أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 12 سبتمبر 2026

المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري د. محسن عبد الحميد بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري

د. محسن عبد الحميد

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة





تمهيد: لم يعد بالإمكان الصمت أمام مظاهر الحضارة المادية، المبنية على المصالح الدنيوية والعنصرية العرقية وفرض الإرادات بالسلاح والقوة، تلك المظاهر التي فرضتها الأنا وحُب الذات والاستجابة لوساوس الشيطان، تلك الحضارة التي تؤلّه الإنسان ثم تسحقه، والتي تُشرّع قوانين الملكية الفردية ثم تسلبها، وتقيم الكيانات الاجتماعية ثم تقضي عليها، يمُجّد العقل ثم يزيد مساحة الخرافة.. وكأن قانونها الساري هو قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف، والكثرة تغلب القلة، والمال مصدر السعادة، والفساد حرية فردية، والعدل خيار وليس ضرورة، الأمر الذي زاد المجتمع البشري تشرذماً وتفككاً، وزاد أفراده حيرةً واكتئاباً.

إنها حضارة تعبد القوة، وتستبيح الجريمة، وتسعى للربح والسيطرة والنفوذ، لقد سرقت من الإنسان إنسانيته، وأحدثت بداخله تشوهات عميقة، تقتل المفاهيم.. وتُبيد المبادئ ..، إنها الحضارة التي عملت في كل شيء ولم تُتمَّه، وزرعت مفاهيم النفاق والكذب والغدر والأنانية والحرص والطمع … كل ذلك ابتغاء القضاء على فطرة الإنسان وهدم كينونته وقيمه الروحية ومُثله التي يؤمن بها.

لقد كان من ثمار هذه الحضارة انتشار مظاهر الانحراف الاجتماعي والروحي والأخلاقي بين الناس، والناس فيها بين إدمان الخمر، إلى نوادي القمار، إلى دور البغاء العلني والسري، إلى الخلاعة الجنسية على المواقع؛ فيعرض الرجل زوجته، والأب ابنته، والأخت أختها، بالإضافة إلى تسهيل الإغراءات في الملابس، إلى تشجيع الإنحلال عبر المجلات والصحف والإعلانات الرقمية، ناهيك عن الحفلات الصاخبة والمختلطة، والتي قلبت كل المعاني السامية، والتي حفظت للأمة شهامتها ومروءتها واستقامتها على دين الله.

نعم؛ استطاعت الحضارة لمادية أن تُجرد الإنسان من الإيمان والحب والرحمة، وأحالته إلى آلة مسخرة مؤهلة للانتحار والإلحاد والجريمة، عبر إدخال الرِّق كطراز إنتاجي لأول مرة في تاريخ أفريقية، ولمدة ثلاثة قرون، بعد أن أبادت الهنود الحمر في أمريكا، وأدخلت الأمراض الخبيثة كالزُّهري لأول مرة بين الباقين من الأفارقة، وانتهاءً بالمأساة الإنسانية الكبرى التي قضى فيها تسعين مليوناً من المختطفين الأفريقيين عبر دفنهم احياء في مناجم الفحم الأمريكية.

ولقد جاء الإسلام ليُعيد للعلوم والثقافة والمجتمع توازنهم، ولينشل الحياة من الجانب المادي في السلوك والمنهج والنتائج إلى الجانب الروحي والإنساني بوصفه الخليفة المكلف بعمارة هذه الأرض، وإدارة الحركة والعمران. الأمر الذي ناقشه هذا الكتاب بفصوله الثلاثة عشر.

ويقصد بالمذهبية الإسلامية: الإطار الكلي الذي ينطلق منه الإسلام في فهم الإنسان والكون والحياة، وفي تنظيم علاقات الفرد بالمجتمع، وربط الجانب المادي بالجانب الروحي، بحيث تقوم حركة الإنسان في الحياة على هداية الوحي، وإعمال العقل، ومراعاة الفطرة، وتحقيق العدل والتوازن والعمران.

ومن هنا فإن التغيير الحضاري في التصور الإسلامي لا يبدأ بتغيير المؤسسات والأنظمة وحدها، وإنما يبدأ بتغيير الإنسان الذي تقوم عليه تلك المؤسسات، وبناء منظومة فكرية وقيمية توجه سلوكه وعلاقاته وإنتاجه. فالحضارة في المنظور الإسلامي ليست تراكمًا ماديًا فحسب، وإنما هي عمران شامل يجمع بين صلاح الإنسان، وقوة المجتمع، ورقي العلم، واستقامة القيم، وتحقيق العبودية لله تعالى.

لقد نظر الإسلام إلى الإنسان من حيث هو جوهر أصيل له رغبات ذاتية فطرية، لا بد أن تُشبع، وأن تُحل مشاكلها في ظل مذهبية ربانية تنظر إلى الإنسان نظرة أصيلة لا عرضية، ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية تعالج مشاكل الغرائز الإنسانية المتنوعة من مبدأ الاعتراف بوجودها.

فجانبها الروحي يحتاج إلى مخطط عبادي يملؤه ويُشعره بلذة العبودية لخالقه، حتى لا يبقى تائهاً حائراً يُعاني من الفصام. وجانبها الجنسي يحتاج إلى مخطط اجتماعي أخلاقي يضبط العلاقات الجنسية في المجتمع ويحصرها في داخل الأسرة، حتى لا يودي به ضغط الغريزة الجنسية إلى الدرك الأسفل من السلوك الحيواني غير المنضبط. وجانبها في غريز الشبع يحتاج إلى مخطط اقتصادي، يحافظ على التوازن المعاشي الذي يمنع انتقال المجتمع إلى حياة الترف من جهة والجوع المهلك من جهة أخرى. وجانبها في غريزة الطموح الإنساني، يحتاج إلى مخطط يحقق آدميته، ويثبت له حرية مهذبة مضبوطة، حتى لا ينتهي الأمر إلى استبعاد طائفة لطائفة أخرى وسحقها تحت مطرفة غريز الاستعلاء والطمع.

وكذلك كل غريزة من غرائزه لو دققنا النظر فيما شرع لها الإسلام، وجدنا أنه أراد المحافظة على جوهر الإنسان ممثلاً في شمولية غرائزه التي تستوعب كيانه كله، عن طريق خلق التوازن المطلوب بينها، بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض لأداء دورها كاملاً في الحياة.

ونحن اليوم الذين نقف على مفترق الطريق لا بد أن نُدرك هذه الحقائق الفطرية في كيان الإنسان، فعندما نخطط للتغيير لا ننسى جوهره وأصالته، فنحاول إخضاعه لتجارب المؤسسات التربوية في العصر الحديث، وإنما لا بد أن نأخذ مخطط الإسلامي التغييري في هذا المجال؛ فنطبقه بحسمه ومرونته؛ لأنه هو الحق الذي ندرك في ظله الحقائق الثابتة والتوازن الأصيل.

وقد تحدث الكتاب عن ثلاثة نُظم حاولت أن تحكم البشرية بفلسفتها المادية الوضعية، وهي:

أولًا: النظام الشيوعي

مؤسسه:
يُنسب تأسيس الفكر الشيوعي الحديث إلى كارل ماركس وفريدريك إنجلز في القرن التاسع عشر، وتأسس من خلال كتاب "البيان الشيوعي" سنة 1848. ثم طبّق فلاديمير لينين المبادئ الماركسية في روسيا بعد الثورة البلشفية سنة 1917.

معناه الاصطلاحي:
نظام اقتصادي وسياسي يقوم على إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الكبرى، وجعلها ملكًا للدولة أو للمجتمع، مع السعي إلى تحقيق المساواة الاقتصادية وإلغاء الطبقات الاجتماعية. وفي صورته الماركسية النهائية كان يُفترض الوصول إلى مجتمع شيوعي تزول فيه الطبقات والدولة.

ميزاته:

  • السعي إلى تقليل الفوارق الاقتصادية بين أفراد المجتمع.

  • توفير بعض الخدمات الأساسية بصورة واسعة، كالتعليم والصحة والعمل.

  • توجيه الاقتصاد وفق خطط مركزية بدل تركه لقوى السوق.

  • الاهتمام بالتصنيع السريع وتعبئة الموارد لتحقيق أهداف الدولة.

مساوئه:

  • إضعاف الملكية الفردية والحافز الاقتصادي.

  • سيطرة الدولة على الاقتصاد والحياة السياسية.

  • الحد من الحريات السياسية والفكرية في كثير من التجارب الشيوعية.

  • ظهور البيروقراطية والحزب الواحد.

  • ضعف المنافسة الاقتصادية وما نتج عنه في بعض التجارب من نقص السلع وتراجع الكفاءة.

كيف سقط؟
بلغ النظام الشيوعي ذروة نفوذه بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بدأ يضعف اقتصاديًا وسياسيًا.وفي الاتحاد السوفيتي أدت سياسات ميخائيل غورباتشوف، ولا سيما «البيريسترويكا» التي تعني إعادة الهيكلة والإصلاح، و«الغلاسنوست» التي تعني الانفتاح والشفافية، إلى تغيرات واسعة في النظام الاقتصادي والسياسي والإعلامي، وأسهمت في كشف أوجه الخلل التي كان يعاني منها النظام السوفيتي، ومهّدت للتحولات التي انتهت بتفككه سنة 1991م.


ثانيًا: النظام الرأسمالي

مؤسسه:
ليس للرأسمالية مؤسس واحد بالمعنى الدقيق، فقد نشأت تدريجيًا في أوروبا، وتطورت مع الثورة التجارية والصناعية. ويُعد "آدم سميث" من أبرز المنظّرين الأوائل لها، وخاصة من خلال كتابه "ثروة الأمم" سنة 1776م.

معناه الاصطلاحي:
نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة، وحرية الاستثمار والإنتاج والتبادل، والمنافسة، والسوق، والسعي إلى تحقيق الربح، مع تفاوت درجة تدخل الدولة من نظام رأسمالي إلى آخر.

ميزاته:

  • تشجيع المبادرة الفردية والاستثمار.

  • تحفيز المنافسة والابتكار والإنتاج.

  • تنوع السلع والخدمات وتطويرها.

  • تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي في كثير من التجارب.

  • إتاحة مساحة واسعة للملكية الخاصة والنشاط التجاري.

مساوئه:

  • إمكانية اتساع الفوارق بين الأغنياء والفقراء.

  • سيطرة الشركات الكبرى أو أصحاب رؤوس الأموال إذا غابت الرقابة.

  • تعرض الاقتصاد للأزمات والدورات الاقتصادية.

  • احتمال تغليب الربح على بعض الاعتبارات الاجتماعية والبيئية.

  • إمكانية استغلال العمال إذا ضعفت القوانين والضمانات الاجتماعية.

كيف سقط؟
لم يسقط النظام الرأسمالي كما سقط الاتحاد السوفيتي؛ بل تعرض لأزمات وانتقادات وتحولات متعددة. ومن أشهرها الكساد الكبير سنة 1929م، الذي كشف مشكلات السوق غير المنضبط، فظهرت تدخلات حكومية وسياسات اقتصادية جديدة. ثم تطورت الرأسمالية إلى صور مختلفة، ومنها اقتصاد السوق الاجتماعي والرأسمالية المختلطة، حيث تجتمع الملكية الخاصة والسوق مع تدخل الدولة والضمانات الاجتماعية.


ثالثًا: النظام الديمقراطي

مؤسسه:
لا يصح نسبة الديمقراطية إلى مؤسس واحد؛ فأصل الفكرة يرجع إلى التجربة الديمقراطية في أثينا القديمة، ثم تطورت عبر قرون طويلة حتى أخذت صورتها الحديثة في أوروبا وأمريكا، متأثرة بفلاسفة ومفكرين مثل "جون لوك، ومونتسكيو، وجان جاك روسو" وغيرهم.

معناه الاصطلاحي:
نظام سياسي يقوم على أن الشعب مصدر السلطة السياسية، ويمارسها مباشرة أو عن طريق ممثلين يختارهم، مع وجود انتخابات، وتعدد سياسي، وتداول للسلطة، وسيادة للقانون، ومؤسسات تراقب بعضها بعضًا، وحقوق وحريات عامة تختلف حدودها وتطبيقاتها من دولة إلى أخرى.

ميزاته:

  • إتاحة مشاركة المواطنين في اختيار الحكام.

  • تداول السلطة بصورة سلمية من حيث المبدأ.

  • وجود مؤسسات للرقابة والمساءلة.

  • حماية عدد من الحريات والحقوق العامة.

  • إمكانية تغيير الحكومات من خلال الانتخابات بدل الانقلابات والعنف.

مساوئه:

  • إمكانية تأثير المال والإعلام والمصالح الاقتصادية في الانتخابات.

  • احتمال وصول قرارات أو قيادات لا تتمتع بالكفاءة الكافية.

  • خضوع بعض القرارات لضغط الرأي العام والمصالح الحزبية.

  • إمكانية استغلال الديمقراطية للوصول إلى السلطة ثم إضعاف مؤسساتها.

  • اختلاف التطبيق من دولة إلى أخرى، بحيث لا تحقق جميع الأنظمة التي تسمي نفسها ديمقراطية المستوى نفسه من الحريات والعدالة السياسية.

كيف سقط؟
الديمقراطية كنظام عام لم تسقط، بل ما زالت من أكثر النماذج السياسية انتشارًا. لكنها سقطت أو تراجعت في تجارب تاريخية معينة، مثل بعض الديمقراطيات الأوروبية التي تحولت إلى أنظمة استبدادية أو فاشية في القرن العشرين. ومن أبرز العوامل التي أدت إلى انهيار بعض التجارب الديمقراطية: الأزمات الاقتصادية، والاستقطاب السياسي، وضعف المؤسسات، وصعود الحركات المتطرفة، والانقلابات العسكرية.

رابعًا: التصور الإسلامي للتغيير الحضاري

يقدم الإسلام تصورًا متكاملًا للحياة لا يقوم على الفصل بين الروح والمادة، ولا يجعل الإنسان مجرد كائن اقتصادي أو سياسي، وإنما ينظر إليه بوصفه عبدًا لله ومستخلفًا في الأرض، يحمل مسؤولية الإصلاح والعمران. ومن ثم فإن التغيير الحضاري في الإسلام يبدأ بإصلاح الإنسان عقيدةً وفكرًا وسلوكًا، ثم إصلاح الأسرة والمجتمع ومؤسسات الحياة، في إطار من العدل والشورى والتكافل والعلم والعمل.

ويمتاز التصور الإسلامي بأنه لا يرفض منجزات الحضارة المادية من حيث هي أدوات وعلوم وخبرات، وإنما يضعها في إطار قيمي وأخلاقي يوجهها لخدمة الإنسان وتحقيق الخير العام، بحيث يجتمع التقدم العلمي والعمراني مع الإيمان والفضيلة والعدل، ويصبح العلم وسيلة للبناء لا أداة للهيمنة والإفساد.

وما يؤكده هذا الكتاب بشكل قاطع هو: أن المنهج الإسلامي اليوم في طريقه إلى بناء الشخصية الإسلامية الحضارية من جديد، وبالتالي فإن علينا أن نؤكد على هويتنا الثقافية، وإعمال المنهج العلمي التجريبي والعقلي، والربط بين الظواهر بطريقة منطقية لمعالجة روح الخرافة والعقلية الأسطورية والمواقف اللاعقلانية واللاسببية، التي فتكت بعقلية المجتمع الإسلامي في القرون الأخيرة، وجعلت عالمنا الإسلامي يسير ببطء في التقدم العلمي والتجريبي.

 وإذا كنا نريد بناء حضارة إنسانية قوية؛ فلا بد أن نُبرز مكانة الإنسان في كل ناحية من نواحي الحياة، حتى يصنع تاريخه بنفسه، ولا يمكن ذلك إلا إذا كان التغيير وفق قاعدة تكريم الإنسان واعتبار آدميته، واحترامها بوضوح (ص 67).

إن المسلم الذي يعتقد أن الإسلام هو دين الله الخاتم؛ يفرض عليه منطق الإيمان أن ينطلق من أصوله، وفي إطار ضوابطه وقواعده، ولا يجوز أن يتخذ من الثقافت الأجنبية والمادية والاتجاهات العلمانية التي آمن بها في غياب فهم صحيح الإسلام، حجة على الإسلام، يحاول أن يحرف مبادئه وضوابطه في سبيل أن يُسوّغ خلفيته الثقافية الأجنبية التي شكلتها ثقافات متنوعة تصطدم مع الإسلام في أصوله وقوعده وأنظمته الحيوية.

على هؤلاء أن يذكروا موقفهم بين يدي رب العالمين، إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، عندما يحاسبهم الله تعالى عما ارتكبوه من الأخطاء والآثام بحق دينهم وأمتهم، لأنهم لم يتبعوا طريق الإسلام الحق، بل شوهوا الحقائق وحرفوا الشرائع، وزيفوا الأفكار، فاقتدى بهم كثيرون من أبناء جلينا الحائر القلق.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق