المرأة وذئاب تخنق ولا تأكل
أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: في المجتمع المتحضر.. حافوا على المرأة، فغمطوها حقها في حياة كريمة، تكون فيها خدينةً لزوجها، ودفئاً لأطفالها، تغمرهم بحنانها وعطفها، وتُغدق عليهم من وابل كرمها، تملأ بيتها بالسعادة والبسمة، وتمنح أسرتها جُل وقتها، تحوطهم بسكنها، وتحفهم بمودتها، والرحمة التي زرعها الله في نفسها..
كما أنهم أهدروا حريتها، وانحرفوا بها في مزالق الذبول والانكسار، وأغروها بالأصباغ والعطور والزينة، وفتنوها بالرواح والمجيء والعمل، حتى تلمكتها النشوة المُسكرة، ونالت منها الأزياء المزركشة، وفتنتها المجوهرات النفيسة، والسيارات الفارهة، والشقق الفاخرة، وأضحت تطرب لكل مدح وثناء، وتتراقص عندما تكون موضع الإعجاب والتقليد.. حتى اوغلت في الإنحلال، وأنست إلى التفلت..
وقد وصل بهنّ الأمر إلى محطات الترهل والانطفاء، كأي شيء يبدأ متوهجاً ثم سرعان ما يأفل، وقد أخفقت عمليات التجميل في استعادة نضارتهن، وأضحت ملفوظةً كبقايا هياكل ميتة في طريقها إلى الزوال.
وفي هذا الكتاب ينعى المؤلف أخلاق النساء في مصر (والعالم العربي عموماً)، حيث رأى أنه في غُربةٍ جديدة لكنها في قلب الشرق، وفي أقرب وأحب البلدان إليه (مصر الحبيبة)، يقول:
((لو كان شيءٌ فوق العتاب واللوم، لكان ذلك لأرض الكنانة المباركة، وإنما أعتب بإدلال ابنٍ لدى أم حنونة وكريمة، لأنني لا أريد أن تكون غريبة عن دوحتي، وهي واجتها! إن لكنانة الله حقاً علينا منذ حملنا القلم، ولهذا كنا نهفو إليها، ونترك أهلنا، ثم يزعجنا أن نكون في غربة))!
وأصل هذا الكتاب هو كتاب آخر قبله، وهو (شعب بوان)، وهو كتاب هموم عامي، ألفه عام 1395 هـ، وهذا الاسم كناية عن أرض مصر، ثم احدث عليه تعديلات فيفة، وسماه (المرأة وذئاب تخنق ولا تأكل)، (والخنق) يشير إلى الجوع النسبي، وباعثه التداوي من الرغبة بالإثم، وإيحاش القلب بالسلوك الرديء، حيث الركون إلى الرذيلة، والتقاعس عن الالتزام بمسؤوليات الزواج.
وهو في حقيقته وصايا عامة للنساء في حدود البيئة والجغرافيا والعادات الاجتماعية، حيث يتذكر أيام الماضي في بلاد السعودية، ويقارن بينها وبين ما يراه في مصر من مظاهر السفور والاختلاط وغير ذلك.
وقد وصف أبو عبد الرحمن الظاهري مصر بكلمات عذبة رقراقة؛ فيقول:
((وفيهم -يعني أهل مصر- معلمو العالم العربي والإسلامي في العصور الأخيرة -كالمقريزي، والسخاوي، وشوقي، وزكي مبارك - ممن لا يحصيهم العد، وإن جحدهم بعض الجاحدين، وفيها قمم وأشياخ.. ومنها تداعى الجد والهزل والفكر ولاظرف والتسديد والشطح.. أما عامتهم؛ فقد امتع الله قلوبهم بالسكينة، وسلوكهم بالأريحية، لا يعرفون العقد النفسية والوجوم، وإن كانت بيوتهم وجيوبهم أفرغ من فؤاد ام موسى، وإنما تتدفق ضحكاتهم إلى اطراف آذانهم، مع كفاحهم المرير في تحصيل لقمة العيش، فكانوا قدوة الكادح الصابر، وهم في رضاهم وفرحهم قدوة الشكور، وفي ظني أن النسغ والبلسم سيتدفق من نيلهم الخالد)) اهـ (ص 42).
كما أنه يتألم لما رآه بمصر من البدع التي طالت العوائد والعقائد، وما يجري في أروقة المؤسسات من الرشا والسمسررة والنصب والاحتيال وانحراف السياحة، الأمر الذي لم تنفرد به مصر، وإنها لمصيبة وأي مصيبة.. ومن الطريف أن أذكر هنا عبارة أعجبتني للمؤلف، وهو قوله في الغزل:
((أيتها النسوة.. شعرنا العربي كله بكاءٌ عليكُنّ، ومنكُنَّ، ولأجلكنَّ.. وإنما غاية نسجه هو رضاكُنَّ فحسب، وما أكثر شقاء من يلهث خلفكنَّ)).
ولما وقع الكتاب في يد طبيب مصري كتب شعراً يمدح فيه التأليف ومؤلفه:
حديثك الشهد أرواني وأشبعني … وقولك الحق في الأعماق أسعدني
دلت تباريح نفسي في معيته… ومن التاباريح ما يشفي من الحزن
طالعته لوحةٌ بالحب ناطقةٌ… بين الأشقاء تستهدي وتبهرني
أصبت يا ابن عقيلٍ في مقالكم… كبد الحقيقة بالتلميح والعلن
كلمات صدقٍ بقلبي كان موقعها… يا طيبها كلمات عن بني وطني
روح الوفاء تسامت بين أسطرها… وجب الوفاء لمن بالأمس علمني
أطريت عشقهم للفن كلهم… فهم العباقر يرتفعون كالثكنِ
آنست روحي بالأقطاب من بلدي… أهل التقى والنقى والنور في الدجن
حييتهم قمماً في العلم شامخة… حدثت عنهم حديث المخلص الفطن
وفي المعاناة كم انصفت بذلهم… كم يدفعون بلا منٍّ ولا ثمن
فالفقر يعني فراغ العقل عندهم… وليس فقراً فراغ الجيب والسكن!
هذي قناعتهم ولأجلها ضحكوا… وتحرروا من قيود الزيف والفتن
فيا أخي أهدهم ما شئت من قُبَلٍ … فإليك أضعافها من مُعجَبٍ لَقِن!
ويقول في موطنٍ آخر:
عرفت لمصر فضلها ومكانها… فقلت رعاك الله كل جميل
تحييك مصر نيلها ونخيلها… وشعبٌ أبيُّ الروح جدُّ جميلِ
تقوم على الدنيا براهين مجده… وها هي ذي الأمجاد خير دليل
بناها رجالٌ اهل علمٍ وحكمةٍ… وعزمٌ كعزم الجن غير كليل
فلا تستمع فيها مقال مكابرٍ… فما ذلك الإعجاز صنع ذليل
حضارتهم ليست ركم حجارةٍ… وأطلال ربع في القفار محيل
ولكن علومٌ مستراد لمثلها… وأخلاق جيلٍ رائعٍ وقبيل
بلاد لها بالوحي عهدٌ وصحبة… وبالرسل من مستوزر وخليل
كنانته في الأرض فاضت شعابها… جياداً وفرساناً وعهد صهيل
سلوا يوم كيبور وحطين عنهمو… وعن كل ماضي الشفرتين صقيل
رأت عين جالوت حماة عقيدةٍ… ترد عن الإسلام شر دخيل
فهم خير جند الأرض ما دام فوقها… مصارع أغوال ومانع غيل
فلا أبرأ الباري مراضاً ببغضها… ولا بلغوا منها شفاء غليل
ستبقى لهذا الشرق دُرة تاجه … على كل حالٍ مُبرمٍ وسحيل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق