عصر الإسلاميين الجدد
د. وليد الهويريني
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: اقتضت سنة الله تبارك وتعالى في هذه الحياة أن السلطة والملك لا يدومان مع الظلم والطغیان، قد جعل الله سبحانه الظلم سبباً لخراب العمران وضعف الأمم وسقوط المجتمعات. وكلنا يذكر الفوضى الخلاقة التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، وأن رايس نفسها أكدت على ضرورة التخلص من حلفاء الغرب في المنطقة واستبدالهم بحلفاء جدد، كما أن الدراسات والأبحاث الغربية أكدت على ضرورة فتح الباب لشريحة من الإسلاميين لتسلم السلطة، وهذا ما لم يكن موجوداً في أجندة السياسة الأمريكية قبل ١١ سبتمبر ٢٠٠١م.
ولا ريب أن للثورات العربية آثارها الإيجابية في إطلاق حرية الدعوة الإسلامية بعد سجن طويل، فتحطم القبضة الأمنية الحديدية التي كانت تمسك بخناق الدعاة وتحاصر الخطاب الإسلامي في زوايا محدودة، سيكون له تداعياته الإيجابية الذي يحسن بالدعاة استثمارها على أكمل وجه، وإذا أردنا أن نحصر حديثنا في هذا المبحث في بلدان الثورات العربية، فإننا لا يمكن أن نغفل الآثار الفكرية الكبرى التي ستنتج عن تسلم الإسلاميين للسلطة فيها، سواء نجحت تجربتهم في السلطة أو فشلت، في كلا الحالتين آثارهما الإيجابية والسلبية على حد سواء.
وقد برز إبان ذلك الإسلاميون الجدد، وقد ظهر هذا الاتجاه الفكري منذ زمن طويل، وذلك في أعقاب أول ارتطام بين الحضارة الغربية المعاصرة والأمة الإسلامية، الذي بدأ بدخول جيش نابليون مصر في عام (١٧٩٨ - ١٨٠١م)، وبرز بشكل جليّ مع الاستعمار البريطاني لمصر.
وقد اختلف الباحثون والمؤرخون حول تسمية هذا الاتجاه الفكري، فقد أطلقت علیه مصطلحات عدة مثل: (الاتجاه العصراني) أو (الاتجاه العقلاني) أو (التنوير الإسلامي) واليوم يطلق عليهم في كثير من الأوساط البحثية الغربية والعربية مصطلح (الإسلاميون الجدد). ومن أبرز سماته أنه يستهدف المواءمة والتوفيق بين نصوص الشرع ومعطيات الحضارة الغربية، وذلك بتطويع النصوص الشرعية، وتأويلها تأويلاً جديداً يتلاءم مع المفاهيم المستقرة لدى الغربيين.
ويعرفهم الشيخ أحمد سالم بأنهم (تيار فكري يسلّم بسلطة الوحي على العقل، وكونه معياراً للممارسات الإنسانية، حاول مفكروه التوفيق والمواءمة بين الإسلام وبين مفاهيم التنوير الغربي، فقبلوا منها ما رأوه حقاً، وردوا منها ما رأوه باطلاً، ولكنهم أثناء عملية التوفيق هذه، أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها، إما بقبول باطل وإما برد حق، فكانت مخالفة القطعي، بقبول ما هو باطل من المفاهيم الغربية، ورد ما هو ثابت قطعي من الدين).
ولعل أهم معالم المشروع التجديدي للإسلاميين الجدد، كالتالي: إصلاح التعليم، الاحتفاء بالفنون، بناء الجماعة الوطنية، إقامة نظام اقتصادي، الكفاح من أجل التجديد الإسلامي، التفاعل مع العالم.
إن ما نشهده حالياً هو تشتت المرجعية الإسلامية، وعجز التيارات الرافعة للشعار الإسلامي عن احتكار المشروعية الإسلامية، على الرغم من السمة الدينية الغالبة على المجتمع؛ فالبضاعة الإسلامية نفسها أصبحت شديدة التنوع، والسلطة التأويلية للنص لم تعد قائمة، ومسارات التدين غدت متعددة وغير محصورة في النمط السياسي.
ويأتي كتاب «عصر الإسلاميين الجدد» للدكتور وليد الهويريني في سياق مرحلة شديدة التحول في العالم العربي والإسلامي، حيث تداخلت التحولات السياسية مع المتغيرات الفكرية، وتراجعت أنظمة وصعدت أخرى، وانفتحت أمام التيارات الإسلامية مجالات واسعة للحركة والمشاركة السياسية والدعوية بعد عقود من التضييق والاستبداد. وفي خضم هذه التحولات برز تيار فكري جديد حاول أن يعيد قراءة العلاقة بين الإسلام والحداثة، وبين النص الشرعي والمفاهيم الغربية، وبين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة والمجتمع المعاصر.
ومن المناسب أن نقتبس هذه العبارات المعبرة: (ثم لا ينبغي أن يستغرب المرء من وقوع بعض الإسلاميين في أخطاء فادحة بالمعايير الشرعية نتيجة لخلل في بنيتهم الاستدلالية الفقهية، أو طغيان الاهتمام بتحقيق مقاصد شرعية أدنى على حساب مقاصد شرعية أعلى منها) (ص 6).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يعرف الخيرات الواقعة مراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم یعرف ذلك کان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغیر علم كان یفسد أکثر مما يصلح) جامع الرسائل ٣٠٥/١.
دعم الديكتاتوريات العربية لأكثر من ستين عاماً:
وفي نوفمبر ٢٠٠٣ م أدلى الرئيس جورج بوش الابن بأول اعتراف أمريكي علني، عندما ذكر بأن الولايات المتحدة ظلت تدعم الديكتاتوريات في الشرق الأوسط لأكثر من ستين عاماً، وأن تلك السياسة لم تجلب لأمريكا الأمن أو تخدم مصالحها، وأعلن بوش تخليه عنها وتبنيه لسياسة جديدة قوامها نشر الديمقراطية.
في فبراير ٢٠٠٤م قدم الرئيس بوش إلى مجموعة الثمانية مبادرة مشروع الشرق الأوسط الكبير، ونشرت صحيفة الحياة اللندنية في ٢٠٠٤/٢/١٣م نص المشروع، ففي المقدمة تحذر الورقة من اقتراب الشرق الأوسط من الانفجار بسبب التدهور الاقتصادي والاستبداد السياسي وخطورة ذلك على الغرب ومصالحه في المنطقة، وتلخص الورقة إصلاح النواقص التي حددها تقارير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية العربية عبر محاور ثلاثة:
- تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح. - بناء مجتمع معرفي. - توسيع الفرص الاقتصادية.
وتقول ورقة المشروع ما نصه: (فالديمقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق فيه التنمية).
تدريب الشباب على المظاهرات السلمية:
وبالفعل قامت الولايات المتحدة قامت عبر مؤسسات أهلية بتدريب الآلاف من الشباب العربي على كيفية التظاهر السلمي، ومواجهة قوى الأمن، واستراتيجيات التغيير، وهذا ما ذكره د.محمد الأحمري مع كونه من المثقفين الذي ينفون نظرية المؤامرة حيث يقول: (الديمقراطيات القادمة في العالم العربي ستكون في الغالب ديمقراطيات موالية للغرب، أو على الأقل لا تعادي الغرب وهذا مطلب أساسي في المرحلة القادمة.
ثم يؤكد تدريب الغرب لمجموعات شبابية فيقول: (إن الذي يحدث الآن ليس عملاً أمريكياً نُفذ، ولكن سبق هذا عمل وهو تهيئة كثير من الشباب في دورات الاحتجاج المدني في صربيا .. فأصبح هناك نوع من التدريب لمجموعات مدنية يمكن أن تؤثر .. وأن تسقط أو تكسر المجموعات اليابسة).
ثم يستطرد فيقول: (هناك أعداد درّبت على الاحتجاج المدني في أغلب الدول العربية بما فيها دول الخليج ... هناك أعداد كبيرة جُهّزت لهذا الأمر).
والسؤال الذي يرد على حديث الدكتور الأحمري: هذه المجموعات التي درّبتها وجهّزتها الولايات المتحدة، هل درّبتها بانتظار تغيير كوني قدري لا دخل لها فيه فهي تنتظر حدث قد يأتي وقد لا يأتي؟ وهل يمكن لدولة كبرى أن تنفق هذه الأموال الطائلة وتدرّب الأعداد الكبيرة من غير أفق مستقبلي منظور وقريب يمكن أن يؤتي هذا التدريب والتجهیز أهدافه الذي من أجله وضعت؟
هذه الأسئلة ومثيلاتها ... لا تجد لها أجوبة في ظل هدير الأحداث المتلاحقة والعواطف الجارفة.
أكاديمية التغيير .. وأسئلة مشروعة؟!!
كان من اللافت أن مجلة المجتمع الكويتية نشرت تقريراً في عددها الصادر في ١٤٣٣/٢/١٣هـ الموافق ٢٠١٢/١/٧م بعنوان (أكاديمية التغيير ... أداة أمریکا لإجهاض الثورات العربية)، ومما جاء فیه:
(بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩٩٨م نُشرت وثيقة للمخابرات الأمريكية، تشرح خطة المخابرات المركزية لتفكيك يوغوسلافيا السابقة إلى عدة دول ضمن خطتها لإضعاف الكتلة السوفييتية، هذه الخطة اعتمدت على دعم مؤسسات وظيفتها المعلنة هي ((التغيير بدون عنف))، وكانت مجموعة ((أوتبور)) التي ترفع شعار ((قبضة يد)) - شعار حركة ((٦ أبريل)) - هي وسيلة المخابرات الأمريكية للإطاحة بالزعيم الصربي ((سلوبودان میلوسوفیتش)) (عام ٢٠٠٠م) عبر سلسلة احتجاجات واعتصامات.
عندما نجحت هذه الخطة بدؤوا ينفذونها في العالم العربي؛ بهدف تدريب الشباب العربي على ((التغيير)) وقلب أنظمة الحكم عبر ما أعلن في البداية عن استخدام ((وسائل غير عنيفة))، وكانت أبرز هذه المؤسسات التي جرى الاعتماد عليها ودعمها هي ما سمي بـ(أكاديمية التغيير)) التي أُنفق عليها بسخاء بهدف تعليم الشباب كيفية قلب نظم الحكم أو التغيير عبر آليات ووسائل للتظاهر. هذه الأكاديمية التي تأسست في لندن في يناير عام ٢٠٠٦م، وافتتحت فرعاً لها في قطر عام ٢٠٠٩م تقوم بما يشبه التدريس للشباب العربي ((بلا مقابل))، وبدأت تعليم الشباب المصريين أدوات التغيير، وفلسفة وثقافة التغيير، وإستراتیجیات التغییر، وتکتیکات ووسائل التغییر.
حیث ترکز على شرح وسائل للتظاهر ومواجهة قوات الأمن، وكيفية التغلب على كلاب البوليس، والخروج في مظاهرة، وحثِّ الناس على التظاهر والثورة، ووسائل شلِّ قدرات قوات الأمن على منع المظاهرات والاحتجاجات عبر فيديوهات تعليمية. وتقول في موقعها على ((فيسبوك)): إن هدفها ((نشر ثقافة التغيير، وتوفير الأدوات اللازمة لإحداث الثورات، وتدريب كوادر مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والأفراد على استراتيجيات ووسائل التغيير))، ولهذا انضم لها ثوار مصريون، حيث ركزت هذه الأكاديمية على تعليم النشطاء المصريين والعرب وسائل العصيان المدني، وأسالیب جدیدة للاحتجاج، ووضعت كتباً لتعليم النشطاء إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرات.
وكان لبعض النشطاء الذين شاركوا في هذا البرنامج دور في (ثورة ٢٥ ینایر)، وهو ما استفاد منه نشطاء من عدة حركات سياسية مصرية في هذه الثورة، خصوصاً في وسائل الاحتجاج والتغلب على الغاز المسيل للدموع وغيره. ولكن بعد انتصار الثورة، وتنحِّي ((مبارك))، بدأ البعض من هؤلاء الشباب ممن يتبعون نهج هذه الأكاديمية في استخدم نفس أساليب أكاديمية التغيير في التظاهر والتحريض ضد ((المجلس العسكري)) ومواجهة قوات الأمن والجيش، ولكن بأسالیب بها قدر من العنف، مثل استخدام احجارة وزجاجات المولوتوف بدعوی الرد على عنف الأمن، والتعدي على الشرطة والجيش وحرق آليات عسكرية.
وظهر مخطط مختلف لعمل ثورة جديدة يقودها هؤلاء الشباب، مستفيدين من وسائل هذه الأكاديمية، وانتشرت فيديوهات خبيئة على موقع الأكاديمية بعناوين مثل «كيف تواجه أناساً لا يقاتلون لكنهم لا يخضعون؟»، وعقد ندوات غريبة مثل ندوة بالتعاون مع مؤسسة (Shift) بعنوان ((تغيير النظم السياسية)) ستعقد في يناير الحالي عام ٢٠١٢ م .. حتى أصبح السؤال هو: لماذا استمر التدريب في تلك الأكاديمیة بعد قيام الثورة على ((تغيير النظم السياسية))، وبعدما نجحت الثورة في تغيير النظام؟!
واللافت أن البعض ممن يقودون فكرة التغيير هذه بعد الثورة يقولون على مواقعهم الشخصية و((فيسبوك)): إنهم هم من عملوا الثورة، وأسقطوا النظام، ولكن ((المجلس العسكري)) و((الإسلاميين)) سرقوا منهم ثورتهم؟!.
ثم يستطرد التقرير:
(فكرة ((أكاديمية التغيير)) هذه بدأت في أوائل ٢٠٠٥م من خلال ثلاثة شبان مصريين ذهبوا للبحث عن عمل في لندن، وجذبتهم فكرة مجموعة ((أوتبور)) الصربية - أو تم جذبهم لها - فأنشؤوا موقعاً إلكترونياً للترويج لأفكار العصيان المدني باللغة العربية، ولكنهم بدؤوا في عام ٢٠٠٥م يمارسون نشاطهم العلني في مصر عبر محاضرات لتعليم النشطاء المصريين كيفية (العصيان المدني والاعتصام)، وكان من بين حضور جلساتهم الأولى حوالي ٣٠ عضواً في حركة (كفاية) حيث استلهم المصريون الثلاثة الطريقة التي أطاحت بها مجموعة ((أوتبور)) بالزعيم الصربي ((سلوبودان ميلوسوفيتش)) من خلال احتجاجات سلمية عام ٢٠٠٠م، ودرسوا صراعات سابقة، وكان التركيز في البداية في مصر على تفادي العنف، وأن تكون المظاهرات سلمية.
وفي يناير ٢٠٠٦م ظهرت ((أكاديمية التغيير)) في لندن لتركز على تعليم النشطاء المصريين والعرب وسائل العصيان المدني وأسالیب جدیدة للاحتجاج، ووضعت كتباً لتعليم النشطاء إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرات.
ولمساعدة المتظاهرين على المقاومة السلمية بئّت (أكاديمية التغيير) في موقعها على الإنترنت فيلماً مدته ثماني دقائق حول أفكار تشبه ما جاء في كتيبها الإرشادي عام ٢٠٠٨م، وشرح الفيلم كيفية حماية المتظاهرين لصدورهم وظهورهم باستخدام دروع مصنوعة من البلاستيك والورق المقوى، وطريقة التخلص من آثار الغاز المسيل للدموع عن طريق تغطية الوجه بمحارم ورقية مشربة بالخل أو الليمون أو عصير البصل. ثم بدؤوا ينشرون هذه الأفكار للتغيير ومواجهة قوات الأمن في المصانع، ثم بدأ تعليمهم كيفية استغلال الـ((فيسبوك)) والإنترنت في التواصل بين النشطاء للتظاهر ونشر الأخبار التي يريدونها، وكان لبعض النشطاء الذين شاركوا في هذا البرنامج.
بداية الثورات العربية:
بدأت الثورات العربية في تونس أواخر العام 2010م، ثم شقت طريقها لعدد من البلدان العربية الأخرى، مثل سوريا وليبيا ومصر في 25 يناير 2011م، وقد جاءت هذه الثورات العربية بعد ظلام حالك السواد، عانت منه المجتمعات العربية عقوداً من الاستبداد والقهر والفقر والتخلف ومصادرة حريات الشعوب ونهب ثرواتها وارتهان قرارات أنظمتها للقوى الكبرى.
ولذا كان من الطبيعي أن تتلقى هذه الشعوب المستضعفة ما حدث بُعيد الثورة التونسية بفرحة عارمة وآمال عريضة وطوفان جارف من الاستبسال والحماس والعزيمة، التي أذهلت العالم وأزالت ركام سنوات القهر والاستضعاف التي ظن الكثيرون أن الشعوب العربية استكانت لذكرياتها الأليمة، ورضخت لقضبانها الفولاذية، واستسلمت لجلاديها وجلاوزتها، ولكن تهاوي الصنم الأول كان كافٍ ليشعل القلوب حماسة، ويُحيي معاني التضحية والفداء والحرية في نفوس المقهورين والمستضعفين.
ثورات متتابعة ولكن أين القائد؟
إن تتابع الثورات وتسارعها وطبيعتها الجماهيرية مع غياب شخصية القائد، كان له أثره الإيجابي من جهة عجز المستبد عن التفاوض معها أو قمعها أو التحكم بمطالبها، ولكنه من جهة أخرى كان له أثره السلبي الذي من ضمنه استنساخ الشعوب بعفويتها وتلقائيتها للثورات التي سبقتها دون دراسة معمقة لخصوصية كل بلد عربي وظروفه السياسية وإمكانياته الاقتصادية، وهذا من طبيعة العمل الشعبي العفوي.
العواطف لا تصنع القرار:
لئن كان من الطبيعي أن تنطلق الشعوب في اتخاذ قراراتها وحراكها بعفوية نابعة من دوافع منطقية ومتفهمة، فإن هذا مما يستوجب على علماء هذه الأمة ومفكريها إعادة النظر فيما يجري في المنطقة العربية، وذلك لصناعة أجواء من الوعي والنضج التي تتجاوز المشاعر الآنية وردود الأفعال المباشرة، والتي تجعل ممن لا يهمه يقيناً تحرير هذه الأمة من ربقة التبعية والاستبداد أن يتحكم بمصيرها، ويستثمر عواطفها المشبوبة ومطالبها المشروعة لتحقيق أهدافه.
لماذا الثورات العربية؟
يقول الدكتور النفيسي: (عندما سمعت باندلاع الاحتجاجات في تونس وسقوط النظام التونسي تداعى إلى ذهني صورة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس قبيل تكليفها بحقيبة الخارجية عام ٢٠٠٥م، حيث مثلت أمام لجنة الاستماع في الكونجرس الأمريكي الذين سألوها عما ستفعله إذا استلمت حقيبة الخارجية، فقالت رايس: إن لدينا قائمة من الحلفاء في الشرق الأوسط انتهت صلاحيتهم واستُهلكوا تماماً، ويجب التخلص منهم واستبدالهم بحلفاء جدد للولايات المتحدة).
وقال: (نحن شعوب عاطفية وهذا أخطر شيء نعاني منه، عندما نشاهد هذه التحولات نتصور أن قضايانا حُلّت أو في بدايات الحل، لنهدأ قليلاً ونقرأ المشهد بالعقل وليس بالقلب).
المستشرق برنارد لويس يضع تقسيم الشرق الأوسط الجديد:
ثم كانت المفاجئة أن المجلة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية أعادت في حزيران ٢٠٠٣م نشر المشروع التقسيمي لبرنارد لويس، والذي يتضمن تقسيم الشرق الأوسط إلى أكثر من ثلاثين دويلة أثنية ومذهبية لحماية المصالح الأمريكية وإسرائيل، ويتضمن المخطط تجزئة العراق إلى ثلاث دويلات وإيران إلى أربع والأردن إلى دويلتين والسعودية إلى ثلاث دويلات ... إلخ.
وحيث يرى برنارد لويس أن جميع الكيانات ستشلها الخلافات الطائفية والمذهبية والصراع على النفط والمياه والحدود والحكم، وهذا ما سيضمن تفوق إسرائيل في الخمسين سنة القادمة على الأقل.
شواهد واقعية على بداية التنفيذ:
إذا تأملنا في واقع البلاد العربية، نجد أن طرفاً مما حيك بدأ في التحقق، فالسودان قسم فعلياً إلى دولتين وهناك مخطط لتقسيمه لخمس دول، ثم ما حدث في الصومال وتفککه، والعراق قُسم إلی حد کبیر لثلاثة أقالیم إثر تداعیات احتلاله، ودعم غربي متعمد لإقامة كيان كردي في الشمال وشيعي في الجنوب، مع الأخذ في الحسبان أن مجلس الشيوخ الأمريكي أقر في ٢٠٠٧/٩/٢٦م خطة لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم، ويمكننا القول بأن كارثة غزو العراق وسقوط بغداد يعد المحطة الأولى لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف إعادة تشكيل وتقسيم المنطقة من جدید.
وفي مصر كشف القضاء المصري في ٢٠١٢/٢/٩م عن وجود مستندات خطيرة تكشف بالأدلة المادية التهم المنسوبة إلى عدد من منظمات المجتمع المدني، فقد أعلن المستشاران سامح أبوزيد وأشرف العشماوي قاضيا التحقيق في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في مؤتمر صحفي أن لجنة التحقيق ضبطت في مقر المعهد الجمهوري الأمريكي خرائط مفصلة لمصر، ظهر عليها خطوط لتقسيمها إلى أربع دول، كما عثر بداخل أحد مقرات تلك الجمعيات خرائط بمواقع الكنائس، وتقارير رصد مواقع القوات المسلحة في الإسماعيلية، وأقر المستشاران بأن جميع المنظمات المتهمة تقدمت بطلبات لترخيص عملها رسمياً ولم تتم الموافقة عليها، وبرغم هذا باشرت النشاط بصورة غير شرعية، ووصفا نشاطها بأنه سياسي، ولا صلة له بالعمل المجتمعي أو الخيري، وكشف قاضيا التحقيق عن أن حجم التمويل الأجنبي الذي أنفقته المنظمات الأمريكية الخمس في الفترة من مارس إلى ديسمبر بلغ ٥٥ مليون دولار، وأنفقت المنظمتان الألمانيتان مليوناً و٦٠٠ ألف يورو، وبلغ حجم التمويل الخاص بالمنظمات المصرية الجاري التحقيق معها ٨٥ مليون دولار.
وفي ١٨ آذار ٢٠١١م نشرت صحيفة النهار اللبنانية وثيقة سرية تتضمن مخططاً أعدته المخابرات البريطانية عام ١٩٩٥ م لتقسيم ليبيا لثلاث دويلات تحت إطار حكم فيدرالي، وفي مارس ٢٠١٢ أعلن مؤتمر لزعماء قبائل وسياسيين ليبيين منطقة برقة في شرق ليبيا "إقليماً فدرالياً اتحادياً"، ولكن عقلاء ليبيا أحبطوا هذا الإعلان وتصدوا له، ولا تزال الساحة الليبية تمور بالعديد من الانقسامات القبلية والمناطقية، التي نسأل الله أن يوفق أهلها لاحتوائها والتوحد والائتلاف وبناء دولة قوية.
وخلال الثورة السورية ثمة تحذيرات متصاعدة من قادة عرب ومحللین ومفکرین عن خطورة تقسيم سورية على أساس طائفي، والأمل معقود بعد عون الله أن يحبط السوريون هذا المخطط الخطير.
ويشير الدكتور محمد الأحمري إلى أن هناك دراسات أمريكية وصلت لأعلى مناطق التفكير (الغربي) ترى أن العالم الإسلامي "السني " هو مركز تحدٍّ، ومن ثم فالقوة التي يمكن أن تكون موالية للغرب مستقبلاً هي الأقلية الشيعية في إيران والعراق والخلیج.
مشروع الثورات العربية:
يمكن إيجاز الأهداف الحقيقية لمشروع الثورات العربية، والذي أعده برنارد لويس، وآمنت به أمريكا، من خلال إبرازها في ثلاث نقاط :
الأولى: إعادة تشكيل وترتيب أوضاع المنطقة لتقبل النموذج الليبرالي عبر الديمقراطية الغربية .
الثانية: تهيئة المنطقة للعولمة، وهيمنة الشركات الأمريكية والأوروبية العابرة للقارات على اقتصاد المنطقة .
الثالثة: دمج وتطبيع دولة الصهاينة مع العالم العربي في كيان شرق أوسطي.
وبقدر ما يظن القارئ اليوم لهذه الأهداف الكبرى أن فيها مبالغة، إلا أنه لو دقق وأمعن النظر في الأحداث التي يعيشها العالم الإسلامي منذ ١١ سبتمبر - لا سيما بعد الثورات - يدرك أن المخطط وإن تعثر في بعض محطاته إلا أنه یجري إجمالاً کما خطط له.
الظروف المهيئة لبروز الإسلاميون الجدد للمشهد الفكري والسياسي
دور في (ثورة ٢٥ يناير) وأصبحت الأكاديمية نافذة لنشطاء مصر للتعرف على حركات العصيان المدني خارج العالم العربي، ولنشر الأساليب الجديدة للاحتجاج، وضعت الأكاديمية كتباً حول النشاط السلمي مع التركيز على العالم العربي، ومن بينها كتب ((حلقات العصيان المدني))، و((حرب اللاعنف .. الخيار الثالث))، و((زلزال العقول))، وبعد ذلك بعام نشرت الأكاديمية كتاب ((الدروع الواقية من الخوف))؛ وهو كتاب إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرة حتى انتشرت أفكار ((أكاديمية التغيير)) في مصر).
حزب العدالة والتنمية النموذج الأمريكي للإسلام:
منذ انشقاق رجب طيب أردوغان ورفاقه من تحت عباءة رائد الحركة الإسلامية في تركيا نجم الدين أربكان، وانقسام الحركة الإسلامية التركية إلى حزبين هما "السعادة" و"العدالة والتنمية"، وصورة الخلاف وحقيقته غير واضحة لدى عامة سلاميين العرب، فضلاً عن الجماهير العربية التي أُخذت بشخصية أردوغان بعد استـلامه للسلطة، وظن بعضهم أن الخلاف حول الوسائل والأدوات السياسية، وظن بعضهم الآخر أنه تنسيق تكتيكي بين الحزبين، وظن آخرون أنه خلاف بين جيل شیوخ والشباب، ولکن عند التأمل والتدقیق نجد ان ما حدث لم یکن کذلك، بل وخلاف ضارب في الأعماق، يختلف خلافاً كلياً عن المشروع الإسلامي الذي قاده نجم الدین أربکان رحمه الله.
أكد قادة حزب العدالة والتنمية منذ انطلاقتهم أنهم خلعوا عباءة الحركة الإسلامیة، وأن حزبهم حزب يميني محافظ لا صلة له بالحركة الإسلامية، ويرى الباحث حسام تمام أن سلسلة التنازلات التي سلكها الحزب تظهر أن هذا لم يكن من قبيل المراوغة في التصريحات الإعلامية، فقد اتبع الحزب سياسة مخالفة تماماً ليس لما كانت عليه حركة الإسلامية بل لأي حزب يمكن أن يكون له من "الإسلامية" نصيب.
صوت حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي على إسقاط العقوبات القانونية حق الزناة، مع كون الزنى كان مجرّماً في القانون التركي بناء على مطالب الاتحاد الأوروبي، ولخص عبد الله جول - الرجل الثاني - منهجية الحزب في التنازلات مثلاً: (لقد انهارت حضارتنا الإسلامية، ولا بد من تغيير قيمنا تبعاً للواقع الجديد).
وفي الشأن الاقتصادي تبنى الحزب سياسة تقوم على الاندماج التام في الاقتصاد العالمي، وربط تركيا بقوى الرأسمالية الغربية، وهذا كان له أثره الإيجابي اقتصادیاً، ولكن الثمن كان غالياً، وفي منتدى جدة الاقتصادي الخامس الذي عقد في ١٧ و١٨ینایر ٢٠٠٤م أعلن أردوغان أنه یری خطأ مفهوم إقامة سوق إسلامیة مشترکة، حیث إن المشروعات التي تقوم على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي لا يكتب لها النجاح، وقد عد التيار العلماني التركي تصريحات أردوغان موجهة للعالم الإسلامي لحثه على الحداثة والتوجه نحو ما أسموه (الليبرالية الدينية).
وقد عقب الكاتب السياسي الإسلامي سليمان عارف على تصريحات أردوغان حين قال: (إن أردوغان يتوجه تدريجياً نحو التغريب والتخلص من فكره السابق بمطالبته برفض السوق المشتركة الإسلامية). وأضاف: (لو كان أردوغان يتخوف من الأساس الديني للسوق المشتركة ويعارضها من هذا المنطلق، ترى هل نسي أن هناك أحزاباً في كثير من الدول الأوروبية تحمل الاسم المسيحي؟).
وتابع سليمان عارف قائلاً: (فيما يتعلق برفضه للمشروع على أساس قومي فإن الاتحاد الأوروبي يستند على أساس عرقي باستخدام كلمة أوروبي، فهل سيتراجع أردوغان عن كون منظمة الأمن والتعاون الأوروبي تقوم على أساس عرقي وجغرافي؟).
وفي المجال السياسي قبل أردوغان مشروع الشرق الأوسط الكبير، كما سيأتي تفصيله في الفقرة القادمة.
يقول الباحث حسام تّمّام في توصيف الخلاف بين مشروع الحركة الإسلامية التركية ومشروع حزب العدالة والتنمية: (المؤكد في المشهد التركي أننا بإزاء رؤيتين مختلفتين، بل ربما متناقضتين، أياً ما كانت المبررات أو السياقات التي تحكم تجربة كل فريق، فالخلاف بين الأربكانية والأردوغانية يتجاوز التعددية في المشروع الواحد إلى الانقسام بلا رجعة).
دور تركيا في مشروع الشرق الأوسط الكبير (الجديد)
يذكر الدكتور محمد بن حامد الأحمري أن تواصل الولايات المتحدة الأمريكية بأردوغان ورفاقه كان مبكراً، وذلك قبل تسلمهم للسلطة في تركيا بعشر سنوات على الأقل، منذ أن كانوا في الثلاثينيات من أعمارهم.
ويلخص الكاتب فهمي هويدي الدور التركي في مشروع الشرق الأوسط الكبير، حیث يقول:
"ليس المستهدف الشرق الأوسط فحسب، ولكنه العالم الإسلامي كله، والحديث الأمريكي المتواتر عن تغييرات مرجوة في خرائط المنطقة يبدو أنه كان أول الكلام وليس آخره، وهذا ليس استنتاجاً ولا هو استسلام لمنطق المؤامرة التي يصر بعض الأبرياء على نفي وجودها، ولكنه قراءة لأحدث الأخبار الآتية من العاصمة التركية أنقرة، ذلك أن صحيفة (يني شفق) نشرت في ٢٠٠٤/١/٣٠ خبراً مفاده أن الرئيس الأمريكي جورج بوش عرض على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال استقباله في البيت الأبيض يوم ٢٠٠٤/١/٢٨ معالم المشروع الأمريكي الجديد لـ (الشرق الأوسط الكبير)، الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا، مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز.
وبحسب الصحيفة فإن المشروع طبقاً لما عرضه الرئيس الأمريكي، جعل من تركيا عموداً فقرياً، حيث تريد واشنطن منها أن تقوم بدور محوري فيه، حيث تتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني، لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لكي يتولوا التبشير بنموذج الاعتدال المطبق في بلادهم، وأن هذا النموذج هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي، ومن ثم الأجدر بالتعمیم لأسباب ثلاثة:
أولها: أنه ملتزم بالعلمانية التي تهمش دور الدین إلی حدّ کبیر، بل وتعارض أي دور للدين في الحياة العامة، وهو مطلب تلح عليه واشنطن وتمارس أقصى ما تملك من ضغوط على الدول الإسلامية للاقتراب منه أو الالتزام به.
السبب الثاني: أن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من الغرب، وموالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها، وبالتالي فهي تعد جزءاً من العائلة الغربية، وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية.
السبب الثالث: أن تركيا لها علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، الأمر الذي يلقي ترحیباً وتشجیعاً كبیرین من جانب واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي.
لهذه الاعتبارات فإن تركيا تعد من وجهة النظر الأمريكية الحليف النموذجي الذي ترشحه لكي يؤدي الدور الرائد في مشروعها ليس فقط لترويض المنطقة، ولكن أيضاً لتقديم نموذج الإسلام الذي تتوافر فيه شروط الاعتدال كما تراها واشنطن.
وفي ٣١ يوليو ٢٠١٢م يصرح داود أوجلو وزير الخارجية التركي في خضم أحداث الثورة السورية قائلاً: (المنطقة تشهد تغيراً كبيراً، فإما القبول بشرق أوسط جديد أو القبول بالفوضى)، وأضاف: (أن التغيير الذي تشهده المنطقة يعد التغيير الأهم والأكبر في المائة عام الأخيرة).
وفي ٢٠١٢/١٠/٣ م يؤكد داود أوجلو على قناة الجزيرة أن (تركيا ومصر ودول المنطقة ستؤسس الشرق الأوسط الجديد)، حيث قامت تركيا بدعم الحكومة المصرية بملياري دولار، وقد لفت ضخامة المبلغ انتباه الإعلامي أحمد منصور، حيث قال في معرض حواره مع وزير الخارجية التركي (أريد أن أفهم هذه النقطة تحديداً، أنت التقيت مع الرئيس محمد مرسي أكثر من مرة، وذهبت إلى مصر عدة مرات، الرئيس مرسي جاء وحضر المؤتمر الرابع للحزب والتقى معك ومع رئيس الحكومة أردوغان، أنت أعلنت في زيارتك السابقة إلى مصر أن هناك ملياري دولار سوف تضخوها إلى مصر، وهذا ما أثار قلقاً عند المصريين؛ لأن رؤية العالم للأتراك أنهم يبيعون ولا يشترون، يأخذون ولا يعطون، فعلامات استفهام حول الملياري دولار في ظل أن تركيا تواجه أزمة اقتصادية).
أردوغان من قمة دافوس إلى سفينة الحرية:
لا ريب أن شعور الشعوب العربية بافتقاد القيادة المعبّرة عن تطلعاتها وآمالها وهمومها، أنتج تلقفاً لأي أنموذج يتّخذ بعض المواقف الحادة تجاه العدو الصهيوني، وقد رأينا كيف رمّزت الجماهير العربية والمشايخ والمفكرين أمين حزب الله اللبناني بعد حرب تموز ٢٠٠٦م، ثم تجلّت الحقيقة للجماهير والنخب مع الثورة السورية المبارکة في ٢٠١١م، وحاشا وکلا أن اشبه أردوغان بحسن نصر الله، فالفرق هائل بين الرجلين على كل المستويات، ولكني قصدت هنا ذكر المثال فقط للتدليل على أن شعور الشعوب العربية بغياب القادة يفضي لهذه النفسية التوّاقة لمخلّص وقائد معبّر عن أمانيها وتطلعاتها.
لا يغيب عن الأذهان أن أردوغان اكتسب شعبيته لدى المسلمين من المشادة الكلامية العلنية بينه وبين شمعون بيريز التي أقيمت على هامش المنتدى الاقتصادي في دافوس بسويسرا الذي عقد في كانون الثاني ٢٠٠٩م، وعلى الرغم من وجود تدهور نسبي في العلاقات التركية الإسرائيلية، إلا أنها لم تتجاوز المستوى الإعلامي الدعائي والتصعيد الدبلوماسي المرحليّ، فمع ارتفاع التصريحات الناقدة من أردوغان للسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، إلا أن التعاون ظل مستمراً بين تركيا وإسرائيل على مستوى الدفاع والاستخبارات، فعلى سبيل المثال تم التوقيع على اتفاق بحوالي ١٦٥ مليون دولار حول الصور المحمولة جواً عشية القصف الإسرائيلي على غزة، كذلك واصل سلاح الطيران الإسرائيلي مهامه الخاصة بالتدريب في قاعدة التدريب في تركيا في قونيا، كما شاركت تركيا مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في المناورة البحرية السنوية المشتركة التي تعقد سنوياً في أغسطس عام ٢٠٠٩م.
وعلى الرغم من التوتر الذي شاب العلاقات بين البلدين إثر تداعيات أزمة سفينة الإغاثة التركية، وما نتج عنها من قتلى وجرحى أتراك، إلا أن المحادثات بين وزير الخارجية التركي ووزير الدفاع الإسرائيلي قد أكدت على أنه لا تزال بعض القنوات الدبلوماسية مفتوحة، كما لا تزال المحادثات الهاتفية بين العسكريين من كلا البلدين مستمرة.
وعندما فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات الفلسطينية، دعا رجب طيب أردوغان حركة حماس صراحة إلى القبول بحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية جنباً لجنب، مؤكداً أنه يجب على حماس أن تفهم أن عدم الاعتراف بإسرائيل سيضر بعلاقاتها الدولية في المستقبل.
والموقف التركي المضطرب تجاه ليبيا بعد ثورته على نظام القذافي أشهر من أن نفصل الحدیث عنه.
نصيحة العثماني الجديد لمصر الثورة:
عند زيارة أردوغان لمصر بعد ثورة ٢٥ يناير وذلك في ٢٠١١/٩/١٢م، استقبلته الجماهير المصرية في مطار القاهرة الدولي بعفويتها وتلقائيتها وهي تقول (مصر وتركيا عاوزينها خلافة إسلامية)، ولم يكن ينتظر أحد من الإسلاميين أن يحييهم أردوغان موافقاً على هذه العبارة وملمحاً لشيء من هذا القبيل، ولكن كان آخر ما توقعه الشعب المصري فضلاً عن الإسلاميين أن يدعوهم أردوغان مباشرة وعبر إحدى الفضائيات المصرية للعلمانية، ويحث الشعب المصري على صياغة دستور يقوم على مبادئ العلمانية.
التصريح استثمره العلمانيون في مصر على الوجه الأكمل في الشماتة بالإسلاميين، ودعوتهم للاستجابة لنصيحة الرمز الإسلامي الحديث المتمثل بأردوغان، وقد أثار التصريح حفيظة عامة الإسلاميين، وصرح المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين محمود غزلان قائلاً: (إن تجارب الدول الأخرى لا تستنسخ، وإن ظروف تركيا تفرض عليها التعامل بمفهوم الدولة العلمانية) معتبراً نصيحة رئيس وزراء تركيا أردوغان تدخلاً في الشؤون الداخلية للبلاد.
ماذا نريد أن نقول؟
الذي أريد أن أخلص إليه هو التأكيد على أن للحكومة التركية التي يقودها أردوغان أهدافاً وأجندة في المنطقة العربية، لا علاقة لها بما تأمله الشعوب العربية، إلا بالقدر الذي يتوافق مع المصلحة التركية القومية، والتي تنتظم في نهاية المطاف ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير والمصالح الغربية، فلا مانع من الاستفادة منها أو من غيرها من دول العالم في تحقيق ما يعود على الأمة الإسلامية بمنفعة تحصّلها أو ضرر تدفعه عنها، ومن ضمن ذلك مكافحة أطماع المشروع الإيراني في المنطقة، ومن العدل والإنصاف تثمين مواقفها الإيجابية وشكرها عليها، ولكن هذا ينبغي أن يكون مع حذر ووعي كاملين بما يدور حولنا، وفهم دقيق لحقيقة الدور التركي في المنطقة العربية.
وفيما سبق أوضحنا أن الإستراتيجية الأمريكية خلصت بعد ١١ سبتمبر إلى صناعة إسلام معتدل بمواصفات فكرية محددة، يمكن من خلالها نشر القيم الغربية في العالم الإسلامي.
التحذير من تنحية الشريعة الإسلامية عن الحياة العامة:
لقد كانت تجربة "حزب الوسط" في مصر الذي تشكلت نواته من شباب إسلاميين انشقوا عن جماعة الإخوان المسلمين يشكلون الثمرة الحركية لفكر "الإسلاميين الجدد"، حيث ميز الحزب نفسه بأنه حزب مدني، وضم معه بعض الأقباط، ولهذا رحب الإسلاميون الجدد بالحزب، فقد وضع د.يوسف القرضاوي كل ثقله ومكانته وراء دعم حزب الوسط، وانتقد بشدة موقف الإخوان منهم، وعندما قرأ كمال أبو المجد مبادرة الحزب عدَّها تمرداً على جمود تنظیم الإخوان وأیدها، واعترض محمد سليم العوابقوة على الهجوم غير المبرر على الحزب ودعا الحركة الإسلامية والمجتمع المدني عموماً لإدراك التطور الفكري وراء ذلك العمل، والذي دفع تلك المجموعة الإسلامية إلى الذهاب إلى ما هو أبعد من الإطار المعروف للعمل في داخل الحركة الإسلامية في مصر، وقد انتقد العوا قيادة الإخوان بشدة في تعاونها مع الحكومة في قمع الحرية السياسية.
ومن أبرز الأحداث التي استوقفت الجميع طويلاً الفتوى التي أصدرها الإسلاميون الجدد في ٢٧ سبتمبر ٢٠٠١م، بناء علی سؤال وجهه أعلى مستشار ديني للمسلمين (د. يوسف القرضاوي) في الذين يخدمون في الجيش الأمريكي، فقد استفتاهم حول جواز المشاركة في الحملة العسكرية على أفغانستان..
(جاءت الفتوى لتعلن بوضوح أن من واجب الأمريكيين المسلمين الخدمة في القوات المسلحة لبلادهم حتى لو كانت الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد دولة مسلمة، وقد أذهلت الفتوى الكثيرين في العالم العربي والإسلامي وأغضبتهم، خاصة وأنهم يعرفون سجل القرضاوي الناقد لإساءة الولايات المتحدة استخدام القوة، وقد انضم للقرضاوي في تلك الفتوى الشجاعة والمثيرة للجدل كل من فهمي هويدي، وطارق البشري، وسليم العوا، فضلاً عن فقيهين آخرين)!.
إن الرؤية التوفيقية التي تبناها هؤلاء المفكرون - مع كامل احترامنا لعلمهم وفضلهم ومكانتهم - في هذه القضايا بُنيت غالباً على شذوذات علمية، وتأويلات محدثة للنصوص الشرعية لتتوافق مع المنظومة الفكرية الغربية، وهذا يعطي أي مفكر أو داعية أو ناشط سياسي أو مؤسسة إسلامية تذكرة (عبور) للذهنية الغربية الليبرالية التي ستصنّفه عندئذ ضمن دائرة (الإسلام المعتدل)، ولا يسوغ لإبطال هذه الرؤية التذرع بعداوات سابقة أو خصومات تاريخية من قبل الغرب، فقد اختلف الموقف الغربي كثيراً اليوم، وأصبح الباب مشرّعاً لحملَة هذا الفكر، ونحن نقرره هنا بوصفه تحليلاً وتوصيفاً للإستراتيجية الأمريكية في العالم الإسلامي بعد الثورات، وهذا لا يقتضي (بمجرده) إدانة أو تزكية أي شخصية إسلامية في هذا الطرف أو ذاك.
تباين المواقف في جماعة الإخوان المسلمين:
أعود هنا إلى الحديث عن التباين الفكري داخل جماعة الإخوان المسلمين بين توجه تنويري وتوجه إسلامي أصيل، والذي أشرت إليه آنفاً، وهذا لم يغب عن العديد من الباحثين والراصدين في الشرق والغرب، ومما يؤكد وجود تيار إسلامي أصيل موقف قيادات عدة من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، فقد كتب د.محمد مرسي - الرئيس المصري الحالي وعضو مجلس الإرشاد سابقاً - مقالاً بعنوان: (الإخوان المسلمون والأحزاب الإسلامية المعاصرة) في ٢٠٠٧/٨/٥م، نُشر في الموقع الرسمي للجماعة، جاء فيه:
(نعتقد أن الأمة هي مصدر السلطة، أي صاحبة الحق وحدها في اختيار رؤسائها وممثليها وأولي الأمر منها، وننزل على رأي الأمة حتى وإن خالف رأینا، ما لم يصطدم بأصل في الشرع .... إن العمل العام - ومنه العمل السياسي الذي يمارسه الإخوان - لا يخرج بأهدافه ووسائله "ولا ينبغي له أن يخرج" عن الأصول والثوابت الإسلامية، ولا يستطيع الإخوان أن يقرروا من عند أنفسهم- "كما يُقال تكتيكيّاً"- غضّ الطرف أو التقاعس أو إهمال أو تجميد بعض أجزاء منظومة العمل المتكاملة، بزعم أن ذلك- إن حدث- يمكن أن يُوجِد حالةً من القبول للإخوان عند النظم الحاكمة في بلادنا وفي الغرب ولدى الصهاينة؛ سعياً إلى تحقيق إنجازاتٍ سريعة في بعض مجالات العمل وخاصةً السياسية منها، ولو حدث ذلك التغاضي وغضّ الطرف فإن هذا يعني الحديث عن كيانٍ آخر غير جماعة الإخوان المسلمين.
إن الإخوان المسلمين وهم يسعون إلى إيجاد المجتمع المسلم الذي تخرج منه الحكومة التي تُعبِّر عن الأمة الراشدة وتحكم بما أنزل الله يضعون نصْبَ أعينهم أن الطريق طويل ومحفوفٌ بالمكاره، وأن الجهود المطلوبة عظيمة وكبيرة؛ لأن الأهداف عظيمة وكبيرة ..
﴿إِن الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْفَيِمُ وَلَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]، وعندما يحدث في بعض البلاد الإسلامية فوزُ حزب من الأحزاب الإسلامية المعاصرة- كما وقع أخيراً لحزب العدالة والتنمية في تركيا المسلمة- فإن ذلك يُسعدنا من منطلق الأخوَّة العامة، وانتشار الحرية، وتحقيق العدل في تلك البلاد.
ومن كل ذلك يتضح أن مَن أراد أن يصف حركته أو حزبه بأنه إسلامي فلا بد من أن يكون الإسلام، والإسلام فقط هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في منهجه وفي تطبيقه وسلوكه وفي أهدافه وغاياته وفي متابعته ومراجعته، وإلا فإنَّ العبرةَ ليست بالألفاظ والمباني ولكنها بالمقاصد والمعاني وليختر كل لنفسه ما يشاء، ولكن المقارنة بين حالة النجاح لذاك الحزب في أيِّ من تلك البلاد ووضع ومسيرة الإخوان المسلمين عندنا مقارنةٌ مغلوطةٌ وقسمةٌ ضيزى ولا مكانَ لها؛ لأننا لا يمكن أن نُقارن بين حالتي النجاح لحركتين مختلفتين اختلافاً بيِّناً في الأصول والثوابت والأهداف والغايات وكذلك في الوسائل والآليات).
كما أن موقف قيادات الجماعة كان واضحاً في انتقاد ورفض نصيحة أردوغان لهم بتضمین العلمانية في دستور مصر بعید زیارته الأولی بعد ثورة ٢٥ ینایر. والجدير بالذكر أن مؤسسة راند الأميركية أصدرت دراسة حديثة في ١٨ أكتوبر ٢٠١٢ بعنوان (الإخوان المسلمون، شبابها، وتبعات للتواصل الأميركي)، قدمت في آخرها مجموعة من التوصيات لصانع القرار الأميركي في كيفية الانفتاح على الجماعة وشبابها!
تحذير العلماء من العلمانية:
وقد حاول بعض الإسلاميين التصدي للعلمنة الذي قادته الأنظمة الغربية وفرضه بالقوة على العالم الإسلامي، ومن هؤلاء: حسن البنا، وعلي الطنطاوي، ومصطفى صبري، وأحمد شاكر، ومحمود شاكر، ومحب الدين الخطيب، ومحمد الخضر حسين، ومحمد محمد حسين، وسيد قطب، وعبد الرحمن السعدي، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبد العزيز بن باز، وعبد القادر عودة، وعبد الرحمن الدوسري، وسفر الحوالي، ويوسف القرضاوي.
وهذا مقتطفات من أقوال بعضهم في هذه المسألة:
١- قال الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر: (فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمین).
٢- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (إن من الكفر الأكبر المستبين: تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللهِ وَالرّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]).
٣- قال الشيخ عبد القادر عودة - تقبله الله في الشهداء -: (ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب طاعته، وأن كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين، ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أياً كانت).
٤- قال الشيخ يوسف القرضاوي: (بل إن العلماني الذي يرفض مبدأ تحكیم الشريعة من الأساس، ليس له من الإسلام إلا اسمه، وهو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، وتزاح عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاءُ عليه بالردة، وجُرّد من انتمائه إلى الإسلام، أو سحبت منه "الجنسية الإسلامية"، وفرق بينه وبين زوجه وولده، وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، في الحياة، وبعد الوفاة).
توظيف الإسلاميون الجدد لتنفيذ أجندة الغرب:
الوقوع في شراك من هو أكثر قوة ونفوذاً أمر وارد، ويخلط بعض الناس بين ما يسميه تقاطع المصالح الذي قد يوجد بين اتجاهين مختلفين، وبين توظيف طرف لطرف آخر لمشاريعه، فعلى سبيل المثال: عندما زعم بعض الناس أن الجهاد الأفغاني ضد السوفييت في الثمانينيات تم توظيفه من المعسكر الغربي الأمريكي ضد المعسكر الشرقي السوفيتي، وأن تلك المعارك كانت داخله ضمن الحرب الباردة بين القطبين، حيث كان الدعم الغربي والعربي يتدفق على الجبهة الأفغانية آنذاك.
أجاب المدافعون عن هذا الزعم بأنه لم يكن تحالفاً أو توظيفاً، إنما هو عبارة عن تقاطع مصالح بين الجهاديين العرب والمعسكر الغربي.
الذي يمكن أن يحدد أي الإجابتين أقرب للصحة، أن نسأل الإسلاميين الذين دعموا وأيدوا الذهاب للقتال هناك: ما هدفهم الرئيسي لحث الشباب المسلم على القتال: هل كان الهدف دفع عدوان الروس والذب عن المسلمين الأفغان فقط؟ أم كان الهدف إقامة دولة إسلامية أو نواة دولة خلافة إسلامية لينطلق المجاهدون منها لتحریر فلسطين وتوحيد المسلمين ... إلخ؟
في تصوري أن الإجابة الدقيقة هنا مهمة، فإن كان الهدف هو الأول وهو دفع عدوان الروس فحسب، فيصح أن يقال إن ما حدث كان تقاطع مصالح وليس توظيفاً، وأما إن كان الهدف هو الثاني، فهنا يمكن أن يقال إن ثمة توظيفاً حدث؛ لأننا نعلم ما حدث بعد طرد الروس من اقتتال شرس بين الأحزاب الأفغانية ونوعيّة الصراعات والاغتيالات التي انتشرت هناك، ففي نهاية المطاف تحققت مصلحة الطرف الأقوى الذي كان يدير المعركة بكسر شوكة الروس في أفغانستان، ولم يتحقق ما كان يرجوه أصحاب الهدف الثاني.
كلامنا هذا يتناول الحادثة كمثال على مسألة التوظيف فحسب، ومن هنا يثور السؤال فيما لو سلّم القارئ معي على وجود المشروع الغربي الجديد في المنطقة العربية الذي يُراد أن يكون الإسلاميون الجدد أحد أهم أدواته: لماذا لا يتفطن هؤلاء الإسلاميون وفيهم أهل علم وثقافة واطلاع، وفي تصوري أن هذا يعود إلى الأسباب التالية:
١- قلة الخبرة السياسية:
إن الشعوب العربية عامة ومن ضمنها الإسلاميون عاشت معظمها في تغييب كامل عن التأثير على الشأن العام، وعانت جدباً وقحطاً في الميدان السياسي، والجدب الميداني والواقعي أنتج جدباً فكرياً وعلمياً، وفي تصوري أن شطراً كبيراً من هذا القصور يمكن تفهمه وتبريره قبل الثورات العربية، فحجم الابتلاء والقمع والتنكيل الذي صُبّ على الإسلاميين لأكثر من نصف قرن، لم يتح لهم المجال لتوسيع قدراتهم في هذا المضمار، بالإضافة إلى وجود قطاع عريض منهم لم يكن یرفع بهذا المجال رأساً، ویری الانشغال به من الکمالیات إن لم يكن من العبث.
في فبراير ٢٠٠٨م عُقد مؤتمر في قطر بعنوان (أمريكا والعالم الإسلامي)، وقد حضر المؤتمر عدد غفير من المفكرين والباحثين من العالم الإسلامي والولايات المتحدة، وعندما اتصلت إحدى القنوات بالدكتور عبدالله النفيسي لاستطلاع رأيه حول المؤتمر، أبدى النفيسي رأياً حاداً تجاهه، وذكر أن الوفد الأمريكي يضم ١٢٢ شخصاً، أكثرهم لم يأت لدواعي حوار حقيقي، وذكر أن من ضمن الوفد الأمريكي رجل اسمه (مارتن أندك)، وهو يهودي أسترالي الأصل، كان يقود مظاهرات في سيدني، يقول فيها (العربي الجيد .. هو العربي الميت)، وعندما ذكر مذيع البرنامج أن نوايا الحاضرين جيدة، قال النفيسي (في السياسة النوايا غير مهمة، المهم هو النتيجة).
المقصودها هنا أن الإسلامیین قد لا تنقصهم في کثیر من الأحیان النوایا الصادقة، ولكن تسلّم السلطة في المشهد السياسي، وبقاء أكثر خيوط اللعبة السياسية لدى غيرهم من القوى الداخلية والخارجية، يفضي في نهاية المطاف أن يقوموا مكرهين أو كارهين بما لا يحبّون أن يقوموا به، بل قد يقع بعضهم فيما وقعت فيه النظم السابقة في علاقاته مع القوى الدولية والعدو الصهيوني.
وقد يتذرعون في ذلك بحجج مختلفة وظروف ضاغطة، ولكن في نهاية المطاف، فإن ظاهر المشهد الذي تراه الشعوب بعيداً عن الكواليس أن الإسلاميين يقومون بهذا الفعل أو ذاك الذي كانوا بالأمس القريب ينتقدون أو يعيبون النظم السابقة على فعله، ولهذا الأمر آثاره التي لا تخفى، فلسنا هنا بصدد إدانة أو تبرئة أي فصيل إسلامي في موقف من هذه المواقف، ولكننا نتحدث عن آثار سلبية محققة، بعيداً عن المقاصد الحسنة والدوافع النبيلة، ولو أننا تيقنّا أن لهذه المواقف مبرراتها ومسوغاتها المقنعة، فإن هذا لا يمنع الدعاة وعامة الإسلاميين من وضع إستراتيجية دعوية وعلمية لتلافي تلك الآثار السلبية المتحققة، مهما قدّرنا والتمسنا للسياسيين الإسلاميين من مسوّغات ومبررات.
٢- تضخم الدنيوي على حساب الديني:
تحت ضغط المفاهيم الليبرالية الغربية، بدأ بعض الإسلاميین الجدد في إیجاد مفهوم عصري حديث لمقاصد التصور الإسلامي في العمل السياسي، وبدأنا لا نلحظ كبير اختلاف بين خطاب ليبرالي وخطاب إسلامي حديث، يختزل الغاية من تطبيق الشريعة الإسلامية في حل مشكلات التنمية والبطالة وأزمة الإسكان، ومع يقيننا بأن في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي تجعل من مهام النظام السياسي تأمين حاجات الناس الحياتية ومن ضمن ذلك مشاكل البطالة والإسكان وغيرها؛ إلا أنه من الانحراف المنهجي اختزال الغاية من تطبيق الشريعة الإسلامية فيها، وبعض الإسلاميين الجدد لا يصرح بهذا بشكل مباشر، ولكن خطابه الدعوي والإعلامي تجد فيه تكثيف الإشارة إلى هذا المعنى، والإغفال شبه التام عن الغايات العقائدية والإيمانية للغاية من إقامة النظام السياسي في الإسلام، وهذا يبدو جليّاً .
كذلك عند محاولة هذا الداعية أو المثقف الحكم على تجارب معاصرة لأحزاب ودول إسلامية، حيث يبدو "النجاح المادي في حل مشكلات التنمية" هو المعيار الوحيد للحكم على مجمل التجربة السياسية بالنجاح.
(اتفق أهل العلم قديماً وحديثاً على تعريف الدولة الإسلامية، بأنها نيابة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وأن أوّل واجبات الإمام حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فالمطلوب حفظ الدين كله لا حفظ الحدود، والغاية حراسة الدين كله، وسياسة الدنيا به، لا اقتطاع جزء منه وتقديمه على أنه هو الدين وهو الإسلام !!
أما اختزالك الغاية من تطبيق الشريعة في حل مشكلات التنمية والبطالة ونحوه؛ فهو تزييف للوعي لا يقبل من مثقف موضوعي !! إننا نطبق الشريعة لأنها أمر الله، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦].
نطبق الشريعة حتى يصح إيماننا ويثبت لنا عقده، فإن الله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً تِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾ [النساء: ٦٥]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
نطبق الشريعة لكي نبرأ من النفاق الأكبر فإن الله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبَلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠].
ثم نطبق الشريعة لأنها السبيل الأوحد إلى الحياة الطيبة في الأرض كما قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنْكُم مِنِّي هُدَى فَمَنِ اتْبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُ ولا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
ونطبقها لكل ندفع عن أنفسنا وعن أمتنا الكوارث والأزمات فإن الله يقول: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَةً يَأتِيهَا رِوْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللَهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
إذا كان الشاب أو المثقف أو الداعية يجعل الغاية من تطبيق الشريعة هو (حل مشكلات التنمية وتحقيق الرفاهية المادية)؛ فمن الطبعي أن يستهين أو لا يلقي بالاً للغايات الكبرى من تطبيق الشريعة الإسلامية التي أشار إليها العلامة د.صلاح الصاوي وأجمع عليها علماء الأمة، ومن ثم فمساحة الخلاف بينه وبين المشروع الغربي الذي يستهدف نشر قيم الديمقراطية الليبرالية في العالم الإسلامي تضيق إلى مربعات قليلة.
٣- الواقعية السائلة:
من خصائص السوائل أنها تتشكل بحسب الإناء الذي توضع فيها، ویوجد لدينا شخصيات تتشكل فكرياً وإعلامياً بحسب الفضاء السياسي والفكري الضاغط والمهيمن، فإن كان الفضاء الفكري تسيطر عليه القيم الإسلامية ومناخ الصحوة الإسلامیة - کما کان في الثمانینیات والتسعینیات - کانت إسلامية صحوية بامتیاز، حيث الصدام مع النظم انطلاقاً من الرؤية الإسلامية المثالية، مع عدم استحضار ما لديها من إمكانيات، ومدى جاهزية المجتمعات الإسلامية وتقبلها لتغيير شمولي في حقبة محدودة، وإن كان الفضاء الفكري تهيمن عليه فكرة التعايش السلمي "الطوباوية" كما في العشرية السبتمبرية، تشكلت بحسب هذا الجو السائد، وقادت عملية تعايش مع أشرس النظم العالمية والعربية عدواناً وقمعاً واستبداداً، واليوم عندما تصاعدت القيم الديمقراطية الغربية بعد الثورات العربية، تعود هذه الفئة إلى التصعيد مع النظم، ولكن ليس من بوابة الشريعة وإنما من نافذة الديمقراطية.
ليس هناك إنسان يمكن أن يسلم من تأثير الواقع عليه، بل المسلم مطالب بالتعامل مع الواقع الذي يعيشه، والتفاعل مع أحداثه والتكيف مع متغيراته، ولكن المهم أن يكون هذا التكيّف في الأدوات والوسائل المباحة، وليس في المفاهيم الشرعية التي لا يجوز العبث بها أو تفريغها من مضامينها، عبر تأويلات مستحدثة أو لغة عائمة لديها مشكلة كبيرة مع الوضوح والشفافيّة.
٤- الخلل في منهجية الاستيعاب لدى بعض الحركات الإسلامية:
إنّ تقبل الخلاف العلمي السائغ يُعد أحد أهم الأدوية الناجعة لعلاج إشكالية الافتراق والاختلاف في ساحة العمل الإسلامي، وكما أنه يوجد لدينا في التيارات الإسلامية شرائح تغلّب جانب المفاصلة والعنف اللفظي تجاه مخالفيها من الإسلاميين في مسائل اجتهادية، ليس فيها إجماع ولا مخالفة لقطعيات الشريعة؛ فإن لدينا في الجهة المعاكسة من التيارات من تفتح جانب الاستيعاب وتقبل الخلاف إلى المدى الذي يمنعها من تصحيح الرأي المخالف للإجماع، أو لقطعيات الشريعة والرد عليه بلغة واضحة، مع حفظ مقام القائل وعدم التعدي عليه، وفي تصوري أنه لا تنافٍ بين إحسان الظن بالمخطئ والترفّق به وحفظ سابقته في الخير، والدعوة والتعاون معه في موارد الاتفاق، مع نقده والرد عليه بلغة صريحة ومهذبة، متى ما كان الخطأ واضحاً بيّناً وله آثاره السلبية على الأمة، ولكن عندما تغيّب آلية التصحيح الرشيد في بعض الحركات الإسلامية، ويكون التركيز دوماً على تغليب جانب الاستيعاب على حساب تصحيح المفاهيم الخاطئة، يفضي هذا إلى تجذير المفاهيم الخاطئة وصعوبة علاجها واستئصالها بعد ذلك، ويصبح للمناخ السياسي والثقافي السائد عامل مؤثر لسير الحرکة الإسلامية في مسار لا یرتضیه الغیورون، ولکنهم یحجمون عن تصحیحه لما أشرنا إليه آنفاً.
أمريكا في مواجهة الجيش المصري:
عندما تلكأ المجلس العسكري في إعلان الفائز بالانتخابات الرئاسية المصرية صعدت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي حدة هجومها وضغوطها على المجلس العسكري لإعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة للرئيس المنتخب، ودعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون المجلس العسكري لتسليم السلطة للفائز في الانتخابات الرئاسية، وقالت: يجب أن يفي الجيش بالوعد الذي قطعه للشعب المصري بتسليم السلطة، معتبرة أن الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره العسكري مزعج، وطالبت الجيش بعدم التدخل أو محاولة إفساد السلطة الدستورية، وذكرت أن العسكريين الذي يحكمون مصر لم يكفوا عن قول شيء في العلن ثم يتراجعوا عنه في الخفاء بطريقة ما. وواصل الاتحاد الأوروبي من جانبه الضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة كاملة لرئيس مدني منتخب.
وبالطبع؛ فإن كل مسلم فرح بانسحاب قادة المجلس العسكري الحاليين من المشهد وتسليمهم السلطة لرئيس منتخب، ولكن المقصود هنا التدليل على اللهجة الغربية الحازمة لمنع عودة الحكم العسكري أو الحكم الاستبدادي التقليدي تماشياً مع ما تقتضيه أجندة المشروع الغربي في المنطقة، وسوف نكون سذجاً إذا تصورنا أن أمريكا تريد لدولة مسلمة يتجاوز عدد سكانها ٨٠ مليون نسمة على مرمى حجر من إسرائيل أن تنال حريتها واستقلالها.
كيف يغرس الخطاب التنويري أفكاره؟
لكي يتضح للقارئ الكريم دور الإسلاميين الجدد أو دعاة التنوير في غرس المفاهيم الليبرالية، سأذكر هذا المثال، وإن كنا نعتقد أن النوايا حسنة والدوافع نبيلة، ولكننا نتحدث عن المحصلة النهائية على عامة الناس:
عندما يقوم روائي أو كاتب بكتابة مقالة، يجاهر فيها بالإلحاد أو الزندقة، أو یذکر فيها ما يناقض قطعيات الشريعة الإسلامية، كالقول مثلاً بأن الحجاب غير واجب، أو القول بأن إقامة الحدود الشرعية وحشية وإجرام، وأن القرآن الكريم نص تاريخي قديم قد يكون طاله العبث والتحريف ..
فالموقف الشرعي معلوم، وهو رفض هذه الأقوال واستنكارها، ودعوة الدولة إلى محاكمة هذا المتعدّي على ثوابت الإسلام ومحكماته، ومقاضاته شرعاً.
موقف الليبرالي: لا يجوز محاكمته، بل يجب على الدولة حمايته؛ لأن الليبرالية ترفض وضع قيود على الحريات إلا عند (الإضرار المادي للآخرين)، والأديان بمجردها ليس لها أي حق في تقييد حرية الفكر والإبداع.
موقف التنويري: لا يجوز محاكمته ويجب حمايته؛ لأن الإسلام جاء ليفتح باب الحريات ما لم يتسبب بضرر على الآخرين، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكَفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، والمنافقون مع كون أن لهم أفكاراً كفرية، لم يعاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل ناقشهم، وحاورهم.
التعقيب: كما ترى أن المحصلة واحدة بين الفهم الليبرالي والفهم التنويري، وأن المفهوم إذا جردته عن طريقة الاستدلال فواحد، فالسؤال: أي الخطابين أكثر قدرة على التأثير على عقول المجتمع المسلم المحافظ؟ وأيهما أكثر نفاذاً لعقول المسلمين؟
والجواب: لا شك في أن الخطاب الذي يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية أكثر تأثيراً وقدرة على النفاذ في العقلية المسلمة المعاصرة، لا سيما أنها تشحن النفوس المهزومة بمبرر أمام الفكرة الليبرالية الضاغطة، وقد ذكرنا سابقاً أن الغربيين أنفسهم لا يعنيهم كيفية استخلاص المفكر والمثقف لفكرته، فالمهم لديهم أن تكون المحصلة النهائية للمفاهيم والأفكار متوافقة مع المفاهيم الليبرالية الغربية.
للتوسع في دراسة أفكار هذا الاتجاه يمكن الاستفادة من الكتب التالية:
١ - الاتجاهات العقلانية الحديثة، ناصر العقل، دار الفضيلة.
٢ - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد الرومي، مؤسسة الرسالة.
٣ - العصرانیون، محمد حامد الناصر، مکتبة الکوثر .
٤ - التنويريون والموقف من الآخر، ظافر شرقة، مركز الفكر المعاصر.
٥ - موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي من النص الشرعي، سعد بن بجاد العتيبي، مركز الفكر المعاصر.
٦ - التجديد في الفكر الإسلامي، عدنان أمامة، دار ابن الجوزي.
٧ - مناهج الاستدلال على مسائل العقيدة الإسلامية، أحمد قوشتي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث.
٨ - حوار هادئ مع الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، للشيخ د. سلمان بن فهد العودة.
تنبيهات للإسلاميين في كيفية إدارة المعركة الفكرية القادمة:
وأقصد بالإسلاميين هنا: العلماء والدعاة والتيارات الإسلامية كافة الملتزمين بمنهجية أهل السنة والجماعة في الفهم والاستدلال، ولو على سبيل الإجمال، وفي مقدمتهم السواد الأعظم من السلفيين، وعامة الفقهاء والدعاة من أتباع المذاهب الأربعة، الذين لا يتبنون محددات مدرسة التنوير الإسلامي.
هذه تنبيهات مختصرة قائمة على فهم الخريطة السياسية والفكرية لهذه البلاد العربية التي شرحتها في الفقرة السابقة، وهذه التنبيهات موجهة للمجتمعات العربية الأكثر محافظة في سلوك أفرادها الظاهر، والتي تتغلغل بين أفرادها المفاهيم الشرعية، وثمة قاعدة استفدتها بعد البحث في هذه المسألة وهي (كلما كان المجتمع المسلم أكثر تديناً ومحافظة، كلما كان الطرح التنويري أكثر خطراً، والعكس صحيح)، ولهذا تجد في المجتمعات العربية الأكثر انفتاحاً، أن المعركة الفكرية الكبرى مع العلمانيين، وأن الخطوط الفاصلة بين التنويريين وعامة الإسلاميين لا تظهر كثيراً، لا سيما عند اشتداد سطوة العلمانية المتطرفة، ومن جهة أخرى فإنك تلحظ أن الفارق بين التيار الإسلامي وتيار التنوير في المجتمعات المحافظة يكون أكثر وضوحاً، ذلك بأن تلك المجتمعات المحافظة تصبح غير قابلة للاختراق بالطرح العلماني الصريح، وبهذا يصبح الطرح التنويري هو الأقدر على اختراق الأسوار القيمية والفكرية، والأجدر بالدعم الخارجي والدعم الليبرالي الداخلي.
هذه تنبيهات عابرة أقدمها بين يدي القارئ الكريم، وأبعثها من طرف الذهن لرجالات الإسلام العاملين من علماء وشباب ومثقفين، وهم الأقدر على تصويبها والإضافة إليها:
١۔ قل الحق تاماً دون تردد أو تهور:
إذا أدركنا جيداً أن أجواء الربيع العربي وتشبع الفضاء العربي السياسي والإعلامي بقيم الديمقراطية الليبرالية، جعلت من حملَة هذه القيم ودعاتها من إسلاميين وليبراليين هم فرسان التغيير بدعم دولي خفي، يظهر حيناً ويتوارى حيناً آخر؛ فإن أكثر ما يتهدد الإسلاميين وعامة الدعاة والعلماء أن يكونوا " أداة وظيفية" في الصراع المرتقب بين النظم الشمولية والإسلاميين الجدد، والنجاة من هذا فيما أظن هو القيام بالواجب الشرعي تجاه كلا الطرفين، وقول الحق تاماً، فهو الذي سيجنبهم هذا الدور الذي سوف یزري برسالتهم ودعوتهم.
وإذا كان التهور أو التعجل قد يكون في مسار التصدي للاستبداد والفساد؛ فإن التردد قد يقع فيه الإسلاميون حیال مؤسسات شرعية، تدور في فلك السلطة في عامة الأحداث والمتغيرات، والحق قديم، ولا ينبغي أن يكون نقد الخطأ أو الباطل مرهوناً بهوية صاحبه الفكرية، فإن كان ليبرالياً وصف بالتزلف والنفاق وإن كان داعية أو شيخاً تُكلف في التماس المعاذير له، ومع إدراكي بأن هذا باب خطير، قد يلج منه السفهاء والجهال في القدح فيمن عُرف فضلهم وعلمهم، إلا أن زجر هؤلاء السفهاء كما يكون بوعظهم والرد عليهم في الخطأ؛ فيكون كذلك بالتجافي والابتعاد عن التكلف في الدفاع عمن عرفت سيرته وطريقته في تبرير أوضاع خاطئة ومظالم مؤلمة.
كان لدى علمائنا وسلفنا الصالح من الفقه والرؤية الثاقبة ما جعلهم يدركون جيداً مخططات الطوائف المنحرفة، التي ربما سعت لتوظيف مكانتهم العلمية والشرعية في تمرير مخططاتها وأجندتها الخاصة.
جاء رجل حجَّ البيت فرأى قوماً جلوساً؛ فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه، فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت؛ أتعلم أن عثمان بن عفان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغیَّب عن بدر فلم یشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبَّر يعني الرجل السائل !!
قال ابن عمر: تعالَ لأخبرك، ولأبيِّن لك عما سألتني عنه. أما فراره یوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه".
وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان؛ فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مکانه؛ فبعث عثمان، وکانت بیعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلی مكة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم -بيده اليمنى: "هذه يد عثمان - فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان". فقال ابن عمر: اذهب بهذا الآن معك.
٢- لنستقي مادة الخطاب الإصلاحي من منظومتنا المفاهيمية الإسلامية:
في المجتمعات المحافظة التي ما زالت للمفاهيم الشرعية جذورها العميقة وانتشارها الواسع، وتتلقى شعوبها المفاهيم الشرعية بشكل مؤسسي في التعليم والمساجد، وليس للتيار الليبرالي اتساع شعبي، يجدر التأكيد على أن تكون مادة الخطاب الإصلاحي مستقاة من المخزون السياسي والحقوقي في الكتاب والسنة، مع الاستفادة من الأفكار والإجراءات والآليات التي أبدعها العقل البشري في العصور المتأخرة، فالخطاب الإصلاحي الذي يؤكد على تساوي أفراد المجتمع كافة أمام الشريعة، ويلغي التمايز الطبقي أمام القانون؛ ينبغي أن يبعث في وعي الناس انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، وعندما وجدت الضغوط الاجتماعية التي تحول بين القصاص وإقامة الحكم الشرعي، وذلك لمنع قطع يد امرأة مخزومية - تعد بالمعايير الاجتماعية في مكة من الطبقات ذات الشرف والغنى - أمراً مرفوضاً وباطلاً في الإسلام فقال گلار: (أتشفع یا أسامة في حد في حدود الله، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
لكأنّي أسمع هذا الصوت النبوي يجلجل في ردهات التاريخ ليطرق بأسماعه قلوب المسلمين في هذا الزمان، الذي أخذ بألبابهم بعض صور العدل الموجودة في الديمقراطية الغربية، وظنوا أن لا سـبيل لتحصيلها إلا باستدعاء ذلك النموذج الغربي بكل مفاهيمه ومحدداته، وبين يـديهم هذا الماء العذب القراح من معين النبوة الصافي، يتدفق كالطوفان الجارف، يزيح عن طريقه دعاوى أقوام يزعمون أن العدل السياسي محصور في الديمقراطية الليبرالية، ويجرف في الوقت نفسه محسوبين على الفقه والعلم، ينسبون لهذه الشريعة الغراء من خالف هذا المنهج النبوي في كل أحواله.
إن المأمول أن يبعث التراث الفقهي - الذي دبجه علماء الإسلام منذ فجر تاريخ- في حقوق الأقليات غير الإسلامية في الدولة الإسلامية، وأن تبعث صورة الخليفة الراشد الذي اقتص لنصراني قبطي من ابن صحابي ووالٍ على مصر، عندما : (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، ويتذكر جيداً أن عمر بن الخطاب مر على باب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب إلى منزله، فرضخ بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فو الله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.
٣- لا تنفرد بالإصلاح الحقوقي وكن شریكاً:
من تأمل في الأبعاد الفكرية للثورات العربية، أدرك أنها مع مكاسبها وإيجابياتها التي لا يسع إنكارها وتجاهلها، إلا أنها قدمت ترويجاً دعائياً جارفاً لمفاهيم الديمقراطية الليبرالية في الحرية والعدالة، واستطاع الإعلام المصاحب للثورات والمناخ الدولي المصاحب للثورات أن يغرس في الوعي الشعبي أن مفاهيم الديمقراطية الليبرالية هي المدخل الثوري الوحيد القادر على الإطاحة بالنظم الاستبدادية، بل كان المتابع دوماً يلحظ في الغالب أن أي حراك ثوري في بلدان الربيع العربي لا يكون للأقلية العلمانية
والليبرالية نصيب كبير منه، لا يفلح في التقدم خطوة، وفي تصوري الشخصي أن هذا لم يكن عفوياً بأي حال. هذا الطوفان الدعائي الجارف لمصطلحات الديمقراطية الليبرالية، تسلل إلى لمجتمعات العربية المحافظة، وهذا أدى إلى ثلاثة أمور:
الأول: أن الوعي الشعبي المتدين في تلك المجتمعات المحافظة، أصبح يستعذب ويستحسن هذه المصطلحات، بوصفها أدوات أظهرت قدرتها على الفعل المؤثر على الأرض، وهو يحاول - بسبب تدينه - تضمينها معاني شرعية صحيحة، ولكن هذا أنتج عدم حماسته ولا تعاطفه - كما كان في السابق - لاستخدام المصطلحات الشرعية في الإصلاح.
الثاني: أن المناخ الدولي الذي تصوغه الدول الكبرى ومؤسساته الحقوقية والقنوات الفضائية العربية المؤثرة، لا يمكن بأي حال أن يدعم أي عملية تغيير وإصلاح في البلاد العربية ما لم تتشرب مضامينها هذه المفاهيم، أو على الأقل تتذرع بمصطلحات مجملة، يمكن من خلالها تضمين هذه المفاهيم الليبرالية فيها.
الثالث: أن الساحة الشعبية في تلك المجتمعات المحافظة، انقسمت تبعاً لانقسام النخب الإسلامية فيها تجاه تلك المفاهيم الليبرالية، فالراصد لتاريخ هذه المجتمعات يلحظ أن طائفة من الإسلاميين شرعوا منذ عشر سنوات أي بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١م للترويج لمصطلحات مجملة، تتضمن مضامين إيجابية صحيحة، ومضامين أخرى سلبية، كالتعايش والحرية واحترام الآخر، من دون أن تقوم - عبر خطابها الإعلامي والدعوي - بعملية نقدية للمضامين السلبية لهذه المصطلحات المجملة، أو توعية الجماهير المتابعة، عبر فرز المضامين السلبية عن المضامين الإيجابية لهذه المصطلحات المجملة.
ومضات شرعية إصلاحية:
١- السيادة للشرع والسلطة للأمة:
السيادة: هي السلطة العليا، التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم، المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال.
فالسيادة تعني السلطة العليا التي لها حق إصدار القوانين وإلزام الناس بها جميعاً، من دون أن تكون مقيدة بشيء، ولا أن تستمد مشروعيتها من أحد، فهي سلطة واحدة مطلقة مقدسة.
برز مصطلح (سيادة الشعب) أو (سيادة الأمة) من خلال الصراع العنيف في التاريخ الأوروبي مع الكنيسة، التي كانت تمارس كل أنواع القهر والاستبداد والطغيان ضد الشعوب الغربية، وتزعم أن هذا الاستبداد هو مقتضى الإيمان بسيادة النصرانية المحرّفة، فجاءت ردة فعل الفلاسفة والمفكرين الغربيين لاتجاه معاكس، لم يكتفوا فيه بمجرد عزل التعاليم الكنسية الجائرة، بل قاموا بنزع واستئصال علاقة الأديان وكل مقدس بالشأن العام، وبناء الدولة التي تنظم حياة الناس، وعبر مخاض طويل خلصوا لتأليه إرادة الإنسان وعدِّها معيار الحقيقة المطلقة.
اتفق العلماء والمفكرون المسلمون على أن هذا المفهوم الغربي لسيادة الأمة ليس له وجود في الإسلام، (فالسيادة في الديمقراطية الغربية تعني أن إرادة الشعب هي العليا، وأنها في أمور السياسة والحكم والتشريع تبرم ما تشاء وتنتقض ما تشاء، لا يحدها في ذلك حد .. أما السيادة في الفكر السياسي الإسلامي فإنها محدودة من جانب واحد ومطلقة من الجانب الآخر، ففي الجانب الأول يحدها القرآن والسنة اللذان يعتبران من القواعد فوق الدستورية التي تلتزم السلطة التأسيسية باحترامها حين تضع الدستور).
٢- الحرية الشرعية هي مطلب الشعوب الإسلامية:
عندما أقرأ أو أتابع حديثاً لشريحة من الإسلاميين الجدد عن مطلب الحرية التي تتوق لها الشعوب الإسلامية؛ ألحظ عند التدقيق في خطابهم أن النبرة السائدة في خطابهم لا تتوجه بشكل كامل للمضامين الإيجابية التي تهم تلك الشعوب، وإنما نلحظ أن ثمة خطاباً غير مباشر لدوائر هامشية في المجتمعات الإسلامية وهي النخب الليبرالية.
نجد أن هؤلاء الفضلاء یتحدثون بحماس، أن الإسلام کفل للمسلم الذي یرتد عن دينه ويعلن زندقته حماية قانونية، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وأن النظام السياسي في الإسلام يبيح وجود أحزاب علمانية، ثم يشرع بعد ذلك في سرد مقطوعات هجائية محمّلة بالاتهام بالرجعية والتخلف والتشدد تجاه عامة علماء الأمة، وما دلت عليه النصوص الشرعية المحكمة وأجمع عليه أهل العلم من بطلان نسبة هذه الأقوال للإسلام.
فمن يبلّغ عنّا هؤلاء الفضلاء، أن الشعوب لا تتوق لحرية الزندقة والإلحاد، ولا تتطلع لحريّة العُري على الشواطئ، وأن هذه الشعوب المقهورة لا يُسهرها منع رواية فاجرة أو قصة ساقطة أو هذيان مهووس يسخر بالمقدسات ويعبث بالمحكمات .. ؟
٣- الشريعة الإسلامية حاكمة على التجارب المعاصرة لا العكس:
إن المتأمل في السجال الفكري والإعلامي طوال العقود الماضية بين الإسلاميين العلمانيين؛ يلحظ أن من الأدوات التي استخدمها العلمانيون سابقاً، ويستخدمها عض الإسلاميين الجدد اليوم - مع الأسف - للتدليل على فشل النموذج الإسلامي ي الحكم؛ هو الاحتجاج ببعض التجارب السياسية المعاصرة المحسوبة على النموذج لإسلامي؛ كتجربة الإنقاذ في السودان، أو تجربة طالبان في أفغانستان، ويصل الأمر إلى الاحتجاج بالتجربة الخمينية الإيرانية، وهذا مسلك غير علمي، فالتجربة الإسلامية تقيّم من خلال مادتها العلمية والفكرية التي دونها علماء الإسلام، استقوها من المصادر الشرعية، وتجلى التطبيق الأمثل لها في عهد النبي 128 ثم عهد لخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وأما من جاء بعد هذه العهود المشرقة في التاريخ لإسلامي، وإلى وقتنا الحاضر، فيختلف اختلافاً واسعاً في درجة التزامه بمعايير المشروع الإسلامي الصحيح الذي تجلى في تلك العصور الزاخرة، فمنهم من كان للتزماً في غالب أدائه بهذه المعايير، ومنهم من غلب عليه الإخلال بها، ومنهم من زعم الانتساب لها وهو ليس من أهلها.
إن هذا الملحظ المهم ينبغي تضمينه في الخطاب الإسلامي الإصلاحي، بل لتأكيد عليه، وهذا يتطلب التجافي على من يحاول أن يجعل لبعض النماذج المتأخرة قيمتها المعيارية، ويقدمها للناس على أنها تجربة تطبيقية مثالية للنموذج الإسلامي، فالخطاب الشرعي التسويغي والتبريري لتجارب معاصرة، والتي تنطوي على أخطاء وانحرافات، يفضي لخلخة ثقة الناس بالمشروع الإسلامي، واختزال صورة النموذج الإسلامي المنشود في هذه التجربة أو تلك.
_____________________________________________
الورقة الأخيرة (لئلا تسرق أحلامنا)
ما جرى به القلم في هذا الكتاب، والذي شرعت خلاله في تقديم قراءة مختلفة لأبعاد الثورات العربية؛ لا يستهدف - حال الاقتناع بها أو بشيء منها - أن يسيطر على المرء الشعور بالإحباط وسوداوية الرؤية، بل المقصود تحفيز العقول والأذهان للمزيد من التأمل والرصد والوعي بحقيقة ما يجري حولنا من أحداث، في عصر أصبحت معظم منابر الإعلام - التي تصوغ مفاهيم الناس - في أيد غير أمينة على هوية الأمة الإسلامية وثقافتها، كما أن في هذه الأحداث مكاسب جمّة وفتوحات عظيمة، فالغرب لم يشرع في مشروع الشرق الأوسط الكبير أو في غيره من المخططات، إلا لشعوره بأن هذه الأمة الإسلامية - على الرغم من كل هذا التسلط والعدوان وإغراقها بكل أدوات التغريب والإفساد - لا تزال أبيّة على الذوبان.
يقول المفكر الأمريكي الاستراتيجي فوكوياما المبشر بسيادة الحضارة الغربية: (الإسلام هو الحضارة الرئيسية الوحيدة في العالم التي يمكن القول بأن لديها بعض المشاكل الأساسية مع الحداثة).
ونحن معاشر المسلمين نؤمن إيماناً جازماً بأن هذا الدين وهذه الحضارة يستحيل فناؤهما؛ لأننا نملك وعداً إلهياً ربانياً بذلك ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]، ويقول هاه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
لكننا في الوقت نفسه، ندرك أن الله وضع سنناً كونية وأسباباً شرعية، من حصّلها فاز بالنصر والتمكين، وبقدر تحصيلها بقدر ما تؤتى هذه الأمة من نصر وتمكین، وبقدر ما تفرط فيها بقدر ما تبتلى وتختبر، ونحن ليس لدينا ضمان من الله تعالى ألا تتحول المجتمعات الإسلامية من اليقظة الإسلامية في العلم والدعوة والسلوك إلى مفاهيم وسلو کیات محصورة في فئة قلیلة من الناس .
قبل ٥٠ عاماً فقط كنت تدخل للجامعات العربية في مصر والشام والعراق، فيندر أن تجد فتاة محجبة، وكنت تدخل إلى الجوامع، فقلما تبصر شاباً حافظاً للقرآن يؤمّ الناس، وكانت مظاهر التدين والالتزام بالشعائر في انحسار كبير، ثم منَّ الله على هذه الأمة بصحوة إسلامية عارمة، شعت بأنوارها آفاق الأرض، فانتشر الحجاب حتى أصبح مظهراً سائداً، وأقبلت الأجيال على حفظ كتاب ربها، وطلب العلوم الشرعية، والعمل الدعوي والإغاثي، وكما كان لهذه الصحوة الإسلامية منجزاتها ومكاسبها، فقد كان لها عثراتها وانتكاساتها، ومع ذلك كله فعندما تعقد مقارنة خاطفة، طبقاً للمعايير الشرعية بين أجيال الصحوة الإسلامية والأجيال التي سبقتها، والتي انتشر فيها الأفكار القومية والماركسية والبعثية؛ فإنك تدرك الفرق الهائل والبون الشاسع بين الجيلين، ولكن في الوقت نفسه هذا لا ينسينا أن أجيال الصحوة المباركة كانت نتاجاً لجيل مؤمن مجاهد في عهود سطوة العلمانية العربية، كان أحدهم يقبض على دينه كالقابض على الجمر، لا تزيده سخرية الهازلين ولا احتقار المتكبرين إلا مضاء وتضحية وجهاداً وثباتاً.
لم يظهر لهم وليّهم وعدوّهم، إذ الجميع يظهرون الموالاة فإذا غُلبوا ظهر عدوّهم .. ومن ذلك أن يُمحّص الله الذين آمنوا فيخلصهم من الذنوب فإنهم إذا انتصروا دائماً حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان .. وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله وذلَّ وتاب إلى الله من الذنوب وطلب النصر من الله وبرئ من حوله وقوّته متوكلاً على الله .. وشواهد هذا الأصل كثيرة .. وهو أمر يجده الناس بقلوبهم ويخشونه ويعرفونه من أنفسهم ومن غيرهم، وهو من المعارف الضروريّة الحاصلة بالتجربة لمن جرّبها والأخبار المتواترة لمن سمعها .. ثم ذكر حكمة أخرى فقال سبحانه: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، وذلك أن الله سبحانه إنما یعاقب النّاس بأعمالهم، والکافر إذا كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنیا، فإذا لم تبق له حسنة عاقبه بكفره، والكفّار إذا أُديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدّة الكفر والتكذيب ما یستحقّون به المحق، ففي إدالتهم ما یمحقهم الله به".
ثمة مكاسب كبرى - لا تخطئها عین المسلم - من هذه الأحداث، ومن ذلك:
جريان سُنة الله تبارك وتعالى في الطغاة والمستبدين، بعد عقود من الظلم والاستبداد وشعور عامة المصلحين من دعاة ومفكرين وعلماء بانسداد الأفق وحتمية التعايش مع الاستبداد، حتى بدأت تنشأ توجهات فكرية وشرعية تؤصل وتقعد لتجميل وجه الاستبداد القبيح والتعايش معه، وحصر سبُل الحياة في مضايقه وتحت رماح عساكره، فجاءت هذه الأحداث لتسقط ورقة التوت عن هذه الطبقة الطفيلية التي ظلت لعقود تقتات من فتات الاستبداد، وتسبغ المشروعية الدينية والقانونية والأخلاقية على حُرّاسه وسدنته، وفي هذا من المكاسب الشرعية والأخلاقية الكثير.
كما كان للثورة السورية قصب السبق في تعرية العدو الصفوي وفضحه، والذي ظلت زُرافات من الشيوخ والمفكرين الإسلاميين لعقود تدافع عنه وتثني على ثورته الطائفية، وتزعم صدق مزاعمه في الدفاع عن قضايا الأمة، وتصف المحذرين منه بالهوس العقائدي أو بضيق الأفق أو بتفريق كلمة المسلمين، فيشاء الله ويكتب أن يتجلى الوجه الطائفي البغيض مع الاحتلال الغربي في بغداد الرشيد، ثم تكتمل سلسلة فظاعاته ومجازره على أرض الشام المباركة .
مضى على الساحة الإسلامية حينٌ من الدهر كان الثناء على نظام الملالي وأذرعته الطائفية علامة على حنكة الرجل السياسية وشهادة على منهجيته الوسطية وبرهاناً على عدائه للصهيونية، ثم تكشف القناع الطائفي، فأعلن بعض هؤلاء الفضلاء رجوعهم عما قالوه، وهذا من محامدهم ومآثرهم التي يشكرون عليها، ولكن هذا لا يمنع من القول اليوم بكل صراحة وأريحية:
نجح نظام الملالي في إيران وأذرعته الطائفية في لبنان والعراق وغيرها أن يخدع شرائح من الإسلاميين لأكثر من ثلاثين عاماً، كما نجحوا في توظيف عدد لا بأس به من قيادات العمل الإسلامي من حيث لم يشعروا في تقديم النظام الإيراني والنظام السوري للشعوب الإسلامية بوصفهما نظامين ممانعين وقوى مصطفة مع الأمة الإسلامية، بعيداً عن الأهداف الطائفية، والمقصود من هذه الإشارة التذكير بقدرة أعداء الأمة على مختلف عقائدهم ومشاريعهم على إحداث اختراق في وعي بعض النخب الإسلامية، مهما ظهر من حال هذه النخب من كثرة اطلاعها وممارساتها للعمل السياسي، فهي ليست عصيّة على الخداع والمكر الغربي الذي يُحاك لهذه الأمة ليل نهار، ومن هنا فالمأمول أن يفتح الإسلاميون صدورهم وآفاقهم لتبادل وجهات النظر المختلفة، وكثرة المراجعة والتدقيق في التحديات المحدقة بالأمة، في ظل تداعيات الثورات وما نجم عنها من زوال نظم وتبدل تحالفات وفوضى أمنيّة وتحولات سياسية وفكرية واجتماعية.
إن انفتاح مناخ الحريات الذي أعقب سقوط بعض النظم خلال الثورات العربية؛ يستلزم استثمار الدعاة والمفكرين والمصلحين على اختلاف مواهبهم وتوجهاتهم لهذا المناخ في مضاعفة الجهود للدعوة والإصلاح، ولن يجد المصلحون أكثر بركة وأعظم أثراً وارسخ ركناً من دعوة الناس إلى الإسلام بقیمه وشرائعه وأحكامه، فكلما كان المجتمع المسلم أكثر تديناً واستقامة ورشداً؛ كان أكثر قوة وإقداماً في مواطن النزال والإقدام، وكان أشد تآلفاً وتماسكاً بين أفراده عند الاضطراب والاختلال، وكلما ضعف التدين وخفتت أنواره وتراجعت آثاره، كلما نجح الأعداء في اختراق المجتمع المسلم والتلاعب بمکوناته و تدمیر مکتسباته. إن المؤمن المستيقن بوعد ربه جل وعلا لا يخشى من زوال هذا الدين، فالدين محفوظ بحفظ الله له، ولكن الخشية على جيل اليوم الذي تضغط عليه القيم الغربية الليبرالية لمسخ هويته ودينه، مستخدماً العدو في ذلك أسلحته كافة المادية والمعنوية، ومستثمراً احتياجاته الأساسية في الجنس والغذاء والأمان لحقنها بأجندته التغريبية، ولئن كانت العلمانية العارية والشيوعية الملحدة هي الذخيرة الفكرية التي نهشت أجيال الخمسينيات والستينيات من الشرق والغرب، فإن الذخيرة الفكرية لحرب الأفكار اليوم بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي يقوم على إعدادها محسوبون على الحالة الإسلامية أو متصالحون معها في الظاهر، والمحصلة هو نشر القيم الغربية الليبرالية بغطاء إسلامي شفاف لتقبله الشعوب المسلمة، وهؤلاء ليسوا سوى أداة مرحليّة لهذه الحقبة، سيتم التخلص منهم حال استنفاذ دورهم، أسوة بحلفاء الغرب السابقين من الطغاة والمستبدين، الذين أقر الله عيون المستضعفين ببداية انفراط عقدهم ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق