الخطة البراقة لذي الن التواقة
د. صلاح الخالدي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُعَدُّ العلمُ من أجلِّ ما يُعنى به الإنسان في حياته؛ فهو الذي يهديه إلى معرفة ربه، ويعرّفه بغاية وجوده، ويعينه على أداء عبادته وإعمار حياته على بصيرة. والعلم النافع ليس مجرد تراكم للمعلومات، وإنما هو معرفةٌ تُثمر فهمًا صحيحًا، وعملًا صالحًا، وسلوكًا مستقيمًا، وبصيرةً تميّز بين الحق والباطل، والنافع والضار، والأولى والمفضول. ومن هنا كان طلب العلم عبادةً تحتاج إلى إخلاص النية، وصحة المنهج، وحسن التدرج، والصبر والمجاهدة، وحسن استثمار الوقت؛ لأن طالب العلم لا يبني ثقافته فحسب، بل يبني شخصيته وفكره وعبادته، ويهيئ نفسه ليكون عنصرًا نافعًا في مجتمعه وأمته.
ويتضمن هذا الكتاب جملة من النصائح والإرشادات، والبرامجَ والاقتراحات، حول طلب العلم، طريقة تحصيله، والكتبُ التي يُنصحُ بقراءتها في ميادين العلم المختلفة، في العقيدةِ والتفسير والحديثِ والفقه واللغة والسيرة والتاريخ والفكر والثقافة والدعوةَ، والتعرف إلى الكتب الأَنفُع والأهم في طريق الطلب، بالإضافة إلى الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، وما يبنغي أن تكون عليه شخصيته في باب الدعوة والعلم والعبادة. فهو يجيب عن سؤالين في غاية الأهمية: کیف نقرأ؟ وماذا نقرأ؟
وقد أفاد كثيراً من كتب العلماء المؤلفة في هذا الباب، مثل (قيمة الزمن عند العلماء) لعبد الفتاح أبو غُدة)، حتى انه نقل منه فيما يُقارب الثلاثة عشر صفحة، وكثيراً ما يستدل لما يورده من منطلقات وطرق بآيات كريمة، وأحاديث نبوية صحيحة، وقصص عن السلف الصالح، والعلماء الأجلاء.
وتناولت مقدمة الكتاب (سورة العصر) فبيّن المؤلف فيها الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها من العلم بالحق والإيمان به، ثم قال: وهنا يأتي التواصي به، والتواصي عمليةٌ مشتركةٌ من طرفين، لَأنَّ الألف في ((تواصَوْا)) ألفُ المفاعلة، التي تدلُّ على تفاعلِ الطرفين، واشتراكهما في التواصي. الأصْلُ أَنْ يعرفَ كلُّ مؤمن الحقَّ ويعلَمَه، وأنْ يلتزمَ به ويعملَ الصالحات، وإذا لقيَ أخاه - العالَم بالحق العاملَ به -یتواصیان به، فیوصي کلِّ آَخاه بذلك الحق.
والتواصي بينهما بالحق يشيرُ إِلى مدارستهما الحق ومذاكرتِهما له وتذكُّرِهما لحقائقه، ولذلك علينا إِحياءُ ((مجالس العلم)) في مساجدنا وبيوتنا ومؤسساتنا، نلتقي فيها، ونتذاكرُ العلم، ونتدارسُ الحق، وبعد ذلك نتواصی به، حتى لا ننساه. وما هذه الرسالةُ إلا تطبيقٌ عمليٍّ لحقائقِ سورة العصر، ودعوةٌ إلى الاتصافِ بصفاتِ المؤمنين الفائزين فيها. فلْنعصِر عصرنا وأَعمارنا عصراً، ولْنحسِن الاستفادةَ من ساعات أيامنا، ولْنكْثِر من التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ولْنجعَلْه شعاراً لنا في قطعٍ مسيرةِ هذه الحياة، والله المستعان !! انتهى كلامه.
وقد عرض الخالدي في كتابه هذا ((الخطّة البّراقة لذي النّفس التّوّاقة)) للموضوعاتِ الأساسية التالية:
١ - سورةُ العصر، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
٢ - الدينُ النصيحة ومبدأُ التناصح.
٣ - نماذجُ من اهتمامِ العلماء بالوقت والعلم.
٤ - صحةُ المنطلق.
٥ - خطوط رئيسية في الشخصية العلمية.
٧ - النفسُ التواقة ذاتُ الآمال البراقة.
٨ - التخطيطُ والبرمجةُ وترتيبُ الأولويات.
٩ - كيفيةُ تنفيذ الخطة المبرمجة.
١٠ - مع صاحبِ العلم في ساعاتِ يومه.
١١ - مع صاحبِ العلم في صحتِه البدنية والنفسية.
_______________________________________________
خلاصة الكتاب (مقتطفات شاملة)
ويُمكن اعتصار هذا الكتاب فيما يلي:
صحة المنطلق هي نقطة البدء:
إنَّ صحةَ المنطلق هي الأساسُ في المسارِ الصواب في العلم والتعلم، والفقه والتفقه.
وتبدو صحةُ المنطلق في استحضار النية، وتحقیقِ الإخلاص، والتوجُّهِ بالأَعمال كلها إلى الله سبحانه، وطلبِ الأجر منه وحده، وعدم الإلتفاتِ إِلى الناس، وعدم قصدهم بالأعمال، وترك ريائهَم، لأنَّ هذا شركٌ بالله، محبطٌ للأعمال، ذاهبٌ بأجرها.
صحة البداية لصحة النهاية:
على المسلمِ الحريص على طلبِ العلم أنْ يكونَ منطلقُه صحيحاً، وبدايته سليمة، وأساسُه قوياً متيناً.
والقاعدةُ في هذا المقام تقرر: مَنْ صخَّتْ بدايتُه استقامتْ طريقُه وصحَّتْ نهايتُه، ومَنْ فسدتْ بدايتُه اعوجَّتْ طريقتُه وساءت نهایتُه.
أخلاق أساسية لصاحب العلم:
شخصيةُ صاحب العلم شخصيةٌ إسلامية علمية، وهو متفقهٌ بالإسلام، مدركٌ لحقائقه، متفاعلٌ مع توجيهاته. وشخصيتُه انعكاسٌ للإسلام، وتطبيقٌ عمليٌّ لنصوصه، وتحقيقٌ واقعيِّ لمبادئه.
وهذا يعني أنْ تتحققَ فيه ((الأخلاقُ الأساسية)) التي دعا إليها الإسلام، وطالبَ كلَّ مسلم أنْ يتخلقَ بها، وأنْ يحوَّلَها إِلى حقائقَ حياتية مُعاشة، وسلوك واقعيٍّ اجتماعي.
ونشير فيما يلي إلى أهمِّ الأخلاق الأساسية الضرورية لصاحب العلم:
١ - الإخلاص:
على صاحبِ العلم أنْ يكون خالِصاً لله في كلِّ كيانه، وأن یکون خلوصُه لله خلوصاً تاماً صافیاً، فالخلوصُ لا يكون إلا لله. وإذا كان صاحبُ العلم خالصاً لله، كان دينُه خالصاً لله، واستسلامُه خالصاً لله، وحياتُه خالصةً لله.
لا بدَّ لصاحبِ العلم أنْ يتصفَ بهذه الصفات الثلاثة:
فهو أَوَّلاً خالصٌ لله في شخصيتِه وكيانِه وحياتِه ودينه.
وهو ثانیاً مُخلِص لله، في شخصیته وکیانه وحیاته ودینه.
وهو بعد ذلك مُخْلَصٌ يستخلصه الله، ويجعلُه خلاصَةَ عباده !!.
٢ - الصدق:
والصدقُ يحملُ معاني القوةِ والثبات والشدة والوضوح، وهو ثمرة للإسلام وحقائقه، وكلما ازدادَ أهلُ العلم التزاماً بالإسلام، ازدادوا صدقاً وقوة وثباتاً.
الصدقُ صفةٌ أساسية من صفاتِ أهل العلم، صفةٌ متعمقة في كيانهم، وتنعكسُ على حياتِهم وتصرفاتهم، وتَظلَلُ أقوالَهم وأعمالَهم.
٣ - الجدية:
صاحبُ العلم جادٌّ في حياته، وفي سلوكه، وفي قضاءِ وقته، وهذه الجديةُ تنعكسُ على جميعِ جوانب حياته، وتَلازمه في جميعِ سنواتِ عمره.
الإسلامُ يريدُ من المسلم أنْ يكون جاداً جدّيّاً، لا أنْ يكونَ لاهياً عابئثاً لاعباً، لا أنْ يكون ضائِعاً مع الضائعين، يُضيعُ عمْرَه في الأوهام والتفاهات، ويُمضي ساعاتِه في الغفلةِ والخداع، واللغو والعبث.
الواجبات اكثر من الأوقات:
جدّيةُ صاحبِ العلم منبثقةٌ من حْسنِ فهمه لإسلامه، وحسْن نظرتِه لعمره وحياته، وحسْنِ إدراكه لوظيفته ورسالته، وحسنِ شعوره بأهمية استغلال وقته وعَصْرِ عمره، وحسْنِ برمجته وتخطیطه لأوقاته وساعاته.
مظاهر جدية صاحب العلم:
إنكَ لا ترى صاحبَ العلم مشاركاً في الصخب العام، ولا في الحفلاتِ الاجتماعية الكثيرة، لا تراه دائمَ الخروج والزياراتِ والترددِ على تلك الأماكن التي تَسرقُ الأوقاتِ والأعمار.
لا يَليقُ بصاحبِ العلم أنْ يجلسَ الساعات الطوال أمام التلفزيون، يتابعُ مسلسلاتِه وتمثيلياته، ولا أنْ يُكثرَ من الزياراتِ الاجتماعية التي يُنفقُ فيها ساعاتِ عمره، ولا أنْ يُكثرَ من الجلسات الفارغة مع الفارغين، يضيعُ وقْتَه معهم في اللهو والعبثِ والسخرية والغيبة والكذب.
صاحبُ العلم جادٌّ جَدّي، وقتُه مع كتبه وأوراقه. فتجدُه جالساً على مكتبه، قارِئاً دارساً، أو كاتباً مدوّناً، أو ناظراً مفكّراً، أو تجدُه مع إخوانِه في مسجدٍ أو بيت أو نادٍ أو مؤسسة، متكلماً معلماً موجهاً ناصحاً، لا يغادر كتابَه، ولا يفارقُ قلمُه يدَه، ولا یخرجُ عن دفاتره وأوراقه!
الجدية لا تعني الانعزال أو العبوس:
وأُسارعُ فأقول: إِن جدية صاحب العلم لا تَعني أنْ ((ينعزلَ)) عن الناس، وأن ((يهربَ)) من المجتمع، فلا يجوزُ لصاحبِ العلم أنْ يهجرَ أهْلَه وأقاربه، ولا أنْ يقطعَ أرحامَه، ولا أنْ يتركَ إخوانه وأصدقاءه وجيرانه، يجبُ عليه أنْ يشاركَ في الواجبات الاجتماعية والإسلامية والدعوية.
كما أَسارعُ فأقول: إِنَّ جديةَ صاحب العلم لا تعني أن يكون عابساً، مقطِّبَ الجبين، بحجةِ الجدية العلمية، فالعَبوس و(الكَشَرَةُ) في الوجه مرضٌ نفسيٌّ واجتماعي، يجبُ أنْ يتخلصَ صاحبُ العلم منه.
عليه أن يكونَ دائمَ الابتسامة والبِشْرِ والأريحية، وأنْ يكونَ ودوداً لطيفاً، هَيَّاً ليناً، سعيداً مسروراً، هاشَّاً باشّاً، ليحبَّه الناس، ويرغبوا في عمله.
٤ - التكامل المتوازن:
شخصيةُ صاحبِ العلم متكاملةٌ في الأخلاق الإسلامية، متوازنةٌ في الصفات الأساسية، بمعنى أنه لا يَطغى فيها خلقٌ على غيره، ولا تطغى صفةٌ على غيرها، ولا يبالغُ في جانب ضروري على حساب جوانبَ أُخرى ضرورية.
قد يرغبُ صاحبُ العلم في التفسيرِ مَثَلا، لا مانع من ذلك، لكن ليسَ على حساب باقي حقول العلم، فلا بدَّ أنْ يأخذَ الحدَّ الأدنى من العلم بالعقيدة والحديث والفقه واللغة والتاريخ والحضارة، إِضافةً إِلى زيادةِ اهتمامِه بالتفسير.
وقد يفضِّلُ صاحبُ العلم الخطابةَ مثلاً، جيدٌ وطيب، لكن ليسَ على حساب الحديثِ والدرس والكتابة، فعليهِ أنْ يجيدَ الخطابة والتدريس والمحادثة والكتابة.
وقد يُؤثِرُ صاحبُ العلم الجلوسَ مع كتبه وأوراقه وعلمه، وهذا أمر لا بُدَّ منه، لكن ليسَ على حساب باقي واجباته، فأين واجباتُه الاجتماعية؟ وأين واجبُ النصيحة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ وأين واجبُ التعليم والتبليغ ونشر الدعوة؟
٥ - السلوك الاجتماعي المتفوق:
شخصيةُ صاحبِ العلم شخصيةٌ إسلاميةٌ اجتماعية، وهو ناجحٌّ في وسطه الاجتماعي وتعاملِه مع الآخرين، لأَنه يصدرُ في سلوكه الاجتماعي من مبادىء وتوجيهاتِ الإسلام، ولأنَّ شخصيتَه الاجتماعيةَ انعكاسٌ للإسلام وتطبيقٌ له.
ولا يجوزُ لصاحبِ العلم أنْ يكونَ ناجحاً مع كتبه وأوراقِه وعلمه، ولكنه فاشلٌ مع إخوانِه وأهلِه ومعارفه، وماذا ينفعُه علمه إنْ لم يوجِّه له حياتَه؟ وماذا ينفعُه علمه إنْ خسرَ كلَّ الناس من حوله؟ فصارَ منبوذاً مكروهاً!
وجوب التخلص من الأمراض الأخلاقية الاجتماعية:
يجبُ على صاحبِ العلم أنْ يجاهدَ نفسه للتخلصِ من الأمراضِ الباطنة، مثل: الكبر والغضب، والحقد والحسد، وسوء الظن واحتقار إخوانه، وأنْ يجاهدَ نفسه للتخلصِ من الأمراض الاجتماعية مثل: الظلم والكذب، والغيبة والنميمة، والسخرية والاستهزاء، والسب واللعن، والغدر والغش، وخلف الموعد، ونقض العهد..
یجبُ تكونُ شخصيتُه ترجمةً عمليةً حية لمعلوماتِه العلمية النظرية، وأنْ یصبغَ العلمُ صاحبه بصبغته، ویطبَعَه بطابعه، بحیث وبذلك يكونُ صاحبَ سلوكِ اجتماعيٍّ إسلامي متفوق، متحلِّياً بالفضائلِ الأخلاقية المسلكية، متخلِّياً عن الرذائل والآفات والنقائص والأمراض.
صاحبُ العلم هيِّن ليِّن، حليمٌ شفيق، رحيمٌ ودود، رفيقٌ كريم، صاحبُ سماحةٍ ورأفة، واسعُ الصدر، طيبُ النفس، حسنُ الخلق، يحتملُ الأذى، ويستوعبُ الخطأ، ويدفعُ السيئة بالحسنة، ويعفو عن المخطئء، ويُثني على الإيجابيات والفضائل.
هذه خمسةُ أخلاقٍ أساسية، ضروريةٌ لصاحب العلم، ويتفرعُ عنها مجموعةٌ أُخرى من الأخلاق الفرعية، حثَّ عليها الإسلام ودعا إِليها، ونهى عن أَضدادِها المتناقضة معها. وعندما يتخلقُ صاحبُ العلم بهذه الأخلاق وما يتفرعُ عنها، يكون صاحبَ شخصيةٍ علمیةٍ إسلاميةٍ سوية !!.
خطوط أساسية في الشخصية العلمية
١ - الخط الأول: الربانية:
((الربانية)) نسبةٌ إلى الربِّ سبحانه وتعالى. وهي نسبةُ تكريم وتشريف.
وللربانيةِ بُعْدُها التربوي، بحيث يتربّى صاحبُ العلم على الكتاب والسنة، وتظهرُ عليه آثارُ التربيةِ النافعة المؤثرة المشرقة، وتتعمقُ فيه ((الربانية))، وتوجِّهُ حركتَه ونشاطه.
٢ - الخط الثاني: السلفية:
السلفيةُ نسبةٌ إلى ((السَّلَف)). والمرادُ بالسلفِ الصحابةُ والتابعون وتابعوهم، وهم الذينَ عاشوا في القرونِ الثلاثة الأُولى، القرونِ الخيِّرةِ في هذه الأمة، التي شهدَ لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((خيرُ الناسِ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين یلونهم .. )).
قواعد في أصول المنهج السلفي:
وأَشيرُ إِلى قواعدَ أساسية في (أصول المنهج السلفي) الراشد، كما تجلّى في حياةِ الصحابة والتابعين وتابعي التابعين:
١ - الإقبالُ على القرآن: تفسيراً وفهماً وتأويلاً واستنباطاً، وإدراكُ المقاصد الأساسية للقرآن، والوقوفُ على طبيعةِ المنهج القرآني، وتلقيّ أحكام القرآن للتنفيذ، والعملُ على إيجاد المجتمعِ الذي ينشده القرآن.
٢ - استيعابُ سيرةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كافة مجالاتها وميادينها، والوقوفُ على هديه عليه الصلاة والسلام في كلِّ جوانب الحياة، والالتزام بهديه، والاقتداءُ به.
٣ - فهمُ سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتمثلةِ في الحديث الصحيح، وضمُّ هذه السنة إلى القرآن، وإِدراكُها من خلاله، واعتمادُها معه لفهم الإسلام واستنباط أحکامه وتشریعاته.
٤ - الوقوفُ على حياة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم التي عاشوها بالقرآن والسنة، وسَعدوا فيها سعادةً هانئة، والالتزامُ بهدیهم في ذلك.
٥ - رفضُ أيِّ مبدأ أو فهمٍ غريبٍ دخيل يتعارضُ مع القرآن والسنة وفهمٍ سلف الأمة، مهماً كان أصحابُه.
٦ - اعتمادُ الكتاب والسنة ميزاناً وحَكَماً، وإِحالةُ أيِّ فكرة أو قول إلى هذا الميزان، وقَبولُ ما وافقه. ومحاكمةُ قولٍ أيِّ قائل إليه، ومعرفةُ الرجال بالحق، وقبولُ آرائهم الموافقةِ للحق، ورفضُ آرائهم المخالفةِ للحق !!.
٧ - جمعُ الأمة على الكتابِ والسنة وفهم سلف الأمة، والوقوفُ أمام الآراءِ والأفكارِ الغازية الدخيلة، وَتَربيةُ الأمة على الحق، وإعدادُها للجهاد في سبيل الله، ومواجهةِ أعداء الله.
وصاحبُ العلمِ هو الذي يلتزمُ بهذه القاعدة الأساسية وغيرها، وينضبطُ انضباطاً على هدي السلف الصالح.
٣ - الخط الثالث: الحركية:
الحركيةُ هي الخطُّ الثالثُ الذي يتعمقُ في شخصية صاحب العلم، ويتناسقُ مع الخطّيّن السابقيْن: الربانية، والسلفية، ويلتقي معهما لتكوينِ الشخصية الإسلامية المتكاملة.
وإذا كانت الربانيةُ منسوبةً إلى الرب، والسلفيةُ منسوبةً إلى السلف الصالح، فإنَّ الحركيةَ منسوبةٌ إلى الحركةِ والنشاطِ والدعوة.
النفس التواقة ذات الآمال البراقة
صاحبُ العلم أكثرُ المسلمين تَوْقاً وتطلُّعاً إلى ما هو أَفضلُ وأَسمى وأَعلى، نفسُه توّاقة، وهمتُه عالية، وإرادتُه حازمة، وشخصيتُه جازمة، وخطتُه محددة، وهدفُه واضح، وتصميمُه نافذ، وأَملُه محقَّق.
وإذا عرف صاحبُ العلم هدفَه الواضح، فإن عليه أن يتعرفُ على وسیلته المحددة لتحقیق ذلك الهدف، وذلك لیلتزمَ بها ویُؤدّيها.
وكما مَنَّ اللهُ عليه بالنصِّ على هدفِه حتى لا يُخطىءَ في معرفته، مَنَّ عليه بتحديدِ وسيلتِه للوصولِ إِليه، حتى لا يَتيهَ في حياته، ولا يَضِلَّ في طريقه، ولا تلتبسَ به السُّبُل، أَو تعمى عليه الحقائق
وليَعلمُ صاحبُ العلم أنَّ العبادةَ عامةٌ شاملة، تشملُ حياته كلَّها، في كافةِ مجالاتها وجوانبها وأَنه يمكنُ أنْ يكونَ عابداً لله، لمدةِ أربعٍ وعشرين ساعة يومياً، لأنه يتوجَّهُ بكلِ أَعماله وأَقوالِه لله، ويلتزَمُ فيها بمنهاجِ الله، وهذه هي روحُ العبادة.
ولا يجوزُ لصاحب العلم أَنْ يَرضى بما هو عليه، وأنْ يكتفيَ بما حصَّله ونالَه، ولا أنْ تقعدَ به همتُه عن طلب المعالي، ولا أنْ تضعفَ إرادتُه عن تحقيقٍ أَسمى المقاصد.
صاحبُ العلم يحصلُ كلَّ يوم على المزيدِ والجديد والمفيد من العلم، والمزيدِ من السلوك والتربية، والمزيد من الأجر والفضل والمنزلة، ويقطعُ كلَّ يوم مزيداً من أَشواطِ الطريق القاصد الطويل، ويجتازُ كلَّ فترةٍ بمزيد من المحطاتِ التي تمنّاها وتاقتْ نفسُه إِلیها.
لا يعرفُ صاحبُ العلم القعودَ أو الكسل، ولا التوقفَ عن العمل، إنه دائمُ السير والتقدم إلى الأمام، لا يتراجعُ إِلى الخلف، ولا ينتكسُ أو يرتد، آمَالُه البراقة أمامَه، تَحثُّه ليسرعَ إِليها، فتتوقُ نفسُه إليها، ويَرضى بحسنِ السير القاصد ليصلَها.
وِحتى يقطعَ صاحبُ العلم رحلةَ حياتِه الدنيا، بنفسِه التواقة إِلى أَهدافه واَماله البراقة، فإنه يحتاجُ إِلى همةٍ عظيمة، وعزيمةٍ قوية، وإرادةٍ جازمة، وشخصيةٍ حازمة، ومجاهدةٍ عالية، واستعلاءِ على الضعف والكسل، وتغلبٍ على العوائق والمثبطات، وزادٍ عظيم لضمانِ السير الصاعد إلى العلياء.
وهو في كلِّ ذلك يقبلُ على الله، ويطلبُ منه المددَ والزاد والفضلَ والتوفيق، والعونَ والسداد، فيمنُّ اللهُ عليه بما يريد، ویمنحهُ منه المزید !!.
التخطيط والبرمجة وترتيب الأولويات:
صاحب العلم مدرك لقيمة وقته
وصاحبُ العلم الذي عرفَ هدفَه ووسيلتَه، وملكَ نفساً تواقة، وروحاً مستبصرة، وبرقَتْ له الآمالُ العظيمة، ونادَتْه الأفكارُ الجليلة، لا يرضى أنْ يعيشَ حياتَه كباقي المسلمين الغافلين، ولا أنْ تسيرَ أيامُه وسنواتهُ سيراً روتينياً آلياً رتيباً مُمِلا، ولا أنْ يبقى أَسيرَ الأَعراف والمألوفات، ولا أنْ تضيعَ سنواتُ عمره في الغفلةِ والأوهام، واللهوِ والعبث واللعب.
صاحبُ العلم يعرفُ قيمةَ وقتِه وسنواتِ عمره ولحظاتٍ حياته، ويعلمُ أنَّ الساعةَ التي ذهبتْ لن تعود، وأنَّ السنةَ التي انقضْتْ لا ترِجع، وأنه لا يرجِعُ إلى المراحلِ التي قطعها وتركَها خلفه، وأنَّ أَجلُه قد يأتيه في أَقرب لحظة.
ولهذا تجدُه مهتمّاً بوقته، وحريصاً على الاستفادةِ من أيامه وسنواته، واستغلالِ ساعاته ولحظاته، ملاَ حياتَه بالأمورِ العظيمة، وتقديمِ الأهم على المهم، وشِعارُه: (الواجباتُ أكثرُ من الأوقات). وشعارُه الآخر: ((الدنيا ساعة، فاجعَلْها طاعة)).
ولذلك ننصح طلبة العلم بالقيامِ بما يلي:
١ - تسجيلُ الهدفِ الأسمى الذي يريد كلٌّ منهم تحقيقَه، والذي تحدَّثْنا عنه من قبل. وخلاصتُه: أَن ينالَ رضوانَ الله، بأنْ ينجيه اللهُ من النار، وأنْ يدخلَه الجنة.
٢ - تسجيلُ الوسيلةِ إلى تحقيقِ ذلك الهدف، وهي أن يحسنَ صاحبُ العلم عبادةَ الله، بمفهومِها العام الشامل، الذي أَشرْنا له من قبل.
٣ - تذكُّرُ الواجباتِ والأوامر والتكليفات، وتسجيلها، ومحاسبةُ النفس على مستوى وإحسان الالتزام والتنفيذ.
٤ - تذكُرُ المحرماتِ والمنهيات التي نهاهُ الله عنها، وتسجيلُها، ومحاسبةُ النفس على مستوى الالتزام والانضباط والترك.
٥ - الوقوفُ على مدى حاجتِه إلى العلم والمعرفة والثقافة، وما ينقصُه من الأُصول والأساسيات في ذلك، ونوعُ العلم الشرعي الذي يجدُ في نفسه مَيْلاً إليه، وقدرةً على فهمِه والتفاعلِ معه، والإبداع فیه.
٦ - استحضارُ أهميةِ الوقت والاستفادة منه، وقِصَرِ العمر ووجوبِ استغلاله، وعظمِ الأجر والثواب عند الله، وفضْلِ العلم والتعلم، وفضلِ العلماء والمتعلمین، وحسن منزلتهم عند الله.
٧ - الاهتمامُ بالتخطيطِ الجيدِ والبرمجة الدقيقة، لضمان حسن الاستفادة من الوقت، وتلبيةٍ حاجات النفس العلمية.
عندما يستحضرُ أصحابُ العلم هذه الأمور، ويسجلونَها أَمامهم، تكون ((معالمَ وبصائرَ)) هادية منيرة، تنيرُ لهم طريقَهم، وتُعينُهم على حسن برمجةِ أوقاتهم، وتحصيلِ علومهم وثقافاتهم.
ترتیب الأولویات
على صاحبِ العلم أنْ يُحسنَ النظرَ إلى العلم والتحصيل، وأنْ يُحسنَ ((ترتيبَ الأولويات))، فلا تختلطَ عليه الأمور، ولا تلتبسُ عليه الحقائق، لا يقدمُ المهمَّ على الأهم، ولا يقدمُ الفرعَ على الأصل، ولا يتشاغلُ بالهامشيات والشكليات عن الأصول والأساسیات.
أسس في ترتیب الأولويات
ومما يعينُه على حسن ترتيبِ الأولويات، وحسنِ تخطيطٍ وبرمجةِ الأوقات، الانطلاقُ في خطته العلمية من الأسسِ التالية:
١ - البدءُ بالأَهم فالأَهم، وتقديمُ الأهمِّ على المهم.
٢ - البدءُ بالأُصول الأساسية في حقولِ وميادين العلم الشرعي، والأُصول هي: العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والتزكية، والواقع المعاش.
٣ - تقديمُ الواجبات على السنن والنوافل والفضائل.
٤ - الانطلاقُ من الأَصليْن الأساسين عندنا، وهما: القرآن والسنة.
٥ - توطينُ النفس على الإقلالِ من المباحات، وتركُ توافِهِ الأعمال والأَشغال، التي تمتصُّ الأوقات، والتقليلُ من الارتباطات الاجتماعية العامة.
٦ - التُُّوعُ النافعُ في الزادِ العلمي، وحسنُ ترتيبِ الفقراتِ العلمية، وإِدخالُ فقراتٍ تنشيطية في ((البرنامج العلمي))، وذلك ليطردَ المللَ والسآمة، وتكونَ نفسُه أنشط وأكثرَ حيويةً وتفاعلاً.
عشرة حقول للعلوم الشرعية:
ومن حسْنِ ترتيبِ الأولويات عند صاحب العلم ترتيبُ العلومِ الإسلامية في قائمةٍ منهجيةٍ علمية:
١ - إِحسانُ تلاوةِ القرآن، وإتقانُ أحكامِ الترتيل، وختمُ القرآن بترتيلِه على شيخٍ متقنٍ لأحكامِ الترتيلَ، فلا يُقبَلُ من صاحب العلم أنْ يخطئءً في قراءة القرآنَ، كما لا يُقبلُ منه التلاوة بدون ترتیل، أو الوقوعُ في خطأ عند الترتيل.
٢ - الالتزامُ بالوردِ القرآني اليومي، بأنْ يكونَ لصاحب العلم وقتاً خاصاً للقرآن، يقرأُ فيه جزءاً من القرآن كلَّ يوم، بحيثُ يختمُ القرآنَ كلَّ شهر مرة.
٣ - قراءةُ تفسيرٍ متوسطٍ للقرآن - على الأقل - كاملاً، وفقَ يرنامج محدد، بحيثُ يطلُع على تفسيرٍ كلِّ آية فيه، وهذا حدٌّ أَدنى لّصاحب العلم الشرعي، لا يجوزُ أَن يتنازلَ عنه. فلا يَعرفُ القرآنَ مَنْ لم يتمَّ قراءةَ تفسيرٍ متوسط، كتفسيرِ القرآن العظيم لابن کثیر مثلاً.
٤ - قراءةُ كتابٍ في الحديث الصحيح، وفقَ برنامجٍ محدد، ويُتمُّ قراءةَ الكتاب كاملاً، ولْيكنْ صحيحَ الإمامِ مسلم رضي الله عنه، لأنَه أحسنُ تبويباً وجمعاً للفظ الحديث من صحيح الإمام البخاري.
٥ ـ قراءةُ كتابٍ فيِ العقيدة، ليتعرفَ على مسائلِ العقيدة وأركان الإيمان، ولو بَدأَ بكتاب ((الإيمان)) للدكتور محمد نعيم یاسین، لكان جيداً.
٦ - قراءةُ كتابٍ متوسطٍ في الفقه والأحكام، وفق جدولٍ زمني مبرمج، وفقَ المذهبِ الفقهي الذي يسيرُ عليه، ويكون الكتاب ملتزماً بعرض المسألةِ مع دليلها، مثل ((الفقه المنهجي على مذهب الشافعي)) لمصطفى البغا وزملائه.
٧ - قراءةُ كتابٍ في السيرة النبوية، ليقفَ على سيرةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وننصحُ بكتابِ ((صحيح السيرة النبوية)) لأخينا الشيخ إبراهيم العلي.
٨ - قراءةُ كتابٍ مختصرٍ في النحو وقواعدِ الإعراب، ليبدأَ بداياتٍ نافعة في علم النحوَ، وننصحُ بكتاب ((النحو الواضح)) لعلي الجارم، أو ((التطبيق النحوي)) للدكتور عبده الراجحي.
٩ - قراءةُ كتابٍ في التزكية والتربية، لتسموَ روحُه، ويشرقَ قلبُه، وتتحسنَ أخلاقُه، على أنْ لا يكونَ في الكتاب أفكارٌ مغاليةٌ مخالفةٌ للمنهج النبوي في التربية والتقويم. وننصحُ بكتاب ((تهذيب مدارج السالكين)) حيثُ هذَّبَ فيه الأستاذُ عبدُ المنعم صالح العلي كتابَ ((مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين)) للإمام ابن قيم الجوزية.
١٠ - قراءةُ كتابٍ في المذاهب والأفكار والاتجاهات الفكرية الجاهلية المعاصرة، التي يؤمنُ بها أُناسٌ كثيرون من الجاهليين في العالم، والتي تغزو عقولَ وأفكارَ أبناء المسلمین. وننصحُ بكتاب ((مذاهب فكرية معاصرة)) للأستاذ محمد قطب.
هذه هي (الحقولُ الأساسية) للعلوم الإسلامية، وهذه هي الكتبُ الأَوليةُ في هذه الحقول، وعلى صاحبِ العلم أنْ لا يقدِّمَ غيرَها عليها، لأنَّ ترتيبَ الأولويات مطلوبٌ منه، حتى يعرفَ بماذا يبدأ، وبماذا يُكمل!
وبعد أنْ يقوِمَ صاحبُ العلم بترتيبِ الأولويات يقومُ بوضعِ (برنامج منهجيَّ أُسبوعي جاد) ليحسنَ الاستفادةَ من أيام الأسبوع وساعاتها، ويُحسنَ ((توزيعَ)) هذه الأولوياتِ الضرورية على برنامج أُسبوعه، بأنْ يحددَ لكلِّ علمٍ من هذه العلوم أكثرَ من ((جلسةٍ)) أسبوعية.
قواعد ومبادئ الخطة البراقة
لا بدَّ أن تكونَ الخطةُ متفقةً مع ميولِ صاحب العلم واهتماماته، بحيث تركزُ على الميدانِ العلميِّ الذي يَميلُ إِليه أكثر، على أن لا يهملَ الميادينَ الأخرى، فإذا كان ميلُه إِلى ((العقيدة)) أَكثر، ركَّزَ على مسائِلها وكتبها أكثر، وهكذا …
ولا بدَّ أنْ تكونَ الخطةُ ((مرنة))، وليستْ حرفيةً صمّاءَ حادة، مرنةً بحيث تستوعبُ المفاجآت، وتمتصُّ المعوقات، وتتفاعلُ مع المستجدات، وتقبلُ التعديلَ والإضافة والنقصان، وفقاً للظروفِ والأحوالِ والحاجات.
ونشيرُ هنا إلى هذه ((القواعد)) الضرورية لتنفيذ الخطة:
أ- المشارطة:
على صاحبِ العلم أن ((يشارطَ)) نفسه لتنفيذِ خطته، فهو قد أعدَّ ((برنامجا)) يومياً أَو أسبوعياً مُدَوَّناً، وحددَ فيه كلَّ ما يريدُ عملَه يوماً بيوم، وساعةً بساعة، ولكن كيفَ ينفذُ هذا البرنامجَ المدوَّن!
ونعني بالمشارطةِ أنْ يضعَ على نفسه الشروط، وأنْ يأخذَها بالعزائم، وأنْ يَعِدَها بالوعود، وأنْ يُطالبها بالالتزام بالمطلوبِ منه، وتنفيذِ الخطة التي أمامَه، أنْ يُذَكِّرها بما لها وما عليها. كأن یقول لها: العمرُ قصير، واليومُ منقَض، والساعاتُ ذاهبة، والواجبُ كبير، والمهمةُ عظيمة، والطريقُ شاقة، والجزاءُ جزيل، والعاقبةُ مأمونة.
ب - المراقبة:
بعد المشارطةِ والاتفاق يبدأُ التنفيذُ والتطبيق، فصاحبُ العلم يلتزمُ بالبرنامج المدوَّنِ أمامه، ويطبقُ فقراتِه ووحداتِه وموادَّه، وفقَ الوقتِ المحدد لكلِّ فقرةٍ ومادة.
المهمُّ أنه لا بدَّ من (المراقبة) الدقيقةِ الأمينة الواعية عند التنفيذ، لئلا يقعَ خللٌ في البرنامج، أو يُساءَ أَداءُ الفقرة. وعندَ أداءِ كلِّ فقرة يستحضرُ صاحبُ العلم نيتَه، لتكونَ تلك الفقرةُ عبادةً لله، يبتغي بها وجْهَ الله، وليتفاعلَ كلُّ كيانه مع أدائها، وليتذوقَ ذلك ويَستمتعَ به، ثم يستشعرُ صاحبُ العلم رقابةً الله عليه، وإحاطةَ سمعِه وبصرِه وعلمِه به، ليخلصَ في تنفيذٍ وأَداءِ الفقرة.
ج - المجاهدة:
أَثناءَ أداءِ البرنامجِ العمليِّ اليومي لا بدَّ لصاحب العلم أنْ يجاهدَ نفسه لتلتزمَ بهَ، فهو قد شارطها أَوَّلاً، وقد راقبها ثانياً، والآن عليه أنْ يُجاهدَها، لأنَّ طبيعةَ النفسِ أَنها تحبُّ الراحةَ.
د - المحاسبة:
هذه هي الخطوةُ الرابعةِ، فصاحبُ العلمِ قد شارطَ نفسه قبلَ التنفيذ، وراقبَ اللهَ فيها أَثناءَ التنفيذ، وجَاهدَها ليضمنَ دقةَ وصحةَ التنفيذ، والآنَ عليه أنْ يحاسبَها بعدَ التنفيذ.
ولا بد له من أن يتعرف على مواضع النقص والخطأ والخلل، ويقف على عيوبهِ وتقصيراتِه، ويمسكُ ورقةً وقلماً، يُدوَّن تلك النقائصَ والعيوبَ والأخطاء، ليعملَ على إِصلاحِها وتقويمِها في الأيام التالية.
هـ- المعاتبة:
وذلكَ بأنْ يقومَ صاحبُ العلم بمعاتبةِ نفسه، بين الحينِ والآخر، في فتراتِ الليل أو النهار، وهو جالسٌ أو وهو يسير، أَثناءَ العمل أو بعده.
وهذه المعاتبةُ لا تزيدُ عن خمسٍ دقائق، وكيفيتُها أنْ يخاطبَ نفْسه، مذَكِّراً لها بالواجب، منَبُّهاً لها على التقصير، حاثاً لها على الاستمرار في المسير.
على أنْ لا تتحولَ المعاتبةُ إلى ((جلد للذات))، يتحولُ إِلى يأسِ وتحطيمٍ وإحباط، فإذا ما أحسَّ صاحبُ العلم بأنه مقصِّرٌ في كلِّ شيء، تحطمتْ معنوياتُه، وأُحبطتْ همتُه، ورأَى نفَسه خاسراً فاشِلاً ضائعاً، وأحسَّ بأنه لا يصلحُ لشيء، عندها يكون (مريضاً نفسياً)، مُعقَّداً تائهاً محتاراً !!
و - المعاقبة:
إِذا رأى صاحبُ العلم من نفسِه تَمَتُّعاً أحياناً، وأحسَّ أنها لا تتجاوبُ أحياناً مع المشارطةِ والمراقبة والمجاهدة والمحاسبة والمعاتبة، وتُصِرّ على كسلِها وضعفها ومخالفتِها، فعليه أنْ یُعاقبها.
هذه المعاقبةُ تكونُ أَحیاناً ولیست دائماً، حتى لا تفقدَ اَثرها، وحتى لا (تُدمن) النفسُ عليها، ولا تعودَ تُبالي بها. هذه المعاقبةُ تُعطئ بالمقدار المناسب باعتبارِها علاجاً، ولا يَجوزُ أنْ تتحولَ إِلی ((انتقام)) وتحطيم. فهو عندما یُعاقبُ نفَسه يريدُ بذلك تربيتَها وإِصلاحَها وتقويمها، ولا يُريدُ تحطيمَها والقضاءَ علیها.
ز - المکافأة:
المكافأةُ هي الجانبُ المقابلُ للمعاقبة، وهما ضروريانٍ للتربية والتزكية، على أنْ يكونا متوازنيْن متكاملين، وإذا فُقِدَ أحدهما لم تتمّ التربيةُ على الوجه المرجوّ.
فكما أنّ صاحبَ العلم يعاقبُ نفسَه إذا قصَّرتْ، عليه أنْ يكافِئَها إذا أَجادتْ واستجابت، فيُعطيها ويُثيبها ويُثني عليها.
ويُكافىءُ نفْسَه بمنحها بعضَ المباحات، كأنْ يَصرفَ لها بعضَ عباراتِ الثناء والتقدير، أو يُعطيها فترة قصيرة من الراحة، على أنْ لا تكونَ على حسابِ البرنامج الموضوع، أو يُمتعَها برحلةٍ قصيرة إلى منطقةٍ جميلة، لتستعيدَ نشاطها وحيويتها.
بهذه الأمورِ السبعة: المشارطةِ والمراقبةِ والمجاهدةِ والمحاسبةِ والمعاتبةِ والمعاقبةِ والمكافأةِ يتمكنُ صاحبُ العلم من تنفيذ خطته، مستعيناً بالله.
مع صاحب العلم في ساعات يومه
إنَّ معظمَ الناس لا يهتمونَ بساعاتِ يومهم، ولا يعرفونَ كيفيةَ استغلالها، ولا يُدركون أَهميتَها، ولا يَشعرون بمرورها، أما صاحبُ العلم فله في التعاملِ مع ساعاتِ يومه طريقةٌ أخرى مختلفة.
إنه يبرمجُ هذه الساعات الأربعَ والعشرين، وفْقَ خطةٍ مدروسة، إنه يستغلُّ كلَّ ساعة وكلَّ دقيقة، ويوظفُها لتحقيقِ خطتِه العلمية البراقة التي أَشرنا لها من قبل.
الحسابُ عنده هكذا: هذا اليومُ أربعٌ وعشرون ساعة، وکلُّ ساعةٍ ستون دقيقة، ومجموعُ دقائق اليوم هو ألفٌ وأربعمائةٌ وأربعون دقيقة. فكيفَ يقضي هذه الساعاتِ النفيسة والدقائقَ الغالية؟ لا بد أنه يستغل هذه الأوقات بالشكل المناسب.
وعلى صاحبِ العلم أنْ يستفيدَ من قصرِ نهارِ الشتاء، فيكثرَ من الصيام فيه، ويستفيدَ من طولٍ ليل الشتاء، فيكثَر من القيام والتهجدٍ فَيه، وكان الصالحون السابقون يقولون: الشتاءُ ربيع المؤمن. يَطولُ ليلُه فيقومُه، ويقصرُ نهارُه فيصومُه.
ويكون غالبُ العلمِ والتحصيلِ عند صاحب العلم في ساعات الليل، لأنَّ ساعاتِ النهَار لا تكادُ تكفي للعملِ والحركة. أما النهارُ في أيامِ الصيف فإنه طويل، وعلى صاحبِ العلم الاستفادةُ منها في التركيز على العلمِ والتحصيل.
والليلُ في الصيف قد لا يَصلُ إِلى سبع ساعاتٍ أحياناً، فيجعلُها صاحبُ العلم للنوم، ويجعلُ آخرَ سَاعةٍ منها للتهجد، فلا يكون في برنامجه العلمي فقراتُ دراسةٍ بعد العشاء في الصیف. والنهارُ في الصيف يَزيدُ عن سبعَ عشرةَ ساعة أحياناً، فيحسنُ صاحبُ العلم استغلالَها في التحصيلِ العلمي والدعوي.
إرشادات في برمجة الساعات:
ننصحُ صاحبَ العلم باتباعِ الإرشاداتِ التالية، ليُحسنَ الاستفادةَ من ساعات يومه، ووضعَ برنامجه العلميِّ النافع:
١ - تحديدُ ساعاتِ النوم، وضبْطُها بدقة، ومجاهدةُ النفس على الالتزام بها، وعدمِ الزيادة عليها.
يكفي الإنسانُ السويُّ المعتدلُ ستَّ ساعاتٍ يومياً للنوم، أي: ربْعُ ساعاتٍ يومه تكونُ للنوم، وهذه نسبةٌ فطريةٌ معقوله ((٦: ٢٤)).
إذا نامَ صاحبُ العلم ثمانيَ ساعات أو عشرَ ساعات فكم سيخسر! لماذا يُضيعُ من عمره ساعتيْن أو ثلاثاً يومياً في النوم؟
إذا کان يكفیه ستُّ ساعات للنوم - وهي كافيتُه قطعاً! - فلماذا ینامُ تسعَ ساعات؟
٢ - حسْنُ اختيارِ ساعاتِ النوم، بأنْ تكونَ في الليل، لیحققَ النومُ غايتَه عنده، لأنَّ الفرقَ كبيرٌ بين نومِ الليل ونوم النهار.
بعضُ الناس يحلو لهم أنْ يَسهروا في الليل الساعاتِ الطويلة، ولا يكادون ينامون إلاّ في الوقتِ الأخير من الليل، وقتِ السحر، ویُعوضون ذلك بالنوم في ساعات النهار.
وقد يُفضِّلُ صاحبُ العلم السهرَ في الليل، لما فيه من هدوءٍ وسكينة، ليُحصِّلَ العلمَ النافع، وينامُ في ساعات النهار، ويكونُ نومه في ساعاتِ الصباح الباكر، وقد يكونُ نومُه في وقْت السحر، ويبقى نائماً إلى ما بعدَ خروجٍ وقت الفجر، ولا يستيقظَ إلاَّ قبيلَ الظهر.
وبذلك يخسرُ التهجد، والدعاءَ والتضرعَ وقت السحر، وصلاةَ الفجر، وقرآنَ الفجر، وأنفاسَ الصباح.
على صاحبِ العلم أنْ يجعلَ ساعاتِ نومه في الليل، ما بين صلاةِ العشاء ووقْتِ السحر.
وفي نهارِ الصيف الطويل يمكنُه أنْ ينامَ ساعةً أُخرى قبلَ صلاة العصر، ويُطبقَ سُنَّةَ ((القيلولة)).
٣ - التوافقُ مع السُّنَّةِ الربانية الكونية في النوم واليقظة، وفي عملِ الليل وعمل النهار، وعدمُ مخالفةِ هذه السُّنَّةَ.
إنَّ الله الحكیم قد جعل اللیل سکناً هادئاً، لیسكنَ فیه الناس ويَناموا ويَهدؤوا ويَطمئنوا، وجعلَ لهم النهارَ منيراً مضيئاً، ليستيقظوا وينشطوا ويَعملوا ويتحركوا.
وقد أَشارتْ آياتُ القرآن إِلى هذه السُّنَّةِ الربانية، وَذَّرت المسلمين بها، ودعَتْهم إِلى التوافقِ معها، وتکیيفِ حیاتهم وِفْقَها.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيَّرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِليْلٍ تَسْكُنُوُنَ فِيةٍ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٩) وَمِن رحْمَتهِ جَعَلَ لكُمُ الَيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنواْ فِيهِ وَلِتَبْثَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٢ -٧٣].
لقد جعلَ اللهُ الليلَ مظلماً ليسكنَ فيه الناس، وجعلَ النهارَ مُضيئاً ليتحركوا فيه، ويبتغوا من فضْلِ الله.
وقال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا الَيّلَ وَالنهَارَ ءَايَتيْنِ فَمَحَوْناً ءَايَةً الَليِلِ وَجعلْناً ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلا مِّن ربكُمْ وَلِتعْلَمُوا عَدَدَ السنِينَ وَالحسَاب وَكُلَّ شَىْءٍ فَصلْناهُ تَفْصِيلا﴾ [الإسراء: ١٢].
٤ - عدمُ تضييع ما بعد الفجر بالنوم، فهذا هو أفضل الأوقات وأَشرفُها، وهو أَنسبُ الأوقات للإبداعِ والفقه والإتقان.
الإنسانُ ينامُ في الليل، ويأخذُ الجسمُ حاجتَه من الراحة، كما يستريحُ فيه الدماغُ والمشاعرُ والأعصاب، وعندما يستيقظُ الإنسانُ عند الفجر، يكون في غاية النشاط والحيوية، في جسمِه وحواسه، وفي فكرِه وذهنه وعقله، وفي مشاعرِه وخواطره وأحاسيسه، فكلُّ هذه الجوانبِ من كيانه تكون جاهزةً للعمل، مستعدةً للبذل، قادرةً على العطاء، تنتظرُ صاحبَها ليأمرها ويكلِّفَها، إذ سُرعانَ ما تلبيّ أَمره، وتقومُ بما طلبه منها.
فعلى صاحبِ العلم أنْ يستغلَّ هذا الوقتَ الثمينَ المبارك، وأنْ يستفيدَ من حالةِ الحيوية والنشاط التي تكون عليها حواتُّه ومشاعرُه وأفکاره.
وهذا هو هديُ رسولِ الله َصلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، حيث كانَ الرسولُ عليه الصلاة والسلام يستغلُّ وقتَ ما بعد الفجر، وما كانَ ينامُ فيه، لا هو ولا أَصحابُه.
٥ - ونختمُ إِرشاداتنا لصاحبِ العلم حولَ برمجةِ ساعات يومه، بتقديمِ نموذجٍ لبرنامجٍ عمليٍّ لساعاتِ يومه، ليسترشدَ به في وضعٍ برنامجه الخاصِّ به.
هو قدْ لا يلتزمُ به حرفياً، لاختلافِ أَوقاتِ الناس في بعض التفاصیل والجزئیات، لکنه يستفيد منه ویهتدي به.
يَبدأُ النشاطُ والعملُ عند صاحب العلم قبْلَ الفجرِ بساعة.
مع صاحب العلم في صحته البدنية والنفسية
لا بدَّ أنْ يهتمَّ صاحبُ العلم بصحتِه البدنيةِ والنفسية، حتى يقومَ بواجبهِ العلميِّ والعبادي والدعوي علی أتمِّ وجه.
إِننا نعلمُ أنَّ كيانَ الإنسان مكوَّنٌ من الجسمِ والعقل والروح، وأنَّ الجسمَ هو الوعاءُ الذي يضمُّ العقلَ والروح.
وجسمُ الإنسان متكاملٌ متناسق، مكوَّنٌ من مجموعةٍ من الأجهزة المختلفة، وهذه الأجهزةُ تتكاملُ في وظائفها، وتتداخلُ في ارتباطاتها.
وإذا كان جسمُ الإنسانِ سليماً تمكنَ من أداءِ وظيفته، ولذلك لا بدَّ لصاحب العلم أنْ يحافظَ على أجهزةِ جسمه المختلفة، وأنْ يقيها الأخطارَ والأمراضَ والآفات، وأنْ لا ينتظر حتى تنهكَها الأمراض، وتُعطلَها وتوقفَ عملَها، فمن المقرر أنَّ: درهمَ وقاية خيرٌ من قنطارِ علاج.
وصايا طبية للصحة البدنية
وحتى يُحافظ صاحبُ العلم على صحةِ جسمه نقدمُ له هذه النصائحَ والوصايا، بشكلٍ موجز، ونَدْعوه إِلى قراءتها في الکتابِ المجملِ المفيد: ((وصايا طبيب)) للدكتور حَسّان شمسي باشا، الذي صدرتْ طبعتُه الأولى عن دار القلم بدمشق عام ١٤١٥ - ١٩٩٥.
١ - تَناوَلْ بضعَ تَمْرات في الصباح: التمرُ منجمٌ غنيٌّ بالمعادنِ المختلفة، وعندما تتناولُ بضْع تمراتٍ في الصباح، تحصلُ على فائدةٍ عظيمة. ولمعرفةِ أهمية التمر ننصحُك بقراءةٍ كتاب (الأسودان: التمر والماء) للدکتور حسان شمسي باشا.
٢ - إِيدأْ نهارك بملعقةٍ من العسل: العسلُ شفاءٌ للناس بنصٌ القرآن: ﴿يَخرَجُ مِنْ بُطُونهَا شَرَابُ مُختلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءُ لِلنَّاسَِ﴾ [النحل: ٦٩].
وعندما تبدأُ نهارَك بملعقةِ عسل، وتُتبعُها ببضعٍ حباتٍ من التمر، يتشربُ جسمُك المعادنَ الموجودةَ فیهما.
٣ - إِحرصْ على أنْ تأكلَ من الحَبَّة السوداء - حبة البركة -:
ولو مَزَجْتَ شيئاً من العسلِ الصافي مع شيءٍ من الحبةِ السوداء المطحونة، وأخذْتَ من ذلك ملعقتيْن صباحاً، أَو مشروباً ساخناً لاستفدتَ فائدةً عظیمة .
ومن أجَودِ وأنفعِ الطعام أنْ تضعَ حبةَ البركةِ على صحنٍ من اللبن، ثم تغمَره بزیتِ الزیتون.
٤ - عليكَ بالإكثارِ من استعمالٍ زيت الزيتون في الطعام، وهو أَجودُ أَنواع الزيوت، وليستْ له أيةُ أَضرارٍ جانبية، وهو مفيدٌ جداً لجسمك.
٥ - لا تْسَ أنْ تأخذَ كأساً من اللبن على الأقلِّ كلَّ يوم، سواء كنتَ صحيحاً أو مريضاً. لِغِناه بالمعادن، ولا يوجدُ غذاءً آخر يجزىءُ عنه، أو یحلُّ محلَّه.
٦ - إِحرصُ على تناولِ السمك، وليكنْ وجبةَ غداءٍ لك أسبوعياً على الأقل. لأَهميته القُصوى لجسمك.
٧ - لا تُكثز من أكلِ اللحوم الحمراء، ولا تتوقَّفْ عن أكلها، والتوسطُ والاعتدالُ في ذلك مطلوب. واحْرصْ على أنْ تكونَ هذه اللحومُ الحمراءُ خالصةً من الشحومِ والدهون.
٨ - لا تُكثر من شربِ القهوة والشاي، حتى لا يتحولَ ذلك إِلى إِدمان، والإِفراطُ في شرب القهوة والشاي مُضِرٌّ لك. أَما الاعتدال في ذلك فهو مفید.
وحتى يكونَ تناولُك للقهوة والشاي معتدلاً ننصحُك بما يلي:
أ - من المفيدِ تناولُك فنجاناً من القهوةِ الحلوة عندَ الصباح.
ب - لا مانعَ أنْ تأخذَ فنجانيْن من القهوةِ السادة بعد العصر.
ج - جيدٌ تناولُك فنجاناً من الشاي عند الصباح وفنجاناً آخرَ بعد العصر.
د - لا تتناول الشايَ أثناءَ الطعام، لأَنه يُنقصُ امتصاصَ الحديد الذي في الطعام. وتَناول الشايَ بعد الطعام بساعةِ أو ساعتین.
ج - لا تَشرب الشايَ أو القهوة بعدَ المغرب، حتى لا تُصابَ بالأرق عند النوم.
٩ - أَكثرْ من تناولِ الخضارِ والفواكهِ الطازجة في طعامكِ وحاوِلْ أنْ تستغنيَ عن الأطعمةِ المعلَّبة والمحفوظة.
١٠ - أَكثرْ من تناولِ أليافِ الطعام، والتركيزِ على المأكولات ذاتِ الألياف كالسبانخ والفاصولياء والزهرة والملفوف والجزر والتمر.
١١ - حاوِلْ أنْ تأكلَ حبةَ تفاح طازجة في الصباح، نظراً
لفائدة التفاح العالية، وغِناهُ بالمعادن والفيتامينات.
١٢ - الجزرُ من أكثرِ الخضروات فائدةً لك، لغناه بالبوتاسيوم
والكاروتين، فحاوِلْ أنْ تأكل حبتین من الجزر يومیاً.
١٣ - إِلتزمْ بالسُّنَّة عند تناولِك الطعام، فلا تأكل إلاَّ عندما تشعرُ بالجوع، وعندما تتناولُ الطعام لا تصلْ إلى مرحلةِ الشبع، وقُمْ عن الطعامِ وما زالتْ حاجتُك إِليه موجودة.
وعليكَ بالقاعدةِ الذهبية: نحنُ قومٌ لا نأكلُ حتى نجوع، وإذا أكلْنا لا نشبع.
١٤ - حتى تستفيدَ من وجبةِ الطعام ننصحُك بما يلي:
- لا تأكل الطعام وأنتَ متوتِرُ الأعصاب، لأنَّ هذا مُضِرّ جداً.
- كُلْ طعامَك باسترخاءِ وهدوء، واستمتِعْ وتَلَذَّذْ بتناوُله.
- إِبدأ وجبةَ الطعام بالسلطة، لتملاَ المعدة، وتشعرَ بالشبع.
- لا تَشرب المشروبات الغازية أثناءَ الطعام لأنها تُعيق الهضم، وتَزيدُ في الوزن، واعلمْ أنَّ الكأسّ الواحدَ من الکوکا کولا یحتوي علی خمس ملاعق من السّگّر.
١٥ - إِحرصْ على وجبةِ الإفطار في الصباح، وخُذها باكراً، وتَعَوَّدْ على ذلك، لأَهميتِها الضرورية لك، وتَخَلَّ عن وجبةِ العشاء، فلا داعي لها. ولا تأكلْ شيئاً قبلَ النوم بساعتين على الأقل.
١٦ - تخلّصْ من السُّمْنة، فإِنها تزعجُك وتُعیقُك وتؤذیك، وتؤثَّرُ على مستقبلك العلمي والدعوي والفكري، وتُصيبُ جسمَك بالعديد من الأمراض، كارتفاع ضغط الدم، والسكر، وضيقِ النفس، والذبحة الصدرية، والدهون والكولسترول في الدم، ولْيكنْ وزنُك دائماً حولَ الوزن المثالي، والوزنُ المثاليُّ هو أنْ تطرحَ من طولك بالسنتمترات رقمَ مائة. فمنْ كانَ طولُه مائةً وسبعين سنتمتراً مثلاً، كان وزنُه المثالي سبعين كيلو غراماً. وقد يُسامحُ في ١٠٪ زيادة على ذلك الوزن المثالي، أَما أكثر من ذلك فلا .
١٧ - قَلِّلْ من الحلويات، وحاوِلْ تجثُّبَها، لضررِها المستقبليِّ علیك.
١٨ - دَعْ وجباتِ الطعام المعَدَّة على الطريقةِ الأمريكية وْالغربية، مثل الهامبورغر، لأنه مشبَعٌ بالدهونِ المضرّة.
١٩ - إِبتعذْ عن الدهونِ الحيوانية، الموجودة في الشحوم وغيرها، لضررِها الأكيدِ علیك.
٢٠ - داوِمْ على الرياضةِ لأهميتها القُصوى لك، ومارسْ بعضََ التمارين الرياضية، وأَهمُّ رياضةٍ لك هي المشيُءّ السريع باعتدال، لمدةٍ ساعة أو نصفِ ساعة على الأقل.
٢١ - إِبتعدْ عن التدخين تماماً، ولا تُدخُنْ أَبداً، فالضررُ ناتجٌ عن التدخين حتماً، وهو يَعني الانتحارَ البطيء والموتَ المحقَّق، والراجحُ أنَّ الدخان حرام.
٢٢ - أَكثرْ من شربِ الماءِ العَذْبِ لحاجةِ الجسم الماسَّةِ إليه، ولا تخش من سلبیاتٍ ذلك.
٢٣ - نَمْ باكراً، واستيقِظْ باكراً، واجعَلْ معظمَ ساعاتِ نومك في الليل، بحيثُ لا تنام في الليل أقلَّ من خمسِ ساعات، ولا تَنَمْ بعدَ صلاة الفجر، وتناوَلْ فطورَك اليوميَّ باكراً.
٢٤ - إِنْ أُصبتَ بالأَرَق أحياناً فلا تستعمل الحبوبَ المنومة لضررِها عليك، وحاوِلْ أنْ تتعرفَ على أَسبابِ الأرق، لتتخلَّصَ منه، وأكثر من ذكْرِ الله قبيلَ النوم لئلا تُصابَ بالأرق.
٢٥ - لا تُكثر من استعمالِ الملحِ على الطعام لضررهِ عليك في المستقبل، ولا تكثر من تناولِ الأطَعمة الحارَّة، التي يكثرُ فيها الفلفلُ الحارُّ والفلفل الأسود والتوابل الحارقة.
٢٦ - لا تُكثر من تناولِ الأطعمة المقلِيّة والسندويتشات، وتناوَل الطعامَ الذي فيه الشوربات والمرق. واطبخ اللحومَ طَبخاً بدلَ أنْ تقليَها أَو تشويها .
٢٧ - إِحرصْ على إجراءِ الفحوصاتِ الدوريّة باستمرار، حتى لا تُفاجأُ بالمرض، مثل فحصِ السكري، وفحصِ ضغطِ الدم، وفحصِ الكوليسترول، وفحصِ التنفس، وفحصِ القلب، وغيرِ ذلك.
- عندما تتعبُ اسْتَرِح، وأَوقِفْ نشاطَك، وعليك بالاسـترخاء، حتى لا تُصابَ بالإجهاد، أو بالتوترِ والانهيار.
- إِبتعدْ عن المحزَّمات والمعاصي، ولا تستعملْ حواسّك في المعصية، حتى لا يُعطلَها الله، ويَحرمَك منها، واستعملْ طاقات جسمكِ المختلفة في الطاعة، ليحفظَها اللهُ لك، وتجدَها عندما تَشیخُ وتکبر.
٣٠ - وحتى تُبقي على شبابك وتتغلب على الشيخوخة عندما يتقدمُ بك العمر، فعليكَ باتباع ما يلي - إضافة إلى الوصايا السابـقة -:
- لا تُكثز من الملح والسّكّر والدهون والفلفل في الطعام.
- كُل السمك، فهو أَفضلُ لك من اللحمِ الأحمر.
- لا تَغْلِ الخضرواتِ أكثرَ من اللازم لئلا تفقدَ قيمتَها الغذائية.
- إِشربْ ما استطعتَ من الماء، فالجسمُ يَحتاجُ إلى لترٍ نظيـف من الماءِ على الأقل.
- مارِس الرياضةَ لِتُبقي على قوةِ البدن، وأَفضلُها هو المشي.
- صادقِ الشباب، واتصلْ بالناس، لتشعرَ بالسعادة.
حافِظْ على ابتسامتك. وإيّاك والعُبوسَ والتجهُم، ولا تُقطبْ حاجبك.
هذه وصایا ونصائحُ نقدمُها لصاحب العلم، ونرجوه أَن يلتزمَ بها ما أَمكن، وذلك ليحافظَ على صحةِ جسمه، وليستطيعَ أداءَ مهمته .
وهذه الوصايا أَخذناها من كتاب ((وصايا طبيب)) للدكتور حسان شمسي باشا، ونَدعو صاحبَ العلم إِلی اقتنائِه وقراءتِه، والالتزام بما فيه !!
الصحة النفسية لصاحب العلم:
الصحةُ النفسيةُ لصاحبِ العلم مهمةٌ وضرورية، مثلُها مثلُ الصحة البدنية، إنْ لم تكنْ أكثرَ منها أهمية، لأنَّ إصابتَه بالأمراض النفسية كالقلق والإحباط والاكتئاب، سبيلٌ إِلى إصابته بالأمراضِ الجسمية، كقرحةِ المعدة، وارتفاعٍ ضغط الدم، والسكري.
وقد أَلَّفَ ((كارنيجي)) مجموعةً من الكتب النافعة، المترجمةِ إلى اللغة العربية، وننصحُ صاحبَ العلم باقتنائِها والقراءة فيها، والاستفادة منها، وأخذِ النافع الذي فيها - وهو كثير -.
هذه الکتب هي:
١ - دَع القلق، وابدأ الحياة.
٢ - كيف تكسبُ الأصدقاء.
٣۔ کیف تؤثرُ في الناس.
٤ - فنُّ الخطابة.
وأُسجلُ من كتابه الأول ((دع القلق وابدأ الحياة)) أهمَّ القواعدِ التي قررها ((كارينجي))، ودَعا القارىءَ إلى مراعاتِها والالتزام بها، وأَحيلُ على تفاصيلِ تلك القواعد وغيرِها في الكتاب المذكور. وعلى صاحبِ العلم الالتزامُ بتلك القواعد للتخلص من القلق والاكتئاب، والإجهاد والإحباط، والتوترِ والغضب والانفعال.
قواعد أساسية للصحة النفسية
أهمُّ ما نقدمُه من هذه القواعد هو:
١ - عِش دقائقَ يومك وساعاته، واستمتِعْ بذلك، ولا يؤرِقْك الماضي، ولا تقلقْ على المستقبل، وسلُّمْ كلَّ أُمورك إلى الله.
٢ - لا تَدَعْ أيةَ مشكلةٍ تَقضي على أَعصابك، مهما عَظُمت، وأحسنِ التعاملَ معها واستيعابَها، وفكُّرْ بهدوءٍ في حلَّها والتغلبِ علیها.
٣ - تَذَكَّر الثمن الباهظَ الذي ستدفعُه من صحتك، عندما تكون أَسيرَ القلق والتوتر والانفعال، لتتخلّى عن ذلك.
٤ - عندما تقلقُ وتتوترُ بسببِ مشكلةٍ ما، أَمْسِك ورقةً وقلماً، وسَجِّلِ عليها الجوابَ على الأسئلةِ التالية: ما الذي يقلِقُني؟ وماذا أَستطيعُ أن أفعلَ بشأنه؟ ومتى أَفعلَ ذلك؟ وكيف؟.
٥ - إِحتفظْ بمذكرةٍ خاصة، وسجِّلْ فيها في آخرِ كلِّ أُسبوع: الأخطاءَ التي ارتكبْتَها خلالَ الأسبوع؟ وأَسبابَها؟ وكيفَ تصرفْتَ بشأنها؟ وكيفَ استفدتَ منها؟ ولم تَعُدْ إِليها؟.
٦ - لا تَشُّكَّ في أَنك سعيد، ولا تسأَلْ نفسَك إِنْ كنتَ سعيداً أم لا، فأنتَ سعيدٌ حقاً طالما أَنكَ مع الله في الطاعةِ والعبادة والعلم.
٧ - عليكَ أنْ تنهمِكَ بالعملِ والعلم، وأن تستمتعَ به، وأنْ تجعلَه مستوعِباً لكلٍّ وقتك، عندها لا تشعرُ بالقلق.
٨ - إِنْسَ الأُشياءَ الصغيرة، ولا تهتمَّ بالأشياءِ التافهة، ولا تغضَبْ لأَجلِها، وحياتُكَ أثمنُ من أنْ تَقضيها حزيناً قلِقاً، من أجلِ كلمةٍ أو موقفٍ أو تصرُّف. ولا تدَعْ هذه الصغائرَ والتفاهات تهزمُك، وتنكد علیك حیاتك.
٩ - لا تندم على ما فات، وَدع التفكيرَ في الماضي، ولا تُزعجْك وتُقلقْك أشياءٌ قمتَ بها أوَ حدثَتْ لك في الماضئ، فإنها لن تعود. واستمرَّ في تذكُّرِ هذه العبارة: لا تَبْكِ على اللّبَن المُراق، ولا تُحاوِلْ أنْ تنشرَ النَّشارةَ مرةً ثانية!
١٠ - لا تُعْطِ للأُمورِ أهميةً أكثرَ مما تستحق، فلا تقلقْ وتتوتز بشأن أشياءَ لا قَيمةَ لها،َ واستمرَّ في تذكُّرِ هذه العبارة: لا تَشْتَرِ الصفارةَ بأكثرَ من ثمنها !!
١١ - لا تَقْلَقْ بشأنِ المستقبل، وآمِنْ بقضاءِ الله وقَدَرِه، وأَيِقِنْ بحكمةِ الله، وارْضَ بكلِّ ما قَدَّرَهُ اللهُ لك، وتعامَلْ مع الخيرِ بالشكرِ والرضى، ومع الضُّرِّ بالصبرِ والتسليم.
١٢ - لا تُشْغِلْ نفسَك وأَعصابَك بالأشياء قبلَ أنْ تفعَلَها، ولا تقلَقْ بها قبلَ حدوثِها، واستمرَّ في تذكُرِ هذه العبارة: لا تَعْبُرِ الجسْرَ قبلَ أنْ تصِلَه !!
١٣ - فَكِّرْ جيداً قبلَ الإقدامِ على الفعل، وَزِنِ الحقائقَ بعنايةٍ قبلَ صنع القرار، وبعدَ ذلك سارع بالتنفيذ مستعيناً بالله، ولا تقلَقْ بشأنِ العواقب.
١٤ - عِشْْ حياتَك بمرَحٍ وبساطة، وتصرَّفْ بهدوء وطمأنينة، فسوفَ يَسري المرحُ إِلى حياَتك وأَعمالِك.
١٥ - اتَّخِذ القراراتِ التالية في صباحِ كُلِّ يوم، ونَفِّذْها في ساعاتِ النهار:
- سأَكونُ سعيداً في هذا اليوم. فالإنسانُ يكونُ سعيداً عندما يقررُ ذلك.
- سأُحاولُ اليومَ أنْ أكيّفَ نفسي مع الأمرِ الواقع، وسأكف عن التفکیر فیهم.
١٨ - إِنْسَ نفسَك، وتخلَّ عن أنانيتك، وصُبَّ اهتمامَك على الآخرين، وقَدِّم الخيرَ لهم، لترتسمَ الابتسامةُ على وجوههم.
١٩ - عندما تقدُّمُ الخيرَ للناس، اجعلْه خالصاً لله، ولا تنتظرٍ الشكرَ منهم، حتى لا تخسَرَ ثمرةَ ذلك الخیر.
٢٠ - لا تنزعجْ أو تقلقْ بشأنِ جحودِ الآخرين لك عندما تُحسنُ إِليهم، بل توقَّعْ هذا، بدلاً من أنْ تتوقعَ اعترافَهم بجميلكِ، فمعظمُ الناسِ لا يعترفونَ بالجميل ولا يشكرون من أَحسنَ إِليهم، بل يقابلونَّ الإِحسانَ بالإساءة، ويَكفيكَ أنَّ اللهَ هو الذي يقبلُ عملَك المخلص، ویُثیئُك علیه.
٢١ - كُنْ قدوة لغيرك في الاعترافِ بالجميل، والثناءِ على المحسن، فَمَنْ أَحسنَ إِليك فَاشكُرْه وادْعُ اللهَ له، ليزدادَ هو في إحسانِك، ويقتديَ بك غيْرُك.
١٦ - ثَمَنُ الانتقامِ من الخصوم مرتفع، تدفَعُه من صحتِك وأعصابِك ومشاعرك، فاتْرُكْ ذلك، ولا تُحاوِل الاقتصاصَ منهم، لأنك تُؤدي نفسَك أکثرَ مما تؤذیهم.
١٧ - لا تسمخ لخصومِك بالسيطرة على حياتك وأَفكارِك ومشاعرك، فاتركْهم وأَسقِطُهم من حسابك، ولا تُضيِّعْ دقيقةً في التفكير فيهم.
- تَذَكَّرْ نِعَمَ اللهِ عليك، لتشكرَه عليها، وتستمتعَ بها، وركِّزْ على الأشياءِ الإيجابية عندك وعَدِّدها واجْمَعْها،، دلَ أنْ تجمعَ متاعِبَك، وتتذكَّرَ ما يزعجُك وينغْصُ عليك.
- تعرَّفْ على نفسِك وطبيعتِك ومواهبك وقدراتِك، ووظِّفْها لتستمتعَ بحياتِك، وارْضَ بها، ولا تُقارِنَ نفَسك بغيرك، ولا تتشبَّه بغيرِك، ولا تُزعجْ نفسَك بتقليدِ غيركَ، واعلمْ أنَّ اللهَ حكيمٌ فيما وهبَ الناس، وأنَّ كلَّ شخصٍ ميَسَّرٌ لما خلَقَه اللهُ له، فلا تحسدْ أَحَداً، ولا تُتْعِبْ نفسَك كي تكونَ مثله. وعِشْ حياتَك كما أنت.
- لا تُكثْر من الشكوى والتَّؤُه، وانظُرْ إِلى الحياة بتفاؤلٍ وحیویة، ورگُزْ علی إِیجابیاتِ الحیاة دون سلبيّاتِها.
مراجع للصحة النفسية
أَخي صاحبَ العلم: استفِذْ من هذه الأبياتِ التي قالها الشاعرُ ((إِيليّا أَبو ماضي)) في قصيدتِه ((فلسفة الحياة)):
أَيُهذا الشّاكي وما بِكَ دَاءٌ … كيْفَ تَغْدو إِذا غَدَوْتَ عَليلا
إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرْضِ نَفْسٌ … تَتَوَقّْى قَبْلَ الرَّحيلِ الرَّحيلا
وَتَرى الشَّوْكَ فِي الورُودِ وَتَعْمىْ … أَنْ تَرى فَوْقَها النَّدی إِكلیلا
هُوَ عِبْءٌ عَلى الحَياةِ ثَقيلٌ … مَنْ يَظُُُّ الحَياةَ عِبْئاً ثَقيلا
وَالذي نَفْسُهُ بِغَيْرِ جَمِالٍ … لا يَرى في الوُجودِ شَيْئاً جَميلا
أَحْكَمُ النّاسِ في الحَياةِ أُناسٌ … عَلَّلوها فَأَحْسَنوا التَّعْليلا
أيُهذا الشّاكَي وَما بِكَ دَاءٌ … كُنْ جَميلاً تَرَ الوُجودَ جَميلا
وأَنصحُ صاحب العلمِ أن يقرأَ الکتبَ التالية باستیعابٍ وعنایة، ليحسنَ الاستفادةَ منها، ويتمتعَ بصحةٍ نفسيةٍ رائعة، ويتخلصَ من القلق:
١ - دَع القلقَ وابدأ الحياة. تأليف الأمريكي: ديل كارنيجي.
٢ - كيفَ تكسبُ الأصدقاء. تأليف كارنيجي.
٣ - کیف تؤثِّرُ في الناس. تأليف كارنيجي.
٤ - جدِّد حياتَك. تأليف محمد الغزالي.
٥ - الإيمانْ والحياة. تأليف الدكتور يوسف القرضاوي.
٦ - القلقُ وكيفَ تتخلصُ منه. تأليف الدكتور زهير السباعي، والدكتور شیخ إدريس عبد الرحيم.
وعندما يُراعي صاحبُ العلم الوصايا والنصائحَ المذكورة، ويلتزمُ بالقواعد السابقة، فسوفَ يعيشُُ حياتَه التي قدَّرها الله له، سعيداً راضياً مطمئناً، ويتمتعَ بصحةٍ بدنيةٍ ونفسية، وعندها سوفَ ينصرفُ إِلى تحقيقِ الواجبات، وأداءِ الوظيفة، ويَرتقي بمستواه العلمي والعبادي والدعوي، وينفذُ خطتَه العلميةَ البراقة، ويَبقى ليستريحَ ويُكْرَم عند الهِ الكريمِ المنّان … متدرجاً نحو العُلا، إِلى أنْ يُغادرَ هذه الحياة الدنيا، راضياً مرضياً
_____________________________________________
الخاتمة
بهذا ينتهي ما قدَّرَ اللهُ لنا أنْ نسجِّلَه في هذه الرسالة، خدمةً لأصحاب العلم، الحريصين على التحصيلِ العلمي، الراغبين في برمجةٍ أَوقاتهم، والاستفادةِ من أَعمارهم، التواقين إلى ما هو أَفضلُ وأَسمى وأعلى، السائرين في طريقِ الفضائل والريادة.
وكلُّ ما نَرجوه أنْ يتقبلَ اللهُ منّا هذا العمل، وأنْ يجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، وأن يُثيبنا عليه، وأن يُعين القراءَ الكرام على الالتزامِ بالخطةِ التواقة، في فقراتِها وبُنودها وبَرامجها وخطواتها وقواعدها.
وخيرُ ما نختمُ به هذه الرسالة ((الوصايا العشر)) التي أَلهمَ اللهُ الأستاذَ الإمامَ الشهيد حسن البنا رحمه الله، فصاغَها ودَعا إِخوانَه إِلى الالتزامِ بها، ونقدمُ هذه الوصايا العشرَ لأصحابِ العلم، طالبين منهَم مراعاتِها والالتزامِ بها، باعتبارها مكملةً لَموضوعِ الرسالة.
١ - قُمْ إِلى الصلاة، متى سمعتَ النداء، مهما تكن الظروف.
٢ - أُثْلُ القرآن، أَو طالِعْ، أَو استَمع، أو اذكُر الله، ولا تَصرفْ جزءاً من وقتك في غيرِ فائدة.
٣ - إِجتهدْ أنْ تتكلمَ العربية الفصحى، فإن ذلكَ من شعائرٍ الإسلام.
٤ - لا تُكثرِ الجدلَ في أَيِّ شأنٍ من الشؤون أيّاً كان، فإنَّ المراءَ لا یآتي بخیر.
٥ - لا تُكثر الضحك، فإنّ القلب الموصولَ بالله ساکنٌ وقور.
٦ - لا تَمزح، فإنَّ الأمةَ المجاهدةَ لا تَعرفُ غيرَ الجدّ.
٧ - لا تَرفعْ صوتَك أكثرَ مما يحتاجُ إِليه السامع، فإنه رُعونةٌ وإیذاء.
٨ - إِجتنبْ غيبةَ الأشخاص وتَجريحَ الهيئات، ولا تتكلمْ إلاّ بخیر.
٩ - تَعرَّفْ إِلى مَنْ تلقاهُ من إِخوانك، وإنْ لم يطلبْ إِليك ذلك، فإنَّ أساسَ دعوتِنا الحبُّ والتعارف.
١٠ - الواجباتُ أكثرُ من الأوقات، فعاوِنْ غيرَك على الانتفاعِ بوقته، وإنْ كانَ لك مهمةً فأوجزْ في قضائها.
ولا يظنّنَّ ظانٌّ أنَّ هذه الوصايا العشر التي صاغَها الإمامُ الشهيد حسن البنا رحمه الله، هي آراءٌ اجتهادية خاصة اجتهدها البنا، فما هي إلا وصايا إِسلامية، لكلِّ وصية منها أُصولُها الشرعية الإسلامية، ولكل وصية نصوصٌ تدلُّ عليها، سواء كانت هذه النصوصُ آياتٍ قرآنية، أو أحاديثَ نبويةً صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وننصحُ صاحبَ العلم أنْ يطالعَ رسالةَ ((شرح الوصايا العشر)) للأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعني، وقد صدرتْ هذه الرسالةُ عن دار الشروق بمصر، سنة ١٩٧٦م. وأَعادَ الدكتورُ المطعني كلَّ وصية إِلى أُصولها الشرعية، ونصوصِها من الآيات والأحادیث.
والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلی آله وصحبه وسلم.
_____________________________________________
فائدة:
أَساسُ معنى العصر هو ((ضَغْطُ شَيْءٍ حتى يَتَحَلَّب))(معجم المقاييس لابن فارس ٧٨٢).
تقول: عصرتُ الثوب، وذلك عندما تضعطَ عليه ليخرجَ منه الماء.
ولهذا سمّى اللهُ الشُّحُبَ ((مُعْصِرات))، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَاءٍ ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]. وكأنَّ هذه السحبَ المحملةَ بالماء تُعصرُ عصراً، ويُضغطُ عليها، فيخرجُ الماءُ منها، وينزلُ نَجَاجاً مَصْبوباً.
وإذا كان عصرُ الشيء هو الضغطُ عليه لإخراج ما فيه، فإنَّ زمانَ الناس وعمْرَهم عصر، لأنه يجبُ عليهم أنْ يَعصروه عصراً، ويضغطوا عليه ضغطاً، ليُحسنوا الاستفادة منه، واستخراجَ منافِعه وفوائده. وعمرُ الفرد هو عصرُه الخاصُّ به، الذي يجبُ عليه أنْ يعصرَه، ويحسنَ استغلالَه ومعايشتَه.
فاعصِرْ عمْرَك أيها الأِخُ المسلم عصراً، واضغطْ عليه ضغطاً، وجاهِدْ نفسَك، وابذلْ أَقصى جهدك، حتى لا تضيعَ هذا العمر المحدود، فإنْ لم تحسنْ عصْرَ عمرك والاستفادةَ منه فسوف تندمُ علی ضیاعه!
______________________________________________
فائدة: التواصي ((تَعاهُدٌ)) بين المؤمنين بالالتزام بالحق، والثبات علیه، الصبرِ على تكاليفه ومشقاته. التواصي بالصبر والثباتُ على الحق، نظراً لأهمية ذلك، لأنَّ طريقَ الحقِّ شاق، والالتزامَ به مُكْلِف، والمؤمنُ يدفعُ الثمن غالياً بـاهظاً، سواء ثمنَ استمرارِ السيرِ المنضبط به، أَو ثمنَ مجاهدة لنفس للثباتِ عليه، أو ثمنَ الارتقاءِ إلى آفاقه السامية، أو ثمنَ واجهة أعدائه وخصومه.
______________________________________________
فائدة: روى الحافظ الطبراني في معجمه: قصةً -اختصارُها: أَنَّ جريراً رضيَ اللهُ عنه أمَرَ مولاه أنْ يشتريَ له فَرَساً، فاشتری له فرساً بثلاثمائة درهم، وجاءَ به، وبصاحبه لینقُدَه الثمن. فقالَ جرير لصاحبِ الفرس: فرسُكَ خيرٌ من ثلاثمائة درهم! أتبیعُه بأربعمائة درهم؟ فقال الرجل: ذلك إلیكَ یا أبا عبد الله. فقال جرير: فرسُكَ خيرٌ من ذلك، أَتبيعُه بخمسمائة درهم؟. ولم يزلْ جرير يزيدُه مائة مائة، وصاحبُه يرضى، وجرير يقول: فرسُكَ خير، إِلى أَنْ بلغَ ثمانمائة درهم. فاشتراهُ بها. فقيلَ لجرير في ذلك، فقال: (إني بايعْتُ رسولَ الله لوَِ لقر على النصحِ لكل مسلم !!)
تعليق موجز على قصة جرير: تأمَّلوا مَعنا هذا الموقفَ العمليَّ الرائعَ لجرير رضي الله عنه، يُرسلُ خادمَه ليشتريّ له فرساً، ويتفقُ الخادمُ مع البائع على الثمن، ويرضى البائعُ أنْ يبيعَه بثلاثمائة درهم، ويَذهبانِ إِلى جرير رضي الله عنه ليدفعَ الثمن فقط.
ولكنَّ جريراً عندما نظرَ للفرس عرفَ أنه يساوي أكثرَ من هذا المبلغ، وكان بإمكانِه أنْ يوافق على ما اتفقَ عليه وكيلُه مع البائع، وأنْ يبررَ الأمْرَ لنفسه، فليس هو الذي عقدَ الصفقة، وإذا کان هناك حرجٌ أو إثمٌ فعلی وکیله!
ولكن جريراً الذي بايعَ الرسولَ عليه الصلاة والسلام على النصح لكل مسلم يرفضُ ذلك التبرير، ولو أَجازَ ما فعله وكيله لخدعَ البائع وغَشَّه، وحياتُه مبنيةٌ على النصح والتناصح! قالَ للبائع ناصحاً: فرسُك تساوي أكثر! أَتبيعُه بأربعمائة؟ أَتبيُعه بخمسمائة؟ أَتبيعُه بستمائة؟ أَتبيعُه بسبعمائة؟ أَتبيعُه بثمانمائة؟.كلُّ هذا والبائعُ مستغربٌ مما يرى ويسمع، وموافقٌ على أيِّ مبلغٍ يضعُه جريرُ ثمناً لفرسه.
ولما أيقنَ جريرٌ رضي الله عنه أنَّ فرسَ الرجل يساوي آخرَ مبلغ ذكَرَه، اشتراه منه، ودفعَ له ثمانمائة درهم، بدل ثلاثمائة. أي أنَّ جريراً رضي الله عنه دفعَ حوالي ضعفي الثمنِ الأول، وهو خمسماتُة درهم !!.
ولامَ بعضُُ الحاضرين جريراً على ما فعل، وعلى المبلغ الذي ألزمَ به نفسه، وكان في غِنى عن هذه الخسارةِ في نظرهم!
________________________________________________
فائدة: أجمع العلماء على أفضلية تلقى العلوم على يد مُعلُّم، وليس عن طريق القراءة وحدَها، خلافاً لّمِنْ شَذَّ فيه، وذلك لاحتمال الغلط من تشأبُه الحروف أو لأخطاء مطبعية لم يُنبَّة عليها، أو لإدماج مقاطع الكلام، أو لقلة الخِبّرة بمفردات العلم، أو لجهالة بمصطلحاته .. والتثقيف الذاتى والقراءة الحرة ضرورة لابد منها بعد بداية طيبة على يد معلم يوضح ما غمض؟ ويُصلح الخطأ، وييسر العبارة. وقالوا:
مَنْ يَأخُذُ العِلمَ من شَيخْ مُشافَهةٌ … يَكُنْ عَنِ الزَّيغ والتصْحیف فی حرمَ
ومن یکن آخذا للعلم من صُحف … فعلمهُ عَند أهل العِلِّم كَالعَدَمِ
___________________________________________________
• لطيفة: قالوا إن السيدة مريم قبل أن ترزق بعيسى عليه السلام كان رزقها يأتيها من عند ربها دون أن تبذل فى تحصيله جُهْدًا؛ فلما ولدت ابنها وانشغل قلبُها به أمرت أن تأخذ بالأسباب فى تحصيل الرِّزْق: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنيًّا﴾ [مريم: ٢٥]. وقال الشاعر فى هذا المعنى:
ألمْ تَرَأَنَّ اللَّه قال لِمَرْيُمٍ …. إَِليَكِ فَهُزِّى الجذْعَ يَسْاقَطِ الرُّطَب
ولَوْ شاءَ أحنى الجِذْعَ مِن غَيْرٍ هَزّه … إَِيْلها، ولكِنْ كُلُّ شَىْءٍ لَهُ سَبَبْ
وقَدْ كانَ حُبُّ الله أولی برزقها … كمَا كان حُبُّ الخلقِ أدْعَى إلى النَّصَبْ
_____________________________________________
أقسام العلوم الشرعية
تنقسم العلوم الشرعية إلى ثلاثة أقسام:
1. العلوم الأساسية
القرآن الكريم وعلومه.
السنة النبوية وعلومها.
العقيدة.
الفقه وأصوله.
السيرة النبوية.
التفسير.
2. علوم الآلة
علوم القرآن.
مصطلح الحديث.
أصول الفقه.
علوم اللغة العربية.
وغيرها من العلوم التي تعين على فهم العلوم الشرعية.
3. علوم فضيلة
العلوم التي تزيد المسلم معرفةً بالله تعالى.
وتهذيبًا للنفس.
وحرصًا على العمل الصالح.
وخدمةً للدين ونفعًا للناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق