسلم ان يهجر اخاه فوق ثلاث).
وتجنبوا قرناء السوء يقول الرسول عليه السلام (المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل). ويجب ان يتوفر في الصديق العقل وحسن الخلق والابتعاد عما يغضب الله، قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه :
فلا تصحب اخا الجهل … وإياك وإياه
فكم من جاهل اردى … حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … اذا ما المرء ماشاه
وللشيء من الشيء … مقاييس واشباه
والقلب على القلب … دليل حين يلقاه
واجتنبوا صحبة الاحمق فقد يضر من حيث يريد النفع ولله در القائل:
اني لآمن عدو عاقل … وأخاف خِلّا يعتريه جنون
واعلموا ان للصحبة حقوقا منها ان لا تواجه صديقك بشيء يكرهه وقال رسول الله (لا تواجه احدا بشيء يكرهه وان تنطق بما يحبه من غير خروج عن الحق) ومنها العفو عن الإساة والدعاء والاخلاص والوفاء وترك التكلف . وما احسن ما قيل : -
خذ من خليلك ما صفا … ودع الذي فيه الكدر
فالعمر اقصر من معاتبة … الخليل على الغير
وقيل:
ولست بمستبق اخا لا تلمه … على شعث اي الرجال المهذب
وتستحسن صحبة الحكماء والعلماء، قال لقمان (يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فان القلوب تحيى بالحكمة كما تحيى الارض الميتة بوابل المطر).
الحلقة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله واصحابه الطيبين الطاهرين، ايها الطلاب والطالبات في هذا المعهد الديني (الازهر) الشريف أواصل هذ اليوم واياكم الحديث في الفضائل الاسلامية، ومن هذه الفضائل العالية حقوق المسلم والرحم والجوار لتبقى الصلة مستمرة ويكمل التعاون على البر وتسود المودة والمحبة بين المجتمع لتكوين المجتمع الاسلامي المثالي.
فمن حقوق المسلم على اخيه المسلم (١) ان يسلم عليه اذا لقيه (٢) ويجيبه اذا دعاه (٣) ويشمته اذا عطس (٤) ويعوده إذا مرض (٥) ويشهد جنازته اذا مات (٦) ويبرقسمه اذا أقسم (٧) وينصح له اذا استنصحه (٨) ويحفظه بظهر الغيب اذا غاب (٩) ويحب له ما يحب لنفسه (١٠) ويكره له ما يكره لنفسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أربع من حق المسلمين عليك: ان تعين محسنهم، وان تستغفر لمذنبهم، وان تدعو لمدبرهم، وان تحب تائبهم) ويقول عليه السلام (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وفي حديث آخر : (المؤمن من أمنه المؤمنون على انفسهم واموالهم) وقال عليه السلام ( المهاجر من هجر السوء واجتنبه). ومن حقوق المسلم على أخيه المسلم ان يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه فان الله لا يحب كل مختال فخور، وان تكبر عليك احد فلتحتمل لقوله تعالى (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين). ومنها ان لا يسمع بلاغات الناس لا على نفسه ولاعلى غيره، ولا يفعل هو ايضا ذلك قال عليه السلام ( لا يدخل الجنة قتات) أى مغتاب. ومنها أن يا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام ما لم يكن للخالق جل شأنه سبب كمعصية الله وارتكاب الفجور.
قال الشاعر:
ياا هاجري فوق الثلاث بلا سبب … خالفت قول نبينا ازكى العرب
هجر الفتى فوق الثلاث محرم … ما لم يكن خير لمولانا سبب
ومنها ان لا يدخل على احد الا بإذنه وان يخالق الجميع بخلق حسن فيوقر الكبار ويرحم الصغار ويكون مع كافة الخلق طلق الوجه فالبشاشة خير من القرى. ولايعد لمسلم وعداالا ويفي به. ومنها ان يصلح ذات البين فإصلاح ذات البين وستر عورات المسلمين من اعظم الاعمال. ومنها ان يتقي مواضع التهم ويشفع لمن له حاجة عند من له عنده منزلة وان يبدأ بالسلام قبل الكلام وان يصون عرض اخيه وماله من ظلم غيره ما وجد اليه سبيلا . ومنها انه اذا بلي بذي شر يجامله ويداريه (وداروا سفهاء كم ) ومنها ان يزور قبورهم فيدعو لميتهم.
واما حقوق الاقارب والرحم فقال عليه الصلاة والسلام في حديث قدسي ( يقول الله تعالى: انا الرحمن الرحيم وهذه الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ).
واما حقوق الجوار فان الجار ليستحق مايستحقه المسلمون كافة وزيادة بسبب الجوار قال النبي صلى الله عليه وسلم (الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق).
فالجار الذي له ثلاثة حقوق هو الجار المسلم ذو الرحم، والجار الذى له حقان الجار المسلم، والجار الذي له حق واحد الجار المشرك. فاثباته الحق للجار المشرك بسبب الجوار دل على تأكد حق الجوار.
وقال صلى الله عليه وسلم ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه) وفي حديث آخر (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره).
ومن فضائل الاسلام ايها الطلاب والطالبات حسن الاصغاء للمتكلم، وترك الشهقة والحركة والا نشغال في حديث آخراو عدم الانتهاء ماوجد الى ذلك سبيلا، ويطلب ذلك الادب من الشباب بين يدي الشيوخ، والتلاميذ بين يدي أساتذتهم، فنسأل الله التوفيق، والى الغد .
الحلقة الثالئة
نحمد الله وتشكزه ونتوب اليه وتستهديه ونعود باله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشداً. اما يعد.
ايها الطلاب والطالبات لتواصل اليوم الحديث عن الفضائل الاسلامية السامية قائلين وبالله المستعان ومن الفضائل الاسلامية العظيمة الامر بالمعروف والنهي عن المتكر فهها من اصول الدين وبها يحصل الفرض من بعثة الانبياء ويدل عليه قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
وفى الخبر ما رواه أبوبكر الصديق رضي الله عنه انه قال فى خطبة خطبها (ياايها الناس انكم تقرأون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها ((ياايها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا أهتديتهم)، واني سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول (ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر على ان ينكر عليهم فلم يفعل الا يوشك ان يعمهم الله بعذاب من عنده) ..
وروي عن ابي ثعلبة الخشنى انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى (لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) فقال صلى الله عليه وسلم يأبا ثعلية (مر بالمعروف وانهى عن المنكر فاذا رأيت شحاً مطاعا وهدى متبعاً ودنيا مؤثرة واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام. ان من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، العامل فيهن أجر خمسين منكم).
إذن فالواجب على كل شخص ان يامر بالمعروف وينهى عن المنكر وهي عمل جليل خص الله به المسلمين وبصورة خاصة العلماء وطلاب العلم على شرطان يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مسلما عالما بما يقول عاملا به وان لم يكن عاملا بقوله فعليه الغضب والمقت من الله تعالى يقول الله تعالى (ياايها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون).
ويجب ان لا ينسى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نفسه من فعل الخير والا كان مصابا بالهوج والسخف قال تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون).
والامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قلنا من الواجبات الاسلامية وقد جاء فى الحديث الشريف (من رأى منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان) وفى حديت آخر (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر او ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم).
ومن الواجب ان يتوفر فى الامر بالمعروف الصبر وحسن الخلق فيتلطف ولا يعنف يقول اللجل شأنه مخاطبانبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) وفي آية اخرى (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وفي آية ثالثة ( فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم).
أيها الطلاب والطالبات : ارجو لكم التوفيق وان تقتبسوا من اخلاق النبوة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الله دائما ان يحسنه بمحاسن الآداب وان يزينه بمكارم الاخلاق، فقدجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم (اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي) قال سعيد بن مشام دخلت على عائشة رضي الله عنها فسألتها عن اخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما تقرأ القرآن قلت بلى ! قالت: (كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن) وانما ادبه بالقرآن بمثل قوله تعالى (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين).
وقوله تعالى (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)، وقوله تعالى (واصبر على ما اصابك ان ذلك من عزم الأ مور) ففي معركة أحد كسرت رباعية رسول الله صلى الش عليه وسلم فجعل الدم يسيل على وجهه وهو سح الدم ويقول (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربه) فانزل الله تعالى قوله (ليس لك من الأمر شيء).
واعلموا ايها الطلاب والطالبات ان مثل هذه الآيات كثيرة في القران الكريم وهو المقصود الاول بالتأديب والتهذيب ثم منه يشرق النور على كافة الخلق قال صلى الله عليه وسلم (يعثت لأقم مكارم الاخلاق).
وقال علي كرم الله وجهه (عجبت لرجل مسلم يجيئه اخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير اهلا فلو كان لايرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد كان لله ان يسارع في مكارم الاخلاق فانهاتدل على سبيل النجاة فقال الرجل لعلي كرم الله وجهه (اسمعته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم ولما أتي بسبايا طيءوقعت جارية في السبي فقالت: يامحمد أرآيت ان تخلي عني ولا تشمت بفي احياء العرب فاني بنت سيد قومي. وان ابي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يردصاحب حاجة. انا ابنة حاتم طيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جارية: هذه صفة المؤمنين لو كان ابوك مسلما ترحمنا عليه، خلوا عنها فان اباها كان يحب مكارم الاخلاق).
وقال صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة الا حسن الاخلاق) وعن معاذ بن جبل ان النبي ع تم قال (ان الله تعالى حف الاسلام بمكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال) ومن ذلك حسن المعاشرة وكرم الصنيعة ولين الكلام، وبذل المعروف، واطعام الطعام، وافشاء السلام، وعيادة المريض المسلم برا كان او فاجرا، وتشييع جنازة المسلم وحسن الجوار لمن جاورت، مسلما كان أم كافراً، وتوقير ذي الشيبة المسلم، واجابة الطعام والدعاء والعفو، والاصلاح، والجود، والكرم، والسماحة، والابتداء بالسلام، وكظم الفيظ والعفو عن الناس.
واعلوا أيها الطلاب والطالبات ان بهاء الاسلام يذهب باللهو والباطل والغناء والمعازف كلها وبالكذب، والغيبة والبخل والشح، والجفاء، والمكر، والخديعة والنميمة)، وسوء ذات البين وقطيعة الأرحام، وسوء الخلق، والتكبر، والفخر والاختبال، والاستطالة، والمزح والفحش، والتفحش، والحقد، والحسد والطيرة والبغي والعدوان، والظلم قال انس رضي الله عنه لم يدع الاسلام نصيحة الادعانا اليهاوامرنا بها ولم يدع غثاءاوعيبا ولاشيئا الاحذرنا ونهانا عنه من ذلك كله الآية السابقة وهي قوله تعالى: (ان الله يأمر بالعدل والاحسان .. الخ)
قال معاذ رضي الله عنه اوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أوصيك باتقاء الله وصدق الحديث والوفاء بالعهدواداء الامانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم ولين الكلام، وبدء السلام، وحسن العمل وقصر الامل، ولزوم الايمان، والتفقه في القرآن وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح. وأنهاك ان تسب حكيما، او تكذب صادقا او تطيع آثما أو تمصي اما مأ عادلا، أو تفد ارضا. واوصيك باتقاء الله عنه كل حجر وشجر ومدر، وان تحدث لكل ذنب توبة. السربالسر والعلانية بالعلانية) فهكذا يجب ان تكون آداب المسمين ايها الطلاب والطالبات فتحلوا بمكارم الاخلاق ومحامن الفضائل ففيها الفلاح والخير.
والى اللقاء في يوم آخر باذن الله.
الحلقة الرابعة
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الظاهرين أما بعد ..
فقد تحدثنا بالامس وما سبقه عن قسم من الفضائل الاسلامية والقيم الروحية في الدين الاسلامي والتي بها سعدت الامة الاسلامية وارتفعت رايتها في انحاء المعمورة ونعمت تحتها بظلال الحرية والعدل والمساؤاة، لا فرق في ذلك بين أسود وابيض ولا سيد ومسود ولا بين عربي وعجمي وانما المقياس هو العمل الصالح، والعمل الصالح يرفعه الله حيث قال جل شأنه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ومن الفضائل الاسلامية فضيلة عظيمة الخطر جليلة القدر وهي فضيلة الحلم، والحلم افضل من الكظم لان الكظم هو التحلم وتكلف الحلم والحلم الطبيعي دلالة كمال العقل وانكسار قوة الغضب تحت سياسة العقل ولعل ابتداءه التحلم ثم يصير ديدناوعادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم (انما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم لينوا لمن تعلمون منه ولمن يتعلمون منكم ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب جهلكم علمكم) وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه (اللهم اغنني بالعلم وزيني بالحلم واكرمني بالتقوى وجملي بالعافية)، وفي حديث آخر (ابتغوا الرفعة عند الله قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك ).
وقال الله تعالى ( واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) قال العلماء ان جهل عليهم لا يجهلون واذا سبك انسان او اغتابك أو عيرك فعليك بالحلم ففيه النجاة في الدارين .
اما في الحال فانه يزاد في احترامه، وهو يزيد في الآخرة حزيل الثواب وقد قال عليه الصلاة والسلام : (ان امرى، عيرك بمافيك فلا تعيره بما فيه) وهذا هو الحلم بعينه فتحلوا بفصيلة الحلم فانها من مكارم الاخلاق. واما فضيلة العفو فانها تزيد العبد عزا فاعفوا يعزكم الله، والعفو هو ان يستحق الانسان حقا فيسقطه كالعفو عند القصاص او المال او الغرامة قال تعالى ((خذ العفو .. الآية)) وقال تعالى (وان تعفوا هو اقرب للتقوى) وقال صلى الله عليه وسلم (ثلاث والذي نفسي بيدء ان كنت حالفا عليهن: ما نقصت صدقة من مال فتصدقوا، ولا عفا أحد عن مظلمة يبتغي يها وجه الله الا زاده الله عزا يوم القيامة، ولا فتح رجل باب مسألة الا فتح الله عليه باب فقر) وقال صلى الله عليه وسلم (التواضع لا يزيد العبد الا رفعة فتواضعوابرفعكم الله، والعقو لا يزيد العبدالا عزا فاعفوا يعزكم العفو، والصدقة لا تزيد المال الا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله) فتحلوا ايها الطلاب والطالبات بفضيلة العفو يكرمكم الله ويفتح عليكم.
وبالاضافة الى فضيلة العقو فهناك فضية سامية وهى فضية الرقق فالرفق محمود جدا وليس بالنسبة للانسان فحسب بل بالنسبة الحيوان أيضا وهو ثمرة حسن الخلق ويضاده الضعف والحدة. قال صلى اله عليه وسلم لعائشة (انه من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدفيا والآخرة ومن حرم حظه من الرقق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة) وقال صلى الله عليه وسلم (اذا احب الله أهل بيت ادخل عليهم الرفق).
فتحلوا أبها الطلاب والطالبات بهذه الفضيلة العظيمة وهي الرفق التي نتيجة ثمرة حسن الخلق فان الرسول العظم يقول (انكم لن تسعوا الناس بأموالهم وليسعهم حسن الخلق). واتقوا الله لعلكم ترحمون والى لقاء في يوم آخر..
الحلقة الخامسة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه الطيبين والطاهرين.
ايها الطلاب والطالبات في هذا المعهد الشريف، نواصل هذا اليوم البحث في الفضائل الاسلامية والمثل السامية في سلسلة بالاخلاق الاسلامية تبنى الأمم وبالفضائل تسمو الشعوب فنقول: ان هناك فضيلة عظيمة لها اثر جليل في كيان المجتمع الاسلامي التي تحلى بها المسامون لما كان هناك فقير، وسادت المحبة والمودة بين ابنائه واصبح المجتمع الفاضل المثالي الذي يكون الأمة الكريمة الاسلامية التي اراد الله لها ان تكون حاملة رسالة التوحيد لتنقذ البشرية من ضلال الشرك والوثنية وتنير السبيل للعالم اجمع لسلوك الطريق السوي الذي تسمو به الامم وتسمو به الشعوب.
ومن هذه الفضائل فضيلة السخاء فاذا هيأ الله للعبد مالاً فينبغي ان لا يكون شحيحا او بخيلا وانما ينبغي أن يتحلى بالايثار والسخاء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (السخاء شجرة من شجر الجنة اغصانها متدلية الى الارض فمن اخذ منها غصنا قاده ذلك الغصن الى الجنة، والشح أي البخل شجرة من شجر النار فمن كان شحيحاً أخذ بعضامن أغصانها فلم يتر كه ذلك الغصن حتى يدخله النار).
وقال عليه الصلاة والسلام قال جبريل عليه السلام (قال الله ان هذا دين ارتضيه لنفسي ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهماما استطعتم) وفي رواية ( فأكرموه بهما ما صحبتموه) وقال عليه الصلاة والسلام ( ما جعل الله وليا الا على السخاء وحسن الخلق) وعن جابر قال: قيل يا رسول الله: اي الايمان افضل؟ قال ( الصبر والسماحة).
وعن عائشة رضي اللعنهاان ابن الزبير بعث اليها مالا في غرارتين فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس فلما امست قالت يا جارية هاتي فطوري: فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها : أما استطعت فيما قسمت اليوم ان تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ فقالت: لو كنت ذكرت لفعلت).
واعلموا ايها الطلاب والطالبات ان أرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن يجود الانسان بالمال مع الحاجة اليه، واما السخاء فهو الجود بما فضل عنك وقد اثنى الرب جل شأنه على اصحابه رضوان الله عليهم فقال (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال عليه الصلاة والسلام (اينما رجل اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له )
وحكي انه نزل برسول الله لئ ضيف فلم يجد عند اهله شيئاً فدخل عليه رجل من الانصار وحمله الى اهله فوضع بين يديه الطعام وأمر امرأته باطفاء السراج وجعل يديه في الطعام كانه يأ كل ولا يأ كل حتى اكل الضيف الطعام فلما اصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد عجب الله من صنيعكم الى ضيفكم فنزلت الآية (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة).
واما البخل فهو مذموم جدا ويفسد المجتمع بل ويوجد القطيعة بين ابنائه فانه اهلك من كان قبلكم حملهم على ان سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) والبخيل هالك في الدنيا والآخرة فقد قال صلى الله عليه وسلم (اياكم والشح)، واقرأوا إن شئتم قول الله تعالى (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلو ابه ليوم القيامة) .
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ((يقول ابن آدم مالي مالي؟ وهل لك من مالك الا ما تصدقت فابقيت او الهت فافنيت او بعثت فأبكيت)). وقال رجل يا رسول الله (مالي لااحب الموت؟ فقال عليه الصلاة والسلام (الك مال؟ قال نعم فقال: قدم مالك امامك فان قلب المؤمن مع ماله ان قدمه احب ان يلحقه وان خلفه احب ان يتخلف معه ).
فتحلوا ايها الطلاب والطالبات بفضيلتي السخاء والإيثار ففيهما السعادة وفيهما الفوز والنجاة للفرد والمجتمع . يقول الشاعر
يغطي بالسخاء كل عيب … وكم عيب يغطيه السخاء
والسخاء بالقليل لمن كان ماله قليلا لا يقل في الفضل عمن كان ماله كثيراً.
واتقوا الله واعملوا بفضائل الاسلام يوفقكم الله ويفتح عليكم والى اللقاء في يوم آخر ...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحلقة السادسة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه الطيبين المخلصين .
يقول الله تعالى (اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا ايها الناس اخلصوا اعمالكم فان اللّه لا يقبل من الاعمال الا ما خلص له) أما بعد ..
فيا ابنائي من طلاب وطالبات هذا المعهد الشريف الازهر اتابع واياكم سلسلة بالاخلاق الاسلامية تبنى الأمم وبالفضائل تسمو الشعوب، وفي هذا اليوم نتحدث عن فضيلة من اهم الفضائل واعلاهارتبة وهي فضيلة الاخلاص. فنقول بأن الاخلاص هو تصفية العمل عن ملاحظة المخلوق كما جاء في الحديث السابق ( يا ايها الناس اخلصوا اعمالكم لله تعالى فان الله لا يقبل من الاعمال الا ما خلص له) وقيل في الاخلاص انه سر بين العبد وبين ربه لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. و
في حديث آخرعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ((سألت جبريل عن الاخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة عن الاخلاص ما هو ؟ قال : سر استودعته قلب من احببته من عبادي) قال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين .. ).
وقال تعالى: (الا لله الدين الخالص) فالفعل الذي يشوبه غيره من امور الدنيا وخلص مما يشوبه سمي خالصا قال تعالى ( من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) فاذاخلص عن الرياء وكان اللتعالى، لا تشوبه شائبة قط، يقبله الله تعالى. فأخلصوا اعمالكم لل تعالى واجتنبوا الرياء فإنه والعياذ بالله مبطل للاعمال ومفسد لها، كما يبطلها المن والاذى واقرأوا ان شئتم قول الله تعالى: ( يا ايها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فاصابه وابل فتر كه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين)، و (يا ايها المؤمنون بالله لاتبطلوا اعمالكم) اي لا تجردوها من الفائدة المرجوة منها باتباعها بالمن والاذى فكلاهما ايلام وايجاع للسائل وقد نهى الله عن ذلك فقال تعالى (واما السائل فلا تنهر) فاذا جردتموها من تلك الفائدة تكونون كالذين ينفقون اموالهم بقصد ان يراهم الناس ليقولوا انهم محسنون وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر فلا ينظرون ثوابا ولا يخشون عقابا .
فمثل المرائي فى نفقته كمثل حجر أملس يرى الناس عليه تراباً فيظنون انه صالح للنبات، وكذلك حال المتان المؤذي والمرائي، واحمالهم التي يرى الناس انها اعمال سالحة فاذا جاء يوم القيامة اضمحات وبطلت وتبين انها لم لبن على اساس صالح وانه لم يقصد بها وجه الله وهؤلاء لا يقدرون على الانتفاع بشيء مما كسبوه وعملوه فاحذروا يا أبنائي الرياء والايذاء والمن بما انفقتموه وها انتم سمعتم نتيجة عمل المرائيين جعلنا الله من المخاصين لله القائمين على دينه الطالبين رضوانه انه سميع قريب.
واطلبوا ايها الطلاب والطالبات محبة الله ورضوانه فمحبة الله تحصل بطاعته تعالى فيما أمر والانتهاء عما نهى وزجر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا احب الله عبدا لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ثم تلاقوله تعالى (ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) اي ان الله اذا احب عبدا تاب عليه قبل الموت حيث يقول تعالى (يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقال رسول الله يلتع (ان الله يعطى الدنيا لمن يجب ومن لا يحب ولا يعطي الايمان الالمن احب) وفى حديث آخر (من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه ومن اكثر ذكر الله احبه فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) .
وعلى العبد الذي يحب الله ورسوله ان يطلب رضاء الله والرضى باب الله الاعظم فمن وجد اليه سبيلا فهو في اعلى الدرجات والرتب. قال تعالى (رضي الله عنهم ورضوا عنه) وفى الحديث (ان الله يتجلى للمؤمنين فيقول سلوني فيقولون: رضاك) فسؤالهم الرضا بعد النظر غاية التفضيل، وروي انه عليه الصلاة والسلام سأل طائفة من اصحابه فقال ( ما انتم؟ فقالوا مؤمنون فقال ما علامة ايمانكم ؟ فقالوا : نصبر عند البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال عليه السلام: مؤمنون ورب الكعبة) وفي خبر آخر انه قال ( حكماء علماء كادوامن فقههم ان يكونوا انبياه).
والنفس الراضية بقضاء الله راضية عن الله والله عنها راض وجزاؤها الجنة.
يقول تعالى (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).
جعلنا الله واياكم من المخلصين لله المحبين له والراضين بقضائه واحكامه فاحرصوا على هذه الفضائل وشدوا عليها بالنواجذ ايها الشباب والله يوفقكم ويفتح عليكم والى اللقاء في يوم آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحلقة السابعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الامين وعلى آله واصحابه الذين اهتدوا بهديه واقتدوا به في سلوك الطريق القويم. واتابع واياكم اليوم سلسلة بالاخلاق الاسلامية تبنى الامم وبالفضائل تسمو الشعوب، والفضيلة التي تتحدث عنها هى فضيلة الصدق .
والصدق ايها الطلاب والطالبات يكون صدقا في القول فتصدق حين تتحدث، والصدق في القول من علامات الايمان حيث جاء في الحديث (آية المؤمن ثلاث: اذا قال صدق واذا وعد وفى واذا أؤتمن ادى) وجعل علامة النفاق والعياة بالله في ثلاث حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (علامة المنافق ثلاث: اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا أؤتمن خان) وقد طلب الشرع الشريف من المسامين الصدق في القول حيث يقول جل شأنه (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) كما طلب اليهم الوفاء بالوعد وعدم نقض العهد لان ذلك قبيح ويعود على المجتمع بالضرر.
يقول الله تعالى (وأَوفوابالعهد ان العهد كان مسئولا) وفي آية اخرى (يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود) كما اوصى الحق جل شأنه بالمحافظة على الأمانة وعدم الخيانة يقول تعالى (ان الله يأمر كم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) ويقول تعالى ( ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون) فخيانة الله والرسول وخيانة الامانة من الكبائر جنبكم الله ذلك.
قلنا الصدق في القول،ويجب ان تصدقوا في العمل فاذا عهداليكماي عمل فيجب ان تؤدوه على الوجه الاكمل لان الله يحب من العبد اذا عمل عملا أن يتقنه كما جاء في حديث رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم، ويجب أن تصدقوا في النية والإرادة فاذا نويت عملا كريما أو أداء عبادة لله او نهيا عن مذكر فأقدمواعليه واصدقوا النية والارادة يكن نصيبكم الفوز والنجاح.
ويجب ان تصدقوا في العزم فاذا عزمتم فتوكلوا على الله واصبروا على ما أصابكم ان ذلك من عزم الامور. ويجب ان تصدقوافي الوفاء بماعز متم عليه لان عدم الوفاء مذموم قال الشاعر :
اذا قلت في شيء نعم فأتمه … فان نعم دين على الحر واجب
والا فقل: لا. تسترح وترح بها … لئلا يقول الناس انك كاذب
واذا طلبتم العلم فيجب ان تصدقوا في طلب العلم فتتحلون بحضور الدروس جميعها وتخضعون لنظام المعهد او المدرسة ولا تتهربوا من الحضور للدروس او تتخذوا من حضوركم للدراسة فرصة تضيع فيها اوقاتكم في اللهو أو المزاح او الشغب مع الاستاذ والتلاميذ، واذا لم تصدقوا في العلم وطلبه فإنكم كذابون يحاسبكم الله عليه وتفقدون نصيبكم في الدنيا وتنالون الجزاء في الآخرة.
وذلك التصرف هو ضد ارادة أولياء اموركم والامة لانكم تكونون غاشين والرسول يقول (من غشنا فليس منا) ولن تنجوا من عذاب الدنيا والاخرة فاتقوا الله واصدقوا في العلم وطلبه.
ويجب ان تصدقوا في تحقيق مقامات الدين كلها فتؤدوا واجباتكم الدينية من صلاة وصيام وزكاة وحج اذا استطعتم اليه سبيلا وتأمرون بالمعروف وتنهوا عن المنكر. ومن اتصف بالصفات التي ذكرناها فهو صديق قال تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدواالله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الصدق يهدي الى البر وان البريهدي الى الجنة وان الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار وان الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) وقال تعالى في مقام المدح) واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا)، وقال في مقام الذم ( الا لعنة الله على الكاذبين).
واقرأوا ان شئتم قول الله تعالى ( ليس البران تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من من بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون) صدق الله العظيم.
أي صدقوا في ايمانهم وما عاهدوا الله عليه، فامامكم قد وضح الطرفين واستنار السبيل، والعاقل من سلك سبيلا يوصله للخير ويبعده عن السبيل الذي من شأنه ان لا يوصله الى الخير . فاعملوا بهذه الفضائل تفوزوا في الدنيا وتجزوا الخير في الآخرة، واللّه يوفقكم ويفتح عليكم، والى اللقاء في اليوم التالي والسلام عليكم ورحمة الله.
الحلقة الثامنة
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. أما بعد ..
ايها الطلاب والطالبات اعلموا ان من الفضائل الاسلامية الجليلة العظيمة النفع مراقبة النفس ومحاسبتها على ما بدر منها فان الايمان بالحساب يوم العرض الاكبر يوجب على المرء مراقبة النفس ومحاسبتها استعدادا لذلك يوم الزلزلة العظيم (ياايها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع ل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).
اسمعوا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم (حاسبوا انفسكم قبل أن تحاسبوا) واقرأوا قول الله تعالى (ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بهاو كفى بنا حاسبين) وقال تعالى (مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة الا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) وقال تعالى (واعلموا ان الله يعلم ما في نفوسكم فاحذروه) فهذه الايات والحديث الشريف تطلب من المؤمن أن يراقب نفسه ويحاسبها على ما بدر منها ليعود الى صوابه ويندم على ما فعل فيتوب الى الله ويرجو ان يقبل الله توبته (ان الله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات).
واعلموا ايها الطلاب والطالبات والاخوة ان من حاسب نفسه على اللحظات والخطرات ومحاولة التهرب من الواجبات خفت في القيامة حراته، ومن لم يحاسب نفسه على تقصيره او تزويغه من المطلوب منه دامت حسراته وكثرت فى عرصات القيامة وقفاته وقال تعالى (ياايها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) والمرابطة تشمل مراقبة النفس لانه اذا كانت النفس كالشريك الخائن فلا سبيل الى اهمالها لحظة لئلا تخون فيفسد رأس المال فضلا عن الربح. فاذن لا بد من المراقبة على الدوام فى السكنات والحركات واللحظات.
قال عليه الصلاة والسلام (اعبد الله كأنك تراء فان لم تكن تراه فانه يراك) وقال تعالى (ان الله كان عليكم رقيبا). والمرابطة تشمل محاسبة النفس وبعد العمل فيحاسب الإستاذ نفسه هل أدى واحبه بوجه حق؟ ويحاسب التلميذ نفسه هل حضر مبكرااو متأخرا؟ هل انتبه لدروسه او اهملها؟ وهل احسن الاصغاء والاستماع وهل استقاد من دروسه ام لا؟ وما السبب فى عدم الاستفادة؟ ايتلافى الخطأ ويخلص للعلم والاستفادة؟
ويقولون ينبغي ان يكون للعاقل اربع ساعات منها ساعة يحاسب فيها نفسه.
وعن امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه اله كان يضرب قدمه بالدرة اذا جنح الليل ويقول لنفسه ماذا عملت؟.
ومن ذلك يتبين ايها الطلاب والطالبات انه ينبغي ان يحاسب المرء نفسه في آخر النهار على ما عمل اليوم. والمرابطة تشمل المعاقبة وذلك بأن يظهر تقصير النفس في الطاعات وارتكابها المعاصي بعد الحساب:
والنفس كالطفل ان تهمل شب على … حب الرضاع وان تفطمه ينفطم
فلا ينيغي ان يهملها؛ لانه اذا اجملها سهل عليها الرجوع الى مثلها فيغض الطرف ولا ينظر الى محرم واذا نظر فليماقبها بمنع الحظر ويمنع اللوم عنها واذا تخلفت عن اقامة الصلاة أو أدى فريضة أخرى فليبادر فوراً بأدائها وهكذا مع التوبة، والمرابطة تشمل معاتبة النفس فاعدى اعداء الانسان نفسه التي بين جنبيه فقد خلقت أمارة بالسوء ميالة الى الشرفرراة من الخير. وأنت ايها المؤمن مأموربمجاهد تها وحله على عبادة ربك وتزكيتها بالعبادات وترك الشهوات فان اصماتها شريت وحجمت واستولت عليك فلا تطيعك بعد ذلك فان اردت توبيخها ومعائتها ربما اذعنت وترقت الى ان صارت اوامة وان ترقت عن القوامة صارت مطمئنة فتدخل في عباد الله راضية مرضية فلا تففلن عها ساحة ولا تشتفل بوعظ غيرك ما لم تفرغ منها وقال الشاعر:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك اذا فعلت عشيم
وفي حديث قال الله تعالى لعيسى بن مريم عليه السلام (يا ابن مريم عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس والا فاستحي مني) وقال تعالى (فذكر أن الذكرى تنفع المؤمنين) فعليكم ايها الطلاب والطالبات لن تحاسبوا أنفسكم وتراقبوها وتعاقبوها وتعاتبوها على التقصير والاغترار وتقولون لها:
مطلوب منك ان تكوني لوامة ومطمئنة لخير الفرد والامة ولعلك ترين الموت بعيدا وهو اقرب اليك من حبل الوريد والموت آت وكل آت قريب.
ونسأل الله ان يوفقنا جميعاً لمراقبة نفوسنا ومحاسبتها والعمل بهذه الفضائل الاسلامية الجليلة لخير الدين والمسلمين، وفقكم الله والى اللقاء باذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحلقة التاسعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، نتحدث اليوم عن فضيلة الصمت لان خطر اللسان عظيم ولا نجاة من خطره الا بالصمت، وقدما قالوا مصرع الرجل بين فكيه ولذلك حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الصمت فقال (من صمت نجا) وقال (الصمت حكمة وقليل فاعله) وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من يتكفل لي ما بين لحييه ورجليه اتكفل له الجنة).
وروي ان معاذين جبل سأل رسول الله قائلا، يا رسول الله اوصني، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك من الموتى وان شئت انبأتك بما هو املك لك من هذا كله واشار بيده الى لسانه صلى الله عليه وسلم) وروي ان ابا بكر الصديق كان يشير الى لسانه ويقول: -( هذا الذي أوردنى الموارد).
وذلك ان للسان آفات كثيرة منها: الكلام فيما لا يعنيك لان تكلم المرء فيما لا يعنيه يضيع الوقت وتعريض الشخص الى الحساب لانه يكون قد استبدل الذي هو ادنى بالذي هو خير فانه لو ذكر الله اوسكت واشتغل بالعلم او بالفكر أو يقول الحق لنال به المرء أعلى الدرجات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
ومن آفات اللسان فضول الكلام وهو ان تكرر ما لا فائدة من تكراره قال عطاء بن رباح: ان من كان من قبلكم يكرهون فضول الكلام.
ومن فضول الكلام ان تشتم رجلا في الحضور والغياب او توجه اليه كلمات غير لائقة، وفضول الكلام كثيرة لا تنحصر، وقدنهى الرسول الاعظم عن ذلك لنتحلى بفضائل الاسلام قال (طوبى من امسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله) وقال عليه السلام (ان الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها ابعد من الثريا) ومن آفات اللسان: الخوض في الباطل والمعاصي كحكاية اقوال النساءوالس الشراب ومقامات الفسق واليه الاشارة في قوله تعالى (وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين).
ومن آقات اللسان: المراء والمجادله قال عليه الصلاة والسلام (لا تمار اخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه) وقال عليه الصلاة والسلام (من ترك المراء وهو محق بني له بيت في اعلى الجنة ومن ترك المرء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة).
ومن آفات اللسان الخصومة واللجاج فيها وهي مذمومة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ابغض الرجال الى الله الالد الخصم) وفي حديث آخر (من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع) ومن آفات اللسان التشدق في الكلام بتكلف السجع والتصنع فيه قال عليه السلام ( انا وأتقياء امتي برآء من التكلف ).
ومن آفات اللسان السب والفحش وبذاءة اللسان وهو مذموم قال عليه الصلاة والسلام ( اياكم والفحش فان الله لا يحب الفحش ولا التفحش) ويقول الله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) ومن آفات اللسان: كلمات اللعن والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (المؤمن ليس بلعان ) وقال حذيفة رضي الله عنه (ما تلاعن قوم الأحق عليهم القول). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر رضي الله عنه وهو يلعن بعض رقيقه اي يلعن عبيده فالتفت اليه الرسول، وقال يا ابابكر: صديق ولعان، ورب الكعبة. واعاده مرتين او ثلاثا فاعتق ابو بكر يؤمئذ بعض رقيقه. وجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال (لا اعود).
ومن آفات اللسان الغناء ولا سيما الذي يهيج العواطف. ومن آفات اللسان المزاح واصله منهي عنه مذموم الاقدر ايسيرا قال عليه الصلاة والسلام (لا تمار اخاك ولا تمازحه) واعلم ان المنهي عنه هو الافراط في المزاح وهو يورث كثرة الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اني لأفرح ولا اقول الاحقا) وروي ان رسول الل سألته سيدة أندخل الجنه فقال لها (لاتدخل الجنة عجوز) كما سال اعرابي الرسول انيركبه ليذهب الى الجهاد فقال عليه السلام (اركبوه على ولد الناقة) فشعر الاعرابي بالحرج وقال اركب جملا فقال له الرسول عليه السلام وهل الجمل الا ولد الناقة؟ يعني ان المزاح المباح هو الخفيف ويعتمد على قول الحق. ومن آفات اللسان السخرية والاستهزاء وهو محرم قال الله تعالى (لا يسخر قوم من قوم) وربما كانت السخرية او التهكم بالمحاكاة في الاقوال والافعال وهو منهي عنه.
ومن آفات اللسان افشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من الايذاء والتهاون بحق الاصدقاء قال صلى الله عليه وسلم (الحديث بينكم امانه) يعني لا تخوانو الامانة.
ومن آفات اللسان الموعد الكاذب وهو منهي عنهلاقه من امارات النفاق والعياذ بالله
ومن آفات اللسان الكذب في القول واليمين وهو من قبائح الذنوب روي ان أبابكر الصديق رضى الله عنه كان يخطب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (قام فينا رسول الله مقامي هذا ثم بكى فقال اياكم والكذب فانه منبع الفجور وهما في النار)>
ومن آهات اللسان الغيبه وقد مها الشرع قال تعالى (ولا يفتب بعضكم بعضاً ايجب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا فكر هتموه) وقال رسول الله يعر لئع (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولاتناجشوا ولا تدابروا ولا يغتب بعضكم بعضا وكونوا عباه الله اخوانا) والغيبة هي ان تذكر انسانا بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرت نقصانا في بدنه او نسبه او فعله او قوله او دينه او دنياه حق في ثوبه وداره ودابته. والمستمع للغيبة المصغي لها والمتعجب فيها هو شريك للمغتاب ومعين له وهو آثم اذا رضي بذلك وعليه ان يرد الغيبه اتباعا لآداب الرسول العظيم حيث قال ( مزرد عن عرض اخيه بالغيبة كان حقا على الله تعالى ان يرد عن عرضه يوم القيامه) .
وبما اوردنا قد وضحت فضيلة الصمت عما ذكر من آفات اللسان المردية لصاحبها والضارة بالخلق الاسلامي والتى ابدتها الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة والمطلوب منكم التمسك بذلك لان فيها الهداية التامة للبشرية وحيث يقول رسول الله لئه (تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وسنتي اللهم) اجعلنا من المهديين بهديهما المتمسكين بها يارب العالمين والى اللقاء في يوم آخر باذن الله.
الحلقة العاشرة
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين اما بعد .. فيا أيها الطلاب والطالبات نواصل اليوم البحث في آفات اللسان وهي كثيرة جدا .
ذكرنا أمس ان من آفات اللسان المهلكة الغيبة وانها محرمة بنصوص الشريعة الغراء لكن يتردد على أفواه الناس عبارة: لا غيبة لفاسق. وكأنهم بذلك يجدون محللا للغيبة وايضاحا لهذه النقطة فأورد بعض المواضع التي رخص فيها وقد حصرها العلماء في ستة اشياء: الاول التظلم لمن تظلم من قاض ظمه أو اخذ رشوة منه أو غيره فالتظلم جائز ومندوب اليه يقول الله تعالى ((ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوابها الى الحكام لتأ كلوافريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون)).
الثاني الاستعانة على تغيير المنكرورد العاصي الى الصلاح لان الله يقول ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)).
الثالث الاستفتاء بأن يقول ظلم أبي أو امي فكيف السبيل الى الخلاص؟ يقول تعالى: ((واسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون)) والتعريض في مثل هذا اسلم اي بأن يذكر الظلم ولا يتعرض لمن ظامه بكلمة سوء.
الرابع تحذير المسلمين من الشر قال رسول الله م لتم ((اذكر الفاجربما فيه من مساويه يحذره الناس)). الخامس ان يعرف باسم كالاعرج والاعمش فذلك لا حرج فيه. السادس ان يجاهر بالفسق كالمخنث، وصاحب الماخور والمجاهر بشرب الخمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من ألقى جلباب الجياء عن وجهه فلا غيبة له)) فهذه الاوجه التي رخص فيها الشارع.
واعلموا ان المغتاب في غير هذه المواضع آثم وكفارة الغيبة ان المغتاب يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله - ليخرج من حق الله تعالى ثم يستحل من اغتابه ايحله فيخرجه من مظامتين وليكن ذلك باظهار حزن وندم حقيقي ويقول الحسن: يكفيه الاستغفار لمن اغتابه دون الاستحلال.
وروى انس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال (كفارة من اغتيب ان تستغفر له) وقال مجاهد ( كفارة اكلك لحم أخيك ان تثني عليه وتدعو له بالخير) والأولى الاستحلال باظهار الندم .
ومن آفات اللسان ايها الطلاب والطالبات النميمة فإنها حرام يقول تعالى (هماز مشاء بنميم ) قال عبد الله بن المبارك ولد الزنا لا يتم الحديث واشار الى أن كل من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة دل على انه ولد الزنا استنباطا من قوله تعالى (عتل بعد ذلك زنيم) والزنيم هو الدعي. وقال تعالى (ويل لكل همزة لمزه) الهمزة هو النمام وقال تعالى (حمالة الحطب) وهي أم جميل زوجة ابي لهب التي كانت وزوجها يؤذيان النبي ف ا الل قيل كانت نمامة حمالة الحطب.
وقال تعالى (فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) وفي حديث آخر (لا يدخل الجنة قتات أي نعام) وما هي النميمة؟ هي كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول اليه أو ثالث وسواء كان الكشف بالقول أو الفعل أو بالكتابة أو السرقة او بالاشارة،فحقيقة النميمة هي افشاءالسر وهتك الستر.
ومن آفات اللسان ايها الطلاب والطالبات كلام ذي اللسانين وذلك من يتردد بين المتعادين ويكلم كل واحد بما يوافقه وذلك عين النفاق قال عمار بن ياسر قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامه) وقال عليه الصلاة والسلام ( تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء بحديث هؤلاء) وفي لفظ (الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه).
ومن آفات اللسان ايها الطلاب والطالبات، المدح فهو منهي عنه في بعض المواضع، والمدح يدخلست آفات أربع في المادح واثنتان في الممدوح. اما المادح فهوان يفرط في المدح فينتهي الى الكذب وهو محرم، الثانية أن يدخله الرياء فانه بالمدح مظهر للحب،الثالثة انه قد يقول ما لا يتحقق ولم يطلع عليه، الرابعة إن يفرح الممدوح به وهو ظالم فاسق وذلك غير جائز قال صلى الله عليه وسلم (ان الله تعالى يغضب اذا مدح الفاسق) واما الممدوح فيضره من وجهين احدهما ان يحدث فيه كبرا وإعجابا والثانية اذا اثنى عليه بالخير رضي هو عن نفسه بذلك فنسي نقصان نفسه فيقل تشمر للخير ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( قطعت عنق صاحبك ويحك لو سمعها ما أفلح).
ومن آفات اللسان ايها الطلاب والطالبات في الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته مثاله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يقل احدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء اللّه ثم شئت) وذلك كما لا يخفى عليكم يا طلاب الازهر أن العطف المطلق يوهم التشريك فكأنه يشارك الله في المشيئة، وقال عليه الصلاة والسلام ( لا تقولوا للمنافق سيدنا فانه ان يكن سيدكم فقد اسخطتم ربكم).
فتحلوا ايها الطلاب والطالبات بالاخلاق الاسلامية والفضائل القرآنية فيها تبنى الامم وتحيا الشعوب وأسال لكم التوفيق والهداية.
ونختتم هذه السلسلة يوم السبت القادم باذن الله موضوعها عجائب القلب فاحرصوا على الحضور مبكرين لما في ذلك من مزيد علم يكون لكم مقدمة الدار العرية للكب طيبة للدراسة العالية باذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحلقة الحادية عشرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أما بعد ...
فقد قال رسول الله لئل (ان في جسد ابن آدم مضغة اذا صلحت صاح الجسد كله وصلح لها سائر البدن الاوهي القلب) فمن هذا الحديث يظهر ان الاصل هو القلب وانه الامير المطاع في عالم الجسد والبقية رعية. ولهذا القلب جندان جند يشاهد بالبصر وهو اليد والرجل والعين وسائر البدن، وجند يشاهد بالبصيرة وهي الصفات. ودل الحديث المذكور اعلاه على ان القلب ينبغي أن يكون اميرا مطاعا وتكون النفس وسائر البدن مطيعة لاوامره ونواهيه فاذا لم يكن كذلك وغلبت الشهوات صار الامير مأمورا وانعكس الامر فيصير الامير اسيرا مسخرا في يد أحقر الاشياء كإطاعة الرجل لداعية الشره او الشهوة او الغضب وهي جميعها جند الشيطان يرى نفسه وكأنه على الحقيقة اطاع الحمار وهو الشهوة واطاع الخنزير وهو الشره واطاع الكلب وهو الغضب وفي هذه الاحوال يصبح مطيعا للشيطان فاذا طال تسلط هواه على القلب بهذه الصفات التي هي جند الشيطان ولم يكن للقلب مقدرة على هزم هذا الجند وصار القلب مقهورا صار ذلك سببا في ابطال طاقة تلك اللطيفة الربانية وهو المراد بسواد القلب وبالطبع والدين في الآيات القرانية والاخبار قال تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) وقال تعالى (كلابل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
ومثال القلب المرآة فانها ما دامت صافية من الصدأ والخبث يشاهد فيها الاشياء واذا غلب عليها الصدأ ولم يكن لها ما يصقلها ويدفع الصدأ عنها ويجلوها تمكن منها وغاص في جرمها وهلكت وضارت بحيث لا يقدر المصقل على صقلها وجلائها وهو المراد بالطبع والدين واليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: (ان القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد) قيل يا رسول الله وما جلاؤه؟ قال (ذكر الموت وتلاوة القرآن) ويقول الله تعالى (ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون) فاذا بطلت ولاية القلب بالكلية استولى الشيطان فتقلب الصفات المحمودة مذمومة .
وتبين من الأحاديث الشريفة والايات القرآنية السابقة ان ابصار القلب وجلاءه تحصل بطرد الشيطان وهزيمة جنده والتي منها الشره والشهوة والغضب كما ذكرنا وتحصل بالذكروان المرء يتمكن من الذكر بالتقوى،فالتقوى هي باب الذكر والذكر باب الكشف والكشف مفتاح الفوز الاكبر. ولكي نحيط علما بالقلب والروح والنفس والعقل نرجع الى ما قاله حجة الاسلام الامام الغزالي في تعريف كل من القلب والروح والنفس والعقل .
القلب، يطلق على معنيين احدهما هو اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الايسرمن الصدر وفي باطنه تجويف يسكنهدم اسود وهو منبع الروح ومعدتها وهذا اللحم على هذا الشكل ايضا موجود للبهائم وللموتى.
والمعنى الثاني للقلب هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا اللحم اتصال ما، وهذه اللطيفة هي العالمة بالله تعالى المدركة لما ليس يدركه الخيال والوهم وهو حقيقة الانسان وهو المخاطب (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ويقول الحق جل شأنه (ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا) والى هذا المعنى اشار الحق بقوله تعالى (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) ولو كان المراد بالقلب هو اللحم الصنوبري لكان موجوداً لكل واحد.
فإذا عرفت هذا فاعلم ان تعلق هذه اللطيفة بهذا اللحم الصنوبري هو تماثل غامض لا يدرد بالبيان بل يتوقف عل المشاهدة والعيان والذي يمكنان يذكر فيه ان القلب كذللك وهذا اللحم له الدا ر اذ أو كان قطقه تمى الاعراض لا صح فيه ان يقال وانه يحول بين المره وقلبه.
الروح، وللروح ايضا معنيان احدها الروح الطبيعي وهو دخان منبعه دم اسوه في تجويف القلب وهو اللحم الصنوبري وينتشر بواسطة العروق والطوارب والشرايين في جميع أجزاء البدن ومثاله سراج البيت الذ يستضاء به في جميع زوايا البيت وهو الذي يريده الاطباء باطلاق الروح.
والمعنى الثاني هو اللطيفة الربانية التي هي ممنى حقيقة القلب فالروح والقلب متواردان على تلك اللطيفة على نسق واحد واليه الاشارة بقوله تعالى ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي).
النفس، ولها ايضاً معنيان واحدهما المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة والصفات المذمومة وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام (اعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك) وهي الجاهدة والمأمور بكسرها .
والمعنى الثاني لها، اللطيفة الربانية التي هي احدى معنيي الروح والقلب والنفس ايضاً مع لفظ القلب والروح - مطلقة على تلك اللطيفة وهي حقيقة الانسان التي تميز بها عن سائر الحيوانات.
فاذا حصلت وتحلت بذكر الله تعالى سميت (النفس المطمئنة) وهي المراد بقوله تعالى (يا ايتها النفس المطمئنة) والنفس قبل ان تنتهي الى هذه الدرجة لها درجتان بالاعتبار احداهما ان تسمى (النفس اللوامة) وهي التي اقسم الله تعالى بها في قوله تعالى (ولا أقسم بالنفس اللوامة) وهي التي تلوم على المعاصي ولاتر كن اليها ولاترضى بها وقبل ان تنتهي الى هذه الدرجة لها درجة وهي ان تكون (امارة بالسوء) كما قال تعالى: (ان النفس لامارة بالسوء) وهي في حالة لا تأمر بالخير ولا تلوم على الشر وهي حقيقة النفس، والمطمئنة كمالها واللوامة بينهما لا هي ترضى بالشر فتركن اليه ولا تستطيع الاطمئنان فتطمئن الى الخير وهو ذكر الله تعالى.
العقل، وقد ذكر له عدة معان احدها العلم بحقائق الاشياء والثاني العلم الذي يكون العلم له كالصفة وهذا المعنى هو اللطيفة الربانية التي سبق ذكرها اذ لا يمكن ان يراد بالعقل المعنى الاول (وهو العلم بحقائق الاشياء) لقوله صلى الله عليه وسلم ( أول ما خلق الله تعالى العقل ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال أدبر فأدبر ).
فيتبَّين ان المراد بالقلب والعقل والروح والنفس هو (اللطيفة الربانية).
واذا اطلاقنا هذه الامور الاربعة اردنا تلك المعاني أي اللطيفة الربانية.
فاعلم ذلك واحرص عليه وتوكل على الله. ونحن اذ نختتم هذا الموسم الثقافي في هذا المعهد الشريف نرجو الله لكم يا أبنائي وبناتي التوفيق والسداد والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق