مسلكيات
إبراهيم السكران
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لقد ركّب الله في هذه الحياة أن (معالي الأمور) التي نص عليها القرآن، كالرسوخ في العلم، وإظهار الهدى ودين الحق على الدين كله، والتمكين في الأرض، وإصلاح الأمة، ونحوها من المطالب الكبرى لا تحصل للمرء وهو مستكملٌ راحته وطعامه وشرابه ونومه وأوقات استرخائه .. هذه حقيقة دلّ عليها الشرع وصرخت بها تجارب الحياة ..
وإذا كان المرء ينام حتى تُجهرك أشعة الحمرة في عينيه، ويبسط خوان الطعام كلما اشتهى، ويخصص الأوقات الطويلة للقهوة والشاي والعصائر والفطائر، ولا يسمح لنفسه بأن تتنازل عن أي فرصة فسحة أو مسامرات مع أصحابه، ولا يستطيع كبح جماح تصفح الإنترنت أن يسرق ساعاته، إذا كان المرء كذلك .. وما زال يرجو أن تتحقق يومًا ما خططه العلمية والدعوية والإصلاحية؛ فمثل هذا الشخص قد استأصل عقله، وزرع بدلًا منه مصباح علاء الدین!
ومن تأمل في ضخامة العلم، وقصر العمر، وكثرة متطلبات الحياة؛ أدرك حقًا أن عبارة الإمام يحيى بن كثير هذه (لا يستطاع العلم براحة الجسم) أنها: لم تخرج من طرف الذهن .. ولم تكتب بحبر الأدب .. وإنما حُفِرت حروفها بإزميل التجارب ..فالعلم جعله الله ثمينًا لا يُجلب في الأسواق المخفضة ..
ما أكثر ما رأيتُ عالمًا شابًا بزّ أقرانه يتدفق بالأسانيد والمسائل .. أو رأيت عملًا علميًا رصينًا صار أصلا في بابه .. إلا قلت في نفسي: رحم الله يحيى بن أبي كثير حين قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم). وهذا التعب الذي يجب تحمله ومكابدته لا يختص بمطلب دون مطلب، بل هو عام في (الكمالات الإنسانية) كلها، كما يقول ابن القيم: (الكمالات كلها لا تُنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب).
وأوضح ابن القيم عبارته هذه حينما شرح بعض مسائل القدر، فيقول: (يوضحه الوجه الحادي والعشرون: أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يُدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق).
.. ولعل أول من نبَّه على هذا المعنى بعبارة بديعة جدًا، الإمام الحافظ الزاهد أبو إسحاق إبراهيم الحربي (٢٨٥هـ)، صاحب الكتاب المشهور تاريخيًا عن (غريب الحديث)، وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، حيث نقل عنه ابن تيمية عبارة تهز النفوس مما فيها من البلاغة وهيبة المعنى، إذ يقول ابن تيمية: قال إبراهيم الحربي: ((أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم)).
بل نقل الخطيب في تاريخه قول الحافظ إبراهيم الحربي رحمه الله -بعبارة أطول من هذه؛ فقال: ((أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجرِ مع القدر لم يتهنّأ بعيشه، كان يكون قميصي أنظف قميص، وإزاري أوسخ إزار، ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط، وفرد عقبي مقطوع، وفرد عقبي الآخر صحيح، أمشي بهما وأدور بغداد كلها، هذا الجانب وذلك الجانب، لا أحدث نفسي أني أصلحها، وما شكوت إلى أمي، ولا إلى أختي، ولا إلى امرأتي، ولا إلى بناتي قط: حُمّى وجدتها، الرجل هو الذي يدخل غمّه على نفسه، ولا يَغُمّ عياله، كان بي شقيقة خمسًا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدًا قط، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيت جائعًا عطشان إلى الليلة الثانية)).
وهذه العبارة للحافظ إبراهيم الحربي رحمه الله شاع معناها فيمن جاء بعده من أهل العلم، فتتابعوا على تأكيد تجريبية وعقلانية هذا المعنى، وتداوله بين الأمم، حتى قال ابن القيم -رحمه الله- في تأثر واضح بعبارة إبراهيم الحربي: ((العقلاء قاطبة متفقون على استحسان إتعاب النفوس في تحصيل كمالاتها، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك؛ كان أحسن حالًا وأرفع قدرًا)).
والحقيقة أن من أعظم ما يعين النفس على تحمل هذا التعب الذي تتطلبه المعالي؛ أن يستحضر المرء الثمرة، وأن يستدعي في ذهنه حسن العاقبة، فإن الجدوئ والمكتسب تهوّن على النفس تحمل المشاق والتعب، كما يقول ابن الجوزي في استعارة مكثفة: ((تلمّح فجر الأجر يهُن ظلام التكليف)).
وقد شاع بين أهل العلم ربط كمية المنجزات بكمية العناء، ومن ذلك العبارة المتداولة بين أهل العلم التي يقولون فيها: ((بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى)). وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في جملة مكثفة بيانية جميلة: (حُفّت الجَّنُة بالمكاره).. فالجنة لا يوصل إليها إلا بمكابدة ما تكرهه النفوس من ترك الهوئ والشهوات ..
ولخص ابن القيم جزءًا من ذلك في تصويره لمشهد دخول النبيّ إلى مكة؛ فقال: (وكما دخل رسول صلى الله عليه سلم -إلى مكة ذلك المدخل العظيم، بعد أن أخرجه الكفار ذلك المخرج، ونصره ذلك النصر العزيز، بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه .. ، وبالجملة: فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة).
وهذا الكتاب الذي بين يديك حصيلة تمعّنات وتفحّصات في بعض مسالك (العلم)، وبعض مسالك (الإيمان)، دونتها في أزمان مختلفة، وأحببت موافقة الآية في الترتيب، فجعلت في هذا الكتاب القسم الأول لتأملات مسالك العلم، والقسم الثاني لتأملات مسالك الإيمان.. قاله المؤلف.
وقبل ذلك يقول: لفت انتباهي في كتاب الله كثرة اقتران مفردتي (العلم) و(الإيمان)، فجعلهما الله لقبًا على طائفة استشهد بكلامها فقال: ﴿وَقَالَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ اُلْعِلْمَ وَاَلْإِيمَانَ﴾ [الروم: ٥٦]. وأخبر عن رفعة من جمعهما فقال: ﴿يَرْفَع اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوأْ اَلْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
ونبّهنا كيف يقود أحدهما إلى الآخر فقال: ﴿وَالزَّسِخُونَ فىِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال: ﴿لَّكِنِ الراسِخُونَ فى الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَاُلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢].
وامتن الله على رسوله بهما سويًا فقال: ﴿مَا كُنتَ نَدرِى مَا اُلْكِنَبُ وَلَا اٌلإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال أبو العباس ابن تيمية: (فإن الخير كله، أصله وفصله، منحصر في العلم والإيمان)(الاقتضاء).
وقد أبدع المؤلف -وفقه الله- في نظم كتابه هذا، سيما موضوعات لها أثرها البليغ والكبير، منها: التفريق بين ((المشقة المعتادة التبعية، وبين المشقة المقصودة بالأصالة)) المنفصلة عن العبادات.كما أنه تحدث عن ((ترحيل المهام))، وهو تأجيل المهام الضرورية العلمية والعملية لصناعة العالم إلى مراحل أكبر وأبعد تسويفاً، وهو ما يمكن التعبير عنه بـ ((إحراق الوقت))، وفي المثل ((نام على البذور حتى ذهب الموسم))، وكذلك تنبيهه على ((أهمية حفظ العلم والعناية به))، و((التبحر في دقيق المسائل))، وعدم ((الولوع بشراء الكتب)) والحرص على اقتناء الكتب الأكثر نفعاً.
بالإضافة إلى تأكيده على ((الجمع بين التحصيل العلمي والثقافة المعاصرة))، وكذلك ذكره المعادلة المميزة ((الكتب البديعة أكثر من العمر.. والصوارف تتزايد، الأمر الذي يقتضي سرعة في القراءة أو القراءة الجردية))، كما أوضح مستويات القراءة، وأهمية ((القراءة الاستعراضية).
ثم طرح المؤلف الإمام ((النووي)) كمثال على بركة العلم والوقت، وذلك لتصنيفه المؤلفات الكثيرة المحررة والمنقحة، والتي أصبحت فيما بعد عمدة الشافعية، مع قصر مدة عمره، ثم تطرق إلى ((أغراض التصنيف)) وأهميته، وتطرق في ذلك إلى أحد المعاصرين وهو د. سفر الحوالي، وكذلك ((أثر تدريس التعليم في تعميق تصورات المعلم))، وتطرق إلى حاجة الناس في هذا العصر إلى تبسيط العلم وتسهيله لهم، والتأليف بهدف التعلم.
كذلك تحدث عن الحاجة إلى التعرف إلى سير الرموز المعرفية في التاريخ الإسلامي، وضرب لذلك مثلاً بـ ((شيخ الإسلام ابن تيمية))، وتلميذه ((ابن القيم))، ومن بعدهما بالشيخ ((محمد بن عبد الوهاب))، ثم انتقل إلى أهم مظاهر الإسلام، وأحد اهم أركانه العملية ((الصلاة)) لينشر من أسرارها، وسير السلف فيها ما يتعجب له القارئ!
ثم ينتقل إلى تأملات قرآنية، فيتعرض لمعاني الخشوع، والسكينة، والطمانينة في الصلاة، ثم ((خفض الجناح)) كسلوك له دوافعه القيمية النبيلة تجاه الوالدين وغيرهما من أصحاب الحقوق والأهل والجيران.ثم ((أثر التقوى على العلم)).
أزمة الخسارة في تضييع الوقت:
وأزمة الخسارة والغبن في استثمار هذا الرصيد الزمني هو الذي أشار له الحديث الذي رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
ويبدو أن هذه الأزمة، أعني أزمة الترقب والتفرج قريبة من (الحالة السبهللية) التي وصفها الفاروق عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه: (إني أكره الرجل يمشي سبهللا، لا في أمر الدنيا، ولا في أمر الآخرة).
وجاء هذا المعنى في كتب الأثر مسندًا عن ابن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: (إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة).
وهناك منظومة في الفقه مطوّلة مشهورة لابن عبد القوي رحمه الله، نظم فيها المقنع لابن قدامة كاملا في زهاء اثني عشر ألف بيت، وقد جمع ابن عبد القوي فيها في بيت واحد حديث البخاري وأثر عمر المشهور، حيث قال رحمه الله:
ولا يذهبنّ العمر منك سبهللا … ولا تغبننّ النعمتين، بل اجهدِ
ومن أكبر عوامل ((الحالة السبهللية)) ما يمكن تسميته مشكلة ((التقطع والترحل)) في أنصاف المشروعات .. وهذا أمرٌ قد نبّهت به المدونات المشهورة في أدب الطلب، ومن ذلك قول بدر ين ابن جماعة (ت٧٣٣ه): (وكذلك يحذر من التنقّل من كتاب ، كتاب من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح).
ولعلك تتذكر أن العلامة ابن عثيمين يمثل مشروعًا فقهياً مكتملًا .. فبالله عليك لاحظ كيف يشرح فكرة نبعت من خبرته الطويلة حيث يقول في كتابه الذي جمعه من خطبه وسماه الضياء اللامع:
(وإن من الحكمة أن من ابتدأ بعمل وارتاح له فلیستمر علیه، فمن بورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها، فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة، فمثلا يقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الفن، ثم يدعه من غير أن يكمله، وينتقل إلى غيره، ثم إلى آخر، من غير تكميل الأول، فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى كل يوم له عمل، وكل يوم له رأي، فيضيع الوقت عليه من غير فائدة).
هذه حكمة عصرتها الخبرة يشرحها فقيه حدد هدفًا علميًا رفيعًا وبلغه فعلا .. وليست نظرية يتاجر بها منتسب لعلم النجاح فى قاعات الفنادق ..
المجرّات سلالم اليقين
في منتصف القرن العشرين أطبقت على انجلترا شهرة عالم الفلك والفيزياء الانجلیزي ((جيمس جينز)) (ت ١٩٤٦م)، وقد تنقّل جينز في حياته الأكاديمية بين جامعة كامبردج وجامعة برنستون، وكان بروفيسور (الرياضيات التطبيقية) في جامعة برنستون.
وكان له إسهامات رئيسية في حقلي الفيزياء والفلك، وخصوصًا في تطوير بعض المسائل في مجال الأشعة ،(stellar evolution) وتخلّق وتطور النجوم ،(radiation) وانتقد نظرية لابلاس في تكون النظام الشمسي واقترح فرضية بدیلة، ونحو ذلك.
وسميت باسم جينز عدد من المكتشفات العلمية، منها قانون فيزيائي يسمى (قانون رايلي-جينز) (Jeans law-Rayleigh) حيث ساهم جينز في تطويره وهو قانون يصف الإشعاعات الطيفية في الموجات الكهرومغناطييسية.
ومن المكتشفات التي سميت باسمه (كتلة جينز) (Jeans mass) وهي نظرية تتعلق بنشأة النجوم، حيث تمثل الحد الأدنى لكتلة السحابة الغازية التي ينشأ عن انكماشها نجم جديد.
وكذلك فوهة قمرية (lunar crater) اكتشفت على سطح القمر سميت باسمه (فوهة جينز)، وكذلك فوهة مريخية (Martin crater) اكتشفت على سطح كوكب المريخ سميت باسمه أيضًا.
وأي قارئ لحياة ((جيمس جينز)) العلمية يلاحظ فورًا أنه كان يقف على هذه التخوم بين الكوسمولوجيا (الكونيات) والفيزياء؛ بسبب التحام هذين العلمين في العصور الأخيرة، فكثير من الفلكيين فيزيائيون، وكثير من الفيزيائيين فلكيون، ولذلك يقول الفلكي الأمريكي ((لويد متز)) (ت ٢٠٠٤م) في كتابه قصة الفيزياء:
(الفلك أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى فرعًا من الفيزياء، ويكفينا لتأكيد ذلك أن نلاحظ العلاقات القائمة بين فيزياء الطاقة العالية والكونيات (الكوسمولوجيا)، أو بين تطور النجوم والفيزياء النووية، أو تلك العلاقات بين بنية المجرات وتحريك السوائل، فهي تظهر مدى الرابطة المتينة بين فرعي المعرفة هذين، بل إن قصة الفيزياء تبدأ بعض نواحيها بالفلك اليوناني).
وليس من العسير إدراك وتفسير سبب هذا التداخل والاشتراك بين مباحث الفيزياء والفلك والتي يشير إليها متز وزميله في النص السـابق، ذلك أن الفلك يعنى بالأجرام السماوية، والفيزياء تدرس حركة وسلوك المادة وطاقتها خلال الزمن والمكان، ومن الطبيعي تدرس الفيزياء حركة وسلوكيات هذه الأجرام، ومن هاهنا يجد يزيائي نفسه أحيانًا فلكيًا، ويجد الفلكي نفسه أحيانًا فيزيائيًا.
ولم يكتف ((جيمس جينز)) بكتابة الأطروحات المتخصصة، بل ن ينتمي إلى قطاع من المتخصصين يؤمنون بأهمية تبسيط (العلوم لبيعية) للقارئ العام، كما كتب الفيزيائي البريطاني (ستيفن كنغ) مثلًا كتابه المشهور (موجز تاريخ الزمن: من الانفجار ـبير إلى الثقوب السوداء) والذي بسّط فيه أسس الكوسمولوجيا كونيات)، وبيعت منه أكثر من عشرة ملايين نسخة، وتُرجم للغـات العالمية.
ولمِثلُ هذا النَّمَطِ مِنَ المُؤلَّفاتِ الَّتي تُخاطِبُ القارئَ العامَّ، حاز للمؤلِّفِ شُهرةً في الإعلامِ باعتبارِه شارحًا ومفسِّرًا للثَّوراتِ العِلميَّةِ في زَمَنِه، وقد لَعِبَ «جيمس جينز» هذا الدَّورَ فعلًا، خصوصًا في حقلِ الكوسمولوجيا (الكونيّات)، وهو حقلٌ شديدُ الجاذبيَّةِ والإبهارِ للقارئِ العامِّ.
وينتمي «جيمس جينز» إلى التَّيَّارِ الَّذي يُعطي الفلسفةَ موقعًا ذيليًّا بالنِّسبةِ إلى العلومِ الطَّبيعيَّةِ، وأنَّ الفلسفةَ ذاتُ هُويَّةٍ تَبَعيَّةٍ، باعتبارِ أنَّ العلومَ الطَّبيعيَّةَ تكتشفُ وتبتكرُ وتخترعُ، والفلسفةُ تُعلِّقُ لاحقًا فقط على ما تمَّ اكتشافُه. فالفلسفةُ لدى هذا التَّيَّارِ مجرَّدُ «تفسيراتٍ» لاحقةٍ لتطوُّراتِ العلومِ، كما يقولُ جينزُ مثلًا:
(الفلسفة في أية فترة زمنية، مرتبطة دومًا، وبشكل كبير؛ مع العلم في نفس هذه الفترة، لذلك فإن أي تغير رئيسي في العلم ينتج ردود فعل في الفلسفة).
وهذا الرأي التبخيسي للفلسفة في مقابل إجلال العلوم الطبيعية، والذي يتبناه الفيزيائي/ الفلكي ((جيمس جينز))، ليس رأيًا مبتكرًا له، بل هو اتجاه معروف في الفكر الغربي، ويشيع خصوصًا بين الباحثين في الحقول التجريبية، ويمكن أن نجد اعترافًا بهذا الدور التبعي/ التفسيري للفلسفة في التشبيه الذي صاغه رأس الفلسفة الألمانية ((هيغل)) (ت ١٨٣١م)، حين وصف الفلسفة في نهاية مدخل كتابه عن فلسفة الحق بقوله: (بومة مينرفا لا تنشر أجنحتها وتطير إلا حين يخيم المساء).
ومينرفا هي آلهة الحكمة والفلسفة في الأساطير الرومانية، وكان لها بومة، لأن البومة في تصوراتهم رمز للحكمة باعتبار سلوكها الصامت المراقب طوال النهار، واختيارها المواقع غير المأهولة.
ومقصود هيغل بهذا التشبيه أن الفلسفة لا تبدأ في العمل إلا بعد انتهاء الأحداث والأعمال في النهار، فتأتي لاحقًا لتفسر فقط، ومقتضى هذا التشبيه أن الفلسفة ذات (مرتبة تفسيرية) فقط، لا (صانعة للأحداث).
وهناك شواهدُ أخرى كثيرةٌ في الفكرِ الغربيِّ لِمَن يميلُ إلى هذا الاتِّجاهِ التقزيميِّ لمكانةِ الفلسفةِ، في مقابلِ تعظيمِ العلومِ الطبيعيَّةِ ونتائجِها في الطِّبِّ والتكنولوجيا ونحوِها، وليس هاهنا محلُّ بسطِ هذه الشواهدِ.
ولذلك تجدُ أمريكا -مثلًا- المتفوِّقةَ في العلومِ والتقنيةِ يقلُّ فيها الفلاسفةُ، بينما أوروبا التي تراجعتْ مقابلَ التَّفوُّقِ الأمريكيِّ يكثرُ فيها الفلاسفةُ، حتى إنَّ عالمَ النفسِ الأمريكيَّ جرانفيل ستانلي (ت 1924م)، في مقالته «الفلسفةُ في الولاياتِ المتَّحدةِ» التي نشرها في فصليَّة «مايند»، حين كان يطرحُ تشخيصًا مبكِّرًا للواقعِ الفلسفيِّ في أمريكا، يقولُ: «الفلاسفةُ في أمريكا أندرُ من الثعابينِ في النرويج»(1)، لكنَّه يرجعُ ذلكَ لحداثةِ عُمرِ الولاياتِ المتَّحدةِ.
وقد استعرضَ ستانلي تفسيرًا لهذه الظاهرةِ -أعني محدوديَّةَ الفلاسفةِ في أمريكا- مرتبطًا بعُمرِ البلدِ، ومزاجِ الأعمالِ والاستثمارِ العمليِّ.
وفي تقديري الشخصيِّ أنَّ من أهمِّ كتبِ جيمس جينز كتابَه «الفيزياءُ والفلسفةُ» (Physics and Philosophy)، وهو دراسةٌ مقارنةٌ بين طريقةِ عملِ الفيزيائيِّين ومنتجاتِهم العلميَّةِ، وطريقةِ عملِ الفلاسفةِ ومنتجاتِهم التي قدَّموها، ويحاولُ جينزُ في كتابِه هذا أن يُثبتَ وجهةَ نظرِه تفصيلًا حول تواضُعِ ثمراتِ الفلسفةِ مقارنةً بالنتائجِ التي قدَّمَتْها لنا الفيزياءُ، وفي هذا الكتابِ مواضعُ صادمةٌ للقارئِ، مثلُ الموضعِ الذي شرَحَ فيه نظريةَ كانط، وحلَّلَ جدواها، وأنَّه يرى أنَّها لم تُضِفْ شيئًا ذا بالٍ، ثم حاولَ أن ينقلَ الفلسفةَ إلى تفكيرٍ جديدٍ على ضوءِ نتائجِ الفيزياءِ، كمفهومِ السببيَّةِ وحريَّةِ الإرادةِ وغيرِها.
وإذا وضعَ الباحثُ كتابَ جينز هذا في سياقِه التاريخيِّ، فسيستوعبُ بالضبطِ خلفيَّاتِ هذا الطرحِ؛ فكتابُ جينز هذا «الفيزياءُ والفلسفةُ» وُلِدَ في أيَّامِ «ثورةِ العلومِ الطبيعيَّةِ»، وتطوُّرِ الحياةِ الاجتماعيَّةِ بناءً على المكتشفاتِ والابتكاراتِ التي تضخُّها في حياةِ الناسِ، وكانت هذه المرحلةُ أصعبَ اللحظاتِ التي بدأت تعيشُ فيها الفلسفةُ «أزمةَ الجدوى»، فصارَ يتساءلُ كثيرٌ من الباحثينَ في الحقولِ التجريبيَّةِ خصوصًا عن «جدوى الفلسفةِ»، ويرونَ أنَّها لم تُقدِّمْ شيئًا؟
ومن أمتعِ المناقشاتِ التي حاولتْ دراسةَ هذه الظاهرةِ والرَّدَّ على المخالفينَ فيها، ورقةُ الفيلسوفِ الإنجليزيِّ برنارد ويليامز (ت 2003م)، وكانت بعنوانِ «حول بُغضِ وازدراءِ الفلسفةِ»، وقد نُشِرتْ في مجلَّة «لندن ريفيو»، وقد استفتحَها ويليامزُ بقولهِ: «حيثما وُجِدَ موضوعٌ فلسفيٌّ وُجِدَ مَن يكرَهُه ويزدريهِ». والرصدُ المثيرُ الذي عرضَه ويليامزُ هو قولُه في مقالتهِ: «هذه الأيَّام، معظمُ الذين يتَّخذونَ هذا الموقفَ ضدَّ الفلسفةِ ليسوا متديِّنينَ، بل علماءُ!».
وبطبيعةِ الحالِ، لم يكن ويليامزُ مسرورًا بهذه الظاهرةِ، بل خصَّصَ هذه الورقةَ للرَّدِّ على هذا الاتِّجاهِ المستخفِّ بالفلسفةِ بعدَ ثورةِ العلومِ الطبيعيَّةِ.
وهذه الظاهرةُ شديدةُ الشيوعِ في الفكرِ الغربيِّ العلميِّ، أعني ازدراءَ الفلسفةِ وتعظيمَ العلومِ الطبيعيَّةِ، تقودُنا إلى التَّساؤلِ: لماذا إذن شاعَ بينَ الشبابِ المثقَّفِ العربيِّ، المُعجَبِ بالغربِ، القراءةُ في «التُّراثِ» الفلسفيِّ الغربيِّ، كفلاسفةِ القرونِ السابعَ عشرَ والثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ، معَ الضَّعفِ في التكوينِ العلميِّ الطبيعيِّ؟
الحقيقةُ أنَّ هذه الظاهرةَ تستحقُّ الرَّصدَ والتَّحليلَ، وسأحاولُ أن أقدِّمَ تفسيرًا لها؛ ففي تقديري أنَّ هؤلاءِ الشبابَ العربَ قرؤوا للمفكِّرينَ العربِ الذين درسوا الفلسفةَ في الغربِ، ولم يقرؤوا لمختصِّي العلومِ الطبيعيَّةِ من العربِ، فنقلَهم المفكِّرونَ العربُ أصحابُ التكوينِ الفلسفيِّ إلى التُّراثِ الفلسفيِّ الغربيِّ، وصوَّروا لهم أنَّ التقدُّمَ المادِّيَّ الغربيَّ كلَّه نتيجةٌ للفلسفةِ الغربيَّةِ، وهذا التَّصويرُ نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لكونِ هؤلاءِ المفكِّرينَ العربِ يُسوِّقونَ بضاعتَهم.
ولذلك وجدنا شبابًا عربيًّا يتخرَّجُ من كليَّاتِ الطبِّ والهندسةِ والعلومِ، ثم يصرفُ وقتَ فراغِه في قراءةِ التُّراثِ الفلسفيِّ الغربيِّ (القرونِ السابعَ عشرَ والثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ)، بدلًا من أن ينشرَ الثقافةَ العلميَّةَ الحديثةَ والمعاصرةَ في بلدِه! وهذه ظاهرةٌ مدهشةٌ فعلًا، ومحزنةٌ في الوقتِ نفسِه، فالمؤهَّلونَ بالعلومِ التي يحتاجُها مجتمعُنا من الجادِّينَ في القراءةَ يتركُ بعضُهم ترقيةَ مجتمعِنا بتخصُّصِه، ويذهبُ يحفرُ في غبارِ التاريخِ الغربيِّ العتيقِ!
ويمكنُ للقارئِ أن يتابعَ بعضَ المقالاتِ الفلسفيَّةِ في صحفِنا المحليَّةِ، أو النَّدواتِ الفلسفيَّةِ في محيطِنا الخاصِّ؛ وسيلاحظُ أنَّ الرُّموزَ الفلسفيَّةَ الغربيَّةَ المتداولةَ، غالبُها السَّاحقُ، ينتمي إلى «الماضي» الفلسفيِّ الغربيِّ، وليس إلى «الراهنِ» والحديثِ والمعاصرِ، وآخرِ ما توصَّلَ إليه العلمُ!
سيلاحظُ الراصدُ للحالةِ الفلسفيَّةِ العربيَّةِ والمحليَّةِ خصوصًا -مثلًا- أنَّ الرُّموزَ الفكريَّةَ الفلسفيَّةَ المتداولةَ بينهم هم رموزُ القرنِ السادسَ عشرَ (مارتن لوثر)، أو رموزُ القرنِ السابعَ عشرَ (فرانسيس بيكون، ديكارت، توماس هوبز)، أو رموزُ القرنِ الثامنَ عشرَ (جون لوك، هيوم، روسو، كانط)، أو رموزُ القرنِ التاسعَ عشرَ (بنتام، هيغل، شوبنهاور، كيركيجارد، سبنسر، نيتشه)، ونحوُ هؤلاءِ.
ويعرفُ القارئُ أنَّ التطوُّرَ العلميَّ المعاصرَ تجاوزَ بمسافاتٍ فلكيَّةٍ أفكارَ وتَصوُّراتِ هؤلاءِ الفلاسفةِ الذين عاشوا عصورَ التخلُّفِ التكنولوجيِّ.
ولذلك يمكنُ القولُ إنَّ الشبابَ الذين طلَّقوا القراءةَ في العلومِ الشرعيَّةِ، وانصرفوا للقراءةِ في التُّراثِ الفلسفيِّ الغربيِّ، أنَّهم انتقلوا من «تُراثٍ» إلى «تُراثٍ آخرَ» فقط، وهم يتخيَّلونَ أنَّهم انتقلوا من الماضي إلى الحداثةِ!
وإذا كان بعضُ هؤلاءِ الشبابِ يُسمِّي الكتبَ الشرعيَّةَ كتبًا صَفراءَ، فالَّذي فعلَه هو أنَّه انتقلَ فقط من كُتُبٍ صَفراءَ شرقيَّةٍ إلى كُتُبٍ صَفراءَ غربيَّةٍ! فما زالَ في عالَمِ الصُّفرةِ بحسبِ معاييرِه!
لكن ما السَّببُ الذي دعا الشَّبابَ المثقَّفَ العربيَّ للإقبالِ على كُتُبِ الفلسفةِ العربيَّةِ، والعزوفِ عن الكُتُبِ العلميَّةِ العربيَّةِ؟ رُبَّما يعودُ السَّببُ إلى مبادرةِ المفكِّرينَ الفلسفيِّينَ العربِ، وتكاسلِ المختصِّينَ العربِ في العلومِ الطبيعيَّةِ عن تبسيطِ العلومِ للقارئِ العامِّ، وربَّما لأنَّ العلومَ تحتاجُ إلى معاملَ ومختبراتٍ وأجهزةٍ وتمويلٍ للبحثِ العلميِّ، بخلافِ الفلسفةِ التي هي «نشاطٌ تأمُّليٌّ ذهنيٌّ محضٌ» يُنهي المؤلِّفُ فيه كتابَه في غُرفتِه الخاصَّةِ، وبسببِ تفريطِ النُّظُمِ السياسيَّةِ العربيَّةِ في تمويلِ البحثِ العلميِّ اتَّجهتِ العقولُ إلى الاشتغالِ بالفلسفةِ كتعويضٍ.
على أيَّةِ حالٍ... ما سبقَ كلُّه كان استطرادًا غيرَ مقصودٍ بالأصالةِ، وإنَّما جرَّنا إليه توجُّهُ «جيمس جينز» إلى تبخيسِ الفلسفةِ وتعظيمِ العلمِ في كتابِه «الفيزياءُ والفلسفةُ»، فاضطرَّنا الحديثُ إلى عرضِ هذا الاتِّجاهِ في الفكرِ الغربيِّ.
وإنَّما كان المرادُ الأساسيُّ من السُّطورِ السابقةِ هو التَّعريفَ الموجزَ فقط بالفيزيائيِّ/الفلكيِّ «جيمس جينز»؛ تمهيدًا لعرضِ حوارٍ هامٍّ جريءٍ بينَه وبينَ طرفٍ آخرَ، وهو عالمُ الرِّياضياتِ الهنديُّ «عنايةُ اللهِ المشرقيُّ».
هذا الطَّرفُ الآخرُ في الحوارِ، وهو «عنايةُ اللهِ المشرقيُّ» (ت 1963م)، قد عُرِفَ بولعِه الغريبِ بالرِّياضياتِ، وأنهى الماجستيرَ.في الرِّياضياتِ وعمرُه (19) سنةً، وحطَّمَ الأرقامَ القياسيَّةَ السَّابقةَ له.
وفي نفسِ العامِ (1907م)، وقد أتمَّ التَّاسعةَ عشرةَ من عمرِه، سافرَ إلى بريطانيا لمواصلةِ دراساتِه في الرِّياضياتِ في جامعةِ كامبريدج، وأنهى خلالَ وجودِه في كامبريدج دراسةَ عدَّةِ تخصُّصاتٍ موازيةٍ في اللُّغاتِ الشَّرقيَّةِ والعلومِ الطبيعيَّةِ! ومكثَ في كامبريدجَ خمسَ سنواتٍ إلى العامِ (1912م)، ثم عادَ بعدها إلى الهندِ.
ولمَّا بلغَ عنايةُ اللهِ المشرقيُّ بحرَ الثَّلاثين، خطرتْ له فكرةُ تفسيرِ القرآنِ على ضوءِ مكتشفاتِ العلومِ الطبيعيَّةِ، ونفَّذَ الفكرةَ فعلًا، وأنهى المجلَّدَ الأوَّلَ منه وعمرُه (36 سنةً) في عامِ (1924م)، وسمَّاه «التَّذكرةَ»، فلفتَ الأنظارَ بعملِه هذا، وتمَّ ترشيحُه لجائزةِ نوبل، إلَّا أنَّ لجنةَ الجائزةِ اشترطتْ ترجمةَ العملِ إلى إحدى اللُّغاتِ الأوروبيَّةِ، فرفضَ عنايةُ اللهِ الجائزةَ، وقالَ: «لا أريدُ جائزةً لا تعترفُ بلغتي الأُرديَّةِ!» برغمِ أنَّه درسَ في كامبريدجَ أصلًا عدَّةَ تخصُّصاتٍ، وشأنُ التَّرجمةِ لا يكلِّفُه شيئًا، لكنَّها أنفةُ العالمِ الهنديِّ.
وانخرطَ عنايةُ اللهِ في المعتركِ السِّياسيِّ، وتقلَّدَ عدَّةَ مناصبَ حكوميَّةٍ، ثم استقالَ وأسَّسَ حزبًا سياسيًّا اسمُه «حركةُ الخاكسار»، وأنشأ صحيفةً أسبوعيَّةً باسمِ «الإصلاحِ»، وسُجِنَ عدَّةَ مرَّاتٍ.
وللأسفِ، لم تكنِ الصُّورةُ مشرقةً إلى هذا الحدِّ، فقد كان لدى عنايةَ اللهِ بعضُ التَّصوُّراتِ الخاطئةِ حولَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، ومفهومِ اختلافِ النُّبوَّاتِ في التَّشريعِ، ونظريَّةِ التَّفسيرِ الإسلاميَّةِ، وغيرُها، وللتوسُّعِ حولَ شخصيَّةِ عنايةِ اللهِ المشرقيِّ ودورِه، يمكنُ مراجعةُ الكُتُبِ المتخصِّصةِ في ترجمتِه.
لكن... دعْنا نصلِ الآنَ إلى جوهرِ المرادِ من هذا التَّعريفِ بالشَّخصيَّتينِ، وهما: العالِمُ الفيزيائيُّ/الفلكيُّ الإنجليزيُّ «جيمس جينز»، وعالِمُ الرِّياضياتِ الهنديُّ «عنايةُ اللهِ المشرقيُّ».
ففي نفسِ الفترةِ التي قدِمَ فيها عنايةُ اللهِ المشرقيُّ إلى كامبريدجَ لمواصلةِ دراساتِه في الرِّياضياتِ، التقى بجيمس جينز، حيث كان جينزُ يُدرِّسُ في الجامعةِ، وتعرَّفَ عليه، وقد روى عنايةُ اللهِ المشرقيُّ قصَّةً مدهشةً وقعتْ له مع جينز، وقد نُشِرتْ هذه القصَّةُ في مجلَّةِ «نقوش» الباكستانيَّةِ، في عددِها الخاصِّ المكرَّسِ لسيرةِ عنايةِ اللهِ المشرقيِّ، ثم نقلَها عن المجلَّةِ المذكورةِ المفكِّرُ الهنديُّ «وحيدُ الدِّينِ خان» في كتابِه الذي تُرجِمَ إلى العربيَّةِ بعنوانِ «الإسلامُ يتحدَّى: مدخلٌ علميٌّ إلى الإيمان»، وأصلُ الكتابِ في النُّسخةِ الإنجليزيَّةِ بعنوانِ «اللهُ يتجلَّى: أدلَّةُ اللهِ في الطَّبيعةِ والعلمِ»، وذكرَ في مقدِّمتِه أنَّ هذا الاسمَ «اللهُ يتجلَّى» مأخوذٌ من آيةٍ في الإنجيلِ، ولكن في التَّرجمةِ العربيَّةِ جُعِلَ العنوانُ «الإسلامُ يتحدَّى».
حسنًا... دعْنا الآنَ ننقلْ هذا الحوارَ الطَّويلَ. يقولُ وحيدُ الدِّينِ خان في كتابِه «الإسلامُ يتحدَّى» ما يلي:
«وسوف أختمُ هذا البابَ بواقعةٍ رواها العالِمُ الهنديُّ المغفورُ له الدكتورُ عنايةُ اللهِ المشرقيُّ، وهو يقولُ:
كان ذلك يومَ أحدٍ، من أيَّامِ سنةِ 1909م، وكانتِ السَّماءُ تُمطِرُ بغزارةٍ، وخرجتُ من بيتي لقضاءِ حاجةٍ ما، فإذا بي أرى الفلكيَّ المشهورَ السيرَ جيمس جينز -الأستاذَ بجامعةِ كمبريدجَ- ذاهبًا إلى الكنيسةِ، والإنجيلَ والشَّمسيَّةَ تحتَ إبطِه، فدنوتُ منه، وسلَّمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فسلَّمتُ عليه مرَّةً أخرى، فسألني: ماذا تريدُ منِّي؟
فقلتُ له: أمرينِ، يا سيِّدي! الأوَّلُ هو: أنَّ شمسيَّتَكَ تحتَ إبطِكَ، رغمَ شدَّةِ المطرِ!
فابتسمَ السيرُ جيمسُ، وفتحَ شمسيَّتَه على الفورِ.
فقلتُ له: وأمَّا الأمرُ الآخرُ، فهو: ما الذي يدفعُ رجلًا ذائعَ الصِّيتِ في العالمِ مثلَكَ إلى أن يتوجَّهَ إلى الكنيسةِ؟
وأمامَ هذا السُّؤالِ توقَّفَ السيرُ جيمسُ لحظةً، ثم قالَ: عليكَ اليومَ أن تأخذَ شايَ المساءِ عندي.
وعندما وصلتُ إلى دارِه في المساءِ، خرجتْ ليدي جيمسُ في تمامِ السَّاعةِ الرَّابعةِ بالضبطِ، وأخبرتني أنَّ السيرَ جيمسَ ينتظرُني. وعندما دخلتُ عليه في غُرفتِه، وجدتُ أمامَه منضدةً صغيرةً موضوعةً عليها أدواتُ الشَّاي، وكانَ البروفيسورُ منهمكًا في أفكارِه، وعندما شعرَ بوجودي سألني: ماذا كان سُؤالُكَ؟»
ودونَ أن ينتظرَ ردِّي، بدأَ يُلقي محاضرةً عن تكوينِ الأجرامِ السماويَّةِ، ونظامِها المدهشِ، وأبعادِها وفواصلِها اللامتناهيةِ، وطُرُقِها، ومداراتِها، وجاذبيَّتِها، وطوفانِ أنوارِها المذهلةِ، حتَّى إنَّني شعرتُ بقلبي يهتزُّ من هيبةِ اللهِ وجلالِه.
وأمَّا السيرُ جيمس، فوجدتُ شعرَ رأسِه قائمًا، والدُّموعَ تنهمرُ من عينيهِ، ويداهُ ترتعدانِ من خشيةِ اللهِ. وتوقَّفَ فجأةً، ثم بدأ يقولُ: يا عنايةَ الله! عندما أُلقي نظرةً على روائعِ خلقِ اللهِ، يبدأُ جسدي يرتعشُ من الجلالِ الإلهيِّ، وعندما أركعُ أمامَ اللهِ وأقولُ: «إنَّكَ لعظيمٌ!»، أجدُ أنَّ كلَّ جزءٍ من كياني يؤيِّدُني في هذا الدُّعاءِ، وأشعرُ بسكونٍ وسعادةٍ عظيمينِ، وأحسُّ بسعادةٍ تفوقُ سعادةَ الآخرينَ ألفَ مرَّةٍ. أفهمتَ يا عنايةَ اللهِ خان، لماذا أذهبُ إلى الكنيسةِ؟
ويضيفُ العلَّامةُ عنايةُ اللهِ قائلًا: لقد أحدثتْ هذه المحاضرةُ طوفانًا في عقلي، وقلتُ له: يا سيِّدي، لقد تأثَّرتُ جدًّا بالتفاصيلِ العلميَّةِ التي رويتموها لي، وتذكَّرتُ بهذه المناسبةِ آيةً من آياتِ كتابي المقدَّسِ، فلو سمحتم لي لقرأْتُها عليكم.
فهزَّ رأسَه قائلًا: بكلِّ سرورٍ.
فقرأتُ عليه الآيةَ التاليةَ: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
فصرخَ السيرُ جيمسُ قائلًا: ماذا قلتَ؟ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾؟ مُدهِشٌ! وغريبٌ وعجيبٌ جدًّا!! إنَّ الأمرَ الذي كشفتُ عنه بعدَ دراسةٍ ومشاهدةٍ استمرَّتْ خمسينَ سنةً، مَن أنبأَ محمَّدًا به؟ هل هذه الآيةُ موجودةٌ في القرآنِ حقيقةً؟ لو كان الأمرُ كذلك، فاكتبْ شهادةً منِّي أنَّ القرآنَ كتابٌ موحًى به من عندِ اللهِ.
ويستطردُ السيرُ جيمسُ جينزُ قائلًا: لقد كان محمَّدٌ أُميًّا، ولا يمكنُه أن يكشفَ عن هذا السِّرِّ بنفسِه، ولكنَّ «اللهَ» هو الذي أخبرَه بهذا السِّرِّ... مدهشٌ...! وغريبٌ وعجيبٌ جدًّا».
هذا الحوارُ المثيرُ الذي وقعَ بينَ الفيزيائيِّ/الفلكيِّ جيمس جينز، وعالِمِ الرِّياضياتِ الهنديِّ عنايةِ اللهِ المشرقيِّ، له دلالاتٌ، وفيه مواضعُ لا ينقضي منها العجبُ.
فهذا الانفعالُ العميقُ الذي وقعَ من «جينز» وهو يتعمَّقُ في دراسةِ المعلوماتِ الفلكيَّةِ ويستعرضُها إلى درجةِ الارتجافِ وانهمارِ الدُّموعِ، مشهدٌ يثيرُ كوامنَ الإيمانِ في النُّفوسِ البشريَّةِ.
وبسببِ أنَّ عنايةَ اللهِ كان صغيرَ السِّنِّ حين التقى بجينز، وانبهرَ بإيمانِه باللهِ، فقد كان لذلك أثرٌ عجيبٌ في تعميقِ اليقينِ باللهِ في نفسِ هذا الفتى، حتَّى اعتُبِرَ جينزُ مُلهِمًا له.
وهذا الكونُ العجيبُ بمجرَّاتِه ونجومِه وكواكبِه وأقمارِه ومداراتِه ونظامِه، دفعَ البروفيسورَ جينزَ إلى البحثِ عن أقربِ دينٍ يعرِفُه، فتمسَّكَ بالنصرانيَّةِ، فكيفَ لو تعرَّفَ على كتابِ اللهِ المحفوظِ، ورأى ما فيه من عجائبِ الإعجازِ العلميِّ، والإعجازِ التشريعيِّ، والإعجازِ البلاغيِّ، والإعجازِ الرُّوحيِّ؟
ثم انظرْ، مع كلِّ هذا الانبهارِ بعجائبِ الكونِ ونظامِه، ازدادَ جينزُ دهشةً حين سمعَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وشهِدَ أنَّ القرآنَ حقٌّ! فما أعجبَ ما يصنعُه القرآنُ في النُّفوسِ البشريَّةِ!
ومن العجائبِ في هذا الحوارِ أن تنظرَ كيف يجدُ البروفيسورُ «جينز» في فطرتِه البشريَّةِ ما يؤيِّدُه، وهو يناجي اللهَ بالتَّعظيمِ ويقولُ للهِ: «إنَّكَ لعظيمٌ»! فكيفَ لو عرَفَ هديَ رسولِ اللهِ ﷺ في مناجاةِ اللهِ بأشرفِ الأذكارِ والمقاماتِ، وقد تفطَّرتْ قدماهُ سَيْلًا؟!
ثم انظرْ كيف يحكي البروفيسورُ «جينز» عن السَّعادةِ والسَّكينةِ التي تغمرُ نفسَه حين يناجي اللهَ بالتَّعظيمِ، فكيفَ لو ذاقَ سكينةَ القرآنِ، وغمرتْه حلاوةُ التهجُّدِ، ولذَّةُ الخشوعِ والانطراحِ بينَ يديِ اللهِ؟!
كلُّ هذه المعاني في تعظيمِ اللهِ تكشَّفتْ للبروفيسورِ «جينز» وهو يتأمَّلُ فقط ملكوتَ السَّماواتِ والأرضِ، حتَّى بلغَ أن شهدَ للقرآنِ أنَّه حقٌّ، وأنَّ نبوَّةَ محمَّدٍ حقٌّ. ألا صدقَ اللهُ سبحانه إذ يقولُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].
هذه المشاعرُ التي عصفتْ بالبروفيسورِ جينزَ وهو يتدبَّرُ عظمةَ مَلَكوتِ السَّماواتِ والأرضِ، وجمالِ الفَلَكِ، عُرِضَتْ لكثيرٍ من النَّاسِ غيرِه، وسأذكرُ بعضَ الشَّواهدِ:
فهذا إيمانويل كانط (ت 1804م)، رمزُ الفلسفةِ الألمانيَّةِ، وفي عملِه الثَّاني في ثلاثيَّتِه النَّقديَّةِ المشهورةِ، استفتحَ خاتمةَ الكتابِ بهذه العبارةِ ذاتِ الدَّلالاتِ المثيرةِ، حيث يقولُ كانطُ في كتابِه المشارِ إليه:
«شيئانِ اثنانِ يملآنِ العقلَ بإعجابٍ ومهابةٍ متجدِّدَيْنِ ومتزايدَيْنِ، كلَّما كرَّرنا النَّظرَ فيهما: الأفلاكُ المرصَّعةُ بالنُّجومِ فوقَنا، والقانونُ الأخلاقيُّ في داخلِنا».
حين تتأمَّلُ في مشاعرِ كانطَ هذه التي يرويها عن نفسِه، وتستحضرُ منزلةَ كانطَ المركزيَّةَ في الفلسفةِ بعامَّةٍ، والفلسفةِ الألمانيَّةِ بخاصَّةٍ؛ تصلُ إلى نتيجةٍ خلَّابةٍ، وهي انفعالُ أشدِّ النَّاسِ إيغالًا في العلومِ العقليَّةِ بهذه الآياتِ الكونيَّةِ الفلكيَّةِ في السَّماءِ...
حسنًا... دعْنا نتجاوزْ هذه الطَّبقةَ من أهلِ العلومِ الطبيعيَّةِ والفلسفيَّةِ، ولنتأمَّلْ في طبقةٍ أرفعَ منهم وأشرفَ وأنقى وأزكى وأعلمَ، وهم ساداتُ العلمِ والإيمانِ، وإذا دلفْنا إلى هذه الطَّبقةِ، فلن أستطيعَ أن أتجاوزَ قصَّةً شاهدَها الحافظُ أبو حفصٍ البزَّارُ (ت 749هـ) بنفسِه، ثم سجَّلَها في كتابِه «الأعلامُ العليَّةُ في مناقبِ ابنِ تيميَّةَ»، الذي تقدَّمتِ الإشارةُ إليه في فصلٍ سابقٍ.
وبالمناسبة، فكتابُ البزّار هذا، في تقديري، هو أعذبُ الكتبِ التي تُرجِمَتْ لأبي العبّاس. صحيحٌ أنَّ في ترجمةِ ابنِ عبدِ الهادي، وابنِ كثيرٍ توسُّعًا في نواحٍ ومعلوماتٍ معيَّنة، لكنَّ البزّارَ نقل أمورًا من دقائقِ تصرُّفاتِ ابنِ تيميةَ، في ليلِه ونهارِه، لا تجدُها عند غيرِه. وربما يكونُ السببُ في ذلك أنَّ البزّارَ اقتربَ من ابنِ تيميةَ شغفًا بنقلِ أحوالِه، وكان ابنُ تيميةَ يُدنيه منه، كما يقولُ البزّارُ: «وكنتُ مدّةَ إقامتي بدمشقَ ملازمَه جلَّ النهارِ، وكثيرًا من الليلِ، وكان يُدنينِي منه، حتى يُجلسني إلى جانبِه».
وإنّي أغبطُ كلَّ قارئٍ لم يقرأْ بعدُ «الأعلامَ العليّةَ»، لأنَّ متعةً تاريخيّةً تنتظرُه… وهذه القصّةُ التي نقلها البزّارُ عن ابنِ تيميةَ تتعلّقُ بموضوعِنا عن الفَلَك، حيث يروي الحافظُ البزّارُ برنامجَ ابنِ تيميةَ بعد صلاةِ الفجرِ مباشرةً، فيقولُ:
«ثم يشرعُ في الذكرِ، وكان قد عُرِفتْ عادتُه: لا يُكلِّمُه أحدٌ لغيرِ ضرورةٍ بعد صلاةِ الفجرِ، فلا يزالُ في الذكرِ يُسمِعُ نفسَه، وربما يُسمَعُ ذكرُه مَن إلى جانبِه، مع كونِه في خلالِ ذلك يُكثِرُ من تقليبِ بصرِه نحوَ السماءِ، هكذا دأبُه حتى ترتفعَ الشمسُ ويزولَ وقتُ النهيِ عن الصلاةِ».
فتأمّلْ كيف كان أبو العبّاس ابنُ تيميةَ يُكثِرُ من النظرِ في مَلَكوتِ السَّماواتِ والأرضِ بعد صلاةِ الفجرِ وهو يذكرُ اللهَ، يُقلِّبُ بصرَه في السماءِ، لما يتضافرُ في ذلك من اجتماعِ أسبابِ الاستغراقِ في استحضارِ العظمةِ الإلهيّةِ.
وإنما ورد النهيُ عن رفعِ البصرِ إلى السماءِ في حالِ الصلاةِ، كما سبقتِ الإشارةُ إليه في فصلٍ سابقٍ؛ لأنّها حالٌ خاصّةٌ من الخشوعِ والإطراقِ والأدبِ، وأمّا في سوى ذلك فلم يُنهَ عنه، بل هو من هديِ رسولِ الله ﷺ، كما كان يُقلِّبُ وجهَه في السماءِ وهو يلتمسُ تحويلَ القبلةِ: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144].
وذكر الصحابةُ كثرةَ رفعِ النبيِّ ﷺ وجهَه إلى السماءِ، كما في صحيحِ مسلم: «فرفعَ النبيُّ ﷺ رأسَه إلى السماءِ، وكان كثيرًا ممّا يرفعُ رأسَه إلى السماءِ». وفي السننِ: «كان رسولُ الله ﷺ إذا جلسَ يتحدّثُ يُكثِرُ أن يرفعَ طرفَه إلى السماءِ».
ومن أعظمِ النماذجِ في التعاملِ مع الفَلَكِ كمعراجٍ لليقينِ، والتي تفوقُ ما ذكرناه عن غيرِ الرسلِ، موقفُ خليلِ اللهِ إبراهيمَ، وما جرى له من أحوالٍ مع الأجرامِ الفلكيّةِ... وقد نصَّ اللهُ في كتابِه أنَّه أرى إبراهيمَ «مَلَكوتَ السَّماواتِ والأرضِ» لتحقيقِ نتيجةٍ واضحةٌ، وهي قولُه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾...
فأيُّ برهانٍ أعظمُ من هذا البرهانِ يبيّنُ أنَّ الفَلَكَ مِعراجٌ لليقينِ، وأنَّ الأجرامَ السماويّةَ وأحوالَها سلالمُ يصعدُ بها القلبُ إلى مداراتِ الجزمِ وخلعِ الارتياباتِ؟ ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75].
النظرُ في ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ... دربٌ ينتهي بصاحبِه إلى جنّةِ اليقينِ...
وقد دعانا اللهُ إلى هذا النظرِ في ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 185].
على أيّةِ حالٍ... من تأمّلَ في قصّةِ الفيزيائيِّ/الفلكيِّ جيمس جينز، وشدّةِ انفعالِه بعظمةِ صنعِ اللهِ وبدائعِ نظامِه في الفَلَكِ، حتى انهمرتْ دموعُه، وتأمّلَ عبارةَ كانط حين تحدّثَ عن تزايدِ الإعجابِ والمهابةِ كلّما كرّرَ المرءُ النظرَ في السماءِ المرصّعةِ بالنُّجومِ فوقَنا، وتأمّلَ كيف كان الإمامُ ابنُ تيميةَ يُقلّبُ بصرَه في السماءِ بعد صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ... ثم ضمَّ هذه المشاهدَ كلَّها إلى قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أدركَ شيئًا من عجائبِ أسرارِ القرآنِ في غرسِ اليقينِ في النفوسِ البشريّةِ...!
وكلّما أعادَ المرءُ التدبّرَ والتمعّنَ في العبارةِ الأخيرةِ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، انفتحتْ له أبوابٌ عظيمةٌ إلى مقامِ الإحسانِ، وهو أرفعُ مقاماتِ الدينِ، فوقَ الإسلامِ والإيمانِ، وهو أن تعبدَ اللهَ كأنّكَ تراه، يعني من شدّةِ اليقينِ… فإذا رأيتَ النُّجومَ تتدلّى بحبالِ ضيائِها إليكَ، فانتهزِ الفرصةَ، وتسلّقْ بها إلى قممِ اليقينِ… ________________________________________________
(فائدة) لما كان الإمام مسلم بن الحجاج يصنف كتابه ((الصحيح)) الذي هو أحد مفاخر هذه الأمة، وبلغ -رحمه الله- أحاديث الصلاة، وبلغ منها تحديدًا أحاديث مواقيت الصلاة، جاء لحدیث عبد الله بن عمرو المشهور في تحديد أوقات الصلاة، وكان هذا الحديث جاء بروايات متفرعة متعددة، فرتبها ترتيبًا حسنًا استوعب اختلاف الطرق فيها عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو، فلما رأى رحمه الله صنيعه هذا أراد أن يوصل رسالة لقارئ كتابه أن هذه النتيجة الحديثية التي توصل إليها في حديث عبد الله بن عمرو لم تأت إلا بالعناء المضني، فأخرج بعدها أثرًا عن الإمام الحافظ يحيى بن أبي كثير (ت١٢٩هـ) يقول فيه: (حدثنا یحیی بن یحیی التمیمي، قال أخبرنا عبد الله بن یحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبي يقول: ((لا يُستطاع العلم براحة الجسم))).
يقول القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) في كتابه إكمال المعلم: (فكثيرٌ من يسأل عن ذكره هذا الخبر في هذا الموضع وليس منه، ولا هو من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من شرط الكتاب، فقال لنا بعض شيوخنا: إن مسلمًا رحمه الله أعجبه ما ذكر في الباب، وعرف مقدار ما تعب في تحصيله وجمعه من ذلك، فأدخل بینها هذا الخبر تنبيهًا على هذا، وأنه لم يحصِّل ما ذكر إلا بعد مشقة وتعب في الطلب، وهو بيِّن، والله أعلم).
(فائدة) يقول ابن تيمية: (وأفضل الخلق: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم) (اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٣٣)). وقال ابن تيمية أيضًا: (فصلٌ: وأفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم الخليل)( مجموع الفتاوئ، (٣١٧/٤)). حسنًا .. لا شك أن محمد وإبراهيم الخليلين -صلى الله عليهما وآلهما وسلم- هما أعظم شخصين في تاريخ البشرية ..
(فائدة) في الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، التقى بإبراهيم عليه السلام، وأخبره أن الجنة قيعان، وأنها عذبة الماء، طيبة التربة، وأن غراسها: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). وقد علّق النووي على هذا الخبر بقوله: (وقد منّ الله الكريم علينا وجعل لنا رواية متصلة، وسببًا تعلقًا بخليله إبراهيم -عليه السلام- كما منّ علينا بذلك في حبيبه خليله وصفيّه محمد صلى الله عليه وسلم). ثم ساق النووي بإسناده هذا الحديث السابق مرورًا بالترمذي.
(فائدة) في أحد تلك المشاهد كان الشيخ البزار يصوّر صلاة ابن تيمية .. وحين تحدّث عن طريقة تكبيره رسمها بعبارة تنقطع لها الأنفاس .. يقول البزار عن شيخه ابن تيمية: (وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنة ويسرة) (الأعلام العلية، ص٣٧).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق